← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

استمرار الأُلفة ودوام الادمة، فأما مع العجز عن إقامة حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، ولا أبين من حديث قيس (١) ابن شماس وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لثابت بن قيس (خُذْ مِنْهَا الْحَدِيْقَةَ) فأخذها فطلَّقها تطليقة (٢) وهذا يدل على أن الخُلع طلاق، وقال الشافعي: إنه فسخ (٣)، وقد بيَّناه في مسائل الخلاف؛ وقد صرح في الحديث الصحيح

стр. 737

كما قدمناه إنه وقع الخُلع بين يدي النبي ﷺ ، طلاقاً، وقد حقَّقناه فيما تقدم إن الله جعل من النكاح مخلصاً بالطلاق فمتى ما خرج عنه الزوجان فخروجهما طلاق تلفَّظا به أو ذكرا معناه. مسائل من كتاب الطلاق جرى ذكرها فيما سبق فرأينا أن نعطف عليها عنان البيان. المسألة الأولى: إذا قال الرجل لامرأته: أنت علي حرام اختلف الناس فيها على نحو من أحد عشر قولًا (١)، فقال علي: إنها ثلاث (٢)، وقد قال ابن عباس فيها كفَّارة يمين. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) يعني حين حرم مارية ثم كفَّر كفارة اليمين قالوا: وفي ذلك نزلت ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٤) الآية، وقد بسطناها في الإنصاف وغيره، وقد قال مالك، رحمة الله عليه: إن الرجعية محرمة الوطء (٥)، فإذا قال: أنتِ عليَّ حرام، فإن ألزمناه فيها طلقة واحدة كنَّا قد وفينا اللفظ حقه، إلا أن مالكاً على أصله يرى أن يرتبط الحكم بجميع معاني الأسماء وخصوصاً في الحرمة التي تتعلق بالفروج لغلبة التحريم فيها للحل، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٦) فإذا قال لزوجته: أنتِ عليَّ حرام، حمل على صفته في القرآن (٧). المسألة الثانية: الإكراه في اللغة والشريعة عبارة عن تصريف الرجل لفعله بغير اختياره، وقد نص الله

стр. 738

تعالي على أن الإكراه يلغي الفعل شرعاً ويجعل وجوده وعدمه سواء، قال الله تعالى: ﴿إلَّا مَنْ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن بِالإيمَانِ﴾ (١). واتفق الناس في الأيمان واختلفوا في الطلاق فقال أهل العراق: إن الإكراه على الطلاق لا يسقط حكمه (٢)، وهي مسألة عسرة جداً وللخصم فيها قوة، فإن المُكْره على الطلاق قد قصد إلى إيقاع الطلاق لتخليص نفسه ولم يبقَ إلا أنه لم يكن ذلك القصد إلى رضاه وعدم الرضا لا يؤثر في إلغاء الطلاق، كما لو هو هزل فطلَّق فإنه يلزمه الطلاق بما قصد إليه وإن لم يكن راضياً به، وعدّتنا نحن قول النبي، ﷺ : "إنمَا الأعْمالُ بِالنَّيَّاتِ" (٣)، والمكره لم ينوِ الطلاق فصار لفظاً دون نية، فكان بمنزلة ما لو أراد أن يقول لزوجته اسقني ماء، فقال لها: أنت طالق، فإنه لا يقع عليها الطلاق إجماعاً لأنه وجد لفظ من غير نية، فأما الهازل فإنه راض بالطلاق مصرف لقوله بالهزل باختياره فأخذ بذلك. المسألة الثالثة: لا فرق بين أن يقول الرجل لزوجته برئت منك، أو بريت مني، أو أنت طالق، أو أنا منك طالق، في أنه يقع الطلاق عليها في الوجهين، وبه قال الشافعي (٤)، وقال أبو حنيفة: إذا قال لها: أنا منك طالق، لم يقع الطلاق لأن الزوج غير محبوس في النكاح وإنما المحبوس بالنكاح الزوجة، فإذا طلَّق نفسه فكأنه أطلق من لم يقيد (٥) وهذا لا يصح من طرفين: أحدهما: أن الزوج محبوس أيضًا بالنكاح عن أخت الزوجة وعمتها وخالتها وعما زاد

стр. 739

على الأربع فقد تحقق الحبس في حقه. هذه طريقة العراقيين. والثانية: طريقة خراسان قالوا: الزوج يقع كناية عن الزوجة لأنه قرينها ولزيمها، وكما يستعمل في الطلاق غير لفظه كناية عنه كذلك يستعمل في غير شخصه كناية عن شخصه وكما تُكني العرب بألفاظ عن الألفاظ، كذلك يكنى بالأشخاص عن الأشخاص، وذلك مشهور في لغتها معلوم في أساليب كلامها. المسألة الرابعة: مسألة الشك في الطلاق، واتفقت الأُمة على أنه مَنْ شكَّ هل طلق أم لا؟ إنه لا يلزمه طلاق، وليس أحد من العلماء يقضي بالشكّ في شيء؛ فإن الشريعة قد ألغته وما اعتبرته ثبت. في الحديث الصحيح عن النبي، ﷺ (أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرُّجُلِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ في الصلاة أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ أوْ نَحْوُهُ، فَقَالَ ﷺ : (لَا يَنْصَرِفْ أحَدُكُمْ حَتى يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجِدْ ريحاً)، (١). فإن قيل: فلو شك هل طلَّق زوجته واحدة أو ثلاثاً؟ فقد قال علماؤنا: إنه تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره، وهذا قضاء. بالشك في الثلاث التي شكَّ فيها أو تغلَّب الشك على اليقين (٢). قلنا: ليس كما ظننتم، ما قضى مالك ها هنا بالثلاث المشكوك فيها وإنما قضى بالواحدة المتيقنة والمطلقة طلقة واحدة محرمة الوطء (٣) عند علمائنا، وقد حرم عليه الوطء بالطلقة الواحدة يقيناً والرجعة مشكوك فيها لأن الطلاق وإن كان واحداً جاز له أن يرتجع، وإن كان ثلاثاً لم يجز له أن يرتجع فصار التحريم متيقناً والرجعة مشكوك فيها فثبت اليقين وسقط الشك. ما جاء في اللعان أحاديث اللعان كثيرة أمهاتها حديثان:

стр. 740

أحدهما: حديث سهل بن سعد في شأن عويمر حسب ما ورد في الموطأ (١). والثانى: حديث هلال بن أمية حين قذف زوجته بشريك بن السمحاء فقال النبي، ﷺ : "الْبَيَّنَةُ وإلا حَدٌّ في ظَهْرِكَ (٢) " فنزلت آية اللعان، كذلك روي في الحديثين، ويحتمل أن يكونا وقعا معاً فكانت الآية بياناً لهما، ويحتمل أن يكون أحدهما قبل صاحبه فنزلت الآية في الأول، وقيل في الثاني أيضاً نزلت آية اللعان، أي في مثله. والنزول والبيان في الشيء نزول وبيان في مثله (٣)، والذي نزل هو قول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٤). وفي هذه الآية أمهات (٥) المسائل عشر ثم نزل المخلص منها فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٦)

