← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

القبس فاستضء بقول النبي، ﷺ ، أو قدِّم أو أخِّر فإن الذي قدَّم وأخَّر قد علم حالة الواو في الرتبة وغيرها وهو القدوة والأسوة .. ما تكون به اليمين: اليمين تنعقد بالله تعالى وصفاته العليا وأسمائه الحسنى كيفما ترددت العبارة عنها. قال النبي، ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِالله أوْ لِيَصْمُت" (١) تأديباً لعمر بن الخطاب، ﵁، حين سمعه يحلف بأبيه وقد حلف النبي، ﷺ ، بها فقال: "أفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ" (٢) وقد استوفينا القول فيه في الكتاب الكبير (٣)، وقد قدمنا الإشارة إليه. فإن قال في يمينه هو يهودي، إِن فعل كذا وكذا فاختلف العلماء فيه، فقال (ح): هي يمين (٤) تلزم فيها الكفارة، وهي مسألة عسرة جداً لأنهم عوَّلوا على أن قول الرجل: والله لا دخلت الدار، كأنه مخيَّر بامتناعه عن دخولها، ويؤكد خبره بتعظيم الله تعالى، فإذا خالف فكأنه ترك ذلك التعظيم: فإذا قال: تركت حرمة الله إن دخلت الدار كان مثل ذلك. قلنا: تحيَّلتم تحيّلاً فاسداً في وجه تعلق الكفارة في اليمين بالله .. وإنما هي شرع محض أو معنى غير ما ذكرتم تحقيقه في مسائل الخلاف. تتميم: لما كانت اليمين بالله تعالى مشروعة في كتابه مبيناً حكمها، جارياً على لسان رسوله، ﷺ لفظها استقرت ديناً وثبت حكمها يقيناً فلم يتطرق إليها اختلاف لكن ارتبط بها متعلقان عظيمان: أحدهما: ما حققناه من معناها وهو عقد القلب على فعل أو ترك مؤكد بمعظّم ديناً أو بمعظم

стр. 667

مشقة، ولا خلاف بين الأمة في أنَّ من من أكدَّها بمعظم المشقة أنها تلزمه مثل أن يقول: إن دخلت الدار أو إن مشيت إلى مكة، أو إن كلّمتُ فلاناً فامرأتي طالق. واستقر الدين على ذلك حتى قام رويبضة (١) فقال: إن هذه ليست بيمين ولا تلزم (٢)، وقد استوفينا عليه الدليل في كتب مسائل الفقه، وبيَّنا أن الإِنسان على نفسه بصيرة، وقد التزم مؤجلاً ما له أن يعجِّله وقوله بذلك صالح وذمته صحيحة، ثم تركَّب على هذا الأصل أصلٌ آخر اختلف العلماء فيه وهي إذا قال لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق. واختلف العلماء في هذا؛ فمنهم من قال: إنه يلزمه لأنه ربط بنفسه إليه وعقده عليه وعلَّقه بالنكاح فلزم كما لو علَّق الطلاق بدخول الدار في الزوجة، قال به الكوفيون (٣)، وهو معظم مذهب مالك، رضي الله (٤) عنه. وقالت طائفة: هذا قول (٥) باطل وإنما تعلق الطلاق في الزوجة بدخول الدار لأنه معجل في يده مجاز له أن يؤخِّره، أما إذا قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنتِ طالق، فهذا طلاق ليس في يده منه شيء في الحال، فكيف يؤخِّره أويعلِّقه فيكون متصرفاً فيما لا يملك، وقال به مالك في ثلاثة (٦) مواطن مفتياً (٧)، وهو مذهب سعيد بن المسيب (٨) وكثير من أهل المدينة، وهو

стр. 668

اختيار (ش) (١) وقد مهَّدنا المسألة في مسائل الخلاف وبالجملة فإنها ضعيفة. فأما المتعلق الثاني فهو: مقاصد اليمين؛ فإنها عند جميع العلماء، أو معظمهم، متعلقة بالألفاظ؛ فما اقتضى اللفظ منها لغة قُضي به، وما خرج عن اللغة لم يلتفت إليه، واضطربت في ذلك رواية علمائنا؛ فمنهم من قال: إنها محمولة على المعنى، وهو المعظَّم، وروي عن مالك، ﵁، أيضاً في مسائل من الأيمان أنه أجراها على الألفاظ (٢)، وتعلق الأيمان عند علمائنا بالمعاني هو الذي أوجب اضطراب أقوالهم (٣) وقد كان الأشبه بالخلق والأرفق بالناس تعلّقها بالألفاظ إلا أن الأدلة تقوى في المعاني قوة كثيرة. كنت كثيراً في مجلس فخر الإِسلام الشاشي (٤) فيأتي إليه الرجل فيقول: يا سيدنا (٥) حلفت بالطلاق ألَّا ألبس هذا الثوب، وقد احتجت إلى لباسه، فيقول استل منه خيطاً فيسل منه خيطاً مقدار الشبر أو الأصبع ثم يقول له: ألبسْ لا شيء عليك. وسمعت شيخنا أبا بكر الفهري (٦)، وأبا القاسم بن حبيب المهدوي (٧)، وأبا علي حسن بن مناس الطرابلسي (٨) دخل حديث بعضهم في بعض يقولون: إن المعول عليه في مذهب مالك، ﵁، في الأيمان على النيَّة، فإن لم يكن فالسبب، فإن لم يكن فالبساط، فإن لم يكن فالعرف، فإن لم يكن فاللغة، وهذه كلها معاني صحيحة قد بيَّناها في مسائل الفقه ونظَّمنا أدلتها في أصول الفقه (٩) فعوّلوا عليها. " توصية ": لكن إذا جاءكم السائل فسألكم عن يمين فإن رأيتم في كلامه أنه قد خلص من الحنث فحذارِ من تجاوز ذلك إلى السؤال عن شيء وقولوا له: انصرف لا شيء عليك، وإن رأيتم أنه قد خرج وأثم (١٠) فحينئذ اسألوه عن هذه المعاني لعلكم أن تجدوا،

стр. 669

له مخلصاً، إلا أن يكون السؤال في حد، فينبغي أن يُسأل وأن يُطرق إليه بالتنبيه لعله أن يرجع اقتداء بالنبي، ﷺ ، حين قال للسائل وقد أقر بالزنا (لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ، لَعَلَّكَ غَمَزْتَ" (١) وكما يروى أن أبا بكر، ﵁، قال للسارق الذي أقر عنده بالسرقة: (مَا أَخَالَكَ سَرَقْتَ) (٢)، ومعنى قول مالك، ﵁، ليس العمل عليه أي ليس يلزم ذلك الإِمام؛ لأن مالكاً رأى أنه هو مستوفٍ للحد فكيف يسعى في إسقاطه، وإنما يستوفي ما وجب وإمام الأئمة، وهو النبي، ﷺ ، قد طرق إلى الإسقاط، وقد كان علماؤنا يقولون: وإنما قال ذلك في السارق لأجل تعلق حق الآدمي، وهو المال، بالسرقة فخاف أن ينكر فيضيع المال بخلاف الزنا، وهذا الذي أشار إليه صحيح مليح لكن إذا حضر المال ينبغي له أن يسأله إن كان أخذه على غير وجه السرقة، فيجبر الله تعالى على ذي المال ماله ويحفظ على العبد عفوه ويسبل عليه ستره حتى ينفذ فيه أمره، ومن أغرب ما ترونه في تركيب الفروع على الأصول في باب الفتوى مسألتان: إحداهما: لابن القاسم (٣)، قال في مجالسه: إذا حلف والله لا كلمت فلاناً ما دام بمصر قال: فسافر عنها ثم عاد إليها (٤) فإنَّ له أن يكلمه، فقصر اليمين على الكون الأول بمصر ولم يسأل عن البساط والنية، ورأى أن مطلق اللفظ يقضي الكون الأول وهذا آخر. المسألة الثانية: قال أشهب (٥): إذا حلف ألا يأكل خبزاً وزيتاً، جاز له أن يأكل كل واحد منهما على الانفراد ورأى أن اليمين وقعت على الجميع وقال عبد الحق (٦)، من

стр. 670

أشياخنا القرويين: هذا إنما يجزىء في كل مؤتدم به؛ فإذا كان أحدهما لا يؤكل به الآخر فحنث إن أكل أحدهما على الانفراد، وتفريعات اليمين لا تنحصر فحذارِ أن تأخذ نفسك بأعيان المسائل فإنك لا تحصيها أبداً، ولكن عوّل على الأصول، التي مهَّدنا لك، واستعنْ ببعض النوازل التي أفتى فيها العلماء وخذ على آثار من مضى وافتِ والله يخلصك، فقد قال لي شيخ المصريين: روى أصحاب مالك، ﵃، منهم مطرف (١) وغيره عنه أنه قال لا يكون الرجل عالماً مفتياً حتى يحكم الفرائض والنكاح والطلاق، إشارة إلى عظم منازل هذه الفصول في الدين وعموم وقعها في المسلمين والله يهب لنا ولكم الخلاص برحمته.

