← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

العاقد فيه لما في ذلك من التناقض فإنا لو جوزنا البيع لوجب أن يحكم للمشتري في القبض والسلطة على التصرف وفي ذلك إبطال للحق الثابت في العين المبيعة قبل البيع. وأما انتظام العقد واطراده باتصال الإيجاب والقبول فهو أصل العقد ومعناه لكن اختلف (١) العلماء إذا لم يتصل القبول بالإيجاب وتأخر عنه فمنهم من قال يبطل لأن اتصالهما عبادة وهو الشافعي (٢) ومنهم من قال لا يبطل بالتير اليسير واختلفوا في التأخير الكثير وحدّ الكثرة فيه والذي يقتضيه الدليل جواز تأخير الإيجاب عن القبول - ما تأخرعنه لا يقطعه طول المدة عن أن يكون قبولًا له كما لا يمتنع أن يكون جواب الكلام بعد المدة الطويلة جوابًا له - لكنه يعترض ههنا أمران: أحدهما في النكاح والثاني في البيع. فأما الذي يعترض بالنكاح بتأخير القبول عن الإيجاب فهو إيقاف الفرج على الحل والحرمة والفروج لا تحمل ذلك ولذلك لم يدخله شرط الخيار فلا ينبغي أن يتأخر القبول عن الإيجاب فيه لحظة والعجب من علمائنا أن قالوا يجوز أن يتأخر القبول عن الإيجاب ثلاثة أيام وهو ما بين مصر والقلزم ولا يجوز فيه اشتراط الخيار ساعةً من نهارٍ. وأما البيع فلا نبالي فيه عن طول المدى إلَّا ما يتطرق في أثناء ذلك إلى السلعة من فسادٍ يلحق عينها أوحط يدرك ثمنها وللناس غرض في قدر أموالهم كما لهم غرض في أعيانها (٣). تأصيل: اختلفت آراء (٤) الناس في أصول البيوع وأدارها المتكلمون على أربعة أحاديث وأدارها الفقهاء على أربعة وزاد مالك فيها أصلين وقد أفضنا ذلك حيث جمعنا مسائل الفروع وحيث نظرنا في شرح الحديث ونحن الآن نبني الكلام في هذا القبس على معنًى يوافق غرض مالك في الموطأ خاصة ونفرع على قالب (٥) قوله فيه فنقول: الأصول ستة: أربعةٌ من الحديث واثنان من المعنى. الأول: حديث الربا قال النبى ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلَّا سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد) (٦) وهذا

стр. 772

لفظ الحديث في الدرس وقد شرحناه باختلاف ألفاظه في شرح الحديث. الثاني: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال النبي ﷺ : (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزن معلوم إلى أجلٍ معلوم) (١). الثالث: نهى ابن عمر وزيد بن ثابت عن النبي ﷺ في بيع الثمار. أما ابن عمر فقال: نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها (٢) فذكره في الدرجة الثانية، ورواه زيد بن ثابت في درجته الأولى فقال: قال النبي ﷺ : (لا تبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها) وزاد عنه ﷺ فبين علة المنع فقال: (أرأيت إن منع الله الثمار فبم يأخذ أحدكم مال أخيه) لكنه عقب علينا بما غير الدليل واتعب في التأويل فقال كالمشورة (٣) لهم فجعل ذلك زيد في ظاهر الحديث رأيًا عرضه لا نهيًا حرَّمه (٤) وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء الله. الرابع: حديث ابن عمر (٥) وابن عباس: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه. زاد ابن عباس: وأحسب كل شيء (٦) مثله. وكان بعض الأصوليين قد عَدَّ في جملة الأحاديث

стр. 773

الأربعة أن النبي ﷺ [نهى عن بيع (١) الغرر] ومعنى هذا الحديث صحيح ولفظه ليس في الصحيح لكن ورد في الصحيح طرف من معناه وهو أن النبي ﷺ (نهى عن اللماس (٢) والنباذ) وأما المعنى فإن مالكًا زاد في الأصول مراعاة الشبهة وهي التي يسميها أصحابنا الذرائع (٣) وهو الأصل الخامس. والثاني وهو السادس: المصلحة (٤) وهو في كل معنى قام به قانون الشريعة وحصلت به المنفعة العامة في الخليقة ولم يساعده على هذين الأصلين أحد من العلماء وهو في القول بهما أقوم قيلًا وأهدى سبيلًا وقد بينا وجوب القول بهما والعمل بمقتضاهما في أصول الفقه ومسائل الخلاف. فأما حديث الربا فهو أصل متفق عليه بين الأمة وقد اتفقوا فيه على أربعة أقوال: فقال ابن الماجشون (٥): يجري الربا في كل (٦) مال. وقال الشافعي: يجري الربا في كل مطعوم (٧). وقال أبو حنيفة: يجري الربا في كل مكيل وموزون (٨). وقال مالك:

стр. 774

يجري الربا في كل مقتات (١) على تفصيل بيّناه في المسائل ولم يقل أحد من الأمة أن الربا يقتصر على هذه الأعيان الستة لا من الصحابة فمن دونهم بل كانوا يتخوفون من الربا ويتأسفون على أن البيان فيه لم يقع فيه بالجلاءِ وقد كان عمر بن الخطاب يقول على منبره: "إن رسول الله ﷺ توفي ولم يبين لنا أبوابًا من الربا فذروا الربا والريبة (٢) ". وهذه هي الشبهة التي أثبتها مالك وتفطن لها دون سائر الفقهاء وسئل سعد بن أبي وقاص عن البيضا (٣) بالسُلتِ (٤) في تخصيص النبي ﷺ لهذه الأعيان الستة ما ضلت فيه المبتدعة (٥) وخفي على

стр. 775

بعض العلماء وذلك أن النبي ﷺ لو أراد إجراء الربا في كل مال لذكر مالًا واحداً منها فيدل به على غيره أو ذكر من كل نوع مالًا بأن يذكر من المقتات شيئًا ومن المدخر شيئًا ومن الملبوس شيئًا فأما أن يقصد كل مالٍ ولا يذكر منه إلّا أنواع المقتاتِ فهذا ناءٍ عن الفصاحة قصىٌّ عن الحكمةِ ولكنه ذكر الذهب والفضة لأنهما أثمان الأموال وقيم المتلفات جعلهما الله تعالى في الأرض معيارًا لمقادير الأموال المنتفع بأعيانهما وهما لا ينتفع بذايتهما. وذكر البر تنبيهاً علي ما يقتات به في حال الاختيار والسعة، وذكر الشعير تنبيهًا على ما يقتات في حال الضيق والضرورة، وذكر التمر تنبيهًا على ما يقتات تحليًا وتفكهًا، وذكر الملح تنبيهًا على ما يقتات مصلحًا للقوتِ كالافادة (١) والأبازير. وجعل هذا الحكم وهو تحريم الربا مقرونًا بالجنس الذي تعظم عنده الحاجة ويقوى معها الطمع كما جعل الجنس علةً في تحريم النساء في الأموال كلها أو بعضها على اختلافٍ يأتي بيانه إن شاء الله. وأما حديث ابن عباس في السلم (٢) فإن البيع شرعه الله تعالى معين في الحال ومضمون في الذمة لما حكم بإنزال الرزق بقدرٍ معلم ووضع أيدي الخلق عليه على مقدارٍ متفاوتٍ ولم يجعل عند كل أحد كل ما يحتاج إليه، فقسم الحاجات على المحاويج وأحوج بعضهم إلى الأخذ من البعض ليبلوهم أيهم أعمل بالقانون وأهدى إلى الطريق. وقد يحتاج أحد المتعاملين إلى ما عند الآخر ولا يحضره الثمن وقد يحتاج الآخر الثمن ولا يحضره العين المنتفع بها فأذن في التأخير فيهما ولكن بشرط العلم وتقييد الغائب بالصفات التي تحضره حتى يكون كأنه حاضر وذلك وارد في الثمار خبرًا كما رويناه آنفاً عامٌ في جميع الأموال باتفاقٍ من العلماء ما عدا الحيوان فإنهم اختلفوا فيه فقال أبو حنيفة: لا يعقد على الحيوان بصفةٍ لتفاوت أحواله في صفاته (٣) وخصوصًا الآدمي الذي فيه من التفاوتِ ما لا يحويه حصر ولذلك قال شاعرهم:

