← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بكلام الباري ، وتعلق من رأى ذلك بأحاديث لا أصل لها أمثالها ما روى أبو داود عَنْ جَابرٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قَالَ: "مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ خَرَجَ عَنْهُ فَكُلُوهُ وَمَا طَفَا فَلَا تَأَكُلُوهُ" (١)، وقد ضعَّفه أبو داود، والصحيح ما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال في البحر: "هُوَ الطَّهُورَ ماؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٢) رواه مالك (٣)، ﵁، وغيره. وفي الصحيح عَنْ (جَابِرٍ أَنَّهُمْ خَرَجُوا في غَزْوةِ السَّيْفِ (٤) مَعْ أَبِي عُبَيْدَةَ فَفَنَى زَادُهُمْ عَلَى صِفَةٍ ذَكَرَهَا فَأَلْقَى لَهُمُ الْبَحْرُ حُوتاً يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ فَأَكَلُوا منْهُ شَهْراً وَادَّهَنُوا وَشَبِعُوا وَسَمِنِوا وَجَاؤُوا منْهُ بِفَاضِلِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَسَأَلُوا رَسُولَ الله ﷺ ، عَنْ ذلِكَ وَأَهْدَوْا إِلَيْهِ مِنْهُ فَأكَلَهُ) (٥).

стр. 632

كتاب الضحايا اختلف العلماء، ﵃، في الأضحية؛ فمنهم من قال إنها واجبة وهو (ح) (١)، ومنهم من قال إنها سنة وهو (ش) (٢). فأما علماؤنا فقال مالك، ﵁، إنها سنة مستحبَّة في الموطأ (٣)، وقال محمَّد بن الموازهي (٤) واجبة، وقال ابن القاسم (٥): من اشتراها ثم تركها حتى مضت أيام الأضحى فقد أثم؛ فكأنه أوجبها بالشراء، ومال ابن حبيب (٦) إلى الوجوب، وقد سئل عبد الله بن عمر عن الأضحية أواجبة هي أم لا؟ فقال: (ضَحَّى رَسُولُ الله ﷺ ، وَضَحَّى الْمُسْلِمُونَ) (٧) وأبى أن يجيب فيها

стр. 633

بنفي أو إثبات، واستدل من نزع إلى الوجوب بما روى مسلم أن النبي ﷺ ، قال: "عَلَى أَهْلِ كِلَّ بَيْتٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ في كُلَّ عَامٍ" (١)، والعتيرة هي المذبوحة في رجب. وتعلَّق من نفى الوجوب بحديث يرويه شعبة بن الحجاج عن مالك بن أنس، ﵁، خرّجه مسلم: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلاَ يَحْلِقْ شَعْراً وَلَا يُقَلِّمَنَّ ظِفْراً حَتَّى يَنْحَرَ أَضْحِيَتَهُ" (٢). فعلق الأضحية بالإرادة والاختيار والواجبات لا تعلّق بها لأنها ثبتت قسراً في الذمة، والأصل براءة الذمة وفراغ الساحة، وقد تعارضت أدلة الوجوب فلم يبقَ إلا فعل النبي ﷺ ، وهو محمول على الاستحباب، وقد روى الدارقطني عن النبي ﷺ ، أنه قال: "ثَلَاثٌ هِي عَلَيَّ فَرْضٍ وَهِيَ لَكُمْ تَطَوُّعٌ" فذكر الأضحى (٣). وفي الصحيحين عن النبي ﷺ ، أنه كان (يُضَحَّي بِكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ سَمِينَيْنِ) (٤)، وقال أبو داود

стр. 634

مُوجِبَيْنِ (١) (٢). وروى مالك في الموطأ وغيره (ضَحَّى رَسُولُ اللِه ﷺ ، بِكَبْشٍ أَقْرَنٍ فَحْلٍ يَنْظُرُ في سَوَادٍ وَيَبْرُكُ في سَوَادٍ وَيَطَأُ في سَوَادٍ" (٣)، وروى الترمذي وغيره (مَا عَمَلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْضَل مِنْ إِرَاقَةِ دَمٍ إِنَّهَا لَتَأْتِي بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ الدَّمُ لَيَقَعُ مِنَ الله بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يقَعَ في الْأَرْضِ) (٤)، وقد روي عن النبي ﷺ , أنه قال (وَلَا فَرْعٍ وَلاَ عَتِيرَةٍ) (٥) رواه البخاري. وقال العلماء. العتيرة التي نهى عنها هي

стр. 635

التي كانت تذبح للآلهة (١)، وقد روى أبو داود والنسائي أن النبي ﷺ ، قال، وقد سئل عن ذبح الجاهلية: "اذْبَحُوا في أَيَّ شَهْرٍ كَانَ وَأطْعِمُوهُ" (٢) فالذي يتحصّل من هذا كله أنها سنّة مؤكَّدة إذ تركَها جماعةٌ من الصحابة مع القدرة عليها مع عموم حالها واشتهار فعلها وتعلق قلوب الخلق بها, ولو كانت واجبة لما تركها أحد منهم (٣). باب ما يستحب من الضحايا ولا استحباب فوق ما فعله النبي، ﷺ ، ولا اختيار فوق اختياره، وقد اختار الأقرن الكحيل المسود الأطراف، كما اختار في الخيل (المبيض الاطراف) (٤). فأفضل الأضحية الكبش الأقرن الأسحل المسود الأطراف السمين، وذلك أصح من رواية أبي داود والنسائي في الموجبين فإن الوجاء نقص، وقد اختلف العلماء فيه؛ فمن أغرب ما روي عن مالك، ﵁ (أَنَّ الْخَصِيَّ أوْلَى مِنَ الْفَحْلِ) (٥). وقال علماؤنا: لأنه أسمن، قلنا: ولكنه ليس بأكمل، وقال مالك، ﵁، في المبسوط: الذكر والأنثى سواء، يعني في الإجزاء فأما في الفضل فالذكر أفضل وأطيب. " باب ما يُتَّقى من الضحايا " فيه حديث البراء المشهور (الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ

стр. 636

مَرَضُهَا وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لاَ تُنْقِي) (١)، وقد اختلف العلماء في هذا الحديث فقال ابن الجلاب (٢) والقاضي أبو الحسن (٣) بن القصار: هذه العيوب لا تجزئ في الضحايا وما سواها يجزئ وهذا قول غريب، ولا أعجب ممن يلحق بالأعيان الأربعة في الربا البر والشعير والتمر والملح كل مقتات، ولا يلحق بهذه العيوب الأربعة كل عيب؛ إذ يَفهم من هذا الحديث أن المقصود منه السلامة من العيوب الظاهرة البيِّنة دون اليسير الخفي، وقد روى أبو داود وغيره عن عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ الله (٤) السَّلَمِي أَنَّ الْنَّبِيَّ، ﷺ (نَهَى أَنْ يُضَحَّى بالمُصْفَرَّةِ وَالْمُتَأصَّلَةِ وَالْبَخْقَاءِ وَالمُشِيعَةِ) (٥)، وفي حديث علي، ﵁ قال:

