← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أما قوله (مطل الغني ظلم) فإنه متفق عليه لأنه لا عذر في التأخير لمن كان قادرًا على الأداء ومهما اختلف العلماء في الأمر بحقوق الله تعالى هل هو على الفور أم مسترسل على الأزمان فإنهم قد اتفقوا على أن الأمر بحق الآدمي على الفور وذلك لفقر الآدمي وحاجته وأن الله هو الغني له ما في السموات وما في الأرض فإذا ثبت هذا واشتغل الغني عن أداء الحق فإن كل فعل يفعله معصية وينشأ من هذا ما إذا اشتغل بالصلاة عن أداء الدين فاختلف العلماء في ذلك فقال أحمد بن حنبل الصلاة باطلة (١) وقال جمهور العلماء الصلاة صحيحة منهم مالك بن أنس وحكى الجويني عنه أن الصلاة باطلة ولم أرها في كتبه ولا تجري على أصوله وهو حكم أصولي ليس من الفروع وقد بيناها في مسائل الأصول في الكلام على الصلاة في الدار المغضوبة وحققنا تعارض الأمر والنهي وبينا اتصالهما وانفصالهما فلينظر هنالك ففيه شفاء الغليل إن شاء الله. وفي قوله ﷺ : (إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) دليل على أن الحوالة [من القضاء (٢)] فإن شاء الرجل أن يقضي الدين الذي عليه من ماله قضى وإن شاء أن يحيل على غيره به إذا كان مليًا جاز ولا تكون محاولة الحوالة من المطل هذا إذا كان له على المحال عليه دين ولا يعتبر رضي من عليه الدين وقال أبو حنيفة يعتبر (٣) لأنها عنده مبايعة وعندنا أنها نقل حق من ذمة إلى ذمة وهي مشكلة قد بيناها في مسائل الخلاف ومطلق قول النبي ﷺ (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) يقتضي ألا يعتبر رضي من عليه الدين لأنه لو وكل رجل بقبضه له لجاز فالحوالة وكالة فأما رضي من له الدين فإنه يعتبر عند كافة العلماء وتعلق بعض التابعين بقول النبي ﷺ (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) ولم يشترط رضاه بل أمره بالإتباع. قلنا هذا محمول على الندب بدليل قول النّبىّ ﷺ : (المسلمون عند شروطهم) (٤)، ......................

стр. 842

وعموم قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (١) وهذا إنما عامته للمحيل وعليه شرط الثمن وفي ذمته أوجب المال فلا ينتقل عنه إلى غيره فيسقط شرطه ويتبدل عقده إلا برضاه وهذا ما لا جواب لهم عنه. مسألة: فإن رضي المحال بالمحال عليه فخرج عديمًا فقال الشافعي إنه يخسر (٢) وقال أبو حنيفة إنه يرجع (٣) وقال مالك إن غره منه رجع عليه وإلا فلا رجوع عليه وقد قيدناها (٤) في مسائل الخلاف وبينا أن الحوالة نقل ذمة إلى ذمة وليست بمبايعة وأما إذا غره فلا إشكال في رجوعه عليه لأن أصل الحوالة أنبنى على باطلٍ من الغش والمخادعة وقد أمر النّبىّ ﷺ باجتنابها ونهى عن فعلها وقال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (٥) فوجب الحكم برده. باب إفلاس الغريم (٦) روى مالك في الموطأ عن النّبىّ ﷺ : (أن صاحب المتاع يكون أحق به فى الفلس فإن مات فهو أسوة الغرماء) (٧).

стр. 843

وروى أبو داود عن النبى ﷺ أنه قال: (أيما رجل مات أو أفلس فوجد صاحب المتاع متاعه بعينه فهو أحق به). وفي الصحيح: (أيما رجل أفلس فوجد صاحب المتاع متاعه فهو أحق به) (١) ولم يجر في الصحيح بحكم الموت ذكر قال مالك بحديثه الذي رواه، وقال الشافعي (٢) بحديث أبى داود رواه الدارقطني (٣) وصححه وترك أبو حنيفة الكل قال إنه إذا أفلس أو مات فهو أسوة الغرماء لا يرجع في عين ماله أبدًا واحتج بأنه قد رضي عن نقل حقه من العين إلى الذمة فلا يرجع إليها (٤) قلنا له إنما رضي بنقلها عن المعاوضة فإذا لم يحصل له العوض فلم يحصل على المقصود فوجب أن يرجع في عين ماله فالقياس معنا لا معه وحديث النبّىّ ﷺ دونه فليس له في المسألة حظ وبقي الخلاف بيننا وبين الشافعي في الموت. فأما حديث أبى داود الذي تناول الدارقطني تصحيحه فلا يصح بحال وقد بينا ذلك في شرح الحديث وتكلمنا على رواته بما فيهم. وأما حديث الصحيحين (٥) في الفلس فليس بحجة وأصل. وأما حديث مالك فمبني على صحة القول بصحة المرسل من الأسانيد وبينا في أصول الفقه أنه حجة من كل مرسل له يعلم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة بخلاف من يرسل عن كل أحد لأنه يكون المرسل حينئذ بمنزلة البلاغ لا حجة فيه باتفاق والقياس بعض مذهبه في ذلك فإن الفلس يخرب الذمة كما يخربها الموت. قال أصحاب الشافعي في الفلس رجاء أن يطرأ على المفلس مال فإن رزقه لم ينقطع وأما في الموت فقد انقطع منه الرجاء وحازت أحكامه في الدار الآخرة قال علماؤنا رحمة الله عليهم كذلك ينقطع الرجاء في الموت أن

стр. 844

يطرأ له مال وكم رأينا من ذلك بميراث يطرأ أو فائدة تظهر وأما قولهم إن رزق الحي لم ينقطع فصحيح ولكن في القوت لا في الثروة والغناء. باب ما يجوز من السلف (١) قد بينا حل البيع وتحريم الربا وقررنا في قاعدة المعروف أنه يجوز فيها المسامحة في الزيادة في المقدار والصفة ما لا يجوز في البيع لكونها خارجة عن المكايسة داخلة في باب المعروف وقد فصلت الشريعة بين الغرضين وجعلتهما قاعدتين وقد أعطى النبي ﷺ في القرض سناً أفضل من السن وقال: (خياركم أحسنكم قضاء) (٢) وهذا كما قال مالك إذا لم يكن في ذلك شرط ولا وأي (٣) ولا عادة (٤) فإنه حينئذ يخرج من باب المعروف إلى باب المعاوضة الذي يعتبر فيها الربا ويجوز في المقدار إذا كان يسيراً فإن كان كثيراً لم يجز وعليه يخرج قول عمر بن الخطاب فأين الحمال (٥). فصل في الضرر قد ثبت تحريمه شرعاً فحيث ما وقع امتنع وقد خص النبي ﷺ منها نوازل واقعة كقوله: (لايبع بعضكم على بيع بعض). فإن البيع إذا كان جائزا على الإطلاق والمزايدة مباحة بالإجماع فإن ذلك عند ركون المتبايعين واتفاقهما على تقدير العقد قبل أن ينفذاه وهي ثلاثة أحوال: الأولى: بيع المزايدة ومنه مشي السمسار بالسلعة. الثانية: الزيادة بعد تمام البيع وذلك لا ينفع المشتري الثاني ولا يضر الأول لأن بيعه قد انعقد أما إن فيه إدخال هم على البائع فيمتنع من هذا الوجه.

стр. 845

والحالة الثالثة هي حالة الركون فلا يحل للبائع بعد الركون إلى المشتري أن يرجع عنه إلى غيره لزيادة يزيدها أحد له وإن فعل لم يلزم وفسخ ذلك في الصحيح من المذهب لأنه فعل صادف نصاً منقولًا وعموماً معقولاً تعاضد فيه الشرع والعقل فوجب أن يقضى بفسخه، وكقوله (١) (لا تلقوا الركبان) (٢) وقد اختلف في ذلك هل هو لحق الراكب أو لحق المركوب إليه بالسلعة والصحيح عندي أنه لحق المركوب إليه وعليه يدل قوة قوله (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) (٣) وهو أيضاً مثل الأول في الخلاف وعندي مثله في الفسخ ومنها النجش وهو أن يزيد في السلعة لمنفعة البائع لا لعقد الشراء وهو تغرير بالمشتري وله الخيار إذا علم والزيادة حرام على البائع وكذلك الغش حرام باتفاق وإذا وقع واطلع عليه المشتري فإنه بالخيار بين أن يتحمله أو يرد البيع والضابط لذلك أنه متى كان المنع لحق الله تعبداً فسخ البيع إجماعاً ومتى ما كان لحق الآدمي كالعيب والغش فله الخيار ومتى ما كان لحق الله ولحق الآدمي فعند كافة العلماء أنه يفسخ. واختلف علماؤنا فيه على تفصيل طويل يرد في المسائل عمدته على الإطلاق أنه إن قوي حق الآدمي بأن يكون في نهي الشرع عنه رائحة المصلحة ففيه الخيار وإن قوي فيه حكم التعبد وجب الفسخ وقول النبي ﷺ : (لا تصر الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها) (٤) في الصحيح (ثلاثاً إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) (٥). وفي الصحيح أيضاً: (من سمراء) (٦) وهذا حديث عظيم بيانه في موضعين مسائل الخلاف وشرح الصحيح ومن فصوله القوية أن التصرية عندنا عيب وبه قال الشافعي (٧) وقال أبو حنيفة ليست بعيب (٨)

