← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وأما باب بيع العرايا فيخرج على القاعدة الخامسة في استثناء المعروف من المغابنة والمكارمة من الربا. وقد روي عن مالك أن بيع العرية لا يجوز إلَّا بالدنانير والدراهم (١) وهذا ينبني على مسألةٍ من أصول الفقه اختلف فيها قوله، وهو أنه إذا جاء خبر الواحد معارضًا لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة لا يجوز العمل به وقال الشافعي يجوز العمل به وتردد مالك في المسألة ومشهور قوله والذي عليه المعول أن الحديث إذا عضدته قاعدة أخرى قال به وإن كان وحده تركه. ولهذا قال في مسألة غسل الإناء من ولوغ الكلب (٢) قد جاء هذا الحديث ولا أدري ما حقيقته (٣) لأن هذا الحديث عارض أصلين عظيمين أحدهما قول الله تعالى ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (٤) قال مالك يؤكل صيده فكيف يكره لعابه (٥). والثاني: أن علة الطهارة هي الحياة وهي قائمة في الكلب (٦).

стр. 807

وأما حديث العرايا: فإن صدمته قاعدة الربا عضدته قاعدة المعروف. وأما باب الجائحة في الثمار (١) فهي مسألة انفرد بها مالك دون سائر فقهاء الأمصار وهي مسألة تنبني عليها القاعدة الخامسة في العرف وعلى القاعدة العاشرة في المقاصد والمصالح ونحن ننبهكم عليها بعد أن نذكر حكم (٢) الثانى المعظم فيها. روى مسلم في الصحيح أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح (٣) فإذا ثبت هذا الأصل فالذي ينفي عنه اعتراضات المخالفين وتأويلاتهم مرده إلى قاعدة المقاصد والمصالح والعرف الجارية عليه الأحكام الشرعية فنقول من حكم عقد البيع أن يتنزل المشترى منزلة البائع في المبيع ملكًا بملك وحالًا بحال ومنفعةً بمنفعةٍ. وإذا اشترى الثمرة بعد بدو صلاحها من صاحبها فذلك محمول على حال البائع فيها وعلى عرف الناس في العمل بها وهو أن يقبضها ملكًا بملك وحالًا بحال ولا يجوز أن يقال إن عليه أن يجدها جملة لأن البائع لها لما لم يكن حاله كذلك فيها ولأن المقصود والمعتاد والمصلحة لا تقتضي ذلك فيها فإذا نزلت الجائحة عليها من غير تفريط من المشتري في اقتضائها مصيبة نزلت قبل القبض فلا كلام لأحدٍ من المخالفين عليها بيد أن المتقدمين من علمائنا اختلفوا في نكتة وهي أن الجائحة المكتسبة هل تساوي الجائحة الواقعة بالقدرة الإلهية أم لا، وصورتها أن نزول الجيش على البلد وإفساده للثمار هل يساوي هبوب الضرر ووقوع البرد أم لا وهي مسألة نظرية وقد حققناها في مسائل الفروع (٤).

стр. 808

وأما باب ما يجوز من استثناء الثمر (١) فقد تقدم في القاعدة الخامسة الإشارة إليه وذلك يجوز من ثلاثة أوجهٍ: بذهب من ذهب أو بكيل من جزافٍ أو بكيل من كيل مثل أن يقول: ثلث أو ربع. وانفرد مالك بمسألةٍ دون سائر العلماء وهي بأن يختار نخلات من الجملة (٢) ووافقه بعضهم فيها على تفصيلٍ وهي وإن كانت غررًا لأن هذا الذي يختار لعله يجعل يده في الأطيب، ولكن هذا الغرر يسير ولا خلاف بين العلماء في أن يسير الغرر لغو معفو عنه وهذا يستمد من بحر المقاصد كما تقدم بيانه في القواعد. واتفق فقهاء الأمصار على أن ذلك لا يجوز وكان ابن عمر (٣) وابن المسيب يريان (٤) الاستثناء على الاشاعة وغيرهم. وكان ابن سيرين يجوّز أن يستثنى كيل أو كوزن (كذا) (٥) (٦) وعلى كل حال فإن المسألة ترجع إلى أن المستثنى هل هو داخل في المبيع، ولا خلاف بين العلماء والعرب (٧) أن المستثنى لا يدخل في المستثنى منه مرادًا وإن دخل فيه لفظًا لأنه لو كان كذلك لكان الاستثناء نسخًا وذلك محال وخلط للحقائق فثبت أنه تخصيص للعموم وبيان للمراد. ولكن الفقهاء اختلفوا هل يدخل في المبيع أم لا لاحتمال أن يكون البائع قد قصد إلى خاله في المبيع ثم ندم فأخرجه، ولذلك قال بعض علمائنا: إن الاستثناء في اليمين لا

стр. 809

يكون إلّا بأن ينوى الحالف حالة اليمن أو قبل آخر حرف من حروفها فإن نوى الاستثناء بعد تمام اليمين لم ينفعه وكان ندمًا وهذا في اليمين ضعيف لأن الله تعالى جعل الاستثناء رخصةً تجيء بعد اليمين فجعلها كما جعل الكفارة أيضًا رخصةً تحل اليمين إلَّا أن الكفارة منفصلة والاستثناء متصل حتى يتم للعبد الدرك في الوجهين جميعًا. فأما المبيع فقال من أباه ورآه داخلًا في المبيع فيه غرر وهذا إنما يكون لو علم المبتاع ما في نفس البائع فأما إذا لم يعلم ما في نفسه وانعقد البيع بعد التصريح بالاستثناء فليس للغرر فيه مدخل والقول فيها ممتد الاطناب واستيفاؤه في كتب المسائل. باب ما يكره من بيع الثمار (١) أطلق مالك ﵀ لفظ المكروه على الحرام لأنه يتناوله تناوله للفعل الذي في تركه ثواب وليس في فعله عقاب كما يتناول المأمور للفعل الذي يلام تاركه (ويحمد فاعله ويتناول أيضًا لفعل يحمد فاعله ولا يلام تاركه) (٢) ويسمى في عرف المتأخرين المندوب والمكروه عندهم هو الذي ليس في فعله عقاب وفي تركه ثواب خلاف المحظور واللغة ما أشار إليه مالك ﵀. والاصطلاح حسن للتمييز بين المشتركات قصد البيان والتفصيل من المختلفات. فأما حديث عامل خيبر في التمر (٣)) فإن مسلمًا روى فيه (وكذلك الميزان) (٤) فسوى بين الوزن والكيل وصار أصلًا في معرفة التساوي لأن الله شرطه وهو معنى خفي ثم جعل السبيل إليه الكيل والوزن وهي غاية القدرة في معرفة التساوي وقد سمعت فخر الإسلام أبا بكر محمَّد بن أحمد الشاشي ببغداد في الدرس يقول قال النبي ﷺ للعامل: (بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا) وكذلك الميزان ولم يفرق بين أن

стр. 810

يبتاع الجنيب من مشتري الجميع أو من غيره وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأكثر فقهاء الأمصار وقال مالك لا يفعل ذلك بحضرة العقد الأول مخافة أن يكونا متواطئين عليه فيرجعان بعملهما إلى ما نُهى عنه وهذا ينبني على قاعدة الذرائع (١) وقد مهدناها في موضعها. وأما حديث البيضاء بالسلت (٢) فإن كثيرًا من العلماء اجتنبه لأن زيدًا أبا عياشٍ عندهم مجهول (٣) ومن يروي عنه مالك ابن أنسٍ ليس بمجهولٍ فإن روايته تعديل لما ثبت من عظيم تحريهِ وقد قال جماعة من العلماء إن المزكى في الشهادة يجوز أن يكون واحدًا فكيف في الخبر الذي هو أسرع في الإثبات والمسألة متقنة في أصول الفقه فلينظر هنالك. وأما بيع الرطب باليابس كالرطب بالتمر والبيضاء بالسلت فإن جماعةً من فقهاء الأمصار أبته منهم الشافعي ومالك، وجوزه أبو حنيفة وهي أول مسألة سئل عنها ببغداد قال لنا فخر الإِسلام: دخل أبو حنيفة بغداد فسئل عن هل يجوز بيع الرطب بالتمر فقال: ذلك جائز فقيل له ما الدليل فقال: لا يخلو أن يكون الرطب بالتمر جنسًا واحدًا أو جنسين فإن كان جنسًا واحدًا كان (٤) متماثلًا. وإن كان جنسين كان (٥) متفاضلًا ومتماثلًا. قيل له إن زيدًا أبا عياشٍ سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت الحديث إلى آخره فقال: زيد