стр. 776

ولم أر أمثال الرجال تفاوتوا ... إلى الفضل حتى عد ألف بواحد (١) وكذلك سائر الحيوان في شراسة الخلق (٢) وقلة التأني وكثرة التأنى أو بعكسهما وهذا كله ضعيف. والدليل على حصر الوصف للعين في ضبطها القرآن والسنة والمعاينة. أما القرآن فحديث بقرة بني إسرائيل. قال ابن عباس: لو أنهم إذ سمعوا الأمر بادروا إلى أي بقرة كانت لأجزاهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم ولم يزالوا يسألون وتوصف حتى تعينت لهم (٣). وأما السنة فقد روي في الآثار وهو حديث لا بأس به أن النبى ﷺ قال: (لعن الله المرأة تصف المرأة لزوجها حتى كانه ينظر إليها) (٤). وأما المعاينة فقد أجمع العلماء على إدراك المعينات بالصفات وقد سمعت شيخ النخاسين (٥) ببغداد يقول الذي يحصر الصفات معرفة الحدود والقدود والنهود (٦) والشعور والثغور (٧) والنحور والأطراف والاكتاف والأرداف (٨) وما ذكره أصحاب أبي حنيفة وهمٌ عظيم منهم لأنهم استدلوا على نفي معرفة الخلقةِ باستحالة معرفة الخلق والخلق هي التي تتفاوت الناس فيها ولا يقدر أحد على تحصيلها. فأما الخلق فما أقربها إن عاينتها أدركتها وإن وصفتها عينتها تقول بيضاء سوداء الشعر معتدلة القد (٩) ضربة اللحم دقيقة الأطراف دقيقة الخصر (١٠) عظيمة العجز (١١) أسيلة

стр. 777

الوجه أو مدورته قنوأ (١) أو خَنَسَاءُ أو بينهما. فلجاء (٢) أو قرناء (٣) أو كحلاء (٤) أو شهلاء (٥). فماذا بقي بعد هذه الصفات من تحصيل العلم أو كيف ينظر أحد إلى هذه الصفات مكتوبة مع النظر إلى العين المحال عليها بها. ملحوظة: ولا يجمع بينهما بيع الثمار. وأما حديث بيع الثمار فإن الحديث المذكور أصل في الدين وتنبيه على كثير من الوجوه التي يتطرق بها الفساد إلى بياعات المسلمين وذلك أكل المال بالباطل وقد بينا حقيقة الباطل في غير ما موضع وبينا أن من معناه ما هو المراد به ههنا وهو الذي لا يفيد مقصوده وذلك أن العقد إما أن يدخل فيه (عقد) (٦) المتعاقدين على أن يكون المال من جهة أحدهما والثمن من جهة الآخر فذلك جائز على ما يأتي في موضعه وأما أن يكون على نقل الملك والتبادل بينهما من عين إلى عين فلا يجوز على قصد أن يكون أحدهما مستفيدًا مقصوده بعقده والآخر فائت المقصود كله. أما إن الشرع قد رخص في أن يستفضل أحدهما من مال الآخر ما قدر عليه من غير غش إلَّا بقدر الحاجة من أحدهما والاستغناء من الآخر فإذا دخل بين المتعاقدين قصد فاسد فلا بد أن يقترن به من الشريعة نهى جازم فيكون ذلك فسادًا فيه علي الاختلاف في وجه الفساد وحاله ومآله ويأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فإذا ابتاع مثلًا الثمرة قبل بدو صلاحها فهى معرضة للآفات ويجرى ذلك عليها كثيرًا في الاعتياد، حصل صاحب الثمرة على الثمن وخسر الآخر ماله وهذا إن تراضى عليه المتعاقدان فإن الله لايرضاه وهو معنى قوله ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (٧) وهو

стр. 778

معنى قول النبي ﷺ (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه) (١) فإن قيل فقد قال كالمشورة لهم فلم يجعله نهيًا جزمًا. قلنا: قد قام الدليل من القرآن والخبر المذكور على أن النهي فيه جازم والمعنى فيه مفهوم وقول زيد بن ثابت كالمشورة لهم ظنٌ منه وتأويل وإذا استقام في الرواية الدليل لم يقدح فيه ما يظنه الراوي من التأويل. جواب آخر: وذلك أن قوله كالمشورة لهم يعني به كالمشورة الموبخة لا كالمشورة المخيرة (٢) وقد مهدنا ذلك في شرح الحديث. وأما من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه فليس فيه تعليل وإنما هو شرع مخض وتعبد صرف واختلف العلماء فيه على أربعة أقوال: فمنهم من قال إنه جارٍ في كل شيء وهو الشافعي وتعلق في ذلك بما روي عن النبي ﷺ أنه (نهى عن بيع ما لم يقبضوا وعن ربح ما لم يضمنوا) (٣) وروى أنه لما ولى عتّاب بن أسيد على مكة قال: (إنههم عن بيع ما لم يقبضوا وعن ربح ما لم يضمنوا) وهذان الحديثان خرجهما الدارقطني وغيره وليسا بصحيحين (٤) ومنهم من قال يحمل كل

стр. 779

شيء على الطعام الذي ورد فيه الحديث بقياس أنه مبيع لم يقبض فلم يجز بيعه كالطعام وهذا معنى قول ابن عباس وأحسب كل شيء مثله، وهذا فاسد لأنا قد بينّا أنه شرع محض وتعبد صرف لا يفهم المعنى منه ولا تعقل علته وإنما يكون الالحاق عند فهم العلة وعقل المعنى فيركب عليه مثله (١). الثاني: قال أبو حنيفة هذا عام في كل شيء إلّا في العقار (٢) لأن العقار ليس فيه قبض إذ لا ينقل ولا يحول ولذلك أحال أيضًا غصبه فقال إن العقار لا يضمن بالغصب لأنه لا ينقل ولا يحول. وقد بينا في مسائل الخلاف أن هذا تخيل فاسد فإنه لولا تصور القبض في الغصب ما صح أن يكون لأحد به اختصاص ولا له عليه يد فالمنقول قبضه إتيانه إليك والعقار قبضه مشيك إليه لكن القبض في كل شيء على قدر سعته. الثالث: قال ابن الماجشون وجماعة معه: يحمل على الطعام كل مكيل لأنه في معناه ولفظه ويحمل عليه الموزون لأنه في معناه الخاص به، وليس هذا من باب القياس وإنما هو من باب كون الشيء في معنى الشيء الذي يعرف قبل التفطن لوجه النظر، وقيل في الحجة له إنه لما كان الطعام منه ما يكال ومنه ما يوزن وانقسمت الحال فيه حمل عليه ما كان مثله، وقد بينا أن ذلك شرعٌ غير معلل فلا يصح الإلحاق بما يغني عن الإعادة (٣). الرابع: قول مالك إنه مخصوص بما ورد في الحديث دون إلحاق ولا تعليل. قال النبي ﷺ : (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه)، فلذلك جوز بيعه في الهبة قبل قبضه. وأما الشبهة فهي في ألسنة الفقهاء عبارة عن كل فعلٍ أشبه الحرام فلم يكن منه ولا بَعُد عنه ويسميها علماؤنا الذرائع (٤).