стр. 637

(أَمَرَنَا رَسُولُ الله، ﷺ ، أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأذُنَ وَلَا نُضَحَّي بِخَرْقاءٍ وَلَا بِشَرْقَاءٍ وَلَا مُقَابَلَةً وَلاَ مُدَابِرَةً) (١) وقال فيه أيضاً (وَلاَ بَعَضْبَاءِ الْقَرَنِ وَالأُذُنِ) (٢). فالخرقاء: التي خرق أذنها. والشرقاء: المقطوعة الأُذن، والمقابلة: ما كان من ذلك أمام، والمدابرة ما كان من خلف، والعضباء المكسورة القرن، والمصفرة المريضة، والمستأصلة التي ذهب قرنها، والبخقاء التي طمس عينها، والمشيعة التي هزلت حتى تمشي في آخر الغنم. وفي هذا التفسير اختلاف كثير والإشارة إليه ما قلناه، والعيوب إنما تكون في البدن كله فالمرض يجمعها، أو في الأطراف وهي الرجل والذنب والأُذن والقرن. فأما الرجل فقد وقع عليه النص في الحديث، وأما العين فكذلك أيضاً، وأما الأذن فما وقع في حديث علي وغيره فيها نقص الجمال ولا ينقص الطيب ولا القدر، وأما القرن فلا اختلاف بين العلماء أن الأجم يجزىء لكن القرن زيادة جمال وقدّر بخلاف أن يكون كسيراً فإنه يذهب الجمال فيجزىء حينئذ، فإن أدمى كان مرضاً لا يجزىء. وكذلك قال علماؤنا: وأما الذنب فإن نقص منه أقل من الثلث أجزأ، فإن نقص منه الثلث ففي كتاب محمد (٣) النصف كثير، فجاء من هذا أن الثلث قليل، وعند ابن حبيب (٤)، وأهل الرأي (٥) أن الثلث كثير ولا سيما

стр. 638

في أذناب غنم المشرق فإنها هي المقصودة من الحيوان؛ إذ سمن الغنم كلها، في تلك البلاد، في أذنابها, ولذتها في تلك الشحوم حتى ترى الشاة لا تستطيع المشي لعظم ذنبها. فبهذا المعنى راعى العلماء الذنب وتكلَّموا عليه، فأما بلادنا فلو عدم الذنب كله ما أثَّر إلا في الجمال خاصة. ووقع في الموطأ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ كَانَ يَتَّقِي فِي الضَّحَايَا وَالْبُدُنِ الَّتي لَمْ تُسنّ) (١). وفي التأويلات أصحها ما لم تبلغ السن الذي يجزىء في الأضحية، وذلك الجذع من الضأن وهو ما دخل في السنة الثانية، والثني من المعز وهو ما دخل في السنة الثالثة لقول النبي، ﷺ ، لأبي بردة: "تُجْزِيكَ وَلَا تُجْزِي لِأحَدٍ مِنْ بَعْدِكَ" (٢). وجاء في الحديث أنه ضحَّى (٣) بعتود، وولد الغنم ساعة ما يولد سخلة ثم يقوى فيكون بهيمة ثم يزداد فيكون جفراً ثم يستقل فيكون عتوداً. وقت الأضحية: من أعجب ما ورد في ذلك قول (ش): إنه يجوز الذبح قبل صلاة الإِمام (٤) مع أن النصّ في ذلك من كل طريق وعند كل فريق ولو لم يكن إلا حديث أبي بردة ابن نيار قال له النبي, ﷺ ، وقد ذبح قبل الصلاة: "تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ" وأمره أن يعيد، وكذلك القديم (٥) ابن أشقر، والأمر أقوى من ذلك وأشهر. فأما ما عدا اليوم الأول فإن العلماء اختلفوا في ذلك

стр. 639

اختلافاً كثيراً؛ فمنهم من قال: لا تذبح في اليوم الثاني إلا وقت الذبح في اليوم الأول، ومنهم من قال: يذبح بعد طلوع الفجر، واختاره أصبغ (١). والأول عندي أولى لأن اليوم الثاني لاحق للأول في صفته فيلحق به في وقته، ومنهم من قال لا تجزىء الأضحية ولا الهدي ليلاً، واختاره (٢) مالك، ﵁. وروى ابن القصار (٣) عنه أنه يجزىء وينبني هذا الخلاف على قوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٤). ونحن ممن يقول: إن الأيام لفظ ينطلق على الليل (٥) والنهار ولكن جرت السنة بالذبح نهاراً، وقال أشهب (٦): يجزىء بالليل الهدي دون الأضحية لأن الله ذكر في الهدي الأيام، وهي مشتملة على الليل والنهار كافة كما تقدم، وجرى العمل في الأضحية بذبحها نهاراً، وخذوا من هذا نكته بديعة وذلك أن كل قربة تكون مختصة بالمتقرِّب فهي جائزة ليلاً ونهاراً وأفضلها الليل، وكل قربة تتعدى إلى الغير، وخصوصاً الصدقة، فإنها لا تفعل ليلاً إنما تفعل نهاراً حيث ينتشر المحتاج ولو لم يكن في ذلك إلا قصة أصحاب الجنة ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ (٧). الشركة في الضحايا: ذكر مالك ﵁ في الباب حديث جابر بن عبد الله في الاشتراك في ذلك (٨)

стр. 640

وهو محمول على التطوع (١) إلا أن يكونوا أهل بيت فان الشاة الواحدة تجزي عنهم ألا ترى إلى قول النبي ﷺ : (عَلَي أَهْلِ كُلَّ بَيْتٍ أُضْحَاةٌ) (٢) وإلى حديث أبي أيوب: "كُنَّا نُضَحَّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ) (٣)، واشتراك أهل البيت في ذلك رخصة ورفق؛ فأما اشتراك الأجانب فلا يكون في إقامة السنن وإنما يكون في النوافل وقد روى مسلم عن جابر (نحَرَ رَسُولُ الله ﷺ ، عَنْ نِسَائِهِ وَذَبَحَ) (٤) وإنما فعل ذلك إما بأن أدخلهم في أهل البيت وهم منه، وإما بأنه كان في التطوُّع لا في الفرائض والسنن, وإنما يكون الذبح عن الموجود لا عن المعدوم والحمل في حيِّز العدم حتى يثبت وجوده بالولادة إلا أنه إن ولد في اليوم الثالث شرعت له الأضحية لأنه زمانها (٥)، فأما إذا كان في البطن فلا يذكر في أهل البيت ولا يفرد بضحية عنهم (٦). حديث: (كَانَ النَّبِيُّ، ﷺ ، قَدْ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ (٧) ثَلاثٍ)، ثم

