← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ضرورة الآدمية وهي الطعام والشراب ومآله فمُنع من الأكل نهاراً لأنه أحد الأسباب المنقطعة عن الدنيا، ومنع من الخروج عن المسجد إلا لحاجة الإنسان أو لتحصيل القوت (١)، ومنعه مالك تفطُّناً لهذه الدقيقة من قراءة العلم (٢) لأنه من أسباب الدنيا وقصره على الذكر المجرد. وقال غيره من العلماء يقرأ العلم (٣) إذا أخلصت له النية لله تعالى، وبه أقول، والشرط في الاعتكاف يأتي في الحج إن شاء الله تعالى.

стр. 527

باب/ ليلة القدر وهي ليلة القَدَر والقَدْر والقدر. فأما الأول: فالمراد به الشرف لقولهم لفلان قدر في الناس يعنون بذلك مزية وشرفاً (١). والثاني: القدر بمعنى التقدير قال الله تعالى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُل أمْرٍ حَكِيم﴾ (٢) قال علماؤنا يلقي الله تعالى فيها إلى الملائكة ديوان العام (٣). والقدر الثالث: الزيادة في المقدار قال الله تعالى ﴿حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينُ* إنَّا أنزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٤). والبركة هي النماء والزيادة، قيل ليلة النصف من شعبان (٥)، والصحيح أنها ليلة القدر (٦)، فالمباركة في الدخان هي ليلة القدر في هذه السورة إلا أن الإنزال واحد (٧)، وعمي هذا على المفسرين لأحاديث نميت إلى النبي ﷺ ، في فضائل

стр. 528

النصف من شعبان ليس لها أصل في الصحة فلا تحفلوا بها، وقد كان النبي ﷺ ، أعلم بها فتلاحى (١) رجلان فشغله تلاحيهما (٢) فمحيت وكان خيراً لنا لأن الطاعة تكون أعمّ في طلبها والرجاء أكثر في تحصيلها، وقد اختلف الناس في ميقات رجائها فقيل هو العام كله. قال ابن مسعود: (مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) (٣). والثاني: أنها في شهر رمضان (٤) لقوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٥) فجعله محلاً عاماً في لياليه وأيامه لنزول القرآن ثم قال ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٦) فجعله خاصاً في ليلة القدر منه. الثالث: أنها ليلة سبع عشرة من رمضان قاله ابن الزبير (٧)، ورواه ابن مسعود عن

стр. 529

النبي ﷺ (١)، وإلى ذلك إشارة من كتاب الله تعالى وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (٢). ذلك ليلة سبع عشرة من رمضان. الرابع: أنها ليلة إحدى وعشرين لرؤيا النبي ﷺ ، "أنة يَسْجُدُ في صَبِيحَتِهَا في مَاءٍ وَطِينٍ" (٣) وكان ذلك فيها. الخامس: أنها ليلة ثلاث وعشرين، وهي رواية عبد الله ابن أنيس (٤) عن النبي ﷺ (٥) وقد روى أهل التزهد أن جماعة منهم سافروا في البحر في رمضان فلما كان ليلة ثلاث وعشرين سقط أحدهم من السفينة في البحر فجرجر الماء في حلقه فإذا به حلو، وكان ما ينزل من السماء في تلك الليلة من البركة والرحمة يقلب الإجاج الملح عذباً (٦) فما

стр. 530

ظنك بها إذا وجدت ذنباً وذلك لقوله ﷺ : "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيماناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيماناً وَاحْتِسَاباً" (١) الحديث. وإن قام الشهر كله فقد نالها، وإن أتفق أن يصوم منه ليلة فصادفها فقد نالها. السادس: أنها ليلة خمس وعشرين وفي ذلك أثر (٢). السابع: أنها ليلة سبع وعشرين، قاله أُبيّ وقال: أخبرنا رسول الله ﷺ ، بآية أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها كأن الأنوار المفاضة في الخلق تلك الليلة تغلبها (٣). وكان ابن عباس يحلف أنها ليلة سبع وعشرين وينزع في ذلك بإشارة عليها بني الصوفية عقدهم في كثير من الأدلة ويقول: أعددت حروف ﴿إِنا أنزَلْنَاهُ﴾ فقولك هي: هو الحرف السابع والعشرون (٤).

стр. 531

والثامن: أنها ليلة تسع وعشرين (١). التاسع: أنها في أشفاعٍ هذه الأفراد، وادعت ذلك الأنصار في تفسير قوله ﵇ (اطْلبُوهَا في تَاسِعَةٍ تبْقى، قَالُوا: هِيَ لَيْلَةُ ثَنتَيْنِ وَعِشْرِينَ، قَالُوا وَنَحْنُ أعْلَمُ مِنْكُمْ) (٢). فهذه ثلاثة عشر قولًا الصحيح منها أنها لا تعلم (٣)، ولكن النبي ﷺ ، قد حضّ على رمضان وحضَّ بالتخصيص العشر الأواخر، وكان ﷺ فيها يحيي ليله ويوقظ أهله ويشد المئزر (٤)، وصدق ﷺ أنها في العشر الأواخر وفي الأحاديث دليل. بين على أنها منتقلة (٥) غير مخصوصة بليلة لأن رؤيا النبي ﷺ ، خرجت في عام ليلة إحدى وعشرين، واستفتاه رجل ليختار له عند عجزه عن عموم الجميع فاختار له ليلة ثلاث وعشرين (٦)، وما كان ﵇ ليبخس المستشير حظه منها. ومن فضل الله على هذه الأمة أنه أعطاها قيراطين من صلاة العصر إلى غروب الشمس وأعطى اليهود والنصارى جميعاً قيراطين من أول النهار إلى صلاة العصر (٧)، وأعطاهم ليلة القدر فجعل لهم عاماً بألف شهر بما فاتهم في تقاصر الأعمار التي كانت لمن قبلهم أدركوه فيها فخفَّ عنهم شغب الدنيا، وأدركوا عظيم الثواب في الآخرة والحمد لله رب العالمين (على ذلك) (٨). وقد روى الترمذي وغيره أن

стр. 532

النبي ﷺ (أُرِيَ في مَنِامِهِ بَني أُمَيَّةَ يِنْزُونَ عَلَى منْبَرِهِ نَزْوَ الْقِرَدةِ فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيْهِ فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّا أنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ إلَى قَوْلهِ ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خير مِنْ ألْفِ شَهْرٍ﴾ يَمْلَكُهَا بَنو أمَيَّةَ بَعْدكَ، قَالَ: فَحَسَبْنَاهِا فَوَجَدْنَاهَا ألْفَ شَهْرٍ لاَ تَزِيدُ يَوْماً وَلاَ تَنْقَصُ يَوْماً) (١) وهذا لا يصح. والذي روى مالك، ﵁، من أن النبي ﷺ : (أورِيَ تَقَاصُرَ أعْمَارِ أُمَّيهِ) (٢) أصح منه وأولى، ولذلك أدخله ليبيِّن بذلك الفائدة فيه ويدل على بطلان هذا الحديث ..