стр. 741

إلى آخر الآية؛ فشرَّع الله اللعان مخلصاً من المحنة بتلطيخ الفراش وشافياً من الغيظ في رؤية المكروه وقطعاً لعلائق النسب الباطل عن الأب. ومسائل اللعان مشكلة جداً حتى أن العلماء، سلفاً وخلقاً، لم يتفقوا منها إلا على أقلها يضبطها لكم ستة فصول. الأول: في حقيقته وبناء (فعال) (١) تركيب كل فعل يتعلق باثنين، كالقتال والخصام، سُمِّي بأشد ما فيه، وهي لعنة الله؛ فقيل لعان ولم يقل غضاب من الغضب تغليباً لجانب الرجل على المرأة لما كان هو المسبب له والمتكلم به، ولعنة الله هي إبعاده للعبد من جواره وطرده له عن قدسه، وغضب الله يحتمل أن يكون إرادته لعذابه، ويحتمل أن يكون نفس العذاب (٢) بعينه (٣) فيكون على التأويل الأول من صفات الذات كقولنا فيه سبحانه: عالم قادر، وعلى التأويل الثاني يكون من أوصاف الفعل. الثاني: القول في سبب اللعان، وذلك بأن يقصد نفي النسب الباطل عن نفسه، أو يقصد قلع الفراش الذي تلطَّخ بغيره من بيته، وكلاهما يصح اللعان فيه لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ يعني يقذفونهن بالزنا، فبين حكمهم ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ يعني بمثل ذلك، فبين حكمهم أيضاً، وقال في الحديث: (أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَع امْرَأَتِهِ رَجُلاً) ورجع إلى النبي، ﷺ ، فقال له: قد ابتليت بذلك فليس في القرآن والحديث أكثر من هذا. وقال علماؤنا:- إنْ رماها بالزنا وصف الزنا كما يصفه الشاهد (٤)، وإن رماها بنفي النسب فلا بد أن يقول: قد استبرأت ولم أطأ بعد الاستبراء. وهو الثالث في شروط اللعان. والذي عندي أنه إذا قال الرجل: إن زوجته قد زنت تخلَّص من هذا القول باللعان، كما إذا قال الرجل لأجنبي: إن زوجته قد زنت، من غير تفسير، يلزمه الحد. الرابع: إن فائدة اللغان قطع النكاح وسقوط الحد ونفي النسب وتأبيد التحريم ووجوب الصداق. أما قطع النكاح فلقوله في الحديث (فَكَانَتْ تِلْكَ سُنّة الْمُتَلَاعِنَيْنَ) ولحديث ابن عمر (أنّ رَجُلًا لاعَن زَوْجتهُ في زَمَنِ رَسُول الله ﷺ ، فَانْتقىَ مِنْ ولَدهَا ففرَّقَ

стр. 742

رَسُولُ الله ﷺ ، بَيْنَهُما وَالحَقَ الْوَلَدَ بِأمَّهِ) (١) فقطع النسب. وأما سقوط الحد فمجمع عليه لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ (٢). وأما تأبيد التحريم فقد اختلف العلماء فيه إذا كذب نفسه وألحق النسب هل تُرجع إليه أم لا؟ والصحيح أنها لا ترجع إليه (٣)، لما روي في ذلك في الأثر (أنهمَا لَا يَتَناَكحَانِ أبَداً) (٤)، والمعنىَ الظاهر في النظر وهو بأن ما جرى بينهما من الريبة يقطع الألفة، ولأنه قذفها برفق فيه درء العذاب عنه، وعوقب بأن لا ترجع إليه، وقد بيَّناها في مسائل الخلاف. وأما الصداق ففي الحديث الصحيح: أنَّ عُويمِراً قَالَ لِلنبِى ﷺ : (يَا رَسُولَ الله مَالي مَالي، قَالَ لَهُ النبي ﷺ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا لَئِنْ كنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فِرْجِهَا، وإنْ كنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَلِكَ أبعد لَكَ مِنْهَا) (٥). الخامس: جاء في اللعان ذكر الشهادة واليمين، واختلف العلماء هل المغلب فيه جهة الأيمان أو المغلب فيه جهة الشهادة؟ فقال أهل العراق منهم (ح): المغلب فيه جهة الشهادة (٦) لقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ (٧)، ولأنه قول على الغير، وهذا هو حد الشهادة، فالإقرار ما أخبر به الرجل عن نفسه، والشهادة ما أخبر به الرجل عن غيره، وقال علماؤنا: المغلّب فيه جهة اليمين (٨)، وقد بيَّنا ذلك في مسائل الخلاف، والدليل

стр. 743

عليه قول النبي ﷺ :"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" (١)، وقال الله تعالى في القرآن: ﴿بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢) , ﴿بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، (٣)، ولأنه لا يدرأ بيمينه عن نفسه العقوية، ولو كانت شهادة لثبت بها الحق على غيره، وإذا أثبت أن المغلَّب فيه جهة اليمين فإنه يلاعن المسلم والكافر والعبد والحرّ والعدل والفاسق والأعمى والبصير. السادس: أن العلماء اختلفوا هل اللعان عقوبة أم لا؟ فقال أبو حنيفة وأهل العراق: إنه عقوبة (٤)، وربما ظهر هذا ببادىء الرأي أما فيه من هول المطلع، وقد قال النبي ﷺ : "أحَدُكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبُ"، والصحيح أنه ليس بعقوبة وإنما هو خلاص من الدناءة، كما بيَّناه. أما إنَّ الكاذب منهما عاصٍ بفجوره متعرض للعنة الله ولغضبه لكنه غير متعين عندنا، ولذلك قلنا: إنه يبقى بعدالته بعد اللعان وعلى مرتبته في الإسلام، وربك أعلم بباطن الحال وعاقبة الأمر. باب طلاق المريض هذه المسألة من المصالح التي انفرد بها مالك، دون سائر العلماء، فإنه رد طلاق المريض عليه تهمة له في أن يكون قصد الفرار من الميراث، وخالفه سائر الفقهاء والحق له؛ لأن المصلحة أصل وقطع الحقوق لا يمكن منها بالظنون، وقد طلَّق عبدا الرحمن بن عوف زوجته تماضر فاتفق عثمان وعلي على الميراث وقضى عثمان به (٥)، وكان موت

стр. 744

عبد الرحمن عن أربع زوجات فصولحت تماضر (١) عن ربع الثمن بثمانين ألف دينار (٢). ورأى أبو حنيفة توريث المطلقة (٣)، ولكن إن مات وهي في العدة وهي سخافة وقد بيّناها في مسائل الخلاف، وأوضحنا أن التهمة لا ترتفع بانقضاء العدة فأي فائدة من اشتراطها، وكذلك ورَّث عثمان نساء ابن مكمل (٤)، ومن أصحاب أبي حنيفة من ينزع في نصرة مذهبه