стр. 780

ومعناه كل فعل يمكن أن يتذرع به أي يتوصل به إلى ما لا يجوز، وهي مسألة انفرد بها مالك دون سائر العلماء وقد مهدنا القول عليها في مسائل الخلاف قرآنًا وسنةً وإجماعًا من الأمة وعبرة. ولو لم يكن في ذلك إلَّا الاتعاظ ببني إسرائيل فإنه حرم عليهم الصيد في يوم السبت فكان الحوت يجري في النهر أكثر من الماء، وأبيح في سائر الأيام فكانوا لا يجدون فيه (١) حوتاً فتذرعوا إلى صيد الحوت في الأيام المباحة بأن سدوا منافس الحوت ومنافذه عند رجوعه فلما أراد أن يرجع ضربت في وجهه الأسداد فأصبح الماء كله حوتًا وأصبحوا هم قردةً وخنازير. وأجمعت الأمة على أنه لا تجوز شهادة الأب لابنه وإن كان عدلًا (٢). وأما المقاصد والمصالح فهي أيضًا مما انفرد بها مالك دون سائر العلماء ولا بد منها لما يعود من الضرر في مخالفتها ويدخل من الجهالةِ في العدول (٣) عنها وقد مهدنا ذلك في أصول الفقه وقد رأيتم من ذلك نظائر وسترون باقيها في أثناء الإملاء إن شاء الله. وإذا انتهينا إلى هذا المقام فلا بد من تأسيس قواعد عشر نبني عليها معنى الكتاب ويرجع الناظر إليها في أثناء الأبواب: القاعدة الأولى: تحقيق الربا: سمعت القاضي الزنجاني (٤) ببيت المقدس والأئمة حسين الصاغاني (٥) وإبراهيم الدهستاني (٦) والبستي (٧) والقاضي أباليمن (٨)، وكلهم حنفيون ومعظمه لحسين وإبراهيم. قال الله تعالى: ﴿وأحلَّ الله البيع وحرّم الربا﴾ (٩) وهذه الآية منتظمة لكل بيع

стр. 781

صحيح وبيع فاسد. أما البيع الصحيح فقد أشرنا إليه ولكن حده عندهم كل بيع سلم من الربا والجهالة. فإن البيع إنما هو مقابلة المال بالمال فلا بد أن يكون المالان من الجهتين مقدرين: والتقدير على قسمين: تقدير تولاه الشرع وهو في الأموال الربوية. وتقدير يتولاه المتعاقدان باختيارهما وذلك في سائر الأموال. القاعدة الثانية: الفساد يرجع إلى البيع من ثلاثة أشياء: إما من الربا. وإما من الغرر والجهالة. وإما من أكل المال بالباطل. وحدُّه أن يدخلا في العقد على العوضية فيكون فيه ما لا يقابله عوض. القاعدة الثالثة: قال لنا فخر الإسلام أبو بكر محمَّد بن أحمد بن الحسين الشاشي بمدينة السلام (١) في الدرس: الصفقة إذا جمعت مالي ربًا من الجهتين ومعهما أو مع أحدهما ما يخالفه في القيمة سواء كان من جنسه أو من غير جنسه فإن ذلك لا يجوز. مثاله: أن يبيع رجل مدًا من قمحٍ ودرهمًا من آخر بمدٍ من قمح (٢) ودرهم. القاعدة الرابعة: قال النبى ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير) الحديث إلى قوله فيه: (سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد) فقال العلماء: الجهل بالتماثل في فساد البيع كالعلم بالتفاضل, لأن النبي ﷺ شرط السواءَ في الكيل والمثل في القدر. واتفق عليه جميعهم إلَّا أن مالكًا قال: إن العلم بالتماثل يجوز أن يدرك بالتحري في الأموال الربوية ونص على ذلك في البيض بالبيض (٣) والخبز بالخبز واللحم باللحم والحالوم

стр. 782

اليابس (١) بالرطب والزيتون الغض بالمالحٍ والقديد باللحم. واختلف علماؤنا في نقل ذلك عنه، فتارةً جعلوه عامًا وتارًة جعلوه خاصًا فيما ذكرنا، والصحيح عمومه (٢) لأن مالكًا جعل الحزر والتخمين طريقًا من المعرفة بالظاهر من التماثل إذ الكيل لا يوصل به إلى حقيقة التماثل إذ يجوز أن يتفاضل الكيلان واليدان في وضع القمح فيهما. فالذي أُخذ على المكلف القصد إلى التماثل فعلًا والقصد إلى اجتناب التفاضل بمعيار شرعي والحزر والتخمين في الشرع كما أن الكيل معيار في الشرع أيضاً، ويحتمل أن يكون مالك أجرى ذلك في اليسير وحيث لا يحصر الكيل والله أعلم. القاعدة الخامسة: القول بالعرف: قال لنا أبو القاسم (٣) بن حبيب قال لنا الفقيه عبد الخالق (٤) قلت للفقيه أبي بكر بن عبد الرحمن: إن الله قال: ﴿خذ العفو وأمر بالعُرف﴾ (٥) فهذه حجة في القضاء بالعرف. وقال: ليس المراد هنا بالعرف العادة، وإنَّما المراد به المعروف الذي هو ضد المنكر. قلت له: فقد قال الله تعالى في قصة يوسف: ﴿إن كان قميصه قُدَّ من قبل فصدقت .. * وإن كان قميصه قُدَّ من دُبُرٍ فكذبت﴾ (٦) قال: ذلك شرع لمن قبلنا وليس شرعاً لنا فسكت وهذا مما لم يقع فيه الأنصاف لأنه ليس في مذهب مالك خلاف في أن شرع من قبلنا شرع لنا وأول من تفطن لهذا من فقهاء الأمصار مالك وعليه عول في كل مسألةٍ. وقد اتفق العلماء على حكمٍ وهو إذا باع الرجل سلعته بدينارٍ فإنه يقضى له بغالب نقد البلد ولا ينظر إلى سائر النقود المختلفة فيحكم بفساد البيع حتى يعين منها واحدًا. ومن أعظم مسائل العرف والعادة مسألة العهدة وقد انفرد بها مالك دون سائر الفقهاء وقد روى في

стр. 783

ذلك ابن وهب حديثًا أن النبي ﷺ قضى في العهدة بثلاثة أيام أو أربعة (١) وهي: أن تكون السلعة بعد قبض المشتري في ضمان البائع حتى تمضي ثلاثة أيام من وقت البيع في كل آفةٍ تطرأ على المبيع ما عدا الجنون والجذام والبرص فإنه يقضى فيها بعهدة السنة (٢). وعول علماؤنا رحمة الله عليهم على أن هاتين العهدتين إنما يقضى بهما لمن شرطهما أو حيث تكون العادة جارية بهما وقد قال قوم إنما كانت في المدينة لكثرة حُمَّاها والحمى لا تنكشف إلَّا في الرابع وهذا غلط بيّن. فإن الباري تعالى قد نقل الحمى عن المدينة ببركة الصادق ﷺ إلى الجحفة حتى لم يبق لها أثر إلى يومنا هذا مع أنها تحل بين حرتين وهي إحدى معجزاته ﷺ (٣). القاعدة السادسة: الغش وهو كتم حال المبيع عن المبتاع نعم وعن البائع إذا جهله وقد علمه المبتاع وذلك ممنوع عادًة ممنوع شرعًا فإن جبلة الجنسية تقتضي حكم الاعتياد ألا يرضى أحد لجنسه إلّا بما يرضى به لنفسه، والشريعة قد منعت منه تحقيقًا لهذا الغرض. مرّ النبي ﷺ على رجل يبيع طعامًا مصبرًا فأدخل يده في الصبرة فرأى فيها بللَّا قد أصابته السماء فأخرجه إلى ظاهر الصبرة وقال: (من غشنا فليس منا) (٤) ويدخل فيه بيع