стр. 811

أبو عباشٍ لا أعرفه (١). وهذا الدليل الذي ذكره أبو حنيفة هو محض القياس ولُباب النظر لولا الحديث المذكور. إلّا أن عنده أن خبر الواحد إذا خالف الأصول سقط في نفسه وقد مهدنا ذلك في أصول الفقه. وطعنه في زيد أبي عياش بجهالته به لا يوثر منه فيه فإن كان موقوفًا على رواية المجهول والضعيف فصار هذا الحديث قاعدةً في قواعد الربا اتفق عليه في الجملة العلماء حتى أن أبا حنيفة ناقض أصله فقال لا يجوز بيع الحنطة المبلولة باليابسة بحالٍ (٢) وهو هو الرطب بالتمر بعينه وليس لأصحابه في هذا جواب (٣) ينفع وهذا هو بيع الرطب باليابس وأصل فيه. وأما بيع الرطب بالرطب كالرطب بالرطب فاختلف عبد الملك والأصحاب (٤) فيه وكذلك العجين بالعجين. ذكر ابن القاسم جوازه في كتاب محمَّد ولم يجوز في العتبية الدقيق بالعجين بحالٍ. (وقال) (٥) وإذا منع الرطب باليابس لأن التماثل (٦) مجهول بينهما حالة الادخار وكذلك يلزم في الرطب بالرطب لأن تساويهما حالة الادخار مجهول أيضًا إلّا أن علماءنا سامحوا في العجين بالعجين ليسارته وخفة أمره وأنه مستثنى من القاعدة للحاجة إليه وبقي التحريم في الكثير الذي يقصد منه المغابنة والمكايسة على أصل القاعدة. باب المزابنة (٧) ذكر حديث ابن عمر قال: والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلًا وبيع الكرم بالزبيب كيلًا (٨)

стр. 812

وذكر حديث أبي سعيد في المزابنة والمحاقلة (١) وفسر المحاقلة بكراء الأرض بالحنطة. وفسرها سعيد بن المسيب باشتراء الزرع بالحنطة واستكراء الأرض بالحنطة (٢). وقال مالك: المزابنة كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده ابتيع بشيء مسمى من الكيل والوزن والعدد (٣) واختصاره اشتراء المجهول بالمعلوم، وقيل المحاقلة في المخابرة بعينها، وهي أكتراء الأرض بالحنطة مأخوذ من الحقل وهي القراح من الأرض. وفي الحديث أيضًا (النهي عن بيع المخاضرة) (٤) ولعله اشتراء الرطب باليابس من أموال الربا واشتراء الرطب بالرطب منها واشتراء الثمر قبل أن يبدو صلاحه ونحوه على التبعية، أو لعله اشتراؤه قبل وجوده وهي المعاومة المنهي عنها في الحديث وهي اشتراء تمر أعوامًا، ويحتمل أن يكون المراد به الجميع من باب حمل اللفظ الواحد على المختلفات المتعددة وقد بيناه في أصول الفقه ومسائل الخلاف. وقيل المخابرة مأخوذ من الخبير (٥) وهو

стр. 813

الحراث. ويعود الحديث إلى النهي عن كل ما لا يجوز فيه من ابتياع ربًا أو مجهولٍ ويحتمل أن يكون مأخوذًا من خيبر وذلك ما كان يصنع فيها أهلها قبل الإِسلام فلما افتتحها الله لرسوله مهد الشريعة ويين الأحكام فعاملهم وساقاهم حسب ما ورد في الحديث (١) وتحقيق اللفظ في اللغة المدافعة لأن الزبن هو الدفع (٢) لكن ابن عمر وأبا سعيد وابن المسيب فسروه ببعض المجهول والغرر الذي فيه التدافع إما لأن النبي ﷺ قال ذلك من لفظه وذكر وجوه الزبن ليدل على الباقي أو يكون الراوي هو الذي ذكره كذلك أو يكون الراوي أيضًا إنما انتحى ما ذكّر (٣) بالتفسير دون غيره من محتملاته لأنه فهم أن النبي ﷺ قصده أو إنه كان أكثر النوازل عندهم في الباب. ولكن إذا فهمت القاعدة والمعنى ورأيت الاختلاف بين الرواة والعلماء فركب عليه كل ما في معناه فقد مهد لك مالك ﵁ التركيب في هذا الباب حين قال ومن ذلك إلى آخره (٤). باب جامع بيع الثمار (٥) هذا الباب مسائله تدور بين أربع قواعد: قاعدتان في المنع والفساد وهي الربا والجهالة. وقاعدتان في الجواز وهي المصالح والعادة. فإن العادة إذا جرت أكسبت علمًا ورفعت جهلًا وهونت صعبًا وهي أصل من أصول مالك وأباها سائر العلماء لفظًا ويرجعون إليها على القياس معنى. لقد قلت يومًا لشيخنا فخر الإِسلام وقد جرت مسألة إذا باعه بمائة دينار وخمسين هل تحمل الخمسون على الدنانير أم لا؟ فذكر الخلاف ورجح الحمل عليها فقلت له وهذه المائة الدنانير أمرابطية تكون هي أم أميرية؟ فقال أميرية فقلت له قضاء العادة لأنه لا يجري في مدينة السلام غيرها. وقد قال أبو القاسم بن حبيب القروي (٦) قال لنا الشيخ أبو القاسم (٧) عبد الخالق

стр. 814

السيوري قلنا لأبي بكر بن عبد الرحمن وذكر قصة القضاء بالعرف والعادة وقد تقدم. ويتعلق من فروع هذا الباب بذرائع الربا والجهالة مسائل بيناها فيها وأما بيع الفاكهة (١) فيستمد من حديث النهي عن ربح ما لم يضمن ويستند إلى قاعدة أكل المال بالباطل. وأما باب بيع الذهب بالورق عينًا وتبرًا (٢): فإن حكم الربا يتعلق بعين الذهب والفضة ولا خلاف فيه. فإن كان حليًا فقد اختلف علماؤنا فيه هل تجري فيه أحكام الربا كلها كما تجري في الذهب والفضة أم لا؟ وهذا يستمد من بحر المقاصد فإنه كان عيناً في أصله فأخرجه القصد والصياغة إلى باب (العروض) (٣) وعضد الشرع هذا الأصل عندنا وعند (الشافعي) بتعين حكم الشرع إيجاب الزكاة فيه فأسقطها في الحلي حين تغيرت هيئته وخرج عن الذهب والفضة في هيئتهما والمقصود بهما وهذا الدليل لا غبار عليه فمهد المسألة في كتاب الزكاة وبين الحكم عليها هنا وقال جماعة من العلماء: الربا منصوص عليه متوعد فيه والمقاصد والمصالح مستنبطةٌ فقد تعارضت قاعدتان: إحداهما قاعدة الربا وهي منصوص عليها متفق فيها. والثانية قاعدة المصالح والمقاصد وهي مستنبطة مختلف فيها فكيف يتساويان فضلًا عن أن ترجح قاعدة المصالح والمقاصد. واستهول هذا القول جماعة. والجواب فيه سمح فإن الربا وإن كان منصوصًا عليه في ذاته وهي الزيادة فإنه عام في الأحوال والمحال والعموم يتخصص بالقياس فكيف بالقواعد المؤسسة العامة. وأما حديث السعدين (٤) ففيه غائلة وهي أن الأواني هل يجوز اتخاذها أم لا؟ فإن

стр. 815

العلماء اتفقوا على منع استعمالها لنهي النبى ﷺ في الصحيح عن الأكل والشرب فيها وقال: (هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة) (١). فاقتضى قوله هذا تحريم الاستعمال في كل وجهٍ فأي فائدة في اتخاذها. وقد جاءت مسائل علمائنا في مراعاة قيمة العمل فيها في مسائل من الزكاة وغيرها تأسيس منها. أما تغيير الذهب والفضة بالهيئة والقصد فلا يغير حكمه الثابت شرعًا لتغيير هيئته لأن النبى ﷺ حرم ذلك بجملته كما قدمناه، إلّا أنه ﷺ كانت قبيعة سيفه فضة (٢) فخرج هذا من تحريم عموم الاستعمال عليه بفعله وعلينا في الاقتداء به مبينًا ذلك أيضًا على قاعدة تعارض القول والفعل حسب ما بيناه في أصول الفقه (٣). وقاس عليه الصحابة رضوان الله عليهم حلية المصحفه لأنها طاعة والرمح لأنه مثله وحمل عليه بعضهم آلة الحرب كلها لأن فيها إرهابًا وقياسًا على الحرير. واستثنى منها العلماء اليسير كطوق في (قعب شعبا (٤) له من صدع نزل به) أوحفظًا له من صدع يتوقع عليه لأن حفظ الصحيح عن الكسر يجبر عن الكسر لأن (٥) الاحتراز من الموهوم جائز في الجملة على تفصيل طويلٍ ربما جاء شيء منه في كتاب الجامع إن شاء الله فتبقى الآنية على أصل التحريم لأنها صورة لا منفعة فيها شرعًا ولا قيمة لها في الحكم فإن كانت في زكاةٍ على يدي المدبر لم تعتبر في القيمة وكانت لغوًا وإن أتلفها رجل لم يلزمه ضمان