стр. 671

كتاب النكاح ومعناه الجمع والضم، وذلك يكون بالفعل وهو الوطء، وبالقول وهو العقد، وقالت طائفة: إن الحقيقة هو الوطء والعقد مجاز، وليس كذلك بل كلاهما حقيقة؛ فإن القول يجمع حقيقة إلا أن جمع الأبدان محسوس وجمع الأقوال معقول وكلاهما في الشريعة معلوم واللفظ عليهما فيه محمول (١)، وفي الحديث الصحيح عن عائشة، ﵂، قالت: (كَانَ النِّكَاحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ وُيصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا وَهذَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَالنِّكَاحُ الثَّانِي كَانَ الرَّجُلُ إذَا طَهُرَتْ أَهْلُهُ يَقُولُ لَهَا: اسْتَبْضعي مِنْ فُلَانٍ فَيُرْسِلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيَطَأُهَا وَيعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا حَتَّى إِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا تَخَلَّى عَنْهَا وَأَصَابَهَا زَوْجُهَا إِنْ شَاءَ, وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ .. وَالنَّكَاحُ الثَّالِثُ: كَانَ الرَّهْطُ مِنَ الْعَشرَةِ فَمَا دُونَهُمْ يَطَؤُونَ الْمَرأَةَ حَتَّى إِذَا حَملَتْ وَوَلَدَتْ وَمَرَّتَ عَلَيْهَا لَيَالِي أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهَا فَإِذَا اجْتَمَعُوا عِنْدَهَا ألْحَقَتْهُ بأَيِّهِمْ شَاءَتْ فَيَكُونُ وَلَدَهُ. النَّكَاحُ الرَّابعُ: نِكَاحُ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ فَيُعْلَمُ ذلِكَ مِنْهِنَّ فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَهُ حَتَّى إِذَا حَملَتْ وَوَلَدَتْ دُعِيَ لَهُ الْقَافَةُ فَمَنْ ألْحَقُوهُ بِهِ مِنْهُمْ كَانَ وَلَدَهُ ثُمَّ هَدَمَ الله تَعَالَى ذلِكَ كُلَّهُ إِلَا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ (٢). رواه البخاري وغيره. قال أبو داود فيه (إلَّا نِكَاحُ الإْسْلَامِ) (٣) وفيه فوائد وهي ابتغاء النسل وبقاء العمل ووجود العفة والعصمة، وفيه من الآفات العجز عن الحقوق المرتبطة به: طلب الحلال المحتاج إليه في إقامة القوت واختلف العلماء في حكمه، فمنهم من قال إنه مباح منهم

стр. 672

(ش) (١) لأنه نَيْل لذة وقضاء شهوة فصار كسائر اللذات المقتضاة جبلة، ومنهم من قال إنه قربة منهم (م) (٢)، و (ح) (٣)، وهذا هو الصحيح، والدليل عليه ما رواه البخاري وغيره أن ناساً اجتمعوا فقال بعضهم: كيف عمل رسول الله ﷺ ، في السر فلما ذُكر لهم تقالوه (فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ، وَقَالَ آخَرٌ: أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ الآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَأتَزَوَّجُ وَأنَامُ عَلَى الْفِرَاشِ وَآكُلُ الْلَّحْمَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنَّي) (٤) وفي الصحاح أن النبيّ ﷺ ، قال: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ عَلَيْكُمْ بِالْبَاءَةِ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجاءٌ" (٥)، فحملهم على النكاح وندبهم إليه، وقد كانت سُنَّة من مضى الإقبال على العبادة والانقطاع عن الأهل إلا أن محمداً ﷺ ، جاء بالحنيفية السمحة فأمر بالعبادة وأذن في قضاء الشهوة حضاً على التحصين ورغبة في العفة وقطعاً للعلائق وتعرضاً لبقاء العمل إلى يوم القيامة وتحقيقاً لموعد الشارع؛ ففي بعض الآثار "تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فَإِنَّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٦)، وهذا إن لم يكن صحيحاً ولكن معناه صحيح؛ فإن أمة محمَّد أعظم الأمم

стр. 673

عدداً وأرفعهم رتبة، ولذلك روى الأئمة في الصحيح أن النبي ﷺ (رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) (١)، ولكن الجواب يختلف في ذلك؛ فمن لم يكن له إلى النساء مَيْلٌ وعلم من نفسه التقصير في حقوق النكاح وتعذر عليه الحلال من الرزق، فالتبتل له أفضل. وأما من استغلم (٢) واستولى عليه الشبق فينكح ويجتهد في المحاولة على الحقوق، وليتبع الحلال إن وجده، أو يأخذ من المشتبهة على قدر الحاجة، وتمام ذلك وتحقيقه في المسائل. ومن الناس من يرى أن مداراة نفسه عن الغلمة والشبق بملازمة العبادة والإكباب على طلب العلم أولى من التشبث في مراعاة الحقوق، وطلب الحلال والمسألة محتملة فإن لم يكن له بدّ من النكاح حسب ما يفضي إليه النظر، أو يسبق به القدر فلا يذهل عما روي في الصحيح عن النبي ﷺ ، أنه قال: "تُنْكَحُ الْمَرْأةُ لأِرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلحَسَبِهْا وَجَمَالِهَا وَلدِينِهَا فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدَّينِ تَرُبَتْ يَدَاكَ" (٣) رواه البخاري وغيره، ويشهد لصحته قول الله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٤) الآية إلى ﴿فَضْلِهِ﴾، ومن فضل الله تعالى أنه أحلَّ له النساء أجمع على أن عددهن لا يحصى، وحرم منهن أربعين: منهم أربع وعشرون تحريمهن مؤبد لازم، ومنهن ست عشرة تحريمهن لعارض، الأم، البنت، الأخت، العمة، الخالة، بنت الأخ، بنت الأخت فهؤلاء سبع ومن الرضاع مثلهن لقوله (يُحْرَمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يُحْرَمُ مِنَ النَّسَبِ) (٥) فهن أربع عشرة ومن الصهر أربع: أم الزوجة

стр. 674

وبنتها وزوجة الابن وزوجة الأب، ومن الجمع ثلاث الأختان قرآنا (١) والمرأة وعمتها والمرأة وخالتها سنة (٢)، والملاعنة سنة (٣)، والمنكحة في العدة بإجماع من الصحابة (٤) في قضاء عمر، ﵁، وزوجة النبي ﷺ ، وقد سقط ذلك. وأما التحريم العارض: فالخامسة، والمزوجة، والمعتدَّة، والمستبرأة، والحامل، والمطلقة ثلاثاً، والمشتركة، والأَمة الكافرة، والأَمة المسلمة لواجد الطول، وأَمة الابن، والمحرمة، والمريضة، ومن كان ذا محرم من زوجه اللاتي لا يجوز الجمع بينهن وبينها، واليتيمة الصغيرة، والمنكوحة يوم الجمعة عند النداء، والمنكوحة عند الخطبة بعد التراكن. وهذا منتهى كلام علمائنا العراقيين بنصه ورأيت لسحنون قد زاد فيها: الثيِّب الصغيرة إذا رجعت إلى والدها قبل البلوغ، وفي ذلك كله تفصيل وتطويل بيَّناه في كتاب المسائل ومن جملة ذلك أن يقال في عقد واحد: والمنهي عن نكاحها لأمر يرجعِ إلى العقد، فيدخل فيه نكاح يوم الجمعة (٥)، وعلى خطبة أخيه وأمثاله فيكون قسماً واحداً يتضمن أعياناً كثيرة من المسائل فليطلب بيان ذلك حيث أحلنا عليه. ولما كان النكاح في الإِسلام كما قالت عائشة، ﵂، يكون ابتداؤه بخِطبة، بكسر الخاء (٦)، بدأ ذلك مالك،

стр. 675

رضي الله عنه، في موّطئه كما يجب فقال: باب ما جاء في الخطبة (١)، وأدخل الخديث عن ابن عمر وأبي هريرة "لاَ يَخْطُبُ أحَدُكُمْ عَلَى خِطبَةِ أخِيهِ" (٢)، وفصل حديث ابن عمر من حديث أبي هريرة في السند والمتن لأنه كان لا يرى رأي شيخه ابن شهاب في جمع المفترق كما قال: دخل حديث بعضهم في بعض، كما كان البخاري لا يرى تفريق المجتمع، وهو أيضاً مذهب مالك، ﵁، كما أدخل مالك حديث فضل العتمة ثم عقبه بقوله: مَرَّ رَجلٌ في طَرِيقِهِ بِغُصْنِ شَوْكٍ (٣)، فترى الجهال يتعبون في تأويله، وفائدة إدخاله له ها هنا؛ وإنما كان ذلك لأنه سمعه منه (٤)، وكذلك يروي البخاري الحديث في مواضع ثم يعقبه فيقول: وبه أن رسول الله ﷺ ، قال كذا، والامتناع من جمع المفترق أو فرق المجتمع لفائدتين: أحدهما: التعرض لدعوة النبي ﷺ ، حين قال "نَضَرَ الله امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا" (٥) الحديث.