стр. 784

الصبرة بعلم البائع بكيلها ولا يعلمه المشتري فلا يجوز حتى يعلماها جميعًا أو يجهلاها جميعًا، وهي مسألة يحاجى بها على الطلبة فيقال لهم هل يجوز بيع المجازفة فيقولون لا وذلك جائز فإنهما إذا جهلاها جميعًا أو علماها جميعًا جاز كما قدمنا، وإنما يمتنع ذلك من الجهة الواحدة. ومن ذلك أن يدخل الرجل السوق بفص يظنه زجاجًا فإذا رآه المشتري تحقق أنه فص ياقوت فهذا غش إن انعقد البيع عليه لم يجز وكان البائع بالخيار، ونظائره كثيرة. القاعدة السابعة: اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرصرة في تحليل المحرم، ومن ذلك استثناء القرض من تحريم بيع الذهب بالذهب إلى أجلٍ وهو شيء انفرد به مالك لم يجوزه أحد من العلماء سواه، لكن الناس كلهم اتفقوا على جواز التأخير فيه من غير شرط بأجل، وإذا جاز التفرق قبل التقابض بإجماعٍ فضرب الأجل أتم للمعروف وأبقى للمودة. وعول في ذلك علماؤنا على قول النبي ﷺ : (إن رجلًا كان فيمن كان قبلكم استسلف من رجل ألف دينار إلى أجل فلما حل الأجل طلب مركبًا يخرج فيه إليه فلم يجده فأخذ قرطاسًا وكتب فيه إليه ونقر خشبًة فجعل فيها القرطاس والألف دينار ورما بها في البحر وقال اللهم إنه قد قال لي حين دفعها إلى أشهد لي قلت كفى بالله شهيدًا أو قال أيتني بكفيل قلت كفى بالله كفيلًا اللهم أنت الكفيل بإبلاغها. فخرج صاحب الألف إلى ساحل البحر يحتطب فدفع البحر له العود فأخذه فلما فلقه وجد المال والقرطاس ثم إن ذلك الرجل وجد مركبًا فأخذ المال وركب فيه وحمل إليه المال فلما عرضه عليه قال له قد أدى الله أمانتك) (١). فإن قيل هذا شرع (٢) من قبلنا. قلنا: كلما ذكر النبي لنا مما كان عملًا لمن قبلنا في معرض المدح فإنه شرع لنا (٣) وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول ومن ذلك حديث العرايا وبيع التمر فيها على رؤوس النخيل بالتمر الموضوع على الأرض (٤) وفيه من الربا

стр. 785

ثلاثة أوجه: بيع الرطب باليابس. والعمل بالحزر والتخمين في تقدير المالين الربويين. وتأخير التقابض. إن قلنا إنه يعطيها له إذا حضر جذاذ التمر، ومن ذلك استثناء نخلةٍ من النخلات أو أصع من جملة تمرٍ وذلك جائز في القليل دون الكثير وبناه علماؤنا وكثيرًا من مسائل البيوع على أن المستثنى هل هو بيع مردود بالاستثناء أو مبقىً على أصل الملك وهذه جهالة عظيمة وخلط النسخ بالاستثناء فإنه لا خلاف بين العقلاء ولا بين العلماء في أن النسخ رفع بالخطاب الثاني لما تضمنه الخطاب الأول، وأن الاستثناء بيان بالخطاب الثانى لما احتمله الخطاب الأول من عموم أو خصوص. ولو أن أحدًا من العلماء يقول إذا قال الرجل لزوجته أنت طالق ثلاثًا إلّا واحدةً إنه يلزمه الثلاث لأنها قد دخلت في الثلاث ويريد أن يخرجها بعد إدخالها لكان خارقًا لإجماع الأمة. وكذلك لو قال رجل لزوجته أنت طالق إلَّا أن يشاء فلان، فإنه لم يقل أحد من الأمة أن الطلاق قد وقع والاستثناء بعد ذلك رفع له وإنما هو شرط موقوف عليه، فلا تعولوا في هذه المسألة في شيء من الفروع فإنه أصل باطل. القاعدة الثامنة: الجهالة، وقد اتفقت الأمة على أنه لا يحوز إلّا بيع معلوم من معلوم بمعلوم بأي طريق من طرق العلم وقع. وإنما اختلف العلماء في تفاصيل طرق العلم، ففيها ما قال مالك وأبو حنيفة أن البيع على الصفة (١) لا يجوز وخصصه مالك في بيع

стр. 786

البرنامج (١) وقال الشافعي لا يجوز في ذلك البيع على الصفة ليس لأن الصفة ليست طريقًا إلى العلم ولكن لأن الصفة بدل عن المعاينة والأخذ بالبدل لا يجوز إلَّا مع القدرة على المبدل وههنا تمكن الرؤية لما في البرنامج (٢) بحله. قلنا: وفي حله مشقة فليعول على خبر الواحد ويجوز العمل على خبره إجماعًا في سلامة السلعة وعينها وفي طيب النقد وزيفه. وكذلك يجوز العمل في صفة المبيع وحليته. والصفة طريق إلى العلم بلا خلاف فوجب أن يصار إليه عند الحاجة. وكذلك يجرر المصير إلى البدل عند الحاجة في العبادات فكيف في المعاملات. القاعدة التاسعة: ثبت عن النبي ﷺ في المبيعات أنه نهى عن سبع وثلاثين منها الغرر، الملامسة، المنابذة، حبل الحبلة، الملاقيح، المضامين، بيع الحصى، بيع الثنياء، بيع العربان، شرطان في بيع، بيع ما ليس عندك، بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، المزابنة، المحاقلة، المخابرة، المعاومة، الرطب بالتمر، الكرم بالزبيب، بيع الطعام قبل أن يسوفى، بيع وسلف، لا تصروا الإبل والغنم. نهى عن ثمن الكلب، نهى عن ثمن السنور نهى عن حلوان الكاهن، حاضر لبادٍ، النجش، بيع الرجل على بيع أخيه، ربح ما لم يضمن، التفرقة بين الأم وولدها، كراء الأرض، عسيب الفحل، بيع نقع الماء، بيع الخمر والميتة والدم والأصنام. ونهى الله تعالى عن البيع يوم الجمعة. فهذه سبعة وثلاثون مبيعًا ورد النهي عنها قبضتها يد الإسلام البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي ما طلبوه فيها. فأما الغرر فهو كل أمر خفيت علانيته وانطوى أمره (٣).

стр. 787

وقف رؤبة (١) على رجل فساومه ثوبًا فقلبه فلم يعجبه فقال له أعده على عزةٍ (٢). ذكره مسلم من طريق أبي هريرة (٣) ولم يذكره البخاري لأن راويًا واحدًا مزجه مع الملامسة والمنابذة وسائر رواة الحديث لم يدخلوه فتوقع البخاري أن يكون تفسيراً للمنابذة والملامسة إذ هو في الدرجة الثانية من الحديث فقد زهق عن الأولى. فلو قال النبي ﷺ : (لا تبايعوا غررًا لكان في الدرجة الأولى). ولو قال لا تبايعوا هكذا وأشار إلى قصةٍ فيها غرر لعللنا وعديناها إلى نظائرها. وأما الملامسة والمنابذة فهو بيع كان أهل الجاهلية يتبايعونه في تفسيرها خلاف كله يرجع إلى المخاطرة والجهالة منه أن يقول إذا لمست الثوب فقد وجب البيع وإذا نبذت هذه الحصاة التي في يدي فهو بيع الحصاة أيضًا أو إذا جعلت الحصاة على هذا الثوب (٤). وأما حبل الحبلة (٥) فقيل هو بيع النتاج الثانى وبيع الموجود المجهول لا يجوز فكيف المعدوم. وقيل كانوا يجعلونه أجلًا فلا يجوز إن كان مجهولًا وإن كان ميقاتًا معلومًا كما قال مالك في الجذاذ والعطاء فذلك جائز (٦) وأما الملاقيح فهي ما في ظهور الفحول والمضامين

стр. 788

ما في بطون الإناث وذلك مجهول معدوم (١). وقد قال جميع (٢) أهل اللغة إن الملاقيح ما في بطون الإناث وأطالوا في ذلك الكلام واستشهدوا في ذلك بالأشعار، ونحن لا نحتاج إلى ذلك لأنه لا يجوزكيف ما كان التفسير. ولم أجد النهي عن الملاقيح والمضامين مسندًا إلّا أنه ورد في الموطأ من قول سعيد بن المسيب أنه نهى عن المضاه والملاقيح (٣) وفسرها كما قلنا. أما إنه ورد مسندًا عن عبد الله ابن دينار عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع "المجر" (٤) (٥) (٦) قال أبو عبيد: قال أبو زيد المجر أن يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة (٧) "فقال أمجر إذا فعل ذلك". وقال أبو عمر هو أن يباع البعير أو غيره بما يضرب هذا الفحل في عامهِ. وأما الثنيا فهي في اللغة عبارة عن الرجوع إلى ما مضى أو عن ما مضى ويتصرف في