стр. 846

والدليل على أنه عيب زيادة الثمن بالتصرية ونقصانه بعدمها ولا جواب عن هذا. ورد أبو حنيفة هذا الحديث لوجهين: أحدهما أن راويه أبو هريرة ولم يكن فقيها وإنما كان رجلاً صالحا وإنما تقبل روايته في المواعظ لا في الأحكام (١) وأسندوا ذلك إلى الشعبي (٢) ونعوذ بالله من مسألة لا تثبت لصاحبها إلا بالطعن علي الصحابة وأبو هريرة زاهد حافظ نالته بركة الثوب المجموع له فلو لم يكن فقيهاً لنفعته بركة الحفظ في كل ما يقول (٣) ولقد كنت بجامع المنصور في حلقة قاضي القضاة الدامغاني (٤) وجرت هذه المسألة في ذكر أبي هريرة فقال لي بعض علمائنا طعن بعضهم في أبي هريرة في هذا المجلس فوقعت حية من السقف في أثناء المجلس عظيمة المنظر وقصدت إلى المتكلم في أبي هريرة ونفر المجلس وتفرق الخلق ثم أخذت تحت بعض السواري حجراً فدخلت فيه. الثاني وقد قال أبو حنيفة إن هذا الحديث يخالف أصول الشريعة من ثمانية أوجه فأوردها وجاوبنا عليها كما في مسائل الخلاف (٥) ومن غرائب مذهبنا أن أشهب ذكر عنه في

стр. 847

العتبية أنه قال إن ردها لم يرد معها شيئاً (١) لأن الخراج بالضمان وهذا قول باطل من وجهين: أحدهما أن الخراج بالضمان حديث لم يصح مداره على عائشة لكن المعنى مجمع عليه ولو صح الطريق إلى عائشة وهو الجواب الثاني لما كان فيه حجة لأنه عموم وهذا نص والنص لا يرد بالعموم بالاتفاق من الأمة وأشهب أجل قدراً من هذا فهماً وديناً، وإنما هي من مسائل العتبية التي لم تثبت فيها رواية وإنما هي منقولة من صحف ملفقة من البيوت وفي مثلها قال مالك لا يجوز بيع كتب الفقه يعني القراطيس والأوراق التي كانت تكتب عنه فأما كتاب محصل مروي مضبوط بالفصول والأصول فإنه يجوز بيعه إجماعاً.

стр. 848

كتاب الشفعة اختلف العلماء ﵃ في علة الشفعة بعد اتفاقهم على أن أصلها موضوع لدفع الضرر فمنهم من قال إن العلة ضرر الخلطة وعداها إلى الجار وهو أبو حنيفة وأهل العراق ومنهم من قال إنها لضرر الشركة وذلك فيما يلزم من مؤونة القسمة. قال أبو المعالي الجويني (١) قولًا لم يسبق إليه روى عنه إسماعيل الطوسي (٢) وغيره وذكره لنا عنه محمد بن طاهر الزنجاني الشهيد (٣) في كتاب العمد وأشار إليه في الأساليب (٤) قال إن الأخذ بالشفعة غير معلل لأنه فسخ قهري يترتب على عقد اختياري أذن الشرع فيه وهذا ما لا نظير له في الشريعة وإنما شرعه الله تعالى بما علم من الحكمة لا لعلة نصبها علماً وهذا الذي أشار إليه لا يصح عند كافة العلماء لأن الحكم إذا ورد في الشريعة وظهر تعليله وعلمت فائدته وجب البناء عليها وتعين العمل بها وقد ظهرت علة الضرر في الشفعة ظهوراً جليا ووافقنا على التفريع عليها ولو كان الأخذ بالشفعة تعبداً ما فرع ولا ركب عليه. وتعليق الشفعة في كتب الشافعية أعظم مما في كتبنا وقد كانت الأموال الربوية على مذهب أبي المعالي في التوقف عن تعليلها والاقتصار على الأعيان الأربعة الوارد ذلك فيها أولى (٥) ثم اقتحمنا فيها التعليل مع أن تعليل الشفعة أظهر (٦) فتعليل الشفعة أولى. فأما التعليل بضرر الخلطة فباطل لأن ذلك يفصله صاحب الشرطة ويرفعه القاضي والإمام ويكفه المسلمون بعضهم عن بعض وقد ذكر مالك في الموطأ مرسلاً عن سعيد بن المسيب وورد في الصحيح مسنداً أن النبي ﷺ :

стр. 849

(قضى بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وحرفت الطرق فلا شفعة (١))، فإنما جعل النبي ﷺ الشفعة في مال مشترك مآله القسمة وليس بين المتجاورين شركة ولا بين المتجاورين خلطة فأي وجه للقضاء بينهم بالشفعة والخلطة التي بينهم إنما هي خلطة صحبة وكم من جارين لا يلتقيان لكل واحد منهما خليل ومخالط هما عنهما متباينان فإن قيل فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (الجار أحق بصقبه) (٢)، قلنا: قد تكلمنا على هذه الأحاديث والتعليل في مسائل الخلاف بكلام طويل منتخب يغنيكم عنه الآن أن الصقب هو القرب (٣) والقرب المراعى إنما هو قرب الشركة بدليل قوله: (الشفعة فيما لم يقسم) فأما لفظ الجار فإن الشريك أخص الجارين والعرب تسمي الشريكين جارين كما تسمي بذلك متقاربي المنزلين قال الشاعر: أجارتنا بيني فإنك طالقه (٤) فإذا تمهد هذا فإن مسائل الشفعة كثيرة وتفريعاتها متشعبة أمهات مسائلها ثمانية مسائل: المسألة الأولى: اتفق علماء الأمصار على أن الشفعة إنما تكون في العقار دون المنقول لما قدمناه من

стр. 850

أن الشفعة إنما ثبتت لضرر مؤونة القسمة وذلك يختص بالعقار دون المنقول إذ من المنقول ما لا ينقسم بحال وما ينقسم منه فلا مؤونة فيه وانفرد مالك عن جمهورالعلماء بفرعين: أحدهما أنه قال الشفعة في الثمار وهي من المنقولات. وقال سائر العلماء كل منقول لا شفعة فيه كالعروض وهذا قياس جلي وعول مالك على ركنين: أحدهما أن الثمرة وإن كانت مقطوعة منقولة فإنها بأصلها من العقار نابعة عنها نشأت وفيها بقيت فما دامت متصلة بها فحكمها حكمها أولا ترى إلى الأغصان والأوراق فيها الشفعة متابعة للأصول وهي تنفصل عنها وتنقطع منها. الركن الثاني وهو أن النّبي ﷺ أرخص في بيع العرايا واستثناها من الربا لضرر المداخلة وكذلك ضرر المداخلة في الثمرة مثله عند القضاء بالشفعة. الفرع الثاني قال مالك (١) لا ينقسم من العقار إلا بفساد هيئته وتغير صفته (٢) كالحمام والبئر وذلك لفقه بديع لم يتفطن له سواه وذلك أن الشفعة وضعت كما قلناه دفعاً لضرر مؤونة القسمة والخسارة في تغيير هيئة الحمام والبئر أكثر منها في مؤونة القسمة فكيف يدفع ضرر بأعظم منه وإنما يرفع أعظم الضررين بأهون منه وهذا بين لمن تأمله ولهذا قلنا إن رواية المصريين أقوى ولم يكن في قول الله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٣) متعلق لأنه عموم تخصه قاعدة الضرر والفساد المتفق عليها (٤).