стр. 676

والثانية: أن فتح هذا الباب ربما تعرض له من لا يحسن الجمع والفرق فيفسد الأحاديث. وصفة الخِطبة، بكسر الخاء، أن يبدأ بالخُطبة، بضم الخاء، فيحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يقول، كما رواه الترمذي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (١)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢)، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٣) (٤) الآية، وإن فلاناً رغب فيكم وِهوى إِليكم من الصداق لكم كيت وكيت فأنكحوه. هذه هي السنة إن جاء أحد بها فبها وَنعِمَتْ، وإن قصر عنها وأتى بالمقصود له منها أجزأت حتى قال مالك، ﵁: لو بادر رجلاً فقال له: هل تزوجني ابنتك بألف فقال له الآخر: نعم، لزمه (٥). وقال (ش): لا يلزمه حتى يقول له الآخر بعد ذلك: قبلت (٦). وكذلك الخلاف في البيع مثله، ولقب المسألة هل تنعقد العقود بالاستدعاء أم لا؟ والصحيح ما ذهب إليه مالك، ﵁؛ لأن الغرض من القبول معرفة الرضا، وقد حصلت معرفة الرضا بالاستدعاء، فإن قال: كنت هازلاً، فهزل النكاح جدٌّ، ومثل هذه الدعوى يتطرق إلى القبول ولا يسمح إجماعاً، وإن قال: قصدت الاستدعاء (٧)؛فإن علمت بما عنده كنتَ بعد ذلك على الاختيار والارتياء فلا إخبار ولا ارتياء في النكاح إجماعاً بدليل أنه لو صرَّح

стр. 677

بشرطه لم يجز. والحديث مشهور في الصحيح ذكر منه مالك نصفه وتمامه (لَا يَخْطبُ أحَدُكُمْ عَلَى خطْبَةِ أخِيهِ وَلَا يَبع عَلَى بَيْعِ أخِيهِ) (١) ومعنى لا يبع لا يسم؛ لأن البيع إن وقع لم يتصور بعده بيع، وكذلك رواه مسلم (لاَ يَخُطُب أحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ وَلَا يَسُمْ عَلَى سَوْمِ أخِيهِ) (٢) مفسراً متقناً، والحديث عام بإطلاقه في كل حالة من أحوال الخطبة، خصَّصه في عمومه وحمله على بعض محتملاته حسب ما فسَّره مالك، ﵁، إذا تراكنا واتفقا على الصداق وهما يحاولان العقد ويتناولانه (٣) أمران بديعان: أما أحدهما: فحديث فاطمة بنت قيس قال لها النبي ﷺ : (إِذَا حَلَلْتِ فَلَا تُحْدِثي شَيْئاً حَتى تُؤَاذِنِيني، قَاك: فَلَمَّا حَلَلْتُ جئْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله صَلى الله عَلَيْكَ، خَطَبَني مُعَاوِيةُ ابنُ أبي سُفْيَان وَأبو جَهْمُ بْنُ أبِي حُذَيْفَةَ فَقَالَ: "أمَّا مُعَاوَيةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأمَا أبُو جَهْم فَلَا يَضَعْ عَصاهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَلَكِنِ انْكِحِي أُسَامَةَ بْن زَيدٍ فَنَكَحَتْهُ فَاغْتَبَطَتْ بِهِ" (٤). وأما الثاني: فما أشار إليه مالك، ﵁، من قوله. (فَهذا بَابُ فَسَادٍ يدخلُ عَلَى النَّاسِ) (٥)، إشارة إلى ما يقع بينهم من التقاطع والشحناء التي فيها فساد ذات البين، فخص مالك، ﵁، هذا العموم وحمله على بعض محتملاته بالمصلحة، وهو أصل ينفرد به عن سائر العلماء. فأصول الأحكام خمسة: منها أربعة متفق عليها من الأمة الكتاب والسنة والإجماع والنطر والاجتهاد فهذه الأربعة، والمصلحة وهو الأصل الخامس الذي انفرد به مالك، ﵁، دونهم ولقد وفق فيه من بينهم، وقد بيَّنا ذلك في أصول (٦) الفقه، ثم اختلف المالكية إذا وقع هذا فقيل: يفسح لأنه فاسد فنهي

стр. 678

عنه، خارج عن قانون الشريعة، وقد قال ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ ردٌّ" (١)، ومنهم من قال: أركان العقد سليمة من الفساد والمتعاقدان والولي والصداق، وإنما المعنى الذي نُهي عنه من غير شرط العقد، قالوا: ومتى ما وقع النهي في العقود على هذا النحو منع منها فإن وقعت مضت إما بنفس العقد وإما بالقوة في الدخول على حسب حال النهي، والسبب الذي نُهي عنه لأجله حسب ما تتعارض فيه الأدلة ويتبين في أعيان المسائل، وقد ذكر مالك، ﵁، في معرض تخصيص النهي بالخطبة التعريض بخطبة المعتدة، وهو كل قول يفهم منه المقصود حالاً، ولا يفهم من التصريح في المقال، كقول ابن القاسم المروي في الموطأ وأشدّه قوله: (إنَّي فِيكِ لَرَاغِبٌ) (٢)، ولكنه لمَّا لم يكن فيه للنكاح ذكرٌ جاز، وهذه رخصة لا يقاس عليها ولا تعلق للمخالفين في احتجاجهم على تعليق الحكم بالألفاظ دون المعاني رداً على مالك، ﵁, لأنه لا يقاس على مخصوص، ولا يقاس منصوص على منصوص؛ لأن في القياس على المخصوص إبطال الخصوص، وفي قياس المنصوص على المنصوص إبطال النصوص. نكتة: أما خلق الله الذكر والأنثى لبقاء النسل وركب الشهوة في الجبلَّة تيسيراً لذلك وتحريضاً عليه حجزه عن مطلق العمل بمقتضاها في الآدميين بالتكليف، وأرسله فيما عداهم لعدم التكليف .. والباري تعالى غني عن العالمين، فنظَّمه بروابط ورتَّبه على شرائط اختلف العلماء فيها اختلافاً كثيراً، أصولها عند علمائنا خمسة: المتعاقدان المتأهلان لذلك، والصداق الذي يصلح أن يكون صداقاً، والولي للزوجة الذي يتولى العقد والإعلان المفرق بينه وبين السفاح، فلم يجعل الله تعالى العقد إلى المرأة أولاً مخافة أن تغلب شهوتها عقلها فتضع نفسها في غير موضعها، كما لم يجعل الطلاق إليها آخراً لفضل القوامة في الرجل، ولأنه لا يؤمن أيضاً من تفاهتها أن تنبذ زوجها عند رؤيتها غيره كنبذها لنعلها قال الله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣)، فخاطب الأولياء بالأمر بالنكاح في موضعه، كما خاطبهم بالنهي عند تعدي الأمر، فقال تعالى ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُن أنْ

стр. 679

ينْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ في رواية أبي موس: (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ) (٢)، رواه الترمذي وغيره، وثبت عن النبي ﷺ ، أنه قال "أيُّمَا امْرأة نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنَكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُها بَاطِلٌ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا اْلمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فُرْجِهِا فَإِنْ اشتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وليُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ" (٣). وكما قالت عائشة، ﵂، آنفاً، فَهَدَمَ (٤) الله ذَلِكَ كُلَّهُ إلا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ وَإِلّا نِكَاحَ الْإسْلَامِ. ولما كان النساء على ضربين: منهن البرزة المختبرة للرجال العارفة بالمقاصد المنطلقة اللسان في استدعاء النكاح ورده، ومنهن المخدرة البلهاء الخفرة (٥)، جعل الله تعالى للأولياء حالين: حالة يستبدون بها في

