← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فإذا عام مسترسل على الأحوال، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) الآية ثم قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (٢)، وليس الإِشكال في أنَّ نكاح الأمة المطلَّقة في آية النور مقيَّد بالشرطين في آية النساء، بل ذلك إجماع من الأمة، وإنما وقع الاختلاف فيها في كيفية الشرط وهو تفسير الطول، فمن السلف من قال: إن الطول أن يكون تحته (٣) حرة، ومنهم من قال: إن الطول أن يكون عنده من المال (٤) قدرة في بذل الصداق لها والنفقة عليها، فكان المعنى على التأويل الأول من لم يكن تحته حرة وخاف الزنا فليتزوج أمة وهذا إذا كشفته هكذا فساد في الكلام وينتج بأن من لم يكن تحته حرة وخاف الزنا يتزوج حرة، فلا بد لنظام الكلام وتحقيق الشرط أن يفسر الطول بالقوة على المال في بذل الصداق والنفقة وهذا ما لا غبار عليه، أما إن (٥) مالكاً، وغيره من العلماء، قال: إن الحرة لها حق في اجتماعها في النكاح مع الأمة (٦)، وهذا معلوم من قوة الآية، فإن الله تعالى أطلق نكاح الحرائر وقيَّد نكاح الإماء فانتفت بذلك التسوية بينهما، فهذا معلم بظاهر النظر وبقي تفصيل الحال في اجتماع الحرة مع الأمة أو فرقتهما بذكر صفته وطريقته في المسائل. الرجل يملك الأمة (٧): قد كانت تحته ففارقها لا يخلو أن يكون الفراق بواحدة أو بثلاث، فإن عادت إليه

стр. 702

الأمة بملك اليمين، وقد كان فارقها بطلقة واحدة، فإنه يطأها إجماعاً, لأن المحل مباح للوطء إذا وجد سببه، فأما إن فارقها ثلاثاً ثم عادت إليه فاختلف الناس في ذلك والأقل جوز له الوطء بملك اليمين (١) والأكر منعه (٢) لأنه محل حرّم عليه وطؤه إلا بشرط معين وهو نكاح غيره ولم يوجد ذلك الشرط فيبقى التحريم. فإن قيل: هذا الحل ليس حل النكاح وإنما هو حل ملك اليمين، وحل ملك اليمين لم يقف على شرط، فالجواب أنا نقول: هذه العين هي التي خوطب بالامتناع عنها؛ فقد جاء خطاب المنع ثم جاء خطاب (٣) الحل، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤) فرجَّح خطاب المنع حسب ما تقرر من عهد الصحابة كما جرى في إصابة الأختين بملك اليمين (٥)، والمرأة وابنتها، وقد قال عثمان، ﵁، لقبيصة (٦): حرمتهما آية وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٧)، وأحلتهما آية وهي قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٨) والتحريم أولى فمضى ذلك من قول عثمان، ﵁ (٩)، وتابعه

стр. 703

على ذلك الناس فصار إجماعاً وكذلك قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾،يريد الأزواج، والنساء جمع امرأة على غير لفظه، كأنه قال وأم امرأتك، ولو قال هكذا لتناول الزوجة وما دخلت فيه الأمة لكن لحقت الأمة به لوجهين غريبين: أما أحدهما: فإن النساء لغة تطلق على كل مؤنث من الآدميين فاجتمعا في اللغة وعرف الشرع، وهي مسألة اختلف الناس فيها لكن يقضى ها هنا بمطلق اللغة تغليباً للتحريم فلا تحل له أم أمته كما لا تحل له أم امرأته. الثاني: أن تقدير الكلام (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمُ اللاَّتي حُلِّلْنَ لَكُمْ" فأشار إلى أن التحريم وقع في الأم بحل البنت خلت في ذلك الأمَة لوجود العلّة فيها وهو حل ابنتها، وكذلك قد امتنع أيضاً بمثل هذا بعينه إصابة الرجل أمة كانت لأبيه وتناولها على هذا التنزيل قوله تعالى ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النَسَاءِ إلًا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١)، ومن أبدع الإلحاق وأغربه أن القُبلة والملامسة والنظر بشهوة ينزل كل ذلك منزلة الوطء في إفادة التحريم في الفروع على الأصول فإذا نظر الرجل أو قبَّل بشهوة حُرِّمت على ابنه، والمعنى في ذلك أنه استمتع بها فحرِّمت على ابنة كما لو وطئها، وهذا أقوى من القياس، فإنَّ معنى قوله ولا تنكحوا ولا تستمتعوا؛ فإن النكاح استمتاع والأحكام تتعلق بمعاني الألفاظ دون قوالبها، ولو قال لا تستمتعوا لدخل في ذلك النظر والملامسة كذلك لو قال ولا تنكحوا. نكاح الأمة الكتابية: اختلف العلماء فيها فصار أهل الكوفة إلى أن نكاحها جائز منهم (٢) (ح) وقال أهل الحجاز والمدينة: لا يجوز ذلك، منهم: (ش) (٣) واتفقوا على أنه يجوز وطئها بملك

стр. 704

اليمين. قال المخالف: وكل محل حلّ وطؤه بملك اليمين حل وطؤه بالنكاح (١). وهذا لا غبار عليه، ءغير أن (م) و (ش) عوّلا على قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢)، وقال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) الآية. فاحتج مالك، ﵁، بتخصيص الله تعالى في الإذن في النكاح الفتيات المؤمنات دون مطلق النساء وهذا نص منه على التعلُّق بالتخصيص والقول بدليل الخطاب (٤)، ولم يختلف قط في ذلك قوله وإنما يترك دليل الخطاب إذا عارضه ما هو أقوى منه، وقد قال مالك، ﵁، إذا عارض العموم لدليل الخطاب قدِّم العموم عليه لأن العموم يتناول المسألة بلفظه ودليل الخطاب يتناولها بمعناه واللفظ يقدم على المعنى، وقد بيَّنا ذلك في أصول الفقه، وقال ابن عمر: لا يجوز نكاح الحرة الكتابية لأن الله تعالى قال ﴿وَلَا تَنْكِحُوا اْلمُشْرِكَاتِ حَتى يُؤْمِن﴾ (٥)، وأي شرك أعظم من أن يقال أن عيسى ولد الله فرأى أنها داخلة في عموم الآية، والتخصيص أولى في قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٦)، وأن الآيتين لو كانتا عامتين لكان لابن عمر (٧) أن يرجع التحريم بتعارض العامين وتوازنهما (٨)، فأما إذا اجتمع العام والخاص فإن الخاص يقدم