стр. 851

المسألة الثانية: اتفق العلماء رحمة الله عليهم على أن الشفعة إنما يترتب حكمها في عقد معاوضة فإن وقع الملك في الخط المشاع بغير عوض كالهبة المحِضة فروي عن مالك فيه الشفعة واتفقت الأمة على أنه لا شفعة في الخط المشاع الموروث وهذه الرواية عن مالك في الهيئة وإن كانت قليلة في النقل فإنها قوية في الدليل فإن الشفعة إنما ثبتت لضرر الشركة وذلك في الموهوب كما هو في المبيع فإن قيل الموهوب ملك بغير عوض فلم يكن فيه الشفعة كما لو ورث جزءاً مشاعاً وهو قول كافة العلماء، قلنا: ليس من التحقيق قياس الهبة على الميراث لأن ملك الموروث دخل قسراً من الله تعالى لا دفع له لجبلة بخلاف الهبة فإنه ملك دخل على الشريك باختيار المتعاقدين فوجبت فيه الشفعة كالمتبايعين وقد كان يمكنه ألا يفعل فلما فعل التحق الاختيار بالاختيار وفارق القهر والإضرار فإن قيل يبطل من وجه آخر وذلك أن الشفعة إنما هي أخذ بعوض ولا عوض في الهبة، قلنا الجواب من وجهين: أحدهما أن هذا يبطل بما إذا جحد المشتري العوض أو نسيه أو مات ولم يعرف. الجواب الثاني وهو تمام الأول أن في مسألتنا وهي الهبة عوض عظيم وهي قيمة الشقص وهي التي يرجع إليها في المسائل المتقدمة أو بعضها فركبوه عليه والله أعلم. المسألة الثالثة: كما ثبتت الشفعة عند علمائنا في المبيع كذلك تثبت في الممهورة والمخالعة وبه قال الشافعي (١) وقال أبو حنيفة هي مختصة بالمبيع (٢) والمسألة غريبة المأخذ لأنا نقول مع الشافعي إنه شقص ملك عن معاوضة فوجبت فيه الشفعة كالمبيع ولا إشكال في أن النكاح والخلع معاوضة لأن الله تعالى يقول: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ (٣) وقد بينا ذلك في التلخيص إلا أن الشافعي قال يأخذ الشقص بمهر المثل وقال مالك يأخذه بقيمته وما قاله الشافعي وهو بادي الرأي لأن المنفعة إنما تكون بالثمن فإن تعذر فيؤخذ قيمته كما لو اشترى شقصاً بعبد أو ثوب والبضع عندنا وعند الشافعي متقوم يضمن بالمسمى في الصحيح وبالمثل في الفاسد إلا أن مالكاً تفطن لدقيقة وهو أن النكاح مبني على المكارمة فقيد ذلك بالمهر وقد ينقص فلم يكن فيه أعدل من أن يأخذ قيمة

стр. 852

الشقص وقد اتفقنا على أنه يرجع إلى قيمة الشقص عند تعذر حال الثمن وهذه حالة تعذر وحجة أبي حنيفة والجواب عنها في مسائل الخلاف. المسألة الرابعة: قال علماؤنا الشفعة على مقدار الأنصباء لأنها فائدة من فوائد الملك فقدرت بقدر الملك كالغلة وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إنها على قدر الرؤوس لأنها لدفع الضرر بدليل حالة الانفراد والمسألة عويصة المأخذ جداً لا تحتملها هذه العجالة فانظروها في موضعها من مسائل الخلاف. المسألة الخامسة: خيار الشفعة موروث عندنا وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يورث قال الإمام أبو على الصاغاني (١) الحنفي الخيار غير متروك وإنما يورث بقول الله ﴿ما ترك﴾ وكيف يصح أن يكون متروكاً بعد الموت وهو صفة من صفاته وصفاته تبطل بموته من حياة وعلم وصفات وقدرة وغير ذلك قال لنا فخر الإسلام الشاشي هذا مزج الشرعيات بالعقليات والشرعية لم تبن علي هذا فإن الأحكام كلها إنما هي راجعة إلى قول الله والحقوق التي أثبتها إنما هي ثابتة بإثباته لا بقول أحد من البشر ولا بفعله ولا بصفته فهي تنتقل بنقل الله لها من شخص إلى شخص ولو باع رجل فداناً فقيل له ما بعت من الأرض فهي لله لا يقدر على نقلها ولا على تصريفها أو الملك بما هو فلا يفسره إلا بما يرجع إلى الفعل والفعل عوض لا يبقى فكيف يتصور أن يباع أو ينقل فتتبع مثل هذا إفساد للأحكام ولكن الباري تعالى جعل الحي خليفة الميت فما كان للميت فهو له. المسألة السادسة: قال مالك دون سائر العلماء (٢) الشفعة إنما تكون بين أهل السهام من الورثة دون غيرهم من المشركين وقال غيره بأجمعهم إنما تكون لكل شريك قرب أو بعد لأنها لدفع الضرركما قدمناه وذلك يستوي فيه القريب والبعيد من الشركاء مثال ذلك ميت ترك جدتين وأخوين لأم وأخوة لأب فباعت إحدى الجدتين لم تشفع في حظها إلا الأخرى. وكذلك لو باع الأخ للأم لم يشفع عليه إلا أخوه ولو باع أحد الأخوة للأب منع عليه جميع الورثة والدقيقة التي تفطن لها مالك في هذا الباب وفاتت الشافعي فإن أبا حنيفة بني عليها واطرد

стр. 853

أصله فيها وتلك الدقيقة المالكية هي أن الشفعة إنما ثبتت لضرر الشركة كما قلنا مع الشافعي ودليلنا عليه فيما تقدم خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنها تثبت بالضرر المطلق وإذا ثبتت لضرر القسمة كما دللنا عليه فهذه الدار التي تركها الميت إنما تقسم أسداساً فللجدتين سدسها وللأخوة للأم ثلثها والثلاثة الأسداس للأخوة للأب فينفرد كل جزء بنصيبه ثم يقسم الأخوان للأم حظهما بينهما وكذلك الجدتان فكما يجتمع السهم في القسمة كذلك تجب فيه الشفعة ومن يفارقه في القسم لا شفعة له كما لا يجتمع معه في القسمة لكن يبقى على هذا إشكال واحد وهو أن أهل السهام يشفعون على العصبة عندنا ولا يشفع العصبة على أهل السهام وذلك لقوة السهم فيدخل الأقوى على الأضعف ولا يزاحم الأضعف الأقوى هذا لباب الدليل وهو مستوفى في مسائل الخلاف. المسألة السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة الشفعة على الفور (١) لما روي في الحديث عن النبى ﷺ : (أن الشفعة كنشطة عقال إن أخذتها أمسكتها وإن تركتها ذهبت) (٢)، وقاسوه على الرد بالعيب فإنه على الفور باتفاق من الكل وعن مالك روايتان: إحداهما أنها غير محددة بمدة وإنما هي على حال الثمن والمثمون والمشتري والشفيع. الثانية: أنها مقدرة بعام ونحوه ودليلنا أنه حق ثبت لدفع الضرر فلم يكن على الفور أصله القصاص فإن قالوا تغلب فنقول لم يتقدر بسنة أصله القصاص، قلنا هذا القلب لا يلزمنا نحن ويلزمكم أنتم لأن القصاص بين أن الحقوق كلها ليست على الفور وكذلك

стр. 854

الديون واقتضاؤها وقياسكم على الرد بالعيب ساقط لأن الرد بالعيب مخصوص عن الأصول بعيد عن الشفعة ألا ترى (١) أنه لوغير في الرد بالعيب ببناء وغرس لكان فوتا ولو فعل ذلك بالشفعة لم يكون فوتا. المسألة الثامنة: إذا باع شقصاً بثمن إلى أجل فقال الشافعي وأبو حنيفة (٢) الشفيع بالخيار إن شاء أن يأخذ بالثمن حالاً أو ينتظر الأجل وهذا تحكم وتغيير للشفعة فإن حكم الشفعة أن ينزل الشفيع منزلة المشتري فقلب هذا لا يجوز ونحن أسعد بالمسألة من القوم.

