← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

من أن الزكاة طُهرة للمال وكفارته لا يبقى بعدها حق فيه، وقد قال النبي، ﷺ ، للسائل عن الفرائض وفي طريق التعليم: "هَلْ عَلَى غَيْرَهُن؟ قَالَ: لَا" (١)، وهذا نص إنصاف: نحن وإن قلنا انه ليس في المال حق سوى الزكاة فإنما ذلك ابتداء فأما العوارض والطوارىء فقَد تتعين الحقوق في الأبدان بالنصرة للمظلومين ودفع الظالمين زائداً على الجهاد، وفي الأموال بإغناء المحتاجين وفكّ الأسرى من المسلمين، وقد قال مالك، ﵁: يجب على كافة الخلق أن يفكوا الأسرى ولو لم يبقَ لهم درهم (٢)، ولا خلاف بين الأمة في هذين الفصلين، فافهموا تنزيلهما واعلموا أوجه الخلاف فيهما. تقسيم واستيفاء ترتيب: أتقن مالك، ﵁، في كتاب الزكاة اتقاناً صار لجميع الخلق معياراً فهم يقتفون في ذلك أثره (٣)، ويترقون إلى درجته، وأنى لهم؛ فإنه لمّا أصل الزكاة حسن ترتيبها فبدأ بالعين الذي هو أصل الأموال ومعيار الأملاك وحقيقة الغنى فاستوفى وجوهه التي تتعلق بها الزكاة، والتي لا تتعلق من معدن وركاز وحلي، واتبع ذلك بأموال الصبيان والأموال المستفادة بالمواريث وبين حكمه إذا كان صماراً (٤)، وذكر العروض التي تجب فيها الزكاة بإنزالها منزلة العين في النية، ويين الكنز المذموم، وهو كل مال لا تؤدَّى زكاته؛ ثم عقَّب ذلك بالماشية والثمار، وهذا ترتيب بديع لمن نظره دون أن يراه لأحد ثم لحظ الشريعة لحظة أخرى أعظم من هذه الأُولى فعلم أن أموالها منقسمة إلى أربعة أقسام: الصدقة والجزية والفيء والغنيمة، فأفرد للفيء والغنيمة كتاباً، وأدخل الجزية في كتاب الزكاة لأنه مال موظف على الأبدان فصار من نوع زكاة الفطر وأشبه شيء بصدقة المال لأنها متعلقة بالبدن تعلق مالك بالمال، ثم رأى غيره أن يلحقها بالفيء والغنيمة وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى. ما لا زكاة فيه من الحلي: أدخل مالك، ﵁ حديث القاسم عن عائشة

стр. 457

رضي الله عنها أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى فلا تخرج من حليهن الزكاة (١)، ليبين بذلك بطلان الحديث المروي عن عائشة، ﵂، أنَها قَالَتْ: دخَل عليَّ رَسُولُ الله، ﷺ وفي يَدِي فتْخ (٢) وَهيَ الْخَوَاتمُ، فقالَ: مَا هذا؟ فقُلْتُ صَنعْتُهَا أتزينُ بِهَا لكَ، فَقَالَ: أَتؤَدِّينَ زَكَاتَها؟ قُلْتُ: لَا، قَال: هي حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ (٣). فبيَّن مالك، ﵁، أن هذا لو سمعته من النبي، ﷺ ، لما تركت إخراج الزكاة من هذا الحلي، وقصد بذلك أيضاً الرد على أهل العراق في أن الراوي إذا أفتى بخلاف ما رواه سقطت روايته (٤). زكاة مال الصبيان: روي عن النبي، ﷺ ، أنه حث على التجارة في أموال الصبيان

стр. 458

أولياؤهم لئلا تأكلها الصدقة (١)، ولكن عوَّل مالك، ﵁، على حديث عمر بن الخطاب، ﵁, لأنه خليفة، وكان يأمر بذلك، ولم يثبت له مخالف من الصحابة (٢)، ﵃. وقال أهل العراق: ليس في مال الصبي

стр. 459

زكاة (١)، وقد قال الله تعالى لرسوله، ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢). كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ (٣)، وقال النبي، ﷺ : "الزَكَاةُ حَق المَالِ" (٤)، فحيث ما وجد المال تؤخذ منه الزكاة كما يؤخذ منه العشر، وإن كان صبياً، فإن قيل هي عبادة ولا يتعلّق بالصبي تكليف. قلنا: وإن كانت عبادة تجوز فيها النيابة فإن تعذر إعطاء الصبي ناب عنه وليُّه. زكاة العروض: احتج مالك، ﵁، بكتاب عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة (٥) عدل وهو أصل عظيم، والذي نحققه أن الزكاة قد تقرر وجوبها في العين وتجد من الناس خلقاً كثيراً يكتسبون الأموال ويصرفونها في أنواع المعاملات وتنمى لهم بأنواع التجارات، فلو سقطت الزكاة عنهم لكان جزء من الأغنياء يخرجون عن هذه العبادة وتذهب حقوق الفقراء في تلك الجملة، وربما اتخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الزكاة والاستبداد بالأموال دون الفقراء، فاقتضت المصلحة العامة، والأمانة الكلية في حفظ الشريعة ومراعاة الحقوق، أن توخذ الزكاة من هذه الأموال إذا قصد بها النماء.

стр. 460

باب الكنز أدخل مالك ﵁ حديث ابن عمر أنه المال الذي لا تؤدى زكاته (١) وصدق لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) فاختلف الناس هل هذة الآية عامة في كل نفقة أو مخصوصة بالزكاة؟ (٣) وقد بيَّنَّا أن الكنز

стр. 461

هو المال الذي يُحبس عن الحقوق المتعينة، كانت أصلية كالزكاة أو عارضة كفك الأسير وإطعام الجائع ونحوه. حديث "مُثلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعاً (١) أقْرَعَ" (٢) ثبت ذلك عن رسول الله، ﷺ ، من طريق أبي هُرَيْرَة وغيره، وهذه العقوبة إنما تكون، كما قلنا، فيمن منع الحقوق (الواجهة) ومعنى (مُثِّلُ لَهُ شُجَاعَ أقْرَعَ) حقيقة لأن المال جسم والشجاع جسم فيغير الله تعالى الهيئات والصفات والجسم واحد، وكون المثل في الذات لا في الصفة بخلاف قوله: (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ) (٣)، وخصّ بذلك الشجاع لأنه أول عدو اكتسبه الإنسان وبه خرج من الجنة. صدقة الماشية: ثبت عن النبي، ﷺ ، في صدقة الماشية ثلاثة كتب، كتاب أبي بكر الصدّيق بعد موت رسول الله، ﷺ ، رواه أنس، ﵁، واستقر (٤) عنده، وكتابه إلى عمرو بن حزم واستقر عندهم (٥)، وما في كتاب عمر بن الخطاب، ﵁،

стр. 462

وعليه عوَّل مالك، ﵁، لطول مدة خلافته وسعة بيضة الإِسلام في أيام ولايته وكثرة مصدِّقيه فما من أحد اعترض فيه (١).