стр. 705

إجماعاً من الأمة، وههنا غريبة وهي أن علماءنا، ﵃، كرهوا نكاح الحرائر الكتابيات، ونص عليه مالك، ﵁، في غير ما موضع من كتب أصحابه لأن ولده معرض لشرب الخمر وأكل الخنزير وعرقها من الأغذية المحرمة يتصل به (١) عند مضاجعتها وهذا يلزمه في اتخاذها أَمة فرط أذى لا يتأتي عنه انفصال، ولم تزل الصحابة والتابعون يتسرون (٢) الكوافر وينكحون وقد أذن الله تعالى بالتحليل في كتابه (٣) وخاطب بذلك جميع خلقه، لا سيما وفي استفراشها عزة للإسلام، وقد بيَّنا وجه قول مالك، ﵁، والمعنى الذي غاص عليه في كتب المسائل فلا معنى أن نطول به عليكم ها هنا. باب الإحصان قال سعيد بن المسيب (٤) (المحصنات أولات الأزواج، ويرجع ذلك إلى أن الله تعالى حرَّم الزنا) (٥). هذه الآية مشكلة (٦) واختار فيها مالك، ﵁، تأويل سعيد ابن المسيب وللعلماء فيها ثلاث تأويلات. أحدها: قول سعيد هذا. والثانى: أنهن المسبيات ذوات الأزواج يهدم السبي نكاحهن فيحل الوطء لمالكهن

стр. 706

إذا استبرأهن، قال به عطاء وطاوس (١) الثالث. قال عبيدة السلماني، المراد بالأية ما زاد على الأربع (٢)، ثم قال تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣)، ثم قال تعالى ﴿إلاَّ مَا مَلَكَتْ أْيمَانُكُمْ﴾ (٤). فأباح وقد بيَّنا إشكال هذه المسألة في كتاب الأحكام على أحسن مساق (٥)، والإشارة في الكلام فيها إلى أن أصل (ح ص ن) المنع حيث ما وردت معانيه، وقد يرد الإحصان بمعنى الإسلام، وقد يرد بمعنى الزواج (٦)، وقد يرد بمعنى الحرية (٧)، وكلها في القرآن إلا الإحصان بمعنى الإِسلام (٨). وإذا ركَّبت معاني الإحصان على الآية لم تجد فيها أقوى من قول سعيد بن المسيب الذي اختار مالك، ﵁, لأنا إن قلنا إن المراد بذلك جميع النساء، كما قال طاوس وعطاء، ينتج معنى الآية لأن الله تعالى قد فصل المحرمات قبلها وأحكم بيانها وجعل المحصنات من جملتهن، فلو كنَّ جميِع النساء ما انتظم بذلك مساق الفصاحة ولا كان أيضاً لقول الله تعالى بعد ذلك ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ معنى، وعلى هذا تركب مسألة بيع الأَمة المتزوجة هل يكون طلاقأ أم لا؟ وعموم هذه الآية كان يقتضي ذلك إلا أن السنة خصصته بحديث بريرة حين اشترتها عائشة، رضي الله

стр. 707

عنها (١)، فلم يكن ذلك طلاقاً لها وبقي سائر العموم على مطلقه، ولا خلاف بين الأمة أن العبد والأمة ليسا بمحصنين إحصان الكمال الذي تتعلق به الحدود لقوله تعالى ﴿فَإذا أُحْصِن فَإنْ أتَيْنَ بِفَاحِشَه فَعَلَيْهِن نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢) يعني تزوجهن، وهو أحد موارد الإحصان ونقص العبيد إحصان الحرية. نكاح المتعة: من أغرب ما ورد في الشريعة، فإنه نُسِخَ مرتين. كان مباحاً في صدر الإِسلام ثم نهى النبي ﷺ ، عنه يوم خيبر (٣)، ثم أباحه في غزوة حنين (٤)، ثم حرَّمه بعد ذلك بين ذلك

стр. 708

مسلم (١)، من طريق الربيع (٢) بن سبرة الجهني، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة فإن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت بعد ذلك، وقد كان ابن عباس يقولها ثم ثبت رجوعه (٣) عنها فانعقد الإجماع على تحريمها (٤)، فإذا فعلها أحد رُجم في مشهور المذهب (٥) وفي رواية أخرى عن مالك لا يرجم (٦)؛ لأن نكاح المتعة ليس بحرام، ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريب انفردوا به من بين سائر العلماء وهو أن ما حُرِّم بالسنَّة هل هو مثل ما حُرِّم بالقرآن أم لا؟ فمن رواية بعض المدنيين عن مالك أنهما ليسا بسواء، وهذا ضعيف وقد بيَّناه في أصول الفقه، وحقَّقنا أنهما سواء في العمل وإن افترقا في العلم (٧)، وأما نكاح

стр. 709

المتعة فهو أكثر من ذلك كله وأقوى منه وأن تحريمه ثبت بإجماع الأُمة والإجماع أكثر من الخبر. نكاح العبيد: فائدة تبويبه لهذا الباب أن العبيد داخلون في خطاب الأحرار يشملهم القول الوارد في جميع المسلمين بجميع أحكام الشريعة إلا ما قام الدليل على تخصيصه، هذا هو الشهور من قول العلماء والمتفق عليه من المالكية (١)، فعلى هذا ينكح العبد أربع نسوة لأنه داخل في قوله تعالى: ﴿فَآنْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النسَاءِ﴾ (٢) الآية، بمطلق اللفظ العام، وقال (ح) (٣) و (ش) (٤): لا ينكح إلا اثنتين، وكذلك روى ابن وهب (٥) عن مالك، ﵁ (٦)، وتعلَّقوا بأن العبد لو دخل في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النسَاءِ مَثْنَى وَثَلاث وَرُبَاعَ﴾ (٧) لدخل في قوله تعالى: ﴿الطلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ (٨)، فلما خرج عن آية الطلاق بإجماع وألحق الطلاق بالحدود في التشطير، فلو كان النكاح واسعاً عليه لكان حكمه، وهو الطلاق، واسعاً عليه وضيق الحكم دليل على ضيق السبب، وهذا بيِّنٌ لا إشكال فيه وكافٍ في الغرض حتى تستوفوه من معرفة. نكاح المشرك إذا أسلمت زوجه قبله: هذه مسألة عظيمة فيها تفصيل طويل وتعليل كثير فقد يسلمان معاً وقد يسلم أحدهما قبل الآخر، وقد يرتدان معاً أو يرتد أحدهما قبل الآخر، وقد يكونان وثنيين وقد يكونان

стр. 710

كتابيين، وقد يكون أحدهما وثنياً والآخر كتابياً، وقد يكون ذلك من إسلام أو رِدَّة بإجماع منهما فيهما، أو فرقة قبل الدخول أو بعده، وموضع هذا البسط إنما هي كتب المسائل. وعوَّل مالك، ﵁، في الموطأ على صورة واحدة من هذه الصور وهي إسلام الزوجة قبل الزوج، وساق في ذلك الأحاديث الواردة في شأن صفوان (١) وعكرمة (٢)، وهي وإن كانت مراسيل عن ابن شهاب قد أُسندت عن غيره وقد اشتهرت شهرة تقوم مقام الإسناد، ومرسل الثقة الشهور كالمسند الصحيح، وإذا ثبت لك هذا بإسلام الزوجة قبل الزوج فركِّب عليه سائر الفروع في التفصيل بحسب ما يعطيك الدليل على ما ركَّب عليه مالك، ﵁، إسلام الزوج قبل زوجه فإنه يتوقف فإن أسلمت وإلا وقعت الفرقة بينهما لقوله تعالى: ﴿وَلَاتُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٣)، فلو غفل عنه حتى أسلم وهي في العدة لكان أولى بها، وكذلك يُفعل بالمشرك إذا حضر الوليمة الحديث فيها مشهور (٤) وهي سنَّة في النكاح قائمة وفائدتها الشهرة والإعلان والذكرى، وأقلها لذوي

