صرفه؛ فقد أعطى النبي ﷺ ، منه للمؤلفة قلوبهم وليس لهم في الآية (١) ذكر مع وجود الفقراء والمساكين واليتامى الذين نص الله عليهم، وقد قال بعض علمائنا وهو سحنون: إن النفل يجوز بعد الخمس بالثلث والربع (٢)، حسب ما ثبت في الحديث الصحيح فيكون هذا أيضاً اعتماداً في الأربعة الأخماس على ما فعل النبي ﷺ ، وليس يريد تفريق النفل العمل بالاستواء فيه بين أهل الجيش لأنه لو كان كذلك لكانت قسمته، وإنما يريد تفضيل بعضهم علي بعض وهذا معنى حديث ينفل الثلث والربع بعد الخمس وأما حديث ابن عمر (وَنُفَّلْنَا بَعِيراً بَعِيراً) (٣) فهو من الخمس جرت لهم سهامهم بأحد عشر بعيراً ونفلوا من الخمس بعيراً بعيراً وهذا يدل على أن الإِمام إن رأى أن ينفِّل من الخمس فعل، وإن رأى أن ينفَّل من الأربعة الأخماس بعض المستحقين فعل، يقصد بذلك أهل الغناء والمصلحة، فأما الأربعة أخماس فهي للغانمين وهم الذين يؤمنون كما قدمنا وأما الأجراء (٤)
стр. 597
والنساء (١) والعبيد (٢) فاختلف فيهم فقيل لا يسهم لهم، وأما الأجير فلأنه لم يقصد للغزو وإنما قصد الخدمة فيوفر عليه حكم قصده، وقال علماؤنا: فإن قاتل أسهم (٣) له لأنه ظهر من فعله تحقيق قصده في القتال، وكذلك العبد، وكذلك المرأة إن قاتلت، وكذلك الصغير إذا وقف في الصف وأطاق القتال عند علمائنا (٤) فإن هذه الأحوال تبيَّن أنهم غانمون لأنهم مقاتلون فيدخلون في عموم قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، والصحيح أن النساء لا يسافر بهن إلا في الجيوش المأمونة، وإذا سافرن فلا يسهم لهن وإن قاتلن؛ فقد
стр. 598
سافرت النساء مع النبي ﷺ ، ووقفت في الصف وقاتلت وما أسهم لهن (١) أما انهن يحذين (٢) وينفَّلن على الاختلاف المتقدم في كيفية الحذيا والنفل، وكذلك قال علماؤنا: لا يسافر بالمصحف إلى أرض العدو إلا أن يكون جيشاً مأموناً. قال مالك، ﵁: مخافة أن يناله العدو (٣)، فورد الحديث في الموطأ قاصراً من وجهين.
أحدهما: أنه قال نهى ولم يقل لفظ النبي ﷺ .
الثاني: أنه جعل التقية من كلام مالك، ﵁ (٤)، وفي الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل عن ابن عمر، ﵁، قال النبي، ﷺ : "لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوَّ لِئَلَّا يَنالَهُ الْعَدُوُّ" (٥) وهذا نص في الوجهين، وقد سمعت بعض أشياخي يقول: إن النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو إنما هو السفر بالعلماء مخافة أن تفنيهم الشهادة، قال: فأما السفر بالمصحف فلا يؤثر فيه العدو، وهو مُحكم في قلوب الرجال المشحونة بالتوحيد والقرآن فكيف بأوراق المصحف وقد كتب النبي ﷺ بالقرآن إلى
стр. 599
الكفار (١) وقال علماؤنا: إنما كتب إليهم بالآية والآيتين على معنى الوعظ (٢)، وحرمة الآية والآيتين كحرمة الألفين .. لكن علماءنا لم يجعلوا للقليل في ذلك حكم الكثير ولأجله جوَّزوا للجُنُب أن يقرأ الآيات اليسيرة على معنى التعوُّذ (٣)، وإذا ثبت أن الغنيمة للغانمين فأجمعت الأمة على أنهم لا يجعل لهم التصرف فيها قبل القسمة، وقد استثنى من ذلك علماؤنا ما تدعو الحاجة إليه من طعام يأكلونه أو دابة يركبونها (٤) ما لم يعجفوها (٥)، والعجب من علمائنا أنهم احتجّوا على جواز أكل الطعام قبل التقسيم بحديث عبد الله بن مغفل في الجراب من الشحم الذي قال يوم خيبر: (قَدْ نزَوْتُ لِأخُذَهُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَحْيَيْتُ) (٦)، ويا ليت شعري هل في أخذه له اختصاص؟ إنما كانت تكون الحجة لو رآه النبي ﷺ ، يأكله فهذا من عظيم الغفلة (٧)، أما إنه ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ ، أمر بإكفاء القدور التي أطبخت من الإبل والغنم ثم قسَّم الغنيمة (٨)، وإنما المعول في ذلك
стр. 600
على المصلحة فإن المسلمين يدخلون بلاد العدو فتطرأ الحاجة وتعرض الفاقة فلو قسمت الغنيمة قبل التحصيل لكان ذلك فساداً في القضية وخرماً في الحال، ولو منع الناس الأكل منها حتى تقع المقاسم لأضر ذلك بهم فجوَّز الأكل بالمعروف وهذا من دلائل المصلحة وأحكامها التي انفرد بها مالك، ﵁ (١)، فإذا قسَّم الإِمام الغنيمة فإن خرج إلى يده مال مسلم معين خرَّجه له (٢)، وإن علم أنه لمسلم، ولم يتعين، فمشهور المذهب أنه يقسم فإذا جاء صاحبه فهو أحق به بالثمن (٣)، وقيل: لا يقسم ويوقف فإن يئس منه تصدّق به، وكذلك قال (ح) (٤)، وقال (ش) (٥): صاحبه أحق به يأخذه متى شاء دون ثمن، وقد بيَّناه في مسائل الخلاف. والصحيح عندي أخذه له دون شيء؛ فإن الملك الثابت بالإِسلام لا تبطله اليد العادية الطارئة، ويسهم للخيل سهم واحد عند أكثر العلماء لكل فرس (٦)، وقيل سهمان للفرس (٧). والأول أصح؛ وهذا أمر مخصوص باتفاق من العلماء لا يلحق الفرس في ذلك حيوان ولو كان الفيل الذي غناؤه في القتال أعظم ووقعه في النفوس أكبر، وخصت الخيل لأنه ليس في الحيوانات أشرف منها لما خُصَّت به من الجري والكر والفر وتيسير التصرف والتذليل بحكم المصرف، وهي متفاوتة خلقاً في الجودة والدناءة،
стр. 601
متباينة خلقاً في الجماح والإقدام والنفار والإنس، متفاضلة في الشريعة في الشيات (١) والألوان من مشهور الحديث "يَمُنُ الْخَيْلِ شقْرُهَا" (٢) وثبت عن النبي ﷺ ، أنه كان يكره الشكال (٣) فيها، ويستحب كل كميت أغر محجل فإن لم يكن كميت فأدهم أغر محجل وأشقر (٤)، وقال أبو عبيد: الشكال المكروه أن تكون محجل الثلاث مطلق الواحد ووهم (٥) لقول النبي ﷺ : "خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَم الْأَرْثَم الْأَقْرَح الْمُحَجَّل الثَّلَاثَ الْمُطْلَق اليَمِينِ" (٦). فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية، والذي عندي في الشكال أحد وجهين:
стр. 602
إما أن تكون اليدان محجلة خاصة وهو موضع القيد.