стр. 533

كتاب الحج وهو في اللغة القصد وغيره، وخص ها هنا بقصد البيت على ما قدمناه من الطريقة في تخصيص التسمية ببعض المسميات، وهو فرض من فروض الإِسلام صركن من أركانه. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١). وفرضه مرة في العمر. وقد قال بعض الناس فيما أملى علينا الشيخ الإِمام أبو الحسن العبدري (٢): يجب في خمسة أعوام مرة، ورووْا في ذلك حديثاً سندوه إلى النبي ﷺ ، والحديث (٣) باطل والإجماع صاد في ...........................................

стр. 534

......................................... وجوههم (١)، وليس يجب غيره عندنا وبه قال (ح) وجماعة (٢)، وقالت جماعة منهم الشافعي: إن العمرة (٣) واجبة كوجوب الحج واستدل عليه بقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤). وروي في حديث جبريل إنه قال: ما الإِسلام؟ قال: أن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج وتعتمر وتغتسل مدني الجنابة (٥). والصحيح ما قلناه من الأثر والنظر. أما الأثر فقول الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٦) ولم يذكر العمرة. وقال النبي ﷺ : "بُنيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ " فذكر الحج

стр. 535

خاصة (١). وقال ﷺ للأعرابي:"وَحَجُ الْبَيْتِ، قَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا" (٢). ولأن البيت سبب من أسباب العبادة فلا يتعلق به وجوب شيئين كالزوال والغروب، فأما قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فليس يقتضي لزوم الفعل ابتداء وإنما فيه تمامه بعد فعله. وأما حديث جبريل فقد رواه العالم (٣) وليس فيه وتعتمر فلا تقبل هذه الزيادة لأن الحديث مطلقاً أشهر منها، وشروط وجوبه أربعة: الحرية والعقل والبلوغ والاستطاعة وليس الإِسلام من شروط الوجوب وإنما هو من شروط الأداء لأن قول مالك، ﵁، لم يختلف قط أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. فأما الحرية فلا خلاف فيها لأن العبد مملوك لسيده مستغرق المنافع فهو يدخل في خطاب الشرائع كلها ما لم يكن في ذلك تعطيل للسيد ولا قطع به عن الانتفاع والسفر يمنعه منه ويسقط منفعته فيه فلا يجوز له السفر إلا بإذنه فسقطت الاستطاعة فسقط الخطاب وقد بيَّنا ذلك في أصول الفقه (٤). وأما البلوغ فأجمعت الأمة عليه. أما إن الصبي إذا حَجَّ أو حُجَّ به كتب الله تعالى له الأجر من فضله، ولوليه الأجر زيادة من رحمته، وقد ثبت عن النبي ﷺ "أنَ امْرَأةً رَفعَتْ إلَيْهِ مَوْلُوداً في مِحَفَّةٍ (٥) لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله ألِهذَا حِجُّ؟ قَالَ: نعَمْ وَلَكِ أجْرٌ (٦) "، أما العقل فمثل البلوغ.

стр. 536

وأما الاستطاعة فهي عندنا على حال المستطيع من صحة بدنه وكثرة جلده، وقال أكثر علماء الأمصار: الاستطاعة الزاد والراحلة، ورووا في ذلك أثراً ضعيفاً لا يلتفت إليه (١). والصحيح في الاستطاعة، لغة وعقلاً، أنها صفة المستطيع كيف ما تصرفت وجوهها، وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف ولذلك قلنا إن من بلغ معضوباً لا حج عليه (٢). وبه قال أكثر العلماء. وقال (ش): يلزمه إن يحج عنه غيره من ماله إن لم يقدر هو أن يحج بنفسه (٣) لقول النبي ﷺ ، في الحديث الصحيح وقد قيل له يا رسول الله "إِنَّ فَرِيضَةَ الله عَلَى عِبادهِ في الْحِجَّ أدرَكَتْ أبِي شَيْخاً كَبِيراً لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يَثْبَتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أفَأحِجُّ عَنْه؟ قَالَ: أرَايْت لَوْ كَانَ عَلَى أبِيك دَيْن أكُنْتِ قَاضِيَتُهُ: قَالَتْ: نَعَمُ؛ قَالَ: فَدَيْنُ الله أحَق أنْ يُقْضَى (٤) ".

стр. 537

قلنا: لا حجة في هذا الحديث من أربعة أوجه: أحدها: إنه خبر واحد يخالف الأدلة القطعية في سقوط التكليف عن العاجز، والحديث إذا خالف قواطع الأدلة تؤَوَّل أو رُدَّ إن لم يمكن تأويله (١). جواب ثان: قال (ش): يلزمه إن يحج من ماله والنبي ﷺ جعل الوجوب على الولي وكلُّنا لا نقول به. الثالث: إنه قال "أرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكِ (٢) ديْنٌ" ولا يلزم الولي قضاء ديون وليه كذلك لا يلزمه الحج عنه. الرابع: (قَالَ: فَدَيْنُ الله أحَقُّ أنْ يُقْضَى) ولا خلاف بين العلماء أن دين الآدمي أحق من دين الله لأن الله تعالى هو الغني والخلق هم الفقراء؛ فيقدم حق العبد لفقره ويؤخر حق الله تعالى لغناه. فإن قيل: فما فائدة الحديث؟ قلنا: فائدته تركه لأنه لا يصح أن يقال