стр. 463

زكاة البقر: وأما زكاة البقر، ثبت أيضاً عن النبي، ﷺ ، والمعول فيه على حديث معاذ (١) لأن تهامة ونجداً لم تكن أرض بقر وإنما احتيج إلى بيان حالها باليمن. صدقة الخلطاء: هذه مسألة عسيرة قال النبي، ﷺ : "وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوَيةِ" (٢). واختلف الناس في الخليطين هل هما الشريكان أم الجاران؟ واختلف الناس فيما يكونان به خليطين، وفي وقت الخلطة، وفي كيفية التراجع عند اختلاف نسبة الأعدادِ؟ وهذا كله قد بيَّناه في موضعه بأصوله وفروعه وفي قوله: (لَا يُفَرقُ بَيْنَ مُجْتَمَعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفَرَّقٍ) دليل على ما قلناه (٣) في الحوطة في الزكاة ومنع

стр. 464

التطرق إلى إسقاطها، والذي يعوَّل عليه ها هنا من هذا الباب ثلاثة معان: الأول: أن الخليطين أصل في الشريعة (١). والثاني: أنهما اللذان لا تنفصل غنماهما، فإن انفصلت في المراح خاصة والراعي والدلو والمسرح واحد عفي عنه عند علمائنا وفيه تفصيل طويل (٢). والثالث: أنهما ليسا الشريكين؛ إذ لو كانا شريكين لما احتيج (٣) إلى التراجع، وهذا أعسر فصل (٤) على (ش) (٥). حديث: قال عمر بن الخطاب، ﵁، (نعَمْ نَعُدُّ السَّخْلَةَ وَلَا نَأْخُذُها) (٦)، هذا ليس بجواب إلا على مذهب أهل السنة؛ فإن عمر بن

стр. 465

الخطاب، ﵁، قال لسفيان (١): (قلْ لَهُمْ نَعد عَلَيْهِم السخلَةَ يَحْمِلُهَا الراعِي ولَا نَأخُذُهَا كَمَا تَعُدُّ عَلَيْهِمِ الربا (٢) وَالأكُولَةَ (٣) وَلَا نَأخُذُهَا) وهذا قياس النظير على النظير تحقيقه، كما قال عَدل بين غدا (٤) المال وخياره وذلك أنا نمتنع عن أخذ الكريمة نظراً لصاحب المال، ونمتنع عن أخذ السخلة نظراً للفقراء، وفيها وجه آخر؛ وذلك أن الساعي لو أخذها ما أمكنه حلبها فسقط اعتبارها من كل وجه، ولذلك قلنا: إن المصدق لا يختار الصدقة إنما يقول لرب المال: عليك شاة فجِىءْ بها، فإذا جاء بالوسط لزمه قبوله. من يجوز له أخذ الصدقة: بيَّن الله تعالى مصرف الزكاة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٥)، إلى آخر الآية، فتعينت لهم، ثم روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال:"لَا تَحِلّ الصدَقَةَ لِغَنيِّ إلَّا لِخَمْسَةٍ" (٦) وكما أنه حرَّم الصدقة على كل أحد عدا الأصناف، فكذلك أيضاً حرَّم المسألة على من كان عنده غداء وعشاء (٧)، وفي رواية وعلى من كان

стр. 466

عنده أوقية (١) وهو الصحيح، فأما العامل فيأخذ منها نصيبه أجرة له على تكفل ذلك، وأما الغارم وهو أحد رجلين: إما رجل مثلًا له مائة دينار وعليه مائة دينار فهو فقير غارم يحل له أخذ الصدقة ولا تؤخذ منه عندنا. وقال (ش) تؤخذ منه ويُعطى (٢)، وقد بينَّاها في مسائل الخلاف. وأما الرجل الذي اشتراها بماله، أو الذي أهدى له المتصدق عليه، فذلك مجاز لأنها ليست بصدقة بعد الشراء والهدية وإنما هي في خالص ملك، وقد بيَّن النبيّ، ﷺ ، ذلك بقوله (قَدْ بَلَغَتْ مَحَلِّهَا) (٣). وأما المغازي في سبيل الله فإنهم أهل الديوان يفرض لهم العطاء وتصرف إليهم الصدقة. زكاة الزيتون ونحوها: قال الله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ (٤) الآية. واختلف الناس في وجوب الزكاة في جميع ما تضمنت أو بعضَه، وقد بيَّنا ذلك في الأحكام (٥)، لبابه أن الزكاة إنما تتعلق بالمنبتات، كما قدمنا، دون

стр. 467

الخضروات، وقد كان بالطائف الرمان والفرسك (١) والأترج (٢) فما اعترضه رسول الله، ﷺ ، ولا ذكره ولا أحد من خلفائه .. الجزية: هي فعلة من جازاه كأنها تجزىء عنهم فيما كان واجباً من القتل (٣). وقال (ش) (٤): تجزىء عنهم فيما لزمهم من كراء الدار إذا نزلوا بدار الإِسلام فتعيَّن عليهم الكراء، والصحيح أنها بدل عن القتل قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ﴾ (٥) الآية. سمعت أبا الوفاء علي (٦) بن أبي عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها فقال ﴿قَاتِلُوا﴾ وذلك أمر بالعقوبة ثم قال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة، وقوله: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تأكيداً للذنب في جانب الاعتقاد، ثم قال: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ زيادة للذنب في مخالفة الأعمال، ثم قال: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام، ثم قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ تأكيداً للحجة لأنهم كانوا يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ فبيَّن الغاية التي تمتد إليها العقوبة وعيَّن البدل الذي ترتفع به، وهذا من الكلام البديع، فقبلها النبي، ﷺ ، حتى من المجوس، على ما رواه عبد الرحمن بن عوف، ﵁. لأن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ كما بينَّاه لم يكن شرطاً وإنما كان تأكيداً للحجة، وقال ﷺ ، في المجوس:"سُنَّوا بِهِم سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" (٧)، وهذا عموم اتفق