وإما أن يكون التحجيل في اليدين والرجلين باختلاف يمين يد مع يسار رجل، أو يسار يد مع يمين رجل، وهذا الذي يكره في الخيل هو الذي يُتقى فيه الشؤم المذكور في الحديث وهو مذهب البخاري وعليه بوَّب (١). وقوله الأَرثم يعني الذي بشفته العليا بياض، وقوله الأقرح يعني الذي بجبينه غرَّة مستديرة، وأما حديث أبي قتادة فإن النبي ﷺ ، قال فيه: "مَنْ قَتَلَ قَتَيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيَّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ" (٢) بعد انقضاء القتال، فقال (ش) وغيره: إن ذلك إخبار عن حكم الشرع (٣)، وقال مالك وغيره: إن ذلك نفل من الإِمام وحكم النفل وحلّه أن يكون بعد القتال؛ لأنه إن كان قبل القتال كان تحضيضاً على القتال طلباً للدنيا (٤) وقد ثبت أن النبي ﷺ (قَضَى بِالسَّلَبِ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ) في حديث معاذ بن عمرو بن الجموح (٥)، ورده في حديث خالد من يد آخذه (٦)، وأعطاه تارة أخرى من النفل، كما
стр. 603
قسَّم للفرس سهمين وللرجل سهماً من النفل (١) أيضاً، وظنّ مالك، ﵁، أن ذلك أصل في الشريعة أيضاً، والصحيح أن ذلك كله تنفيل لا تأصيل.
الشهداء في سبيل الله:
تقدم تعديدهم. أخبر النبي، ﷺ ، عن فضلهم بأنه يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دماً؛ اللون لون الدم والريح ريح المسك (٢)، وهذا معنى كونه شهيداً لأنه يأتي بشاهده معه، وعلى هذا أدخله مالك، ﵁، وأدخل أيضاً قوله لشهداء أحد: "هؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ" (٣)؛ فيكون الأول فعيلاً بمعنى فاعل، ويكون الثاني فعيلاً بمعنى مفعول، وقد تضمَّن حديث أبي قتادة في فضل الشهداء فائدة حسنة وهي أنها تكفِّر كل خطيئة إلا الدين (٤)؛ يعني إلَّا حقوق الآدميين، وذلك أن الله تعالى بفضله يكفِّر جميع الذنوب
стр. 604
المتعلقة بحقه ويبقى للعباد حقوقهم بعدله حتى يتناصفوا فيها، وقد بيَّنا كيفية التناصف من العباد في المعاد في كتاب الأصول.
حديث: قال عمر بن الخطاب، ﵁: (كرم المرء تقواه) (١) إلى آخره، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)، فلن يشرِّف المرء ولا يجلّ قدره إلا قدر تقواه، كما أنه لا فخر بحسب ولا نسب ولا استعداد بهما إنما الاستعداد بالدين، قال النبي، ﷺ : "النَّاسُ مَعَادِنٌ خِيَارُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الْإسْلَامِ إذا فَقهُوا" (٣)، كما أن الرجل لا تكون له مروءة إلا بحسن الخلق، وهي مأخوذة من المرء؛ فإن الرجل لا يكون رجلاً بصورته الظاهرة التي يشاركه فيها البهائم وإنما يكون امرءاً بأخلاقه الباطنة التي بها شرف الآدمية فلا يكون سبعاً ضارياً في الأدَاية، ولا ثعلباً في المكر والخيانة، ولا خنزيراً في الجشع والحرص إلى غير ذلك من الأخلاق، البهيمية الدنيئة ثم قال: "الْجُرْأَةُ وَالْجُهْنُ غَرَائِزٌ يَبْغُضُهَا الله تَعَالَى حَيْثُ شَاءَ"؛ يريد أن ما تقدَّم يصحُّ اكتسابه بخلاف الجرأة والجبن فإنها وضع من الله تعالى فيه، وذلك بحسب ما يكون من قوة قلبه وضعفه، إما أنه قد يكتسب العبد فيها دربة بمكافحة الحروب ولم يكن في الأمة ولا يكون
стр. 605
كشجاعة أبي بكر الصديق، ﵁، فإن الشجاعة والجرأة إنما حدّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب ولا مصيبة أعظم من موت النبي، ﷺ ، فظهرت فيها شجاعة أبي بكر وعلمه، قال الناس: لم يمت رسول الله، ﷺ ، منهم عمر، ﵁، وخرس عثمان، ﵁، واستخفى عليّ، ﵁، واضطرب الأمر فجاء أبو بكر، ﵁، وكان غائباً، فكشف الثوب عن وجهه الكريم وقال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً، ثم خطب الناس فقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (١) الآية، فخرج الناس يتلونها في سكك المدينة كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم (٢)، ولم يعلم أحد حيثُ يدفن، فقال أبو بكر، ﵁: سمعته يقول: (لَمْ يُدْفَنْ قَطُّ نَبِيٌّ إلَّا حَيْثُ يَمُوت) (٣) وطلبت فاطمة ميراثها فقال: سمعته يقول: "إنّا مَعْشَرُ الأنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" (٤) وارتدت العرب فمنعت الزكاة فقال له عمر، ﵁، وسواه: اقنع منهم بالصلاة حتى يتمهَّد الإِسلام، فقال: وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ الله لَقَاتَلْتهُمْ عَلَيْه (٥) , وقيل له: أمسك جيش أُسامة تستعين به على قتال أهل الردة، فقال: وَاللهِ لَوْ لَعِبَتِ الْكِلابُ بخَلَاخِيلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا رَدَدْتُ جَيْشاً أَنفَذَهُ رَسُولُ الله، ﷺ ، قال له عمر، ﵁: ومع من تقاتلهم؟ قال له: وَحْدِي (٦) حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفتِي. فكان هذا أصلاً في أن لا يرد حاكم حكماً أنفذه غيره قبله وإن رأى الناس خلافه (٧).