стр. 855

كتاب المساقاة (١) إعلموا وفقكم الله أن عقد المساقاة في الشريعة رخصة من الله مستثناة من الإجارة المجهولة العمل (٢) للحاجة كما أن الجعل مستثنى من الإجارة المجهولة العمل للحاجة ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح أنه: (قالت الأنصار له يا رسول الله اقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين النخيل قال: لا، قالوا: فيكفون المؤونة ونشركهم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا (٣)). وثبت عنه ﷺ أنه ساقى أهل خيبر بشرط ما يخرج منها من نخل وزرع (٤) وكان بين النخل بياض فكان لغواً. وقال أبو حنيفة المساقاة باطلة وعذراً له فإنه كان ضعيفاً في الحديث ذكرت له قصة خيبر فقال إن اليهود كانوا رقيقاً للنبىّ ﷺ فجعل رقيقه في ماله عملة فيه وجعل لهم نصف الثمر أرزاقاً لهم. قلنا لو عرف الحديث لما قال (٥) هذا وقد كان النبيّ ﷺ بيّن أن بقاءهم في الأرض إنما هو للمسلمين إن شاؤوا أن يبقوهم وإن شاؤوا أن يخرجوهم أخرجوهم ولو كانوا

стр. 856

رقيقاً ما صلح ذلك وكلامهم أقل من أن يتكلم عليه (١). ومسائل المساقاة عويصة لأنها رخصة مخصوصة وإذا ثبت الأصل قياساً معللاً أمكن تعليله واضطردت فروعه وإذا ثبتت رخصة عسر الضبط واضطربت آراء المجتهدين عليه ولذلك أطنب مالك في المساقاة وذكر منها مسائل وفروعاً اتبع فيها كلها الأثر وما وجد من العمل ومن أمهات مسائلها أن المساقاة تجوز في كل شجرة، وقال الشافعي لا تجوز إلا في النخل والكرم لأنها رخصة فاقتصر بها على مورد النص (٢) قلنا مهلاً عليك إنما وردت في النخل فلم عديتها إلى الكرم والأصل في كل رخصة في الشريعة أن يكون ما في معناها لاحقا بها مما يتفطن له قبل النظر في العلة وقد بينا ذلك في أصول الفقه وخصوصاً عندنا وعند الشافعي ولهذا قلنا إنه تجوز المساقاة في الثمرة بعد ظهورها وقال الشافعي لا تجوز ودليلنا أن ما بعد الظهور في معنى ما قبل الظهور لأن المقصود كفاية العامل لرب العمل وشركته في الثمرة وهذا يستوي فيه ما قبل الظهور وما بعده ولذلك قال ابن القاسم وغيره خلافاً لسحنون إن المساقاة تجوز في الثمرة بعد طيبها لأن الحاجة في المساقاة بعد الطيب كالحاجة في المساقاة قبل الطيب إذ الشجرة مفتقرة إلى العمل من أول ما تغرس إلى أول ما تجذ ثمرتها أو من أول ما تحاول خدمتها إلى أن تستحصد ثمرتها ولذلك اتبع مالك الأثر حين قال تجوز المساقاة في خمسة أوسق من تمر بين العامل صاحب النخل وإن كان نصيب كل واحد منهما يقتصر (٣) عن النصاب بخلاف سائر الأموال الزكاتية لأن عبد الله بن رواحة كان يخرص ويأخذ الزكاة مما يجب ولا يسأل عن الشركاء وقد بني علماؤنا هذه المسألة على أن العامل في المساقاة متى يملك (٤) حصته فقيل لا يملكها حتى يقبضها فتبنى المسألة على هذا والأول أقوى في الدليل وقد خرج ابن القاسم عن هذا الأصل فقال لا تجوز مساقاة

стр. 857

النصراني في كرمك إلا إذا أمنت أن يعصره خمراً (١) والنبى ﷺ قد ساقى أهل خيبر كلهم وهم كفار بأجمعهم وفيهم من لا يؤمن أن يتخذ من ثمره خمراً بل جميعهم لا يؤمن عليه ذلك فصح أن هذه الرواية في نهاية الضعف. باب كراء الأرض مسألة كراء الأرض مسألة عويصة لها صور وغوائل اختلف العلماء فيها من لدن الصحابة إلى زماننا هذا واضطربت فيها الأحاديث اضطراباً كثيراً وباحثت عليها (٢) قديماً أثراً ونظراً فما وجدت من أتقنها إلا أبا عبد الرحمن النسائي (٣) فإنه جمع أحاديثها باختلافها وطرقها في جزء كبير وجملة الأمر أن علماءنا قالوا لا يجوز كراء الأرض بطعام وإن كان مما لا تنبته الأرض وقال الشافعي يجوز بحفظه في الذمة (٤) وقال أبو حنيفة يجوز بكل ما كان ثمناً في المبيع وقال الليث يجوز بجزء معلوم مما يخرج منها وقال غيره يجوز بجزء مجهول مثل أن يقول ولي ما تنبته هذه البقعة منها ويعينها وقيل لا يجوز كراؤها بحال (٥) وفي كل ذلك حديث وأثر فأما قول النبي ﷺ فيها: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه) (٦) وهو صحيح ويعارضه (٧) مثله في الصحة وهو أن النبي ﷺ قال لرافع: (ما تصنعون بأرضكم قال نكريها بالربع وبالأوسق من التمر قال: لا تفعلوا أزرعوها أو ازرعوها) (٨). وأما قول

стр. 858

علمائنا إنها لا تجوز بشيء من الطعام فهو ذريعة وأنها لا تجوز بشيء مما يخرج منها وإن كان بما لاتنبت لوجهين: أحدهما أنها ذريعة الذريعة وشبهة الشبه مسألة مختلف فيها وقد بيناها. والثاني وهو الأقوى قول النبي ﷺ لرافع لا تفعلوا وقد قال له نكريها بالأوسق من التمر والنهي يقتضي التحريم. وأما الكراء بجزء منها وإن كان مما لا تنبت فلوجهين أحدهما (١) وهو مذهب فيه أحاديث كثيرة والمعنى فيه قوي وذلك أنا رأينا الله تعالى قد أذن لمن كان عنده نقد أن يتصرف فيه طلباً للربح أو يعطيه لغيره يتصرف فيه بجزء معلوم فالأرض مثله وإلا فأي فرق بينهما وهذا أقوى في الباب ونحن نفعله والله الموفق.

стр. 859

كتاب القراض (١) القراض عقد كان في الجاهلية وأقره الإسلام وفعله النبي ﷺ قبل المبعث. قارضته خديجة فقبل قراضها وخرج به إلى الشام وبعث النبي ﷺ فلم ينكره من شريعة الإسلام (٢) حتى استأثر الله به إليه وأهل الحجاز يسمونه قراضاً وأهل العراق يسمونه مضاربة (٣) وقيل في الأول إنه مأخوذ من القرض وهو القطع كأنه قطع للعامل جزء من ماله أو قطعه كله للعامل عن نفسه وقيل هو مأخوذ من المساواة يقال قارض فلاناً إذا ساواه وفي حديث أبي الدرداء "قارض الناس ما قارضوك فإنك إن تركتهم لم يتركوك" (٤). وقيل في المضاربة إنها مأخوذه من الضرب في الأرض وقيل إنها مأخوذه من ضرب معه في سهمه أي في الربح وأدخل مالك فيه أصلاً قضاء عمر على أبي موسى وعلى ولديه (٥) حسبما نصه في هذا الكتاب فإن قيل كيف جاز لعمر أن ينقض قضاء أبي موسى وهو أمير من الأمراء قلنا: إذا كان الإمام أعدل من الأمير تعين عليه أن ينظر في أقضية

стр. 860

عماله. جواب ثاني: لم يتعرض قط عمر ولا غيره قضاء أمير لفضلهم وعدالتهم ولكن لما كانت هذه النازلة في ولدي عمر خشي ما خشي وقال ما قال فزال عن الريبة بعظيم ورعه وبرأ نفسه وابنيه وأميره عن التهمة إذا ثبت هذا فإنه يجوز القراض بالذهب والفضة إذا كانا مسكوكين بلا خلاف فإن كانا تبراً أو نقاراً ففي ذلك اختلاف كثير بين العلماء في المذهب وههنا غريبة وهي أن قراض الناس في الجاهلية وصدر الإسلام لم يكن مسكوكاً وإنما كان تبراً (١) ونقاراً (٢) فعجبت للشافعي ولعلمائنا كيف منعوا ذلك وجوازه في الشرع إنما انعقد بغير مسكوك. قالت الشافعية ومن ساعدهم من علمائنا إنما امتنع القراض بغير المسكوك لأن العامل يحتاج إلى عمل في بيع النقرة حتى تعود سكة فيصير كالمعاوضة بعرض. قلنا ليس هذا كالقرض على ما يأتي بيانه إن شاء الله (٣) وذلك لأن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز القراض بالعروض إلا الأوزاعي وابن أبي ليلى واحتجا بأن ما كان في البيع جاز القراض به كالنقدين (٤) وعول سائر العلماء على مسألة أصولية اختلف الناس بزعمهم فيها وهي متفق بين العلماء عليها فافهموها وادخروها وهي النظر في المال. قالوا إن قارضه بعرض فباعه العامل بمائة ثم اتجر حتى صار المال مائة وخمسين ثم دعاه إلى المقاسمة وقال له خلص رأس المال كما يلزم ونقسم ربح المال فجاء ليشتري ذلك العرض فوجده بمائة وخمسين فإنه يشتريه فيذهب ربحه ويمضي عمله باطلاً وهذا ما لا جواب لهم عنه. تبيين: أكثر مالك في القراض وقسم أبوابه على خمسة عشر باباً وأكثر في التفريع وكان له به اهتمام لأنها كانت نازلتهم ومن أصوله المسألة التي قررناها في أن القراض لا يجوز بالعرض وقال أبو حنيفة يجوز القراض بالعرض بأن يقول بع هذا فإذا بعته فأنت فيه مقارض (٥). قلنا هذا لا يجهز لأنه إن باع بأجرة فهو قراض وإجارة والقراض لا ينضاف إليه عقد