стр. 538

بظاهره ومن قدر على تأويله بفضل علمه فليقل إنه خرج مخرج الحث على البر بالآباء في قضاء ديونهم عند عجزهم والصدقة عنهم بعد موتهم وصلة أهل ودهم. وقد قال سعد (١) للنبي ﷺ : (إِنَّ أمَّي (٢) افْتلِتَتْ (٣) نَفسُها وإنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ (٤)) الحديث. وأما سننه فهي ثلاث عشرة سنة: إفراد الحج، وترك التمتع، والإحرام من الميقات، وطواف القدوم، وركعتا الطواف، والمبيت بمنى يوم التروية، والجمع بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، ورمي الجمار، وتأخير رميها، والحلق أو التقصير، وتأخير الطواف يوم النحر أو أيام التشريق، والمبيت ليالي الرمي بمنى. فهذه سننه التي يجب بتركها الدم عند علمائنا في تفصيل طويل وما عدا هذا من السنن فإنها أركان وفضائل. فالأركان منها التي لا يجزي إلا فعلها وهي أربعة: الإحرام وهو النية، والطواف، والوقوف بعرفة، والسعي باختلاف بين العلماء. وبرواية ضعيفة عندنا. وقال ابن الماجشون (٥): رمي جمرة العقبة وحدها ركن،

стр. 539

فأما الإحرام فلا خلاف في وجوبه وركنيته لأن الأعمال بالنيات (١) وخصوصاً العبادات وخصوص الخصوص الحج. وأما الطواف فلا خلاف فيه. قال الله سبحانه: ﴿وَلْيَطَوَّفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). وأما الوقوف بعرفة فهو الحج. في الحديث المأثور "الْحِجُّ عَرَفَةٌ (٣) " يعني معظم الحج ومقصوده، وأما السعي فاختلف العلماء فيه قديماً وحديثاً: فقال (ح) (٤): يجزي فيه الدم، ووقعت رواية عبد الله (٥) عن مالك، ﵁، في العتبية وهي ساقطة. السعي ركن عظيم وله في الحج منزلة كبيرة والدليل على ركنيته قوله تعالى: ﴿إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾ (٦)، الآية إلى آخرها، أنزلها الله تعالى رداً على من كان يمتنع من السعي (٧)، فإِن قيل فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قلنا: لم يفهم

стр. 540

هذه المسألة أحد فهم عائشة وكلامها معروف في الحديث (١)، تفسيره: أنه إذا قال الرجل لآخر: لا جناح عليك أن تفعل كذا، فمقتضاه رفع الحرج في الفعل (٢)، ولم يكن في الشريعة حرج في الطواف بين الصفا والمروة، وكيف يكون فيه حرج وهو من شعائر الله؟ وإنما كان الحرج في قلوب طائفة من الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام، فلما جاء الإِسلام كرهوا أن يدخلوا البقعة التي كانوا يكفرون فيها أو يفعلون الفعل الذي كانوا يشركون به فرفع الله تعالى ذلك الجناح عن قلوبهم وأمرهم بالطواف، وأخبرهم أنه من الشعائر كما كانوا يطوفون بالبيت في الجاهلية للأصنام التي كانت فيه، ثم جاء الإِسلام وطهّر البيت من الأصنام وصار الطواف لله وحده، وكذلك الصفا والمروة، وأما رمي الجمار فليس بركن، ووهم فيها عبد الملك (٣) وليس في ركنيتها دليل يعوَّل عليه، بيد أن العلماء بعد اتفاقهم على أن عرفة ركن الحج اختلفوا في وقت الوقوف فيه فقالت جماعة: فرض الوقوف بالليل منهم (م) (٤)، وقالت جماعة: فرض الوقوف بالنهار منهم (ش) (٥)، و (ح) (٦)، وقالت طائفة: الفرض الوقوف ليلاً أو نهاراً (٧)، واحتجوا بما روى عروة ابن مضرس أنه قال يا رسول الله (أكْلَلْتُ رَاحِلَتي وَأتعَبْتُ مَطِيتي وَأقْبَلْتُ مِنْ جَبَلِ طَيىَءٍ وَالله مَاتَرَكْت مِنْ جَبَل إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لي مِنْ حَجِّ؟ فَقَالَ لَهُ: مَنْ شَهِدَ

стр. 541

مَعَنَا هذِهِ الصَّلَاةَ - يَعْنَي صَلَاةَ الصُّبْحِ- بِالْمُزْدلِفَةِ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذلكَ بَعَرَفَة لَيْلًا أوْ نَهَاراً فَقَدْ تَمَّ حِجُّة (١)). رواه الجماعة وأخرجه الدارقطني في الإلزامات (٢) ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٣)، واتفق الخلق على وجوب هذا الأمر، وبيَّن النبي، ﷺ ، كيفيته بأن وقف حتى غربت الشمس (٤) فدل على أن الدليل أصل لانتظاره إياه واعتماده بوقوفه. فإن قيل: فقولوا إن الليل والنهار ركن لأن النبي، ﷺ ، وقف بهما جميعاً، قلنا: لا قائل به فلا يجوز إحداث قول ثالث بين الأمة وقد بينّاه في أصول الفقه. وأما حديث عروة فقد تركه الإمامان لأنه لم يروه عن عروة إلا واحد وكان مذهبهما أن الحديث لا يثبتانه حتى يرويه اثنان (٥)، وهذا مذهب باطل، وهو مذهب القدرية بل رواية

стр. 542

الواحد عن الواحد صحيحة إلى النبي، ﷺ ، وقد بيَّنَّا ذلك في أصول الفقه، ومع أن الحديث صحيح لكنه محتمل أن يكون فيه تفصيل أو شكّ من الراوي فيطلب الدليل على صحة أحد الاحتمالين فوجدنا النبي، ﷺ ، قد اعتمد الليل فدلّ على أنه العمدة. غسل المحرم: ذكر علماؤنا في الحج أربعة أغسال: غسل الإحرام، وغسل دخول مكة، وغسل عرفة (١)، وغسل طواف الإفاضة (٢). والذي أعرف منه غسلان: غسل الإحرام فإن النبي، ﷺ ، اغتسل وهو محرم وأمر أصحابه أيضاً أن يغتسلوا عند الإحرام (٣)، واغتسل،