стр. 606
ثم اختلف المهاجرون والأنصار فيمن تكون الإمامة، فقصدهم في محلهم وتوسَّط مجتمعهم وخطب خطبته المعروفة عليهم فقال: (إِنَّ هذَا الأَمْرَ لَا يُصْلِحُ إلَّا لِقُرَيْشِ هُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ وَأَهْلُ الله، وَقَدْ قَالَ الْنَّبِيُّ، ﷺ : "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" (١)، وَقَدْ سَمَّانَا الله الصَّادِقِينَ وَسَمَّاكُمُ الْمُفْلِحِينَ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَكُونُوا مَعَنَا حَيْثُ كُنَّا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢)، وَقَدْ قَالَ حَتَّى في آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: أُوصِيكُمْ بِالأَنْصَارِ خَيْراً وَلَوْ كَانَ لَكُمْ في الأَمْرِ شَيْءٌ مَا وَصَّى بِكُمْ (٣) وأما قوله: القتل حتف من الخوف فإن ذلك إشارة إلى أن الأجل بيد الله تعالى وأن خير مواقعه الشهادة التي يحتسب نفسه فيها الشهيد على الله تعالى.
стр. 607
كتاب الذبائح
إن الله ﵎ شرَّف الآدمي، خلق له غيره ويسره له في جلب منفعة أو دفع مضرة، وزاد في المنَّة حتى أذن له في إيلام الحيوان الذي هو نظيره في اللذة والألم، وأمره بإتلاف نفسه وإنزال الألم به تارة في التقرُّب إِليه كالهدايا والضحايا وتارة في التلذذ به كذبحه للأكل، وجعله على قسمين قسماً متأنساً يدركه بغير حول ولا حيلة، وآخر لا يحصل إِليه بالحول والحيلة كالدرّاج (١) والطائر، ويسر له الأسباب التي يصيد بها الدوارج وعلَّمه الحيل التي ينزل بها الطير من العلو ..
وقد فسرنا هذه الأنواع في سورة العقود من كتاب الأحكام (٢)، وأمر سبحانه إخباره عن هذه المنة بالرفق والتؤدة فقال: "إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقَتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْذَّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" (٣)، ولا بد من اعتبار الذبائح والذبح والمذبوح، فأما الذابح فأن يكون بيّناً عارفاً؛ فإِنَّ المجوسي محرم الذبح والذمي مأذون له في ذبحه لأنه صاحب كتاب، قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤).
قلت للشيخ الإِمام أبي الفتح نصر بن إبراهيم (٥) بدمشق: قد حرَّم الله علينا طعام المشركين من أهل الأوثان والمجوس وذبائحهم، وأي شرك أعظم من أن يقول إن عيسى هو الله أو ولده. قال لي: قد أخبر الله تعالى في كتابه عنهم وعلمه منهم، وأذن بعد ذلك في
стр. 608
طعامهم وذبيحتهم رخصة منه لشبهة الكتاب الذي معهم، وأما اشتراطنا العرفان في الذبائح فلأنه إن لم يعرف الذابح الم البهيمة وحرم الأكل بإفساد الذبح، وإنما جاز إيلامها لفائدة الانتفاع بها. وأما المذبوح فأن يكون مأذوناً في أكله حلالاً في نفسه حياً، ومعنى قولنا حياً احترازاً من المنخنقة (١) والموقوذة (٢) والمتردية (٣) والنطيحة (٤) وما أكل السبع (٥) حسب ما ورد في القرآن والخليسة (٦) وهي التي تنتزع من يد الذئب حسب ما ورد في السنة .. وقد اختلف العلماء والراوية عن مالك، ﵁، في هذه الأعيان الخمسة بالأحوال الخمسة هل تُذكَّى فتُؤكل أم قد فسدت بناء على أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٧)، هل هو استثناء متصل أو هو مقطوع عن الأول مبينا لحكم مبتدأ. والصحيح عندي أنه راجع إلى الأول متصل به ولا يجوز فصله عنه إلا بدليل، وقد بيَّنا ذلك في كتاب الأحكام (٨). وأما الذبح فقال علماؤنا: لا بدّ فيه من النية وإنهار الدم بقطع الأوداج والحلقوم والمريء من جهة الحلق دون القفا وهو على ثلاثة أقسام: ذبح ونحر وعقر. فالذبح للغنم وما شاكلها، والنحر للإبل وما أشبهها، والعقر في كل محل عند عدم القدرة. وعلى هذا حمل علماؤنا الحديث حين قيل للنبي، ﷺ : (الذَّكَاةُ إنَّمَا تَكُونُ في الْحَلْقِ وَالْلبَّةِ؟ فَقَالَ: لَوْ طَعَنْتَ في خَاصِرَتِهَا (٩) فَخُذْهَا أَجْزَأَك) (١٠)، والبقر مذبوحة لقول الله تعالى في القرآن: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا
стр. 609
بَقَرَةً﴾ (١) منحورة بحديث النبي، ﷺ : (نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ) (٢). وعن علمائنا في أكل جميع ما ذُبح إذا نُحر، وأكل جميع ما يُنحر إذا ذُبح على الإطلاق روايتان، والصحيح عندي في الغنم ونوعيها ذبحها لا نحرها، والأصل في ذلك كله حديث رافع قال: كُنَا بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تَهَامَةَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله إِنَّا لَاقُوا الْعَدُوَّ غَداً وَلَيْسَ مَعَنَا مِدًى إلَّا الْقَصَبُ وَفِي رِوَايَةٍ إِلاَّ الْلِّيطُ (٣)، وَهِيَ الْقَصَبُ اْلمَشْقُوقَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ، ﷺ ، أَعْجِلْ، أَوْ أَرِنْ، مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذَكَرَ اسْمَ الله فَكُلُوا لَيْسَ السَّنُّ والْظُّفْرُ وَسَأُحَدَّثُكُمْ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمِدَى الْحَبَشَةِ) (٤) وفي الحديث أربعة معان:
أحدها: أن الصحابة فهمت أن الذبح بالحديد فسألت هل يلحق به المحدد من غيره أم لا؟ فأخبر النبي، ﷺ ، أنه مثله لحصول المقصود من إنهار الدم وقد ذبحت أمة (٥) شاة بمر (٦):
стр. 610
وكثر ذلك في الأخبار حتى روي في الحديث أن رجلاً (١) نحو بوديرا (٢) وتد (٣) فأجزأ لعمله عمل المحدود سمعت القاضي الزنجاني (٤) والبستي (٥) والصاغاني (٦) والدهستاني (٧) يحكون عن إسرافيل (٨)(٩) ......................................