стр. 789

البيع على وجوهٍ كثيرةٍ منها إن جئتني بالثمن إلى وقت كذا رددت عليك وإن لم تأتني إلى وقت كذا فلا بيع بيني وبينك. وفي ذلك تفصيل بين علمائنا منه جائز ومنه ممنوع (١) يأتي إن شاء الله. وأما بيع العربان فقد فسره مالك وتفسيره يرجع إلى قاعدة أكل المال بالباطل لأنه قال "إن تم البيع فالعربان من الثمن وإن لم يتم البيع فالعربان لك وإذا كان لم يتم ففي مقابلة من يكون (٢) " رواه مالك عن صحيفة عمرو بن شعيب وهي صحيفة صححها البخاري في حديث الرباعيات وصححها الدارقطنى فإذا وجدتم الطريق إليها صحيحًا فخذوا بها وإنما تركها أكثرهم لعدم الثقة في طريقها لا لعدمٍ في ذاتها. وقد اعترض علماؤنا عليها بعضهم بأن قال إنما ردها لاحتمالها لأنه عمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو فإذا قال عن جدهة احتمل أن يكون "الأقرب فيكون

стр. 790

مرسلًا واحتمل أن يكون" (١) جده الأعلى فسقط الاحتمال وليس هذا بلازم فإن عبد الله بن عمرو كتبها (٢) عن النبي ﷺ وصارت متوارثةً في أولاده متداولةً في عقبه فإن أراد جده الأقرب وهو محمَّد فمحمد إنما أخذ الصحيفة عن عبد الله بن عمرو. فلو أن مالكًا يقف عليها مثلًا لجاز له أن يقول قال رسول الله ﷺ . وهكذا نحن إلى اليوم (٣). وقد كان عند أولاد تميم الداري في حبرون (٤) قرية إبراهيم كتاب النبي ﷺ في قطعةٍ من أديمٍ. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اقطع محمَّد رسول الله تميمًا الداري قطعة قريتي حبرون وعينون (٥) قريتي إبراهيم الخليل ليسير فيهما بسيرته وكتب علي بن أبى طالب شهد فلان وفلان (٦) وفلان. فبقيتا في يده يسير فيهما بسيرته ويشاهد الناس كتابه إلى أن دخلت الروم سنة اثنين

стр. 791

وتسعين (١) ولقد اعترضه فيها بعض الولاةِ ليأخذها من يده إبان كوني بالشام فحضر مجلسه القاضي حامد الهروي وكان حنفيًا في الظاهر ومعتزليًا وفي الباطن ملحدًا شيعيًا (٢). وكان الوالي يكمان بن أرتيدنك (٣). فاستظهر أولاد تميم بكتاب النبى ﷺ . فقال القاضي حامد: هذا الكتاب لا يلزم لأن النبي ﷺ أقطع ما لا يملك. فاستفتي الفقهاء. فقال الطوسي: وكان بها حينئذٍ هذا كافر والنبى ﷺ كان يقطع الجنة ويقول قصر عمر قصر فلان فكيف لا يقطع الدنيا (٤) وقد قال النبي ﷺ : (زويت لي الأرض) (٥) الحديث فوعده صدق وكتابه حق، فخزي القاضي والوالي وبقي أولاد تميم بكتابهم في قريتهم. وأما شرطان في بيع فيأتي إن شاء الله تعالى. وأما بيع ما ليس عندك فهو شيء اتفقت عليه الأمة وهو من باب الغرر إليه يعود (٦). إلَّا أني رأيت لمالك جوازه في العتبية، وقد تكلمنا على ذلك في كتب المسائل وبينا كيفية خروج مسألة مالك على الأصل الجائز. وقلنا في بعض تأويلاتها إنما جعله رسولًا وواسطةً ولم يجعله بائعًا ولا مبتاعًا. وأما بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فيأتي إن شاء الله. وكذلك المزابنة والمحاقلة والمخابرة والمعاومة والرطب بالتمر والكرم (٧) بالزبيب وبيع

стр. 792

الطعام قبل أن يستوفى (١). وأما بيع وسلف فإنما نهى عنه لتضاد الهدفين (٢) فإن البيع مبني على المشاحة والمغابنة والسلف مبني على المعروف والمكارمة. وكل عقدين يتضادان وصفًا لا يجوز أن يجتمعه شرعًا، فاتخذوا هذا أصلًا. وأما التصرية (٣) فاختلف العلماء فيها فمنهم من جعلها عيبا فيكون من أكل المال بالباطل ومنهم من جعلها غشًا (٤) وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف. وأما ثمن الكلب (٥) فلا يخلو أن يكون مأذونًا في اتخاذه أو غير مأذون والحديث

стр. 793

محمول على ما حَرُمَ اتخاذه. فأما ما يجوز اتخاذه فبيعه جائز وقد اختلف في ذلك علماؤنا: ومن قال منهم لا يجوز بيعه قال تلزم القيمة لمن أتلفه فبعيد عن الصواب والصحيح جواز البيع فيه من غير كلامٍ وقد قررنا ذلك في مسائل الخلاف في فصل الانصاف (١). وأما السنور فانفرد مسلم برواية النهي عن بيعه (٢) فإن سلم عن العلة التي ذكرناها في شرح الصحيح فإن ذلك محمول على المصلحة وأن النبي ﷺ أراد أن تكون السنانير مسترسلة على المنازل تحميها عن الفأر من غير اختصاصٍ. وأما حلوان الكاهن فمن أكل المال بالباطل لأنه شر الكذب والضلال فيكون كشراء المحرم من الميتة والأصنام وما أشبهها. وأما ربح ما لم يضمن فإنما لم يجز لأن بيعه لا يجوز لأن ما لم يضمن إما أنه لا يملك فيكون من بيع ما ليس عندك وإما لأنه غير مقدورٍ على تسليمه فيكون من باب الغرر والمخاطرة. وأما حاضرٌ لبادٍ والنجش وبيع الرجل على بيع أخيه فيأتي إن شاء الله.

стр. 794

وأما التفرقة بين الأم وولدها (١) فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال إن ذلك لحق الأم في التوليه وقد روي في الحديث (لا توله والدةً على ولدها) (٢). وقيل لحق الطفل وقيل لحق الله فالبيع فاسد في ذلك إلَّا على القول بأنه حق للأم فيقف على إجازتها. وأما كراء الأرض فسيأتي إن شاء الله. وأما عسب الفحل (٣) فجمهور علماء الأمصار على أنه لا يجوز وحمله مالك على أن يكون يقصد به الإلقاح. فأما لو كانت نزوات معلومة جاز وهو الصحيح لأنه أمر مأذونٌ فيه شرعاً محتاجٌ إليه عادة معلوم بالتعديد فلا وجه لرده إلّا من طريق الجهالة التي أشرنا إليها في اشتراط الإلقاح أو في المضي على العادة فيه. وأما بيع نقع الماء فروي في الأثر نهى النبي ﷺ عن بيع نقع الماء (٤) وروي نفق البير (٥) بالقاف والفاءِ.