стр. 711

القدرة شاة وبعد ذلك فكيف ما استطاع كل أحد. وفي الصحيح أن النبي، ﷺ ، أوْلَمَ على بعض أزواجه (١) بصاعين (٢) من شعير (٣) وأوْلَمَ على زينب حضراً (٤)، وعلى صفية (٥) سفراً بما حضر، وقد روي عن النبي، ﷺ ، أنه

стр. 712

قال: "إذا دُعِيَ أحَدُكُمْ إلَى طَعَام فَلَيَجِبْ فَإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَأُكُلْ وَإنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ" (١)، وقال قال مالك: (لا ينبغي لأهل الفضل أن يسرعوا إلى الإجابة) (٢) في مثل هذا، وإنما قال ذلك لفساد الناس وإلا فقد كان النبي، ﷺ ، يجيب كل من دعاه حتى الخياط ففي الصحيح (أنَّ خَيَّاطاً دَعَاهُ إلَي طَعَامٍ فَمَشَى مَعَهُ في نَفَرٍ يَسيرٍ وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ لَيْسَ مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُ النبيُّ، ﷺ ، إنَّ هذَا اتبَعَنَا فَأذنَ لَهُ) (٣). قال لنا ثابت بن (٤) بندار، قال لنا البرقاني (٥)، قلت لأبي بكر الإسماعيلي (٦)

стр. 713

الحافظ: لِمَ أستاذن النبيُّ، ﷺ ، الخياطَ في الرجل الذي اتبعهم ولم يكن دعاه، ودعاه جابر يوم الأحزاب (١) فقال: يَا أهْلَ الْخَنْدَقِ إنَّ جَابِراً صَنَعَ لَكُمْ سُؤُراً فَجِيءَ هَلَا بِكُمْ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الّذِي اتَّبَعَهُ في طَعَامِ الْخَيَّاطِ أكَلَ مِنْ طَعَامِ الْخَيّاطِ فَافْتَقَرَ إلَى إذْنِهِ، وأهل الخندق أكلوا من طعام البركة وبقيت لجابر برمته (٢) وعجينه كما كانت فلم يفتقر إلى إذنه في طعام ليس له (٣). جامع النكاح: ذكر مالك حديث عمر (٤) حين قال مالك، وللخبر (٥)، فإن قيل: إذا علم الرجل من وليته عيباً هل يستره عن الخاطب أو ينشره؟ قلنا: أما عيب الأبدان فلا خلاف في وجوب ذكره فإن كتمه فهو غاش عليه الإثم إجماعاً وعليه الغرم للصداق، وإذا كان ذلك العيب مما يوجب رد النكاح لأنه غارّ. له بالقول، ولا خلاف بين المالكية أن الغرور

стр. 714

بالقول يوجب الضمان على الغارّ خلافاً لأبي حنيفة (١) و (ش) (٢). ووقعت مسائل ظنّ الغافلون من أصحابنا حين جاء فيها غرور من قول قائل فلم ير عليه مالك ضماناً إنه اختلاف قول وإنما ذلِك لأنهم لم يعلموا حد الغرور الموجب للضمان (٣). وأما إن كان العيب من طريق الأديان فهو على قسمين: إن كان في الخلق كحدة تكون في المرأة أو لين زائِد فيستحب له ذكر ذلك، فإن سكت عنه فليس عليه فيه شيء، وأما إذا كان في الدين فحرام عليه ذكره لأنه إن كان الذي وقع منها عثرة فمقيل العثرات قد سترها والنكاح يعصم منها، وإن كانت منبهرة (٤) فليس يلزم الولي ذكر ذلك لأنه لم ينفرد بعلمه والنكاح قيد وعصمة فإذا أدخلها إلى فيه زال الانبهار. مسألة: إذا طلَّق الرابعة من أزواجه فله أن يتزوج أختها أو سواها في عدتها إذا لم تكن الرجعة مستحقة في العدة، وقال (ح): لا يجوز ذلك لأن العدة أثر من آثار النكاح وعلقة من علائقه وهي هبوسة لحقه فكانت بمنزلة الرجعية (٥). قلنا: الرجعية زوجة بدليل بقاء الميرات والنفقة والسكنى، فلذلك حرَّم الله عليه أختها وأربعاً سواها بخلاف مسألتنا، فإنه إذا كان الطلاق بائناً فهي أجنبية منه بدليل إنه لو وطئها لزمه الحدُّ فجاز له نكاح أختها وأربع سواها كما لو انقضت عدتها. مسألة: روي أن سودة بنت زمعة لما أسنَّت وكبرت وخشيت أن يطلِّقها النبيُّ, ﷺ ، آثرت بيومها عائشة، ﵂، فأقرها النبي، ﷺ ، على نكاحها (٦)، وما كان يقسم

стр. 715

لها. قال مالك، ﵁: وليس يلزمها البقاء على ذلك بل لها أن ترجع فيه (١). وقال (ح) (٢) و (ش) (٣): ليس لها أن ترجع فيه لأنه حق أسقطته فلا رجوع لها فيه كما لو أسقطت خيارها، والصحيح أن لها الرجوع لأن الهبة للقسم كان مع بقاء السبب الموجب. له وهو النكاح، فما دام سبب القسم باقياً فإعطاء الهبة باقية وهذا معنى دقيق تفطَّن له مالك، ﵁، وخفي على غيره ..

стр. 716

كتاب الطلاق (١) قد قدَّمنا أن النكاح يُعقد للأبد ولا يجوز فيه الأمد بقصد الألفة والنسل الذي تكثر به الأمة ويدوم به العمل الصالح، هذا هو المقصود منه إلا أنه قد تتعذر الألفة ويقع بين الزوجين النفرة، فلو بقى على حاله من اللزوم واستمر على صفته من التأبيد لكان في ذلك ضررٌ بالزوجين، فشرَّع الله ، كما قدمنا، النكاح للألفة، وشرَّع الطلاق مخلصاً عند وقوع النفرة، وهذا أمر لا ينبغي أن يكون إلا وقت الحاجة؛ فقد روى أبو داود (أبغَضُ مُبَاحٍ إِلَى الله الطَّلَاقُ) (٢)، وروي أيضاً "إيمَا امْرَأةٌ سَألتْ زَوْجَهَا الطَّلاَقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأسٍ

стр. 717

لَمْ تُرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ) (١)، فينبغي للرجل أن يوقعه، كما قلنا، عند الحاجة إليه بشروطه التي بيَّنها الله فيه مفتيداً للمنفعة، مخلصاً عن المضرة. وهو على ضربين: كامل بالحرية وناقص بالرق، والعبودية، ومن وجه آخر، على قسمين: سنَّة وبدعة، وقد يعرى عنهما. وطلاق السنة هو أن يطلِّقها واحدة وهي طاهر لم يمسّها في ذلك الطهر، ولا يقدمه طلاق في حيض ولا يتبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض؛ فهذه ستة شروط مستقرأة من الحديث الصحيح عن ابن عمر قال: (طَلَّقْتُ امْرأتي وَهِيَ حَائِضٌ (٢) فَذَكَرَ ذلِكَ عُمَرُ لِلنبى، ﷺ ، فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُم لِيُمْسِكْهَا حَتى تَحِيضَ ثُمّ تَطْهُرَ ثُم تَحِيضَ ثُم تَطْهُرَ ثُم إنْ شَاءَ طَلَّقَ وإنْ شَاءَ أمْسَكَ، فَتِلْكَ الْعُدَّةُ التي أمَرَ الله أنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) (٣). فحكم النبي، ﷺ ، بوقوع الطلاق في الحيض حين أمره بالرجعة منه، خلافاً لداود من المبتدعة (٤)، حيث يقول إن الطلاق في الحيض لا يلزم (٥)، وهذا في إثباته كافٍ،

стр. 718

وقد استوفيناه في مسائل الخلاف، وقد تفطَّن البخاري، بثاقب فهمه، لنكتة وهي أنَّ الطلاق مكروه، وقد كشف الزوج الزوجة وكشفته فمن المروءة ألا يكشفها لغيره إلا عند الحاجة، كما بيَّناه، ويستحي الرجل بعد ما كان بينه وبين زوجته من المخالطة أن يواجهها بالطلاق إلا أن تواجهه هي بمكروه، وأدخل حديث المستعيذة (بِأنَّ امْرأةً دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ، ﷺ ، لِلْبِنَاءِ بِهَا فَلَمَّا خَلَا بِهَا قَالَتْ: أعُوذُ بِالله مِنْكَ، قَالَ لَهَا: لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِعَظِيمٍ، إِلْحَقِي بِأهْلِكِ) (١). ما جاء في البتَّة: روى مسلم عن أبي الصهباء عن ابن عباس أنه قال: (كَانَ الطلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَاحِدَةً، وزَمَانَ أبِي بَكْرِ وَصَدْراً مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ فَلَمَّا تَتَابَعَ النَّاسُ في الطَلاَقِ قَالَ عُمَرُ: إنَّ النَاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا أَمْراً كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أنَاةٌ فَلَوْ أمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِم فَأمْضَاهُ عَلَيْهِمْ) (٢)، وعقبه برواية أخرى من طريق ثان فقال: (كَانَتِ الْبَتَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله، ﷺ ، وَاحِدَةً) (٣) الحديث إلى آخره، ولم يدخل البخاري في هذا الحديث

стр. 719

لأن أبا الصهباء انفرد به ولم يتابعه أحد عليه من أصحاب ابن عباس، وقد أدخل مالك في رده حديثين: أحدهما في هذا الباب: أن رجلاً قال: (طَلَّقْتُ امْرأتي مِائَةَ تَطْلِيقَةٍ فَمَاذَا تَرَى عَلَىَّ؟ قَالَ لَهُ: طَلَّقَتْ عَلَيْكَ بِثَلَاثٍ وَسَبْع وَتسْعونَ اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ الله هُزُواً وَلَعِباً) (١)، ثم أدخل في باب طلاق البكر حديث محمَّد بن إياس (٢) ابن البكير (أنَّ رَجُلاً طَلقَ امْرأتَهْ ثَلاَثاً ثُم جَاءَ يَسْتَفْتي ابنَ عَبَّاس فَقَالَ لَهْ أبو هُرَيْرَة: لاَ نَرَى أنَّكَ تَنْكِحَهَا حَتَّى تنْكحَ زَوْجاً غَيْرَكَ، فَقَالَ لَهْمَا، إنمَا كانَ طَلَاقِي لَها وَاحِدةً وَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَباس: إنَّكَ أرْسَلْتَ مِنْ يَدِكَ مَا كَانَ لَكَ مِنْ فَضْلٍ) (٣)، فهذا يدل من قول ابن عباس في الخبرين جميعاً أن الثلاث في عهد رسول الله ﷺ وفي عهد أبي بكر كانت لازمة، وفي البخاري ومسلم من حديث ﷺ ، وَأقَرَّهُ وَصَارَتْ سُنَّة يُحْكَمُ بِهَا عَلَى مَنْ جَاءَ بَعْدَهْ (٤). وإنما معنى الحديث، الذي رواه أبو الصهباء، أن الناس كانوا يطلقون على السنَّة واحدة بحلول عقد النكاح بها, ولا يخرجون عن السنة فيها، وتمادى الحال بها (حتى) (٥) حياة رسول الله ﷺ ، وخلافة أبي

стр. 720

بكر وصدراً من خلافة عمر فصار الناس يطلقون بدل الواحدة ثلاثاً فجمعوا اكان الله فرقه عليهم، واستعجلوِا ما كان الله أخَّره عنهم فألزموا ذلك. وقد روى النسائي عن محمود بن لبيد أن (رَجُلًا طَلَّقَ أمْرأتَهُ ثَلَاثاً في زَمَنِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَامَ رَسُولُ اللِه ﷺ ، مُغْضَباً يَقُولُ: أيلْعَبُ بَكَتَابِ اللِه وَأَنَا حَيٌّ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أُقْتُلْهُ) (١)، فهذا معنى الحديث، ليس معناه ما تتوهمه المبتدعة والجُهَّال من أن طلاق

стр. 721

الثلاث إذا قالها الرجل في كلمة لا يلزم، وقد ضربتُ شرق الأرض وغربها فما رأيتُ ولا سمعتُ أحداً يقول ذلك إلا أن الشيعة الخارجين عن الإِسلام (١) يقولون: في الظاهر لا يصح الطلاق على المرأة حتى يطلقها واحدة ويضع يده على رأسها ويقول للشهود: أُشهدكم أن هذه طالق، في حماقات تجانس عقائدهم الخبيثة. ما جاء في الخليَّة والبريَّة: سمَّى الله تعالى النكاح في القرآن باسمين نكاح (٢) وزواج (٣)، واختلف العلماء هل