стр. 861

آخر إجماعاً وإن باع بغير أجرة كان قد شرط عليه زيادة العمل ولا يجوز بإجماع أن يشترط رب المال زيادة على العامل في القراض وبالجملة فإن مبنى القراض على العرف (١) وأن لا تغير له هيئة على ما وضع في الأصل له ولا يكون له زيادة ومن ذلك أكل العامل منه بالمعروف وذلك على الاعتبار في السفر والحضر وهذه عادة رجع العلماء فيها على زعمهم إلى مذهب مالك في اعتبار العادة ويجوز له أن يشترط على العامل ما يعود بالمنفعة له في الربح وإنما (٢) يرجو صيانة المال أو نماه كأن يقول له لا تشتر إلا سلعة كذا فإن قال له على أن لا تشتري إلا من فلان فإن كان فلان متسع المال عظيم التجارة كأبي سعيد الحداد وأبي ملك الفقيه فإنه يجوز عند علمائنا ويكون بمنزلة أن يعين له سلعة كثيرة الوجود نافعة في البيع والانتفاع وكذلك قال علماؤنا متى كان في المال خسارة ولو ذهب جميعه لم يكن على العامل شيء فإن كانت الخسارة بزيادة على رأس المال لزم العامل ولم يتعلق بربِ المال منها شيء. وأما التعدي في القراض فهو من مسائل الغصب وغير ذلك من مسائله كثيرة ومفسداته طويلة وهي مذكورة في كتب المسائل فلينظر هنالك فإن فسد القراض فاختلف العلماء فيه على خمسة أقوال: الأول أن فيه قراض المثل. الثاني إجرة المثل وبه قال عامة الققهاء. الثالث روي عن ابن القاسم أنه قال إن كان الفساد في العقد رد لقراض مثله وإن كان لزيادة رد إلى الأجرة وقال محمد بن المواز مسألة رد فيها إلى الأقل من قراض المثل أو مما سمي من الربح فإذا اضطردت صارت قولًا رابعاً. القول الخامس أن قراض المثل (أو أجرة المثل) (٣) إنما هي باختلاف الحال حسب ما أشار إليه ابن القاسم في بعض المصنفات وقد حصرت المسائل التي فيها قراض المثل على رواية ابن القاسم فوجدتها تسع مسائل: الأولى القراض بالضمان، الثانية إلى أجل، الثالثة عروض، الرابعة دنانير ليصرفها، الخامسة دين يقبضه، السادسة مبهم، السابعة إن اختلفا بعد العمل فالقول قول العامل إذا أتى بما يشبه وإلا ردّ إلى قراض مثله وكذلك المساقاة وقال أشهب إن جاء بما يشبه

стр. 862

وإلا صدّق رب المال فيما يشبه فإن لم يأت به حمل على قراض مثله وعندي أنه قول واحد، والثامنة والتاسعة قال أصبغ إن قارض ألا يشتري إلا سلعة كذا غير موجودة فاشترى غيرها فقد تعدى فإن ربح فإن له ما ربح قراض مثله وهنالك عاشرة وهي إذا قارضه على أن يشتري عبر فلان ثم يشتري بعده ثانياً فهذا يدخل في قسم القراض بالمثل والصحيح خروجه عنه. والقراض على ثلاثة أقسام في هذا المعنى غير جائز ماض كالقراض بالنقار غير جائز بالمثل كما تقدم غير جائز بالإجارة وهو الأكثر وقد استوفينا ذلك محرراً في كتب المسائل وجه من قال إنه يرد إلى قراض مثله وإليه يميل الشافعي في قول أن كل عقد فاسد فإنه يرد إلى عوض مثله هذا هو الصحيح إلا أن يكون مع عقد القراض زياده تخرجه عن بابه إلى الإجارة فيكون له إجرة المثل وهو وجه القول الثاني وهذا يدلك على صحة القول الثالث في تفصيل ابن القاسم أن الفساد إذا كان من غير زيادة خرج عن بابه إلى الإجارة وبقي قراضاً لأن فاسده لا يخرج عن عوض صحيحه وبهذا يستدل على صحة القول الخامس أن ماكان من الزيادة لا يخرجه إلى عمل يقابله عوض أو من فساد يرجع إلى رب المال لا يتعلق بالعقد لا يدخل به في الأجرة إنه يكون فيه قراض مثله ووجه قول ابن المواز أن له الأقل لأنه إن كان قراض المثل أقل فهو الذي وجب له في الحكم والتسمية قد أسقطها الشرع وإن كان المسمى أقل فقد رضي به ولا يزاد عليه وهذا كثير في مسائل البيوع الفاسدة فاطلبوه (١) تجدوه فيها إن شاء الله.

стр. 863

كتاب الأقضية حديث أم سلمة زوج النبي ﷺ قال: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار) (١). مقدمة: القضاء بين الناس أصل الشريعة ومدار الأحكام وخلافة الله في الخلق، قال الله سبحانه: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٢) وقال سبحانه لرسوله ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣) وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٤) وروى النسائي (٥) وأبو داود والترمذي في حديث اتفقوا على معناه وإن اختلفوا في لفظه المعنى: (القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل عرف الحق قضى بغيره ورجل لا يدري بما يحكم فهذان في النار ورجل عرف الحق فقضي به فذلك في الجنة) (٦).

стр. 864

وثبت عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلوا، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسول الله) (١). وأرسل رسول الله ﷺ أبا موسي ومعاذاً إلى اليمن فقال لهما في الصحيح: (يسرا ولا

стр. 865

تعسرا وبشرا ولاتنفرا وتطاوعا ولا تختلفا) (١). وثبت أنه ﷺ قال في حديث العسيف: (واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها). وثبت عنه ﷺ أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد) (٢). وفي رواية: (فإن أصاب فله عشرة أجور) (٣) رويناه من طرق كثيرة والأول أكثر. مرجع: فقوله ﷺ : (إنما أنا بشر) إعلموا نور الله أفئدتكم أن النبي ﷺ بشر مثلكم كما بلغ عن

стр. 866

ربه بنفسه فقال: ﴿إنما أنا بشر (١) مثلكم "يوحى إليّ"﴾ (٢) فأخبر أنه ﷺ على حكم البشرية التي جبل عليها فإن الله شرف بالوحي الذي جعله فيه واسطة بينه ويين خلقه وللبشر صفات منها كمال ومنها دناءات فأما صفات الكمال فهي له ولأصحابه الكرام على التمام والكمال وأما الدناءات فهم مبرؤون عن التلبس بها وقد اختلف الناس في عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وييناه في كتب الأصول والذي عندي أنهم بعد النبوة معصومون لا يواقع أحد منهم خطيئة ولا يأتي دناءة لا صغيرة ولا كبيرة وقد دللنا عليه وبيّناه وانفصلنا عن الظواهر التي يتشبث بها الجاهلون وخذوا في ذلك أنموذجاً لا يقولن أحدكم عن النبي ﷺ ولا عن سائر الرسل إلا ما قال الله لا يزيد من عنده ولا يفسر بما لا يحتمله اللفظ من آدم إلى محمد ﷺ وإذا قال عن أحد منهم شيئاً من ذلك فلا يقولها إلا قارئاً بالقرآن أو منبهاً لمن أشكل عليه حال من الأحوال فإما أن يضرب بذلك مثلاً أو يجعله لمن عصى عذراً فهو كفر يستتاب قائله فآدم إنما اجتهد في التأويل فلم يصب وجه الدليل وذلك جائز على الأنبياء في كل حال "من الأحوال (٣) " (٤) ونوح غضب على قومه فدعا عليهم (٥) بالهلكة حين يئس منهم وما أحقهم بتلك الدعوة ولكن الذي يقتضيه منصب النبوة احتمال الأذى والصبر على الخلق ولم يكن ذلك إلا لمحمد ﷺ حين كسرت رباعيته وشج في وجهه فاحتمل ذلك وصبر عليه (٦) اقتداء