стр. 745

بحديث محمَّد بن يحيى بن (١) حبان في الموطأ قال (كَانَتْ عِنْدَ جَدِّي حَبَّانَ (٢) امْرَأتَانِ هَاشِمِية وأنصَارِية فَطَلَّقَ الْأنْصَارِيَّة وَهِيَ تُرْضِعُ فَمَرَّت بِهَا سَنَة ثُمَّ هَلَكَ وَلَمْ تَحُضْ، فَقَالَتْ: أنَا أرِثُهُ وَلَمْ أحُضْ، قَقَضَى لِهَا عُثْمَانُ بِالْمِيرَاثِ) (٣). ولم يقض لها عثمان بقولها (وَلَمْ أحُضْ) وإنما قالت: ما اعتقدت أنه نافع، وقضى عثمان لها بالميراث بما علم أنه واجب. طلاق العبد: الطلاق عندنا معتبر بالرجال (دون النساء) (٤)، وبه قال الشافعي (٥). وعند أبي حنيفة معتبر بالنساء والعدة بالرجال (٦)، والمسألة عظيمة الموقع وقد بيناها في مسائل الخلاف. والمعتمد لنا في المسألة أن الطلاق ملك الرجل والملك إنما يعتبر فيه صفة

стр. 746

المالك لا صفة المملوك (١) وهذا لا غبار عليه وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢)، ولامتعلق لنا في عمومه ولا في تخصيصه ولا لهم، كما لا يتعلق في قوله ﴿الطَّلَاقُ (٣) مَرَّتَانِ﴾ الآية، لا لنا ولا لهم، فإن كلا العمومين لا بد من تخصيصه؛ فتخصيص عموم الطلاق بمالك الطلاق وصاحبه، وتخصيص عموم العدة بالمعتدة وفائدتها أولى من تخصيص كل عموم منهما بما ليس منه والله أعلم. نفقة المطلقة: وهذه المسألة وأخواتها من ذكر العدة والاسترضاع أحكمها الله في سورة النساء الصغرى (٤)، وقد أوضحناها في كتاب الأحكام (٥) فلينظر هنالك؛ وذلك أن الله ذكر المطلقات فقال ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٦) الآية، فلما ذكر الله تعالى السكنى أطلقه فيهن إطلاقاً، ولمّا ذكر النفقة خاصة خصصها بالحامل، وتقسيم الله لا يدخله خلل ولا يتطرق إليه (المداخلِ) (٧) وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٨). فصارت الإقامة بالبيت حقاً لله تعالى لا يجوز للزوج ولا للمرأة إسقاطه، خلافاً للضحاك (٩). ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وأصح ما قيل في الفاحشة أنها كل معصية وهو

стр. 747

الذي اختاره الطبري (١) ومن جملتها البذاء على الأهل (٢). وبهذا المعنى خرجت فاطمة بنت قيس عن بيتها (٣) والنفقة واجبة لها، كما قال مالك: إن كانت رجعية بكل حال (٤)، وإن كان طلاقاً بائناً فليس على حر ولا على عبد طلَّق مملوكة نفقة، ولا على عبد طلَّق حرة طلاقاً بائناً. أما الحر في حق المملوكة فلأن الرجل لا يلزمه أن ينفق على عبد غيره، وأما المملوك فإنه لا نفقة عليه إلا أن يشترط ذلك على سيده. باب في المفقود مسألة (٥) المفقود وقعت في زمن عمر فقضى فيها بالمصلحة، ورأى أن بقاءها تنتظره ضرر بها، وأن الاستعجال على الغائب قبل الاستيناء (٦) به ضرر عليه، ولا يخلو أن يكون للمفقود مالٌ أو لا مال له. فإن لم يكن له مال طلّق عليه لعدم النفقة، وإن كان له مال فهو الذي يستأنى فيه قال (عمر: يُضْرَبُ لَهُ أجَلٌ أرْبَعَةَ أعْوَامٍ، فإِنْ لَمْ يَأتِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْفُرَاقِ وَاعْتَدَّتْ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإذَا كَمُلَتْ عِدَّتهَا تَزَوَّجَتْ) (٧).

стр. 748

واختلف العلماء إذا جاء زوجها الأول بعد نكاحها الثاني؟ فقال الشافعي (١) وأبو حنيفة (٢): هي لزوجها الأول أبداً، وقال مالك: إن جاء الأول، والثاني لم يدخل بها، فهي له (٣)، وإن جاء بعد الدخول فليست له؛ لأن الحكم بالفراق عليه قد نفذ فصاركما لو تزوجت بعد أن طلَّقها، وروي عنه مثل قول من تقدم من أنها له في كل حال (٤)؛ ووجه ذلك أن الطلاق إذا أوقعه الزوج نفذ ظاهراً وباطناً، وإذا تولَّاه الحاكم عنه نفذ في الظاهر دون الباطن، فإذا جاء اليقين نقض ما في الظاهر ويدخل تحت قول عمر (وإذَا قَضَيْتَ بِقَضِيَّةٍ ثُمَّ تَبَينَ لَكَ الْحَقُّ في خِلَافِهَا فَارْجَعْ إلَيْهَا فَإِنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْحَق خَيْرٌ مِنَ التَمَادي في الْبَاطِلَ) (٥).

стр. 749

وقد تكلم العلماء على وجه الحكمة في ضرب عمر للأجل أربعة أعوام، فقال بعضهم: إنما ذلك لاختبار حاله في الجهات الأربع: في المشرق والمغرب والشمال والجنوب، فجعل لكل جهة عاماً، وهذا مما يمكن أن يكون قصده ولا يقطع عليه. وأما المسألة التي ذكر مالك من طلاق الزوج امرأته وهو غائب عنها فيبلغها الطلاق ثم يراجعها ولا تبلغها الرجعة فتتزوج (١) فلمالك فيها قولان كمسألة المفقود (٢)، والعذر في هذا أقل لأنه لما بلغها الطلاق وتأخرت عنها الرجعة كان كالمفرط فيها بخلاف المفقود فإنه معذور ومغلوب عنها. باب ما جاء في الأقراء ذكر مالك عن عائشة أن (الْأَقْرَاء الْأطْهَار) (٣). واختلف الناس فيها من الفقهاء وأهل اللغة (٤) اختلافاً كثيراً، ولا شك في أن زمن الحيض يسمى قرءًا، كما يسمى به زمان

стр. 750

الطهر، لكن نوضح أن المراد به في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) زمان الطهر لثلاثة أوجه: أحدها: أن حقيقة القرء الاجتماع، والدم إنما يجتمع في مدة الطهر والحيض إنما هو سيلان ما اجتمع. والثاني: أن الله يقول في كتابه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢)، وبيَّن النبي ﷺ ، أن الطلاق في الطهر لا في الحيض (٣). الثالث: أن الأحكام ترتبط بأسبابها وتتبعها، وسبب العدة الطلاق فيجب أن تكون مقترنة به وليس لأهل العراق، ولا لغيرهم من المخالفين، بعد هذا في الاعتراض عليه شيء يقنع (٤)، ولذلك أمر النبي ﷺ ، عبد الله بن عمر حين طلق زوجته وهي حائض بالرجعة (٥) لئلا تطول عليها العدة فإن زمن الحيض الذي وقع الطلاق فيه لا يحتسب لها فيه فيمضي عليه الطلاق الذي ألزمه نفسه، ويجبر على الرجعة لرفع الضرر عن المرأة فتجتمع الفائدتان والمعتدات على ثمانية أقسام: الأول: معتادة فهذه عدتها ثلاثة قروء كما قال الله (٦)، أو وضع الحمل كما أخبر عنه (٧). الثاني: من تأخَّر حيضها لمرض فتبقى تسعة أشهر. الثالث: من تأخر حيضها بالرضاع فأما من تأخر حيضها لمرض فتقيم تسعة أشهر ثم