стр. 722

له لفظ آخر سوى هذين أم لا، وقد بيَّنا ذلك في مواضعه، وأشرنا إليه ههنا في حديث الموهوبة (١). وسمّى الله أيضاً الطلاق في القرآن بثلاثة أسماء: الطلاق (٢) والفراق (٣) والسراح (٤)، واختلف العلماء في ألفاظ الطلاق صريحاً وكناية، فقال الشافعي: الصريح ما ورد في القرآن، والكناية ما عداه (٥). واختلف علماؤنا في ذلك فقال القاضي عبد الوهاب (٦): الصريح لفظ الطلاق (٧) وحده، وقال القاضي أبو الحسن (٨): الصريح لفظ الطلاق والفراق والحرام والخليَّة والبريَّة، وتحقيق القول في ذلك يرجع إلى فصلين: أحدهما: يرجع إلى تحقيق لفظ الصريح هو الخالص في الدلالة على الشيء، الذي لا يحتمل سواه، مأخوذ من اللبن الصريح وهو الذي لم يشبه شيء، بناء على ما بيناه في أصول الفقه من أن المعقول من الألفاظ يتبع المحسوس. والثاني: إنه إنما يفتقر إلى الفرق بين الصريح والكناية بحرف واحد؛ وهو أن الصريح مالا ينوي فيه الحالف، والكناية ما ينوي فيه، وإذا ثبت هذا وتحققتموه فقول القاضي أي محمَّد هو صريح مذهب مالك؛ لأن مالكاً ينوي في الخليَّة والبريَّة وحبلك على غاربك، وهي من الصريح في عرف الطلاق فدل على أن الصريح عنده لفظ الطلاق خاصة الذي ليس فيه احتمال والذي وقع شرعاً وعرفاً عليه، ألا ترى إلى قول عمر (لِلرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لإِمْرَأتِهِ: حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكَ مَا أَرَدْت فَقَالَ لَهُ: أَرَدْت الْفُرَاقَ فَنَوَاهُ فِيهَا) (٩)،

стр. 723

وقد قال مالك: لو علمت أن عمر قال ذلك لقلت (١) به، فإن قيل: فكيف قال ذلك مالك وهو يرويه (٢)؟ قلنا: رواه مقطوعاً فأعجبه مقطعه ولم يروه مسنداً فلزمه حكمه، وهذا هو الصحيح. ومن علمائنا من قال: إنما توقَّف مالك فيه لأنه لم يعلم هل كان ذلك قبل الدخول أو بعده (٣)؟ فلم ير مالك إجزاء التَّنوية في المدخول بها وجوَّزها في التي لم يدخل بها لأن الواحدة تبينها، وقد قال جماعة من العلماء: إنه ينوي في كل حال (٤)، وهو الصحيحح, لأن حبلك على غاربك لا يكون أظهر من قوله طلقتك، فإن حلَّ العِقال في الذهاب كوضع الحبل على الغارب فيه وكالإبانة فيما يقطع، وكالتخلية فيما يترك، وكالتبرية فيما يسقط، وهي كلها ألفاظ إن لم تكن مثل الطلاق فلا تكون فوقه، ولو قال رجل لامرأته طلقتك لنوى كذلك إذا قال خلَّيتك، وكذلك البتة القطع، وقد اختلف الصحابة فيها، وغلَّب مالك قضاء علي بالكوفة بأنها ثلاث (٥) على قضاء عمر بالمدينة بأنها واحدة. أما النسائي فقد روى حديثاً فيمن قال لأمرأته أمرك بيدك أنه ثلاث (٦)، ولكنه حديث منكر،

стр. 724

والصحيح أنها واحدة لأن الرجل يملك أمر المرأة على الإطلاق والمقصود منه استمرار قيد النكاح عليها أو إطلاقها، فإذا قال لها أمرك بيدك فقد جعل لها البقاء والزوال فلا تملك منه إلا الأقل وهو الواحدة، ويتنزَّل ذلك منزلة الوكيل، فإنه لا يملك بالوكالة إلا الأقل مما يستقل به، لكنه إذا نكرها يحلف للمرأة على (١) الاحتمال وله عليها الرجعة كما أن له الرجعة لو تولَّى هو الطلاق. عارضة: لا خلاف بين علمائنا أن الرجعة لا يملك الزوج إسقاطها لأنها حق أثبته الله شرعاً، وشرع إسقاطه بطريق العوض واستقر في نصابه الذي وضعه الشرع فيه، ولذلك قال علماؤنا عن بكرة أبيهم، إن من قال لزوجته أنتِ طالق ولا رجعة لي عليك إن الطلاق يلزم وما عداه فَلَغْوٌ، فتخيل بعض الغافلين من المتأخرين وكتب في براءة المطلقين (فارق فلان زوجه بطلقة واحدة ملكت بها أمر نفسها لتسقط الرجعة فتسقط النفقة عنه والكسوة)، وهذه جهالة عظيمة لأنه لو صرَّح وقال لها ملَّكتك أمر نفسك ما سقطت الرجعة فكيف تسقط ها هنا؟ حديث: روي في الصحيح أن النبي ﷺ (خَيرَ أزْوَاجَهُ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ

стр. 725

قُلْ لأِزْوَاجِكَ﴾ (١) إلى آخر قوله ﴿عَظِيماً﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَدَأ بِي وَقَالَ: إنِّي ذَاكرٌ لَكِ أمْراً وَلَا عَلَيْكِ ألَّا تَتَعَجَّلِي حَتَّى (تُشَاوِرِي) (٢) أبَويك، وَقَرأ عَلَيْهَا الْآيَةَ فَقَالَتْ لَهُ: أوَفي هذَا أسْتَأمِر أبَوَيَّ بَلْ أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله لَا تُخْبِرْ أحَداً مِنْ أزْوَاجِكَ أنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقَالَ: إنِّي لَمْ أبْعَثُ مُعْنِتاً (٣)، قَالَتْ عَائِشَةُ: (فَأخْبَرَتْهُ أكَانَ طَلَاقاً) وبهذا يُستَغنى عن حديث قريبه وشبهه من قول سعيد (٤) وغيره. نكتة في الفرق بين التخيير والتمليك: اختلف الناس فيهما فمنهم من جعلهما واحداً في الحكم (٥)، ومنهم من فرَّق بينهما، وإليه صغى مالك، جعل التخيير ثلاثاً والتمليك واحدة (٦) في تفصيل مذهبي بيانه في كتب المسائل، والحجة فيه أنَّ الطلاق بيد الرجل، فإذا صرفه إلى المرأة فلا يخلو من ثلاثة أحوال (٧): إما أن يصرفه إليها استنابة وتوكيلاً مثل أن يقول لها: طلِّقي نفسك، فيكون ذلك بحسب ما يقتضيه (٨) قوله. وإما أن يصرفه إليها

стр. 726

تمليكاً وذلك على معنى الهبة إذ التمليك إما أن يكون بعوض أو غير عوض، فإن كان من غير عوض فهو من قبيل الهبة فيحمل التبرع على الأقل وهو الواحدة. وإما أن يخيرها، ومطلق التخيير يقتضي التردد بين الزوجية والخروج عنها, ولا يكون الخروج عنها بالواحدة فإن الرجعية زوجة فلم يبقَ إلا الثلاث أو الخروج عنها بالواحدة البائنة على تفصيل في المذهب وتفريع في تصوير الاختيار ولفظه وبيان فائدته إذا وقع وحكمه وليس في آية التخيير حجة لأحد لأن الله قال ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية إلى ﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ فخيرهن بين الدنيا والآخرة وقال لهن إن اخترتن الدنيا أطلقكن وأمتعكن فلم يجعل الطلاق بأيديهن وإنما أراد استعلام ما عندهن ثم ينفذ بعد ذلك حكمه فيهن (١).

