← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ومن شك في شيء فليدعه فإنما هي عشر ليال كما قالت عائشة (١)، فإن قيل إنما منع الله تعالى من الصيد في حق المتعمد، وأنتم قد جعلتم المخطىء مثله، الجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنا نقول إنما ذكر الله تعالى المتعمد لأنه الأغلب، فأما الخطأ فلا يقع في قتل الصيد إلا نادراً بل لم نسمعه وإنما تكلم في تصوير مسألة. الثاني: إن قوله متعمداً حال من القاتل مفعولة القتل ليس المقتول، وقد بيَّنا ذلك في الرسالة الملجئة. الثالث: إن أفعال الحج كلها من ارتكاب المحظورات خطؤها وعمدها سواء فالصيد مثله. أمر الصيد في الحرم اتفق العلماء أن المراد بقوله تعالى ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يعني متلبَّسين بالإحرام (٢) يحكم فيه ويجب المثل في جزائه (٣). فأما إن قتل في الحرم فإن من علمائنا من

стр. 562

قال إنه ليس مثل الأول ورواه بعضهم عن مالك (١) وهو رد للعربية وحط لمرتبة الحرم في الشريعة؛ فإن منزلة الحرم كمنزلة الإحرام في وجوب الاحترام وقوله ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يقال فيه أحرم الرجل إذا تلبّس بالإحرام كما يقال أحرم الرجل إذا دخل الحرم، وكما يقال أحرم إذا دخل في الشهر الحرام ومن هذا قوله: قتلوا الخليفة ابن عفان مجرماً ... فدعا فلم ير مثله مخذولا (٢) يعني أنه كان في البلد الحرام، وهي المدينة، وفي الشهر الحرام، وهو ذو الحجة فلا ينبغي أن يشتغل بتلك الرواية .. ما يقتل المحرم من الدواب قال رسول الله ﷺ : "خَمْسُ فَوَاسِقٍ يُقْتَلْنَ في الْحِل وَالْحَرَمِ" (٣)، فذكرها، واختلف الفقهاء في إلحاق غيرها بها وَاعَجَباً لمن يلحق الجصى بالبر (٤) في الربا ولا يلحق الفهد والنمر والذيب (٥) بهذه، وقد نبَّه النبي ﷺ ، في هذا الحديث على العلة، وهي القسق، ولم يتعرَّض لعلة الربا في البر بتنبيه ولكنه فهم من ذكر الأعيان الأربعة التنبيه على أمثالها فههنا أولى، ولا وجه لقول من قال: إن من يبتدئ الأذاية بخلاف من لا يبتديها لأن من كانت الأذاية في طبعه فواجب قتله ابتدأ أو لم يبتدئ لوجود فسقه الذي صرَّح النبي ﷺ ، به. ألا ترى أن الحربي يقتل ابتدأ بالقتال أو لا لاستعداده لذلك ووجود سببه

стр. 563

فيه، ولا تعجب من (ح) (١) في هذا، وأعجب من بعض علمائنا حيث يقول: إن صغار ما يقتل كباره من هذه الفواسق لا يقتل لأنه لم يؤذِ بعد (٢)، وكيف تكون الأذاية جبلَّته وينتظر به وجودها؟ وقد قتل الخضر ﵇ الغلام (٣) ولم توجد بعد منه فتنة فهذا أولى، وقد قال الله تعالى في الكفار ﴿وَلَا يَلِدُوا إلَّا فَاجِراً كفّاراً﴾ (٤). فكيف في هذه الفواسق؟ من أحصر بعدو (٥) الأصل في هذا الباب حديث النبي ﷺ ، يوم الحديبية (٦)، وفيه نزلت الآية (٧) واختلف الناس فيها اختلافاً كثيراً؛ فمنهم من قال: الآية تتضمن المريض يقال: أحصر بالمرض وحصر بالعدو (٨)، ومنهم من قال: الآية في العدو (٩) لا في المريض، ومنهم من

стр. 564

قال: هي فيهما جميعاً (١)، والذي يكشف القناع في ذلك ثلاثة أمور: أحدها: أن الآية نزلت في الحديبية وشأنها وكان حبس عدو ولم يكن حبس مرض. والثاني: أنه قال تعالى ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ وهذا يدل على أن السابق كان حبس خوف. والثالث: أن الأصل فيمن أحرم بقصد البيت فلا يحله إلا البيت خرج حبس العدو من ذلك بفعل النبي ﷺ ، وبقي سائر ذلك على أصله، وقد عضد ذلك بعض علمائنا بالاتفاق على أن الضال لا يدخل في الآية، فإذا لم يكن الضلال عذر فالمرض مثله وهذا لباب المسألة (٢)، ثم اختلف العلماء بعد ذلك فمنهم من قال: عليه القضاء إذا حصره العدو (٣) وليس عليه هدي (٤)، ومنهم من قال: عليه الهدي ولا قضاء عليه (٥) والنبي ﷺ ، حين صده العدو، أهدى وقضى (٦) فأما الهدي فكان معه ابتداء فلا حجة فيه لأنه لم يوجهه بنفس الصيد.

стр. 565

وأما القضاء فلم يفعله أيضاً بأصل وجوب استقر في ذمته وإنما كان ليظهر صدقه فيما أخبر به من دخول البيت والطواف والسعي فيه، وليبلغ أمله من إخزاء المشركين فأما من صده المشركون عن حجه فأجره قائم وحجه تام، وقد بيَّنا ذلك في كتب المسائل. فأما المريض فلا يحله إلا البيت الذي قصد إليه لأنه يتفق أن يحمل فإن تعذر ذلك أو وقع اليأس فهو مثل الأول (١). الصلاة بعد الصبح وبعد العصر في الطواف روي عن النبي ﷺ أنه قال:"يَا بَني عَبْدِ الْمُطَّلِب، يَا بَني عَبْد مَنَافٍ لاَ تَمْنَعُوا أحَداً طَافَ بِهذَا الْبَيْتِ أنْ يُصَلَّيَ إيةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْل أوْ نَهَارٍ" (٢)، وروى/ أبو ذر عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشمس، وَلاَ صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتى تَغْربَ الشَّمس إِلَّا بِمَكَةَ" (٣). فلما كان هذا الحديث مروياً ولم تصح طرقه أدخل مالك، ﵁، فعل عمر بن الخطاب، ﵁، (حِينَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَالشمسُ لَمْ تَطْلُع ورَحَلَ حَتَّى صَلَّاهَا بِذِي طُوًى) (٤)؛ فكان فعل عمر في الصحابة، وهو الخليفة المهدي، أولى من ذلك الحديث المروي ولو كانت تلك الوصية من النبي ﷺ ، متقدمة وذلك الحديث عن أبي ذر صحيحاً لكان بمكة مشهوراً ولما خفي على عمر حاله (٥).