стр. 468

العلماء على تخصيصه في الجزية خاصة دون سائر أحكام التحريم، وههنا نكتة وهي أن النبي، ﷺ ، فرض الجزية على الكفار جملة بالبحرين (١)، بدومة الجندل (٢)، وتولى

стр. 469

الكفار أداءها عن أنفسهم بما يصلح لهم، فلما استوثق الأمر لعمر، ﵁، ووقع بين الكفار التظالم فيها وخيف من بعضهم التحامل على بعض، ولم يكن من النبي، ﷺ ، فيها تقدير على الأعيان مفصلاً ولا على الكل مجملاً، تولَّى عُمر، ﵁، فرضها مع الصحابة على الاجتهاد: على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وجعل أعلاها أربعة دنانير، ولو كان معه بيت مال. وفرض عليهم مع ذلك ضيافة المسلمين ومؤنة لمن يحرس أهل الذمة ويمنع من يطرق إليهم الأداية (١) على ما تقرر في عهد عمر، ﵁، على ما أوردناه في الكتاب الكبير، والذي يدل على أن الجزية بدل عن القتل لا عن الدار أخذ عمر، ﵁، العشور من أهل الذمة إذا تصرفوا بالتجارة عوضاً عن تصرفهم بيننا وانتفاعهم بأموالنا، وإنما قصد عمر، ﵁، إلى العشر لأنه رأى الله تعالى قد جعله غاية الزكاة فقال النبي، ﷺ : "فِيمَا سَقَتِ السمَاءُ الْعُشْرُ" (٢) فجعله غاية الكراء في الاقتداء. زكاة الفطر: اختلف العلماء، إسلاماً ومذهباً، هل هي واجبة أم لا؟ وهل يُعتبر في أدائها النصاب أم لا؟ وفي قدرها ووقت وجوبها؟. فأما فرضها فلا إِشكال فيه لتوارد أمر النبي ﷺ ، بها وحضّه على أدائها (٣)؛ وذلك يبين أن معنى قوله في هذا الحديث (فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ ) (٤) أوجبَ ................................

стр. 470

......................... لا قدَّرَ (١)، كما تأوَّله من نفى وجوبها. وأما أنا فأقول: معناه أوجَبَ وقدَّرَ وإن كانا مختلفين، وقد بيَّنَّا في أصول الفقه صحة تأول اللفظ الواحد للمعنيين المختلفين (وأما أنا فأقول معناه) (٢). وأما وقت وجوبها فالأظهر فيه من إضافتها. فإذا قيل لك ما هي؟ قلت: زكاة الفطر، فهذا اسمها الذي تُعرف فيه وسببها الذي تجب به (٣). وأما وقت أدائها فقيل الصلاة، وفي الحديث (هِيَ طُهْرَةٌ لِصِيَامِكُمْ مِنَ اللَّغْوِ وَالرفَثِ تُؤَدَّى قَبْلَ الصلاةِ فَمَنَ أداهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ) (٤). وأما اعتبار النصاب فيها فهو مذهب (ح) (٥)، وذلك ساقط لأن النبي ﷺ ، ذكر فرضها مطلقاً وأخذها من كل أحد، ولو اعتبر فيها النصاب لوجبت فيه كسائر الصدقات. فإن قيل فما تجدون فيها؟ قلنا: هي مسألة اجتهادية ليس فيها نصٌّ ولا لها نظير فمن بقى عنده، بعد أدائها، قوت يومه فليخرجها إن قدر من قِبَلِهِ، وإن لم يقدر فليس وراء ذلك أصل يرجع إليه، ولا دليل يعول عليه، بيد أني تعلقتُ بذلك بنكتة وذلك أن النبي ﷺ ، قال: (مَن سَألَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْألَتهُ خدُوشاً في وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قِيلَ: وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: اوقِيَّةٌ) (٦)، فيُشبه أن يقال: كل من تحل له المسألة فلا يخرجها، ومن حرمت عليه يخرجها، والله أعلم.

стр. 471

كتاب الصيام وهو في اللغة عبارة عن الترك والإمساك، وكذلك هو في الشريعة. لكن الشريعة سلكت سبيل اللغة في تخصيص المسمى ببعض متناولاته التي يعطيها اشتقاقه كالقارورة والدابة وأمثالها. وهو الإمساك عن الطعام والجماع ولم تختلف في ذلك شريعة، قال الله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١). قيل: يعني شهراً بشهر، وقيل: يعني صفة بصفة، ولعله أراد الوجهين، وقد بيَّنا ذلك في الأحكام (٢). ثم رفق الله تعالى بهذه الأمة فأباح لها الطعام والجماع الليل كله لأجل رجل من الأنصار (٣) لم

стр. 472

يتفق له أن يصيب طعاماً حتى نام (١)، وروي أن عمر، ﵁، وطئ بعد النومِ فأنزل الله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٢) وهذا يبعد عليه ارتكابه، فإن صح فههنا تظهر المنازل وذلك لأن معصية عمر، ﵁، أوجبت شريعة وأباحت الفعل له ولجميع الأمة بما أتاهم الله تعالى من شرف المنازل .. (وَنَهَى النبي ﷺ عَنِ الْوِصَال. رِفْقاً بِهمْ، فَقَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ، فَقَالَ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أبِيتُ يُطْعِمُني ربِّي وَيَسْقِيني فَوَاصلُوا فَوَاصَلَ بِهِمْ حَتَّى آخِرِ الشَّهْرِ ثُمَّ قَالَ: لَوْ زَادَ لَزِدتُكُمْ، كَالْمُنْكِلِ لَهُمْ) (٣). وإنما نهى عن الوصال لأنه يشبه فعال أهل الكتاب ويضعف الأبدان، والمقصود العبادة مع بقاء القوة، وإنما واصلوا بعد نهيه عن الوصال لأنهم فهموا منه أنه كان نهي رِفْق لا نهي عزم، وقد قال ﷺ "فَصْلٌ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهْلِ الْكِتَابِ أكْلَةُ السُّحُورِ" (٤) (٥)، ولذلك استحب مالك الفطر لمخالفة أهل (٦) الكتاب وروى الترمذي (أحَبُّ عِبَادِ الله إلَى الله أعْجَلُهُمْ (٧) فِطْراً)، وقال النبي ﷺ ، (لَا يَزَالُ