стр. 727

باب الإيلاء أدخل مالك حديث عليّ بن أبي طالب أنه كان يقول (إذَا آلَى الرَّجُلُ مِنِ امْرَأتِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا طَلَاقٌ وإِنْ مَضَتِ الْأرْبَعَةُ الْأشْهُرِ فَإما أنْ يُطَلِّقَ وَإمَّا أنْ يَفِيءَ) (١). وأدخل مثله عن عبد الله بن عمر (٢) لتبيين أن فقهاء الكوفة والمدينة من الصحابة قد اتفقوا على أن الطلاق لا يقع على المولى بمضي مدة الإيلاء حتى يوقف خلافاً لأبي حنيفة، وأصحابه من الكوفيين، الذين يقولون إن الطلاق يقع بمضي المدة من غير توقيف (٣)، فعجب مالك لهم من أين تلقفوها وعالمهم الأكبر ومفتيهم الأعظم، وهو عليّ، يخالفهم فيها وهي مسألة عسرة جداً اختلف فيها الصحابة والتابعون وفقهاء الأمصار، وسبيل الحجة فيها غير لائحة، والخلاف إنما ينشأ فيها من آية الإيلاء وهي قوله

стр. 728

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ إلي قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) بين فيها سبحانه ثلاثة عشر حكماً مهمّاً، ومن أعظمها هذا الحكم، قال الله : ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فهذا يدل على وجوب فيئة بعد مضي المدة. ثم قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ (٢)؛ فهذا يدل على أن هنالك قولًا يسمع؛ فبهذا نزع علماؤنا وجه الاستدلال من الآية وقال المخالف (٣): الفيء يكون في طول المدة إذ ضربها الله له أجلاً في اختيار الفيء ويترك ليتبين أنه عزم الطلاق في نفسه، والباري تعالى يسمع السر والنجوى كما يسمع الجهر وما هو من ذلك أعلى. ولأجل هذا التردد اختلف الصحابة والتابعون، وهم العرب الفصحاء اللسن الأعرف بالقرآن منا وأهدى إلى دلائله، ولكن يترجَّح جانبنا بنكتة واحدة وهي أن الإيلاء كان في الجاهلية طلاقاً يقيم عليه الرجل عامين وعاماً (٤)، فشرع الله حكمه في ديننا بضرب المدة فسحة، ثم شرط الفيء حكمة وهما شيئان فلا يجعلان شيئاً واحداً إلا بدليل، وقد استوفينا ذلك في كتاب أحكام القرآن (٥). وقد قال الشافعي: يلزم الكافر الإيلاء في زوجته ويدخل تحت عموم (٦) قوله ﴿لِلَّذِينَ

стр. 729

يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ونحن وإن كنا نقول بدخول الكافر في جميع خطابات الشريعة فإنا لا نحكم بصحة إيلاء الكافر (١) لأن زوجته لا تخلو من أن تكون مسلمة، وذلك محال لا يتصور وجوداً، ولا تقع فيه فتوى، وإن كانت زوجه كافرة فما لنا ولهم، وإن حلف ألا يطأ أهله وأسلم فقد سقط عنه كل يمين وعقد، ومعنى سبق منه فالمسألة لا صورة لها بحال، وقد قال سعيد بن المسيب على جلالة قدره أن الإيلاء لا يلزم إلا مع الغضب (٢)، وهذا بظاهره وهم وتخصيص للعموم بغير دليل، ولعله أراد مسألة ذكرها مالك؛ وهو أن الرجل إذا حلف ألَّا يطأ زوجته وامتنع من وطئها بغير يمين فإن كان ذلك لعذر أو مرض أو لغيلة (٣) فلا ينعقد الإيلاء، وإن كان قصد المضارَّة فينعقد اليمين (٤) عليه إذا حلف وتُضرب له المدة، وإذا لم يحلف ترافعه إلى الحاكم، وهذا هو الذي أراده سعيد، والله أعلم. وكذلك اتفق العلماء على أن العبيد يدخلون في هذا العموم (أولاً) (٥) فينعقد عليهم الإيلاء، ثم اختلفوا في خروجهم عنه آخراً. فجمهور العلماء على أنَّ أجل العبد في الإيلاء شهران وهذا هو الصحيح لأنها مدة تؤول إلى فرقة فاختلفت في الرق، والحرية كالعدة (٦).

стр. 730

القول في الظهار: كان الظهار في الجاهلية طلاقاً حتى وقع بين خولة وزوجها فجادلت رسول الله ﷺ ، فأنزل الله سبحانه ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (١) الآية، وجعل الله منه مخرجاً بالكفارة فقال ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢) الآية. في (٣) هذه الآية ثماني عشرة مسألة من الأصول، فنظمناها في كتاب الأحكام وحقيقة المظاهرة التي أخبر الله عنها تشبيه ظهر بظهر على مقتضى مطلق اللفظ، لكن سبب نزول الآية كان تشبيه امرأة بظهر يرد اللفظ، فرد اللفظ العام إلى الخاص وعبَّر به عنهما، وهذا مما لا خلاف فيه لزوماً وحكماً، فإن شبَّه أهله بعضو من أعضاء أمه فجمهور العلماء أنه يلزمه (٤) وقال أبو حنيفة (٥): إن كان العضو المشبه به مما يحل النظر إليه لم يلزم فيه ظهار، وهذا ضعيف لأنه لا يحل النظر منها إلى عضو بشهوة، وهذا موقع الظهار، فإن شبَّه عضواً من امرأته بظهر أمه مثل أن يقول: يَدُكِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى قال الشافعي: لا يكون ظهاراً إلا أنه ليس بظهر حقيقة (٦) ولا لفظاً، ولا يدخل الظهر تحت مطلق لفظه، وهذا ضعيف, لأنه قد وافقنا على أن الطلاق لو أضافه إلى يدها للزمه (٧) فكذلك الظهار، ولا جواب لهم عن هذا، فإن قال: أنتِ عَلَىَّ كَأمِّي، قال علماؤنا: له ما نوى فإن لم ينو كان ظهاراً (٨). وقال الشافعي (٩) وأبو حنيفة (١٠): إذا لم ينوِ لم يكن شيئاً لأن الله قال ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فلا بد من ذكر لفظ الظهر. قلنا لهم: سبحان الله، أظاهرية في موضع النحل وأنتم رؤساء القياس؟ ولو سلكنا معكم الظاهرية فهي لنا لأن الله تعالى إن قال في ظاهر الآية ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ فقد قال تعالى بعد ذلك: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ فذكره بلفظ