стр. 566

القول في الهدي إن الله سبحانه لو شاء لأمن من في الأرض جميعاً كما أنه لو شاء لأيَّد الأنبياء بآية تذهل لها الألباب وتخضع لها الرقاب ولأوطأهم رقاب الخلق حتى ينقادوا إليهم وذلل لهم الجبابرة حتى يطيعوهم، ولكنه ابتلى بعضنا ببعض ورفع بعضنا على بعض حكمة بالغة ومشيئة نافذة، فكان مَنْ سلف من الأنبياء قبل محمَّد، عليه وعليهم الصلاة والسلام، ما بين مظهر من الخلق أو مغلوب بالملوك والجبابرة أو منصور بالقتال. ولما بعث الله تعالى محمداً ﷺ ، اختار له جزيرة العرب وأنزل بها أباه إسماعيل، ﵇، ومهَّد الله حالها من ذلك الحين بلاد جدب ومواضع وحشة تنفر عنها قلوب الخلق، ومهد فيها العرب لما أراد الله تعالى من فضيلتهم وكأنوا قوماً فوضى لا ملك عندهم. وقد كان نفذ القضاء بأنَّه لا بدَّ للخلق من وازع حين كانت الاستطالة والتظالم سليقة الجبلة .. وجعل الله ﵎ الذمام في العرب والجوار .. دفعاً عن المظلوم، ثم لم يستقل هذا الخصوص بعموم التظالم في الخلق فجعل الكعبة معظمة في النفوس .. وذا هيبة في القلوب، وألقى في روعهم أنها مواضع أمن لا يُراع فيها أحد ولا يُؤخذ فيها بحق، وبالغ في تعدية الأمن فحرم أذاية الصيد وزاده تأكيداً بأن حرَّم الحطب والحشيش حتى تمكنت تلك الهيبة في قلوبهم وصار الحرم مأوى لأمنهم وامتنَّ بذلك عليهم فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (١) ثم كان البيت نائياً عن أقطار العرب فلم تكن تعمّ العصمة فجعل الأشهر الحرم، وهي ثلث العام، محرَّمة معظَّمة ليستريح إليها المضطهدون ويأمن فيها الخائفون، وقرر ذلك في نفوسهم تقريراً نتهى إلى أن يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يروعه. ثم كانت الأشهر الحرم لا تستقل بعموم الزمان فجعل الهدي قائماً مقامه؛ فكان إذا خاف الرجل حلق رأسه وأشعر هديه وقلّده وخرج باسم البيت لا يروعه أحد. فقامت هذه العواصم مقام الملك العاصم يقوم بأحوال الخلق في المصالح ويدفع عنهم المضار، وعن هذا المعنى عبّر تعالى بقوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (٢) الآية. فجاء النبي ﷺ ، بالنبوَّة على أمة خالية من الملوك والقوة فكان ذلك أسمح للقبول وأبلغ في

стр. 567

نيل المأمول، وقد كان الهدي قرباناً مشروعاً لآدم ﵇ (١)، ثم مهَّده الله بين إسماعيل وإبراهيم ﵉ (٢)، ولم يزل مستمراً على تلك السبيل حتى أوضح الله تعالى فيه لرسوله البيان فقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ فصارت هذه الآية أصل الشريعة في الهدايا لأنه ﵎ بيَّن شرعيتها في شعيرتها، وأمر بحملها، أو بعثها، وضمن لنا الخير فيها بقوله: ﴿لَكمْ فِيهَا خير﴾ بالعصمة أولاً من الظلم وبالفدية آخراً من النار، وأمر بنحرها لله العظيم، وأباح أكلها رفقاً بالخلق وبيَّن أنَّ ذلك كله راجع إلينا ودائر علينا حين قال وهو القدوس: ﴿لَنْ يَنَالَ الله لحومها ولا دماؤهما ولكن يناله لله التقوى منكم﴾ (٤) الآية. المعنى أنه ليس المقصود إراقة الدم ولا تفرقة اللحم وإنما المقصود إذعان الخلق إلى الطاعة وأمتثالهم ما لا تهتدي إليه عقولهم قياماً بحق الربوبية وتقية من عقوبة العبودية، ولما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٥). فأباح الأكل بعد بلوغ الهدي مِحله ووقعت الإِباحة على ذلك الشرط وتشعَّبت السبل على علمائنا باختلاف أحوال الهدي فاضطربت لذلك أقوالهم اضطراباً تحصَّل منه خمسة أقوال. الأول: إنه لا يؤكل من الهدي لا قبل النحر ولا بعده. الثاني: إنه يؤكل قبل وبعد. الثالث: إنه يؤكل بعد ولا يؤكل قبل. الرابع: إنه يؤكل كله إلا جزاء الصيد ونحوه. الخامس: إنه يؤكل كله إلا هدي الفساد. لكل قول من هذه الأقوال منحى نزع به صاحبه، والأصل في ذلك الآية المحكمة المتقدمة التي ذكرها الله تعالى في معرض الامتنان، وأباح الأكل منها، مبالغة في

стр. 568

الإحسان؛ فلما استقر هذا العموم في نصابه ظهر من الشريعة أن جزاء الصيد على المحرم وجب غرمة فمحال أن يأكل ما غرم فترجع ذمته مشغولة كما كانت وهو قياس جلىّ مخصص به العموم باتفاق، ولقد روى ابن نافع (١) إنه يجوز أكل جزاء الصيد استمراراً على العموم وتقديماً له على القياس الجلي، وقال ابن المواز: لا يأكل من هدي (٢) الفساد لأنه وجب عليه عقوبة على طريق التغليظ فكيف يخفف عنه بإباحة الأكل له فينتقض أصل التغليظ ويجتمع الضدان، وهذا أيضاً قياس جلي تخصص بمثله العموم، وروي عن النبي ﷺ ، أنه قيل له: "كَيْفَ نَصْنَعُ بِمَا عُطِبَ مِنْهَا؟ قَالَ: انْحَرْهَا وَخَلَّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنهَا" (٣)، وبهذا تعلَّق من منع الأكل قبل بلوغ الهدي محله (٤). قلنا: لم يمنعه من الأكل ولا جرى له

стр. 569

ذكر، وإنما أخبره بوجه العمل فيه، وبقي جواز الأكل على أصله وقوله ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ خرج مخرج الغالب من الأحوال لا على طريق الشرط، وأبدع من هذا كله أن النبي ﷺ ، كان في حجته قارناً ومعه الهدي فلما نحرها بمنى أمر بطبخها، وجعل في القدر من كل بدنة بضعة فأكل من لحمها وشرب من مرقها، وفيها لحم هدي القرآن ولم يميِّزه ولا فصله (١). فأما ما نذر للمساكين فلا ينبغي أن تذكروه في هذه المسائل (٢)، ولا أن تجعلوه من جملتها كما فعل بعض علمائنا؛ لأن ذلك صدقة والصدقة لها حكمها فلا تدخل في الهدي، وهذه أصول طرق الخلاف ومطالع النظر، وتركيب الأقوال عليها مبسوط في مسائل الفقه. صيام يوم عرفة: روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَةٍ قَبْلَهُ وَسَنَةٍ بَعْدَهُ" (٣) قال علماؤنا: ومعنى هذا إذا لم يجد قبله ذنوب عامين، فإن وجد قبله ذنوب عامين كأنهما العامين اللذين يكفّران ومع حثّ النبي ﷺ ، على صومه وإخباره عن فضله فإنه أفطره يوم حجِّه وذلك لوجهين: أحدهما: لئلا يشق على أمته. الثاني: ليسنّ فطره لمن كان حاجاً فإنه أقوى له على الدعاء والعبادة فيكون ذلك تخصيصاً للحاج من عموم الحديث، ويبقى الفضل لغير الحاج. والتأويل الأول هو الأشبه بمذهب مالك، ﵁, لأنه أدخل في الباب أن عائشة كانت تحجّ وتصوم يوم عرفة حاجّة (٤) كأنها فهمت أن النبي ﷺ ، إنما أفطره خوف المشقة على أمته.