стр. 867

بالنبي الذي أخبر عنه حين قال: (كأني به وقد ضرب فسال دمه فجعل يمسحه وقال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) (١) فبهذا المقدار رأى نوح أنه قد قصر فيه بعدما سبق منه فهو يعده على نفسه لا نحن وإبراهيم ﷺ قال: (إني كذبت ثلاث كذبات وكل كذبة منها تصلح أن تكون درجاً إلى الجنة). قال النبي ﷺ لأنه ما حل (٢) بها عن دين الله وهذا يدلك على جهالة المفسرين الذين قالوا في قوله ﴿هذا ربي﴾ (٣) إنه غلط في الكوكب في قوله ﴿هذا ربي﴾ وظنه الله (٤) وكذلك موسى قتل بالغضب في الله نفساً لم يؤمر بقتلها (٥) فإنما كان الوهم في عدم انتظار الأمر خاصة وقتله بالنظر وأما يوسف ﷺ فهمّ (٦) بها فكان فعل قلب لا فعل جارحة فالباري يخبر أن يوسف فعل بقلبه والناس كلهم يقولون فعل بجوارحه والهم غير مؤاخذ به (٧) وأما داود ﷺ فقد داد (٨) فيه دين الخلق وانبثت أقوالهم حتى ملأت الخلق (٩) دفراً والله إنما أخبر عنه بكلمة واحدة وهي قوله ﴿اكفلنيها﴾ (١٠) فقال ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلي نعاجة﴾ (١١)،

стр. 868

وليس في قول الرجل طلق أهلك لي معصية فإنه يعد من المروءة والصلة أن يقول الرجل لصاحبه هذه زوجتي أطلقها لك فخذها وتزوجها. وقد فعل ذلك أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم لبعض (١). وأما محمد ﷺ فتلك حضرة مكرمة ورفع المكروهات مطهر وشخص رضي عنه في كل حال وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الأول والمآل وإذا أردتم الاشفاء على الإستيفاء فعليكم بكتاب المشكلين إذا ثبت هذا فقوله ﷺ : (إنما أنا بشر) إشارة في هذا الموضع إلى أنه لا يعلم الغيب وهي مسألة أصولية فإن المشاهدة أبرزها الله إلى الخلق وجعلها مدركة لهم بالطرق التي شرع لهم إليها وأمسك الغيب لنفسه فهو عالم الغيب والشهادة وأخبر أنه لا يدريه إلا هو وقطع أطماع الخلق عنه فقال: ﴿وما كان الله ليطلعكم علي الغيب﴾ (٢)، وألقى إلينا ما شاء منه للحكمة التي علم ومن فضله المتقدم فقال: ﴿ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء﴾ (٣) معناه فيطلعهم على الغيب فيعلمونكم به وفي هذا إشارة إلى أنه لا يعلم شيء من علم الغيب إلا من قبل الرسل فلا يلحقهم في ذلك ريب ولا تغتروا بمنجم أو عراف ولا تستدلوا بأمارة في السماء من كوكب أو في الأرض من مذهب على ما يكون غداً بحال فإنه تيه في الضلال قد تبرأ النبي ﷺ منه ولو جاز لأحد أن يدركه لكان أولانا به رسول الله ﷺ وقوله: (إنما أنا بشر) يعني به بشر حاكم بينكم وإنكم تختصمون إليّ وفي هذا إشارة إلى الدليل على أن الخصام لا يكون إلا عند الحاكم فهو الذي يقضي وينفذ قضاؤه وإن حكَم رجلان رجلاً بينهما فإنه على اختلاف كثير بين العلماء جملته أنه يجوز عندنا وينفذ وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة لا ينفد إلا إن وافق مذهب (٤) قاضي البلد وهذا باطل (٥) لأن علماءنا إنما قالوا إنه ينفذ لأن القاضي وكيل للخلق هم أقاموه للفصل بينهم وللقيام بمنافعهم فإن خففوا عنه من ثقلهم جاز ذلك لهم ولا يجوز صرف الكل عنه أو الأكثر لأن ذلك يكون عزلاً. وقد اتفقنا علي أن القاضي لو قدم قاضياً فحكم الثاني بغير مدهب الأول أنه نافذ فكذلك هذا وقوله (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) إشارة إلى أن أحد

стр. 869

الخصمين وإن كان أفهم من الآخر فإنه ليس ينبغي للحكم أن يعضده بحجته ولا أن ينبهه، على منفعة وقد قال بعض علمائنا لا بأس للقاضي أن ينبه المغفل من الخصوم على حجته ولست أراه لما بيناه وقوله (فأقضي له على نحو ما أسمع) إشارة إلى الدليل على أن القاضي لا يكون إلا عالماً خلافاً لأبي حنيفة حيث قال يجوز أن يكون جاهلاً عاقلًا فيقلد غيره ويحكم بما يقول له (١) وهذا باطل فإن الذي يفتي هو الذي يقضي وهذه الواسطة الجاهلة عناء في القضاء وقد تعلقوا في ذلك بأن عبد الرحمن بن عوف دعا عثمان بن عفان إلى البيعة على تقليد أبي بكر وعمر (٢) وعجباً لعلمائهم أن يتعلقوا بهذا المعنى الذي ليس في مسألتنا بورد ولا في صدر وأولى ما فيه الكذب فإن عبد الرحمن إنما بايع عثمان ليسير بسيرة الشيخين في اعتماد العدل والاحتياط على الخلق وإحكام الضبط لما انتشر من أمر الناس وكذلك فعل ما خالف ولا نقض كما بيناه في كتاب المشكلين. أما إنه ربما توهم متوهم أن في قول عبد الرحمن لعثمان أبايعك على سيرة الشيخين حملاً له على تقليدهما فيما سبق من أحكامهما بناء على تقليد العالم للعالم وقد بينا أن ذلك جائز في مسائل الأصول عند الحاجة إلى ذلك وضيق الوقت. فأما مع الإطلاق والاسترسال وفي كل نازلة تقع فإنه ممنوع إجماعاً. وقوله (فأقضي له على نحو ما أسمع) مما تعلق به أصحاب أبي حنيفة في الامتناع من القضاء على الغائب لأنه إذا لم يسمع كلامه لمن يقضي أو بم يقضي (٣) وقد روى أبو داود وغيره عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال لعلي حين أرسله إلى اليمن: (لا تقضِ على أحد الخصمين حتى تسمع من الآخر فإنك يعني إن فعلت لا تدري بم ........................

стр. 870

.............................. قضيت) (١) وساعده على ذلك عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا والشافعي والمسألة عظيمة الموقع كثيرة الاختلاف في المذهب وعند العلماء في تفصيل ما بين المجلس وغيره وقيل القضاء بعد القضاء وفي حقوق الناس وفي حقوق الله وفي الدماء (٢) وفي الأموال أحول كثيرة وذلك مستوفى في المسائل. نكتة: إن القاضي لا يقضي بعلمه بحال ولو جاز ذلك لأحد لكان أولي الناس به رسول الله ﷺ وهو قد ترك ذلك وتورع عنه فروي أنه قال حين أشير إليه بقتل من استوجب القتل ممن ظهر نفاقه وتبين شقاؤه: (أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً ﷺ يقتل أصحابه) فعلل بالتهمة التي تعم جميع ما قدمنا من التفصيل وروى أبو داود النبي ﷺ (أرسل أبا جهم مصدقاً فلوحج (٣) في الصدقة بشجة فارتفعوا إلى النبى ﷺ وقالوا القود يا رسول الله فقال أو تأخذوا كذا فأبوا ثم قال أوكذا فأبوا ثم قال أوكذا فرفضوا قال فأخطب الناس وأعلمهم برضاكم قالوا نعم فخطب وأعلم فقالوا ما رضينا فأرادهم المهاجرون والأنصار فقال النبي ﷺ لا ونزل فجلسوا إليه (٤) فأرضاهم فقال أخطب فأعلم قالوا نعم فخطب فأعلم فقالوا: رضينا).