стр. 731

العام، وكيف ما دارت الحال فالمسألة لنا عليهم. فلو شبَّه امرأته بظهر أجنبية كان ظهاراً، فإن لم يذكر الظهر وشبّه بها قال علماؤنا: يكون ظهاراً، ومنهم من قال: يكون طلاقاً (١) , وقال الشافعي (٢) وأبو حنيفة (٣)، لا يكون شيئاً، وهذا ضعيف لأن الظهار إنما لزم لمعناه وهو تشبيه محلل بمحرم، وعجباً للشافعي حيث يقول: إذا قال لها أنت عليَّ كظهر أختي لا يكون ظهاراً (٤)، وما هن أخواتهم كما قال ما هن أمهاتهم والمعنى واحد، فأين الاستنباط وأين حمل النظير على النظير؟؟ ثم قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ فذهل الشافعي فقال: ظهار الذمي صحيح (٥). وبالمعنى الذي تقدم من بطلان إيلائه آنفاً (٦) يبطل ظهاره وزيادة عليه أن آية الإيلاء مطلقة وهذه مقيدة بقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ ولم يرد بذلك الأحرار إجماعاً لصحة ظهار العبد ووجوب دخوله تحت هذا الخطاب فلم يبق إلا أنه أراد المسلمين وهذا ما لا جواب عنه، ثم قال تعالى ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، قال جمهور العلماء: هذا اللفظ مخصوص بالحرائر، ورأى علماؤنا، رحمة الله عليهم، أن الظهار في الأمة صحيح (٧)، وفي دخولها طريقان: أحدهما: أن يجعلها من جملة النساء لغة كالذي تقدم قبل هذا في ذكر المحرمات. وإما أن يلحقها بالقياس فيقول فرج محلّل شبَّهه بظهر أمه المحرم فلزمه حكمه كالزوجة، وعلى كلا الوجهين فمالك في المسألة قوي. ومن مسائل الظهار المشكلة أن الشافعي يقول إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة أنه يلزمه في كل واحدة كفَّارة؛ لأنه يجعله مخلصاً من الطلاق، ولو طلقهن في كلمة واحدة

стр. 732

لأخذت كل واحدة طلاقها، كذلك تأخذ في الظهار خلاصها (١). ورأى مالك، ﵀، أن الظهار قد خرج عن حكم الطلاق في الجاهلية إلى حكم الأيمان في الكفارة، ولو حلف أن لا يطأ أربع نسوة لأجزأت فيهن كفارة وانحلت اليمين المنعقدة عليهن، كذلك ينحلُّ الظهار المنعقد فيهن بكفَّارة واحدة (٢). ومن أغرب مسائله ما يروى عَنْ بَكِيرِ بْنِ عَبْدِ الله ابنِ الأشَجِّ (٣) أنهُ كانَ يَقُولُ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ هُوَ أنْ يَعُودَ إلَى قَوْلِ الظِّهَارِ (٤)، وهذا باطل على بكير إنما اخترعه عنه المبتدعة الذين قالوه ليتخذوه لأنفسهم قدوة منه، وهذا القول أفسد من أن يدفع في وجهه، ولو لم يكن في الرد عليه إلا صورة النازلة فإن الرجل ظاهر من امرأته ثم أراد البقاء معها فشرع الله في إباحة مسيسها الكفارة.

стр. 733

فإن قيل فما العود؟ قلنا: اختلف العلماء في ذلك على خمسة (١) أقوال لأصحابنا منها ثلاثة أقواها التمسك بالزوجية (٢). فإن قيل: وأين هذا حتى يعود إليه؟ قلنا: في قوله تعالى ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، فإنه قال: (زوجي علىّ كظهر أمي) (٣) فذهبت عنه ثم أراد أن يعود إلى الزوجية التي تلفَّظ بها، أليس هذا أهدى سبيلاً وأقوم قيلاً ممن يزعم أنه العود إلى الزور الذي تلفَّظ به؟ وهل رأى أحد ديناً أو فعلًا في الشريعة تتعلق به الكفَّارة إذا تكرر، وهذه جهالة عظيمة وبدعة شنيعة.

стр. 734

ما جاء في الخيار ذكر مالك حديث بريرة (فَإنَّهَا عُتِقَتْ وَخُيرَتْ في زَوْجِهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) (١)، واختلف في زوجها هل كان حراً أو عبداً؟ وتعارضت في ذلك الآثار، واختَلف في ذلك علماء الأمصار؛ فكان أبو حنيفة وغيره يقول: إنها تختار تحت الحر كما تختار تحت العبد (٢) وقد بيناه في مسائل الخلاف وحققنا إن الخيار إنما وجب لها بكمالها تحت ناقص، فإذا كانت تحت كامل فأي خيار لها، وذلك مستوفى في موضعه، فإذ اختارت نفسها كانت طلقة واحدة، ولم ينقل في حديث بريرة كيفية الطلاق إلَّا أنه رأى العلماء أنها طلقة واحدة لأنه هو الذي يخلصها من أسر الزوجية وليس يعترض هذا على تأصيل (٣) التخيير الذي قد بيَّناه لأن هذا حكم أثبته الشرع ابتداءً لها، وإذا خيَّرها الزوج كان ذلك تخييراً بين شيئين، ومن حكم التخيير، وشروطه المعدَّدة، أن يتساوى الشيئان المخيَّر فيهما، وقد بيَّنَّا ذلك في أصول الفقه. وأما حديث زيد (٤) الذي أدخله (٥) مالك في هذا الباب عن عروة بن الزبير أنها قالت لزوجها حين عُتقت: هو الطلاق ثم الطلاق ثم الطلاق ففارقته (٦) ثلاثاً فإنما أراد أن ذلك الفراق كان ثلاثاً من قولها لا إنه من حكم الله تعالى فيها.

стр. 735

هذا هو الصحيح في الدليل من الرواية، وكل أَمة عتقت تحت عبد فلها الخيار إلا في مسألة واحدة فلا خيار لها وهي رجل كانت له مائة دينار وله أمة. قيمتها مائة دينار زوَّجها بمائة من عبد وقبضها فصارت بيده ثلائمائة دينارثم أعتقها في مرض موته قبل الدخول فلا سبيل لها إلى الخيار لأنها إن اختارت نفسها سقط نصف المهر فرق بعضها فسقط خيارها، فلما أدى إثبات الخيار إلى إسقاطه سقط في نفسه، وهذه من مسائل الدور ولها نظائر في الفقه وفي أصول الدين وهي من دلائل حدث العالم حسب ما بيناه في موضعه. ما جاء في الخلع مسائل الخلع كثيرة ونكتته إنه فراق بعوض كما كان النكاح تلاقياً بعوض، وحكم العوضين في الجواز والرد سواء، وهو مكروه كراهية الطلاق، وقد روى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ ، أنه قال: "الْمُخْلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ" (١)، وذلك إن صح، والله أعلم، مع