стр. 570

(تنبيه) على منزلة الحج (١): الحج (٢) ركن عظيم في الدين، ومن أعظم عبادات المسلمين شرعه الله تعالى للعباد ذكرى، ولينبههم على الدار الأخرى، ولتطمئن عليه الأنفس متحققة بالإيمان، وقد أنكرته الملحدة فقالت إن فيه تجريد الثياب ويخالف ذلك الحياء، والسعي وهو يناقض الوقار ورمي الجمار، لغير مرمى وذلك يضاد العقل؛ فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة. قلنا: ليس من شروط الولي مع العبد أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به ولا أن يطلع على فائدة تكليفه، وإنما يتعين عليه الامتثال ويلزمه الانقياد من غير طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود، ولهذا المعنى كان يروى عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول في تلبيته "لَبَّيكَ إله الْحَقِّ" (٣) إشارة إلى حضور هذا الاعتذار في وقت هذه الأفعال المناقضة للعادة، وقد تكلم على فوائده وأشاد بمقاصده كثير من الناس من لدن ابن (٤) أسد إلى ابن هوازن (٥)؛ فمجموع ما أشاروا إليه أن الله تعالى شرع الحج للقصد إليه والسفر نحوه، فيخرج عن الأهل والمال، وينخلع عن جميع ما معه إلا عن ثوبين هما كفنه إذا سافر السفر الحقيقي وهما بزته إذا سافر هذا السفر المقدم له، ويحرم على نفسه زهرة الحياة الدنيا من الطيب والنساء ليقطع شهوته ويدوم عمله كما يكون في القبر، ويقطع المفاوز إلى المقصد الأعلى حتى ينتهي إليه فيطوف ببيته الذي وضعه له، كما يطاف بسرادقات الملوك، ثم يستلم الركن الذي وضع له تملقاً وتذللاً، كما يستلم تراب أفنية الأمراء، ثم يبرز عن البيت إلى المسعى

стр. 571

فيتردد هنالك سبعاً ويخبّ ويرمل زيادة في الاجتهاد وحضاً للنفس على الاستعداد، ثم يخرج إلى عرفة، وهو الموقف الأكبر، فيمثل فيه مع جميع الخلائق، كما يمثل بالمحشر، فيتضرعون ويدعون ويجتهدون ويخلصون وينتظرون الرحمة ويتشوقون. فالذي يقطع به أن قصدهم لا يخيب، وأن دعوتهم بحرمة الجماعة لا تردّ. قال القاضي أبو بكر: كان شيخنا القاضي أبو المعالي عزيزي بن شيذلة (١) الواعظ يقول: كان شيخنا الدامغاني (٢)، صاحب سوق العروس، يقول، إذا حضر بعرفة: (اللهم اقبلني معهم وإن كنت زائفاً فقد يسمح الناقد وإن كان عارفاً) (٣) ثم يعود متوجهاً إلى حضرة القدس فيرمي بالجمار من يعترضه فيما فعل أو ينكر عليه ما أتى به، ثم يعود إلى باب الملك فيطوف به كأنه يستقضي ما رجاه ويستنجز ما دعاه، ثم يعقد النية ويصحح الرَّجاء أن ذلك العمل مقبول، والدعاء غير مردود، ما لم يكن معه ما يناقضه من طلب فخر أو إعراض عن خدمة الملك التي قصد إليها بإكباب على مخالفتِه وانتهاك لمحارمه. توفية: قد بيَّنا أن الحج له أركان لا يتم إلا بها وفيه محظورات لا يجوز فيه فعلها، وهي على قسمين منها ما يفسد الحج كالوطء (٤)، ومنها ما يُجبر بالنسك كسائر المحظوِرات سواه، وهذا معلومِ بإجماع من الصحابة، ﵁، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٥). فالرفث هو الوطء وما تعلَّق

стр. 572

به (١)، والفسوق هو الذبح لغير الله (٢) تعالى، وإنما تكون الهدايا له ولا جدال؛ أي لا تقول طائفة نقف بالمزدلفة وطائفة نقف بعرفة، بل الموقف لكل واحد وهو بعرفة. وأما الجدال والفسق فقد انقطعا شرعاً ووجوداً، وأما الرفث فانقطع شرعاً ولم ينقطع وجوداً، فإذا وجد أفسد الحج كما قلنا وقد قال قوم: إن المراد بالفسوق ها هنا سائر المعاصي (٣)، معناه أن الحج يحرم الوطء المباح ويحرم سائر المعاصي المحظورة؛ أي يزيد تحريمها تأكيداً فيصون حجه عن المباحات والمحظورات وهو المبرور. فأما الجدال فلا مدخل له في شيء من ذكل وبذلك قرأ الأكثرون ﴿فَلاَ رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ﴾ بالرفع والتنوين (٤) واتفقوا على قوله، ولا جدال أنه بالنصب وعدم التنوين، وقد بيّنا حكمة ذلك في ملجئة المتفقهين (٥).

стр. 573

كتاب الجهاد قال النبي ﷺ "مَثْلُ الْمُجَاهِدِ في سَبِيلِ الله كَمَثَلِ الصَّائِمِ" (١) الحديث. قال علماؤنا، ﵃: جهاد العدو الظاهر فرض من فروض الكفاية (٢)، وهم الكفار، وجهاد العدو الباطن فرض من فروض الأعيان، وهو الشيطان، وقد ترددت أحواله في الشريعة على خمس مراتب؛ فكان النبي ﷺ ، والمسلمون في أول الإِسلام مأمورين بالإعراض عن المشركين والصبر على إيذائهم والاستسلام لحكم الله تعالى فيهم. ثم أذن له في القتال فقيل له: ﴿أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (٣)، ثم فرض عليهم على العموم فقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٤)، وقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٥)، ثم قيل له وهي الخامسة التي استقرت عليها الشريعة: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٦) خاصة. فأما قوله ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَة﴾ (٧) الآية،

стр. 574

فالمراد بذلك الرحلة في طلب العلم ليس للجهاد فيها أثر، وقد نبَّه النبي ﷺ ، على عظيم موقعه في الدين، وهي عبادة بدنية مالية تحتمل الدنيا بأن يقاتل الرجل لها، وتحتمل الآخرة بأن يسعى في لقاء الله تعالى وفي سبيله وإعلاء كلمته، وإنما ضرب النبي ﷺ ، له مثلاً بالصائم القائم الذي لا يقتر فنبَّه على هذه المراتب الثلاث من فضله. أما مرتبة الصيام فلأنه ترك لذَّاته وأعرض عن نسائه وماله وهذا صوم عظيم. وأما قوله القائم فمثلاً لما هو فيه من العمل بالسير إلى العدو أولاً ولمقابلته ونكايته آخراً. وأما المرتبة الثالثة وهي الدوام فليست إلا للمجاهد لأن الصائم قد يفطر ويطأ ويلتذ، والقائم قد ينام ويستريح، وعمل المجاهد دائم في انكفافه وأفعاله فلا يعادل هذا عمل من الأعمال، ولذلك قال النبي ﷺ "الْخَيْلُ ثَلاَثَةٌ" (١) فذكر أنها لرجل وزر، وهو الذي يربطها لأذاية المسلمين، ولرجل ستر وهو الذي يتخذها مكتسباً يتعفف بها عن المسألة ويقيم حقَّ الله في رقابها وظهورها إذا تعيَّن عليه الغزو فيها، ولرجل أجر وهو الذي ربطها في سبيل الله، فكل ما يكون من فعلها في أثناء تصرفاتها وحركاتها فذلك كله في حسناته لأن النيَّة الأولى انسحبت عليها، وبفضل الله تعالى على العبد بالإجزاء بها فيكتب له ما يأتي بعدها، وكذلك قال ﷺ : "تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جَاهِدَ في سَبِيلِهِ" (٢) الحديث معناه التزم وكفى بالله كفيلاً، والتزامه إخباره لأن خبره صدق ووعده حق، ثم قال: لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته في الإيمان أولاً والثقة بالضمان آخراً، وقوله: أن يدخله الجنة يعني إن قتل. وكذلك روى مسلم في الصحيح عن النبي ﷺ إنه قال: "قَعَدَ الشيْطَانُ لِابْنِ آدَمَ في طَرِيقِ الإيمانِ فَقَالَ لَهُ: أتُسَلِمْ وَتَذِرْ دِينَكَ وَدينَ آبَائِكَ فَخَالَفَهُ فَأسْلَم ثُمَّ قَعَدَ لِهُ في طَرِيقِ الْهُجْرَةِ فَقَالَ لِهُ: أتُهَاجِرْ وَتَدَعْ أرْضَكَ وَديَارَكَ فَخَالَفَهُ فَهَاجَرَ، ثُم قَعَدَ لَهُ في طَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ لَهُ: أَتُجَاهِدْ فَتُقْتَلْ فَتَذِرْ عِيَالَكَ وَأَطْفَالَكَ فَحَقٌّ عَلَى الله إذاً فَعَلَ ذلِكَ أنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ" (٣)، وقوله: أو يرده إلى