стр. 795

وروي لاتمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ (١). واختلف علماؤنا في الأرض يملكها الإنسان (٢) فتنبت نباتًا سماويًا هل يختص المالك بالنبات كاختصاصه بالأرض أم هو لجميع الناس يحتشونه ويحتطبونه (٣) وكذلك أيضًا اختلف العلماء إذا حفر بئرًا ففاضت على حاجته هل يختص بالفضل دون سائر الخلق أم ليس له إلّا قدر ما يحتاج إليه والباقي مشاع بين الناس. والصحيح أن ذلك مشاع إذا لم يحتج إليه، ولكن الحاجة عندي على قسمين: إما أن يحتاج الماء إلى سقي زرعه وثمرته أو يحتاج النبات لسرحه أو يحتاج الحطب لإصطلائه وبنائه فإذا كان كذلك فلا خلاف أنه أحق به من غيره. وإن كان يحتاجه لقوته وكسوته فمثله. وما فضل عن هاتين الحاجتين فهو الذي تناول الحديث النهي عنه. وأما النهي عن البيع وقت النداء يوم الجمعة (٤) فذلك لحق الله تعالى وأغرب ما فيه ما تفطن له بعض أصحابنا فإنهم اتفقوا على نقضه وإن فات قالوا كلهم يضمن بالقيمة، إلَّا هذا الغَّواص فإنه قال يضمن بالثمن لنكتةٍ بديعةٍ وهي أن القيمة لا سبيل إلى معرفتها أبدًا لأن ذلك ليس بوقت بيع لأحدٍ فرجعنا إلى الثمن ضرورة الذي قدره على نفسه ورضي ذلك الآخر به (٥). القاعدة العاشرة: هي في بسط المقاصد والمصالح التي أشرنا إليها قبل هذا وقد

стр. 796

اتفقت الأمة على اعتبارها في الجملة ولأجلها وضع الله الحدود والزواجر في الأرض استصلاحًا للخلق حتى تعدى ذلك إلى البهائم فتضرب البهيمة استصلاحًا وإن لم تكلف سببًا إلى تحصيل قصد المكلف وأقرب من ذلك من غرضنا أن الطفل يضرب على التمرن على العبادات لا ضرب تكليفٍ ولكن ضرب تأنيس وتدريب حتى يأتيه التكليف على عادة فتخف عليه المشقة في العبادة (١). ولقد انتهت الحالة بالشيخ المعظم أبي بكر الشاشي القفال إلى أن يطرد ذلك حتى في العبادات وصنف في ذلك كتابًا كبيرًا أسماه محاسن الشريعة. والدليل على صحة ما صار إليه مالك من انفراده في تعويله عليها واختصاصه بها دون سائر العلماء اتفاق أرباب الحل والعقد علي أن الجماعة يقتلون بالواحد قصاصًا استبقاء للباقين واستصلاحًا لحالهم وقد قل عمر نفرًا بواحد قتلوه غيلةً ولم يلتفت عمر إلى الغيلة وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم (٢) فإن القلة يقتلون باغتيال حمارٍ فكيف باغتيال إنسانٍ فدل على أن المعتبر إنما كان بالتمالؤ الذى متشوق الاعداءِ ومظنة الحساد. وكذلك اتفقوا على أن حرمان القاتل الميراث رعيًا للمصلحة وسدًا للذريعة (٣) وكذلك

стр. 797

قال عمر إذا نكح في العدة لا يتناكحان أبدًا (١). وكذلك وقع تابيد تحريم اللعان (٢). وكذلك راعى مالك رضوان الله عليه المقاصد في تحقيق الجنسية في الأموال الربوية (٣). وقال سائر الفقهاء إنما يعتبر الجنس في الصور والهيئات. وما قاله مالك أولى لأن المطعومات والحيوانات لم تكن أجناسًا بصورها وإنما كانت أجناسًا بمنافعها المقصودة منها وصفاتها التي تتفاوت بها حتى جعل مالك الشعير والقمح جنسًا واحدًا وهي أعسر مسألةٍ علينا في الأجناس ولكن مالكًا رضوان الله عليه قرب ما بينهما إذ لباب الشعير يوازي دقيق الحشكار (٤) فيلتقيان على الطرفين. وكما نراعي حرمة الربا في التعدية باعتبار الثمنية وفي الأعيان الأربعة باعتبار القوت أو الطعم، كذلك نراعى في الجنس إذ يقول في علة الربا مقتات جنس ولا يجوز التفاضل مع الأجل في الجنس الواحد كانا مقتاتين أوغير مقتاتين وكذلك اعتبر قصد المعروف في العرايا واستثنيت من قاعدة الربا بخروجها عن مقصود البيع في المكايسة وانحطاطها في شعب الرفق والمكارمة وعليها بنى مالك مسائل الإيمان كلها. إذا تمهدت هذه القواعد عدنا إلى أبواب الكتاب وأريناكم انبئاءها عليها ورجوعها إليها حتى تعلموا شفوف مالك في الإدراك على سائر العلماء وتكونوا متبعين له في الحقيقة سالكين معه على الطريق فقال: باب ما جاء في بيع العربان وأكثر ما عول فيه وفيما بعده على ذكر المفسدات للبيوع لما بيناه من أن البيع الصحيح

стр. 798

محصور والفاسدِ يبعد حصره فأشار ﵁ إلى جمل المفسدات في الأبواب. فمسألة العربان ترجع إلى قاعدة أكل المال بالباطل ومسألة بيع العبد التاجر الفصيح بالأعبد من الحبشة تبنى على اعتبار الجنس بالمقاصد واستثناء الجنسين من البطن ينبني على قاعدة الغرر والجهالة وعلى أكل المال بالباطل (١): "لأنه لا يضع من ثمنها في غير مقابلة شيء" (٢). ومسألة الجارية التى سأل في إقالتها ويزيده عشرة دنانير نقدًا إلى أجل أبعد من الأجل الذي كان قد ابتاع إليه تبنى على القاعدة الثالثة في الصفقة إذا جمعت مالي رباً إلى آخرها (٣). ومسألة بيع الرجل الجارية بمائة دينار إلى أجل ثم يشتريها بأكثر من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل تبنى على القاعدة التاسعة وهي قاعدة الشبهة (٤).

стр. 799

باب ما جاء في مال المملوك (١) ينبني على القاعدة العاشرة وهي المقاصد والمصالح لأن الرجل إذا اشترى عبدًا له ذهب بذهب فالقاعدة الثالثة تمنع منه من جهة الربا، والقاعدة العاشرة في المصالح والمقاصد تقتضي جوازه لأنه إنما المقصود منه ذاته لا ماله والمال وقع تبعًا. وأما باب العهدة فمبني على القاعدة الخامسة، وهي الرجوع إلى العرف الذي تنبني عليه أكثر مسائل الشرع حسب ما مهدناه. وأما باب العيب في الرقيق فينبني على القاعدة الثانية وهي أكل المال بالباطل لأنه اشترى منه عبدًا بعشرة، فكل جزء في العشرة قابل كل جزء من العبد ووازى كل صفةٍ من صفاته المقصودة للمبتاع جلبًا وتحصيلًا، وللبائع تبادلًا وتمويلًا. فإذا عدم جزء من أجزاء العبد أو اختلست صفةٌ من صفاته فقد خرج جزء من الثمن عن ملكه وهو الذي قابل الفائت منها. فإن أمسكه عنه كان أكل المال بالباطل. هذا هو الأصل الذي تنبني عليه مسائل العيوب ثم يدخلها بعد ذلك في التراد وكيفية ما عسى أن يعرض من المفسدات فيعرض

стр. 800

على القواعد العشر، وليس لذلك آخر فيحصر, لأنه قد يؤول التراد إلى ربًا فيدخل في القاعدة الأولى. وقد يؤول إلى جهالةٍ وما أشبه ذلك فاحصروا القواعد عند الفتوى وعبروا الفعل بها واحملوا جواب مالك عليها. وأما مسألة الاختلال للعبد المبيع إنها تكون للمبتاع ويرد العبد بالعيب ولا سبيل له إليه لأنه لو أخذه البائع لكان أكل المال بالباطل لأن البائع لم يكن في تلك الحال مالكًا ولا ضامنًا فيدخل. هذا أيضًا في قاعدة الأحاديث وهو إنه نهي عن ربح ما لم يضمن ويعضده حديث عائشة المشهور في المسألة بعينها وهو أن النبي ﷺ (قضى بأن الخراج مع الضمان) (١) فيدخل في قاعدة أكل المال بالباطل. وأما باب ما يفعل بالوليدة إذا بيعت (٢) والشرط فيها فإنه ينبنى على أكثر القواعد السابقة ولكن مسائل الشرط معضلة قديمًا وحديثًا. أخبرنا إسماعيل بن الفضل (٣) ........................................