стр. 751

تأتي بثلاثة أشهر عند الكل من علمائنا، وقال أشهب (١)، إنما تعتد بعد السنة كما في قصة حبان (٢) الذي روى مالك في الموطأ (٣) والمريضة والمرضع (٤) سواء، والصحيح هو الأول. الرابع: من تأخر حيضها لغير شيء فإنها تتربص سنة، ما لم تَرْتَبْ، فإذا ارتابت تقيم عامين في قول عائشة وأهل العراق (٥) وأربع في قول، وفي قول علمائنا إلى خمس وسبع، فإن تمادت الريبة فلا تحل أبداً حتى ينقطع عند أشهب (٦)، والشافعي (٧)، وأبي حنيفة (٨)، وقد وقعت رواية لمالك والصحيح أن الزيادة على مدة الحمل لا اعتبار بها إلا أن مدة الحمل لا تعلم بدليل من الشريعة وإنما تعلم بمستمر من العادة، وقد زعموا أنهم وجدوا الولادة بعد سبعة أعوام من الوطء وربك أعلم بما تَكنُّ البطون، وقد سمعت من يقول: إنَّ أقصى مدة الحمل تسعة أشهر، وهي نكتة فلسفية، وإعراض عن الديانة قضية وخلاف لإجماع الأمة فلا ينبغي أن يُلتفت إليها. الخامس: المستحاضة. قال ابن القاسم (٩) وسعيد بن المسيب (١٠): تقيم سنة، وقال غيرهما: تقيم حتى تزول الريبة.

стр. 752

السادس: صغيرة عدتها ثلاثة أشهر سواء أكانت حرة أو أمة (١). وقال عبد الملك: في الأمة شهر ونصف (٢)، وقال غيره: شهران (٣)، وقد اتفقوا على أن عدتها من الوفاة شهران وخمس ليال (٤). السابع: اليائسة، وهي مثلها، وقد نص الله عليها في محكم كتابه فقال ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ (٥) الآية. الثامن: المشكلة، وهي التي قاربت من الصغيرة سن الحيض وقاربت من الكبيرة سن انقطاع الدم فتبني على الأشهر باتفاق من علمائنا إلا إن ارتابت، فإن ارتابت فتحصل في القسم الرابع وهي المرتابة. ما جاء في الحكمين هذه مسألة نص الله عليها وحكم بها عند ظهور الشقاق بين الزوجين واختلاف ما بينهما، وهي مسألة عظيمة اجتمعت الأُمة على أصلها في البعث، وإن اختلفوا في تفاصيل ما يترتب عليه ومن جملة اختلافهم في قوله ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ (٦) فهل المراد الزوجان أم الحكمان، فأدخل مالك قول علي في أن المراد به الحكمان (٧)، وهو الصحيح؛ لأن

стр. 753

الكلام مرتبط بهما معطوف عليهما مجاور لهما فهو بهما أليق ورجوعه عليهما أحق، وقد بيَّنا ذلك في كتاب الأحكام وبسَّطناه كما يجب (١)، وعجباً لأهل بلادنا حيث غفلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا: يجعلان على يدي أَمين، وفي هذا من معاندة النص ما لا يخفى عليكم، فإذا وقع الشقاق بينهما لأجل المسيس فاتفقا على أنه لا يمسها، فإن العلماء اتفقوا على أنه يُضرب له أجل سنة من يوم ترافعه. قال علماؤنا: يُختبر بها حاله في الأَزمنة الأَربعة المتغايرة في السنة، هل يستطيع فيه مسيساً أم (٢) لا؟ فإن تبين عجزهُ فيها حِيلَ بينه وبين الزوج، قطعاً للضرر عنها؛ لأن من مقاصد النكاح الوطء فما لم يوجد ذهب المقصود، فإن وجد ولو مرة فاتفق العلماء على أنه إذا اعترض عنها بعد ذلك أنه لا كلام لها ولا يفرق بينهما، وهذا ضرر عظيم ولا أعلم ما هو ولكني قابلته بالتسليم. جامع الطلاق: حديث غيلان الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي ﷺ ، "أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعاً وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" (٣)، وهذا من مرسلات ابن شهاب، وأسنده غيره وكذلك أسلم فيروز

стр. 754

الديلمي (١) وتحته أختان فقال له النبي ﷺ ، (أَمْسِكْ إِحْدَاهُمَا وَفَارِقِ الأُخْرَى) (٢) وهذا نص في المسألتين وبه قال الشافعي وخالفنا أبو حنيفة فقال في الزوجات: تُمسك الأوائل وتفارق الأواخر، وفي الأختين يفسخ نكاح المتأخرة فلو عقد نكاحهما معا فسخ نكاحهما (٣)، والنبي ﷺ ، أطلق القول لغيلان وفيروز ولم يستفصل عن الأوائل ولا عن الأواخر ولا عن الجمع في عقد ولا تفريق، ولو كان الحكم يختلف في ذلك لاستفصل، ومن أملح عبارة في ذلك ما أصله أبو المعالي (٤) في هذا الحديث وأمثاله فقال: (ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال ينزل منزله العموم في المقال كحديث غيلان) (٥). وأدخل مالك في الباب حديث عمر بن الخطاب في أن الرجل إذا طلق زوجته ما دون الثلاث فنكحت زوجاً غيره ثم عادت إليه أنها تعود إليه بما بقي فيها من طلاقه، ولا يرفع الزوج الثاني الطلقة والطلقتين اللتين تقدمتا له (٦)، وهذه المسألة تسمى مسألة الهدم.

стр. 755

قال أبو حنيفة: الزوج الثاني كما يهدم الثلاث يهدم الواحدة والثنتين (١)، وقال علماؤنا: ليس الزوج الثاني بالهادم وإنما هو غاية مدّ إليها (٢) التحريم (٣). قال الله ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤)، فإذا جاءت الغاية ثم أمد الحكم كما قال ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥) لا يقال إن الليل رفع الصيام وأبطله، ولكنا نقول (يقال) (٦) انتهى الصوم نهايته، وقد حققنا ذلك في مسائل الخلاف فليطلب فيها .. عدة المتوفى عنها زوجها: روي عن ابن عباس، رضوان الله عليه، أنه قال: إنها إن كانت حاملًا فإن عدتها آخر الأجلين (٧)، وقال عامة الناس: إن وضع الحمل مبرىء لها والعمدة فيه حديث أم سلمة: (وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بَلَيَالٍ، وَفي رِوَايَةٍ بِنِصْفِ شَهْرٍ فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ أحَدُهُمَا شَابٌّ وَالْآخَرُ كَهْلٌ فَخُطِبَتْ إِلَى الشَّابِّ فَقَالَ الشَيْخُ: لَمْ تَحِل بَعْدُ: وَكَان أهْلُهَا غُيَّباً وَرَجَا إِذَا جَاءَ أهْلُهَا أنْ يُؤْثرُوهُ بِهَا، فَسَألَتْ رَسُولَ الله ﷺ ،فَقَالَ لَهَا: "قَدْ حَلَلْتِ فَانكِحِي مِنْ شِئْتِ" (٨)، وهذا دليل لا غبارعليه ينبني عليه أصل من أصول الفقه، وهو