стр. 641

قال، ﷺ : "إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا (١)، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الأنْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلاَ تَقُولُوا هُجْراً (٢) " وهذا أبيَن ما يكون من النسخ وأوضحه لاجتماع شروط النسخ الخمسة فيه (٣). واختلف علماؤنا في قوله: (وَتَصَدَّقُوا) هل هو واجب أو مستحب؟؟ فمنهم من قال: إنه واجب لأنه أمر بقربة، ومنهم من قال: إنه مستحب وهو الصحيح لأن النبي، ﷺ ، كان نهاهم من أجل المحتاجين فلما زالت الحاجة زال الحكم، وهو الوجوب بالصدقة، وبقي الاستحباب في أهل التصدق على حاله (٤)، وقد روى الترمذي عن علي، ﵁، أنه قال: "أوْصَانِي رَسُولُ الله ﷺ ، أنْ أُضَحيَ عَنْهُ" (٥)، فعلى هذا يُستحب للرجل أن يضحي عن وليّه في وقت الأضحية، كما يستحب أن يحج عنه في وقت الحج، وأن يتصدَّق عنه في كل وقت؛ فإن منفعة فعل الحي عن الميت تصل إليه باتفاق من الأمة، وإن كان في تفصيل ذلك اختلاف، والصحيح عندي أنه يصل إليه كل عمل (٦)، وبالله التوفيق.

стр. 642

باب العقيقة قال مالك، ﵁: سُئِلَ رَسُولُ الله، ﷺ ، عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: (لاَ أُحِبُّ الْعُقُوقَ (١) وَكَأَنَّهُ كَرِهَ الاسْمَ)، وأدخل مالك، ﵁، هذا الحديث مقطوعاً مجهولاً. وفي صحيح البخاري أن النبي، ﷺ ، قال: "مَعِ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِقُوا عَنْهُ دَماً وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى" (٢)، وقال النبي، ﷺ ، في العقيقة: "عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ

стр. 643

وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابعِ وَيُحْلَقُ رَأَسُهُ وَيُدْمَى" (١). قال العلماء: قوله: (يُدْمَى) من تصحيف قتادة، وإنما هو (يُسَمَّى) (٢) لأنه ثبت عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى" والأذى من تلطيخ الدم. وفي الصحيحين أنه جيء بابن أبي طلحة إلى النبي، ﷺ ، فسماه وحنَّكه (٣) ولم يذكر عقيقة، وقد روى النسائي أن النبي، ﷺ :

стр. 644

(عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ بِكَبْشٍ) (١)، وروى الترمذي أنه أَذَّنَ في أُذنه حين وُلِدَ (٢)، وقال: هذا حديث صحيح فصارت تلك سنّة، ولقد فعلتها بأولادي والله يهب الهدى. وثبت أن النبي، ﷺ ، أمر فاطمة بحلق شعر رأس بنيها وأن تتصدق بزنته فضة (٣)، (وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَحْلِقُ رَأْسَ الْمَوْلُود وَتُلَطِّخُهُ بِالدَّمِ فَشَرَّع النَّبِيُّ، ﷺ ، التَّصَدُّقَ بِزِنَتِهِ فُضَّةً)، وقال العلماء: يُلطخ بالخلوق رأسه (٤)، وقال علماؤنا، رحمة الله عليهم: العقيقة أخت

стр. 645

الأضحية في الصفة والجنس والسلامة، لكن قال مالك، ﵁: إنما يكون رأس واحد عن الذكر والأنثى لا يفضل في ذلك الذكر (١) وتسكر عظامها خلافاً لما كانت تقوله الجاهلية إنها لا يكسر لها عظم (٢)، وتكلمنا يوماً بالمسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفهري (٣) فقال: إذا ذبح الرجل أضحيته يوم الأضحى (٤) فعقّ بها عن ولده لم تجزِه؛ لأن المقصود (٥) في الأضحية إراقة الدم وقد وقع موقعه والمقصود من الوليمة إقامة السنَّةَ بالأكل وقد وجد ذلك الفعل.

стр. 646

القول في الأشربة اتفق العلماء على حِلِّ الأشربة بأجمعها إلا ما كان مسكراً أو كان في شربه ضرر. حرّم الله تعالى الخمر في محكم كتابه، وروى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ "سُئِلَ أَيُتَدَاوَى بِالْخَمْرِ قَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ" (١)، واختلف في الخمر هل تطلق على كل شراب مسكر أو مختص بما يعصر من العنب (٢) وحده؟؟ وإِني لأعجب ممن قال ذلك من الفقهاء (٣)، ومن سلك من علماء من مضى مع أن الصحابة، ﵃، لما حرِّمت عليهم الخمر أراقوها وكسروا دنانها .. وبادروا إلى امتثال الأمر فيها مع انهم لم يكن عندهم بالمدينة عصير عنب وإنما كان جميعه نبيذ تمر، وقد روى المصنفون عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنَ الْعِنَبِ خَمْراً، وَإِنَّ مِنَ الزَّبِيبِ خَمْراً، وَإِنَّ مِنَ البُرِّ خَمْراً، وَإِنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمْراً، وَإِنَّ مِنَ العَسَلِ خَمْراً، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ" (٤). وفي

стр. 647

الصحيح أن عمر، ﵁، قاله وكان يشيد به على المنبر (١)، والتنبيه به قد وقع في القرآن عليه بحيث لا يخفى على ذي لبّ حاضر، ولا قلب سليم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (٢) الآية. وقد لعن رسول الله ﷺ ، في الخمر عشرة: الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وشاهدها (٣). وفي الصحيح المشهور أن النبي ﷺ (سُئِلَ عَنِ الْبَتْعِ وَهُوَ نِبِيذٌ يُصْنَعُ مِنْ عَسَلٍ فَقَالَ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ) (٤). فأجاب ﷺ على الجنس لا على القدر. سمعت عن بعض العلماء من أصحاب أبي حنيفة إنه قال: لو جعل السيف على رأسي أن أشرب النبيذ ما شربته، ولو جعل السيف على رأسي أن أحرمه ما حرمته لأن أصحاب النبي ﷺ ، قد شربوه. وهذا القول لا يصحّ؛ ما شربه قط أحد منهم إنما الذي ثبت عن النبي ﷺ ، أنه كان ينبذ له فيشرب، فإذا تغير سقاه