стр. 816

كالصليب من الذهب والفضة والطنبور (١) إذ لم يكن فيهما منفعًة شرعًا سقط ضمانهما حكمًا فأما إذا اتخذه حليًا فباعه بذهب يزيد على وزنه يكون في مقابلة الصياغة فإن ذلك حرامٌ بإجماع من الأمة مبني على القاعدة التي مهدناها من أن الصفقة إذا ضمت مالي ربًا ومعهما أومع أحدهما ما يخالف في القيمة سواء كان من جنسه أو من غير جنسه فإن ذلك لا يجوز. أمّا إن مالكًا خفف أن يأتي الرجل بالنقرة زنتها مائة درهم إلى دار السكة فيعطيها ومعها خمسة دراهمَ قيمة ضربها ويأخذ في الحال مائةً (٢) مضروبة فيكون في الصورة قد باع مائة وخمسة بمائةٍ وهذا محض الربا والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له أضرب لي هذه وقاطعه على ذلك باجرةٍ فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أجرته فالذي جعل مالك أولًا هو الذي يكون آخرًا ومالك إنما نظر إلى المال فركب عليه حكم الحال وأباه سائر الفقهاء والحجة فيه لمالكٍ بينهٌ كما قدمنا. وفي هذه الأبواب بيع المكيل والموزون والمعدود جزافًا فأما المكيل والموزون من الطعام فلا خلاف بين العلماءِ في جوازه جزافًا لأن الحزر فيه طريق إلى العلم به في الغالب والغرر فيه قليل ولا يقابله من الجهة الأخرى مال ربًا فجازوا الأصل في ذلك جواز بيع الثمار على رؤوس الأشجار. فأما الذهب والفضة فالأشهر فيه عند العلماء جوازه إلاَّ أن يجري عدداً فإن مالكًا كره بيع المعدود جزافًا وينبني على قاعدة الغرر وينبني الغرر ههنا على المقاصد وذلك بأن المقصود رد الدراهم من الموزون إلى المعدود وجاز ذلك شرعًا فلما صار معدودًا شرعًا وعادةً كان غررًا بيعه جزافًا إذ لا يتحصل ذلك والله أعلم. باب الصرف (٣) هذه كلمة لم تأت بهذا إلينا في كتاب الله ولا جاءت على لسان رسوله أما أنها عربية فصيحة جاء لفظ الفعل منها في حديث طلبة قال فيه "فتراوضنا حتى اصطرف (٤) مني (٥) ". والصرف في لسان العرب بيع النقدين بعضهما ببعض. قال علماؤنا وقد غلط أبو

стр. 817

حنيفة في هذه المسألة فقال إن التفرق قبل التقابض يجوز في بيع كل مالٍ ربوي ما عدا النقدين فإن التقابض قبل التفرق واجب فيهما سواء بيع الجنس بالجنس أو بغيره منهما قال لأن اسم المبايعة فيهما صرف (١) وذلك عبارة عن صرف أحدهما في الآخر فإذا لم يوجد التقابض لم يوجد معنى الاسم وهذا وهم من ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن اللفظة كما قلنا لم ترد في كلام الشارع فينبني عليها حكم. الثانى: أن الصرف في اللغة كما قالوا مأخوذ من صرف أحد العوضين في الآخر وقد يكون ذلك بالقول وقد يكون بالفعل وهو عام في كل معاوضةٍ وإنما خص في اللغة بيع النقدين لذلك تعريفًا. الثالث: حديث عمر قال: قال رسول الله (الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء) (٢) الحديث وفي الصحيح (فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) (٣) وهذا نص. وقد اختلف العلماء في علة الربا في هذه الأعيان الربوية فأما النقدان فقال أبو حنيفة وغيره إن العلة فيهما الوزن (٤) وحرم الربا في كل موزونٍ على اختلاف أنواعه. وقال الشافعي ومالك العلة فيهما كونهما أثمان الأشياء (٥) وتلك علة واقعة تختص بهما إلَّا أن مالكًا قال زائدًا على الشافعي إذا أجرى الناس الفلوس من النحاس والرصاص بينهم أثمانًا بدلًا من النقدين جرى الربا في ذلك عنده على أحد القولين وهذا ينبني على قاعدة المقاصد فإن الناس لما اتخذوها أثمانًا بدلًا من النقدين لزمهم حكم ما التزموا و (الحكم) (٦) معروف انفرد به مالك وقد حققناه في أصول الفقه.

стр. 818

تفسير: إذا ثبت وجوب التقابض قبل التفرق في الأموال الربوية شرعًا فدخله خلل يأخذ ثلاثة أشياء: إما بغلبة على المتعاقدين كنفرة السوق ونحوه وإما بغلبةٍ منهما أو من أحدهما وذلك على قسمين: أحدهما: أن يتعمد ذلك. والثاني: أن يجلب أحدهما إلى حقٍ أو يؤخذ بباطل فيغلب على توفية ما عليه للآخر. واما أن يختل التقابض باستحقاق يطرأ على أحد العوضين أو بزيفٍ يوجد في أحدهما وفي كل فرعٍ من هذه العمر قولان لعلمائنا في تفصيل طويل استيفاؤه في كتب الفروع. نكتًة: في هذا المختصر أن (١) الصحيح جواز البيع في ذلك كله ما عدا الفرار منهما فإن ذلك يفسخه بخلاف أن يكون من أحدهما فإنه يجبر على القبض, وذلك لأصلٍ حسنٍ وهو أن وجوب التفرق قبل التقابض في الأموال الربوية تعبدًا لزمه المكلفون فإذا اختلَّ شرط منه أمكن القول بفساده وإذا لم يكن منهم فلا يخفى عليكم أن شرط العبادات إذا وقعت الغلبة عليها (٢) لا يختل عند أكثر العلماء وفي أكثر الأحوال فكيف بشروط المعاملات. تتميم: ومن بيع النقدين المراطلة وهو أصل بيعهما لأن الميزان هو عيار التساوي في الموزون كما أن المكيال هو عيار التساوي في المكيل كما أن العدد هو عيار المعرفة بالمعدود وقد قال ﷺ فيما روى النسائي وغيره (الميزان ميزان أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة) (٣) وللأقطار والأمصار عرف في المكيلات والموزونات والمعدودات تختلف باختلاف العادات. واختلف العلماء هل تعتبر العادة فيما خالف الحديث في ظاهره أم يجري الأمر

стр. 819

على ظاهر الحديث. وكذلك اختلف علماؤنا كاختلاف العلماء في العلة. فأما الأموال الربوية خصوصًا فلا أرى أن يعدل فيها عن ظاهر الحديث ويضرب لذلك مثالًا لدقيق والبر فإن حاضرة الإسلام منذ بعث فيها النبي ﷺ إلى زماننا هذا ما جرى قط فيها بيع (الدقيق) (١) والبر إلَّا كيلًا فمن أراد بيعه وزنًا لم تمنعه ما لم يقابله جنسه لأن ابتياعه جزافًا جائز فأما إذا قابله جنسه وكانت أموالًا ربوية فلا يجوز بيع بعضها ببعض إلّا بمعيار الشرع النبوي فيها (والعرف الجاري) (٢) فيها إلى اليوم لأن صاحب الشريعة حين جوز البيع وحرم الربا وبيّن المكيل والموزون إنما عاد ذلك كله إلى حاله وصفته في زمانه فمن بدله فإنما يبدله على نفسه ولا يمنع في الشرع أن يغير الخلق مصالحهم ما لم يعترض ذلك التغيير على ركن من أركان الدين فإن اعترض العرف عليه سقط في نفسه واعتبر حكم الشرع وهذا أصل بديع لم ينتبه له أحد فشدوا عليه يد البخل فإذا أثبت هذا فبعت الدنانير مراطلة اعتبر الوزن ولم يعتبر العدد وإن بيعت معادة اعتبر العدد والوزن معًا ولم يجز في ذلك تفاضل إلّا أن مالكًا جوزه في اليسير كثلاثة دنانير أو أربعة دنانير يبادل الرجل فيها صاحبه كاملًا بناقص فإن مالكًا سامح فيها بخلاف سائر الفقهاء مستمدًا من قاعدة المعروف وأما إذا راطل جيدًا برديء فلا خلاف فيه لأنه لا يمكن الاحتراز منه وتدعو الحاجة إليه، وأما إذا راطل سليمًا بمغشوش فلا يجوز بحال وأصل الباب أن المراطلة إنما هي في صنفين كل صنف في جهته فإن كان صنفان من جهة واحدة وقابلها من الجهة الأخرى صنف واحد أو صنفان فذلك (٣) لا يجوز. مثاله راطله دنانير عينًا وتبرًا غير جيد وجعل في مقابلته كوفية فإن ذلك لا يجوز لأنهما قد خرجا من باب المبادلة الأصلية إلى باب المغابنة والمكايسة واعتبار الأرباح والربا في النقدين ومثاله في المكيل لو باعه صاعين من عجوة بصاع ونصف من كيس وصاع من حشف فإنه لا يجوز أيضًا للعلة المتقدمة وعلى هذا الأصل رتب مالك بقية الباب فافهموه (منه وابنوه عليها (٤)). ما جاء في بيع العينة (٥) هذه كلمة ترجم بها مالك وردت في الحديث: روى أبو داود عن النبي ﷺ (أنه

стр. 820

قال: إذا تداينتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر) (١) الحديث وجرت (٢) في ألفاظ الصحابة. ذكرها علماؤنا عن ابن عمر وابن عباس إلَّا أن ابن عباس فسرها بأن يبيع الرجل من الرجل سلعة بدين إلى أجل ثم يشتريها بأقل مما باعها نقداً وهي مسألة الذرائع وفسرها غيره بأنها من بيع ما ليس عندك وأصلها فعلة من العون وقد كانت جارية عندهم فيما يجوز وفيما لا يجوز فوقع النهي منها على ما لا يجوز وجعل مالك منها بيع الطعام قبل قبضه ليبين (٣) أنها عبارة عن كل عقد لا يجوز وقد روي عن النبي ﷺ إنه قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه) وقال ابن عمر: "كنا في زمان رسول الله ﷺ نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه". هكذا رواه مالك وجماعة زاد في الصحيح "كنا نبتاع الطعام جزافًا" (٤). وزاد عن ابن عباس "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه" قال ابن عباس وأحسب كل شيء مثله (٥). وروى الدارقطني وغيره "نهى النبي ﷺ عن بيع ما لم يقبض ربح ما لم يضمن" وزاد عن عتاب بن أسيد أن النبي ﷺ ، قال له حين ولاه مكة: (إنههم عن بيع ما لم يقبضوا وربح ما لم يضمنوا). واختلف العلماء في ذلك على ستة أقوال: الأول: كل مبيع كيف ما تصرف حاله من أي مال كان فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه

стр. 821

قاله الشافعي وأحمد في إحدى روايتيه. الثانى: قال أبو حنيفة مثله إلاَّ في العقار فإنه يجؤز بيعه قبل قبضه. الثالث: أن هذا في الأموال الربوية خاصة قاله مالك في المشهور. الرابع: أن ذلك (١) في المطعومات من جملة الأموال قاله ابن وهب عنه. الخامس: أن ذلك في الأموال الربوية وفي المطعومات نعم وفي المعدودات قاله جماعة منهم عبد العزيز بن أبي سلمة وابن حبيب. السادس: أن ذلك يجري في الجزاف ولا يجوز بيعه حتى يقبض كما جرى فيما فيه حق توفية. فأما القول الأول فمتعلقه حديث الدارقطني حسب ما تقدم. وأما الثانى فمتعلقه وجهان. أما أحدهما: فإن عرف لفظ الطعام إنما يجري في المقتات فأما سائر الطعام سواه فله اسم خاص به كالفاكهة وغيرها ولأجل هذا بوّب مالك باب الطعام وقال أيضًا باب الفاكهة فغاير بينهما وجهل ها هنا بعض أشياخنا فقال هذا يجري على حمل اللفظ على العرف. وليس كما زعم لأن هذا عرف شرعي وتلك المسألة إنما هي في العرف المطلق التي ليس لها في الشرع مدخل. وأما الوجه الثانى فإن هذا حكم ورد في الأموال الربوية فاختص بها كربا الفضل. وأما من أجراه في المطعومات فإنه حمل اللفظ على أصل الإطلاق فإن كل ما يؤكل ويشرب طعام. وأمّا من قال إنه يجري في المعدودات فإنه تفطن لنكتة خفية وهي أن النّبىّ ﷺ لما قال في الحديث (حتى تستوفيه) علّق الحكم على الاستيفاء وهو جواز البيع والمعدود فيه جواز البيع حق التوفية فدخل في عموم قوله حتى يستوفيه. وأما من قال إن ذلك في الجزاف أيضًا وهي رواية الوقار عن مالك فإنه تعلق بالحديث الصحيح. (من ابتاع طعامًا جزافًا) رواه ابن عمر وروي عن غيره. وأما ابن عباس فحين قال: وأحسب كل شيء مثله حمل كل مبيع فيه حق توفية على ذلك إشارة إلى قول ابن

стр. 822

حبيب وإلى قول يحيى الوقار. ويلزم لزومًا لا محيص عنه من قال إن الجزاف لا يجوز بيعه حتى ينقل، ألا يجوز بيع مبيع حتى ينقل والحكمة في ذلك (١) لأن قول النبي ﷺ لحكيم بن حزام (لا تبع لا ليس عندك) يحتمل أن يريد به لا تبع ما ليس في ملكك ويحتمل أن يريد لا تبع ما ليس في يدك. فمن قال لا يحمل اللفظ على معنيين مختلفين من العلماء توقف ها هنا احتياطًا لئلا يريد النبي ﷺ أحدهما فيقع المكلف في المحظور. وأما نحن فالذي نرى أن اللفظ يحمل على المعاني المختلفة بإطلاقه فإن ذلك يلزمنا أن نمنع من يبيع كل شيء قبل قبضه وهو الأقوى في النظر والله أعلم. مسألة: صكوك (٢) الجار نازلة بديعة أطال العلماء فيها النفس وما حلوا عقدة حبس، والنكتة فيها أن الذي فسخ الصحابة والعلماء هو البيع الثانى ليس الأول. وقد كلمني في ذلك بعض المنتحلين إلى العلم فقلت إن البيع الثانى انعقد على معاوضة من الجهتين والبيع الأول شرع محض ليس في مقابلة عوض فقال لي بل البيع الأول عوض لأن الديوان أخذه كفأ عن خدمته ورأيته لا يفقه فتركته وليس كما زعم لأن الإمام إذا أخرج صكوك أهل الديوان إنما يخرجها عطاء محضًا يوفيهم بها حقوقهم في بيت المال وعليهم أن يقوموا بفرض الجهاد ولا يجوز أن يكون أحدهما عوضاً عن الآخر لأن الصك معلوم والعوض مجهول ولا يتعين من جهة صاحب الديوان عوض (٣). والحاسم لداء الجهالة اتفاق الأمة من لدن زمن الصحابة إلى زماننا هذا على تسميتهم ما يأخذ الأجناد عطاء ثم عقب مالك على هذا الباب

стр. 823

بقوله باب بيع ما يكره من بيع الطعام إلى أجل (١). وأدخل مسألة سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار (٢) وذلك بناء على البيعتين اللتين تبين الأخيرة منهما إلى بفسخان جميعًا. وقد اختلف في ذلك علماؤنا وهو الصحيح لأنا إنما نفسخ الثانية باتفاق لخوفنا أن يكونا يقصدان الفساد فإذا جرى قصد الفساد على البيعتين جميعًا من الأولى وجب أن يفسخا. تكملة: قال مالك: من بين مشيخة الأمصار وعلمائها ما كان من شرك أو إقالة أو تولية فإنه مستثنى من بيع الطعام قبل قبضه وإن كان ذلك بيعًا حقيقة ولكنه أسعد من سائر العلماء في تجويزه ذلك لطريقين. أحدهما: أن هذا من باب المعروف والمشاركة فلا يدخل تحت لفظ البيع المبني على المغابنة والمكايسة وهي قاعدة ينفرد بها كما قدمناه. الثانية: وهي أقوى على الخصم ما روى سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ أنه قال في هذا الحديث يعينه (إلّا ما كان من شرك أو إقالة أو تأولية (٣)). ومهما اختلفت الأمة في المراسيل فقد اتفقت على القول بمراسيل سعيد بن المسيب فهذا ما لا جواب لهم عنه. مسألة أصولية: قال مالك: ما يكره من بيع الطعام إلى أجل (٤) وذكر مسألة الذريعة وهي حرام عنده وقيل ذلك ما يكره من بيع الثمار وذكر ما هو أشد منه وهو الربا في الثمرة وهو حرام أيضًا باتفاق فأطلق المكروه عدى الحرام وهوعنده ينقسم إلى ما يحرم فعده وإلى ما تركه أولى من فعله وهو المكروه في إطلاق الأصوليين إلا أنهم ما عرفوه ولا شرحوه في كتبهم ولا

стр. 824

ضربوا له مثالًا وإنما يذكرون حده ويتجاوزونه دون بيان له وهو من المعضلات في الأصول وقد بيناه في المحصول (١) وذكرنا حده وأمثلته التي أغفلها العلماء قديمًا ومنها فعل ما لا ينبغي وكثرة الضحك وأصله في اللغة ما يريد المرء تركه وكراهية الله تعالى (للشيء) (٢) في إرادته ألا يكون. قال تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾ (٣) وليس يمتنع إطلاقه على الحرام وعلى ما تركه أولى من فعله كما ليس يمتنع تخصيصه في الاصطلاح بما تركه أولى من فعله ولكن الأدلة تعين كل واحد من الحالتين وتبين المخصوص في النازلة من الحكمين. مرجع: وأما الأعيان الأربعة الواردة في حديث عبادة وغيره قال رسول الله ﷺ : (لا تبيعوا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلّا سواء بسواء عينًا بعين يدًا بيد) فنص على هذه الأربعة من المطعومات دون غيرها. واختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال: فروي عن ابن الماجشون أنه قال: العلة في هذه الأعيان الأربعة المالية وأجرى الربا في كل مال (٤). وقال أبو حنيفة: العلة فيها الكيل وأجرى الربا في كل مكيل (٥). وقال الشافعي: العلة فيها الطعم (٦). واضطرب الأصحاب في فهم غرض مالك فيها والذي استقر عليه الاستقراء منها أن العلة القوت (٧) لأن الله تعالى لو أراد المالية لما ذكر منها إلّا واحدًا وكذلك المكيل لو أراده لاكتفى منها بواحد لأن جهة الكيل واحدة فيها وإنما بقي الإشكال بين الطعم والقوت لأنه هو

стр. 825

المقصود منها وهي أصول الأقوات فذكر الله البر تنبيها على ما يقتات في حال الرفاهية والاختيار، وذكر الشعير تنبيهًا على ما يقتات في حال التفسير والمخمصة، وذكر التمر تنبيهًا على ما يقتات في حال الضرورة تحليًا وتفكهًا، كالعسل والزبيب ونحوه، وذكر الملح تنبيهًا على ما يقتات لإصلاح الأطعمة إما لحفظ بقائها وإما لتطييبها وإما لكف الأذى الحاصل بقدرة الله تعالى وفعله عنها. قال أبو المعالي الجويني: وقد كنا نميل إلى مذهب مالك بالتعليل بالقوت لقوته وظهوره بيد أن النبي ﷺ ذكر الملح وليس من الأقوات انخرم التعليل. قال القاضي أبو بكر: وعذيري منه يخرم القاعدة بزعمه بما يعضدها بزعمه وقد أشرنا إلى العلة في ذلك والحكمة وبينا وجه ذكر الملح وأوضحنا فائدته وليس وراء ذلك البيان مرمى إلّا التعسف في الرد وإيثار زعنفة ليس لهم رأس في الفتوى إلَّا أن الربا مقصورعلى هذه الأعيان الأربعة وهذا خرق للإجماع فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعظمون أمر الربا ويتوقونه وذلك بين في الأحاديث والأقضية إذا استقرئت كما في حديث معمر (١) وسعد بن أبي (٢) وقاص وعبد الله بن عباس وابن عمر وخاصة عمر بن الخطاب فإنه كان يأسف أن مات النبي ﷺ ولم يبين أبوابٍ الربا. باب السلفة في الطعام (٣) السلف في لسان (٤) العرب اسم يطلق على القرض وعلى السلم (٥). قال ابن عباس في الصحيح (قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث

стр. 826

فقال من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (١). واتفقت الأمة على جوازهما فأما سلف القرض فمعروف ومكارمة وله أبوابه وأما سلف السلم فمرابحة ومكايسة وشروطه عدا شروط البيع تسعة ستة في المسلم فيه وثلاثة في رأس مال السلم. أما الستة التي في المسلم فيه فأن يكون في الذمة وأن يكون موصوفًا وأن يكون مقدرًا وأن يكون مؤجلًا وأن يكون الأجل معلومًا وأن يكون موجودًا عند محل الأجل. وأما الثلاثة التي في رأس (٢) مال السلم فأن يكون معلوم الجنس مقدرًا نقدًا. أما الشرط الأول: وهو أن يكون في الذمة فلا إشكال في أن المقصود منه كونه في الذمة لأنه مداينة ولولا ذلك لم يشرع دينًا ولا قصد الناس إليه ربحًا ورفقًا وعلى ذلك اتفق الناس بيد أن مالكًا قال يجوز السلم في المعين بشرطين. أحدهما: أن تكون قربة مأمونة. والثاني: أن يشرع في أخذه كاللبن من الشاة والرطب من النخل ولم يقل ذلك أحد سواه. وهاتان المسألتان صحيحتان في الدليل لأن التعيين إنما امتنع في السلم مخافة المزابنة والغرر لئلا يتعذر عند المحل وإذا كان الموضع مأمونًا لا يتعذر وجود ما فيه في الغالب جاز ذلك لأنه (٣) لا يتفق ضمان العواقب على القطع في مسائل الفقه ولا بد من احتمال الغرر اليسير وذلك كثير في مسائل الفروع تعديدها في كتب المسائل. وأما السلم في اللبن والرطب والشروع في أخذه فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة وهي مبنية على قاعدة المصلحة لأن المرء يحتاج إلى أخذ اللبن والرطب مياومة (٤) ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء لأن النقد قد لا يحضره وأن السعر قد يختلف عليه وصاحب النخل واللبن يحتاج إلى النقد لأن الذي عنده عروض لا يتصرف له فلما اشتركا في الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسًا على العرايا وغيرها من أصول الجاجات والمصالح.

стр. 827

وأما الشرط الثانى: وهو أن يكون موصوفًا فلأن طريق العلم سببان أحدهما النظر وذلك لا يمكن فيما فى الذمة ويزيله الخبر وذلك يكون بالصفات فصفة الغائب تحصره علمًا وترفع الاشتراك حكمًا ولا بد من ذكر الصفات الأصلية الحاضرة كالسمراء من المحمولة في نوع البر والجيد من الرديء في غرض الانتفاع وفيه تفصيل طويل بيانه في مسائل الفروع وأغرب ما فيه ما قاله أصحابنا من أن حال البلد وما يجري فيه يكفي في ذكر النوع المسلم فيه فلا يحتاج إلى أن يذكر الجودة خاصة وما يتعلق بها وهي مسألة ضعيفة ولو جاز الاتكال على حال البلد في النوع لجاز في الجنس ولتعدى ذلك إلى رأس مال السلم في النقد وكان العقد ينعقد على المجهول ويؤول إلى المزابنة في آخر الحال وذلك ما لا يجوز. وأما الشرط الثالث: وهو كونه مقدرًا فلا خلاف فيه بين الأمة وطريق العلم بالتقدير من ثلاثة أوجه الكيل والوزن والعدد وذلك ينبني على العرف في ذلك إما عرف الشرع وإما عرف الناس كما بيناه من أمس فاحفظوا ما سبق وقرر (١) فقد اضطرب علماؤنا فيه اضطرابًا ومثال اضطرابهم في السفرجل والرمان والجوز هل يسلم فيها كيلًا أو عددًا حتى انتهى الحال بابن القاسم أن يخالف فيها مالكًا وأبين ما في ذلك الجوز ولم يختلفوا في اللوز والصنوبر أنه مكيل وذلك عندي كله يرجع إلى عرف البلد في كل وقت فما انضبطت به الحال عند الناس فذلك الذي يعول عليه. وزاد مالك مسأل غريبة خالف فيها جميع الفقهاء وبناها على قاعدتين: إحداها العرف والأخرى المصلحة وهو جواز التجزيء في اللحم وجعل التجزيء فيه والحزر أحد طرق العلم الموصلة إليه ولعمري إن الحزر لطريق إلى العلم لكن فيما يختص به المرء دون ما يشاركه فيه غيره لجواز اختلافهما في الخمن (٢) المحزور فيؤدي إلى التزابن ولذلك لم يجز في كل شيء عنده وإنما جوزه ها هنا تخفيفًا للحال ومصلحة للناس وما كنت لأفعله. وأما الشرط الرابع: وهو أن يكون مؤجلًا فيا لها مسألة ويا طال ما اضطرب الخلق فيها ولكن ترجع إلى أصلين. أحدهما أن السلم الحال هل يجوز أم لا؟ فقال الشافعي هو جائز (٣).

стр. 828

واضطربت المالكية في تحديد الأجل حتى ردوه إلى يومه، حتى قال بعض علمائنا السلم الحال جائز والصحيح أنه لا بد من الأجل فيه لأن البيع على ضربين معجل وهو المعين ومؤجل فإن كان حالاً ولم يكن عند المسلم إليه فهو بيع ما ليس عندك فلا بد من الأجل حتى يخلص كل عقد بصفته وعلى شروطه وتنزل الأحكام الشرعية منازلها وتحريره عند علمائنا مدة تختلف الأسواق في مثلها. وانفرد مالك عن جميع العلماء بمسالة في الأجل فقال يجوز أن يسلم إليه في بلد في طعام في بلد آخر (١) يسميه ولا يذكر الأجل وتكون مسافة ما بين البلدين أجلًا وهي مسألة ضعيفة لأنه أجل مجهول إذ يقول أخرج معي فاقبض فيقول نعم أو لا أو سأخرج غدًا فيرفعه إلى الحاكم كما قال علماؤنا فيخرج أو يتعذر فإذا اعتذر أمر بالتوكيل فيجد من يوكل أو لا يوكل وفي هذا من التغرير ما لا يخفى على أحد مما يعود بجهالة الأجل وقد اتفقت الأمة على أنه لو قال أسلمت إليك إلى شهر ونحوه لم يجز ومسألة مسافة البلد هي تلك بعينها. وأما الشرط الخامس: وهو أن يكون الأجل معلومًا فلا خلاف فيه بين الأمة وإنما اختلفوا في تفاصيل العلم به فانفرد مالك دون فقهاء الأمصار بجواز البيع إلى الجذاذ والحصاد لأنه رآه معلومًا ورآه سائر الفقهاء مجهولًا إذ تختلف طرقه ويطول مداه وتطرأ الأعذار عليه ورأى مالك جوازه وقال إنه يقضي بمعظمه وكذلك رأى الأجل إلى العطاء [جائزاً وقال ح وش: لا يجوز إلى العطاء] (٢) والخلاف لا شك في العطاء والله أعلم، يؤول بينهم إلى عبارة وهي أن العطاء إن كان معلومًا فالتأجيل به جائز وإن اختل باختلاف الولاة فذلك لا يجوز. وأما الشرط السادس: وهو أن يكون موجودًا عند المحل فلا خلاف فيه بين الأمة. فإن انقطع المبيع عند محل الأجل بأمر من الله تعالى انفسخ العقد عند كافة العلماء ولأصحابنا فيه اضطراب بيانه في كتب المسائل. وزاد أبو حنيفة على سائر الفقهاء بأن قال إن من شرط السلم أن يكون المسلم فيه موجودًا من حين العقد (٣) إلى حين الأجل قال والعلة في ذلك أن من الجائز أن يموت المسلم إليه قبل حلول الأجل فإذا مات حل الأجل فيطلب المسلمُ فيه فلا يوجد فيكون ذلك