стр. 680

العقد وذلك على المخدرة (١) البلهاء الخفرة، وحالة يعقد الرجل فيها على النساء عند رضاهن بذلك وطلبهن له، وهن الثيبات البوالغ المجربات، وألحق مالك، ﵁، في بعض الروايات، المعنَّسات (٢)، بالثيبات لأنهن قد علمن من ذلك بطول العمر وكثرة السماع ما يعلمه الأيامى، وخصص هذه العمومات بهذا القياس، وكذلك، ﵁، يري تخصيص العموم بالقياس والمصلحة، وقال في رواية أخرى: الْمُعَنَّسَةُ كَالْبِكْرِ (٣) حَتى تُخْتَبَر، وهذه الرواية هي الصحيحة في النظر فليس الخبر كالمعاينة، وليس عند المعنسة من أمور النكاح بالسماع إلا ما عند العنّين، فعلى هذه الرواية فليعول ويعتضد بما أعضده به مالك، ﵁، من قضاء عمر، ﵁، حين قال: (لَا تُنْكَحُ الْمَرْأةُ إلَّا بِإذْنِ وَلِّيِها أَوْ ذي الرأَي مِنْ أَهْلِهَا أوِ السَّلْطَانِ) (٤). فأراد بقوله (وَليِّهَا) الأدنى، وأراد بقوله (في الرَّأَي مِنْ أهْلِهَا) الأبعد، وأراد بقوله (السُّلْطَانِ) كل امرأة لا وليّ لها. واختلف قول علمائنا بالمراد بالأهلية على ثلاثة أقوال: فقيل ما وقع الاشتراك به في البطن كعبد الدار وهاشم، وقيل ما وقع به الاشتراك في العشيرة كقصي، وقيل ما وقع الاشتراك به في القبيلة ككنانة وقريش، وقيل ما كان من العصبة (٥)، وبه أقول، وتحقيق ذلك في مسائل الخلاف. وأما كان النكاح بيد الولي في القسمين جميعاً، شرع الله تعالى الإذن في البكر مستحباً لذي الشفقة المتناهية، وهو الأب، وواجباً في حق الثيِّب لكل أحد، ولوروده على هذين الوجهين ما أبهم به مالك الباب فقال: باب استئذان الأيم والبكر في أنفسهما، ولم يقل باب وجوب الاستئذان، ولا باب استحبابه،

стр. 681

وأدخل حديث عَبْدِ الله بْنِ الْفَضْلِ (١) عَنْ نَافِعِ (٢) بْنِ جُبَيْرِ (٣) بْنِ مُطْعِم عَن ابنِ عَبَّاس أنَّ رَسول الله ﷺ ، قَالَ: "الأيَّمُ أحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليّهَا، والْبِكْرُ تُسْتَأذنُ في نَفسِهَا وَإذْنُهَا صُمَاتُهَا" (٤) والحديث صحيح مروي بألفاظ مختلفة من جملتها قوله: "وَالثّيِّبُ أحَق بنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهَا" (٥) وهو أخص من الأيِّم ومن جملتها ما رواه شعبة عن مالك، ﵁: "الأيِّم أحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّها وَالْيتيمَةُ تُسْتَأذَنُ في نَفْسِهَا وإذْنُهَا صُمَاتُهَا" (٦). والحديث صحيح خرَّجه مسلم ولم يخرجَّه البخاري، والعلة فيه ما بيَّناه في الكتاب الكبير اختصاره أن البخاري لا يروي عمن يقلّد فيه وإنما يروي عمن يعلمه بعينه عدلاً في صفته من زمانه إلى النبي ﷺ ، وبهذا تكون الأمانة، فنظر في عبد الله بن الفضل هذا فلم يتبين له أهُوَ من أولاد ربيعة بن الحارث أو من بني عتبة بن أبي لهب، والرواية عن غير المتعين كالرواية عن المجهول، واتفقت الأمة على أن المجهول العدل تجوز الرواية عنه إذا قال أنا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، لوجوب العدالة (٧) لهم، ولا يجوز ذلك في غيرهم لعدم العدالة فيهم، واختُلف في عدالة من عداهم مع عدم التعديل، فقال القائلون: كما لا يجوز ذلك في الشهادة لا يجوز في الرواية، ومنهم من قال: الرواية أوسع من الشهادة، وقد حققنا ذلك في أصول الفقه، وقد روي الحديث "الثيبُ أحقُّ بنفْسهَا منْ وَليِّهَا" (٨) وهذا حديث مركب من جملتين.

стр. 682

إحدى الجملتين خبر عن الثيب، والجملة الثانية خبر عن البكر، وقد استوفينا الغرض من ذلك في مسائل الخلاف. الإشارة إليه أن الجملتين نظَّمتا التغاير بين البكر والثيب فجعلت الثيبة مالكة أمرها، وجعلت البكر مملوكاً عليها أمرها، وذلك في حق الأب خاصة؛ لأنه ذكر الصفة في الحكم، وذكرها في الحكم تعديل فجعل الثيب أحق بنفسها لاختبارها الرجال ومعرفتها بالمقصود من النكاح، وردَّ الله تعالى أمر البكر إلى الولي لغرارتها, ولكن ولي تكمل شفقته ويعلم حسن نظره، وهو الأب في ابنته خاصة، فإن قيل: فما معنى الإذن ها هنا حين قال "تُسْتَأُذَنُ في نَفْسِهَا" ما فقيل في الحديث: إنها تستحي (١) فقال: (إِذْنُهَا صُمَاتُهَا). قلنا: هذا هو الذي أشكل على كثير من العلماء واختلف فيه قول مالك، ﵁، فتارة اعتقد في البكر أنها اليتيمة (٢)، وكذلك يروي أنه فسرها شعبة في هذا الحديث فقال: (وَالْيَتيمَةُ تُسْتَاذَنُ في نَفْسِهَا) وتارة قال: إنها البكر (٣) في حق الأب، وهو الصحيح الذي به ينتظم مساق الحديث ويكمل المعنى. وقال أهل العراق: إذا بلغت البكر لم يزوِّجها أحد إلا بإذنها، لا من أب ولا من سواه، وهذا فاسد (٤)؛ فإن الحديث بنظمه وتعليمه يقتضي أن يملك الأب عليها النكاح؛ لأنه إنما جعل الثيب أحق لكونها ثيباً، ولما كانت فائدة الولي في النكاح حفظ المرأة من الوقوع في غير الكفؤ فتلوِّث نفسها، وتلحق العار بحسبها، رأى مالك، ﵁، أن الدنيئة المقطوعة لا يرتبط أمرها بالولي، في

стр. 683

أحدى رواياته (١) , لأن الذي يخاف منها، والمعنى الذي اعْتُبر الولي لأجله معدوم فيها، وتارة ألحق الدنيئة بالشريفة أخذاً بعموم الحديث وهو الأسلم في النظر والاسلم في الحسب؛ فإن تمييز الدنيئة من الشريفة يعسر في المراتب فسدّ الباب أولى. وعلى الجملة فلم يختلف علماء المدينة ومكة في أن المرأة مسلوبة العبارة في النكاح كالصبي والمجنون، ولذلك كانت عائشة ﵂ (تَخْطِبُ وَتُقَدِّرُ الْمَهْرَ ثُمَّ تَقُولُ أعْقِدُوا فَإِنَّ النِّسَاءَ لَا يَعْقِدْنَ) (٢)، إلا أنه وقع لعلمائنا رواية أن المرأة إذا وليت من لا يصح منه إنكاح نفسه قدَّمت من يتولى عقد النكاح، وإذا وليت من يصح منه عقد النكاح يوماً ما جاز لها أن تعقد نكاحه، وهذه رواية ضعيفة جداً، وقد خطب النبي ﷺ ، ميمونة فجعلت أمرها إلى أم الفضل، أختها، فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس فزوجها العباس من النبي ﷺ (٣)، وما جرى قط في السلف ولا في الخلف أن امرأة باشرت نكاحها، ومن شرط الولي أن