стр. 611
............................................ وعبد الله (١) ابن أبي زيد القاضي وغيرهم من رؤساء الحنفية أنهم قالوا: إنما شرع الله تعالى الذكاة لتميز الحلال، وهو اللحم، من الحرام، وهو الدم، وجعل في مجتمع العروق ليسيل الدم كله حتى لا يبقى من الحرام شيء مع الحلال، وحرِّمت الميتة لأجل امتزاج الحرام، وهو الدم، مع الحلال، وهو اللحم، قالوا: وهذه من الحكمة في قوله (مَا أنْهَرَ الدَّمَ). فاللبن يخلصه الله تعالى وحده من الفرث والدم واللحم، يخلصه العبد بكسبه من الدم بالذكاة وهذا معنى تسميتها ذكاة مطيَّبة.
ثانيها: إن قوله: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) لم يبيِّن، ﷺ ، كيفية إنهار الدم من مواضعه أما أني رأيت لأبي أمامة الباهلي أن النبي، ﷺ ، قال: "مَا فَرَى الأَوْدَاجَ" (٢) وكذلك يروى عن عطاء (٣) وعن كثير من العلماء، والأوداج هي مجرى الدم دون الحلقوم والمريء، لكن علماءنا، ﵃، شرطوا في الذكاة خمسة شروط: قطع الحلقوم، قطع الأوداج، قطع المريء، وضع الخرزة، التي هي مناط ذلك كله من جهة الرأس؛ لأنك إن ذبحت
стр. 612
فوقها لم تقطع شيئاً من ذلك كله، ولا جرى من الدم إلا ما يكون في الرأس وما حوله (١) ويموت دم البدن فيه، وقد اختلف علماؤنا في ذلك على قولين، والذي يقتضيه الحديث الصحيح المطلق وحديث أبي أمامة المفسّر قطع الأوداج لقوله: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ" وقطع الحلقوم لأن من الأطباء من يقول إذا سلم الحلقوم طبت الأوداج فيمكن أن يعيش فيكون حينئذٍ إنما مات مقتولًا لا مذكىً، ولا أظن أن من قطعت أوداجه يعيش أبداً ولذلك قال علماؤنا: إنه إذا قطع بعض ذلك ولم يستوف أجزأه، وأما المريء الذي روى أبو التمام (٢) فلا أعلم له وجهاً (٣)، وقد قال علماؤنا إذا قطع الرأس في الذبح لم يؤكل، وكذلك إذا كانت فيه من أول الذبح إبانة الرأس (٤) لأنه لم يقصد ذكاة إنما قصد قتلاً، وقيل يجزيه لأنه ذكاة وزاد فلا تضره الزيادة.
ثالثها: قوله: (وَذَكَرَ اسْمَ اللهِ) وفيه غريبة لم يذكرها أحد من العلماء وهي إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه، وقد اختلف العلماء في التسمية هل هي شرط في الحل مع الذكر أم لا؟ فمشهور مذهبنا أنها شرط (٥) وقال (ش) ليست بشرط (٦)، وهي مسألة عسرة جداً عمدتنا فيها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ (٧). فإن قيل المراد بالآية ما ذبح لغير الله تعالى، قلنا: ظاهرها تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه فنحن مع ظاهر اللفظ ومطلق القول من غير التفات إلى السبب، حسب ما بيناه في مسائل الخلاف، وقد
стр. 613
اتفق علماؤنا وغيرهم على أنه يستحب استقبال القبلة بالذبيحة وإحداد الشفرة لأنه من حسن الذبيحة، والتؤدة على الذبيحة حتى تموت لأن القطع منها قبل الموت زيادة في عذابها إذ فيها بقية من الإحساس.
رابعها: وأما قوله: "لَيْسَ السَّنُّ وَالظُّفْرُ" وذلك بيان لأن الذكاة موقوفة على المحدّد المطلق الذي لا يكون فيه عرض ولا يكون معه عض ولا رض كالسن في الفم والظفر المتصلة باللحم، وإذا كانت التسمية عندنا شرطاً فكل طعام يقدمه المسلم إلى المسلم يأكله وإن لم يدرِ هل سمى الله تعالى عليه أم لا (١)، كما جاء في حديث عائشة، ﵂، الذي أرسله (٢) مالك، ﵁، عن عروة حتى إذا شاهدته لم يسم فحينئذ يكف عنه كما فعل عبد الله بن عباس، ﵄ (٣)؛ وفي هذه المسألة غلب الظاهر من حال المسلم، وهي التسمية، على الأصل وهو تحريم الذبيحة، حسب ما تقدم في أصول الفقه. وقد أدخل مالك، ﵁، حديث جارية كعب في الشاة التي أدركتها قبل أن تموت فذكَّتها بحجر، ونص مالك، ﵁، في موطّئه على المسألة فقال: (إِنْ كَانَتْ ذُبِحَتْ وَنفَسُهَا يَجْرِي وَهِيَ تَطْرِفُ فَلْتُؤْكَلْ) (٤) وهذا الذي قواه عمره كله فلا يلتفت إلى غيره.
стр. 614
ذكاة ما في بطن الذبيحة:
جاء في الأثر "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ" (١)، واتفق الرواة على رفع الذكاة الأولى واختلفوا في رفع الذكاة الثانية ونصبها وطال بينهما النزاع، وقد أوضحناها في مسائل الخلاف، والأمر فيها قريب قال (ح): ذكاة الأم (٢) تجزي. قال (م): لا بدّ من ذبحه (٣) .. قال (ش): وغاص عليّ الصواب يذبح إذا تم خلقه لأنها تكون نفساً آخرى
стр. 615
مودعة في الأولى، فأما إذا لم يتم خلقه فهو كعضو من أعضائها ولا يذكّى العضو الواحد مرتين. والصحيح عندي أنه إن خرج حياً ذُكِّي وإن خرج ميتاً لم يُذكَّ لأن غير ذلك فيه لا يمكن، وذبحه بعد موته لا يفيد.