стр. 756

تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد (١) ولعل ابن عباس لم يعلم ذلك أو رجع إليه حين علم (٢) به، وله في ذلك كلام غامض متعلق بالسكنى للمعتدة، وذكره البخاري في كتاب التفسير (٣) قد أوضحناه هنالك، فليطلب فيه، وبسَّطنا شيئاً منه في كتاب أحكام القرآن (٤). ما جاء في العزل: لا خلاف بين الأمة في جوازه، وإن كرهه بعضهم، وخصوصاً في الأَمة. فأما الحرة فرأى مالك ألَّا يعزل عنها إلا بإذنها (٥) لأنه يرى أن حقها في الوطء ثابت مدة النكاح. وقال سائر الفقهاء: إذا وطئ الزوج أهله وطية واحدة لم يكن لها أبداً حق في طلب الوطء (٦)، وهذا ضعيف لأنه لو حلف ألا يطأها لضُرب له أجل أربعة أشهر إجماعاً بنص القرآن (٧)، فإذا ترك الوطء مضاراً فقد وجد معنى الإيلاء والأحكام، كما قدَّمنا، إنما ثبت بمعانيها لا بالألفاظ فيها، فوجب أن يكون حقها في طلب الوطء باقياً مدى النكاح، فإذا أذنت في العزل جاز وإن كان فيه قطع بالتولّد والنشاة، وقد قال النبي ﷺ ، فيه:"مَا عَلَيْكُمْ ألَّا

стр. 757

تَفْعَلُوا" (١)، التقدير كأنكم تريدون التحرّز عن الولد ولستم تقدرون على ذلك (٢) (مَا مِنْ نَسْمَةٍ كَائنَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ وإنَّ الله إذا أرَادَ أنْ يُخلِفَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَد أنْ يَمْنَعَهُ) وللولد في ذلك ثلاثة أحوال. حال قبل الوجود ينقطع فيها بالعزل وهذا جائز. وحال بعد قبض الرحم على المني فلا يجوز حينئذ لأحد التعرض له بالقطع من التولد، كما يفعل سفلة التجار في سقي الخدم، عند إمساك الطمث (٣)، الأدوية التي ترخيه فيسيل المني معه وتنقطع الولادة. والحالة الثالثة بعد انخلاقه قبل أن تنفخ فيه الروح وهو أشد من الأولين في المنع والتحريم لما روي فيه من الأثر (إنَّ السَّقْطَ يَظَلُّ مُخْتَبِطاً عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ يَقولُ لَا أدْخُلُ حَتى يَدْخلَ أبَواي) (٤)، فأما إذا نفخ فية الروح فهو نفس بلا خلاف.

стр. 758

القول في الإحداد: أما القرآن فأفاد وجود التربص بقوله ﴿يَتَرَبصْنَ﴾، وأفادت السنَّة الإِحداد وهي هيئة في التربص، وأذن لهن في غير الأزواج بثلاثة أيام (١) لما يغلب النسوان من الجزع ويستولي عليهن من الكرب وما وراء ذلك حرام في غير الزوج واجب في الزوج، وليس ذلك بزيادة على النص وإنما هو تفسير لكيفية التربص كما قدمنا، وقد كان هذا شرعاً لمن كان قبلنا وعادة في الجاهلية، وكانت المرأة تقيم في الجاهلية على هذه الحال من الإحداد سنة (٢)، وقد كان الله تعالى أمر بمتاع التربص حولًا .. في الآية (٣) الأخيرة ثم ثبت الحكم بنص الآية الأولى من الأربعة الأشهر والعشر، وهدم الله كما كان في الجاهلية ونسخ متاع الحول بهذه الآية التي قبلها (٤)، والله أعلم.

стр. 759

كتاب الرضاع الرضاع حرمة (ومذمة) (١) ألحقها الله بالنسب كما ألحق حرمة المصاهرة به. والرضاع أكد منها لأنه بعضية، كما أن حرمة النسب من البعضية، ولما كان ملحقًا بالنسب ذكره الله بعده إلا أنه قال: ﴿حُرمَت عَلَيْكُم أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٢)، فاستوفى محرمات النسب، ثم ذكر محرمات الرضاع فقال ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، ولم يزد، واقتصر على الأم من الأصول وعلى الأخت من الفروع. أما أنه ورد حديثان صحيحِان تمم بهما النبى ﷺ ، معنى البيان وجاء فيهما بموعود الوعد الصادق في قوله ﴿لِتُبَينَ لِلنًاسِ مَا نُزَلَ إلَيْهِمْ﴾ (٣). روى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: يَا رَسُولَ الله أرَاكَ (مُتَزَوِّجٌ) (٤) في قُرَيْشٍ وَتَدَعنَا؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (وَعِنْدُكُمْ شْيٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إنَّهَا بِنْتُ أَخِي مِنَ الرضَاعَةِ لاَ تَحِلُّ لِي) (٥). وَرَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قلت: يَا رَسُولَ الله هَلْ لَكَ في أَنْ تَنْكِحَ أُخْتِي بِنْتَ أَبى سُفُيَانَ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (أَوَتُحِبِّين ذَلِكَ؟ قُلْتُ: أَنىِّ لَسْتُ لَكَ بمُخْلِيَةٍ وَأُحِبُّ مَنْ يُشْرِكُنِي في خَيْرٍ أخْتِي، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّهَا لَا تَحِل لِي. قُلْتُ: فَقَدْ حُدِّثْنَا أَنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَة، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إنَهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبيبَتي في حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إنَّهَا بِنْتُ أخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ؟ أرْضَعَتْنِي وَأبَا سَلَمَة ثُوَيْبَةُ (٦) فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أخَوَاتِكُنَّ. وكَانَتْ ثُويبَةُ جَارِيَةً لِأبِي لَهَبٍ أرْضَعَتْ

стр. 760

رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَحَمْزَةَ وَأبَا سَلَمَةَ) (١). وقد روى أهل التاريخ أن حمزة كان أكبر من رسول الله ﷺ ، بأربع سنين، وروي أنه كان أكبر منه بسنتين (٢)، فيحتمل أن يكون رضاع النبي ﷺ ، مع حمزة في مدة واحدة، ويحتمل أن يكون في مدتين. وحقيقة الرضاع التي يتعلق بها التحريم أن كل فمين تناولا ثديًا واحدًا في وقت واحد، أو في وقتين مختلفين، فإن المرضع أمٌ لهما، وهما أخوان من الرضاعة. والثالث: أن كل فحل درّ به لبن أرضعته فكل أخت له من النسب عمة لك من الرضاعة. والرابع: أن كل ثدي أرتضعته فإن كل أخت له من النسب؛ خالة لك من الرضاعة. والخامس: أن كل فَمَيْنِ جمعهما ثدى واحد في وقت واحد، أو وقتين كما تقدم، فإن كل بنت للمجتمع معك عليه من أنثى أو ذكر فإنه ابن أخ لك وابن أخت، فصار لبن الأم قرآنيًا وصار لبن الفحل بالسنة (قَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَانَ عِنْدَهَا وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأذِنُ ..) الحديث إلى آخره، قال فيه (يُحْرَمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يُحْرَمُ مِنَ الْوِلَادَةِ) (٣). وهذه الكلمة صحيحة قد ثبتت عن النبي ﷺ ، منفصلة عنه مروية من طرق