стр. 543

- ﷺ ، لدخول (١) مكة بفج وليس غسل الإحرام لرفع حدث وإنما هو التأهب للقاء الله تعالى؛ ولذلك تغتسل الحائض وحدثها قائم، فأما المحرم فيجوز أن يغتسل تبرداً لكن لا يضغث (٢) رأسه إلا إذا اغتسل من الجنابة، وكره مالك، ﵁، أن ينغمس في الماء لئلا يقتل الماء القمل (٣) وليس الماء بقاتل لها بمجرد إلاغتسال (٤)، نعم ولا بالتحريك للشعر. لبس المحرم: (رَوَى ابنُ عُمَرَ أنَ رَجُلًا سَألَ رَسُولُ الله، ﷺ ، مَا يَلْبُسُ الْمُحْرَمُ مِنَ الثيَابِ) (٥). الحديث إلى آخره. قال الناس: فيه إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه، واختلف في تأويله فيحتمل أن يريدوا بذلك أنه سأل عما يلبس فذكر له ما لا يلبس، والمنهيِ عنه أكثر من المأمور به ويحتمل أن يريدوا بالزيادة قوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبِسِ الْخُفَيْنِ وَليَقْطَعْهُمَا

стр. 544

أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ)، وقيل يحتمل أن يريدوا بالزيادة قوله: (وَلاَ تَلْبَسُوا مِنَ الثيَابِ مَا مَسَّهُ الزعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ.) فسأله عن الثياب فزاده الطيب (١). وعجباً لأحمد بن حنبل يقول: لا يلبس الخفين مقطوعة أسفل من الكعبين (٢)، وهو نص في الحديث، وقول عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيد الله: إنكم أيها الرهط أئمة يُقتدى بكم (٣). أما جملتهم فيقتدي به جميع الناس وأما آحادهم فيقتدي بهم العامي الذي لا علم عنده (٤)، وقد قال (ش) في أحد قوليه إن قول الواحد من الصحابة (٥) حجة، وقد بيَّنا في أصول الفقه استحالة ذلك. قال لنا فخر الإِسلام (٦) في الدرس: الدليل على قول النبي، ﷺ :"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" (٧)، فضمن الاهتداء في الاقتداء، ولو كان الحديث صحيحاً لأثرنا فيه نظراً ولكنه لم يصح فوجب إلغاؤه؛ والدليل على ما قلناه قول عمر لطلحة: فلو أن رجلاً

стр. 545

جاهلاً رأى هذا الثوب، ولم يقل عالماً (١). وأما تخمير المحرم وجهه فالعمدة فيه إنه مأمور بكشف رأسه الذي هو مستور دائماً فكيف أن يستر (٢) وجهه (٣)؟ الطيب في الحج: ذكر فيه حديث عائشة (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله، ﷺ (٤)) الحديث وروي (كُنْتُ أنظُرُ إلَى وَبِيصَ الطَّيب في مَفَارِقِ رَسُولِ الله، ﷺ وَهُوَ مُحْرَمٌ (٥)). واختلف الناس في ذلك اختلافاً متبايناً؛ فالشافعي، من فقهاء الأمصار، رأى أخذ الحديث بظاهره (٦). وانتهت الكراهية بقوم فيه لأن يقول عالمهم: لأن أُطلى بقطران أحبُّ إليَّ من أن أصبح محرماً أنضح طيباً (٧). واختلف الناس في تأويل هذا الحديث على أربعة أقوال: فمنهم من قال: كان ذلك خصوصاً للنبي، ﷺ (٨).

стр. 546

قلت: وهذا قول حسن قوي في النظر؛ وذلك أن النبي، ﷺ ، بما روي عنه من الآثار، وقامت عليه الأدلة من سائر الأخبار (حُبَّبَ إلَيَّ مِنْ دنْيَاكُمُ (١) ثَلَاثٌ (٢)) الحديث. فلما أدخل الله تعالى حبها في قلبه خصَّه بكل واحدة منها بفرضه. فأما الصلاة فأفرده فيها بقيام الليل (٣)، وأما النكاح فأفرده بالزيادة في العدد (٤) ويإسقاط الصداق في الموهوبة (٥)

стр. 547

وبالاستغناء عن الولي والشهود، وخصَّه بالطيب (١) وهو محرم ليكمل له المتاع بما يحب في كل حال (٢)، وقد تكلمنا على هذا الحديث بالاستيفاء في الكتاب الكبير (٣). ومنهم من قال: إن ذلك الطيب الذي كانت عائشة تدهن به رسول الله، ﷺ ، إنما كان طِيبَ لونٍ لا طِيبَ ريحٍ، وقد روي ذلك في الآثار (٤). وقد تفطن له مالك، ﵁، بثقابة ذهنه فذكر الحديث في أول الباب ثم قال في آخره: (لَا بَأسَ أنْ يَدْهَنَ الْرَّجُلُ بِدِهْنٍ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ) (٥) ومنهم من قال: كان النبي، ﷺ ، يتطيب ثم يطوف علي نسائه ثم يغتسل من الجنابة ويغتسل للإحرام فيبقى بريق الطيب ووبيصه ونضارته وتذهب عينه (٦). وكذلك روي في الحديث (كُنْتُ أطَيِّبُ رَسُولَ الله، ﷺ ، ثُمّ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَحْرمُ) (٧) ومنهم من قال: هذا منسوخ أو مخصوص (٨) بالحديث الصحيح قطعه مالك في