القول في الأطعمة
قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١)، واختُلف في تفسيرها فقيل هي المحرمة شرعاً وقيل هي المستخبثة جبلّة وطبعاً على العموم وعند الناس لا على الخصوص وعند بعض الأشخاص، وقد قيل للنبي ﷺ : (أَحَرَامٌ هُوَ الضُّبُّ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) (٢) يشير إلى كراهية الاعتياد، وهي مخافة الكراهة أصل الاستخباث، وقال الله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ (٣) الآية. فحرم الله تعالى، في هذه الآية، عشرة ترجع إلى أربعة وهي: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به (٤) والمنخنقة وأخواتها داخلة في الميتة إن لم تدرك ذكاتها وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ في مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ (٥) فذكر الأربعة التي ترجع إليها الآية المتقدمة، وروي عن ابن عباس، ﵄، أن هذه الآية من آخر ما نزل من القرآن (٦) فقال البغداديون من أصحابنا: إن كل ما عداها حلال لكنه يكره أكل السباع، وعند فقهاء الأمصار منهم (م) و (ش) و (ح) وعبد الملك أن أكل ذي ناب من السباع حرام (٧)، وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله تعالى:
стр. 616
﴿قُلْ لَا أَجِدُ في مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ بما ورد من الدليل فيها كما قال النبي ﷺ : "لاَ يَحِلّ دَمُ امْرئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ) (١) فذكر الكفر والزنا والقتل، ثم قال علماؤنا: إن أسباب القتل عشرة بما ورد من الأدلة إذ النبي ﷺ ، إنما يخبر عما وصل إليه من العلم عن الباري، ، وهو يمحو ما يشاء ويثبت وينسخ ويقدر، وقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه قال: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبَاعِ حَرَامٌ" (٢)، وروي أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (٣). (وَرَوَى مُسْلِمٍ عَنْ مَعْن (٤) عَنْ مَالكٍ، ﵁، نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ الطَّيْرِ) (٥) والأول أصح. وتحريم كل
стр. 617
ذي ناب من السباع وهو صريح المذهب وبه ترجم مالك، ﵁، في الموطأ حين قال: (تَحْرِيمُ أكْلِ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ)، ثم ذكر الحديث وعقبه بعد ذلك بأن قال: (وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا) (١)، فأخبر أن العمل اطرد مع الأَثر، وقد اختلف العلماء إذا خالف العمل الأثر؛ فمنهم من قدم الأثر وهم الأكثر، ومنهم من طرح الأثر وقدم العمل، وهو مالك، ﵁، والنخعي وقد قال النخعي: (لو وجدت أصحاب محمَّد يتوضؤون إلى الكوعين لتوضأت كذلك) (٢)، وصدق لأنهم بعد النبي ﷺ ، لا يتركون العمل بما سمعوا إذا ثبت سماعهم له إلا عند دليل آخر مثله، وفيه تفصيل طويل بيَّناه في أصول الفقه (٣).
معارضة: قال الله تعالى حين ذكر ما حرم ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وقال تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤) فإذا ذبح النصراني في عيده وللمسيح وأهل به لغير الله تعالى فقد اختلف فيه كما قدمنا، وتعلَّق من منعه بأن قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (٥) تخصيص لعموم قول تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ والصحيح أنه لا
стр. 618
يخصه لأن النصراني لا يذبح إلا لله إلا أنه جهل في اعتقاده أن المسيح هو الله تعالى بخلاف المشركين فإنهم يذبحون للنصب مع اعتقادهم أنها غير الله تعالى، وأما قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فهو عام في جميع أجزائها إلا في الشعر فإنه ليس بميت وإلا في الجلد حالة الدباغ وجواز الانتفاع كما تقدم (١)، وأما قوله تعالى ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ فإن العلماء اختلفوا في جلده؛ فقال مالك، ﵁: لا يباح لكن لا بأس بالانتفاع بجلده بعد الدباغ (٢)، وبه قال أبو يوسف (٣)، وخالفه جميع العلماء في ذلك (٤) فقالوا: لا يحلّ ذلك في حال، وتعلق مالك: ﵁، بعموم قوله "أَيَّما إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" (٥) لأنه لا يكون في تحريمه أعظم من الميتة التي كانت الجاهلية تأكلها، وكذلك قال مالك، ﵁: يباع شعر الخنزير وينتفع به لأنه لا خنزيرية فيه، ومنع ذلك أصبغ (٦)، والصحيح عندي أنه لا يحل شيء من الخنزير في حال من الأحوال (٧)، وإنما أذن رسول الله ﷺ ، في الدباغ في جلد الميتة لأنه يخلف الحياة، وقد روى الدارقطني وغيره "دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ" (٨)، والخنزير خارج عن هذا كله. واختلف علماؤنا في الضبع
стр. 619
والثعلب (١) فقال (ش): هما حلالان، وقال (ح): هما حرام، وكذلك قال ابن الجلاب (٢) من علمائنا، وقال غيرهم: ذلك مكروه، وروى الدارقطني عن جابر أن النبي ﷺ ، قال "الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهَا إِذَا قَتَلَهَا الْمُحْرَمُ كَبشٌ" (٣) وعموم قوله، ﷺ : "أَكْلُ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبَاعِ حَرَامٌ" (٤) أولى بالمحافظة عليه من الحديث الذي لم يصح.
ما يكره من الدواب
اختلف العلماء في الخيل والبِغال والحمير فقال مالك، ﵁: أنها مكروهة (٥)، وقال (ش): أكل الخيل حلال (٦)، وقال جابر: (ذَبَحْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ
стр. 620
اللهِ ﷺ ، فَرَساً فَأَكَلْنَاهُ) (١)، وروى أن النبي ﷺ ، أذن في لحوم الخيل وحرّم لحوم الحمر (٢)، ولا إشكال في أن لحوم الحمر الأهلية حُرَّمت يوم خيبر لثبوت ذلك في الرواية الصحيحة (٣)، ثم اختلف في تحريمها على خمسة أقوال:
أحدها: أنها رجس.
الثاني: أنها حمولة فخشي أن تفنى.
الثالث: أنها جلالة.
الرابع: أنها لم تخمّس.
الخامس: أنها لم تقسم.
فأما قوله إنها رجس فكلام النبي ﷺ (٤). وأما قوله إنها حمولة (٥) أو جلالة أو لأنها لم تخمس (٦) فهو كلام الراوي وكل ذلك في البخاري. وأما قوله إنها لم تقسم فهو قريب من قوله في البخاري لأنها لم تخمس في المعتل فأما تحريمها أو تحليلها.
فاختلف فيه العلماء وعن مالك، ﵁، في ذلك روايتان (٧)، والصحيح
стр. 621
أن التحريم منسوخ بما نزل بعده بقوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ في مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ (١) إلا أن مالكاً، ﵁، لسعة علمه وذكاء فهمه، استنبط الكراهية من أن الله تعالى لما ذكر الأنعام، وما امتن به منها، ذكر في وجه الامتنان الركوب خاصة وكراهية أكل الخيل والبغال والحمير لأجل أنها كراع في سبيل الله تعالى وهو أحد الأقوال في تحريم الحمر يوم خيبر لأنه روي في الصحيح (أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيَّ ﷺ ، في ذلِكَ الْيَوْمِ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله أكَلْتُ الْحُمُرَ أفْنَيْت الْحُمُرَ فَأَمَرَ الْمُنَادِيَ فَنَادَى أَلَا إنَّ لُحُومَ الْحُمُرِ قَد حُرَّمَتْ) (٢).