стр. 473

الدِّينُ ظَاهِراً مَا عَجَّلَ النَاسُ الْفِطْرَ) (١) أخرجه النسائي، وقال النبي ﷺ ، لرجل: (إنْزَلْ فَأجْدِحْ لَنَا، فَقَالَ الرجُلُ لَهُ: إِنَّ عَلَيْكَ نَهَاراً، فَقَالَ لَهُ: إنْزلْ فَأجْدِحْ لَنَا، قَالَ لَهُ: إنَّ عَلَيْكَ نَهَاراً، قَالَ: إنْزَلْ فَأَجْدِحْ (٢) لَنَا) ثم قال (إِما أقْبَلَ الليلُ مِنْ ههُنَا وَأدبَرَ النَّهَارُ مِنْ ههُنَا وَغَرُبَتِ الشَّمسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ) (٣)، فأنكر الرجل سرعة الفطر فأعلمه النبي ﷺ ، أن ذلك هو الحق، ووقعت ببغداد نازلة تتعلق بهذا الحديث؛ وذلك أن رجلاً قال، وهو صائم، إمرأته طالق إن أفطرت على حار وعلى بارد. فرفعت المسألة إلى أبي نصر بن الصباغ (٤)، إمام الشافعية بالجانب الغريي، فقال: هو حانث؛ إذ لا بد من الفطر على

стр. 474

أحد هذين. ورفعت المسألة إلى أبي إسحاق الشيرازي (١) بالمدرسة فقال: لا حنث عليه لأنه قد أفطر بدخولها على غير هذين وهو دخول الليل، قال النبي ﷺ ، وساق الحديث إلى قوله (فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ) وفتوى ابن الصباغ أشبه بمذهب مالك، ﵁، في تعليق الإيمان بالمقاصد، وفتوى أبي إسحاق الشيرازي صريح مذهب الشافعي، ﵁، فإنه يعلّقها بالألفاظ ولا يلتفت إلى المقاصد، وكما حرّم الطعَام والجماع على الصائم لعلّه يتَّقي بصيامه فمَه وفرجَه عن الشهوات فكذلك يلزمه أن يصون جوارحه عن السيئات. قال النبي ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" (٢). وكما يقول الفقيه للصائم، إذا أكل أو جامع: افسدتَ صومَك ولن يجزئك في الامتثال في الأمر ولا الاجتناب في النهي، فكذلك يقول له الزاهد: إذا كذبت أو اغتبتَ أو فعلتَ معصية لم يتقبل منك صيامك. فأحد (الحكمين) (٣) تأثيره في الدنيا والحكم الآخر لا يظهر إلا في الآخرة .. " تنبيه " قوله: فليس لله حاجة إذا عصى في ترك الطعام والجماع، وليس لله حاجة في شيء فإنه يتقدس عن الحاجات (٤)، وإنما ضربه مثلًا في أن أحدهما إذا ترك فليترك الآخر، أو فعل فليفعل الآخر، إشعاراً بارتباطهما, لأن قول الزور والعمل به أقوى في التحريم من الطعام والجماع, لأن الطعام والجماع (كانا محلّلين) قبل الصيام، وكان قول الزور وأخواته حراماً ثم تأكَّد تحريم ذلك كله بالصيام فكان بأن تؤثر في الإبطال أولى وأحرى .. تكملة: من تمام الحديث المتقدم قول النبي ﷺ ، (كُل عَمْلِ ابنِ آدم لَهَ إلَّا الصيَامُ فَإنَهُ لي وَأنَا أُجزِي بِهِ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلا الصَيامَ فَإنَهُ لِي وَأنَا

стр. 475

أُجزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ ريحِ الْمِسْكِ يَذَرُ (١) طَعَامَهُ وَشَرَابهُ مِنْ أجْلِي" فَنَبَّه ﵎ على فضل الصيام بقوله (الصَّوْمُ لي) (٢)، وقد قال علماؤنا في ذلك سبعة أوجه: الأول: إضافته إليه تشريفا وتخصيصاً كإضافة المساجد والكعبة تنبيهاً على شرف الكل .. الثاني: أنه أراد بقول (الصَّوْمُ لي)، الصوم لا يعلمه غيري لأن كل طاعة لا يقدر المرء أن يخفيها أو إن اخفاها عن الناس لم يخفِها عن الملائكة .. والصوم يمكنه أن ينويه ولا يعلم به ملك ولا بشر .. الثالث: أن المعنى: الصوم صفتي؛ لأن الباري تعالى لا يطعم فمن فضل الصيام على سائر الأعمال أن العبد يكون فيه (٣) علي صفة من صفات الرب ، وليس ذلك في أعمال الجوارح إلا في الصوم، فأما في أعمال القلوب فيكون ذلك كثيراً كالعلم والكلام والإرادة .. الرابع: أن المعنى (الصَّوْمُ لي)، أي من صفة ملائكتي؛ فإن العبد في حالة الصوم ملك لأنه يذكر ولا يأكل، ويمتثل العبادة ولا يقضي شهوة .. والخامس: (الصَّوْمُ لي) أن المعنى فيه أن كل عمل أعلمكم مقداره إلا الصوم فإني انفردت بعلمه لا يطلع عليه أحد .. السادس: أن معنى (الصَّوْمُ لي) أي يُقمع عدوي، وهو الشيطان, لأن سبيل الشيطان إلى العبد اقتضاء الشهوات فإذا تركها العبد بقي الشيطان لقاً لا حراك به ولا حيلة له .. السابع: أنه روي في الأثر (أن الْعَبْدَ يَأتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتِهِ، وَيَأتي قَدْ ضَرَبَ هذَا وَشَتَمَ هذَا وَأخَذَ مَالَ هذَا فَتُدْفَعُ حَسَنَاتُهُ لِغُرَمَائِهِ إلَّا الصِّيَام .. يَقُولُ الله تَعَالَى هُوَ لي لَيْسَ لَكُمْ إلَيْهِ سَبِيلٌ) (٤).