стр. 829

غررًا ويعود على التركة والعاقد ضررًا هي مسألة من مسائل الخلاف كبيرة وقد بيناها فى تخليص التلخيص وغيره بما لبابه أن أبا حنيفة جعل الموهوم في عقد السلم بمنزلة المحقق فهذا لا يطرد شرعًا في مسائل الدين ولا يلزم في عقود المسلمين وخصوصًا في الموت الذي لا يمكن الاحتراز منه فالتعلق به يضعف من هذا الوجه لا سيما وله مناقضات بيانها هنالك تكفينا مؤونته إذا ثبت هذا فللمسلم فيه فروع كثيرة بيانها في كتب المسائل أمهاتها ثلاثة فروع: الفرع الأول: قال أبو حنيفة: لا يجوز السلم في الحيوان لأن الحيوان لا يضبط في الصفة (١). وقال سائر العلماء: كل شئ تأتى عليه الصفة. والذي أشار إليه أبو حنيفة هي الخلق فيها يكون التفاوت الذي لا يحصى وتلك لا تباع ولا يقابلها مال وإنما ينعقد البيع وتقابل الأموال بالخلق الظاهرة وقد بينا لكم فيما تقدم أنها تنحصر في الحيوان وغيره. الفرع الثانى: قال الشافعي: لا يجوز السلم في الدر والياقوت لأنها لا تنضبط إن حصرتها قدرًا لم تحصرها وصفًا وبأقل شئ تتفاوت القيمة (٢) فيها أضعافًا مضاعفة (٣). قال علماؤنا: ما من شيء إلّا والوصف يأتى عليه لأنك إذا قلت درة زنتها قيراط بيضاء مرجرجة سليمة عن الغش علم كل واحد قيمتها. الفرع الثالث: يجوز السلم في الدنانير والدراهم وقال أبو حنيفة (٤) لا يجوز، وقد بيناها في مسائل الخلاف لباب القول فيها أن أبا حنيفة قال إذا جوزنا السلم فيها أدى إلى قلب الحال بأن يعود الثمن مثمونًا وإن انقلبت الحال فيه لم تنقلب في الشريعة. وهذه المسألة تتعلق بمسالة أخرى من مسائل الخلاف كبيرة وهي أن الدنانير والدراهم هل تتعين بالتعيين أم لا فلينظر هنالك. وأما شروط رأس المال فأن يكون معلوم الجنس فلا اختلاف فيه لأن الجنس هو الضابط فإن لم يكف الجنس في التعريف به فلا بد من نوع يعرفه ينضاف إليه حتى يتحصل معلومًا.

стр. 830

وأما تقديره فلا خلاف فيه إلّا أن الشافعي قال يجوز أن يكون رأس المال جزافًا واختلف علماؤنا فيه لاختلافهم في أصل جزاف الدنانير والدراهم فلتأخذ المسألة من هناك وليس بعد هذا طريق إلى العلم إلّا الوزن إن كان موزونًا أو العدد إن كان معدودًا. وأما النقدية فيه فلم أعلم بين العلماء في وجوبها خلافًا ولعلمائنا فيها اختلاف طويل آل بهم إلى أن يقولوا إن تأخيره بشرط اليوم واليومين جائز وآلت الحال بهم أيضًا إلى أن يقولوا إنه لو تأخر بغير شرط إلى حلول أجل السلم أيضًا لجاز وأين هذا من نهي النبى ﷺ عن الكالئ بالكالئ (١) والصحيح أنه لا يجوز تأخيره لحظة لأنه لا تدعو إلى ذلك حاجة ولا فيه مصلحة وهو داخل في الكالئ بالكالئ (٢) المنهي عنه إجماعًا وكفى أن يكون المسلم فيه مستثنى من بيع ما ليس عندك رخصة للحاجة الداعية إليه فكيف أن يكون رأس المال يتأخر بشرط فيدخل في الكالئ بالكالئ من غير حاجة. القول في الحكرة والتربص (٣) ذكر مالك رضوان الله عليه اللفظين جميعًا لأن حكمهما يختلف.

стр. 831

أما الاحتكار فهو ضم الطعام وجمعه. وأما التربص فهو انتظار الغلاء به. والأموال على قسمين مطعوم وغير مطعوم والمطعوم على قسمين قوت وغير قوت والقوت على قسمين بر وشعير وما عداهما. فأما الاحتكار والتربص في الأموال غير المطعومات فلا خلاف فيه أما في المطعومات فهو الذي يكره جمعه في حال دون حال ويحرم التربص لانتظار الغلاء به إذا لم يكن رفع السوق وخفضه الذي جرت العادة به والمعول في ذلك على النية فمهما تعلقت النية بضرر أحد حرم ذلك القصد ولا يخلو أن يكون المحتكر للطعام من مال نفسه أو من كسب يده أو مما اشتراه من السوق فإن كان من مال نفسه وكسب يده فالحكرة جائزة بلا خلاف وإن انتظر به رفع السوق وخفضها فتربص لأجل ذلك فهو جائز أيضًا بلا خلاف وإن انتظر به غلاء متفاوتًا لنازلة تحدث من قحط أو عدو ونحوه فالحكرة جائزة والتربص حرام فلما تغايرت الحكرة والتربص لفظًا ومعنى وحكمًا جعلهما مالك لفظين. وأما إن كان يحتكر بشراء من السوق فذلك جائز أيضًا بثلاثة شروط: الأول: سلامة النية كما تقدم. الثانى: ألا يضر الناس بالشراء فيرتفع السعر لكثرة الطالب. الثالث: ألا يكون من أصول المعاش والحياة كالدهن والخل ونحوه. أما إنه تكون الحكرة مستحبة وذلك بأن يكثر الوارد على الموضع بالأقوات وعند بعض الناس نقود فإن لم يشتروا من الجالب رد ما جلب فالشراء حينئذ جائز والحكرة حسنة. تبيين: فإذا احتكر ونزلت بالناس فاقة فاحتبس عن البيع إلّا بما يريد فهي مسألة التسعير وبيانها أنه صح عن النبى ﷺ أن نفرًا من أصحابه سألوه التسعير في السوق (فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد منكم بمظلمة عنده (١)). ومحمل الحديث على وجهين:

стр. 832

أحدهما: إذا لم يكن الزائد متفاوتًا. والثاني: إذا لم يكن في ذلك ضرر بأن يترقى منه إلى غيره فإن خرج عن هذين الوجهين لم يجز التسعير أيضًا ولكن يقال للذي تولى الزيادة أخرج عن سوقنا كما فعل عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة (١) هذا إذا كان من أهل السوق. وأما إن كان الجالب للبيع من غير أهل البلد فذلك الذي يبيع كيف شاء لا يمنع منه ولا يحجر عليه كما قال عمر ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده الحديث (٢). وهذا مبنى على قاعدة المصلحة فإن الجالب لو قيل له كما يقال للرجل من أهل السوق: إما أن تبيع بسعرنا وإما أن تقوم عن سوقنا لانقطع الجلب واستضر الناس وعلى هذا انبنت مسألة التسعير في أن كل من جلب من المعاهدين إلى بلاد الإسلام أخذ منه العشر إلّا أن يجلب إلى مكة فإنه يؤخذ منه نصف العشر مصلحة سببها التحريض والتحضيض على جلب الأقوات إليها وفائدته كثرته فيها ولما لحظ ابن حبيب من أصحابنا هذه المصلحة وفهم المقصود قال إن الجالب للطعام لا يمكن أن يبيع إلا بسعر الناس ما خلا القمح والشعير فإنه يكون فيه بحكم نفسه للحاجة ولتمام المصلحة (٣) بهما. باب ما يجوز من بيع الحيوان بعضه ببعض والسلف فيه (٤) أما بيع الحيوان بعضه ببعض نقدًا فلا كلام فيه ولا تقريح عليه وأما بيعه نسيئة فإنه جائز عندنا وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وجماعة الكوفيين إن الحيوان لا يثبت في الذمة لأن الصفة لا تحصره وقد تقدمت المسألة (٥) وبنى مالك أصله في الرد عليهم بقول علي إمامهم

стр. 833

والخليفة فيهم وفعله إذ باع جملًا نقدًا بعشرين بعيرًا إلى أجل (١). وفي الحديث الصحيح عن مسلم وغيره عن أبي رافع (استلف النبي ﷺ بكرًا فقضى رباعيًا خيارًا) (٢) وغلط بعض المتأخرين من علمائنا فظن أن هذا الحديث في السلف من باب المعروف فلا يحتج به في السلم الذي هو من باب المغابنة والمسألة واحد من والسلف بيننا وبين أهل الكوفة في ذلك واحد (٣) ثم ركب مالك ﵀ على هذا الباب دخول أموال الربا على الحيوان كبيع الجمل بالجمل وزيادة بالدراهم نقدًا أو نسيئة وذلك إنما هو من قاعدة الذرائع باب بيع الحيوان باللحم (٤) قال مالك والشافعي لا يجوز بيع الحيوان باللحم (٥) وقال أبو حنيفة (٦) يجوز والمسألة

стр. 834

لنا لا كلام لأحد فيها لأن سعيد بن المسيب روى أن النبى ﷺ (نهى عن بيع الحيوان باللحم) (١). وقد اتفقت الأمة على قبول مرسل سعيد ولا كلام لهم عليه فالمسألة غير معللة فإن تعليلها فيه تعارض (٢) وتناقض كثير. وعول علماؤنا فيه على طريق البيع على أن الشيرج (٣) بالسمسم (٤) لا يجوز لأنه يخرج منه فكذلك اللحم بالحيوان وتحرير ذلك وتفصيله في مسائل الخلاف. فأما بيع اللحم باللحم فإنهما مالًا ربويًا وأموال الربا من شروطها اعتبار الجنس من ربا التفاضل والنسأ واعتبار القوت في ربا النسأ خاصة مذكور في كتب المسائل. مسألة أصولية: قال بعض علمائنا حين تعلق بحديث نهي النبى ﷺ عن بيع اللحم بالحيوان أن هذا حديث تلقته الأمة بالقبول فوجب القضاء به وهذا جهل منه بطريق الحديث فليست شهرة الحديث موجبة لصحته إجماعًا وهذا الحديث ما تلقته الأمة بالقبول فإن أهل الكوفة ردوه وقد عد العلماء الأحاديث المشهورة المتداولة على الألسنة وليست بصحيحة وذكروا منها نبذًا كحديث (الخراج بالضمان) وحديث (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان]) (٥) ودونهما