стр. 575

مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة. روى مسلم: (أيَّمَا سريَّةٍ أصابَتْ ذهبَ ثُلُثَا أجْرِهَا وَأيَّمَا سَرِيَّةٍ أخْفَقتْ (١) كَمَلَ لَهَا الأجْر) (٢). واختلف الناس في هذا الحديث؛ فمنهم من ردَّه لأجل أن الله قد ظفر رسوله وغنمه في بدر وغيرها أفيقول أحد: إنه ذهب ثلثا ذلك الأجر ومنهم من أوله (٣)، وأشبه ما قيل فيه: إِن السرية إذا أخفقت زيدت على أجر الجهاد أجر الخيبة فإن أصابت نقص ذلك المزيد (٤) وتقديره بالثلثين أو الثلث سر لا يطلع عليه إلا صاحب الشريعة. حديث قال رسول الله، ﷺ "ألَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً" (٥) إلى آخره، أما قوله: رَجُلٌ أخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ في كُل زَمَانٍ وَأوَانٍ

стр. 576

وَحَالَةٍ وَمَكَانٍ. وأما قوله: رَجُل مُعْتَزُلٌ في غَنِيمَتِهِ، فالمراد به في وقت الفتنة (١) وإلا فالجماعة والجمعة وإفاضة العلم وإقامة الحدود وإظهار الشعائر هو معنى الدين. ولما كان هذا قليلاً في الخلق في الأزمنة خرج كلام النبي، ﷺ على الغالب. حديث (بَايَعنَا رَسُولَ الله، ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطاعَةِ" (٢) إلى آخره. يعني بالسمع: القبول، وبالطاعة: الانقياد في الطاعة، والعسر: الفقر والمشقَّة، واليسر: الغناء والسعة. (وَشَرُّ النَّاسِ رَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لَا يُبَايِعهُ إِلا لِلدُّنْيَا فَإِنْ أعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ) (٣) الحديث. وأما قوله المنشط والمكره: فيعني به الخروج معه في منافع الإِسلام كان الدعاء في حال نشاط أو في حال كسل. وأما قوله: وألا ننازع الأمر أهله. فيعني بقوله أهله: من ملكه لا من يستحقه فإن الأمر فيمن يملكه أكثر منه فيمن يستحقه، والطاعة واجبة في الجميع لأمر النبي، ﷺ ، بذلك لكل أمير ولو كان عبداً حبشياً (٤) لما في ذلك من مصلحة الخلق فإن الخروج على من لا يستحق الأمر إباحة للدماء وإذهاب الأمن وإفساد ذات البين، فالصبر على ضرره أولى من التعرض لهذا الفساد كله. لما خرج ابن الأشعث (٥) على الحجّاج (٦) حين ظهر ظلمه وشاع

стр. 577

تعدَّيه جاءوا إلى الحسن بن أبي الحسن (١) البصري في جماعة من القّراء يدعونه إلى الخروج معهم فقال لهم (إنَّ الحجاج عُقُوبَةُ الله في الْعِبَادِ، وَعُقُوبَةُ اللهِ لاَ تُقَابَلُ بِالسَّيْفِ وإنمَا تُقَابَلُ بِالتوبةِ) (٢). وأما قوله: أنْ نَقُولَ بِالْحقَّ وَلَا نَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمِ فصحيح. فأما إن خاف العقوية فيسقط عنه فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلسانه ويبقى بقلبه، وهل يجوز له أن يقتحمه وان أدى إلى قتله. واختلف (٣) الناس في ذلك. والصحيح عندي أنه لا يجوز التعرّض له، وقد بيَّناه في كتب الأصول. وأما حديث عمر (مَهْمَا يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ) (٤) إلى آخره فكلام فصيح لا تنزل بعبد شدة إلا فرجها الله تعالى إما بزوالها وإما بأفضل من ذلك وهو لقاء الله عند الموت وأما قوله: (وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ) فإنها فصاحة عربية لأن الله تعالى ذكر العسر مرتين بصيغة التعريف؛ فالأول هو الثاني، وذكر اليسر مرتين بصيغة التنكير، فالثاني غير الأول حسب ما تقتضيه اللغة العربية (٥). وأما قوله تعالى

стр. 578

﴿اصْبِرُوا﴾ (١) فمعناه أحبسوا أنفسكم على الأذى في ذات الله تعالى، وعن الشهوات التي تقطع عن الله تعالى، وأما قوله: ﴿وَصَابِرُوا﴾ فمعناه قابلوا صبر غيركم به. قال الله تعالى: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إنْ يَمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ (٣) وأما قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ فمعناه إذا فعلتم ذلك التزموه فإن الأعمال إِنما هي بالمداومة ومعيارها إنما يظهر عند الخاتمة. فائدة الجهاد: نيل الفضيلة الغنيمة بتحقيق الموعد (٤). أما نيل الفضيلة فقد بدأ به مالك، ﵁، وقد روي عن النبي، ﷺ ، وقد قيل له: يَا رَسُولَ الله، مَا بَالُ النَاسِ يُفْتَنُونَ في قبُورِهِمْ إلَّا الشُّهَدَاء؟ فَقَالَ: كَفَى بِبَارِقَةِ السّيُوفِ فِتنَةٌ (٥) خرّجه الشعبي (٦) وقال: قال رسول الله: (مَنْ قَتَلَهُ أهْل الْكِتَابِ فَلَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنِ) (٧) وقال: (قَفْلَةٌ كَغَزْوةٍ) (٨) فجعل أجر المجاهد في رجوعه كأجره في مسيره (٩)، خرّجه الداودي (١٠) وعن

стр. 579

أبي هريرة أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدَّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) (١) خرّجه القشيري. وأما تحصيل الغنيمة فهي خصيصة هذه الأمة، قال ﷺ : (فُضَّلْنَا عَلَى النَاسِ بِسِتٍّ فقال: وأُحلَّت لنا الغنائم ولم تحل لأحد سود الرؤوس قبلنا (٢) وليس يناقض ذلك القتال لتكون كلمة الله هي العليا لأن من تمام القتال لتعلو كلمة الإِسلام. المال أفضل وجوه الغنيمة قال ﷺ في الحديث الصحيح: "الإبِلُ عِزٌّ لأِهْلِهَا وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الأجْرُ وَالمَغْنَمُ" (٣) وقال ﷺ : "جُعِلَ رِزْقي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي" (٤) فلما كان أفضل الخلق جعل الله رزقه في أفضل وجوه

стр. 580

الكسب. خرّجه البخاري وقال عبد الله ابن حوالة (١): بعثنا رسول ﷺ ، لنغنم فرجعنا ولم نغنم (٢). خرّجه الداودي. وهذا يدل على جواز الجهاد قصد الغنيمة خاصة، وفي أثناء ذلك يحصل إعلاء كلمة الله تعالى مما تفيده السرايا من غيظ العدو وضعفه. وأما تحقيق الموعد فقال ﷺ : "زُويتْ لي الأرْضُ فأرِيتُ مشَارقها وَمغاربها" (٣) الحديث. ولا سبيل لعموم الملك إلا طريق- للجهاد، وقال ﷺ : "لاَيزالُ أهْلُ الْغرب ظاهرين على الْحقِّ لاَ يضُرُّهُمْ مَنْ خذلَهُمْ إلَى أن تَقُوم السَّاعةُ." (٤). قال قوم: هم أهل المغرب (٥)، وقال قوم منهم علي بن المديني: هم العرب (٦)، وقال قوم: هم المخصوصون بالجهاد المثابرون عليه النبي لا يضعون أسلحتهم فهم أبداً في غرب، وهي (٧) الحدة. خرّج ذلك مسلم، وهذا يكون بجوْب القفار (٨) وخَوْض البحار تحقيقاً للموعد الحق المذكور حين قال النبي، ﷺ : "نَاسٌ مِنْ أُمَّتي عُرضوا علىَّ يرْكبُون