стр. 548

الموطّأ وأسند في الصحيحين، وفي كل كتاب قول النبي، ﷺ ، للأعرابي (١): (انْزَعْ قَمِيصَكَ وَاغسِلْ عَنْكَ أثَرَ الطِّيب أوِ الصُّفْرَةِ) (٢)، فتعارض ها هنا على هذا الوجه قوله وفعله فوجب الرجوع إلى قوله لأنه قال في حالة فعله، وهذه نكتة بديعة فافهموها. تتميم: إذا ثبت هذا فقد روي في الحديث الصحيح أن أعرابياً وقصت به ناقته في لحافين جردان (٣) فسقط فوقص فمات فقال النبي، ﷺ : "كفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ وَلَا تُغَطُّوا رَأسَهُ وَلَا تَمَسُّوهُ طِيباً فَإنَّهُ يُبعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبياً" (٤) قالت جماعة منهم (ش): كذلك يفعل بكل محرم لأن النبي، ﷺ ، ذكر الحكم وهو منع الطيب وستر الرأس وذكر العلة وهو بقاء الإحرام فوجب أن تطرد (٥). قال علماؤنا: إنما يكون ذلك إذا كانت العلة مشاهدة أو في حكم مشاهدة (٦)، فأما إذا كانت غائبة فلا يطرد الحكم بها. وقوله: "يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبياً" أمر مغيب لا يعلمه إلا رسول الله، ﷺ ، ولسنا نعلم أن كل محرم يبعث (ملبياً) (٧). وفات علماء الشافعية ها هنا نكتة وذلك أن النبي، ﷺ ، جعل علة منع الطيب التلبية يوم القيامة (٨) معلولاً للموت على الإحرام فحينئذ كنا نحكم به لكل محرم، وقد أشار مالك، ﵁، إلى كلمة ذكرها من قبل نفسه وهي من حديث صحيح (٩)، حديث رسول الله ﷺ ، وذلك قوله: "إنَمَا يَعْمَلُ الْرَّجُلُ مَا دَامَ حَيّاً فَإِنْ مَاتَ انْقَطَعَ عَنْهُ الْعَمَلُ" (١٠)

стр. 549

قال النبي، ﷺ : (إِذَا مَاتَ الْمَرْءُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ" (١)، وإذا كان العمل منقطعاً بالموت فالطيب جائز كما لو أحلّ في الحياة من إحرامه. مواقيت الإهلال: ثبت عن النبي، ﷺ ، تحديد المواقيت (٢). فلما كان في زمن عمر، ﵁، وفتح الله تعالى العراق شكوا إليه أن نجداً أجور لهم عن طريقهم فوقَّت لهم ذات عرق (٣)، وهذا دليل على صحة القول بالقياس كما قال جميع العلماء وعلى صحة القول بالمصلحة كما قال مالك، ﵁، وقد بيَّنا ذلك في أصول الفقه. إِشارة: كان النبي، ﷺ ، إذا أحرم يقول في التلبية "لَبَيْكَ الْلَّهُمَّ لَبَّيكَ" (٤) والداعي بالحج كان إبراهيم، ﵇ (٥)، قيل له: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ (٦) رِجَالًا﴾ الآية، فقيل للخلق قولوا لبيك اللهم، وأسقطوا الواسطة لأنه لم يكن إلا عارية وبسط هذه

стр. 550

الإشارة وإيضاحها يكون في مواضع أخرى (١). إفراد الحج: ذكر حديث عائشة (خَرَجْنَا مَعْ رَسُولِ الله، ﷺ ، عَامَ حِجَّةِ الْوَادع فَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ) إلى آخره، وثبت أنها قالت: فَآمَرَ رَسُولُ الله، ﷺ ، مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أنْ يَحِلَّ .. وكان نساؤه لم يسقن الهدي (٢). وثبت عن ابن عباس نحوه (٣). وصح أن النبي، ﷺ ، قال لعلي حين قدم من اليمن: (بِمَ أهْلَلْتَ قال: أهْلَلْتُ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ رَسُولِ الله، ﷺ ، قَالَ: هَلْ سُقْت الْهَدْيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأمَرَهُ أنْ يَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ) (٤). وذكر له أبو موسى مثلاً ذلك ولم يكن معه هدي فأَمره أن يحل (٥). وعن جابر بن عبد الله نحوه (٦)، وثبت أن رسول الله، ﷺ ، تمتع من حجه (٧).

стр. 551

وثبت عن أنس وغيره أنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله، ﷺ يَقُولُ: "لَبَّيْكَ بِحِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ (١) مَعاً" وثبت أن النبي، ﷺ ، لما نزل العقيق جاءه جبريل فقال له: صَلِّ في هذَا الْوَادي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً في حِجَّةٍ (٢)، إلى أحاديث سواها مختلفة كاختلافها، فإن قيل وهو سؤال وجهته الملحدة واعترض به الطاعنون على الشريعة قالوا: كيف تثقون بالرواية وهذا رسول الله في حجة واحدة قد اجتمع أصحابه حوله وأحدقوا إِليه وتشوَّفوا نحوه يقتدون به ويعملون بعمله لم تنتظم روايتهم ولا انضبط بقولهم ما كان النبي، ﷺ ، عليه فهذا حالهم فيما قصدوا إليه بالتحصيل فكيف يكون فيما جاء عرضاً (٣). واختلف في ذلك جواب العلماء على أربعة أقوال. فكان أول من تكلم عليه (ش) في كتاب مختلف الحديث له، وهو كتاب حسن، فتح فيه الطريقة وكشف الحقيقة (٤)، ثم تعرَّض له بعد ذلك جماعة. فأما ابن قتيبة (٥) فهوى على أم رأسه لأنه لبس ما لم يكن من بزّه (٦). وأما الطحاوي فتكلم عليه في ألف وخمسمائة ورقة قرأناها بالثغر (٧) المحروس فأجاد فيما تعلَّق بالفقه الذي كان بابه وكان منه تقصير في غيره (٨). وأما التحقيق فيها فلا يوصل إليه إلا بضبط القوانين وتمهيد