стр. 736

استمرار الأُلفة ودوام الادمة، فأما مع العجز عن إقامة حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، ولا أبين من حديث قيس (١) ابن شماس وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لثابت بن قيس (خُذْ مِنْهَا الْحَدِيْقَةَ) فأخذها فطلَّقها تطليقة (٢) وهذا يدل على أن الخُلع طلاق، وقال الشافعي: إنه فسخ (٣)، وقد بيَّناه في مسائل الخلاف؛ وقد صرح في الحديث الصحيح

стр. 737

كما قدمناه إنه وقع الخُلع بين يدي النبي ﷺ ، طلاقاً، وقد حقَّقناه فيما تقدم إن الله جعل من النكاح مخلصاً بالطلاق فمتى ما خرج عنه الزوجان فخروجهما طلاق تلفَّظا به أو ذكرا معناه. مسائل من كتاب الطلاق جرى ذكرها فيما سبق فرأينا أن نعطف عليها عنان البيان. المسألة الأولى: إذا قال الرجل لامرأته: أنت علي حرام اختلف الناس فيها على نحو من أحد عشر قولًا (١)، فقال علي: إنها ثلاث (٢)، وقد قال ابن عباس فيها كفَّارة يمين. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) يعني حين حرم مارية ثم كفَّر كفارة اليمين قالوا: وفي ذلك نزلت ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٤) الآية، وقد بسطناها في الإنصاف وغيره، وقد قال مالك، رحمة الله عليه: إن الرجعية محرمة الوطء (٥)، فإذا قال: أنتِ عليَّ حرام، فإن ألزمناه فيها طلقة واحدة كنَّا قد وفينا اللفظ حقه، إلا أن مالكاً على أصله يرى أن يرتبط الحكم بجميع معاني الأسماء وخصوصاً في الحرمة التي تتعلق بالفروج لغلبة التحريم فيها للحل، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٦) فإذا قال لزوجته: أنتِ عليَّ حرام، حمل على صفته في القرآن (٧). المسألة الثانية: الإكراه في اللغة والشريعة عبارة عن تصريف الرجل لفعله بغير اختياره، وقد نص الله

стр. 738

تعالي على أن الإكراه يلغي الفعل شرعاً ويجعل وجوده وعدمه سواء، قال الله تعالى: ﴿إلَّا مَنْ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن بِالإيمَانِ﴾ (١). واتفق الناس في الأيمان واختلفوا في الطلاق فقال أهل العراق: إن الإكراه على الطلاق لا يسقط حكمه (٢)، وهي مسألة عسرة جداً وللخصم فيها قوة، فإن المُكْره على الطلاق قد قصد إلى إيقاع الطلاق لتخليص نفسه ولم يبقَ إلا أنه لم يكن ذلك القصد إلى رضاه وعدم الرضا لا يؤثر في إلغاء الطلاق، كما لو هو هزل فطلَّق فإنه يلزمه الطلاق بما قصد إليه وإن لم يكن راضياً به، وعدّتنا نحن قول النبي، ﷺ : "إنمَا الأعْمالُ بِالنَّيَّاتِ" (٣)، والمكره لم ينوِ الطلاق فصار لفظاً دون نية، فكان بمنزلة ما لو أراد أن يقول لزوجته اسقني ماء، فقال لها: أنت طالق، فإنه لا يقع عليها الطلاق إجماعاً لأنه وجد لفظ من غير نية، فأما الهازل فإنه راض بالطلاق مصرف لقوله بالهزل باختياره فأخذ بذلك. المسألة الثالثة: لا فرق بين أن يقول الرجل لزوجته برئت منك، أو بريت مني، أو أنت طالق، أو أنا منك طالق، في أنه يقع الطلاق عليها في الوجهين، وبه قال الشافعي (٤)، وقال أبو حنيفة: إذا قال لها: أنا منك طالق، لم يقع الطلاق لأن الزوج غير محبوس في النكاح وإنما المحبوس بالنكاح الزوجة، فإذا طلَّق نفسه فكأنه أطلق من لم يقيد (٥) وهذا لا يصح من طرفين: أحدهما: أن الزوج محبوس أيضًا بالنكاح عن أخت الزوجة وعمتها وخالتها وعما زاد

стр. 739

على الأربع فقد تحقق الحبس في حقه. هذه طريقة العراقيين. والثانية: طريقة خراسان قالوا: الزوج يقع كناية عن الزوجة لأنه قرينها ولزيمها، وكما يستعمل في الطلاق غير لفظه كناية عنه كذلك يستعمل في غير شخصه كناية عن شخصه وكما تُكني العرب بألفاظ عن الألفاظ، كذلك يكنى بالأشخاص عن الأشخاص، وذلك مشهور في لغتها معلوم في أساليب كلامها. المسألة الرابعة: مسألة الشك في الطلاق، واتفقت الأُمة على أنه مَنْ شكَّ هل طلق أم لا؟ إنه لا يلزمه طلاق، وليس أحد من العلماء يقضي بالشكّ في شيء؛ فإن الشريعة قد ألغته وما اعتبرته ثبت. في الحديث الصحيح عن النبي، ﷺ (أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرُّجُلِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ في الصلاة أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ أوْ نَحْوُهُ، فَقَالَ ﷺ : (لَا يَنْصَرِفْ أحَدُكُمْ حَتى يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجِدْ ريحاً)، (١). فإن قيل: فلو شك هل طلَّق زوجته واحدة أو ثلاثاً؟ فقد قال علماؤنا: إنه تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره، وهذا قضاء. بالشك في الثلاث التي شكَّ فيها أو تغلَّب الشك على اليقين (٢). قلنا: ليس كما ظننتم، ما قضى مالك ها هنا بالثلاث المشكوك فيها وإنما قضى بالواحدة المتيقنة والمطلقة طلقة واحدة محرمة الوطء (٣) عند علمائنا، وقد حرم عليه الوطء بالطلقة الواحدة يقيناً والرجعة مشكوك فيها لأن الطلاق وإن كان واحداً جاز له أن يرتجع، وإن كان ثلاثاً لم يجز له أن يرتجع فصار التحريم متيقناً والرجعة مشكوك فيها فثبت اليقين وسقط الشك. ما جاء في اللعان أحاديث اللعان كثيرة أمهاتها حديثان:

стр. 740

أحدهما: حديث سهل بن سعد في شأن عويمر حسب ما ورد في الموطأ (١). والثانى: حديث هلال بن أمية حين قذف زوجته بشريك بن السمحاء فقال النبي، ﷺ : "الْبَيَّنَةُ وإلا حَدٌّ في ظَهْرِكَ (٢) " فنزلت آية اللعان، كذلك روي في الحديثين، ويحتمل أن يكونا وقعا معاً فكانت الآية بياناً لهما، ويحتمل أن يكون أحدهما قبل صاحبه فنزلت الآية في الأول، وقيل في الثاني أيضاً نزلت آية اللعان، أي في مثله. والنزول والبيان في الشيء نزول وبيان في مثله (٣)، والذي نزل هو قول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٤). وفي هذه الآية أمهات (٥) المسائل عشر ثم نزل المخلص منها فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٦)
следующие страницы →