стр. 648

الخدم (١)، يريد تغير طعمه، ولم يبلغ حد الإسكار. ويدخل في لعن النبي ﷺ ، بايع الخمر من باع عنباً ممن (٢) يعلم أنه يعصره خمراً ما لم يكن ذمِّيَّاً. فإن كان ذميّاً فإن العلماء اختلفوا فيه لاختلافهم في مخاطبتهم بتحريم الخمر وفي مسائل المساقاة من الكتاب (٣)، ولا بأس بمساقاة الذمي في الكَرْم إذا أمنت أن يعصره خمراً ولو لم تكن عنده محرمة عليهم ما منعته من مساقاته .. نكتة: كان النبي ﷺ ، قد نهى عن الانتباذ في بعض الظروف التي يسرع إليها الإسكار، ثم نسخ ذلك فأجاز الانتباذ في كل إناء ولا تشربوا مسكرا (٤)، وهذا رد نص على (ح) وما تعلق به علماؤنا من الحديث بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام (٥) ليس بصحيح فليترك وليعول على ما سبق من الدلائل .. القول في الخليطين: ثبت عن النبي ﷺ ، النهي عنها مطلقاً ومقيَّداً كالبسر والرطب

стр. 649

جميعاً، والتمر والزبيب جميعاً (١)، وما أشبه ذلك، وهذه مسألة ما علمت لها وجهاً إلى الآن. فإنه إن كان المحرم الإسكار فدعه يخلط ما شاء ويشربه في الحال، فأما غير ذلك فليس فيه إلا الإنقاع حتى أني قد رويت في ذلك مسألتين غريبتين: الأولى: أن ابن القاسم (٢) قال: لا يجوز أن ينبذ البسر (٣) المذنب والرطب (٤)، وهو الذي يُرى الإرطاب في ذنبه وصدق لأنه من باب الخليطين. الثانية: أن محمَّد بن عبد الحكم (٥) أجرى النهي في الخليطين على عمومه حتى منع منها في شراب الطيب (٦)، وهذا جمود عظيم على الألفاظ. فصل الحد فيها: كان النبي ﷺ (يَجْلِدُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ (٧) وَالثِّيَابِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَلَا تَقْدِيرٍ)، إلا أن الصحابة، ﵃، قدَّروها بالأربعين، واستمرت الحالة على ذلك خلافة أبي بكر، ﵁، فلما تتابع الناس في زمن عمر، ﵁، استشار في حد الخمر، فقال له علي، ﵁: (إِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا

стр. 650

هَذَى افْتَرَى فَاَجْلِدْهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي) (١) .. فكان هذا اتفاقاً من الصحابة، ﵃، على اتفاق الأحكام بالقياس، ثم جلد علي، ﵁، الوليد بن عقبة (٢)، في زمن عثمان، أربعين (٣)، ثم استقرت الحال عند استواء الأمر لمعاوية، ﵁، على ثمانين، قال بذلك (م) و (ح) (٤)، وقال (ش) (٥): الحكم في ذلك إلى الإِمام ما قدّر في زمن النبي ﷺ ، وحكم به أبو بكر، وهو محجوج بإجماع الصحابة في زمن معاوية لا سيما بانهماك الناس اليوم فيها فلو أمكنت الزيادة على ثمانين لكانوا أهلها.

стр. 651

توحيد قال رسول الله ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الِدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حَرِمَهَا فِي الآخِرَةِ" (١)، قال علماؤنا، رحمة الله عليهم: قد ثبت بالدلائل القاطعة دخول العصاة الجنة بعد الاقتصاص منهم بالعذاب والمغفرة، ومن دخل الجنة لم يمتنع عليه منها نعيم؛ فيكون معنى قوله "حَرِمَهَا فِي الآخِرَةِ" في الوقت الذي يجد فيه الظمأ ويطلب الراحة عند العذاب، أو عند انتظار المغفرة، وذلك مبسوط في موضعه (٢).

стр. 652

كتاب الأيمان والنذور النذر هو التزام في الذمة (بالفول) (١) لما لا يلزم من القرب بإجماع من الأمة، ويلزم بالنية عند علمائنا خاصة (٢) دون غيرهم من العلماء، والعمدة في ذلك أن الالتزام إنما يكون بالعقد في القلب والقول في النفس. فما يخص به المرء ولا يتعداه إلى غيره يلزمه ذلك فيه، وإنما يحتاج إلى القول أو الكتاب فيما يتعلق بسواه ويدور بينه وبين غيره، وهذا أصل لا تزعزعه الاعتراضات لأنه من أوضح الدلالات، وعليه عوَّل مالك، ﵁، حين قال فيمن التزم الطلاق بقلبه إنه يلزمه، قال كما يكون مؤمناً بقلبه (٣) وكافراً بقلبه، ومن عداه من أصحابه لم يروِ عنه خلاف هذا؛ فإن ابن القاسم (٤) قد قال من غير خلاف إذا قال الرجل لزوجته أسقني ماء ونوى الطلاق يلزمه، وليس هذا اللفظ بصريح ولا كناية ولا مجاز ولا حقيقة؛ فكأنه يلزمه ما عقد بقلبه ولا يبالي عن لفظه، وبهذا تنتظم الروايات والأصل فيه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب فهو تنبيه جلي قال الله تعالى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (٥). وأما السنة فذلك بنص عائشة عن النبي ﷺ ، أنه قال: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ" (٦) أخرجه البخاري وغيره، وحديث أم سعد المتفق عليه:

стр. 653

قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : (إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا دَيْنُ نَذْرٍ وَلَمْ تَقْضِهِ، قَالَ: إِقْضِهِ عَنْهَا) (١)، فأمره بقضائه من جهة البر بها لا من جهة الوجوب عليه فيها. وحديث عمر بن الخطاب أيضاً المتفق عليه: قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : "إِنَّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ لَهُ: أُوْفِ بِنَذْرِكَ) (٢)، ونذر الكافر لا يلزم، ولكن رأى عمر، ﵁، أن يلتزم في الإِسلام مثل ما كان التزم في الجاهلية كفارةً له، فقال له النبي ﷺ "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" يعني الثاني ليس الأول. وحديث عمرو بن شعيب أيضاً بديع في الباب وهي طريقة في الحديث صحيحة لا ينبغي لأحد منكم أن يستحقرها مهما صح الطريق إليها، وقد صححها الدارقطني ويكفيك في صحتها تخريج مالك، ﵁، في الموطّأ لها، وهو ما روى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّهِ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ، ﷺ ، فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَتْ: (إنَّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكِ بِالدَّفِّ فَقَالَ لَهَا: أَوْفِ بِنَذْرِكِ) (٣). أوجب أمرها بذلك وأما اجتماع