стр. 476

وهذا إن صح بديع، وقوله: (لَخُلُوفُ فَمِ الصائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) (١). مثل وجه التمثيل فيه أن المسك محبوب للنفس والصوم أحب إلى الله تعالى، وأقرب إليه، من حب المسك اليكم وقربه من أنفسكم، إشارة إلى أن المسك أطيب الطيب .. كذلك الصوم أفضل العبادة. فإن قيل فهل يكون أفضل من الصلوات بهذا المعنى؟ قلنا: العبادة على ضربين: متعدية ولازمة، فالصوم أفضل اللازمة لأنه منها، فإن قيل: والصلاة لازمة فهل هو أفضل منها؟ قلنا: لا أفضل من الصلاة، وإنما يكون فضل الصوم بعدها، وقوله: (وَللصائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَة عِنْدَ الْإفْطَارِ) بلذة الطعام، وقال أهل (العبادة) (٢): فرحته تمام الصيام، وإذا لقي الله تعالى كان أشد فرحاً. حديث: قول النبي، ﷺ ، (وَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلا تُفْطِرُوا حَتى تَرَوْهُ فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) (٣)، الحديث إلى آخره. أمر الله تعالى بصوم رمضان وربطه برؤية الهلال، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤) ولوجوبه ثلالة شروط: البلوغ والصحة والإقامة. فإن العبادات عندنا واجبة على الكفار (٥)، وإنما سقط القضاء بدليل، وكذلك يجب الصيام عندنا على المجنون (٦)، في تفصيل بيانه في كتب المسائل، وألزم الله تعالى، عند

стр. 477

رؤية الهلال، بالصوم وتعليقه به إحصاء هحل شعبان. قال أبو هُريْرة: قال رسول الله ﷺ : "احْصُوا هلَال شعْبَانَ لِرَمضَانَ" خرّجه الترمذي (١). نكتة أصولية: قال بعض التابعين (٢) إن غم الهلال عمل على تقديره بالحساب، فإذا قال الحاسب: هو الليلة على درجة من الشمس يمكن أن يظهر فيها عادة لو لم يكن غير فإنه يعمل على قوله في الصوم والفطر لقوله: (فَاقْدُرُوا لَهُ) يريد فاحسبوا تقدير منازله التي عبر الله عنها بقوله ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ (٣) مَنَازِلَ﴾. وسقط بعض المتأخرين من الرحالين (٤) ها هنا سقطة كبيرة فنسب هذا القول لبعض الشافعية (٥)، وما قال هذا القول أحد قبل التابعي، ولا بعده غيره، ونحن لا ننكر أصل الحساب، ولا جري العادة، في تقديم المنازل ولكن لا يجوز أن يكون المراد بتأويل الحديث ما ذكر لوجهين: أحدهما: فما تفطن له مالك وجعله أصلاً في تأويل الحديث لمن بعده، وذلك أنه قال ﷺ في الحديث الأول: (فَاَقدُرُوا لهُ) (٦)؛ فجاء بلفظ محتمل ثم فسَّر الاحتمال في

стр. 478

الحديث الثاني فقال: (فَأكْمِلُوا الْعَدَدَ ثَلَاِثينَ) (١) فكان هذا تفسير التقدير. وأما الثاني فلا يجوز أن يعوَّل في ذلك على قول الحساب لا لأنه باطل ولكن صيانة لعقائد الناس أن تناط بالعلويات وأن تعلق عباداتها بتداور الأفلاك ومواقعها في الاجتماع والاستقبال، وذلك بحر عجاج إن أدخلوا فيه، وأين هذا لمن عَقِل من التابعين وغيرهم من قول النبي، ﷺ : "إنَّا أُمِّيِّةُ (٢) لَا نكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ الشهْرَ هكَذَا" (٣) الحديث. فإذا كان النبي، ﷺ ، ينفي عن نفسه تعريف الأنامل المعتادة عند أهل الحساب فأولى وأحرى أن ينفي عن نفسه تعريف الكواكب وتعديلها. فقه: وإن كان الحكم منوطاً بالرؤية فليس يتفق لكل أحد أن يراه؛ لأن ظهوره لحظة عن غفلة فإنما يراه بعضٌ دون بعضٍ ويلزم الصوم لمن لم يَرَه بمن رأى. واختلف الناس فيمن يلزم به الصوم، فقيل يلزم باثنين لأنهما (٤) أصل الحقوق الخفية. وقيل يلزم بواحد، وممن قاله (ش) (٥)، وقد روى ابن عمر قال: (رَأيتُ الْهِلاَلَ عَلَى عَهْدِ النبِي، ﷺ ، فَأعْلَمْتُهُ فَأمَرَ بِالصَّوْمِ) (٦) أخرجه أبو داود.

стр. 479

وكثرت في ذلك الآثار (١). قال علماؤنا: هذه حكايته حال، وقضية عين، ويحتمل أن يكون رآه قبل ابن عمر غيره فسقط الاحتجاج به، وهذا بيِّن جداً. فأما الفطر فاتفق العلماء على ألا يكون إلا باثنين إلا أبا ثور فإنه قال: يفطر بقول الواحد (٢)، وجعله من باب الإخبار، وخبر الواحد يلزم العمل به، ولقد تفطَّن لمشكل وتعرض لعظيم قد بيَّنَّاه في مسائل الخلاف، وأقوى ما لكم على هذه الحالة في التمسك به أنه مسبوق بالإجماع إذْ استيفاء البيان معه، ولا يمكن في هذه العجالة. بديعة: قال مالك، ﵁: ويقال للذي قال يُصام بشهادة واحد: أرأيتَ إن لم يرَ آخر الشهر؛ الكلام إلى آخره، فقال: أيصام أحد وثلاثون يوماً؟ (٣) معناه لا سبيل إلى ذلك إذ ليس من شهر واحد وثلاثين، ويقال له: أرأيتَ إن جرى هذا في الصوم بشاهدين أليس يصام أحد وثلاثون يوماً؟ فما يلزم في الشاهد الواحد يلزم في الشاهدين لا محالة، ذريعة ربما خطر بالبال الاحتراز عن هذه الحال فيقول المرء أصوم قبل الشهر مخافة أن أواقع للفطر فيه، وهذه معصية عظيمة في الدين، قال عمار: (مَنْ صَامَ يَوْمَ الشك فَقَدْ عَصَى أبا الْقَاسِمِ) (٤)، وقال النبي، ﷺ : (لاَ تَقْدُمُوا الشهْرَ بِيَوْمٍ ................