القول في المستثنى من ذلك
حرَّم الله تعالى الميتة ثم استثنى حال الضرورة فقال ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٣) ثم استثنى من المستثنى فقال ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٤). سمعت الفهري (٥) يقول بالمسجد الأقصى وقد قيل له أو قلت له: إذا خرج باغياً أو متعدياً فوجد الميتة أيأكل أم يموت؟ قال: يموت ولا يأكل، وقد قال القاضي عبد الوهاب (٦): إذا أراد أن يأكل فليتب فإذا تاب ارتفعت عنه سمة البغي والعدوان (٧)، ودخل تحت قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ثم اختلف العلماء بعد ذلك في مسألتين:
أحدهما: هل يأكل من الميتة حتى يشبع أم يأخذ بقدر سد الرمق؟؟ وعن مالك، ﵁، في ذلك روايتان؛ فالذي في الموطّأ فالأكل والشبع والزاد، وهو كتابه
стр. 622
وصفوة مذهبه ولبابه (١)، وكذلك ينبغي أن يكون لأن الضرورة قد رفعت التحريم وأثبتت الإباحة وصيَّرت الميتة في حقه كالمذكاة.
وأما المسألة الثانية: فهو مال الغير هل يقدمه على الميتة في الضرورة أو يقدم الميتة عليه؟؟ ولا خلاف بين الأمة أنه إذا أمن من العقوبة أنه يأكل من مال الغير لأن مال الغير يقبل الإباحة بالإذن، والميتة لا تقبل الإباحة بحال.
وهناك مسألة ثالثة: في مذهب المخالف ليست في مذهبنا وهو أكل لحم الآدمي عند الضرورة (٢) إذا وجده ميتاً، فقالوا: لا يؤكل لأن حرمته ميتاً كحرمته حياً، ومنهم من قال: إنه يؤكل، والأول عندي اصحّ، ثم قال تعالى ﴿وَالدَّمُ﴾ (٣) في هذه الآية التي في العقود، ثم خصص في آية الأنعام فقال ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فاقتضى ذلك تحليل ما خالط العروق وجرى عند تقطيع اللحم وذلك لأنه أمر لا يتأتى الانفكاك عنه، ولا يمكن الاحتراز منه، كما اتفق العلماء على أن دم الحوت حلال لأنه مستثنى من الميتة والدم إذ لم يشرع فيه ذكاة، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
توحيد
رُوِيَ أنَ النَّبِيَّ ﷺ ، نَزَلَ بَلْدَحَ (٤) فَجَالَسَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو بْن نَفِيلٍ (٥) فَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، سُفْرَةً (٦) فِيهَا لَحْمٌ فَقَالَ زَيْدُ: إِنَّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذُبَحُونَ عَلَى أنْصَابِكُمْ (٧). فقيل في
стр. 623
السؤال: كيف تنزَّه زيد عما يذبح للأنصاب (١) واحتمله النبي ﷺ ، للزاد، وهذا مما اتفقت الملل على تحريمه، وقد كان النبي ﷺ ، على ملَّة إبراهيم؟ أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة كثيرة لبابها أربعة.
الأول: أن النبي ﷺ ، لم يكن يلتزم قبل المبعث شرعاً وإنما كان منزَّهاً معصوماً من كل دناءة ومضلَّة حتى جاءه الحق وهو معنى قوله تعالى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (٢) في أولى الروايات (٣).
الثاني: أن النبي ﷺ ، كان على شرع قبل المبعث ومن آياته أن أحداً لم يعلمه ولا نقله.
الثالث: أن هذا خبر واحد وخبر الآحاد فيما طريقه العلم لا العمل لا يوجب شيئاً (٤).
الرابع: أن المحرم الذبح على النصب والإهلال لغير الله تعالى فهذا هو المحرم القبيح (٥) الكفر، فأما أكله بعد ذلك فليس من الذبح في شيء. ألا ترى أن الأضحية تذبح لله تعالى ثم تؤكل للدنيا، والعبادة إنما هي في الذبح أو النحر خاصة فكان النبي ﷺ ، منزهاً عن الدناءة والحرام والكفر ولم يكن هنالك شرع في تحريم الأكل فكان يأكل من طعام أهل بيته قبل البعث كما نأكل نحن من طعام أهل الكتاب بعد ذبحهم (٦)، وهذا وإن كان كارهاً خارجاً عن الأصل ولكن بالقول الأول أقول.
стр. 624
باب الصيد
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ (٢) الآية. وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٣). وفي الصحيح عن عدي ابن حاتم أن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا أَرْسَلْتَ كَلَبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ الله فَكُلْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أخْذُهُ وَإنْ قَتَلَ فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ حَيّاً فَاذْبَحْهُ أَنْتَ وَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعْ كَلْبِكَ كَلْباً آخَرَ قَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ" (٤). وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فِأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ" (٥)، وقال أيضاً: "إذاً أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ الله فَكُلْ وَإنْ أَكَلَ مِنْهُ" (٦)، وروي عنه ﷺ ، أنه قال في حديث عدي في الصحيح: "وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقاً في الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لاَ تَدِرِي أَسَهْمَكَ قَتَلَهُ أَمِ الْمَاءَ" (٧). وروى عديٌّ أيضاً عن النبي ﷺ ، أنه قال: يَا
стр. 625
رَسُولَ الله (إِنَّي أَصِيدُ بِالْمعْرَاضِ، فَقَالَ ﷺ : مَا خَرَقَ فَكُلْ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ) (١)، زاد النسائي فيه (فَإِنَّهُ وَقِيذٌ) (٢). وروى مسلم عن أبي ثعلبة "إذا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ فَقَتَلَهُ فَكُلْ وَإِنْ غَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ مَا لَمْ يِبِتّ" (٣) وروي "بَعْدَ ثَلَاثٍ" (٤) وروي "إِلاَّ أَنْ يَنْتنَ" (٥) زاد النسائي "أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ سَبْعٌ" (٦). أما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ (٧)، فإنه قد توهَّم بعض الناس أن المراد به تحريم الصيد في حال الإحرام وهذا عضلة (٨) إنما المراد به الابتلاء به في حالتيْ الحِلّ والحرمة ليعلم الله مشاهدة منا ما علمه غيباً من امتثال من امتثل واعتداء من اعتدى، فإنه عالم الغيب والشهادة يعلم الغيب أولاً ثم يخلق المعلوم فيعلمه مشاهدة يتعيَّن المعلوم ولا يتغير العلم (٩). وقوله تعالى ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ قال مالك، ﵁: يعني في المقدور عليه ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني في المتعذّر المطلوب؛ وخص الرمح لأنه الغالب في التصرف وكل محدد يلحق به لأنه مثله. والمعراض قد بيَّنه
стр. 626
النبي ﷺ ، وأنه يجوز الصيد به فهذه الآية تناولت صيد المباشرة من الصائد دون واسطة، وتفصيل ذلك يأتي إن شاء الله تعالى. وأما قوله تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١)، فهذا التحريم إلى غاية، فإذا انقضت الغاية فقد ارتفع التحريم، وليس هذا من باب النسخ إنما النسخ ارتفاع الحكم المطلق وهو أحد شروط النسخ على ما تقرر في موضعه (٢) ..