стр. 684

يكون حراً بالغاً عاقلًا مسلماً، وليس من شرطه أن يكون عدلاً، خلافاً للشافعي (١)؛ لأن الولاية عمادها الشفقة والحمية على الحسب والأنفة، والفسق لا يؤثر في ذلك. ورأى الشافعي أن ولاية النكاح خطة ومنزلة كريمة، والمراتب لا ينزلها الفساق ولو كان من فسق الرجل ما عسى أن يكون؛ فإن نظره لوليته لا ينقطع عنه بكراً على حالة البكارة أو ثيباً على حالة الثيوبة، واختلف العلماء في ثيوبة الصغيرة فقالوا: إذا رجعت الصغيرة ثيباً إلى أبيها زوجها كما يزوج البكر قسراً. وقال أشهب (٢)؛ ذلك ما لم تحض. قال سحنون (٣): له جبرها وإن حاضت (٤) حتى يستأنف زواجاً ثانياً بعد البلوغ لأنه رأى أن الثيوبة الأولى جرح لم يقع لها (٥) به خبرة، ولا يحصل لها به مقصد النكاح، والأخذ بمطلق الحديث في الفرق بين الثيب والبكر وتقسيمه وتعليله أولى من هذا. واختلف الناس وعلماؤنا هل يكون الكافر ولياً في نكاح فيه مسلم، أو مسلم في نكاح فيه كافر على تفصيل بيانه في مسائل الفقه. والصحيح أنه لا يدخل المسلم في نكاح فيه كفر، ولا الكافر في نكاج فيه إسلام إلا نكاح السيد لعبده الكافر من طريق المملوكية (٦) بخلاف طريق الولاية فإن الله تعالى أثبت الملك مع الكفر ولم يثبت الولاية معه بل نفاها بعدم الهجرة فقال ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٧). ما جاء في الصداق والحباء: الصداق عقد منفصل عن النكاح بائن عنه في ذاته وأحكامه، والدليل على صحة ذلك أن النكاح يجوز لونه لأن عقد النكاح إنما ركناه الزوج والزوجة، كل واحد منهما يحل لصاحبه ويستمتع به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٨)، وقال: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٩) وقال تعالى: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ (١٠) في أزواج

стр. 685

النبي ﷺ . فردد الله تعالى الصداق بين النحلة المبتدأة التي لا يقابلها عوض؛ وإنما وجبت على الزوج بفضلية القوامة وبمنزلة الذكورية وبين الأجرة والعوضية وفي هذا رد على من أنكر من الفقهاء تعارض الأدلة، وتردد الفرع بين الأصلين وحكمه إذا تردد بينهما أن يوفر على كل واحد شبهه ويركب عليه حكمه وهو أصعب مسائل النظر، ولذلك قال مالك، رحمه الله تعالى، تارة: النكاح أشبه شيء بالبيوع (١)، وتارة جرَّده عنها وخزل حكمه منها. وكذلك اختلف قوله في الصداق الفاسد على ثلالة أقوال: أحدها: إنه يمضي بنفس العقد. والثاني: إنه لا يفسخ قبل الدخول (٢). والثالث: إنه يفسخ قبل وبعد (٣). واختلف الناس في تأويلات هذه الأقوال؛ فمنهم من جعلها مطلقة، ومنهم من قال: إنها مبنية على قوة الفساد وضعفه، وتفصيل ذلك مستوفى في المسائل. واختلف العلماء، رحمة الله عليهم، بعد الاتفاق على وجوبه وفي تقديره؛ فمنهم من نفى التقدير وجوَّزه بكل قليل وكثير، وهو (ش) (٤) وروى في ذلك أحاديث ليس لها أصل من جملتها (الصَّدَاقُ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الأهْلُونَ) (٥). ومنهم من قدَّره. واختلفوا في التقدير فقال أهل

стр. 686

الكوفة: أقله عشرة دراهم (١) وهو أقل ما تقطع فيه يد السارق عندهم، ومنهم من قدَّره بربع دينار، وهم أهل المدينة, لأن القطع عندهم أيضاً مقدَّر بربع دينار، ومنهم من قدَّره بدرهم ونحوه كالسوط والنعل وهو ابن (٢) وهب (٣) والمتعلق في ذلك طلب النبي، ﷺ ، في حديث سهل في الصداق خاتماً من حديد (٤) وسط قيمته درهم لأجل الصنعة التي فيه. والصحيح أنه مقدَّر بنصاب القطع، وأن القطع مقدَّر بربع دينار (٥)، وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف وفي حديث سهل (٦) بن سعد. هذا دليل على وجوب الصداق لأن النبي، ﷺ ، طلبه من طرق؛ فهذا يدل على تعيّنه وإلزامه حتى طلب سوراً من القرآن يعلِّمها إياها، وقد اختلف العلماء في كون الإجارة صداقاً على ثلالة أقوال (٧)، وقد روي في هذا الحديث " عَلَّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ" (٨)، وفي سنن أبي داود: "قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيةً" (٩)، ودخول الإجارة في

стр. 687

النكاح تحقيقه في المسائل، أما هذا الحديث فلا أدري كيف أغفل العلماء حقيقته فإنه ليس بجارٍ في شيء من ذلك المضمار لأنه إن كان الصداق تعليمها فلا بد من تقدير المدة في إقرائها، وإن كان على أن يستظهرها فهي جعالة مجهولة المدة فلا يصح أن يكون صداقاً، وإنما مخرج الحديث أن النبي، ﷺ ، لما عدم عنده الصداق تحقق له الفقر فطلب (منه) (١) فضيلة يزوجها بها وليس استظهار القرآن أو شيء منه، كما روي أن أبا طلحة تزوج أم سليم على الإِسلام (٢)، وليس أن الإِسلام كان صداقاً ولكن لأنه فضيلة استحق بها ذلك وهي الصداق في حديث أم سليم وفي حديث الموهوبة في ذمته فيكون ذلك نكاح تفويض. مسألة: قال النبي، ﷺ ، "قَدْ أنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" (٣) وروي "قَدْ زَوَّجْتُكَهَا) (٤)، وروي (قَدْ مَلَّكْتُكَهَا) (٥). واختلف العلماء في النكاح بغير لفظ الإنكاح،

стр. 688

فمنعه (ش) (١) وجوَّزه (ح) بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد (٢)، وجوَّزه مالك بكل لفظ يتفاهم به المتناكحان مقصدهما (٣)، وتعلَّق من جوَّز النكاح بغير لفظ الإنكاح بقوله ﷺ : (مَلَّكتُكهَا) رواه معمر (٤)، ويعقوب (٥) الإسكندراني، وعبد الواحد (٦) ابن زياد، وخرَّجه البخاري، وقال الدارقطني (٧): هذا وهم منهم خالفهم حماد بن (٨) زيد، وأبو غسان (٩)، وفضيل (١٠) بن سليمان، ووهب (١١) والثوري (١٢) وابن عيينة (١٣) وهم أحفظ قالوا كلهم: (قَدْ زَوَّجْتُكَهَا) وخذوا:

стр. 689

نكتة أصولية: إذا اختلف ألفاظ الحديث في الرواية فتأملوا الحديث؛ فإن كان مما يتكرَّر فكل لفظ أصل يمهَّد وتبنى عليه الأحكام، وإن كان مما لا يتكرَّر فيُعلم قطعاً أن النبي، ﷺ ، إنما قال أحدهما، وأن الراوي هو الذي عبَّر عن تلك الحالة الواحدة بألفاظ مترادفة أو متقاربة، فتعرض الألفاظ على الأصول والأدلة فما استمر منها عليها هو الذي يُبنى عليه الحكم. ومسائل الصداق تتفاوت في العدد وتلحقها أحكام من البيوع فلا يمكن التعرض لها في هذه العجالة، ذكر منها مالك، ﵁، في هذا الباب خمس مسائل منها: مسألة المفوضة وييانها في مسائل الخلاف ومنها، مسألة العفو عن الصداق وبيانها في كتاب الأحكام (١)، ومسالة تقدير الصداق وقد سبقت الإشارة إليها (٢)، ومسألة إنكاح الرجل ابنه الصغير وبيانها في المسائل وأغرب ما فيه قول علمائنا: أن الوصي يزوِّج الصغير قبل البلوغ ولا يزوج الصغيرة حتى تبلغ، وكان ينبغي أن تكون المسألة بالعكس لأن زواج المرأة منحة وزج الصغير عزمة (٣)، فلا أراه بحال حتى يبلغ ويعلم قدر ما يدخل فيه، ومنها مسألة عمر بن عبد العزيز؛ حيث كتب إلى بعض عماله ما كان من شرط يقع في النكاح فهو لابنته (٤) الحديث إلى آخره. وتحقيق المسألة أن الولي إن شرط الحباء للزوجة فهو لها، وإن شرطه لنفسه فينبغي أن يسقط ولا يكون لأحد، إما إنه لا يكون للزوجة فإنه لم يسمَّ لها في المهر، وإما إنه لا يكون للولي فلأنه أكلُ مالٍ بالباطل لا مقابل له، وإنما كان شيئاً تفعله الأعراب في الجاهلية ثم هدم الله تعالى ذلك بالإِسلام.