стр. 871

وهذا نص. وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال في قصة هلال وشريك (إن جاءت به كذا فهو لهلال يعني الزوج وإن جاءت به كذا فهو لشريك بن السمحاء "يعني المقذوف" (١) فجاءت به على النعت المكروه فقال لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها) (٢). وقد وهم بعض الناس في إحدى هاتين المسألتين وهي مسألة القضاء على الغائب منهم البخاري (٣) فقالوا الدليل على الغائب أن النبي ﷺ قضى لهند على أبي سفيان فقال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (٤)، وقد بينا في مسائل الخلاف أن هذا وهم عظيم وأنه لا متعلق لهم في هذا الحديث وحققنا أنها كانت فتوى وأن أبا سفيان كان حاضراً ولا خلاف بين الأمة أنه لا يقضى على غائب في البلد معلوم الموضع وقوله (فلا يأخذه) إشارة إلى الدليل على أن حكم الحاكم لا يحلل محرماً ولا يحرم محللًا ولا يغير شيئاً من طريق الشرع بما يظهر من حجة أحد الخصمين على الآخر فمن هذا حذرهم النبي ﷺ ، وعلى هذا أنبهكم وقد اتفق الناس على ذلك إلا أبا حنيفة فإنه سقط على أم رأسه فقال إن الرجل إذا جاء إلى الحاكم بشاهدي زور في الباطن فشهدوا أن فلانة زوج فلان وليست منه فقبل شهادتهما وحكم له بزوجيتها أنه يحل له ذلك ظاهراً وباطناً (٥) ويطأها بكتاب الله ومعاذ الله أن يكون باطل فينزه الأموال عن أن ينفذ فيها وينفذ في الفروج التي هي أعظم حرمة وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف وأقوى متعلق لهم أن النبي ﷺ أباح المرأة في اللعان للزوج الثاني

стр. 872

مع أن اللعان زور وكذب واللعان أصل مستوفى وحجة ضرورة كما بينا وقد أجبنا عن هذا الحديث في التلخيص وغيره وأقوى ما فيه أن النبي ﷺ قال: (الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب) فبين النبي ﷺ أن قضاءه انبنى على كذب أحدهما للضرورة وقد اتفقنا على أن القاضي لو علم الكذب في هذه المسألة لما جاز له أن يقضي فإن أخطأ القاضي وهي مسألة عظيمة فإن ذلك لا يلزمه ضماناً ولا يوجب عليه ملاماً والأصل في ذلك أن خالد بن الوليد لما أخطأ في بني جذيمة (١) لم يعلق به النبي ﷺ شيئاً اللهم إلا أنه قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) (٢) ووداهم وأموالهم والمعنى يعضده فإن القاضي لو نظر بشرط سلامة العاقبة وهو ألا يعول على النص إنما بني حكمه على الاجتهاد لكان ذلك باطلاً من وجهين أحدهما إنه كان يكون تكليف ما لا يطلق الثاني إنه كان يكون تنفيراً للخلق عن الولاة فتتعطل الأحكام. لاحقة قد اندرج في أثناء الكلام أن العامي لا يكون حاكماً ومن شرطه كما قال عمر بن عبد العزيز وغيره أن يكون ذكراً مسلماً عالماً ذا مروءةٍ (٣) عاقلاً وقد قال أبو حنيفة إن المرأة تقضي فيما تشهد فيه لأنه من جاز أن يكون شاهداً في شيء جاز أن يكون قاضياً فيه (٤)

стр. 873

كالذكر وهذا ينتقض عليه بالكافر فإنه يجوز أن يكون عنده شاهداً ولا يجوز أن يكون قاضياً وقد توهم بعض الناس أن المرأة تكون قاضية ونسبوا ذلك إلى الطبري وقد ذكر ذلك القاضي عبد الوهاب في كتاب المعونة (١) وسرد المناظرة التي جرت فيها في مجلس البويهي بين فقيه الشافعية أبي الفرج بن طرازاً (٢) وبين القاضي أبي بكر ابن الطيب (٣) وذكر احتجاج ابن الطرازا عليه بإجماع الأمة أنها لا تكون خليفة فكذلك القضاء وإنما أشار الطبري إلى مذهب أبي حنيفة ومذهب أبي حنيفة إنما هو إذا حكمت فأما أن يقدمها الإمام لتكون منصوبة للناس فما كان ذلك قط مذهباً لأحد وقد اتفقت الأمة على أنها لا تؤذن لأن صوتها عورة فإن لم بجز سماع صوتها وهي في المأذنة لا ترى فأولي وأحرى ألا تجوز مجالستها ومحادثتها ابتداء من قبل نفسها فكيف أن يلجئها الإمام لذلك ولو تفطن لهذا عصبة الجاهلين لما كانوا عن الحق ناكبين وقوله: (فأقضي له على نحو ما أسمع) دليل على أن التفاهم قد حصل بين الحاكم والخصمين فإن تعذر ذلك من القاضي بصمم أو من الخصم ببكم أو بلغة لا يفقهها القاضي فالذي سمعته أن الرجل إذا كان أصم أو أعمى أن الناس اختلفوا في توليته للقضاء والذي عندي أن أحداً منهم لا يجوز أن يكون قاضياً وأقول إن ذلك إجماع وذلك على الإطلاق إلا في الأوقات اليسيرة والقصص المخصوصة فإن القضاء مبني على الفصل فكل ما أمكن من تحصيل الفصل والاختصار لا يلتفت معه إلى التطويل ولهذا قال العلماء بأجمعهم إنه لا يجوز قبول شهادة الفرع مع القدرة على شهود الأصل لما في ذلك من زيادة النظر على القاضي في العدالة ولما في ذلك من زيادة الأعذار على المطلوب فإذا روعي هذا القدر في رسم القضاء فالذي يفوت بالصمم والعمى أعظم من ذلك وقد درج الإِسلام على أنه ما وليهم من القضاة أعمى ولا أصم أما إن النبي ﷺ استخلف على المدينة ابن أم مكتوم في غزوات فقال علماؤنا إنما ذلك لأنه لم يكن في ذلك الزمان خصومات وإنما يقع في النادر أمر

стр. 874

يحتاج إلى التسيير وكان ابن أم مكتوم به مستقلاً أولا تري أنه ربما كان يخاف على المدينة عورة ولم يكن ابن أم مكتوم مستقلاً بحماية الحوزة وخليفة الإمام لا بد أن يكون فيه من الاستقلال بحماية الحوزة ولم الشعث عند الاختلاف العام وقد كان ذلك متعذراً في ابن أم مكتوم فدل على أن رسول الله ﷺ إنما كان يثق من ربه بعصمة المدينة على أن يخالف إليها بعده من يريدها بسوء وكان يعلم من أهلها قلة الاختلاف فلأجل ذلك كان استخلافه له وأما إن كان التعذر في السماع من بكم فلم يفهم الحاكم إشارته أو كان من لغة لم يعرف المتكلم بها ولم يكن بد من معبر له فاختلف علماؤنا فمنهم من قال يجزي معبر واحد وبه قال أبو حنيفة ومنهم من قال لا يجزي أقل من اثنين وبه قال الشافعي فإن جعلنا التعبير خبرا فواحد يكفي فيه وإن جعلناه شهادة لم يكلن بد من اثنين والصحيح أنه خبر يجزى فيه واحد إلا أن يشك الحاكم فيزيد حتى يحصل له اليقين (١). قوله (فأقضي له على نحو ما أسمع) دليل على أن الخصوم هم الذين يأتون إليه ولا يمشي القاضي إليهم بإجماع إلا أن تكون نازلة عامة على نفر يخاف منها الاستشراء فيمشي إليهم ويفصل أمرهم كما مشى النبي ﷺ إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ولم يرسل إليهم ليكون ذلك عنده وهو حديث صحيح لا

стр. 875

غبار عليه (١) فصار هذا أصلاً في الباب، فإذا كمل قضاء القاضي فليكتب بذلك كتاباً إن احتاج إليه لحق الله أو إن سأله ذلك الخصم والأصل في ذلك حبيث حويصة ومحيّصة المشهور (٢) إلى آخرة قال الراوي فكتب النبي ﷺ بذلك إلى خيبر فصار ذلك أصلاً في الباب ولأن الضرورة تدعو إليه كما دعت الحاجة إليه في الشريعة مما فيه منفعة ولم يعارضه محظور فإن صح فإنه جائز أو واجب بحسب حاله وهذا أصل بديع فعوه وركبوا عليه قال علماؤنا وأكثر ما يكتب القاضي في قضائه الذي ينفذه ويبني العمل إليه أربع نسخ وذلك في مسألة واحدة وهي مشهورة عند العلماء فلينظر هنالك ولينقل. تفسير قال مالك: الترغيب في القضاء بالحق (٣) ثم أدخل حديث أم سلمة المتقدم وكل ترجمة فهي مبتدأة وخبرها فيما يأتي بعدها وقول مالك هنالك الترغيب هو مصدر لا بد له من فاعل ومفعول لكونه من الأفعال المتعدية والفاعل والمفعول ههنا مضمران فيكون تقديره الترغيب للقضاة والمفعول كذلك أيضاً تقديره للناس فإن كان للقضاء ما جاء بعد ذلك من التعبير مظروف فهو متعلق بقوله (فاقضي له على نحو ما أسمع) وإن كان للناس فهو متعلق بقوله (فمن قضيت له بشيء من حق أخيه) إلى آخره ويحتاج إلى أن يعود إليهما معاً لأنه لا

стр. 876

تناقض في اجتماعهما والأظهر أنه يعود إلى القضاة بدليل ما أدخل بعده من حديث عمر في اقتران الملكين بالقاضي (١) وتسديده يفسر بذلك إجراء ما احتمله اللفظ أولاً (٢). باب الشهادات اعلموا وفقكم الله أن الشهادة ولاية من ولايات الدين فإنه تنفيذ قول الغير والأصل أن لا ينفذ قول أحد على أحد ولكن الله لما خلق الخلق للخلطة والمعاش والمعاملة وكتب عليهم ما علمته الملائكة فيهم من الفساد وسفك الدماء وجحد الحقوق والتوائها لذلك شرع الشهادة ونفذ بها قول الغير على وجه المصلحة للحاجة الداعية إلى ذلك إحياء للحقوق الدارسة وقد روى جماعة أنّ النبي ﷺ قال: (لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فعرضهم عليه فرأى منهم رجلاً حسن الوجه قصير العمر قال: من هذا يا رب قال ابنك داود ﵇ (٣) قال له: يا رب ما أحسن وجهه وأكثر عبادته لولا قصر عمره ستين عاماً، قال له: زده أنت من عمرك فقال له آدم: يا رب عمري ألف أعط له منها أربعين تكمل له بها مائة قال. له: قد فعلت فلما كملت مدة آدم وجاء ملك الموت ليقبض روحه قال له قد بقيت لي أربعون عاماً قال له ألم تهبها لداود قال لا قال النّبيّ ﷺ فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته) (٤)، وروي أنه قال ومن ذلك اليوم أمر بالكتاب والشهود (٥) ...............