وأما قوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٣) فيتعلَّق به كل جارحة من بهيمة كالكلب (٤) والفهد، أو طائر كالبازي والصقر، ولكنه ذكر التكليب لأحد معنيين، قال بعض علمائنا: التكليب هو التعليم وهو في المعنى الثاني وهو الأصح، وإنما ذكر التكليب لأنه الأغلب، وفي الصحيح عن النبي ﷺ ، أنه قال (مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ وَفِي بَعْضِ الطُّرُق ضَارَيةً أَوْ حَرثٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قَرَاطَانِ (٥) وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي
стр. 627
هُرَيْرَةَ أَوْ زَرْعٍ) (١)، وقيل ذلك لعبد الله بن عمر فقال: إن أبا هريرة كان صاحب زرع يعني أنه إذا كان صاحب زرع يكون أعلم بالمسألة ممن ليس بصاحب زرع (٢)، وهذا من لطف الله تعالى فإنه جعل البهائم على ضربين مسخّرة، مقدوراً عليها ومستوحشة ممتنعة بنفسها، ثم أذن في طلبها بالسلاح والجوارح، كل ذلك ابتلاء منه بحكمته وقدرته ولتعليم الجارح شرطان.
أحدهما: الاشلاء (٣) والانشاء.
الثاني: الإجابة عند الدعاء ووقع في ألفاظ علمائنا الانزجار عند الزجر وليس (٤) بشرط، وهذا يستوي فيه البهائم والطير، وليس يلزم في الأشلاء رؤية المصيد، بل يجوز أن يرسله ويشليه في الجملة ولكن بشرط النيَّة؛ فإن الاصطياد ذكاة والنية فيها شرط، كما تقدم، وذكر اسم الله على ما تقدم في الذبائح، فإن فعل هذا وغاب عنه المصرع فإن بات يكره مالك، ﵁، أكله في الموطأ (٥)، وقال في الكتاب: لا تؤكل وإن أنفذت مقاتله (٦)، وقال أشهب (٧): هو مكروه، كما قال مالك، ﵁، وقال عبد الوهاب (٨): يؤكل إذا أنفذت المقاتل، وجوزه ابن المواز (٩) في السهم ومنعه في الكلب
стр. 628
والبازي. وفي الحديث الصحيح كما قدمناه كله "مَا لَمْ يَبتْ"، ومحمله والله أعلم على أنه لم تنفذ مقاتله. وفي البخاري في رواية "إِنْ وَجَدْتَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلْهُ مَا لَمْ يَنْتنْ" (١)، وهذا محمول على أنه أنفذت مقاتله وأما زيادة النسائي "مَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ سَبَعٌ" فإن السهم إذا أنفذ المقاتل لم تبالِ عن أكل السبع بعد ذلك، وإن لم تنفذ المقاتل فيحتمل أن يكون السبع هو الذي قتله، وكذلك القول في الصيد الغريق مثله، وقد روي في بعض الطرق عن عدي بن حاتم عن النبيّ ﷺ (أنَّهُ قَالَ: كُلْهُ مَا لَمْ يَبِتْ فَإِنَّ الْلَّيْلَ خلق مِنْ خَلْقِ الله عَظِيمٌ وَلاَ تدْري مَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ) (٢) , والقول في أيضاً مثله؛ والمعنى في ذلك أن الأصل التحريم والذكاة مبيحة، فمتى ما وقع الشكّ فيها بقي الحظر على أصله، والذي أراه أنه إذا وجد فيه سهمه وطلبه ولم يدركه حتى مات أو بات ولم يجد فيه أثر سبع ولا ماءً أكله لأنه لا يمكنه في التذكية أكثر من هذا. وأما قوله في الحديث "إِنْ أَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَاذْبَحْهُ" فصحيح؛ لأن قتل الصيد إنما هو بدل عن العجز لعدم القدرة، فإذا قدر على الذكاة الأصلية لزمه فعلها، وأما إن كان الكلب غير معلم فلا بد من الذكاة لأن المقصود من الكلب الذي ليس بمعلم حبسه لا ذكاته. وأما قوله في الحديث "وَإِنْ وَجَدْتَ مَعْ كَلْبِكَ كَلْباً آخَرَ فَلَا تَأْكُلْهُ" إلى آخره فإنه لا يؤكل، وهذا الحديث هو الأصل في اشتراط النية في الصيد والذكاة؛ لأنه قال له "إنَّمَا ذَكَرْت اسْمَ الله عَلَى كَلْبِكَ" فلو كان ذلك الكلب الآخر لرجل سواه سمى وأشلاه ولم يعلم أحدهما بالآخر كانا شريكين فيه وأكلاه وليس من شرط الاشتراك أن يتفقا على ذلك.
стр. 629
" تبيين مشكل "
فإن أكل الكلب منه، فقال سعد بن أبي وقاص: كُلْ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا بُضْعَةٌ وَاحِدَةٌ (١)، وعن مالك، ﵁، في ذلك روايتان (٢)، وحديث النبي ﷺ ، في ذلك محمول على أحد وجهين: إما أن يكون في أول التعليم، وإما أن يحمل على الكراهية بدليل حديث أبي ثعلبة: قَالَ لَنَا الْخَطِيبُ أبو الْمُطَهِّرِ الْهَمَدَانِي (٣) قَالَ أَبُو بَكْرٍ شَيْخنَا (٤) الْجَحْدِي وَغَيْرُهُ: إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ مِنَ الصَّيدِ لاَ يُقَالُ إِنَّ التَّعْلِيمَ قد بطل؛ لأن الأكل الذي وقع من الكلب قد يكون لفرط جوع أو لنسيان، والعالم الماهر قد ينسى المسألة حتى لا يبقى لها في قلبه أثر فكيف البهيمة، فإن خرق المحدد الصيد فإن قطعه نصفين أكله كله، وإن أبان الأقل أكل الأكثر، والذي عندي أنه إن كان الأقل الذي أبين مما لا حياة معه أكل الكل، وإن كان تبقى بعده الحياة أكل الأكثر إكمالاً كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله﴾ (٥) الآية. اختلف العلماء في صيد الكتابي فقال في الكتاب لا يؤكل صيده وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ ليس بمعارض لقوله ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فإن هذه الآية في طعام الكتابيين عامة في الصيد وغيره، وآية الصيد خاصة غير منافية لهذه العامة، وإنما يُقضى بالخاص على العام إذا تعارضا، وأيضاً فإن الآية إنما نزلت في الذين آمنوا لأجل بيان حكم الحل والحرام وذلك يختلف الحال فيه على المسلم دون الكتابي (٦).