стр. 761

سواه (١)، وهو عموم متفق عليه لم يدخله تخصيص بإجماع. هذا هو أصل الرضاع المتفق عليه وفيه اختلاف كثير بين العلماء وتفصيل الفروع وذكر منه مالك فصلين مهمين: أما أحدهما فتقدير الرضاع: قالت جماعة: إنه ليس له قدر إلا ما وصل منه إلى الجوف، منهم مالك (٢) وأبو حنيفة (٣)، وقالت طائفة: لا يحرم قليل اللبن وإنما يحرم كثيره، منهم الشافعي (٤)، واختلفوا في تقديره باختلاف الأحاديث فيه، فثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ (٥) وَلَا الْأُمْلَاجَةُ وَلَا الْأُمْلاَجَتَانِ" (٦)، وثبت عن عائشة، ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ مِمَّا أُّنْزِلَ مِنَ الْقُرآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، والْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) (٧)، وهذان الحديثان لا يصح التعلُّق بهما لوجهين:

стр. 762

أحدهما: أن عائشة أحالت في الحديث بالعشر والخمس على القرآن، وأخبرت أن هاتين الآيتين، بالعشر والخمس، كانتا منه ثم نسخت إحداهما وثبتت الأخرى، والقرآن لا يثبت بمثل هذا وإنما يثبت القرآن بنقل التواتر عن التواتر، فإذا سقط الأصل سقط فرعه، ولو أحالت بذلك حديثًا عن النبي ﷺ ، لزم قبوله (١). الثاني: أن قوله: لا تحرم المصة الواحدة ولا الأُملاجة، جزء من هذا الحديث وبعض منه، بل قد روي أنه منتزع منه (٢) على أنه يحتمل أن يريد لا تحرم المصة ولا المصتان إشارة إلى أن جذب الطفل للثدي لا (أصل) (٣) له ما لم يكن معه استخراج لبن أو وصوله إلى الجوف، (وقد بينا في مسائل الخلاف كيفية وصول اللبن إلى الجوف) (٤)، وطريق استمراره عليه عند المعاينة له وهو من خفيّ الفقه فلينظر هنالك. وأما الفصل الثاني: الذي ذكر مالك، وهو رضاعة الكبير، والأصل فيه حديث أبي حذيفة وما جرى فيه لسهلة حسب ما سرده مالك ولقد استوفاه (٥) مالك ﵁، وتحفى به

стр. 763

تحفياً (١) اقتضى الجمع بين السؤال والانفصال، وبيَّن أن هذا الخبر لما وقع وعلمه الصحابة وتحصَّل لأزواج النبي ﷺ ، وقع الاختلاف فيه بينهم فرأت عائشة، رضوان الله عليها، أن تعديه إلى غير سهلة، ورأى صاحباتها أن يكون مقصوراً عليها (٢)، وهو الصحيح، لأجل أن النبي ﷺ لم يأذن فيه لغير سهلة ولا فعله أحد حياة النبي ﷺ ، كلها وبعدها مع مسيس الحاجة من الناس كلهم إلى ذلك، ولو كان عامًا لبادر إليه الكل، فوجب التعويل على إطلاق القرآن قوله ﴿وَأُمهَاتكُمُ اللَّّاتي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٣) ثم قال ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٤) الآية، تبين زمانه في حال الطفل ومدته في حال الاستمرار، وركب العلماء عليه فروعاً كثيرة أمهاتها ثلاث (٥): الفرع الأول: إذا استمر الطفل على الرضاع بعد الحولين ولم ينقطع ارتضاعه ثلاثة

стр. 764

أعوام وأربعة وخمسة هل يتعلق حكم التحريم به مدى الاستمرار أو ينقطع عند انقضاء المدة (١)؟ اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كثيرًا. الثاني: إذا استغنى عن اللبن قبل تمام المدة ثم عاد إليه (٢). الثالث: إذا استغنى بعد تمام المدة ثم عاد إليه في حرارة ذلك (٣) في المدة اليسيرة، وهذه تفاصيل فروع لكل قول فيها متعلق ولكل قوم فيها شبهة من الحجة (غير) (٤) أنا نعطيكم في ذلك أصلين إليهما يعود كل خلاف وإليهما ينتهي كل نظر معتمدهما قول الله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فقال يوم: لما ذكر الحولين لم يجز أن يقضي عليهما بزيادة لحظة فكيف بزيادة أيام يسيرة فكيف بزيادة شهر؟؟ ورام قوم أن ما كان من الزيادة اليسيرة فهي في حكم التبع للأصل الممهَّد. وقال المحققون: إذا حددت الشريعة عددًا أو مدة لم يجز لأحد أن يزيد فيها واحدًا ولا زمانًا. وقال بعضهم: لما قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ علم أن هذا التحديد ليس بمحتوم، ولأن كل ما يحكم به الشارع احتمالًا يتعلق بإرادة المكلف وعلى هذه النكتة عوَّل علماؤنا في الزيادة (٥). وقال المحققون من أصحاب

стр. 765

الشافعي: إنما وقع شرط الإرادة في الانتهاء إلى المدة والنقصان منها، فأما في الزيادة عليها فلا (١). والجواب: إنا نقول إن شرط الإرادة وقع مطلقًا فتخصيصه ببعض محتملاته يفتقر إلى بعض وإلى دليل، فأما إذا فطم قبل تمام الحولين فلا إشكال في أنه إذا استغنى وبعد لا يلحق الارتضاع الثاني بالأول في حكم التحريم وإن كانت المدة قائمة لفقه صحيح؛ وذلك أن المدة لم تضرب لعينها وإنما ضربت ليجري الرضاع فيها، وعلقت الإرادة كما اتفقنا عليه قبل الحولين، فإذا قطعت بالإرادة ووقع الاستغناء عنها لم يكن لصورة المدة اعتبار، وركب علماؤنا على هذا مسألتين: إحداهما: إذا حلب لبن ميتة، وهي مسألة معضلة، قال جماعة من العلماء: لا يحرم لبن الميتة لأن الإرضاع فرع الوطء ووطء الميتة لا يوجب حلًا ولا تحريمًا فالرضاع بذلك أولى (٢). وعوَّل علماؤنا على أن اللبن في الميتة مختزن قد تولد في وقت كانت حرمة الأصل فيه باقية فلا فرق بين أن يكون في ثديها أو في كونه في كوز منفصل عنها (٣)، وهي قد ماتت وليس بينهما فرق عند الإنصاف إلا أن الثدي وعاء نجس وليست نجاسته اللبن مما يرفع انتشار الحرمة به اتفاقًا وهذا منتهى الكلام. وأما مزج اللبن بمائع أوجامد حتى استهلك وهي

стр. 766

المسألة الثانية: فقد اختلف العلماء أيضاً في ذلك اختلافاً كثيرًا (١) واختلف علماؤنا كاختلافهم، والحق أحق أن يتبع، فلا شك في انتشار الحرمة به لأنه من جملة الغذاء الذي أنبت اللحم وأنشز العظم، والدليل على صحة ذلك أن التطبيب في جميع الأجزاء المهيئة للدواء يحصل من الواحد رطلًا ومن الآخر درهمًا يكون له (٢) حظ في استجلاب الصحة حسًا، فكذلك ينشر اللبن المستهلك الحرمة حكمًا (٣). حديث .. رَوَتْ جدامة بنت (٤) وهب الأسدية حديث الغيلة. نقلت من خط أبي زكريا محمَّد بن العباس بن حيوية (٥) اللغوي ببغداد، وقرأته بعد ذلك على أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار (٦). قلت: أخبرك أبو إسحاق إبراهيم (٧) بن عمر الحنبلي الفقيه