стр. 835

حديث (لا يأوي الضالة إلَّا الضال) (١) وذلك مذكور في كتب الحديث. باب ما جاء في ثمن الكلب (٢) ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمن الكلب (٣) واختلفت الرواية عن مالك وعلمائنا بعده على قولين وذلك في كلب يجوز الانتفاع به فأما كلب لا ينتفع به فلا خلاف أنه لا يجوز بيعه ولا تلزم قيمته لمتلفه (٤) وقال الشافعي ثمنه حرام (٥) وقال أبو حنيفة ثمنه جائز (٦) ولم يزل مالك عمره كله يقول أكرهه وحمل بعض أصحابنا لفظه على التحريم وحمله آخرون

стр. 836

على أن تركه خير من أخذه على أصل المكروه والصحيح عندي جواز بيعه وحل ثمنه لأنها عين يجوز اتخاذها والانتفاع بها ويصح تملكها بدليل وجوب القيمة على متلفيها فجاز بيعها لأن هذه الأوصاف هي أركان صحة البيع ولولا جواز بيعه من أين كان يوصل إليه كما لا يوصل إلى سائر الأموال إلّا بالبيع والهبة وقد مهدنا ذلك في مسائل الأحكام. باب النهي عن بيعتين في بيعة (١) أدخل مالك بلاغًا وهو ثابت عن النبي ﷺ صحيح رواه الشعبي والسلمي وقال أبو عيسى منهم هذا حديث صحيح واختلف العلماء في تفسيرها أما المالكية فقالوا هو أن يبيع الرجل من الرجل سلعتين بثمنين مختلفين على أنه قد لزمته إحدى الصفقتين فلينظر أيهما يلتزم (٢). وقال الشافعي تفسيرها أن يقول أبيعك داري على أن تبيعني غلامك (٣) وكلا التفسيرين صحيح والمسألتان جميعًا لا تجوز وإن اختلف التعليل وهي تستمد تارة من قاعدة الربا وتارة من قاعدة الغرر ومن قاعدة الربا وربما اجتمعا في بعض المسائل فابنوا مسائلها على هذين الأصلين. باب بيع وسلف (٤) أدخل مالك بلاغًا أن النبي ﷺ (نهى عن بيع وسلف) (٥) رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح فإن قيل وكيف يصح وهو من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قلنا قد تقدم الكلام في صحيفة عمرو ابن شعيب وهي صحيفة لا مرد لها وقد فسرها مالك

стр. 837

يتركب عليها أصل بديع من أصول المالكية وهو أن كل عقدين يتضادان وضعًا ويتناقضان حكمًا فإنه لا يجوز اجتماعهما أصله البيع والسلف فركبه عليه في جميع مسائل الفقه ومنه البيع والنكاح وذلك أن البيع مبني على المغابنة والمكايسة خارج عن باب العرف والعبادات والسلف مكارمة وقربة ومن هذا الباب الجمع بين العقد الواجب والجائز ومثله بيع وجعالة ويزيده علي ذلك أن أحد العوضين الجعالة مجهول ولا يجوز أن يكون معلومًا فإنه إن كان معلومًا خرج عن باب الجعل والتحق بباب الإجارة وأمثال ذلك لا تحصى وهذه نبذة كافية. باب بيع الغرر (١) رواه مالك مرسلًا (٢) وهو مسند اجتمعت عليه الأمة وهو أحد أركان البيوع وقواعده كما بيناه. ومن الغرر بيع المعدوم فإنه أشد من الموجود المجهول. وقد بوب عليه مالك ما لا يجوز من بيع الحيوان (٣) وهي المضامين والملاقيح وحبل الحبلة فإنه غرر في المعدوم ومنه ما ذكر مالك من بيع الدابة الضالة والعبد الآبق لأنه لا يعلم هل هو على حاله أم تغير ومنه (٤) الحمل وجعل مالك منه استثناء الحمل من الجارية المبيعة (٥) وذلك صحيح لوجهين أحدهما: أنه لا يدري السلامة عند الوضع وذلك يختص بالآدميين والثانية الجهالة بالثمن دون خوف الهلاك وذلك في سائر الحيوانات ولهذه الدقيقة تفطن مالك فقال في هذا الباب "وذلك بأن يقول الرجل للرجل ثمن شاتي بثلاثة دنانير فهي لك بدينارين ولي ما في بطنها (٦) " فهذا غرر ومخاطرة ومنه بيع الملامسة والمنابذة وقد بوب

стр. 838

عليه، قال مالك (١) ومنه التاج المدرج في جرابه إذا لم يصفه وبه قال الشافعي (٢) وقال أبو حنيفة ذلك جائز وله الخيار إذا رآه (٣) وقد مهدناه في مسائل الخلاف. وأما بيع البرنامج فانفرد به مالك فقال يجوز علي الصفة، يدفع إليه برنامجه ويقول له هذا تفسيرها في برنامجي (٤) قال الشافعي لا يجوز (٥) لوجهين أحدهما أن بيع الصفة إنما يكون فيما في الذمة لا في العين. قال علماؤنا رحمة الله عليهم الصفة طريق إلى العلم كما تقدم ولولا أن الصفة تعين الغائب ما جازت في السلم ألا ترى أنه إذا أحضر الموصوف فيه لزم قبوله. والثاني قال الصفة بدل عن الرؤية فإنما يكون البدل مع تعذر المبدل فأما المبدل ههنا وهي الرؤية متعذرة لأن في حل الشدائد في المواسم مشقة عظيمة على الناس فنزل البدل وهي الصفة مقام المبدل وهي الرؤية لأجل المشقة بناء على قاعدة المصلحة، حتى قال علماؤنا لو باعه ثوبًا في كمه على الصفة لم يجز وقد احتج مالك على ذلك بأنه أمر معمول به عندهم معلوم من معاملاتهم (٦) لا من طريق التعلق بأهل المدينة ولكن من جهة أن ذلك طريق إلى العلم في العادة فإن وجدوه على الصفة لزمهم وإن كان على خلافها فلهم رد البيع. باب بيع الخيار (٧) ذكر مالك ﵀ حديث ابن عمر أن النبّى ﷺ قال: (البيعان بالخيار كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار) (٨) قال الشافعي خيار المجلس ثابت

стр. 839

في البيع لكل واحد من المتبايعين حتى يقوما عن مجلسهما (١) وروي ذلك الدارقطني تفسيرًا عن النبي ﷺ أنه قال: (المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا عن مكانهما الذي كانا يتبايعان فيه) (٢). وكان ابن عمر إذا بايع أحدًا قام ومشى خُطىً حتى يلزم البيع (٣). وقد مهدنا في مسائِل الخلاف تأويلات هذا الحديث وحققناها من ثمانية أوجه منها قول مالك فيه وليس عندنا في هذا الحديث حد معروف ولا أمر معمول به إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة ولو شرط الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعًا فكيف يثبت حكم بالشرع بما لا يجوز شرطًا في الشرع وهذا شيء لا يتفطن إليه إلا مثل مالك فظن الجهال المتوسمون بالعلم من أصحابنا أن مالكًا إنما تعلق فيه بعمل أهل المدينة وهذه غباوة (٤). وإنما غاص على ما قلناه. فإن قيل قد أثبت مالك خيار المجلس في التمليك قلنا الطلاق يعلق على الغرر والخطر وثبت في المجهول ومع المجهول والبيع بخلافه ولو لم يكن في هذا القبس إلا هذه المشكاة لكفاه.

стр. 840

القول في المرابحة (١) هذا باب عويص ليس له في القرآن ولا في السنة ترجمة اللهم إلا أن الله قال: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (٢) فاقتضى هذا الإطلاق كما قدمنا جواز كل بيع إلا ما قام الدليل على رده حسب ما تقدم في القواعد وقد طالعت في جميع كتب العلماء المعول عليهم في المذاهب فما رأيت أحدًا منهم فهمه كما ينبغي ولا قرره كما يجب واستوفى معاقده على الكمال إلا محمَّد بن عبدوس (٣) بناه على ستة معاقد وقعت منثورة في كلام مالك فجمعها وفرع عليها. الأول ما يحسب في الثمن والربح. والثاني ما يحسب في الثمن ولا يحسب في الربح. الثالث ما يحسب بالشرط ولا يحسب بالإطلاق. والرابع أن ينعقد المبيع على الكذب. الخامس أن ينعقد البيع على غش. السادس أن ينعقد البيع على عيب. ولكل واحد حكم ليس للآخر وقد يجتمع الكذب والغش والعيب في عقد وقد يجتمع اثنان منهما في عقد فتتعارض الأحكام ولولا أن هذا الكتاب للأصول لا للفروع لمهدناها لكم ولكن هذا تنبيه وتمامه في كتب المسائل. القول في الحوالة (٤) قال النبّىّ ﷺ في الحديث الصحيح: (مطل الغني ظلم وإذا اتبع أحدكم على غني (٥) فليتبع (٦)).