стр. 552

الأصول وحمل الفروع عليها بعد ذلك، وقد أشرنا إِليه في قانون التأويل. وقال (ش): وجه الجمع بين هذه الأحاديث أن النبي، ﷺ ، أفرد الحج فعلًا وغيره بما نسب إليه إنه فعله إنما معناه أمر به، والآمر تعدُّه العرب فاعلاً وتخبر به عن الفعل، تقول: رجم الحاكم الزاني، وقطع اللص لما أمر وإن كان لم يتناول ذلك (١). وهذا التأويل، وإن حسن في مواضع فليس هذا منها لأن ظواهر الأحاديث المتقدمة تدفعه فتأملوها. وقال غيره: كان أمر النبي، ﷺ ، في إحرامه موقوفاً حتى يبين الله له كيف يكون فيه، وروى في ذلك أثراً (٢). واتقن علماؤنا المتأخرون الجواب فقالوا: إن النبي، ﷺ ، لما أمره الله تعالى بالحج وأحرم انتظر الوحي بكيفية الالتزام وصورة التلبية فلم ينزل عليه شيء فاعتمد ظاهر ما، أمر به فقال: "لَبيْكَ اللهم لَبيْكَ بِحِجَّةٍ" (٣) فسمعه جابر وعائشة فسمعا الحقَّ ونقلا الحقَّ، وانتظر النبي، ﷺ ، أن يقرَّ على ذلك أو يبين له فيه شيء فلم يكن فقال: لَبيْكَ بِحِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، فسمعه أنس وهو تحت راحلته حين قال: ما تعدوننا إلا صبياناً؛ لقد سمعت رسول الله، ﷺ ، يصرخ بهما جميعاً لبيك بحجة وعمرة معاً (٤)، فسمع الحقَّ ونقل الحقَّ، وسار النبيُّ، ﷺ ، على هذه الحالة حتى نزل بالعقيق فنزل عليه جبريل وقال له: (صَلَّ في هذَا الْوادي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةٌ في حِجَّةٍ) (٥)، فكشف له قناع البيان عن القرآن واستمر عليه والتزم من ذلك ما التزمه وخرج حتى دخل مكة فأمر أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة فقالوا له: كَيْفَ نفْعَلُ ذلِكَ وَقَدْ أهْلَلنا بِالْحِجَّ؟ قَالَ لَهُمْ: إِفْعَلُوا مَا أمرْتُكُمْ بِهِ، فَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لأحْلَلْتَ كَمَا تَحِلُّونَ،

стр. 553

وَقَالَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمري مَا أستدْبَرْتُ مَا سِقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتَهَا عُمْرَةً (١)، فارتفع التناقض وزال التعارض وانتظم القول من رسول الله، ﷺ والعمل منه ومن أصحابه (٢). فأما (م) (٣) و (ش) (٤) فقالا: الإفراد أفضل؛ لأنه هو المفروض وتخليص الفرض عن السنة أو عن فرض آخر يمزج منه أولى. وأما أحمد بن حنبل في جماعة فقالوا: التمتع أولى (٥) بما ثبت عن النبي، ﷺ ، إنه قال: "لَوِ أسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ" الحديث. فتمنى النبي، ﷺ ، أن يكون متمتعاً ولا يتمنى إلا الأفضل. قلنا: ولا يفعل إلا الأفضل فكيف يفوته الله تعالى الأكمل ويرده إلى الأدون. وأما قولهم في الحديث تمتع رسول الله، ﷺ ، فقد احتج به أيضاً، والمراد بقوله تمتع جمع بين الحج والعمرة وهو متاع ولم يرد به المتعة المطلقة لأنه قد تمنّاها، ولو كان فيها ما تمناها، وأما التمني فلا حجة فيه لأنه إنما تمنّى المتعة رفقاً بأمته وتطييباً لنفوسهم حين أمرهم بها، فقالوا له: وكيف نفعلها وأنت لا تفعلها؟ وأما المعاني التي تعلَّق بها مالك، ﵁، والشافعي ففعل النبي، ﷺ ، يسقطها وقد كان قارناً فوجب امتثال

стр. 554

فعله وإسقاط الاعتراضات عليه والحق أحق أن يتبع، وقد قال عمر بن الخطاب: أن نَأْخُذ بِكِتَابِ الله فَإِنَّ الله أمَرَ بِالإتْمَامِ فَقَالَ: ﴿وَأتِمُّوا الْحج وَالْعُمْرَةَ للِّه﴾ (١) وَإنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ الله، ﷺ ، فَإِنَّ رَسُولَ الله "جَمَعَ بَيْنَ الْحج وَالْعُمْرَةِ" (٢)، فخشى عمر، ﵁، أن جمع الناس دائماً بينهما أن تذهب مرتبتهما في الدين وتخفى مكانتهما على المسلمين، فأمرهم بالتفرقة بينهما ليكون ذلك أبين لهما إن شاء الله. العمرة في أشهر الحج ذكر مالك، ﵁، أن رسول الله ﷺ ، اعتمر ثلاثاً (٣)، ثبت أن النبي ﷺ (حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ) (٤) وفي مسلم أنه حج حجتين (٥). وثبت أنه اعتمر أربع عمر الحديبية

стр. 555

وقضاها وعمرة حنين من الجعرانة وعمرته التي قرنها مع حجته (١)، وإنما بوَّب عليه مالك، ﵁، لأن الله تعالى يقول ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٢) فنسبها إلى الحج؛ وهذا يقتضي اختصاصها به فجاء من فعل النبي ﷺ ، ما يبيَّن جواز العمرة فيها؛ وإنما جازت العمرة قبل الحج وإن كانت نفلاً وهو فرض لأن وقت العبادة إذا اتسع جاز النفل فيها قبل الفرض كالظهر وغيرها فكيف إذا لم يدخل وقتها؟. حديث قال رسول الله ﷺ : (الْعمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةُ كفَّارَةٌ لِمَا بينَهُمَا وَالْحِجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلا الْجَنَّة) (٣). وأما الحج المبرور فقال علماؤنا: هو الذي لا رفث فيه ولا فسوق مع الصيانة من سائر المعاصي. وقال أهل الإشارة: الحج المبرور هو الذي لم يتعقبه معصية (٤)، والأول أرفق بالخلق وأظهر عند الفقهاء والسلف، وكذلك قال أبو ذر للرجل (٥) الذي مر عليه وهو يريد الحج: (ايتنف العمل) (٦) إشارة إلى أن ذنوبه قد حُطَّت فصار كيوم ولدته أمه