стр. 654

الأمة فلا خلاف بينهم في وجوب الوفاء به، كما لا خلاف بينهم في كراهية التزامه، لما ثبت عن النبي، ﷺ ، في الحديث الصحيح أنه قال: "إنَّ النَّذْرَ لَا يَرِدُّ مِنَ الْقَدَرِ شَيْئاً وَإنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ" (١). والنذر على ضربين: مطلق ومقيد، والمطلق على ضربين: مفسّر ومبهم. فالمفسر مثل أن يقول عليَّ صوم أو صلاة أو صدقة. وأما المبهم: فمثل أن تقول عليّ نذر، وهذا يجزئ فيه كفّارة يمين لما روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "كَفَّارَة النَّذْرِ كَفَّارَة اليَمِينِ" (٢)، معناه في المبهم. وأما المُقيَّد ففيه

стр. 655

في المذاهب تفسير طويل أشده نذر اللجاج والغضب، وهو عند مالك، ﵁، لازم بما فسَّره على أي حالة كان (١)، والأصل في ذلك عنده عمومات النذر الواردة من غير تخصيص بحال ولا صفة وبه قال (ح) (٢) وغيره. وقال (ش) في اختلاف كثير له: تجزئ فيه كفارة يمين (٣) لأنه من باب الأيمان حين لم يقصد به القربة وإنما قصد الإِقدام والامتناع بالتزام ما علق به الوجهين، وهذا ضعيف، فإن قصد القرية فيه لا يخفى، وإن كان قصد، كما قال، تأكيد الإِقدام وتأكيد الامتناع فإنما قصده لمعظم شاق عليه خلافه، فإذا قال: بالله، وأكد باسمه الكريم فقد شرعت في ذلك الكفارة، وإذا عيَّن هو المخرج فقد لزمه الوفاء به، وكذلك قال علماؤنا: إذا التزم صدقة في نذر اللجاج أو ابتداء إلا أن يكون صدقة بجميع المال فلا يخلو أن يكون ماله معيناً في عرض أو عقار فيلزمه الصدقة بجميعه في المشهور (٤)، وإن قال: مالي صدقة، قالوا: يلزمه الثلث (٥)، وهل يؤمر أو يجبر فيها روايتان الصحيح (٦) الأمر دون القضاء والجبر، والأصل في ذلك أن كعب بن مالك (٧) وأبا لبابة (٨) حين تابا عرضا على النبي، ﷺ ، أن ينخلعا من مالهما صدقة لله تعالى كفارة لما

стр. 656

أتياه من مخافة الله ، فقال النبي، ﷺ : "أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ وَقَالَ يُجْزِيكَ الثُّلُثُ" وأخذ من عمر، ﵁، نصف ماله حين أتاه به، وأخذ من أبي بكر، ﵁، جميع ماله (١)، وذلك بحسب المراتب في اليقين وتعلّق البال بالمال، فجعل علماؤنا أقل المراتب أصلاً في الخلق ومصلحة لهم وهو الثلث (٢)، كما جعلوا في النذر المطلق حسب ما سبق كفارة يمين (٣)، وإن كان علماء الزهد يرون الخروج عن جميع المال في الوفاء (٤) به، ولذلك نذرت عائشة ﵂، ألا تكلم ابن الزبير ثم شفع فيه (٥) فكلمته فأعتقت بنذرها المطلق أربعين رقبة وكانت تبكي ما يخلصها من نذرها (٦). نذر المشي: المشي عمل من الأعمال، وقد يكون طاعة، وقد يكون معصية، فإذا نذر مشي معصية فليستغفر الله تعالى وليتب إليه، وإذا نذر مشي طاعة فقد قال النبي، ﷺ : "لَا

стр. 657

تُشَدُّ الرّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاَثةِ مسَاجِدٍ: مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسجِدِ الْحَرَامِ وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى" (١)، هذا بقوله، وكان يأتي (قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِباً وَمَاشِياً) (٢) بفعله. فإذا نذر الإِنسان طاعة في المساجد الثلاثة لزمه إتيانها, ولا يلزم إتيان مسجد قباء لأن القول قد قضى على الفعل، وتبين أن ذلك الفعل كان مخصوصاً. قال علماؤنا: إنما كان ذلك تشديداً للعهدة وتأنيساً لأهله، ومن أغرب ما قال علماؤنا: إن من نذر المشي إلى الصفا والمروة وعرفة ومنى لا يلزمه (٣)، وإن كانت مواضع قرب فرائض ونوافل، ولعلَّهم تعلَّقوا بذلك إلى قوله "ثَلاَثَةِ مَسَاجِدٍ" فعيَّن المسجدية. قال علماؤنا: فيأتي المسجد حاجاً أو معتمراً. ومعنى هذا إذا قلنا إن مكة لا تدخل إلا بالإحرام (٤) على المشهور، وإن قلنا على الرواية الأخرى: إن مكة تدخل لغير إحرام فلا يخلو أن ينوي هو صلاةً أو حجاً أو عمرة؛ فإن نوى حجاً أو عمرة لزمه الإحرام ودخل هو حاجاً، وإن نوى الصلاة دخل مصلياً، وإن أطلق اللفظ ولم تكن له نية، فإن قلنا: إن اليمين محمولة على العرف، وهو المشهور، لزمه أن يدخلها حاجاً أو معتمراً لأن ذلك هو العرف وإن لم يلتفت إلى العرف في اليمين على الرواية الأخرى دخل إلى المسجد كيف شاء .. هذا الباب مذهبنا وقد خالَفنا جماعة من العلماء فقالوا: إن المشي لا يلزم لأن القربة إنما هي في قصده لا في صفة القصد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٥)، وأمر النبي، ﷺ ، بالصدقة ونهى عن المثالة وقال: "إنَّ المَثَالَةَ أَنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أَنْ يَحِجَّ

стр. 658

مَاشِياً" (١) فمن نذر أن يحج ماشياً فليهدِ هدياً وليركب. ومخرج هذا الحديث عزيز الوجود ما رويناه إلا من طريق واحدة ولا يصح والله أعلم، وكيف يصح وقد قال الله : ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٢)، ولو كان مثلة ما ذكره في معرض العبادة. ولعل معناه إذا نذر وهو عاجز كما روى مسلم عن عقبة بن عامر وقال: (إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً فَقَالَ النَّبِيُّ، ﷺ : لِتَمْشِ وَتَرْكَبْ) (٣)، وفي الترمذي والنسائي وأبي داود: "تَخْتَمِرْ وَتَرْكَب وَتصمْ ثلَاثَةَ أَيَّامٍ" (٤). انفرد أبو داود بقوله: تَرْكَبُ وَتَهْدِي بُدْنَةً (٥)، وإذا كان عاجزاً فالنذر معصية وعليه بوّب (٦) مالك، ﵁، وأدخل حديث أبي إسرائيل (٧) نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي، ﷺ : "مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ

стр. 659

وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَجْلِس وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ" (١) فأما القيام والضحى فلم يكن قط طاعة ولا شرعاً، وأما الصمت فقد كان شرعاً لمن كان قبلنا فنسخ في ملَّتنا. وأما الصيام فإنه بقي مشروعاً لازماً يلزمه الوفاء به، وقد قال مالك، ﵁، في الموطّأ (إذَا نَذرَ مَا لَا يَقْدَر عَلَيْهِ فَلَا يُجْزِيهِ مِنْ ذلِكَ الْوَفَاءُ بِمَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَلْيَعْمَلْ مَا قَدَرَ) (٢)، المعنى: وما عجز عنه فالأمر فيه إلى الله تعالى وهذا صحيح كما لو قال: لله تعالى عليَّ أن أصوم الدهر، أو أصلي الزمان، فإنه لا يلزمه. والذي عندي في ذلك أن ما كان من هذه الأعمال التي التزمها، والنذور التي عينها, لا يقطع به في معاشه ولا في صحته فإنه يلزمه، وما قطع المعاش أو أثَّر في الصحة فإنه يسقط عنه لأنه معصية وليس يختلف في هذا أحد، والله أعلم ... حديث: روى مَالِك، ﵁ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَتْ لَهُ: (إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ وَلَدِي .. الحديث إلى آخره، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَفِّرِي عَنْ يَمِينِكِ) (٣)، اختلف فيه فقيل هو مذهبه خاصة، وهذه معصية (٤) لا كفارة فيها، وقيل يهدي هدياً (٥) وعليه علماؤنا، وقيل يكفِّر كفارة اليمين (٦) بالله تعالى. فلما اعترض السائل على ابن عباس بأنها معصية فكيف يلزمه فيه كفارة، قال له: كما إن الظهار معصية وتجب فيها الكفارة. وهذا مما يجب أن تفقهوه دستوراً؛ وذلك أن ابن عباس لم يرد أن يجعل

стр. 660

الظهار أصلاً للكفارة في كل معصية، وإنما أراد أن يمهِّد في نفس السائل الفتوى بما ورد من الأثر في ذبح الولد على ما ورد أيضاً في الظهار، والظهار رخصة في الشريعة، على ما يأتي في بابه (١)، إن شاء الله تعالى، والأصل عند علمائنا في نحر الولد ما ورد في قصة إبراهيم ﵇، وقد وهم فيه العلماء وهماً قبيحاً فظنُّوا أن هذه الآية فيها نسخ الأمر قبل الفعل (٢)، كما جرى في فرض الصلاة، وليس كذلك وقد بيَّناه في أصول الفقه (٣) ومسائل الخلاف، وحيث ورد من كلامنا بما لبابه أنّ إبراهيم، ﷺ ، رأى في المنام أنه يضجع ولده ويذبحه لا أنه قيل له اذبحْ ولدَك، ورؤيا الأنبياء وحي؛ فإنّ الرؤيا على ثلاثة أقسام: إما حديث نفس ولم يتحدث قط إبراهيم ﵇ بذبح ولده، وإما تحذير من الشيطان وليس له على الخليل سلطان فلم يبق إلا أنها من الله سبحانه على طريق البرهان فعرضها حينئذ على إسماعيل، ﵇، فقال له: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (٤) وجعل الصورة أمراً لأنها تستدعي الامتثال لتحقيق المنام، فيكون المجاز في قوله: ﴿تُؤْمَرُ﴾ خاصة، وعلى القول بالنسخ يكون دعوى، ويكون في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ مجاز كثير بعيد، فأضجعه ليتمثل ما رأى فيه فنودي ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ ومعناه بتعاطيك الامتثال وتماديك إلى الظاهر والاسم، ولكن خذ التأويل والكنية وأعطِ الفدية وكمِّل التصديق والابتلاء وصارت إلى يوم القيامة سنة في الاقتداء، والرؤيا على قسمين؛ اسم وكنية. فالاسم أن تخرج بصورتها، والكنية أن تخرج بتأويلها، ولذلك قال النبي، ﷺ ، لعائشة حين بني بها: "أُرِيتُكِ فِي سرَفَةٍ (٥) مِنْ حَرِيرٍ فَقَالَ لِيَ الْمَلَكُ هَذِهِ زَوْجُكَ فَأَكْشِفُ عَنْك فَإذَا هِيَ أَنْت فَقُلْتُ إنْ يَكُنْ هذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِه" (٦).

стр. 661

فتأمل ظاهر هذا وكيف يقول النبي، ﷺ : (فَقَالَ لِيَ الْمَلَكُ هَذِهِ زَوْجُكَ) ثم يقول رسول الله، ﷺ : (إنْ يَكُ مِنْ عِنْدِ اللهِ) والجاهل يظن أن هذا شكّ في تصديق الرؤيا، والمراد به إن يكُ هذا من عند الله بظاهره واسمه ينفذه ويقضيه، وإن يكن تأويلاً أو كنية بسميتها أو شبيهتها أو جارتها أو أختها أو قرينتها فسيظهر أيضاً؛ فهذا تحقيق الإشارة إلى هذه الأغراض والله الموفق للصواب لا ربَّ غيره ولا معبود سواه ..

стр. 662

كتاب الأيمان اليمين خبر يقوم بالقلب عن معنى يلتزمه العبد مربوطاً بإقدام أو إحجام يقع عنه التعبير باللفظ فيخبر بلسانه عما ربط بقلبه (١)، والمعوّل على ما يستقر في النفس من ذلك لا ما يجري على اللسان. قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٢) فأنظمت هاتان الآيتان مسائل الأيمان بجملتها في اليمين على ما قلناه، واللغو ما عداه. واختلف العلماء فيه فقيل: اللغو قول المرء في ترديد كلامه لا والله وبلى (٣) والله، ولم يرَ مالك، ﵁، هذا لغواً، والحكمة في ذلك، والله أعلم، أنه قد جعل هذا الذي أوردناه في اللغو تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٤) الآية .. وإنما اللغو ما قاله مالك، ﵁، أن يحلف على الشيء يظنّه على معنى فيخرج على خلافه (٥)، قال لي بعض القرويين من شيوخنا: قال أبو حفص العطّار (٦) يوماً