стр. 630
فأما المجوسي فلا سبيل إلى صيده لأن اسم الله لا بد منه والمجوسي يذبح لغير (١) الله تعالى، وقد قال الله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾.
باب ما جاء في صيد البحر
أما صيد البحر فهو حلال على الإطلاق، قال الله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (٢) فقوله صيد ما حول بعمل وقوله وطعامه (ما لفظه البحر) (٣)، ولم يحاول أخذه، وكذلك تأوَّله عبد الله ابن عمر (٤)، وقال (ح) (٥): وغير ما لفظه البحر لا يؤكل، ومعنى قوله تعالى ﴿وَطَعَامُهُ﴾ يعني أحل لكم صيد البحر. وأكله (٦)، وهذا عيٌّ لا يليق
стр. 631
بكلام الباري ، وتعلق من رأى ذلك بأحاديث لا أصل لها أمثالها ما روى أبو داود عَنْ جَابرٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قَالَ: "مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ خَرَجَ عَنْهُ فَكُلُوهُ وَمَا طَفَا فَلَا تَأَكُلُوهُ" (١)، وقد ضعَّفه أبو داود، والصحيح ما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال في البحر: "هُوَ الطَّهُورَ ماؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٢) رواه مالك (٣)، ﵁، وغيره. وفي الصحيح عَنْ (جَابِرٍ أَنَّهُمْ خَرَجُوا في غَزْوةِ السَّيْفِ (٤) مَعْ أَبِي عُبَيْدَةَ فَفَنَى زَادُهُمْ عَلَى صِفَةٍ ذَكَرَهَا فَأَلْقَى لَهُمُ الْبَحْرُ حُوتاً يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ فَأَكَلُوا منْهُ شَهْراً وَادَّهَنُوا وَشَبِعُوا وَسَمِنِوا وَجَاؤُوا منْهُ بِفَاضِلِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَسَأَلُوا رَسُولَ الله ﷺ ، عَنْ ذلِكَ وَأَهْدَوْا إِلَيْهِ مِنْهُ فَأكَلَهُ) (٥).
стр. 632
كتاب الضحايا
اختلف العلماء، ﵃، في الأضحية؛ فمنهم من قال إنها واجبة وهو (ح) (١)، ومنهم من قال إنها سنة وهو (ش) (٢). فأما علماؤنا فقال مالك، ﵁، إنها سنة مستحبَّة في الموطأ (٣)، وقال محمَّد بن الموازهي (٤) واجبة، وقال ابن القاسم (٥): من اشتراها ثم تركها حتى مضت أيام الأضحى فقد أثم؛ فكأنه أوجبها بالشراء، ومال ابن حبيب (٦) إلى الوجوب، وقد سئل عبد الله بن عمر عن الأضحية أواجبة هي أم لا؟ فقال: (ضَحَّى رَسُولُ الله ﷺ ، وَضَحَّى الْمُسْلِمُونَ) (٧) وأبى أن يجيب فيها
стр. 633
بنفي أو إثبات، واستدل من نزع إلى الوجوب بما روى مسلم أن النبي ﷺ ، قال: "عَلَى أَهْلِ كِلَّ بَيْتٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ في كُلَّ عَامٍ" (١)، والعتيرة هي المذبوحة في رجب. وتعلَّق من نفى الوجوب بحديث يرويه شعبة بن الحجاج عن مالك بن أنس، ﵁، خرّجه مسلم: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلاَ يَحْلِقْ شَعْراً وَلَا يُقَلِّمَنَّ ظِفْراً حَتَّى يَنْحَرَ أَضْحِيَتَهُ" (٢). فعلق الأضحية بالإرادة والاختيار والواجبات لا تعلّق بها لأنها ثبتت قسراً في الذمة، والأصل براءة الذمة وفراغ الساحة، وقد تعارضت أدلة الوجوب فلم يبقَ إلا فعل النبي ﷺ ، وهو محمول على الاستحباب، وقد روى الدارقطني عن النبي ﷺ ، أنه قال: "ثَلَاثٌ هِي عَلَيَّ فَرْضٍ وَهِيَ لَكُمْ تَطَوُّعٌ" فذكر الأضحى (٣). وفي الصحيحين عن النبي ﷺ ، أنه كان (يُضَحَّي بِكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ سَمِينَيْنِ) (٤)، وقال أبو داود
стр. 634
مُوجِبَيْنِ (١)(٢). وروى مالك في الموطأ وغيره (ضَحَّى رَسُولُ اللِه ﷺ ، بِكَبْشٍ أَقْرَنٍ فَحْلٍ يَنْظُرُ في سَوَادٍ وَيَبْرُكُ في سَوَادٍ وَيَطَأُ في سَوَادٍ" (٣)، وروى الترمذي وغيره (مَا عَمَلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْضَل مِنْ إِرَاقَةِ دَمٍ إِنَّهَا لَتَأْتِي بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ الدَّمُ لَيَقَعُ مِنَ الله بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يقَعَ في الْأَرْضِ) (٤)، وقد روي عن النبي ﷺ , أنه قال (وَلَا فَرْعٍ وَلاَ عَتِيرَةٍ) (٥) رواه البخاري. وقال العلماء. العتيرة التي نهى عنها هي
стр. 635
التي كانت تذبح للآلهة (١)، وقد روى أبو داود والنسائي أن النبي ﷺ ، قال، وقد سئل عن ذبح الجاهلية: "اذْبَحُوا في أَيَّ شَهْرٍ كَانَ وَأطْعِمُوهُ" (٢) فالذي يتحصّل من هذا كله أنها سنّة مؤكَّدة إذ تركَها جماعةٌ من الصحابة مع القدرة عليها مع عموم حالها واشتهار فعلها وتعلق قلوب الخلق بها, ولو كانت واجبة لما تركها أحد منهم (٣).
باب ما يستحب من الضحايا
ولا استحباب فوق ما فعله النبي، ﷺ ، ولا اختيار فوق اختياره، وقد اختار الأقرن الكحيل المسود الأطراف، كما اختار في الخيل (المبيض الاطراف) (٤). فأفضل الأضحية الكبش الأقرن الأسحل المسود الأطراف السمين، وذلك أصح من رواية أبي داود والنسائي في الموجبين فإن الوجاء نقص، وقد اختلف العلماء فيه؛ فمن أغرب ما روي عن مالك، ﵁ (أَنَّ الْخَصِيَّ أوْلَى مِنَ الْفَحْلِ) (٥). وقال علماؤنا: لأنه أسمن، قلنا: ولكنه ليس بأكمل، وقال مالك، ﵁، في المبسوط: الذكر والأنثى سواء، يعني في الإجزاء فأما في الفضل فالذكر أفضل وأطيب.
" باب ما يُتَّقى من الضحايا "
فيه حديث البراء المشهور (الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