стр. 581

ثَبَجَ (١) هذَا الْبَحْرِ الأخْضَرِ غُزاةً في سَبِيلِ الله" (٢)، وهذا يدل على طلب تحقيق الموعد من وراء البحار، وقد علم ﷺ بلوغ الدين هنالك. ولذلك قال في الحديث الصحيح: "اعْمَلْ مِنْ ورَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ الله لَنْ يَتْرُكَ مِنْ عَمَلِكِ شَيْئاً" (٣). وقال ﷺ في الحديث الصحيح: "لَا هِجْرَةً بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنيَّة" (٤) فلئن كانت الهجرة قد ذهبت فإن الجهاد باقٍ خلفاً عنها، على أن الداودي قد روى عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "لَا تَنْقَطِعُ الهجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التوبةُ وَلَا تَنْقَطِعُ التويةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" (٥)، ومعنى هذا أن الهجرة كانت مستحبة في صدر الإِسلام ثم كانت واجبة إلى النبي، ﷺ ، لتتمكن الدوحة وتتسع الدار وتنتشر الملَّة، فلما فتح الله تعالى عليه مكة انقطع الوجوب وبقي الاستحباب إلا في موطنين؛ أما أحدهما: فهجرة المسلم من أرض الحرب إلى دار الإِسلام وهذا

стр. 582

فرض عين على من نزل به. الثاني: هجرة الرجل ماله وأهله للخروج إلى العدو عند الاستنصار به أو عند استنفاره لقوله ﷺ : "وَإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفُرُوا" وكذلك "إذا اسْتنْصِرْتُمْ فَانْصُرُوا" وفي غير هذين الموضعين تكون هذه الهجرة فرض كفاية (١). ويتعلق بهذا ويرتبط به قتال الخوارج (٢) إذا ظهروا يطلبون مالاً أو ملكاً فإن قتالهم فرض وقتلهم قربة وسنبين الآن، إن شاء الله تعالى، بعضاً من الفرض فيهم ولا ينقطع الجهاد إلا بالإِسلام. قال ﷺ :"أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَاسَ حَتى يَقُولُوا لاَ الهَ إلا الله" (٣) الحديث. فإن لم يكن إسلام فالجزية بالقرآن، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤) الآية .. وذلك من الله تعالى على وجه الرفق بنا حتى ننجِّي من الحرب أنفسنا وتكثر بالجزاء أموالنا وزاد في الرفق بأن قال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٥)، وهذا وإن كان خاصاً للنبي، ﷺ ، فإن الآية محكمة (٦) إلى أن تقوم الساعة إذا رأى الإِمام ذلك، واحتاج الناس إليه ينعقد (٧) الصلح على ما يمكنه من ضعف المسلمين وقوَّتهم ولا يمنع ذلك من إجابة الناس الكفار إليه إذا كان للمسلمين منفعة فيه، ولا أعظم من حالة النبي، ﷺ ، يوم الحديبية التي انكرها عمر، ﵁، حين قالوا للنبي، ﷺ : وعلى إن تردَّ إلينا من- جاءكم منا مسلماً، قال

стр. 583

له سهيل: وأول ما أقاضيك على أبي جندل ولده، وقد جاء يوسف في قيده فقال له النبي، ﷺ : نعم، فصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين أُرَدُّ إلى الكفار يفتنوني عن ديني (١). قال علماؤنا: ورسول الله، ﷺ ، كان أعرف وصدقوا، وفيه نكتة بديعة؛ وذلك أن رسول الله، ﷺ ، إنما رد إلى سهيل ولده فماذا يصنع الوالد بالولد، وأيضاً فإن النبي، ﷺ ، قد كان أذن لهم بالتلفظ بالكفر، وهو الذي كانت الكفار تطلبه فيتلفظون به حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده .. وقد قال علماؤنا: إن دعوة الكفار شرط في القتال (٢)، وقد قال مالك، ﵁: يدعون مرة (٣)، وقال أخرى لا يدعون (٤). وقد قال آخرون من علمائنا: ذلك اختلاف حال لا اختلاف قول، والذي عندي أن النبي، ﷺ ، قد فرغ من الدعوة وقد كتب إلى هرقل (٥) والنجاشي (٦)، وكتب إلى الأقيال (٧) والعباهلة (٨) وبيَّنَ الإِسلام بالحج (٩) عشر سنين. أما إنه بعث معاذاً إلى اليمن فقال: "ادْعُهُمْ إلَى شَهَادةِ أنْ

стр. 584

لَا إلهَ إلَّا الله وَأنَ مُحَمَداً رَسُولُ الله فَإنْ هُمْ أجَابُوكَ إلَيْهَا فَأعْلِمْهِمْ" (١) الحديث. وقال في حديث بريدة "ادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ (٢) خِلَالٍ" الحديث. وأغار ﷺ على بني المصطلق (٣) وهم غارون، وأتى خيبر ليلاً فصبحها على (٤) غرَّة، وذلك كله لتقدم الدعوة. النهي عن قتال النساء والولدان: إعلموا نوّر الله تعالى قلوبكم أن موضع الجهاد، كما قلنا، لإعلاء كلمة الله تعالى، وكسب الحلال من مال الله تعالى، وقتل أعداء الله . واختلف العلماء في علة القتل فمنهم من قال علته الكفر. قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٥) أي كفر، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٦)، فذكر الصفة في الحكم منبِّهاً بها على التعليل، وقال أهل الكوفة: علَّة القتل المحاربة (٧). قال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ وهذا أصل عظيم تنبني عليه مسائل من الأحكام كثيرة، وقد استوفيناها في كتاب مسائل الخلاف بالبيان، وأقمنا على أن العلة الكفر لا الحرابة واضح البرهان، ولكن مع هذا قال علماؤنا: لا يقتل من الكفار أحد عشر كافراً ويقتل كافر واحد، وهذا من بديع الفقه، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿فاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٨) فكان هذا العموم من أصول الدين تناول اثني عشر شخصاً قتل واحد وترك

стр. 585

أحد عشر، وبهذا السبب كاع من كاع (١) من علمائنا المتكلمين عن القول بالعموم وذلك غير ضائر فيه لأنه عرضة للتخصيص وللتعليل فوجد كما بيَّناه في أصول الفقه (٢) بظاهره وتعليله حتى تبين ما تبين دليله. فأما الأثنا عشر فرجل شيخ مفند (٣) عسيف أجير راهب في صومعته، راهب في كنيسته، زمن مجنون مريض امرأة صبي، فيقتل الرجل بلا خلاف وكذلك الشيخ. وأما المفند والعسيف ففر مالك، ﵁، من القول بقتلهما (٤)، قال عبد الملك (٥): وكذلك الأجير الصانع بيده مثلهما. والذي عندي أنهم يقتلون لأن علة القتل الكفر وهي موجودة فيهم، وقد قال سحنون (٦): إن حديث العسيف لم يثبت وكان الشعيي قد خرَّج أن النبي، ﷺ ، قال لخالد: "لاَ تَقْتُلَنَّ ذُرِّيةً وَلاَ عَسِيفاً" (٧)، والذي صح الامتناع من قتل النساء والصبيان (٨) إلا إن قاتلا فَيُقتلان، قال سحنون (٩): حالة القتال، وقال ابن القاسم (١٠): في كل وقت وقال أصبغ (١١): إن قَتَلا في حال ققالهما قُتِلا.