стр. 767

الزاهد وعلي بن عمر الحربي (١)، قال أبو العباس أحمد (٢) بن زكريا المذكور قال: سألت أبا عمر الزاهد (٣) عن جدامة بنت وهب التي تروي حديث الغيلة فقال: هي جُدّامة، بضم الجيم وتشديد الدال المهملة. (٤) وهي في اللغة اسم لطرف السعفة (٥) التي في النخل، وقول النبي ﷺ :"لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أنْهى عَنِ الْغِيلَةِ" (٦). ذكر علماؤنا في ذلك أنه دليل على جواز حكم النبي، ﷺ ، بالاجتهاد (٧) دلالة لأنه

стр. 768

لو كان وحيًا لم يرده عنه إلا ما يرد نسخًا، ولكن الحكمة في ذلك والنكتة فيه أمر يجب أن تحصلوه وهو أن النبي، ﷺ ، قد كان استقر عنده من الشريعة بالوحي المنزَّل أن الضرر والمضارة حرام، ورأى، لجري العادة، أن الماء ربما أغال اللبن فأضعف الطفل فأراد أن ينهى عنه بعموم تحريم الضرر، ثم ذكر أن الحال في ذلك منقسمة؛ فمنها ما يضرّ ومنها ما لا يضرّ فأمسك عن ذلك إبقاء لتحليل الوطء على أصله. أما إنه حق للزوج فإن شاء أن يستوفيه لم يسقط حقه الواجب بالشك في ضرر الولد، وإن أراد أن يسقط حقه فقد أخذ لولده بالأحوط لم يكن للمرأة كلام في ذلك لأن الزوج يفضلها بالقوامية التي جعلها الله عليه في قوله: ﴿الرجَال قَوِّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (١). الآية.

стр. 769

كتاب البيوع قال القاضي الزنجاني (١) بيت المقدس: البيع والنكاح عقدان يتعلق بهما قوام عالم الإنس وذلك أن الله تعالى خلق الآدمي محتاجًا للغذاء (٢) مشتهيًا للنساء وخلق له ما في الأرض جميعًا كما أخبر في صادق كتابه ولم يتركه سدىً يتصرف في اقتضاء شهواته ويستمتع بنفسه في اختياره كما فعل بالبهائم لأنه فضله عليها بالعقل الذي جعله لأجله خليفة في الأرض. ويتعارض الشهوات والعقل تعين أن يكون هنالك قانون يفصل به وجه المنازعة بين الأمرين فتسترسل الشهوة بحكم الجبلّة ويقيدها القانون بحكم الشريعة. وجعل لكل واحد من المكلفين اختصاصًا يقال له [الملك] (٣) بما يتهيأ به النفع وجعل له شيئين أحدهما يثبته ابتداءً وهو الاصطياد والاحتشاش والاحتطاب والاقتطاع على اختلافٍ وتفصيلٍ. والثاني نقله من يدٍ إلى يد وهو على وجهين: أحدهما: بغير عوضٍ وهو الهبة. والثاني: بعوض وهو البيع وما في معناه، وهذا بابه وله شروط كثيرة ومفسداته كثر لما قضى الله من أن يكون الفساد أكثر من الصلاح، فالشر أضعاف الخير ولذلك تمتلىء النار بأهلها وتبقى الجنة خالية حتى ينشىء الله لها خلقًا آخر (٤) وتحصره (٥) شروط ثلاثة: أحدها: أهلية المتعاقدين وهو أن

стр. 770

يكون كل واحدٍ منهما عاقلاً بالغًا على اختلافٍ وتفصيل لم يتقدم عليه حجر باتفاق ولا أدركه سفه في ماله باختلاف. ثانيها: أهلية المعقود عليه لمورد العقد وذلك بأن يكون متمولًا متملكًا عريًا عن حق الله فيه بأمر أو نهي وعن حق لآدمي غير الذي يباشر العقد. ثالثها: انتظام العقد بائتلاف الإيجاب والقبول فيه مطردين. فأما شرط (١) العقل فلأن المجنون ليس له قول حسًا ولا شرعًا باتفاقٍ من العلماء، وأما شرط (٢) البلوغ فلأن الصبي لا يصح له التصرف بنفسه لنقصان عقله وقلة بصيرته حتى يبلغ حد المعرفة ويتوجه عليه خطاب التكليف. أما إن العلماء اختلفوا في صحة عقده إذا أذن له وليه فقال مالك (٣) وأبو حنيفة (٤): يجوز ذلك ويترتب على عقده بعد الإذن أحكام العقد الصحيح. وقال الشافعي: قوله لغو حتى يبلغ (٥). والصحيح ما ذهبنا إليه بدليل قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدًا﴾ (٦) الآية فأذن في ابتلائهم قبل البلوغ ولا يختبرون إلَّا بالاذن لهم في التصرف وهذا ظاهر بيّن. وأما نفي الحجر عنه فلأنه إذأكان محجورًا عن ماله لعلة صغره أو قلة نظره حتى (٧). كان قوله معدومًا في حق نفسه. فأما لو لم يكن حجرًا لكان شأنه السفه والتبذير فاختلف فيه العلماء على قولين: منهم من رد فعله ومنهم من جوزه وهو المشهور من مذهبنا والصحيح في الدين لوجهين: أحدهما: أنه محمول على أصل تصرفه في الإمضاء حتى يرد دليل الرد. والثاني: أنّا لو رددنا أفعاله لكان في ذلك ضرر على من عامله فلحوق المضرة به في تلف ماله أولى من إتلاف مال غيره في صيانة ماله (٨). وأما أهلية المعقود عليه فلا بد أن يكون ما لا تميل إليه الطباع وتتعلق به الأطماع ولا بد أن يكون طيبًا وهو كل ما أذن الشرع في اكتسابه، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطييات﴾ (٩) وذلك معناه في أحد الأقوال ومن حقه أن يكون خاليًا عن حق يتعلق بغير