стр. 690

حديث: قال عمر بن الخطاب، ﵁: (أيُّمَا رجلٍ تزَوَّجَ امْرَاةً وَبِهَا جُنونٌ أوْ جُذَامٌ أوْ بَرَصٌ فَمَسَّهَا فَلَهَا صُدَاقُها) (١)، قال مالك، ﵁: وكذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَليِّهَا (٢). هذه المسألة من أكبر مسألة في الفقه، وقد اختلف العلماء فيها اختلافاً كثيراً لبابه أن أهل الكوفة قالوا: لا ترد المرأة إلا بعيب يمنع من تقدير الصداق (٣). وقال (ش): يرد النكاح بأربعة عيوب (٤): الجنون (٥)، والجذام (٦)، والبرص (٧) وداءِ (٨) الفرج. سمعت الفهري (٩) يقول: سمعت أبا العباس (١٠)، مدرِّس البصرة، يقول: وقد قال له إمام الحنفية (١١): لا ترد المرأة بالجنون لأنه يمكنه الوطء وهي مقيَّدة، فقال له القاضي أبو العباس: عقد النكاح اقتضى التمكين من الوطء وهذا بخلاف مقتضى العقد، والعقد إذا فات مقتضاه بطل. فأما علماؤنا، رحمة الله عليهم، فقالوا في ذلك كثيراً واختلفوا قديماً وحديثاً جمعت شتات آرائهم ونظمت منثور أقوالهم وأوضحتها في كتاب المسائل أحسن إيضاح، والإشارة الكافية إليه أن النكاح يردّ عندنا بأربعة وعشرين عيباً: الجنون، الجذام، البرص، الجب (١٢)، الخصاء (١٣)، قطع الحشفة (١٤)، العنة (١٥)،!

стр. 691

الاعتراض، الرتق (١)، القرن (٢)، العفل (٣)، الاستحاضة، الإفاضة، نتن الفرج، حرق النار، السواد (٤)، القزع (٥)، البشم (٦)، البخر (٧) العلماء، العرج، الزمانة، الذبول (٨)، التيتاء .. وكذلك قيدته عن الترمذي بتائين وقيدته عن ثابت بن بندار (٩) بتاء واحدة ونون الرق الكفر، وقد يقع في هذا التعديد تدَاخل بيانه في المسائل ومرجعه إلى أربعة وعشرين. فهذه العيوب كلها وأمثالها مما يرد النكاح بها عند المالكية، وإن كان بينهم في تبيين ذلك وتفصيله نزاع، ولكن المقصود من النكاح الألفة والاستمتاع وهذه العيوب كلها تنفي الألفة وتفوت الاستماع أو كماله وأي استمتاع مثلًا في المذبولة أو القرناء لاقرب إلى اللذة منها، وأي حظ للرجل في الزمنة ديناً أو دنيا ألفة أو استمتاعاً، وليس سكوت مالك، ﵁، عن مسألة بموجب أن تكون خلاف ما تكلم عليها بل يلحق النظير على النظير ويحمل المثل على المثل، وأيها أبعد عند النظر في الدليل والرد .. السوداء أم العمياء فهذه المعاني إنما تنبني على ملاحظة المقصود فما فوته حكماً كالذي يقوته حساً، والله تعالى أعلم. إرخاء الستور يوجب الصداق: حالة وهي ذكره وتسميته، وحالة استقرار وهي بالدخول، إلا أن الله تعالى لما علم أن الدخول سرٌّ لا يُطَّلع عليه نصب عليه علامته من الخلوة والتمكن من الاستيفاء فقام ذلك مقام

стр. 692

العيان فيه، ولهذا المعنى وقعت الإشارة بأن عمر بن الخطاب قضى في المرأة إذا أرخيت الستور عليها فقد وجب الصداق (١). وشرط بعض العلماء أن يكون ذلك في بيت البناء؛ لأن الخلوة في غيره لم توضع لهذا فربما وقع وربما لم يقع، والأصل العدم، فلا يتحقق الوجود إلا بيقين أو بظاهر يدل عليه وهذا هو اختيار سعيد بن المسيب (٢). وسوى سائر العلماء بين الأمرين لأنَّ الخلوة إذا وقعت ولا وازع من الطبع ولا من الشرع فالظاهر وقوع الوطء فقضى به، وهذا بناء على مسألة من أصول الفقه قد قدَّمناها وهي إذا تعارض أصل وظاهر بما يُقضى منهما، وأحكامه مختلفة وعلى الأدلة مبينة وقررنا المسألة في كتاب التلخيص على غيرها واستوفينا الأدلة عليها. ما لا يجوز في الشروط في النكاح: هذه معضلة اختلف الناس فيها كثيراً قديماً، وحديثاً تعارض فيها أصلان عظيمان أحدهما قريب المرام وهو ما روي عنه، ﷺ ، أنه قال: "أحَقُّ الشُّرُوطِ أنْ تُوْفُوا بِهِ مَا استَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوج" (٣). والأصل الثاني: قوله ﷺ : "كُلُّ شَرطٍ لَيْس في كِتابِ الله" (٤) أي في حكم الله،

стр. 693

فأحال ﷺ ، المجتهد على ملاحظة الشرط وإن كان في حكم الله جائزاً بدليل يدل عليه مضى وإلا ارتد، فتباين العلماء، في ذلك، على وجهه بيَّناها في كتب الفقه والمسائل أشرنا إليها في شرح الصحيح (١) بما لبابه أن علماءنا قالوا: إن خالف الشرطّ مقتضى العقد فليس من كتاب الله تعالى، وإن وافقه أو لم يعترض عليه فقد أذن الله تعالى فيه؛ لأنه إذا خالف الشرط مقتضى العقد فقد تناقضا والتناقض ليس من الشريعة فركب على هذا مسألة سعيد الواقعة في الباب إذا شرطت المرأة ألا يخرج بها من بلدها (٢)، فإنَّ هذا شرط يخالف القوامة التي فضل الله تعالى بها الرجال على النساء، وحطَّت الدرجة التي أنزلهم فيها وقدَّمهم عليهن بها فقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٣) الآية، فعلى هذا يكون الشرط ساقطاً. ونظر ابن شهاب (٤) وغيره إلى أنه شرط استحل به الفرج فلزم (٥) الوفاء به (٦) للحديث المتقدم، واختار علماؤنا قول سعيد وحملوا الشروط الواقعة في إحلال الفرج ما تعلَّق بالنكاح من صداق ونِحلة وجهاز وشورة (٧) مما تنمى معه الحالة وتتمكن به الألفة لا فيما يناقض موضوعه ويخالف مقتضاه، وتقصى مالك، ﵁، الشروط المقترنة بالعقود في فتاويه فرآها على ثلاثة أقسام:

стр. 694

منها شرط يبطل العقد رأساً (١). ومنها شرط يبطل في نفسه (٢). ومنها شرط إن عزل عن العقد صح (٣) وإن ربط به بطل. وقد استوفى ذلك أبو محمَّد عبد الحميد بن الصائغ (٤) السوسي، وقد كنت كتبته بخطي وقرأته وهو كتاب عظيم، لكنه شذّ عني في معرض المقادير فإن أرخى في الطول فسأمليه من حفظي إن شاء الله تعالى. نكاح المحلل: اختلف الناس فيه فجوّزه أهل العراق ومنعه سائرهم وغلا فيه بعضهم حتى سمعت من علماء الحنفية من يقول إنه قربة لأن فيه سعة ضيق وإباحة تحريم (٥) أذن الله تعالى فيها. ورأى أهل المدينة (٦) إنها معصية موجبة للنار حتى قال بعضهم: لا يكون مسمار نار في كتاب الله تعالى. وقد كان من العلماء الماضين من يرى أن مجرد العقد كافٍ في التحليل (٧) لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٨)، وقد بينت السنة ذلك المحتمل فقال ﷺ : "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقي الْعَسِيلَةَ" (٩)، فبيَّن ﷺ اشتراط الغاية في الغاية لأنه قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ فهذه غاية وابتداء النكاح عقد وغايته