стр. 586

والصحيح قول ابن القاسم لأن العلة، وهي الكفر، قد اقترن بها شرطها وهي الأذاية (١) وأما الراهب إن كان في الكنيسة مع الناس فحكمه حكمهم، وأما إن كان في صومعته فيترك لحديث الصديق (فَذَرْهُمْ وَمَا حَبَسُوا أنفُسَهُمْ (٢) لَهُ). وكذلك المرأة إذا ترهَّبت .. قال مالك، ﵁: والنساء أحق ألا أن يهجن (٣)، وقال سحنون: بل يسبين (٤)، وهو الأصح، لتهيئها للمنفعة والمالية، وأما الزَّمِن (٥) والمجنون الذي لا يفيق فهو في حكم المفند، وأما إن كان يفيق فإنه يُقتل، ويتعلق بهذا ما قال الصديق: (لَا تَقْطَعَنً شَجَرا مُثْمِراً) وهو قد شاهد قطع النبي، ﷺ ، نخل (٦) البويرة (٧)، وكانت من أشرف النخل، وكان الرَّجاء في تحولها للمسلمين أعظم من الرَّجاء في تحول أرض الشام لهم، فلا فائدة في قول من قال: إن الصديق إنما نهاجم عنها لأنه رجاها (٨)، كما أنه لا معنى لقول من قال أيضاً إن النبي، ﷺ ، إنما قطعها ليتسع له المنزل (٩)؛ فإنه تعليل بدعوى وترك أما صرح به الله تعالى حين قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ (١٠) إلى قوله: ﴿وَلْيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ .. فبين تعالى أن المقصود غيظ الكافر واخزاؤه ووهنه، فيكون ذلك من باب النففة على عياله وتجهيز الجيوش لضعفه فإنَّ نفيسِ المال يضعف قلوب الرجال فهذه فائدته .. وإذا احتاج إليه الِإمام فعله. وأما قوله: (لَا تَخْرُبَنَّ عَامِراً) فمثله، وأما قوله: (وَلَا تَحْرُقَنَّ نَخْلًا وَلَا تَغْرِقَنَّهُ) فإنما ذلك لأن النحل حيوان كريم ولا يوصل إلى رزقه إلا

стр. 587

بالتدخين عليه، فأما حرقه أو تغريقه فعذاب لا يحلّ، وقد جمعت هذه الوصية من الصديق، ﵁، ليزيد ابن (١) أبي سفيان وصايا من المحاسن في الشريعة وجملاً من الأحكام. عارضة: وعلى ذكر يزيد بن أبي سفيان فإن أبا بكر، ﵁، اختاره في أمراء الأجناد وبعثه إلى الشام، فلما مات استخلف أخاه معاوية فأقره عمر بن الخطاب، ﵁، طول أيامه، ثم ولِّي عثمان، ﵁، فأمضى ما أقرَّ عمر لم يكن له فيه أثر، ثم زحف المبطلون إلى عثمان، ﵁، يطلبون منه المحال فكانت نازلة عظيمة في الإِسلام فوجب على الصحابة أن يتشاوروا في هذه النازلة مع خليفتهم فأرسلوا إليه يأخذون رأيه فقال: يتركون، فلم يجز لهم أن يخالفوا رأيه في نفسه فَقُتِلَ عثمان، ﵁، وتفرق الجمع من هذه البلبلة العظمى وبويم لأحق خلق الله بالِإمامة بعده، وهو علي ابن أبي طالب، ﵁، فطلب من معاوية عقد البيعة فقال له: أبرز عن نفسك قتلة عثمان فنحن أولياؤه وحينئذ نبايعك، وقال علي: بايع واحضر واطلب حقك تبلغ إليه. ووقف الصحابة على هذا الخلاف، علي يطلب عقد البيعة وجمع الكلمة ويقع التناصف بعد ذلك في الحقوق، ومعاوية في أولياء عثمان يطلبون التبرِّي من قتلة عثمان وحينئذ يعقدون البيعة. وصار من الصحابة في كل طريق فريق وتبارزوا وتقاتلوا ونشأت الحرب واستوفى الله تعالى وعده وأنجز أمره، ولم يكن أحد من الطائفتن في باطل وإنما كان على مرتبة من الحق، وجانب علي عندنا أقوى فيه، ولذلك قال ﷺ ، وذكر الخوارج (يَخْرُجُونَ عَلى حِينٍ فِرْفَةٌ مِنَ النَاسِ يَقْتُلُهُمْ أدنى الطائِفَتَنْ إلى الْحَقِّ) (٢)، فبيَّن ﵇ أنَّ كل أحد منهم كان يجتذب طرف الحق وعلي كان أدنى إليه. قال لنا أبو علي الحضرمي (٣): قال لنا الأذربي (٤)، قال لنا

стр. 588

القاضي (١)، وإنما كانت الحكمة من الله تعالى فيما وقع من الحرب بين الصحابة تعلَّم الناس منهم كيفية قتال المسلمين بأن لا يذفف (٢) على جريحهم ولا يتبع مدبرهم ولا تسبى نساؤهم ولا تغتنم لموالهم. فإن قيل فهيك أن عثمان قد رضي بالقتل فالحادثة لم تنزل به وحده، والمصيبة لم تخصه، بل كان الفساد على جميع المسلمين، فكيف ساعدته الصحابة على هذا الغرض ولم تقم بما كان يتعين عليها من هذا المفترض. فالجواب: أنا أقول الطائفة المبطلة إنما جاءت تطلب شخص عثمان لا شيء سواه فاستسلم عثمان لأمر الله وقال للصحابة: لا يسلّ السيف في الإِسلام بسببي أبداً، ولا يتقاتل الناس فتراق دماؤهم في حياتي، فذلك الذي أوقف للصحابة لأنهم ما كانوا يصلون إلى حماية عثمان إلا بعد أن يقتل من الطائفتين، ربما قُتِل الحسن والحسين، فكره عثمان أن يكون فتح هذا الباب بسببه وفدى الحال والأمة بنفسه حتى تكون صحيفته مبيضة من دم أحد، فتحذار أن تُسَوَّد صحفكم من مخالفة هذا الاعتقاد الذي قدَّمناه والكلام بينهم بغير سداد (٣). حديث: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا بَعَثَ سرِيَّةً يَقُولُ لَهْمُ: (اغْدُوا بِسْمِ الله) (٤) الحديث. فقوله: تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِالله دليل على أن العلة هي الكفر، وقوله: لَا تَغِلُّوا يعني لا تخونوا في الغنائم، فذلك خطب عظيم في الدين وكفر لنعمة المنة بإباحة الغنائم

стр. 589

وعون للعدو يغلب المنة في الرعب لأن النبي ﷺ قال (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ) (١)، والمسلمون ينصرون بعده على قدر طاقتهم. فإذا كان الغلول ذهبت هذه الفائدة عنهم وانعكس النصر عليهم، كما أنه إذا فشا فيهم الزنا كثر فيهم الموت لأنهم طلبوا تكثير الوجود من غير طريق الشرع فسلَّط الله تعالى عليهم الفناء، كما أنهم إذا كفروا نعمة الله تعالى في الميزان الذي هو عيار الأموال طلباً لنمائها بالمعصية عاقبهم الله تعالى بأن سدَّ عليهم باب الرزق من السماء، ولهذا المعنى قال العبد الصالح: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، كما أنهم إذا حكموا بغير الحق فاستطالوا على الناس واستعدوا عليهم بالباطل سلَّط عليهم من يفنيهم (٣) مثله، كما أنهم إذا استعانوا على أعداء الله بنكث أيمان الله قلب الله الحال وحكم بغلبة العدو لهم ولذلك قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٤) أي لا يحل لأحد أن يخون النبي ﷺ ، فلا يعلم بخيانته، وذلك أعظم في معصية الخائن وذنبه، فليست خيانة النبي ﷺ ، كخيانة غيره، وقد أخبر النبي ﷺ ، أن الغلول عار في الدنيا ونار في الآخرة، وأخبر عن مدعم (٥) أن الشملة التي غلها اشتعلت عليها ناراً (٦)؛ كل ذلك تنبيه للخلق وتحذير. ولما كان النبي ﷺ ، لا ينبغي له أن يغل أمتنع عن الصلاة على بعض المقتولين، وقال إن صاحبكم قد غل فوجدوا الأمر كما قال (٧)، وامتناعه عن الصلاة