стр. 771

العاقد فيه لما في ذلك من التناقض فإنا لو جوزنا البيع لوجب أن يحكم للمشتري في القبض والسلطة على التصرف وفي ذلك إبطال للحق الثابت في العين المبيعة قبل البيع. وأما انتظام العقد واطراده باتصال الإيجاب والقبول فهو أصل العقد ومعناه لكن اختلف (١) العلماء إذا لم يتصل القبول بالإيجاب وتأخر عنه فمنهم من قال يبطل لأن اتصالهما عبادة وهو الشافعي (٢) ومنهم من قال لا يبطل بالتير اليسير واختلفوا في التأخير الكثير وحدّ الكثرة فيه والذي يقتضيه الدليل جواز تأخير الإيجاب عن القبول - ما تأخرعنه لا يقطعه طول المدة عن أن يكون قبولًا له كما لا يمتنع أن يكون جواب الكلام بعد المدة الطويلة جوابًا له - لكنه يعترض ههنا أمران: أحدهما في النكاح والثاني في البيع. فأما الذي يعترض بالنكاح بتأخير القبول عن الإيجاب فهو إيقاف الفرج على الحل والحرمة والفروج لا تحمل ذلك ولذلك لم يدخله شرط الخيار فلا ينبغي أن يتأخر القبول عن الإيجاب فيه لحظة والعجب من علمائنا أن قالوا يجوز أن يتأخر القبول عن الإيجاب ثلاثة أيام وهو ما بين مصر والقلزم ولا يجوز فيه اشتراط الخيار ساعةً من نهارٍ. وأما البيع فلا نبالي فيه عن طول المدى إلَّا ما يتطرق في أثناء ذلك إلى السلعة من فسادٍ يلحق عينها أوحط يدرك ثمنها وللناس غرض في قدر أموالهم كما لهم غرض في أعيانها (٣). تأصيل: اختلفت آراء (٤) الناس في أصول البيوع وأدارها المتكلمون على أربعة أحاديث وأدارها الفقهاء على أربعة وزاد مالك فيها أصلين وقد أفضنا ذلك حيث جمعنا مسائل الفروع وحيث نظرنا في شرح الحديث ونحن الآن نبني الكلام في هذا القبس على معنًى يوافق غرض مالك في الموطأ خاصة ونفرع على قالب (٥) قوله فيه فنقول: الأصول ستة: أربعةٌ من الحديث واثنان من المعنى. الأول: حديث الربا قال النبى ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلَّا سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد) (٦) وهذا

стр. 772

لفظ الحديث في الدرس وقد شرحناه باختلاف ألفاظه في شرح الحديث. الثاني: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال النبي ﷺ : (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزن معلوم إلى أجلٍ معلوم) (١). الثالث: نهى ابن عمر وزيد بن ثابت عن النبي ﷺ في بيع الثمار. أما ابن عمر فقال: نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها (٢) فذكره في الدرجة الثانية، ورواه زيد بن ثابت في درجته الأولى فقال: قال النبي ﷺ : (لا تبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها) وزاد عنه ﷺ فبين علة المنع فقال: (أرأيت إن منع الله الثمار فبم يأخذ أحدكم مال أخيه) لكنه عقب علينا بما غير الدليل واتعب في التأويل فقال كالمشورة (٣) لهم فجعل ذلك زيد في ظاهر الحديث رأيًا عرضه لا نهيًا حرَّمه (٤) وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء الله. الرابع: حديث ابن عمر (٥) وابن عباس: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه. زاد ابن عباس: وأحسب كل شيء (٦) مثله. وكان بعض الأصوليين قد عَدَّ في جملة الأحاديث

стр. 773

الأربعة أن النبي ﷺ [نهى عن بيع (١) الغرر] ومعنى هذا الحديث صحيح ولفظه ليس في الصحيح لكن ورد في الصحيح طرف من معناه وهو أن النبي ﷺ (نهى عن اللماس (٢) والنباذ) وأما المعنى فإن مالكًا زاد في الأصول مراعاة الشبهة وهي التي يسميها أصحابنا الذرائع (٣) وهو الأصل الخامس. والثاني وهو السادس: المصلحة (٤) وهو في كل معنى قام به قانون الشريعة وحصلت به المنفعة العامة في الخليقة ولم يساعده على هذين الأصلين أحد من العلماء وهو في القول بهما أقوم قيلًا وأهدى سبيلًا وقد بينا وجوب القول بهما والعمل بمقتضاهما في أصول الفقه ومسائل الخلاف. فأما حديث الربا فهو أصل متفق عليه بين الأمة وقد اتفقوا فيه على أربعة أقوال: فقال ابن الماجشون (٥): يجري الربا في كل (٦) مال. وقال الشافعي: يجري الربا في كل مطعوم (٧). وقال أبو حنيفة: يجري الربا في كل مكيل وموزون (٨). وقال مالك:

стр. 774

يجري الربا في كل مقتات (١) على تفصيل بيّناه في المسائل ولم يقل أحد من الأمة أن الربا يقتصر على هذه الأعيان الستة لا من الصحابة فمن دونهم بل كانوا يتخوفون من الربا ويتأسفون على أن البيان فيه لم يقع فيه بالجلاءِ وقد كان عمر بن الخطاب يقول على منبره: "إن رسول الله ﷺ توفي ولم يبين لنا أبوابًا من الربا فذروا الربا والريبة (٢) ". وهذه هي الشبهة التي أثبتها مالك وتفطن لها دون سائر الفقهاء وسئل سعد بن أبي وقاص عن البيضا (٣) بالسُلتِ (٤) في تخصيص النبي ﷺ لهذه الأعيان الستة ما ضلت فيه المبتدعة (٥) وخفي على

стр. 775

بعض العلماء وذلك أن النبي ﷺ لو أراد إجراء الربا في كل مال لذكر مالًا واحداً منها فيدل به على غيره أو ذكر من كل نوع مالًا بأن يذكر من المقتات شيئًا ومن المدخر شيئًا ومن الملبوس شيئًا فأما أن يقصد كل مالٍ ولا يذكر منه إلّا أنواع المقتاتِ فهذا ناءٍ عن الفصاحة قصىٌّ عن الحكمةِ ولكنه ذكر الذهب والفضة لأنهما أثمان الأموال وقيم المتلفات جعلهما الله تعالى في الأرض معيارًا لمقادير الأموال المنتفع بأعيانهما وهما لا ينتفع بذايتهما. وذكر البر تنبيهاً علي ما يقتات به في حال الاختيار والسعة، وذكر الشعير تنبيهًا على ما يقتات في حال الضيق والضرورة، وذكر التمر تنبيهًا على ما يقتات تحليًا وتفكهًا، وذكر الملح تنبيهًا على ما يقتات مصلحًا للقوتِ كالافادة (١) والأبازير. وجعل هذا الحكم وهو تحريم الربا مقرونًا بالجنس الذي تعظم عنده الحاجة ويقوى معها الطمع كما جعل الجنس علةً في تحريم النساء في الأموال كلها أو بعضها على اختلافٍ يأتي بيانه إن شاء الله. وأما حديث ابن عباس في السلم (٢) فإن البيع شرعه الله تعالى معين في الحال ومضمون في الذمة لما حكم بإنزال الرزق بقدرٍ معلم ووضع أيدي الخلق عليه على مقدارٍ متفاوتٍ ولم يجعل عند كل أحد كل ما يحتاج إليه، فقسم الحاجات على المحاويج وأحوج بعضهم إلى الأخذ من البعض ليبلوهم أيهم أعمل بالقانون وأهدى إلى الطريق. وقد يحتاج أحد المتعاملين إلى ما عند الآخر ولا يحضره الثمن وقد يحتاج الآخر الثمن ولا يحضره العين المنتفع بها فأذن في التأخير فيهما ولكن بشرط العلم وتقييد الغائب بالصفات التي تحضره حتى يكون كأنه حاضر وذلك وارد في الثمار خبرًا كما رويناه آنفاً عامٌ في جميع الأموال باتفاقٍ من العلماء ما عدا الحيوان فإنهم اختلفوا فيه فقال أبو حنيفة: لا يعقد على الحيوان بصفةٍ لتفاوت أحواله في صفاته (٣) وخصوصًا الآدمي الذي فيه من التفاوتِ ما لا يحويه حصر ولذلك قال شاعرهم:
следующие страницы →