стр. 695

وطء فهذه؛ غاية أخرى، ومن ها هنا أخذ علماؤنا أن البر والحل لا يكون إلا بأكمل الأشياء. قال علماؤنا: ويقتضيه المعنى لأنه إنما شرط الزوج في الطلاق الثلاث إرغاماً له حيث اقتحم بتات العصمة والإِرغام والمذلَّة إنما تكون بالوطء لا بالعقد حتى يكون ذلك واعظاً لغيره أن لا يقع فيها وزاجراً له حتى لا يعود إليها، وإذا انتظم المعنى والسنة لم يبقَ لأحد حجة اللهم إلا أنه يعترض ها هنا مسألة أبي حنيفة، ﵁، في نكاح المحلل فلو صح قولهم (لَعَنَ الله الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) (١) لكان ذلك أصلًا في فساد النكاح، وإذا لم تثبت له قدم في الصحة لم يبقَ إلا حظ المعنى، وهو عظيم في الباب، وهو أن قاعدة النكاح تمهدت في الشريعة بركنين. أحدهما: القصد إلى التأبيد إلا أن يعرض عارض من خوف التعدي في حدود الله تعالى. والثاني: أن يكون ذلك معقوداً لنفسه قربة لربه وعفة في دينه. فإذا عقده على غير هذين الركنين فقد وضعه في غير موضعه فلم يكن نكاحاً شرعياً فوجب القضاء ببطلانه، وهذه قاعدة لا تزعزعها رياح الاعتراضات ولا يتوجه لأحد عليها سؤال ينفع، ولم يبق بعد هذا إلا تفصيل تركيب الفروع على هذه الأصول في صفة الوطء ووقوعه وخلوصه في الحل وتحريمه، وكمال الوطء أو نقصانه ووقوع الاتفاق عليه من الزوجين واختلافهما فيه وذلك مستوفى في مسائل الفروع إن شاء الله تعالى. (باب) (٢) ما لا يجوز من نكاح الرجل أمِّ امرأته (٣) (ذو) حالة (٤) واحدة لا يجوز فيها، ليس له غيرها، فما وجه الثبوت في قوله: ما لا يجوز من نكاح الرجل أُمِّ امرأته.

стр. 696

قلنا: اختلف الناس في ذلك، عصر الصحابة، وكذلك أيضاً اختلف أهل الإِعراب في الآية، ودار الأمر بين الفقهاء والنحويين، وقد بينَّا ذلك في كتاب الأحكام (١) وفي رسالة ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين. الإشارة فيه إلى أن نعت المعمولين المختلفي العامل كالعطف على معمول لعاملين. ومن الخفي (٢) أن الصحابة، ﵃، ما اختلفوا في أنَّ العقد على البنت يحرم الأمَّ أم لا إلا لاحتمال موقع العربية في ذلك واختلافه، فإن الصحابة، ﵃، بلغاء لُسُن (٣) فصحاء لُدّ،. فما كان ليخفى عليهم موقع الوضع العربي في النعت الذي يشترك فيه معمول عاملين (٤)، فلما اختلفوا دل ذلك على أن الأمر واقع في العربية بالوجهين فأفتى علي بأن لا يحرم الأم دخول البنت (٥)، كما لا يحرم البنت باتفاق إلا دخول الأم، وأفتى بذلك ابن مسعود ثم رحل إلى المدينة فتذاكر المسألة مع علمائها فقالوا له: إن العقد على البنت يحرم الأم خاصة، فرجع عن ذلك (٦). ولم يرجع إليه لفصل من العربية استفاده ولا سبيل من اللغة كان جهلها

стр. 697

فعرفها وإنما كان ذلك لنكتة بديعة وهي أن العربية، كما قلنا، محتملة للوجهين، فأخذ الصحابة بالأحوط في التحريم، وقد كانوا إذا تعارضت عندهم الأدلة فجاء دليل لتحريم ودليل لتحليل غلَّبوا التحريم احتياطاً، كما قالوا في الأختين بالملك باليمين أحلتهما آية وحرمتهما آية (١) والتحريم أولى فصار لتحريم أم المرأة ثلاثة أحوال كلها لا تجوز عندنا .. أحدها: بالعقد على البنت. والثانية: بالدخول على البنت. والثالثة: بأن يعقد نكاح امرأة لها أم ثم يعقد نكاح الأم بعد ذلك فيصيبها فتحرمان عليه جميعاً لأن الأُصابة وقعت بشبهة النكاح. فعلى هذا التنويع كان التبويب فأما إذا كان الزنا بالمرأة وأمها فقد قال مالك، ﵁، في موطئه، الذي صنَّفه بيده وكتبه للناس بنفسه وقرأه عليهم طول عمره: إن الزنا لا يحرم (٢)؛ فإن الحرام لا يحرم الحلال وإن كان قد أفتى لبعض أصحابه في المجالس بالتحريم، حسب ما قاله أهل العراق (٣)، والمسألة مشهورة في الخلاف بين العلماء؛ ولكن الصحيح عند الله أن الزنا لا يوجب حرمة لأن الله تعالى جعل المصاهرة منَّةً عدَّدها على الخليقة فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا

стр. 698

وَصِهْراً﴾ (١) في معرض الامتنان والكرامة والمنَّة لا تتعلق بالمعصية؛ ألا ترى أن النسب لم يتعلَّق به ولذلك قال مالك ﵁، في الموطأ: هذا الذي سمعت، وهذا الذي عليه أمر الناس عندنا (٢). وقال: إنَّ الذي حرَّم الله ما أصيب بالحلال على وجه الشبهة في النكاح قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣) الآية (وهذه الآية من فضائل النبي، ﷺ ، وخصائصه، وقد بيَّنا ذلك في معجزاته) (٤). جامع ما لا يجوز من (٥) النكاح: بوَّب مالك، ﵁، على ما لا يجوز من النكاح وهو (٦) أمر لا ينحصر في البيان ولا يدخل تحت التعديد، إنما المنحصر النكاح الجائز وشروطه خمسة، متعاقد إن حصلت فيهما أهلية العقد وولي استقل بأهلية الولاية وصداق يقبل العوضية وإعلان يفارق به السفاح الذي حرم الله تعالى، فإذا اختلَّ شرط من هذه الشروط تطرَّق الفساد إلى النكاح، ومداخل الاختلال لا تحصى إلا أن مالكاً، ﵁، أراد بالتبويب أمَّهات الفساد ومشهوراته وذلك (منها) (٧) ثلاث مسائل: المسألة الأولى: نكاح الشغار (٨)، وقد اختلف الناس فيه جوازاً وفساداً، واختلف قول مالك فيه فسخاً وإمضاءً وله صور أشدّها أن يقول: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك (٩)، وهذا هو (١٠) الذي فسَّر الراوي في الحديث وليس من كلام النبي، ﷺ (١١). وفي

стр. 699

اشتقاق الشغار اختلاف أصحَّه أنه النكاح الخالي عن الصداق من قولهم بلد شاغر إذا كان خالياً، وهذا العقد، على هذا الوجه، لم يفسد لأنه خلا عن الصداق وإنما فسد لأنه جعل فيه صداقاً ما ليس بصداق وقوبل البضع بالبضع. فأما نكاح يعقد لا للصداق فيه ذكر فهو جائز إجماعاً، وقد قال أبو المعالي الجويني (١): إنما فسد نكاح الشغار من جهة أنه علق على شرط والنكاح لا يقبل الإغرار والإِخطار بخلاف الطلاق؛ وفيه تفصيل بيانه في المسائل وأدلته استوفيناها في مسائل الخلاف (٢). ولعلَّ الإِشارة إنَّما وقعت فيه إلى ما كانت الأعراب تفعله من المعاوضة بالبنات والأخوات، يعطي الرجل أخته، أو ابنته، على أن يعطيه الآخر أخته أو ابنته وقد هدم الله تعالى نكاح الجاهلية. المسألة الثانية: ذكر نكاح السر وله صور أشدها ما لم يكن فيه شاهد، وهو الذي يرجم فاعله إذا عثر عليه فادعاه ولم يثبته. فأما إذا وقعت الشهادة عليه وتواصوا بكتمانه فقد اختلف فيه علماؤنا، والصحيح جوازه لأن الله تعالى جعل الشهادة غاية الإعلام، وقد يكون التواصي بالكتمان لغرض لا يعود إلى النكاح فلا يقدح ذلك فيه، وأحاديث الإعلان بالنكاح والضرب عليه بالدفِّ لم يصح منها شيء (٣) وقد بينَّا ذلك في شرح الصحيح.