стр. 841

أما قوله (مطل الغني ظلم) فإنه متفق عليه لأنه لا عذر في التأخير لمن كان قادرًا على الأداء ومهما اختلف العلماء في الأمر بحقوق الله تعالى هل هو على الفور أم مسترسل على الأزمان فإنهم قد اتفقوا على أن الأمر بحق الآدمي على الفور وذلك لفقر الآدمي وحاجته وأن الله هو الغني له ما في السموات وما في الأرض فإذا ثبت هذا واشتغل الغني عن أداء الحق فإن كل فعل يفعله معصية وينشأ من هذا ما إذا اشتغل بالصلاة عن أداء الدين فاختلف العلماء في ذلك فقال أحمد بن حنبل الصلاة باطلة (١) وقال جمهور العلماء الصلاة صحيحة منهم مالك بن أنس وحكى الجويني عنه أن الصلاة باطلة ولم أرها في كتبه ولا تجري على أصوله وهو حكم أصولي ليس من الفروع وقد بيناها في مسائل الأصول في الكلام على الصلاة في الدار المغضوبة وحققنا تعارض الأمر والنهي وبينا اتصالهما وانفصالهما فلينظر هنالك ففيه شفاء الغليل إن شاء الله. وفي قوله ﷺ : (إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) دليل على أن الحوالة [من القضاء (٢)] فإن شاء الرجل أن يقضي الدين الذي عليه من ماله قضى وإن شاء أن يحيل على غيره به إذا كان مليًا جاز ولا تكون محاولة الحوالة من المطل هذا إذا كان له على المحال عليه دين ولا يعتبر رضي من عليه الدين وقال أبو حنيفة يعتبر (٣) لأنها عنده مبايعة وعندنا أنها نقل حق من ذمة إلى ذمة وهي مشكلة قد بيناها في مسائل الخلاف ومطلق قول النبي ﷺ (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) يقتضي ألا يعتبر رضي من عليه الدين لأنه لو وكل رجل بقبضه له لجاز فالحوالة وكالة فأما رضي من له الدين فإنه يعتبر عند كافة العلماء وتعلق بعض التابعين بقول النبي ﷺ (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) ولم يشترط رضاه بل أمره بالإتباع. قلنا هذا محمول على الندب بدليل قول النّبىّ ﷺ : (المسلمون عند شروطهم) (٤)، ......................

стр. 842

وعموم قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (١) وهذا إنما عامته للمحيل وعليه شرط الثمن وفي ذمته أوجب المال فلا ينتقل عنه إلى غيره فيسقط شرطه ويتبدل عقده إلا برضاه وهذا ما لا جواب لهم عنه. مسألة: فإن رضي المحال بالمحال عليه فخرج عديمًا فقال الشافعي إنه يخسر (٢) وقال أبو حنيفة إنه يرجع (٣) وقال مالك إن غره منه رجع عليه وإلا فلا رجوع عليه وقد قيدناها (٤) في مسائل الخلاف وبينا أن الحوالة نقل ذمة إلى ذمة وليست بمبايعة وأما إذا غره فلا إشكال في رجوعه عليه لأن أصل الحوالة أنبنى على باطلٍ من الغش والمخادعة وقد أمر النّبىّ ﷺ باجتنابها ونهى عن فعلها وقال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (٥) فوجب الحكم برده. باب إفلاس الغريم (٦) روى مالك في الموطأ عن النّبىّ ﷺ : (أن صاحب المتاع يكون أحق به فى الفلس فإن مات فهو أسوة الغرماء) (٧).

стр. 843

وروى أبو داود عن النبى ﷺ أنه قال: (أيما رجل مات أو أفلس فوجد صاحب المتاع متاعه بعينه فهو أحق به). وفي الصحيح: (أيما رجل أفلس فوجد صاحب المتاع متاعه فهو أحق به) (١) ولم يجر في الصحيح بحكم الموت ذكر قال مالك بحديثه الذي رواه، وقال الشافعي (٢) بحديث أبى داود رواه الدارقطني (٣) وصححه وترك أبو حنيفة الكل قال إنه إذا أفلس أو مات فهو أسوة الغرماء لا يرجع في عين ماله أبدًا واحتج بأنه قد رضي عن نقل حقه من العين إلى الذمة فلا يرجع إليها (٤) قلنا له إنما رضي بنقلها عن المعاوضة فإذا لم يحصل له العوض فلم يحصل على المقصود فوجب أن يرجع في عين ماله فالقياس معنا لا معه وحديث النبّىّ ﷺ دونه فليس له في المسألة حظ وبقي الخلاف بيننا وبين الشافعي في الموت. فأما حديث أبى داود الذي تناول الدارقطني تصحيحه فلا يصح بحال وقد بينا ذلك في شرح الحديث وتكلمنا على رواته بما فيهم. وأما حديث الصحيحين (٥) في الفلس فليس بحجة وأصل. وأما حديث مالك فمبني على صحة القول بصحة المرسل من الأسانيد وبينا في أصول الفقه أنه حجة من كل مرسل له يعلم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة بخلاف من يرسل عن كل أحد لأنه يكون المرسل حينئذ بمنزلة البلاغ لا حجة فيه باتفاق والقياس بعض مذهبه في ذلك فإن الفلس يخرب الذمة كما يخربها الموت. قال أصحاب الشافعي في الفلس رجاء أن يطرأ على المفلس مال فإن رزقه لم ينقطع وأما في الموت فقد انقطع منه الرجاء وحازت أحكامه في الدار الآخرة قال علماؤنا رحمة الله عليهم كذلك ينقطع الرجاء في الموت أن

стр. 844

يطرأ له مال وكم رأينا من ذلك بميراث يطرأ أو فائدة تظهر وأما قولهم إن رزق الحي لم ينقطع فصحيح ولكن في القوت لا في الثروة والغناء. باب ما يجوز من السلف (١) قد بينا حل البيع وتحريم الربا وقررنا في قاعدة المعروف أنه يجوز فيها المسامحة في الزيادة في المقدار والصفة ما لا يجوز في البيع لكونها خارجة عن المكايسة داخلة في باب المعروف وقد فصلت الشريعة بين الغرضين وجعلتهما قاعدتين وقد أعطى النبي ﷺ في القرض سناً أفضل من السن وقال: (خياركم أحسنكم قضاء) (٢) وهذا كما قال مالك إذا لم يكن في ذلك شرط ولا وأي (٣) ولا عادة (٤) فإنه حينئذ يخرج من باب المعروف إلى باب المعاوضة الذي يعتبر فيها الربا ويجوز في المقدار إذا كان يسيراً فإن كان كثيراً لم يجز وعليه يخرج قول عمر بن الخطاب فأين الحمال (٥). فصل في الضرر قد ثبت تحريمه شرعاً فحيث ما وقع امتنع وقد خص النبي ﷺ منها نوازل واقعة كقوله: (لايبع بعضكم على بيع بعض). فإن البيع إذا كان جائزا على الإطلاق والمزايدة مباحة بالإجماع فإن ذلك عند ركون المتبايعين واتفاقهما على تقدير العقد قبل أن ينفذاه وهي ثلاثة أحوال: الأولى: بيع المزايدة ومنه مشي السمسار بالسلعة. الثانية: الزيادة بعد تمام البيع وذلك لا ينفع المشتري الثاني ولا يضر الأول لأن بيعه قد انعقد أما إن فيه إدخال هم على البائع فيمتنع من هذا الوجه.

стр. 845

والحالة الثالثة هي حالة الركون فلا يحل للبائع بعد الركون إلى المشتري أن يرجع عنه إلى غيره لزيادة يزيدها أحد له وإن فعل لم يلزم وفسخ ذلك في الصحيح من المذهب لأنه فعل صادف نصاً منقولًا وعموماً معقولاً تعاضد فيه الشرع والعقل فوجب أن يقضى بفسخه، وكقوله (١) (لا تلقوا الركبان) (٢) وقد اختلف في ذلك هل هو لحق الراكب أو لحق المركوب إليه بالسلعة والصحيح عندي أنه لحق المركوب إليه وعليه يدل قوة قوله (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) (٣) وهو أيضاً مثل الأول في الخلاف وعندي مثله في الفسخ ومنها النجش وهو أن يزيد في السلعة لمنفعة البائع لا لعقد الشراء وهو تغرير بالمشتري وله الخيار إذا علم والزيادة حرام على البائع وكذلك الغش حرام باتفاق وإذا وقع واطلع عليه المشتري فإنه بالخيار بين أن يتحمله أو يرد البيع والضابط لذلك أنه متى كان المنع لحق الله تعبداً فسخ البيع إجماعاً ومتى ما كان لحق الآدمي كالعيب والغش فله الخيار ومتى ما كان لحق الله ولحق الآدمي فعند كافة العلماء أنه يفسخ. واختلف علماؤنا فيه على تفصيل طويل يرد في المسائل عمدته على الإطلاق أنه إن قوي حق الآدمي بأن يكون في نهي الشرع عنه رائحة المصلحة ففيه الخيار وإن قوي فيه حكم التعبد وجب الفسخ وقول النبي ﷺ : (لا تصر الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها) (٤) في الصحيح (ثلاثاً إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) (٥). وفي الصحيح أيضاً: (من سمراء) (٦) وهذا حديث عظيم بيانه في موضعين مسائل الخلاف وشرح الصحيح ومن فصوله القوية أن التصرية عندنا عيب وبه قال الشافعي (٧) وقال أبو حنيفة ليست بعيب (٨)
следующие страницы →