стр. 663

لأصحابه: إذا حلف رجل بالطلاق على أمر يظنه لشيء فخرج بخلافه ما يلزمه، قالوا له: لا شيء عليه لأنه هذه لغو اليمين عند مالك، ﵁، قال: أخطأتم، إنما يكون لغو اليمين في اليمين بالله تعالى لا في اليمين بالطلاق. فأما اليمين الغموس فهي عند (ح) من جملة اللغو لأنها غير منعقدة (١)، فأما مالك، ﵁، فرأى سقوط الكفارة فيها من جهة عظم إثمها، وهو إن كان أشار إلى ذلك إلى آخر كلامه (٢) فإنما أوَّله مبني على عقد اليمين واليمين عقد يفتقر إلى معقود به ومعقود في نفسه، فإذا كذب لم يكن هناك معقود فلا يكون هنالك عقد، فإن قيل فقد قصدها بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣) الآية، وهذا قد كسبها. قلنا: كسب الكذب ولم يكسب بالعقد بالآية؛ إذ أخبر أنه فعل أمس ولم يفعل فهذا خبر لا مخبر له، فإذا حلف عليه فقد عقد ما لا ينعقد، فإن قيل عقد إظهار الصدق، قلنا قد بيَّنا أنه لا معوَّل على اللفظ وإنما المعوَّل على ما يرتبطه القلب، وقد استوفينا ذلك في مسائل الخلاف ولما علم الله تعالى أن اليمين يرتبط وأن الخلق يتهافتون إليها سراعاً جعل منها مخرجاً بالاستثناء وهو على وجهين: إما بحروفه وإما بقولك إن شاء الله. فإن كان بحروفه جرى على مقتضى اللغة، وإن كان جرى بمشيئة الله تعالى انحلت اليمين عند كافة الفقهاء كيفما ذكرها، وقال مالك، ﵁: إنها لا تنحل إلا إذا قصد بذلك الحل؛ لأن مشيئة الله تعالى متعلقة بكل موجود ذكرها الحالف أو تركها فلا بدّ من قصده إلى الاستثناء (٤) بها، ومتى يقع الاستثناء قال سائر العلماء، عن بكرة أبيهم: يكون الاستثناء بعد اليمين نسقاً لا يكون بينهما من الفصل ما يقطع الاتصال، وذهب محمَّد بن المواز (٥) إلى أن الاستثناء إنما يكون قبل أن يتم اليمين، فإن تمت ثم عقبها بالاستثناء لم تنحلّ، وهذا حرج عظيم، بل رخَّص الله تعالى في حلها بالاستثناء بعد

стр. 664

عقدها بالقلب رفقاً منه بالخلق، ويعزى إلى ابن عباس أنه يجوِّز الاستثناء غير متصل (١)، وقد بيَّنا ذلك في أصول الفقه (٢). قال أبو الفضل (٣) المراغي في حكاية طويلة: عوَّلت على الخروج من بغداد، بعد أخذ جملة من العلم، فارتحلت ووقفت عند باب الحلبة عند فاميّ (٤) أبتاع منه زادي، فجعل يقول لجليسه: أي فل (٥)، أما سمعت العالم يقول عن ابن عباس أنه يجوز الاستثناء ولو بعد سنة، لقد فكرت في ذلك منذ سمعته إلى الآن وشغلت به بالي، ولو كان هذا صحيحاً ما قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٦) كان يقول له: قل إن شاء الله وبررت في يمينك. فعجبت ثم قلت في نفسي: بلد هذه عامته لا ينبغي لأحد أن يخرج منه، فتركت الكراء من الجمال وأخذت رحلي وانصرفت. فضل الكفارة: شرَّع الله تعالى الكَّفارة لمن أغفل الاستثناء مخرجاً عن اليمين وحلاً لما عقد به اليمين من معقود معظَّم إما أن يكون تعظيم من جهة قدرة الكريم كالله وصفته العلية، وإما أن يكون معظَّماً من جهة مشقة الخلاف على الحالف مثل أن يقول: أنت

стр. 665

طالق إن دخلت الدار، والله، إن شاء الله، أو يسكت عن المشيئة، وقرَّرها تعالى ورتبها, ولم يبيِّن في القرآن ميقاتها. واختلف العلماء فيه فمنهم من قال: لا تجوز الكفارة إلا بعد الحنث (١)، ومنهم من قال: تجوز قبل الحنث، وإلى ذلك مال علماؤنا (٢). والأصل في اختلافهم الحديث الصحيح "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا روي فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ" (٣)، بِتَقْدِيمِ الْحَنَثِ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وروي: فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينه وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، بِتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحَنَثِ (٤)، واضطرب الناس فمنهم من قال الواو لا تعطي رتبة (٥) وإنها المعوَّل على المعنى، وذلك أن الكفَّارة متعلقة بسببين: اليمين والحنث، فلا يجوز تقديمها على أحدهما، كما لم يجز تقديم الزكاة على الملك والنصاب (٦)، ومنهم من قال: إنما سبب الكفارة اليمين وحدها والكفارة بدل عن البر فيخرجها قبل الحنث (٧)، وقد استوفينا الطريق في مسائل الخلاف وأما أنت الآن في هذا

стр. 666

القبس فاستضء بقول النبي، ﷺ ، أو قدِّم أو أخِّر فإن الذي قدَّم وأخَّر قد علم حالة الواو في الرتبة وغيرها وهو القدوة والأسوة .. ما تكون به اليمين: اليمين تنعقد بالله تعالى وصفاته العليا وأسمائه الحسنى كيفما ترددت العبارة عنها. قال النبي، ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِالله أوْ لِيَصْمُت" (١) تأديباً لعمر بن الخطاب، ﵁، حين سمعه يحلف بأبيه وقد حلف النبي، ﷺ ، بها فقال: "أفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ" (٢) وقد استوفينا القول فيه في الكتاب الكبير (٣)، وقد قدمنا الإشارة إليه. فإن قال في يمينه هو يهودي، إِن فعل كذا وكذا فاختلف العلماء فيه، فقال (ح): هي يمين (٤) تلزم فيها الكفارة، وهي مسألة عسرة جداً لأنهم عوَّلوا على أن قول الرجل: والله لا دخلت الدار، كأنه مخيَّر بامتناعه عن دخولها، ويؤكد خبره بتعظيم الله تعالى، فإذا خالف فكأنه ترك ذلك التعظيم: فإذا قال: تركت حرمة الله إن دخلت الدار كان مثل ذلك. قلنا: تحيَّلتم تحيّلاً فاسداً في وجه تعلق الكفارة في اليمين بالله .. وإنما هي شرع محض أو معنى غير ما ذكرتم تحقيقه في مسائل الخلاف. تتميم: لما كانت اليمين بالله تعالى مشروعة في كتابه مبيناً حكمها، جارياً على لسان رسوله، ﷺ لفظها استقرت ديناً وثبت حكمها يقيناً فلم يتطرق إليها اختلاف لكن ارتبط بها متعلقان عظيمان: أحدهما: ما حققناه من معناها وهو عقد القلب على فعل أو ترك مؤكد بمعظّم ديناً أو بمعظم