стр. 700

تزويج الولي (اليتيمة) (١) بغير إذنها، وهو مردود إجماعاً، وعقب ذلك بالنكاح في العدة، وهو مفسوخ بإجماع من الأمة. وإنما اختلفوا إذا كان الوقاع في العدة هل يتأبد التحريم عليه فيها أم لا؟ فقال مالك، ﵁: يتأبد (٢)، وقال جمهور العلماء: لا يتأبد (٣)، ومالك، ﵁، أقوم قيلاً وأهدى سبيلاً لأنه تعلق في ذلك بقضاء عمر ابن الخطاب (٤)، ﵁، وقضاء عمر، ﵁، معضود بالأدلة فإنه استعجل بالنكاح في العدة أمراً كانت له فيه أناة، ومن استعجل شيئاً قبل حله بالمعصية قُضِيَ عليه بحرمانه كالوارث إذا قتل (٥) موروثه، وهذا بيِّن لا خفاء فيه. نكاح الأمة على الحرة (٦): اختلف قول مالك (٧)، ﵁، في ذلك على تفصيل بيناه في المسائل، وهي مسألة مشكلة لأنها تعارضت فيها آيتان قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (٨) الآية.

стр. 701

فإذا عام مسترسل على الأحوال، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) الآية ثم قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (٢)، وليس الإِشكال في أنَّ نكاح الأمة المطلَّقة في آية النور مقيَّد بالشرطين في آية النساء، بل ذلك إجماع من الأمة، وإنما وقع الاختلاف فيها في كيفية الشرط وهو تفسير الطول، فمن السلف من قال: إن الطول أن يكون تحته (٣) حرة، ومنهم من قال: إن الطول أن يكون عنده من المال (٤) قدرة في بذل الصداق لها والنفقة عليها، فكان المعنى على التأويل الأول من لم يكن تحته حرة وخاف الزنا فليتزوج أمة وهذا إذا كشفته هكذا فساد في الكلام وينتج بأن من لم يكن تحته حرة وخاف الزنا يتزوج حرة، فلا بد لنظام الكلام وتحقيق الشرط أن يفسر الطول بالقوة على المال في بذل الصداق والنفقة وهذا ما لا غبار عليه، أما إن (٥) مالكاً، وغيره من العلماء، قال: إن الحرة لها حق في اجتماعها في النكاح مع الأمة (٦)، وهذا معلوم من قوة الآية، فإن الله تعالى أطلق نكاح الحرائر وقيَّد نكاح الإماء فانتفت بذلك التسوية بينهما، فهذا معلم بظاهر النظر وبقي تفصيل الحال في اجتماع الحرة مع الأمة أو فرقتهما بذكر صفته وطريقته في المسائل. الرجل يملك الأمة (٧): قد كانت تحته ففارقها لا يخلو أن يكون الفراق بواحدة أو بثلاث، فإن عادت إليه

стр. 702

الأمة بملك اليمين، وقد كان فارقها بطلقة واحدة، فإنه يطأها إجماعاً, لأن المحل مباح للوطء إذا وجد سببه، فأما إن فارقها ثلاثاً ثم عادت إليه فاختلف الناس في ذلك والأقل جوز له الوطء بملك اليمين (١) والأكر منعه (٢) لأنه محل حرّم عليه وطؤه إلا بشرط معين وهو نكاح غيره ولم يوجد ذلك الشرط فيبقى التحريم. فإن قيل: هذا الحل ليس حل النكاح وإنما هو حل ملك اليمين، وحل ملك اليمين لم يقف على شرط، فالجواب أنا نقول: هذه العين هي التي خوطب بالامتناع عنها؛ فقد جاء خطاب المنع ثم جاء خطاب (٣) الحل، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤) فرجَّح خطاب المنع حسب ما تقرر من عهد الصحابة كما جرى في إصابة الأختين بملك اليمين (٥)، والمرأة وابنتها، وقد قال عثمان، ﵁، لقبيصة (٦): حرمتهما آية وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٧)، وأحلتهما آية وهي قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٨) والتحريم أولى فمضى ذلك من قول عثمان، ﵁ (٩)، وتابعه

стр. 703

على ذلك الناس فصار إجماعاً وكذلك قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾،يريد الأزواج، والنساء جمع امرأة على غير لفظه، كأنه قال وأم امرأتك، ولو قال هكذا لتناول الزوجة وما دخلت فيه الأمة لكن لحقت الأمة به لوجهين غريبين: أما أحدهما: فإن النساء لغة تطلق على كل مؤنث من الآدميين فاجتمعا في اللغة وعرف الشرع، وهي مسألة اختلف الناس فيها لكن يقضى ها هنا بمطلق اللغة تغليباً للتحريم فلا تحل له أم أمته كما لا تحل له أم امرأته. الثاني: أن تقدير الكلام (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمُ اللاَّتي حُلِّلْنَ لَكُمْ" فأشار إلى أن التحريم وقع في الأم بحل البنت خلت في ذلك الأمَة لوجود العلّة فيها وهو حل ابنتها، وكذلك قد امتنع أيضاً بمثل هذا بعينه إصابة الرجل أمة كانت لأبيه وتناولها على هذا التنزيل قوله تعالى ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النَسَاءِ إلًا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١)، ومن أبدع الإلحاق وأغربه أن القُبلة والملامسة والنظر بشهوة ينزل كل ذلك منزلة الوطء في إفادة التحريم في الفروع على الأصول فإذا نظر الرجل أو قبَّل بشهوة حُرِّمت على ابنه، والمعنى في ذلك أنه استمتع بها فحرِّمت على ابنة كما لو وطئها، وهذا أقوى من القياس، فإنَّ معنى قوله ولا تنكحوا ولا تستمتعوا؛ فإن النكاح استمتاع والأحكام تتعلق بمعاني الألفاظ دون قوالبها، ولو قال لا تستمتعوا لدخل في ذلك النظر والملامسة كذلك لو قال ولا تنكحوا. نكاح الأمة الكتابية: اختلف العلماء فيها فصار أهل الكوفة إلى أن نكاحها جائز منهم (٢) (ح) وقال أهل الحجاز والمدينة: لا يجوز ذلك، منهم: (ش) (٣) واتفقوا على أنه يجوز وطئها بملك

стр. 704

اليمين. قال المخالف: وكل محل حلّ وطؤه بملك اليمين حل وطؤه بالنكاح (١). وهذا لا غبار عليه، ءغير أن (م) و (ش) عوّلا على قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢)، وقال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) الآية. فاحتج مالك، ﵁، بتخصيص الله تعالى في الإذن في النكاح الفتيات المؤمنات دون مطلق النساء وهذا نص منه على التعلُّق بالتخصيص والقول بدليل الخطاب (٤)، ولم يختلف قط في ذلك قوله وإنما يترك دليل الخطاب إذا عارضه ما هو أقوى منه، وقد قال مالك، ﵁، إذا عارض العموم لدليل الخطاب قدِّم العموم عليه لأن العموم يتناول المسألة بلفظه ودليل الخطاب يتناولها بمعناه واللفظ يقدم على المعنى، وقد بيَّنا ذلك في أصول الفقه، وقال ابن عمر: لا يجوز نكاح الحرة الكتابية لأن الله تعالى قال ﴿وَلَا تَنْكِحُوا اْلمُشْرِكَاتِ حَتى يُؤْمِن﴾ (٥)، وأي شرك أعظم من أن يقال أن عيسى ولد الله فرأى أنها داخلة في عموم الآية، والتخصيص أولى في قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٦)، وأن الآيتين لو كانتا عامتين لكان لابن عمر (٧) أن يرجع التحريم بتعارض العامين وتوازنهما (٨)، فأما إذا اجتمع العام والخاص فإن الخاص يقدم

стр. 705

إجماعاً من الأمة، وههنا غريبة وهي أن علماءنا، ﵃، كرهوا نكاح الحرائر الكتابيات، ونص عليه مالك، ﵁، في غير ما موضع من كتب أصحابه لأن ولده معرض لشرب الخمر وأكل الخنزير وعرقها من الأغذية المحرمة يتصل به (١) عند مضاجعتها وهذا يلزمه في اتخاذها أَمة فرط أذى لا يتأتي عنه انفصال، ولم تزل الصحابة والتابعون يتسرون (٢) الكوافر وينكحون وقد أذن الله تعالى بالتحليل في كتابه (٣) وخاطب بذلك جميع خلقه، لا سيما وفي استفراشها عزة للإسلام، وقد بيَّنا وجه قول مالك، ﵁، والمعنى الذي غاص عليه في كتب المسائل فلا معنى أن نطول به عليكم ها هنا. باب الإحصان قال سعيد بن المسيب (٤) (المحصنات أولات الأزواج، ويرجع ذلك إلى أن الله تعالى حرَّم الزنا) (٥). هذه الآية مشكلة (٦) واختار فيها مالك، ﵁، تأويل سعيد ابن المسيب وللعلماء فيها ثلاث تأويلات. أحدها: قول سعيد هذا. والثانى: أنهن المسبيات ذوات الأزواج يهدم السبي نكاحهن فيحل الوطء لمالكهن
следующие страницы →