стр. 801

.................. الأصبهاني ببغداد (١) عن ابن خلف (٢) عن محمد بن عبد الله (٣) عن أبى بكر بن إسحاق (٤) عن عبد الله بن أيوب (٥) عن محمَّد بن سليمان الذهلي (٦) عن عبد الوارث بن سعيد (٧) قال دخلت مكة فلقيت فيها أبا حنيفة (٨) فسألته عن

стр. 802

بيعٍ وشرطٍ فقال البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى (١) فسألته فقال البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي شبرمة (٢) فسألته فقال البيع جائز والشرط جائز. فقلت ثلاثة اختلفوا في هذه المسألة ولم يتفقوا فيها على جواب. فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال لا أدري ما قالا حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ نهى عن بيع وشرط (٣) ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال لا أدري ما قالا حدثني هشام بن عروة (٤) عن أبيه (٥) عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها في بريرة اشتريها وأعتقيها (٦) يعني الحديث ثم أتيت ابن أبي شبرمة فأخبرته فقال لا أدري ما قالا حدثني مسعر بن كدام (٧) عن محارب بن ديثار (٨) عن جابر بن عبد الله قال اشترى النبي ﷺ منى ناقةً وشرط لي حملانها إلى المدينة (٩).

стр. 803

فهذه أغراض متفاوتة في فهم مواقع ذكر الشروط في الحديث. وقد رأيت لعبد الحميد الصايغ جزء في تحصيل الشروط لكن على المذهب المالكي قد أتقن فيه ترتيب المذهب كنت كتبته بخطي وقرأته لكن شذ في سبيل القدر والذي يحصر الشروط في الأغلب ردها إلى القواعد التي مهدناها وعرضها عليها ولا يخلو وقع الشرط في العقد من أن يكون ملائمًا لمقصود العقد ومقصود العاقد غير مطرق إلى العقد عددًا ولا موقع للمال خسارةً فلا وجه لرده. هذا إذا كان مقصود العقد غير معارضٍ لطريقٍ من طرق الشريعة ومسائل هذا لا تحصر لكن يربط معظمها هذا الأصل الذي أشرنا إليه لعرضها على القواعد التي مهدنا (١) وخذوا من هذا القبس أمثلةً تكشف لكم كيفية عرض الوارد من نظائرها عليها: المثال الأول: إذا اشترى عبدًا أو جاريةً بشرط العتق قال أبو حنيفة: لا تجوز لأنه شرط شرطًا يناقض مقتضى (٢) العقد لأن العقد يقتضي عقد الملك الدائم والتصرف اللازم على الإطلاق وهذا الشرط يصدمه فيفسده. وتعلق علماؤنا بحديث بريرة وحديث بريرة صحيح معضل في التأويل ولا عليكم بأس في تأخيره إلى مسائل الخلاف وهناك ينكشف معناه وعولوا على قاعدة المصالح والمفاسد التى مهدناها فلا يخفى على من نظر فيها أن المقاصد في هذا العقد سليمة عن المقاصد خالصةً لله, لأن المشتري يقول إنما أنا أبذل مالي في تحصيل العتق للعبيد لا في تحصيل الملك لي. والبائع يقول إن أزددت في ثمن العبد من مال المشتري فقد أعطاه هو لله وإن حططته فقد تركته لله فغاية المسألة أن هذا عتق اشتري بمالٍ ولا خلاف أن لو قال رجل لآخر أعتق عبدك عني على ألف فقال مالك العبد هو حر نفذ العتق ووجب المال إجماعًا وكذلك الصدقة. المثال الثانى: إذا اشترى عبدًا من رجل بشرط الهبة له أو لغيره انفرد بها مالك فقال هذا جائز. وقال الشافعي لا يجوز لأنه إنما يحتمل في البيع لحرمة العتق (٣) وما فيه من التقرب إلى الله. قلنا له: وكذلك يحتمل الهبة لما فيها من المعروف والمواصلة وإسداء

стр. 804

المعروف وتأكيد المواصلة قربة فهذا الذي لحظه مالك فيها. المثال الثالث: إذا باعه منه على ألا يبيعه المشتري ولا يفوته لم يجز لأنها مجانبة مناقضةٌ للعقد ومعارضة قال علماؤنا إلَّا أن يخرج إلى وجه معروفٍ مثل أن يكون لم ينقده الثمن فيقول له ذلك حتى ينقده الثمن وكذلك في المدة اليسيرة لا في الكثيرة. المثال الرابع: إذا باع منه عبدًا على أنه إن أبق كان من ضمانه أو مريضًا على أنه إن مات كان من ضمانه لم يجز لأن ذلك مناقض لمقصود العقد ومقتضاه إذ العقد يقتضي خروج المبيع عن ملك البائع وضمانه وهذا يضاده. المثال الخامس: إذا شرط عليه إن لم يأته بالثمن إلى أجل كذا وإلّا فلا بيع بينهما. قال علماؤنا لم يجز لأنه زاده في الثمن لموضع الشرط وهذا من أكل المال بالباطل وعرضه محمد بن المواز (١) على أصل آخر فقال إن كان في العقار والدور الشهر ونحوه جاز وفى العروض لا يجوز نظرًا إلى أن العروض تحول مع الساعات والأزمنة والدور لا تحول فينتفي فيه الغرر وإلى أن المدة اليسيرة داخلة في حد القلة فلا تعتبر كما لا تعتبر في الاستثناء وما شابهه من القاعدة السابعة. أما باب النهى عن أن يطأ الرجل وليدة لها زوج فذكر مالك فيها مسألة شراء الطلاق من الزوج حين أرضى ابن عامر زوج مملوكته (٢) حتى طلقها والطلاق إنما يجوز شراؤه بين الزوج وزوجته، وفي حق غيرهما ليس مما يقابله مال بيد أن شراء الأمة ذات الزوج لما اختلف العلماء في بيعها هل يكون طلاقاً أم لا فإن كان طلاقًا بطل حق الزوج وإن كان باقيًا نزل السيد منزلة أمته في شراء الطلاق لوجهين: أحدهما أن السيد مالكها.

стр. 805

والثاني إنه شريك للزوج فيها، الحل للزوج والبضع للسيد، وكذلك لو وطئها السيد لم يحد فكان شراؤه منه من باب المعروف. وأما باب ثمر المال يباع أصله (١) فينبني على القاعدة العاشرة وهي قاعدة المقاصد لأن الثمرة ما دامت كامنةً في الشجرة لم يتعلق بها قصد ولا أمكن لأحدٍ فيها تناول فإذا برزت تعلقت بها المقاصد وانفردت عن الشجرةِ صورةً وصفةً واسمًا فلذلك لم يتبعها، خلافًا لأبي حنيفة (٢)، وقد مهدناه في مسائل الخلاف. فأما بيعها قبل بدو صلاحها فلا يخلو أن يكون بشرط القطع فذلك جائز إجماعًا لعدم المفسد، وإما أن يكون بشرط التبقية فهو باطل إجماعًا مبنيًا على قاعدة الغرر والجهالة، وأما إن باعها مطلقًا فقال الشافعي: لا يجوز لأن الإطلاق يقتضي التبقية إذ المقصود من الثمرة زهوها واجتناؤها طيبة (٣). وقال أبو حنيفة ذلك جائز لأن مطلق العقد يحمل على الجائز شرعًا فيجوز ويكلف أن يجذ (٤) واختلف جواب علمائنا (٥) فورد بالوجهين والمسألة محتملة وقد مهدناها في مسائل الخلاف. والانصاف فيها أن العقد باطل لأن المقصود من الثمرة اجتناؤها طيبة فتحمل على المقاصد ويفسخ العقد حتى يصرح بما نوى.

стр. 806

وأما باب بيع العرايا فيخرج على القاعدة الخامسة في استثناء المعروف من المغابنة والمكارمة من الربا. وقد روي عن مالك أن بيع العرية لا يجوز إلَّا بالدنانير والدراهم (١) وهذا ينبني على مسألةٍ من أصول الفقه اختلف فيها قوله، وهو أنه إذا جاء خبر الواحد معارضًا لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة لا يجوز العمل به وقال الشافعي يجوز العمل به وتردد مالك في المسألة ومشهور قوله والذي عليه المعول أن الحديث إذا عضدته قاعدة أخرى قال به وإن كان وحده تركه. ولهذا قال في مسألة غسل الإناء من ولوغ الكلب (٢) قد جاء هذا الحديث ولا أدري ما حقيقته (٣) لأن هذا الحديث عارض أصلين عظيمين أحدهما قول الله تعالى ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (٤) قال مالك يؤكل صيده فكيف يكره لعابه (٥). والثاني: أن علة الطهارة هي الحياة وهي قائمة في الكلب (٦).