стр. 590

على بعض المقتولين عار لحقه وعقوبة حلَّت به كما كَبَّر ﷺ على من غلّ من القبائل تكبيره على الميت (١). إشارة إلى أن العاصي ميت وأن المطيع حيّ قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٢) وذلك تأديب وتنبيه والله أعلم، وأما قوله لا تمثلوا فإن الأمة أجمعت على تحريم المثلة وليس فيها حديث صحيح بلفظها (٣)، ولكن وردت أحاديث

стр. 591

صحيحة (١) في المعنى، وقد روي عن ابن شهاب أنه قال: كان قطع النبي ﷺ ، للرعاء وسمل أعينهم في صدر الإِسلام ثم نسخ ذلك بتحريم المثلة (٢)، وهذا ليس بصحيح؛ إنما فعل النبي ﷺ ، بهم ما فعلوا بالرعاء على تفصيل يأتي في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى. وحد المثلة الزيادة على العقوبة أو العدول عن صفتها كأنه يخرج بها المعاقب عن مثله؛ فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال (لِسَريَّةٍ بَعَثَهَا: إذا لَقِيتُمْ فُلاناً وَفُلَاناً فَأَحْرِقُوهُمْ بِالنَّارِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْد ذلِكَ: كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ بِكَذَا وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا الله فَإِذَا لَقَيْتُمُوهُمَا (٣) فَاقْتُلُوهُمَا) والعلة في ذلك أن التمثيل تعذيب، والتعذيب لا يجوز إلا لله تعالى أو ما يكون من استيفاء الحق في الحد.

стр. 592

باب الأمان قال علماؤنا، ﵃: الإِمام مخيَّر في الأعداء بين خمسة أشياء: القتل، المنّ, الفداء، الرقّ، الجزية، وقال (ح): لا يجوز المن (١)، وللعلماء في ذلك تفصيل طويل وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ ، منَّ (٢) وأمتنَّ (٣) والإمام ناظر للمسلمين فينظر فيما هو أعود عليهم بالمصلحة وأنفع لهم في الآجلة والعاجلة، فما أنفذ من ذلك بحسب ما يظهر له مضى، وقد بيَّنا ذلك في مسائل الخلاف. فأما أمان سائر الناس ففيه أيضاً خلاف كثير وتفصيل لعلمائنا جملته أن الأمان إذا وقع في جيش فيه الإِمام هل ينفذ أم يرجع؟ الرأي فيه إلى الإِمام؛ فإن غاب الإِمام عن موضع الأمان نفذ أمان الرجل البالغ الحر المسلم (٤)، واختلف في أمان العبد (٥) والمرأة (٦) واتفق على أن الصبي لا أمان له لأنه لا اعتبار بعبادته في الشرع، وهذا المعنى ينبني على أن الأمان عندنا من باب الحسبة فيقوم به كل أحد، وعند المخالف أنها ولاية (٧) وتنفيذ قول الغير على الغير ولا يكون ذلك إلا لمن يصلح للولاية ليس العبد والمرأة، وقد أوضحنا القول في مسائل الخلاف، وقد أجاز بعض

стр. 593

الصحابة (١) بحضرة النبي ﷺ ، فأنفذه، وأجارت أم هانئ (٢) فأنفذ جوارها، ويحتمل أن يكون بياناً لحكم الشريعة، ويحتمل أن يكون ذلك تجويزاً للفعل، وقد روى أهل الكوفة، منهم سفيان الثوري وغيره: (عَنْ عُمَرَ، ﵁ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً - مِنْكُمُ يَطْلُبُونَ الْعِلْجَ حَتَّى إِذَا أَسْنَدَ في الْجَبَلِ أَمَّنَهُ بِلِسَانِهِمْ الَّذِي يَفْهَمُونَ فَإذَا قَبِلَ ذلِكَ الْعِلْجُ قَتَلَهُ وأَنَا أَقْتُلُ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ (٣)، واختُلف في الحديث فقيل إنه لم يصح فلا يشتغل به وقيل إنما قاله عمر، ﵁، تغليظاً، كما قال في نكاح المتعة: لا أُوتِي بِرَجُلٍ إِلاَّ رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةٍ (٤) وهذا بعيد لأن أبا بكر الصديق، ﵁، قد قال لعكرمة حين ولاه: لَا تُوعِدَنَّ عَلَى مَعْصِيَةٍ بِأَكْثَرٍ مِنْ عُقُوبَتِهَا (٥) فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ أَثَمْتَ وَإِنْ تَرَكْتَ كَذَبْتَ. وقيل يرجم في نكاح المتعة لإجماع الأمة (٦) عليه، ويقتل في هذا الأمان على معنى قتل المسلم بالكافر، وقد بيَّنا فساد هذا في مسائل الخلاف، وقيل إنما يقتل بالغدر بمن أمّن لما في ذلك من المعصية في الدين والمضرَّة بالمسلمين. وأما الإشارة بالأمان فهي ماضية لا خلاف أعلمه فيها إذا كانت معهودة بينهما، والإشارة تقوم مقام الكلام في كل موطن؛ ووقعت

стр. 594

بدمشق نازلة وهي أن رجلاً أبكم كان يصلي فكلَّمه رجل في شيء فأشار إليه بجوابه فاختلف الناس هل تبطل صلاة الأبكم بتلك الإشارة أم لا تبطل، فقال شيخنا أبو الفتح (١): لا تبطل لأن الإشارة في الصلاة لا تبطلها إجماعاً، وقيل شيخنا أبو حامد (٢): تبطل صلاته لأن إشارته كلامه والكلام محرَّم على الأبكم في الصلاة على قدره. القول في الغنيمة هي خصيصة أمتنَّ الله تعالي بها على هذه الأمة كما تقدم، وحكم فيها بحكمه وبيَّنها بكلامه فقال تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) إلى قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾ وهذه الآية من أمهات آيات الأحكام، وقد اضطرب فيها علماء الإِسلام وبعد فيها نيل المرام، وقد أوضحناها على غاية القدرة في كتاب أحكام القرآن (٤) وأصعب فصولها مسائل الخمس ولصعوبته جعله العلماء كتاباً منفرداً، فإن الله تعالى قال فيه قولاً، وقال النبي ﷺ ، قولاً آخر وفعل فيه فعلاً آخر فاضطربت المسألة على بعض العلماء واتسقت لبعضهم، فقال أبو العالية (٥): يقسم الخمس على ستة أقسام. قال (ش) يقسم الخمس على خمسة (٦) أقسام للنبي ﷺ ، منها خمس الخمس، وقالت طائفة للنبي ﷺ . سهم الصفيّ من الخمس، وقيل: من رأس المال يصطفي جارية أو عبداً أو سيفاً أو فرساً أو ما شاء ثم تقع القسمة (٧)، وقالت طائفة: قوله: فإن لله استفتاح كلام الأرض كلها