стр. 667

مشقة، ولا خلاف بين الأمة في أنَّ من من أكدَّها بمعظم المشقة أنها تلزمه مثل أن يقول: إن دخلت الدار أو إن مشيت إلى مكة، أو إن كلّمتُ فلاناً فامرأتي طالق. واستقر الدين على ذلك حتى قام رويبضة (١) فقال: إن هذه ليست بيمين ولا تلزم (٢)، وقد استوفينا عليه الدليل في كتب مسائل الفقه، وبيَّنا أن الإِنسان على نفسه بصيرة، وقد التزم مؤجلاً ما له أن يعجِّله وقوله بذلك صالح وذمته صحيحة، ثم تركَّب على هذا الأصل أصلٌ آخر اختلف العلماء فيه وهي إذا قال لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق. واختلف العلماء في هذا؛ فمنهم من قال: إنه يلزمه لأنه ربط بنفسه إليه وعقده عليه وعلَّقه بالنكاح فلزم كما لو علَّق الطلاق بدخول الدار في الزوجة، قال به الكوفيون (٣)، وهو معظم مذهب مالك، رضي الله (٤) عنه. وقالت طائفة: هذا قول (٥) باطل وإنما تعلق الطلاق في الزوجة بدخول الدار لأنه معجل في يده مجاز له أن يؤخِّره، أما إذا قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنتِ طالق، فهذا طلاق ليس في يده منه شيء في الحال، فكيف يؤخِّره أويعلِّقه فيكون متصرفاً فيما لا يملك، وقال به مالك في ثلاثة (٦) مواطن مفتياً (٧)، وهو مذهب سعيد بن المسيب (٨) وكثير من أهل المدينة، وهو

стр. 668

اختيار (ش) (١) وقد مهَّدنا المسألة في مسائل الخلاف وبالجملة فإنها ضعيفة. فأما المتعلق الثاني فهو: مقاصد اليمين؛ فإنها عند جميع العلماء، أو معظمهم، متعلقة بالألفاظ؛ فما اقتضى اللفظ منها لغة قُضي به، وما خرج عن اللغة لم يلتفت إليه، واضطربت في ذلك رواية علمائنا؛ فمنهم من قال: إنها محمولة على المعنى، وهو المعظَّم، وروي عن مالك، ﵁، أيضاً في مسائل من الأيمان أنه أجراها على الألفاظ (٢)، وتعلق الأيمان عند علمائنا بالمعاني هو الذي أوجب اضطراب أقوالهم (٣) وقد كان الأشبه بالخلق والأرفق بالناس تعلّقها بالألفاظ إلا أن الأدلة تقوى في المعاني قوة كثيرة. كنت كثيراً في مجلس فخر الإِسلام الشاشي (٤) فيأتي إليه الرجل فيقول: يا سيدنا (٥) حلفت بالطلاق ألَّا ألبس هذا الثوب، وقد احتجت إلى لباسه، فيقول استل منه خيطاً فيسل منه خيطاً مقدار الشبر أو الأصبع ثم يقول له: ألبسْ لا شيء عليك. وسمعت شيخنا أبا بكر الفهري (٦)، وأبا القاسم بن حبيب المهدوي (٧)، وأبا علي حسن بن مناس الطرابلسي (٨) دخل حديث بعضهم في بعض يقولون: إن المعول عليه في مذهب مالك، ﵁، في الأيمان على النيَّة، فإن لم يكن فالسبب، فإن لم يكن فالبساط، فإن لم يكن فالعرف، فإن لم يكن فاللغة، وهذه كلها معاني صحيحة قد بيَّناها في مسائل الفقه ونظَّمنا أدلتها في أصول الفقه (٩) فعوّلوا عليها. " توصية ": لكن إذا جاءكم السائل فسألكم عن يمين فإن رأيتم في كلامه أنه قد خلص من الحنث فحذارِ من تجاوز ذلك إلى السؤال عن شيء وقولوا له: انصرف لا شيء عليك، وإن رأيتم أنه قد خرج وأثم (١٠) فحينئذ اسألوه عن هذه المعاني لعلكم أن تجدوا،

стр. 669

له مخلصاً، إلا أن يكون السؤال في حد، فينبغي أن يُسأل وأن يُطرق إليه بالتنبيه لعله أن يرجع اقتداء بالنبي، ﷺ ، حين قال للسائل وقد أقر بالزنا (لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ، لَعَلَّكَ غَمَزْتَ" (١) وكما يروى أن أبا بكر، ﵁، قال للسارق الذي أقر عنده بالسرقة: (مَا أَخَالَكَ سَرَقْتَ) (٢)، ومعنى قول مالك، ﵁، ليس العمل عليه أي ليس يلزم ذلك الإِمام؛ لأن مالكاً رأى أنه هو مستوفٍ للحد فكيف يسعى في إسقاطه، وإنما يستوفي ما وجب وإمام الأئمة، وهو النبي، ﷺ ، قد طرق إلى الإسقاط، وقد كان علماؤنا يقولون: وإنما قال ذلك في السارق لأجل تعلق حق الآدمي، وهو المال، بالسرقة فخاف أن ينكر فيضيع المال بخلاف الزنا، وهذا الذي أشار إليه صحيح مليح لكن إذا حضر المال ينبغي له أن يسأله إن كان أخذه على غير وجه السرقة، فيجبر الله تعالى على ذي المال ماله ويحفظ على العبد عفوه ويسبل عليه ستره حتى ينفذ فيه أمره، ومن أغرب ما ترونه في تركيب الفروع على الأصول في باب الفتوى مسألتان: إحداهما: لابن القاسم (٣)، قال في مجالسه: إذا حلف والله لا كلمت فلاناً ما دام بمصر قال: فسافر عنها ثم عاد إليها (٤) فإنَّ له أن يكلمه، فقصر اليمين على الكون الأول بمصر ولم يسأل عن البساط والنية، ورأى أن مطلق اللفظ يقضي الكون الأول وهذا آخر. المسألة الثانية: قال أشهب (٥): إذا حلف ألا يأكل خبزاً وزيتاً، جاز له أن يأكل كل واحد منهما على الانفراد ورأى أن اليمين وقعت على الجميع وقال عبد الحق (٦)، من

стр. 670

أشياخنا القرويين: هذا إنما يجزىء في كل مؤتدم به؛ فإذا كان أحدهما لا يؤكل به الآخر فحنث إن أكل أحدهما على الانفراد، وتفريعات اليمين لا تنحصر فحذارِ أن تأخذ نفسك بأعيان المسائل فإنك لا تحصيها أبداً، ولكن عوّل على الأصول، التي مهَّدنا لك، واستعنْ ببعض النوازل التي أفتى فيها العلماء وخذ على آثار من مضى وافتِ والله يخلصك، فقد قال لي شيخ المصريين: روى أصحاب مالك، ﵃، منهم مطرف (١) وغيره عنه أنه قال لا يكون الرجل عالماً مفتياً حتى يحكم الفرائض والنكاح والطلاق، إشارة إلى عظم منازل هذه الفصول في الدين وعموم وقعها في المسلمين والله يهب لنا ولكم الخلاص برحمته.
следующие страницы →