стр. 807

وأما حديث العرايا: فإن صدمته قاعدة الربا عضدته قاعدة المعروف. وأما باب الجائحة في الثمار (١) فهي مسألة انفرد بها مالك دون سائر فقهاء الأمصار وهي مسألة تنبني عليها القاعدة الخامسة في العرف وعلى القاعدة العاشرة في المقاصد والمصالح ونحن ننبهكم عليها بعد أن نذكر حكم (٢) الثانى المعظم فيها. روى مسلم في الصحيح أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح (٣) فإذا ثبت هذا الأصل فالذي ينفي عنه اعتراضات المخالفين وتأويلاتهم مرده إلى قاعدة المقاصد والمصالح والعرف الجارية عليه الأحكام الشرعية فنقول من حكم عقد البيع أن يتنزل المشترى منزلة البائع في المبيع ملكًا بملك وحالًا بحال ومنفعةً بمنفعةٍ. وإذا اشترى الثمرة بعد بدو صلاحها من صاحبها فذلك محمول على حال البائع فيها وعلى عرف الناس في العمل بها وهو أن يقبضها ملكًا بملك وحالًا بحال ولا يجوز أن يقال إن عليه أن يجدها جملة لأن البائع لها لما لم يكن حاله كذلك فيها ولأن المقصود والمعتاد والمصلحة لا تقتضي ذلك فيها فإذا نزلت الجائحة عليها من غير تفريط من المشتري في اقتضائها مصيبة نزلت قبل القبض فلا كلام لأحدٍ من المخالفين عليها بيد أن المتقدمين من علمائنا اختلفوا في نكتة وهي أن الجائحة المكتسبة هل تساوي الجائحة الواقعة بالقدرة الإلهية أم لا، وصورتها أن نزول الجيش على البلد وإفساده للثمار هل يساوي هبوب الضرر ووقوع البرد أم لا وهي مسألة نظرية وقد حققناها في مسائل الفروع (٤).

стр. 808

وأما باب ما يجوز من استثناء الثمر (١) فقد تقدم في القاعدة الخامسة الإشارة إليه وذلك يجوز من ثلاثة أوجهٍ: بذهب من ذهب أو بكيل من جزافٍ أو بكيل من كيل مثل أن يقول: ثلث أو ربع. وانفرد مالك بمسألةٍ دون سائر العلماء وهي بأن يختار نخلات من الجملة (٢) ووافقه بعضهم فيها على تفصيلٍ وهي وإن كانت غررًا لأن هذا الذي يختار لعله يجعل يده في الأطيب، ولكن هذا الغرر يسير ولا خلاف بين العلماء في أن يسير الغرر لغو معفو عنه وهذا يستمد من بحر المقاصد كما تقدم بيانه في القواعد. واتفق فقهاء الأمصار على أن ذلك لا يجوز وكان ابن عمر (٣) وابن المسيب يريان (٤) الاستثناء على الاشاعة وغيرهم. وكان ابن سيرين يجوّز أن يستثنى كيل أو كوزن (كذا) (٥) (٦) وعلى كل حال فإن المسألة ترجع إلى أن المستثنى هل هو داخل في المبيع، ولا خلاف بين العلماء والعرب (٧) أن المستثنى لا يدخل في المستثنى منه مرادًا وإن دخل فيه لفظًا لأنه لو كان كذلك لكان الاستثناء نسخًا وذلك محال وخلط للحقائق فثبت أنه تخصيص للعموم وبيان للمراد. ولكن الفقهاء اختلفوا هل يدخل في المبيع أم لا لاحتمال أن يكون البائع قد قصد إلى خاله في المبيع ثم ندم فأخرجه، ولذلك قال بعض علمائنا: إن الاستثناء في اليمين لا

стр. 809

يكون إلّا بأن ينوى الحالف حالة اليمن أو قبل آخر حرف من حروفها فإن نوى الاستثناء بعد تمام اليمين لم ينفعه وكان ندمًا وهذا في اليمين ضعيف لأن الله تعالى جعل الاستثناء رخصةً تجيء بعد اليمين فجعلها كما جعل الكفارة أيضًا رخصةً تحل اليمين إلَّا أن الكفارة منفصلة والاستثناء متصل حتى يتم للعبد الدرك في الوجهين جميعًا. فأما المبيع فقال من أباه ورآه داخلًا في المبيع فيه غرر وهذا إنما يكون لو علم المبتاع ما في نفس البائع فأما إذا لم يعلم ما في نفسه وانعقد البيع بعد التصريح بالاستثناء فليس للغرر فيه مدخل والقول فيها ممتد الاطناب واستيفاؤه في كتب المسائل. باب ما يكره من بيع الثمار (١) أطلق مالك ﵀ لفظ المكروه على الحرام لأنه يتناوله تناوله للفعل الذي في تركه ثواب وليس في فعله عقاب كما يتناول المأمور للفعل الذي يلام تاركه (ويحمد فاعله ويتناول أيضًا لفعل يحمد فاعله ولا يلام تاركه) (٢) ويسمى في عرف المتأخرين المندوب والمكروه عندهم هو الذي ليس في فعله عقاب وفي تركه ثواب خلاف المحظور واللغة ما أشار إليه مالك ﵀. والاصطلاح حسن للتمييز بين المشتركات قصد البيان والتفصيل من المختلفات. فأما حديث عامل خيبر في التمر (٣)) فإن مسلمًا روى فيه (وكذلك الميزان) (٤) فسوى بين الوزن والكيل وصار أصلًا في معرفة التساوي لأن الله شرطه وهو معنى خفي ثم جعل السبيل إليه الكيل والوزن وهي غاية القدرة في معرفة التساوي وقد سمعت فخر الإسلام أبا بكر محمَّد بن أحمد الشاشي ببغداد في الدرس يقول قال النبي ﷺ للعامل: (بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا) وكذلك الميزان ولم يفرق بين أن

стр. 810

يبتاع الجنيب من مشتري الجميع أو من غيره وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأكثر فقهاء الأمصار وقال مالك لا يفعل ذلك بحضرة العقد الأول مخافة أن يكونا متواطئين عليه فيرجعان بعملهما إلى ما نُهى عنه وهذا ينبني على قاعدة الذرائع (١) وقد مهدناها في موضعها. وأما حديث البيضاء بالسلت (٢) فإن كثيرًا من العلماء اجتنبه لأن زيدًا أبا عياشٍ عندهم مجهول (٣) ومن يروي عنه مالك ابن أنسٍ ليس بمجهولٍ فإن روايته تعديل لما ثبت من عظيم تحريهِ وقد قال جماعة من العلماء إن المزكى في الشهادة يجوز أن يكون واحدًا فكيف في الخبر الذي هو أسرع في الإثبات والمسألة متقنة في أصول الفقه فلينظر هنالك. وأما بيع الرطب باليابس كالرطب بالتمر والبيضاء بالسلت فإن جماعةً من فقهاء الأمصار أبته منهم الشافعي ومالك، وجوزه أبو حنيفة وهي أول مسألة سئل عنها ببغداد قال لنا فخر الإِسلام: دخل أبو حنيفة بغداد فسئل عن هل يجوز بيع الرطب بالتمر فقال: ذلك جائز فقيل له ما الدليل فقال: لا يخلو أن يكون الرطب بالتمر جنسًا واحدًا أو جنسين فإن كان جنسًا واحدًا كان (٤) متماثلًا. وإن كان جنسين كان (٥) متفاضلًا ومتماثلًا. قيل له إن زيدًا أبا عياشٍ سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت الحديث إلى آخره فقال: زيد
следующие страницы →