стр. 480

..................................... وَلَا يَوْمَيْنِ) (١) بل روى أبو داود (وإذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ حَتَّى يَأتيَ رَمَضَانُ) (٢)، وهذا إنما فعله النبي، ﷺ ، احترازاً مما فعل أهل الكتاب لأنهم كانوا يزيدون في صومهم على ما فرض الله عليهم أولاً وآخراً حتى بدَّلوا العبادة، فلهذا لا يجوز استقبال رمضان ولا تشييعه (من أجله) قلنا في قول النبي ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتّاً مِنْ شَوالَ" (٣) الحديث، لأنه لا يحل

стр. 481

صلتها بيوم الفطر ولكن يصومها متى كان, لأن المقصود بالحديث: من صام رمضان فقد حصلت له مثوبة عشرة أشهر، ومن صام ستة أيام فقد حصلت له مثوبة ستين يوماً وذلك الدهر؛ فأفضلها أن يكون في عشر ذي الحجة؛ إذ الصوم فيه أفضل منه في شوال، فإن قال: لعلّي أموت؟ قيل له: فصمها في شعبان. تتميم: ولأجل هذا قال العلماء: إنه إذا ثبت أصل الصوم بالشهادة مشي بالخبر فكل من سمعه لزمه، إلا أن في ذلك تفاصيل كثيرة للعلماء، فليس هذا موضعها، من أهمها ما روى مسلم وغيره عن كريب (قَالَ: أرْسَلتْني أمُّ الْفَضْلِ إلَى الشامِ فَأهْلَلْنَا هلَالَ رَمَضَانَ عِنْد مُعَاوَية ليْلةَ الْجُمُعة وقدمْنا المْدينة فَسَألني ابنُ عَباس فَأخْبرْتهُ، فَقَالَ: لكنا أهْلَلْناهُ لَيْلة السبْتِ فَلَا نزَال نَصُومُهُ حَتى تُكْمِلهُ. فقُلْتُ: أولا نكْتَفِي برُؤْيةِ مُعَاوِيَة وأصْحَابه؟ فَقالَ: لَا، هكَذَا أمرَنَا رَسُولُ الله، ﷺ (١). واختلف الناس في تأويل هذا الحديث؛ فمنهم من قال: إنما فعل ذلك ابن عباس لأجل اختلاف الآثار في ارتفاع الهلال وانخفاضه وعلوه في الأفق وسفله، وإليه أشار البخاري بقوله: (باب لأهل كل بلد رؤيتهم) (٢)، وهذا لا يستنكر

стр. 482

في مطالع النيّرات؛ فإن سهيلًا يظهر في بعض الأوقات دون بعض، وينات نعش نيِّر شمالي تراه في آخر الصيف حيث يطلع سهيل، يطلع من كواكبه السبعة اثنان وتبقى خمسة، ونراها كلها في بلادنا هذه مستقلة عن الأفق، بعيدة عن الغروب، ومنهم من قال في تأويل الحديث الصحيح: أن السماء كانت مصحية فلم يره أحد من أهل المدينة فكانت رؤيتهم أقوى من خبر كريب إذ لم يكونوا يرجعون من المعاينة إلى الخبر فليس الخبر كالمعاينة (١). حديث: روى عبد الله بن عمر أنه قال: لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر (٢)، وأسندته حفصة إلى النبي ﷺ (قَالَ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ الْليْلِ) (٣) وحمل مالك، ﵁، هذا الحديث على عمومه في النفل والفرض والحق معه (٤)؛ لأن القصد بالفعل إنما يكون حالة الفعل، فأما بعده فمحال أن يرجع إليه لأن المستقبل لا يلحق الماضي حساً ولا حكماً، وغلط الشافعي، ﵁، في النفل فقال: إنه

стр. 483

يجزي بنية من النهار (١)، وساعده (ح) على هذا اللفظ، وزاد بأن قاس الفرض عليه بأن قال: ويجوز أيضاً رمضان بنية من النهار (٢). والذي أوقعهم في ذلك الحديث المشهور أن النبي، ﷺ ، "دَخَل بَيْتَهُ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ؟ قالوا: لَا. قَالَ: فَإنِّي صَائِم" (٣)، قالوا: ولم يكن طلبه للطعام عبثاً. وإنما كان ليأكل، فلما لم يجد نوى الصوم. قلنا: وفي أي وقت كان هذا من النهار؟ لعله كان بعد الظهر وأنتم لا تقولون به (٤)، فليس لكم على هذا الحديث حجّة. ونحن نقول: إنه نوى الصيام ليلاً، وطلب الطعام على أصلكم لا يضر لأن التطوع عندكم لا يلزم التمادي فيه (٥)، فقد خرج الحديث عن أيديكم من كل وجه، فإن قيل فيلزمكم في قولكم أن صوم التطوع لا يجوز الإفطار فيه (٦)، قلنا: هذه مسألة أخرى، وإذا بطلت مسألتكم وخرج عن أيديكم دليلكم لا يجوز الانتقال إلى مسألة أخرى، وقد بيَّنا نحن تحقيق الجواب عن هذا في مسائل الخلاف فلينظر هناك ان شاء الله تعالى. صيام الذي يصبح جنباً: ذكر حديث عائشة والسائل إلى آخره قال فيه رسول الله ﷺ :"وَأَنَا أُرِيدُ الصَيامَ وَأُصْبحُ جُنُباً" (٧)، فأحال على فعله ليبين أنه أسوة وأنه والقول سواء في وجوب الاقتداء حتى يقوم دليل التخصيص له به وقوله: (إنِّي لأرْجُو أَنْ أكُونَ أَخْشَاكُمُ لله)، إن قيل من أي شيء كان يخاف رسول الله، ﷺ ، والأنبياء، ﵈، قد أَمِنُوا من سوء

стр. 484

الخاتمة. وقد قيل لرسول الله، ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (١)، فلم يبق للخشية وجه. وقد أجبنا عن هذا السؤال في الكتاب الكبير (٢)، وأقوى وجه فيه أن النبي، ﷺ ، إن كان قد أَمِن العقاب فإنه كان يخشى من العتاب (٣)، هذا جواب أهل الإشارة (٤)، وقال سائر العلماء: إنما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بشرط امتثاله لما أمر به واجتنابه لما نُهي عنه (٥).

стр. 485

الرخصة في القبلة للصائم: ثم ذكر مالك حديث أم سلمة، ﵂، وهو مثل الذي قبله في الاقتداء بفعل النبي ﷺ وإحالة الصحابة في قصد البيان عليه كما كان هو يحيل، ﷺ , عليه وقول السائل (الله يحلُّ لرسوله ما شاء) يعني أنه لما رأى النبي ﷺ يختص بأشياء ظن أن هذا منها فبيِّن النبي، ﷺ ، أن الأصل الاسترسال على الاستدلال بجميع أفعاله حتى يقوم الدليل على تخصيصه (١) بها. وقوله إني لأتقاكم لله ذكر قوله أخشاكم مقروناً بالرجاء وذكر قوله أتقاكم على القطع ورجاء رسول الله، ﷺ ، قطعٌ لأنه لم يخب ظنه بربه، وقطعه قطع لأنه خبر عن حقيقة حاله أعلمهم بذلك على سبيل الاعتقاد والإعلام بالدين، لا علي سبيل الفخر على المسلمين؛ وقد روت عائشة، ﵂، أن النبي، ﷺ : (كَان يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ) (٢) وكانت تقول: (وَأيُّكمْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ الله، ﷺ ، يَمْلِكُ نَفْسَهُ). فلذلك شدد فيه ابن القاسم عن مالك في كل صوم لأنها لا تدعو إلى خير (٣)، ورخص فيها هْي التطوّع من رواية ابن وهب (٤)، ........