стр. 595

والسموات لله (١)، وقال علماؤنا، ﵃: الخمس موكول إلى رأي الإِمام يفعل فيه ما يراه أصلح للمسلمين وأنفع في الدين (٢) لقول النبي ﷺ : "مَالِي مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَيْكُم إلاَّ الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ" (٣)، ولم يقل خمس الخمس. وقيل: يجوز أن يعطي الإِمام للغانمين من الخمس على طريق النفل، وهو جمهور المذهب، أن النفل من الخمس. وقالت طائفة من العلماء: قد ثبت عن النبي ﷺ ، "أَنَّهُ كَانَ يَنْفُلُ مِنَ الْخُمُسِ وَالرُّبُعِ بَعْدَ الْخُمُسِ في الْبَدْأَةِ وَالرَّجْعَةِ" (٤)، وهذه كلها أحاديث صحيحة طريق النظر فيها على الاختصار أنا لو تركنا والآية لقسمنا الخمس على خمسة أقسام، كما فعله الشافعي، ﵁، حسب ما يقتضيه ظاهر القرآن، ولكن النبي ﷺ ، لما صرفه على خلاف ظاهر القرآن علمنا أن الله تعالى قد جعل إليه الحكم فيه؛ فإن رأى أن يجعله فيمن سمى الله تعالى فعل فإنه بيان لبعض محله، وإن شاء أن يصرفه إلى غير ذلك من المصالح

стр. 596

صرفه؛ فقد أعطى النبي ﷺ ، منه للمؤلفة قلوبهم وليس لهم في الآية (١) ذكر مع وجود الفقراء والمساكين واليتامى الذين نص الله عليهم، وقد قال بعض علمائنا وهو سحنون: إن النفل يجوز بعد الخمس بالثلث والربع (٢)، حسب ما ثبت في الحديث الصحيح فيكون هذا أيضاً اعتماداً في الأربعة الأخماس على ما فعل النبي ﷺ ، وليس يريد تفريق النفل العمل بالاستواء فيه بين أهل الجيش لأنه لو كان كذلك لكانت قسمته، وإنما يريد تفضيل بعضهم علي بعض وهذا معنى حديث ينفل الثلث والربع بعد الخمس وأما حديث ابن عمر (وَنُفَّلْنَا بَعِيراً بَعِيراً) (٣) فهو من الخمس جرت لهم سهامهم بأحد عشر بعيراً ونفلوا من الخمس بعيراً بعيراً وهذا يدل على أن الإِمام إن رأى أن ينفِّل من الخمس فعل، وإن رأى أن ينفَّل من الأربعة الأخماس بعض المستحقين فعل، يقصد بذلك أهل الغناء والمصلحة، فأما الأربعة أخماس فهي للغانمين وهم الذين يؤمنون كما قدمنا وأما الأجراء (٤)

стр. 597

والنساء (١) والعبيد (٢) فاختلف فيهم فقيل لا يسهم لهم، وأما الأجير فلأنه لم يقصد للغزو وإنما قصد الخدمة فيوفر عليه حكم قصده، وقال علماؤنا: فإن قاتل أسهم (٣) له لأنه ظهر من فعله تحقيق قصده في القتال، وكذلك العبد، وكذلك المرأة إن قاتلت، وكذلك الصغير إذا وقف في الصف وأطاق القتال عند علمائنا (٤) فإن هذه الأحوال تبيَّن أنهم غانمون لأنهم مقاتلون فيدخلون في عموم قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، والصحيح أن النساء لا يسافر بهن إلا في الجيوش المأمونة، وإذا سافرن فلا يسهم لهن وإن قاتلن؛ فقد

стр. 598

سافرت النساء مع النبي ﷺ ، ووقفت في الصف وقاتلت وما أسهم لهن (١) أما انهن يحذين (٢) وينفَّلن على الاختلاف المتقدم في كيفية الحذيا والنفل، وكذلك قال علماؤنا: لا يسافر بالمصحف إلى أرض العدو إلا أن يكون جيشاً مأموناً. قال مالك، ﵁: مخافة أن يناله العدو (٣)، فورد الحديث في الموطأ قاصراً من وجهين. أحدهما: أنه قال نهى ولم يقل لفظ النبي ﷺ . الثاني: أنه جعل التقية من كلام مالك، ﵁ (٤)، وفي الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل عن ابن عمر، ﵁، قال النبي، ﷺ : "لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوَّ لِئَلَّا يَنالَهُ الْعَدُوُّ" (٥) وهذا نص في الوجهين، وقد سمعت بعض أشياخي يقول: إن النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو إنما هو السفر بالعلماء مخافة أن تفنيهم الشهادة، قال: فأما السفر بالمصحف فلا يؤثر فيه العدو، وهو مُحكم في قلوب الرجال المشحونة بالتوحيد والقرآن فكيف بأوراق المصحف وقد كتب النبي ﷺ بالقرآن إلى

стр. 599

الكفار (١) وقال علماؤنا: إنما كتب إليهم بالآية والآيتين على معنى الوعظ (٢)، وحرمة الآية والآيتين كحرمة الألفين .. لكن علماءنا لم يجعلوا للقليل في ذلك حكم الكثير ولأجله جوَّزوا للجُنُب أن يقرأ الآيات اليسيرة على معنى التعوُّذ (٣)، وإذا ثبت أن الغنيمة للغانمين فأجمعت الأمة على أنهم لا يجعل لهم التصرف فيها قبل القسمة، وقد استثنى من ذلك علماؤنا ما تدعو الحاجة إليه من طعام يأكلونه أو دابة يركبونها (٤) ما لم يعجفوها (٥)، والعجب من علمائنا أنهم احتجّوا على جواز أكل الطعام قبل التقسيم بحديث عبد الله بن مغفل في الجراب من الشحم الذي قال يوم خيبر: (قَدْ نزَوْتُ لِأخُذَهُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَحْيَيْتُ) (٦)، ويا ليت شعري هل في أخذه له اختصاص؟ إنما كانت تكون الحجة لو رآه النبي ﷺ ، يأكله فهذا من عظيم الغفلة (٧)، أما إنه ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ ، أمر بإكفاء القدور التي أطبخت من الإبل والغنم ثم قسَّم الغنيمة (٨)، وإنما المعول في ذلك

стр. 600

على المصلحة فإن المسلمين يدخلون بلاد العدو فتطرأ الحاجة وتعرض الفاقة فلو قسمت الغنيمة قبل التحصيل لكان ذلك فساداً في القضية وخرماً في الحال، ولو منع الناس الأكل منها حتى تقع المقاسم لأضر ذلك بهم فجوَّز الأكل بالمعروف وهذا من دلائل المصلحة وأحكامها التي انفرد بها مالك، ﵁ (١)، فإذا قسَّم الإِمام الغنيمة فإن خرج إلى يده مال مسلم معين خرَّجه له (٢)، وإن علم أنه لمسلم، ولم يتعين، فمشهور المذهب أنه يقسم فإذا جاء صاحبه فهو أحق به بالثمن (٣)، وقيل: لا يقسم ويوقف فإن يئس منه تصدّق به، وكذلك قال (ح) (٤)، وقال (ش) (٥): صاحبه أحق به يأخذه متى شاء دون ثمن، وقد بيَّناه في مسائل الخلاف. والصحيح عندي أخذه له دون شيء؛ فإن الملك الثابت بالإِسلام لا تبطله اليد العادية الطارئة، ويسهم للخيل سهم واحد عند أكثر العلماء لكل فرس (٦)، وقيل سهمان للفرس (٧). والأول أصح؛ وهذا أمر مخصوص باتفاق من العلماء لا يلحق الفرس في ذلك حيوان ولو كان الفيل الذي غناؤه في القتال أعظم ووقعه في النفوس أكبر، وخصت الخيل لأنه ليس في الحيوانات أشرف منها لما خُصَّت به من الجري والكر والفر وتيسير التصرف والتذليل بحكم المصرف، وهي متفاوتة خلقاً في الجودة والدناءة،
следующие страницы →