стр. 556

فليستأنف العمل كما يستأنفه في أول أوقات التكليف، والعمرة في الحج كالتكفير لكنه يحتمل أن يريد به إنه كفارة ما لم يغش الكبائر كالصلوات؛ فأما الحج فليس بينه وبين الجنة حجاب وستأتي نكتة ذلك في موضعها إن شاء الله تعالى. حديث: قال أبو بكر بن عبد الرحمن (١) الخولاني: (جَاءَتِ امْرأةٌ إِلَى النبِي ﷺ ) الحديث، هذه المرأة هي أم معقل (٢) قال لها رسول الله ﷺ : (مَا مَنَعَكَ أنْ تَحِجَّي مَعَنَا؟ قَالَتْ إنَّ أبَا مَعَقَل تَرَكَ جَمَلاً في سَبِيلِ الله، قَالَ لَهَا: هَلْ لاَ حَجَجْتِ عَلَيْهِ فَإنَّ الْحجَ في سَبِيلِ الله؟ وَلكِنِ اعْتَمِرِي في رَمَضَانَ فَإِنَّ عُمْرَةَ في رَمَضَانَ تَعْدُلُ حِجَّةً) (٣) وَفِي

стр. 557

بعض الرويات (تَعْدُلُ حِجَّة مَعِي) (١) وعدل العمرة في رمضان بحجة يكون لأحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينسحب فضل رمضان على العمرة فيجتمع من الوجهين ما يعادل الحج. ثانيهما: إنه روي عن النبي ﷺ ، أنه قال وذكر رمضان: (لله تَعَالَى في كُلَ لَيْلَةٍ عُتَقَاءٌ مِنَ النَّارِ (٢) كَمَا أنَّ لَهُ يَوْمَ عَرَفَةٍ عُتَقَاءَ مِنَ النارِ). ثالثها: إن المعتمر في رمضان أجاب الداعيين داعي الحج وهو قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٣) الآية، وأجاب داعي رمضان وهو قوله ﷺ : (وَنَادى مُنَادٍ يَا بَاغيَ الْخَيْرِ أقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الْشرِّ أقْصِرْ) (٤) ومن دُعي فأجاب ومن أجاب دعاءه

стр. 558

تعيّن عليه الثواب. وقوله في الزيادة: تعدل حجة معي زيادة في التفضيل فإن النبي ﷺ ، إذا وقف مع الخلق فدعا ودعوا معه كانت تلك وسيلة كريمة إلى الإجابة، فلما استأثر الله تعالى برسوله خلَّف فينا شهر رمضان ننال تلك البركة فيه كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ثم استأثر الله تعالى برسوله ثم قال: ﴿وَمَاكَانَ﴾ الآية؛ إلى قوله: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١) فصار الاستغفار خلفاً لنا من الأمن من العذاب من وجود شخصه الكريم (٢) معنا. نكاح المحرم ذكر مالك، ﵁، حديث عثمان في النهي عن نكاح المحرم (٣) وضعفه البخاري (٤) وصحح رواية ابن عباس في أن النبي ﷺ ، تزوج ميمونة وهو محرم (٥)،

стр. 559

فأدخلها من طريق أهل المدينة عن سعيد بن المسيب، يريد بذلك التقوي على رد رواية مالك، ﵁، ومذهبه وقد رور الدارقطني وصحّحه عن أبي رافع أن النبي ﷺ (تَزَوَّجَ مَيْمُونةَ وَهُوَ حَلَالٌ) (١)، واحتمل أن يكون قوله (تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) أي نازل بالحرم فلم يكن ليرد نصاً من حديث عثمان (٢). المحتمل من حديث ابن عباس وهبك أن البخاري ضعَّف ثبتهما فهذا عمر بن الخطاب قد فسخ نكاح طريف (٣) المرّي حين عقده وهو محرم (٤). فهذا الحديث اتصل به

стр. 560

عمل الخلفاء فقوي بذلك مكانه؛ وقد بينا في مسائل الخلاف أن لو ثبت نكاح النبي ﷺ ، وهو محرم اختصاصه بما لا يشاركه غيره فيه من الأحكام وخصوصاً في النكاح. ما يجوز للمحرم أكله من الصيد هذه مسألة عظيمة اختلف فيها العلماء واضطربت فيها المذاهب (١) اضطراباً كثيراً على أقوال أصولها ثلاثة: الأول: يؤكل كل صيد إذا لم يكن تناول صيده من المحرم. الثاني: يؤكل ما لم يقصد به المحرم معيناً. الثالث: إنه لا يؤكل كل صيد يلتقي به المحرمون مخافة أن يكون قصد به، وفي ذلك نكتة بديعة وهي أن الله تعالى قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢)، والمراد به لا تصيدوه فحرَّم سبب الأكل ونبَّه فيه على تحريم الأكل، فاقتضى ظاهر الآية الامتناع من أكله واقتضى نصها تحريم صيده (٣). وقال النبي ﷺ ، للصعب بن جثامة: "وَقَدْ أهْدَى لَهُ حِمَاراً وَحْشِيّاً إنا لَمْ نرُدّهُ عَلَيْكَ إلَّا انا حُرُمٌ" (٤) فاقتضى ذلك تحريم ما صيد من أجل المحرم. ويحتمل أن يكون الحمار حيّاً فامتنع النبي ﷺ ، من قبوله لأنه لو قبله كان يلزمه إرساله فرأى إبقاءه على مُلْك صاحبه أولى، والأول أظهر في التأويلين. وحديث أبي قتادة نصّ في أن يأكل المحرم ما لم يصد من أجله (٥).