стр. 486

................................... وذكره ابن حبيب (١). والصحيح عندي ما في الحديث من قولها: (وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ الله، ﷺ ، يَمْلِك إرْبَهُ) فلا ينبغي لأحدٍ أن يعترضها إلا أن يكون شيخاً كبيراً منكسر الشهوة، ولعل هذا السائل كان كذلك؛ لأن في تعاطيها تغريراً بالعبادة وتعريضاً لها لأسباب الفساد، وذلك مكروه باتفاق من الأمة حيث يتوقع، فهذا مثله .. الصيام في السفر: قالت الشافعية: الفطر أفضل (٢) في السفر، وقال (ح) الصوم أفضل إلا عند لقاء العدو (٣)، ولا خلاف فيه بينهم. ويحكى عن قوم (٤) أن الصوم في السفر لا يجوز، وإن من صام لا يجزيه، وهم أقل خلقاً وقولهم أعظم فرقاً في الدين وفتقاً، ولولا ما شدَّك من قلوب الناس في بلادنا بهذه المقالة الركيكة ما لفتنا نحوها ليتاً (٥). وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٦) وهذا نص. فإن قيل فقد قال بعد ذلك: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٧)؛ فأوجب العله على المسافر مطلقاً من غير اعتبار فطر أو صوم، وقال ﷺ في قوم صاموا في السفر (أُولَئِكَ العُصَاةُ) (٨) .. وقال أيضاً:

стр. 487

(لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ) (١)، وإنما نسب المعصية إلى الصائمين، ونفى أن يكون الصوم في السفر براً في صيام رمضان. فالجواب أنا نقول قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ جملة هي أحد قسمين: القسم الأول هو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) فقسم الله تعالى في الآية الأولى المخاطبين بالصيام قسمين. أحدهما: مريض ومسافر. والثاني: قادر على الصيام. وإنما تقابل هذان القسمان لأن القسم الأول معناه من كان له عذر يمنعه من الصيام، فقسم العذر بالمرض والسفر، ثم قابله بالقسم الثاني وهي الطاعة على الصوم؛ فجعل على الذي لا يقدر على الصيام عدة من أيام أخر، وجعل على القادر الفدية، إن لم يرد الصوم. قال ابن أبي ليلى (٣): يا أصحاب (٤) محمَّد إن هذه لما نزلت شق عليهم فأمروا بالفدية ثم نسخ ذلك بالآية التي بعدها، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٥)، معناه. فأفطر فعليه عدة من أيام أخر. ويهذا ينتظم

стр. 488

التقسيم ويستتب الكلام ويرتبط مع آخره بقوله: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ يعني أن ينتقلوا عن الأداء إذا تعذر إلى القضاء، ثم قال ولتكملوا العدة ولو صام مرتين لزاد عليها. وأما قوله (أولئك العصاة وليس من البر) فيعارضه حديث أنس ﵁: (سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِر وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصائِمُ) (١) .. وروى حمزة بِن عمرو الأسلمي (٢) أن النبي، ﷺ ، قال له في الصوم في السفر (إنْ شِئْتَ فَصُمْ وإنْ شِئْت فَافْطِرْ) (٣). فإن قيل فإذ تعارضت الأحاديث ما الحكم فيها؟ قلنا: لو علم التاريخ لحكمنا بالآخر منها على الأول، فإذا جهلت التواريخ فاختلف الناس على ثلاثة أقوال فمنهم من قال يؤخذ بالأشد منها لأنه الأحوط والدين يحتاط له .. ومنهم من قال يؤخذ بالأخف لأن الله تعالى قد رفع الحرج وبعث النبي، ﷺ ، بالحنيفية السمحة. ومنهم من قال يسقط ويطلب دليل آخر فإن أمكن الترجيح فيجب العمل به (٤). وههنا تترجح أحاديث الجواز على أحاديث المنع؛ لأن هذا الذي قال النبي، ﷺ ، إنما كان في سفرة واحدة، وهذا الذي قال لأنس ابن مالك الأنصاري، ﵁، ولحمزة بن عمرو الأسلمي ولأنس ابن مالك الكعيي (٥). وقد قال له إذن فكل. قال له أنس إني صائم

стр. 489

قال النبي ﷺ : "إِنَّ الله وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصوْمَ وَشَطْرَ الصلاة" (١)، كان في أوقات مختلفة، وأيضاً فإن النبي، ﷺ ، إنما قال ليس من البر الصيام في السفر حين رأى رجلاً قد ظلَّل عليه من شدة الحر فسأل عنه فقيل إنه صائم فقال فيه: "لَيْس مِنَ الْبِر الصيَامُ في السفَرِ"، وقد روي، عنه ﵇، أنه قال: (لَيْسَ مِنْ أم بر أم صوم في أم سفر) (٢)؛ وهي لغة للمقول له قالها النبي، ﷺ ، قصد الإفهام (٣). وقول النبي، ﷺ "أُوْلَئِكَ العُصَاةُ" قالها في قوم صاموا بعد فطر النبي، ﷺ ، وأمره بالفطر. وقال "تَقَوُّوا لِعَدُوكُمْ" (٤). وكذلك قال علماؤنا إن الفطر في الجهاد أفضل لما فيه من القوة على العدو والحرب، فأما قول الشافعية وأخوانهم إن الفطر (٥) أفضل فانتزعوا بقوله في الحديث: (ثُمَّ أَفْطَرَ فَأفْطَرَ النَّاسُ (٦)، وَكَانُوا يأخُدونَ بَالأحْدَثِ فَالأحدَثِ مِنْ أَمْرِ .....

стр. 490

................................. رَسُولِ الله ﷺ (١). وقال ﷺ في الفطر في السفر (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ الله التي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا) (٢)، خرَّجه النسائي قالوا ولأنه أرفق بالبدن، وكان النبي، ﷺ ، يحب الرفق في الأمر كله (٣)، قلنا: قد قال النبي، ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يأْخُذَهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبٌ أَنْ يَصُومَ فَلْيَفْعَلْ" (٤) صححه الدارقطني، وثبت (أيضاً) عن النبي، ﷺ (أَنَّهُ سَافَرَ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ صَامَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْطَرَ فَلَمْ يَعِبِ الصائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصائِمِ) (٥) وقالت عائشة، ﵂: "سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ الله، ﷺ ، فَأَفْطَرَ وَصُمْتُ) (٦)، صححه الدارقطني والقاضي

стр. 491

على ذلك كله الآية المحكمة باجماع وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) فإن فيه تمام الأجر وحفظ الزمان المعين والمبادرة بالعبادة، فإن قيل: فقد قال النبي، ﷺ ، في قوم صاموا في السفر وقعدوا، وآخرين سقوا واستقوا واطحنوا لهم واعتجنوا "ذهبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأجْرِ" (٢) فجعل أجر أهل الفطر في السفر أكثر من الصيام. قلنا: قد اتفقنا على أن من أفطر في السفر ليس له أجره في الصوم فضلاً عن أن يكون أجره مثل أجر الصائم أو فوقه، وإنما أراد ﷺ أن أجر الخدمة في السفر والقدرة على العدو أفضل من أجر الصائم لأنه يتقوى لعدوه، ولأنه يحصل له مثل أجر الصائم لخدمته له، قال النبي، ﷺ "مَنْ فَطَّرَ صَائِماً فَلَهُ مثلُ أَجْرِهِ" (٣) وكذلك نقول نحن: إن الفطر عند مداناة العدو أفضل. كفارة من أفطر في رمضان: ثبت عن النبي، ﷺ (أَنَّ رَجُلاً (٤) جَاءَ يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَينْتفُ شَعْرَهُ وَيقُولُ هَلَكْتُ احْتَرَقْتُ- وفي رواية (هَلَكَ الأبْعَدُ) - فَقَالَ لهُ النبِي، ﷺ : هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا) (٥) الحديث إلى آخره. وثبت عنه أيضاً عن أبي هُرَيْرَة، ﵁، أن رجلاً

стр. 492

(أَفْطَرَ في رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ الله، ﷺ ، أَنْ يكفِّرَ بِعَتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ) (١) الحديث. واتفق الناس على أن من وطئ أهله في رمضان متعمداً أنه قد أتى كبيرة وعليه الكفارة، واختلفوا فيمن وطئها ساهياً فذهب عامة الناس إلى أنه لا كفّارة عليه؛ لأن الذنب موضوع عنه، ونزع بذلك بعض علمائنا وتعلق بوجهين: أحدهما: أن الأعرابي الذي واقع أهله يحتمل أتى يكون أتى ذلك سهواً، ويحتمل أن يكون أتاه عمداً. والثاني: أنه إذا وجبت الكفارة في العمد فمثله في السهو ككفارة القتل، وهذا فاسد. أما الأعرابي فكان متعمداً غلبته شهوته، وزلّت به قدم، فجاء يضرب نحره وينتف شعره ويقول هلكت احترقت، ومحال أن يكون هذا مجيء الناسي بل هذا مجيء المتعمد المجترى. فإن قيل: فلم تركه النبي ﷺ دون أدب وتثريب (٢)؟ قلنا: لأنه جاء مستفتياً، والشريعة قد قضت بالمصلحة في ذلك وهي رفع العقوبة والتثريب عن المستفتي

стр. 493

لأنه لو فعل ذلك مع واحد ما جاء غيره بعده ولانْسَدَّ باب الاستفتاء ويقي الخلق في ظلمة الجهالة والمعصية (١). وأما احتجاجه بكفارة القتل فهي وهلة عظيمة؛ لأن كفارة القتل وردت في الخطأ فقلنا العمد أولى (٢)، وخالفنا في ذلك جماعة من العلماء (٣). فأما ها هنا فوردت الكفارة في العمد فكيف يجوز أن يقلب القوس ركوة (٤) فيحمل عليها الخطأ، هذا من أفسد وجوه النظر فتفطنوا له. واختلف الناس في هذه الكفارة هل هي مرتبة كسائر الكفارات، أم هي على التخيير؟ فقال علماؤنا: هي على التخيير لقوله في حديث أبي هريرة: أو. وهو نصّ. فإن قيل: قد قال في الحديث الثاني (هَلْ تَسْتَطِيعُ) وناقله بالعجز من خصلة إلى أخرى؟ قلنا: يحتمل أن يكون ناقله قصد الترتيب، ويحتمل أن يكون ناقله ليعلم ما عنده من هذه الخصال فيأخذه بالأولى منها؛ والأولى منها عند مالك الإطعام، ليس لعينه، ولكنه لأنه أنفع بالحجاز لجوعهم وأكثر ثمناً لقلة القوت عندهم (٥). وقال ابن حبيب (٦) من علمائنا: بل هي على الترتيب (٧) وهو الحق لأن أوفى (٨) حديث أبي هُرَيْرَة تحتمل التخيير وتحتمل التفصيل فلا يرد الظاهر بمحتمل.

стр. 494

" وهم وتنبيه " لما قال النبي ﷺ ، للأعرابي "كُلْهُ" ظنَّت طائفة أن الكفارة ساقطة عنه، وقالوا بأن ذلك مخصوص (١) به، ولم يتنبهوا لفقه عظيم وهو أن هذا رجل ازدحمت عليه جهة الحاجة وجهة الكفارة فقدم الأهم، وهو الاقتيات، وبقيت الكفارة في ذمته إلى حين القدرة، حسب ما أوجبها عليه رسول الله ﷺ (٢). قال علماؤنا: ولم يذكر القضاء لعلمه به، وقد ورد أن النبي ﷺ ، قال له: "صُمْ يَوْماً مَكَانَهُ وَاسْتَغْفِرِ الله" (٣)، أخرجه الدارقطني. واختلف

стр. 495

الناس فيما يصام؛ فمنهم من قال يصوم يوماً، وهو العالم (١)، ومنهم من قال يصوم اثني عشر يوماً؛ لأن الله تعالى رضي من اثني عشر شهراً بشهر، ويعزى إلى ربيعة (٢). ومنهم من قال يصوم ثلاثين يوماً لقول النبي ﷺ ، لعبد الله بن عمرو ابن العاص "صُمْ يَوْماً مِنَ الشَّهْرِ وَلَكَ أجْرُ مَا بَقِيَ" (٣)، وقد خرَّج الدارقطني فيه أن يصوم ثلاثين يوماً (٤)، وقد ثبت عن النبي ﷺ ، في المصنفات أنه قال:"مَن أفْطَرَ يَوْماً مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدَاً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ لَمْ يِقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وإنْ صَامَهُ" (٥).
следующие страницы →