стр. 561

ومن شك في شيء فليدعه فإنما هي عشر ليال كما قالت عائشة (١)، فإن قيل إنما منع الله تعالى من الصيد في حق المتعمد، وأنتم قد جعلتم المخطىء مثله، الجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنا نقول إنما ذكر الله تعالى المتعمد لأنه الأغلب، فأما الخطأ فلا يقع في قتل الصيد إلا نادراً بل لم نسمعه وإنما تكلم في تصوير مسألة. الثاني: إن قوله متعمداً حال من القاتل مفعولة القتل ليس المقتول، وقد بيَّنا ذلك في الرسالة الملجئة. الثالث: إن أفعال الحج كلها من ارتكاب المحظورات خطؤها وعمدها سواء فالصيد مثله. أمر الصيد في الحرم اتفق العلماء أن المراد بقوله تعالى ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يعني متلبَّسين بالإحرام (٢) يحكم فيه ويجب المثل في جزائه (٣). فأما إن قتل في الحرم فإن من علمائنا من

стр. 562

قال إنه ليس مثل الأول ورواه بعضهم عن مالك (١) وهو رد للعربية وحط لمرتبة الحرم في الشريعة؛ فإن منزلة الحرم كمنزلة الإحرام في وجوب الاحترام وقوله ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يقال فيه أحرم الرجل إذا تلبّس بالإحرام كما يقال أحرم الرجل إذا دخل الحرم، وكما يقال أحرم إذا دخل في الشهر الحرام ومن هذا قوله: قتلوا الخليفة ابن عفان مجرماً ... فدعا فلم ير مثله مخذولا (٢) يعني أنه كان في البلد الحرام، وهي المدينة، وفي الشهر الحرام، وهو ذو الحجة فلا ينبغي أن يشتغل بتلك الرواية .. ما يقتل المحرم من الدواب قال رسول الله ﷺ : "خَمْسُ فَوَاسِقٍ يُقْتَلْنَ في الْحِل وَالْحَرَمِ" (٣)، فذكرها، واختلف الفقهاء في إلحاق غيرها بها وَاعَجَباً لمن يلحق الجصى بالبر (٤) في الربا ولا يلحق الفهد والنمر والذيب (٥) بهذه، وقد نبَّه النبي ﷺ ، في هذا الحديث على العلة، وهي القسق، ولم يتعرَّض لعلة الربا في البر بتنبيه ولكنه فهم من ذكر الأعيان الأربعة التنبيه على أمثالها فههنا أولى، ولا وجه لقول من قال: إن من يبتدئ الأذاية بخلاف من لا يبتديها لأن من كانت الأذاية في طبعه فواجب قتله ابتدأ أو لم يبتدئ لوجود فسقه الذي صرَّح النبي ﷺ ، به. ألا ترى أن الحربي يقتل ابتدأ بالقتال أو لا لاستعداده لذلك ووجود سببه

стр. 563

فيه، ولا تعجب من (ح) (١) في هذا، وأعجب من بعض علمائنا حيث يقول: إن صغار ما يقتل كباره من هذه الفواسق لا يقتل لأنه لم يؤذِ بعد (٢)، وكيف تكون الأذاية جبلَّته وينتظر به وجودها؟ وقد قتل الخضر ﵇ الغلام (٣) ولم توجد بعد منه فتنة فهذا أولى، وقد قال الله تعالى في الكفار ﴿وَلَا يَلِدُوا إلَّا فَاجِراً كفّاراً﴾ (٤). فكيف في هذه الفواسق؟ من أحصر بعدو (٥) الأصل في هذا الباب حديث النبي ﷺ ، يوم الحديبية (٦)، وفيه نزلت الآية (٧) واختلف الناس فيها اختلافاً كثيراً؛ فمنهم من قال: الآية تتضمن المريض يقال: أحصر بالمرض وحصر بالعدو (٨)، ومنهم من قال: الآية في العدو (٩) لا في المريض، ومنهم من

стр. 564

قال: هي فيهما جميعاً (١)، والذي يكشف القناع في ذلك ثلاثة أمور: أحدها: أن الآية نزلت في الحديبية وشأنها وكان حبس عدو ولم يكن حبس مرض. والثاني: أنه قال تعالى ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ وهذا يدل على أن السابق كان حبس خوف. والثالث: أن الأصل فيمن أحرم بقصد البيت فلا يحله إلا البيت خرج حبس العدو من ذلك بفعل النبي ﷺ ، وبقي سائر ذلك على أصله، وقد عضد ذلك بعض علمائنا بالاتفاق على أن الضال لا يدخل في الآية، فإذا لم يكن الضلال عذر فالمرض مثله وهذا لباب المسألة (٢)، ثم اختلف العلماء بعد ذلك فمنهم من قال: عليه القضاء إذا حصره العدو (٣) وليس عليه هدي (٤)، ومنهم من قال: عليه الهدي ولا قضاء عليه (٥) والنبي ﷺ ، حين صده العدو، أهدى وقضى (٦) فأما الهدي فكان معه ابتداء فلا حجة فيه لأنه لم يوجهه بنفس الصيد.

стр. 565

وأما القضاء فلم يفعله أيضاً بأصل وجوب استقر في ذمته وإنما كان ليظهر صدقه فيما أخبر به من دخول البيت والطواف والسعي فيه، وليبلغ أمله من إخزاء المشركين فأما من صده المشركون عن حجه فأجره قائم وحجه تام، وقد بيَّنا ذلك في كتب المسائل. فأما المريض فلا يحله إلا البيت الذي قصد إليه لأنه يتفق أن يحمل فإن تعذر ذلك أو وقع اليأس فهو مثل الأول (١). الصلاة بعد الصبح وبعد العصر في الطواف روي عن النبي ﷺ أنه قال:"يَا بَني عَبْدِ الْمُطَّلِب، يَا بَني عَبْد مَنَافٍ لاَ تَمْنَعُوا أحَداً طَافَ بِهذَا الْبَيْتِ أنْ يُصَلَّيَ إيةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْل أوْ نَهَارٍ" (٢)، وروى/ أبو ذر عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشمس، وَلاَ صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتى تَغْربَ الشَّمس إِلَّا بِمَكَةَ" (٣). فلما كان هذا الحديث مروياً ولم تصح طرقه أدخل مالك، ﵁، فعل عمر بن الخطاب، ﵁، (حِينَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَالشمسُ لَمْ تَطْلُع ورَحَلَ حَتَّى صَلَّاهَا بِذِي طُوًى) (٤)؛ فكان فعل عمر في الصحابة، وهو الخليفة المهدي، أولى من ذلك الحديث المروي ولو كانت تلك الوصية من النبي ﷺ ، متقدمة وذلك الحديث عن أبي ذر صحيحاً لكان بمكة مشهوراً ولما خفي على عمر حاله (٥).
следующие страницы →