стр. 877

.... وروت جماعة في الحديث فكمل الله لآدم الألف ولداود الأربعين (١) ولكونها ولاية من الولايات وكثرة فساد الناس فيها وتتابعهم بالمسامحة بالزور في أدائها ما صارت في بغداد والشام ولاية من قبل الإمام والقاضي وصارت الفتوى مرسلة فلا يشهد ببغداد والشام إلا من ولاه القاضي ويفتي كل من علم من غير إذن فهذه من المصلحة لأن المفتي إن زاغ فضحه العلم والشاهد لا يعلم زيفه إلا الله وقلب أهل بلادنا في ذلك القوس (٢) ركوة وسيرة بغداد أصلح وأحسن ولأجل ذلك كان الشاهد من جمع خصالاً خمسة: البلوغ، الذكورية، الإِسلام، العدالة، المروءة، واختلف في السادس وهو الحرية فأما البلوغ فأجمعت الأمة عليه لأن الصغير قليل الضبط ناقص العقل يقبل الخديعة فلذلك لم تجز شهادته ولم يقل بجواز شهادته أحد فيما علمته إلا عبد الله بن الزبير فإنه جوز شهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح (٣) وتابعه علماؤنا واختلف قول مالك في القتل وذكر في الموطأ من شروط قبول شهادتهم واحداً وهو الا يخببوا بعد تفرقتهم أو يُعلموا (٤) وذكر المحررون من علمائنا أن شروط قبول شهادة، الصبيان تسعة العقل، الإِسلام، الذكورية، الحرية بينهم في الجراح واختلف قوله في العقل قبل التفرق (٥) اثنان فصاعداً. فأما اشتراط العقل فلأنه أصل التحصيل وأما اشتراط الإِسلام فلأن الكافر لا شهادة له لأن الله تعالى وصفه بالكذب ولأنها ولاية شرطها الكرامة والكافر حقه الإهانة وقال أبو حنيفة

стр. 878

تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض (١) إذا كانوا عدولاً في دينهم وقد بينا فساده فيما تقدم وفي مسائل الخلاف. وقال أحمد تجوز شهادة الكفار على المسلمين في الوصية في السفر لقوله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾ (٢) يريد من غير أهل ملتكم قلنا إنما أراد من غير قبيلتكم (٣). فإن قيل هذا لا يصح فإن الآية إنما نزلت في شأن تميم الداري وعدي بن بداء حين أخذوا (٤) آجام (٥) فضة. روى الترمذي وغيره عن تميم الداري في تفسير قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ قال بريء من هذه الآية كل الناس غيري وغير عدي بن بداء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام فقدما الشام بتجارتهما وقدم عليهما مولي لبنى هاشم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظيم تجارته فمرض وأوصى إليهما أن يبلغا ما ترك أهله قال تميم فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم فاقتسمتها أنا وعدي بن بداء فلما قدمنا أهله أو على أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا فقلنا ما ترك غير هذا وما دفع إلينا شيئاً قال تميم فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البينة فلم يجدوها فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به أهل دينه فحلف فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ الآية. قلنا هذا حديث ضعيف فلا يلتفت إليه وقد أوعزنا اليكم أمراً أن أضر شيء بالمتعلم والعالم الاشتغال بالحديث الضعيف وهذا حديث ليس له أصل في الصحة (٦) فلا يجوز أن يضاف

стр. 879

إلى القرآن الذي هو صحيح ما ليس بصحيح وإنما يبين القرآن ويضاف إليه الحديث الصحيح فيه وقع الوعد الكريم في قوله ﴿لتبين للناس مانزل إليهم﴾ (١) وأما الذكورية فلأن شهادة الأنثى ليست بأصل في الشهادة وإنما هي بدل أوكما قال أهل خراسان شهادة ضرورة ولذلك جاءت في القرآن بصفة الضرورة وعلى نعت البدلية قال الله: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ (٢) كما قال تعالى؛ ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (٣) وقال: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ (٤) وإنما جازت في الأموال رفقاً من الله تعالى لكثرة الترداد فيها فقد يحضرها الرجال وقد يغيبون عنها فلو وقف ربط الشهادة على الذكور مع ذلك لضاعت الحقوق فرخص في شهادة النساء وبقيت على أصل الرد في غيرها من الحقوق وقد حصل الإجماع على أنها لا تجوز في الدماء وأما الحرية فإنها شرط عند عامة العلماء وقال أحمد بن حنبل تجوز شهادة العبد لأنه عدل والدليل على ثبوت عدالته قبول روايته وعسر الإنفصال على سائر العلماء عن دليل أحمد هذا وسلكوا فيه طرقاً بيناها في مسائل الخلاف يغنيكم الآن عنها إنفصالان: الأول: أن العبد مستغرق الأوقات في حق السيد فلا يجد سبيلاً إلى الشهادة. والثاني: أن اعتبار الشهادة بالخبر فاسد وضعها في الشريعة مختلف ألا ترى أن شهادة المرأة لا تجوز في القصاص ويجوز قبول روايتها ويجوز قبول رواية الفرع مع وجود الأصل ولا يجوز قبول شهادة الفرع مع وجود الأصل وهذا أبين عند التأمل وفيه إنصاف بيننا ويينه وأما قبولها في الجراح خاصة فلأنه الذي يقع بينهم في الغالب ولا يحضره غيرهم فدارت الحال بين إحدى أمرين اما أن يضيع هذا الحق وذلك لا يجوز أو تقبل فيه شهادة الصبيان وذلك أحسن ولقوله مع صغره مدخل عظيم في التحليل والتحريم وهو إباحة الدخول إلى المنزل وهتك الستر الذي كان محترماً قبل قوله ولكنه جاز ذلك للحاجة إليه ولأنه لا غناء عنه وكذلك في مسألتنا وركب عليه علماؤنا شهادة النساء في المواضع التي لا يكون فيها غيرهن كالأعراس والمآتم والحمامات وأما قولنا بينهم فلأنها شهادة ضرورة فتقدر بقدر الضرورة وأما شرط الأثنينية فلأنها أصل للشهادة حيث وضعت ولا يجوز شهادة واحد عند

стр. 880

أحد من العلماء ولا يثبت بها حق من الحقوق إجماعاً إلا في مسألة واحدة اختلف فيها علماء الإِسلام وهي شهادة القابلة وحدها على الولادة ومن روايات مالك إنها تجوز والأصل في ذلك الضرورة الداعية إلى ذلك لأنه لا يحضر المرأة غيرها فلو لم تقبل شهادتها لضاعت الولادة وبطل ما يتركب عليها من النسب والحرمة والميراث وسائر الحقوق (١) وأما قبل التفرق فلعله أشار إليها مالك في الموطأ وهي التخبيب (٢) والتقويل (٣) فإن حال الصبوة عرضة للخدعة فإنما يؤخذون بحالهم عند الاجتماع والأمر في طراية قبل أن يُصور له صورة أو تتطرق إليه خدعة وذلك كله ما اتفقوا ولم يختلفوا وهو الشرط التاسع فإذا اختلفوا سقطت شهادتهم. وأما شرط العدالة في التقسيم الأصلي فإن علماءنا مدوا أطناب القول فيها فكثروا بالقول وشعبوا الأحوال والضابط لها نكتة يسعد من يعيها وذلك أن الله نور العبد بالعقل وهو نور الطاعة وأظلمه بالشهوة وهي خبالة المعصية فصار العبد مترددا بينهما والملك يعضد جانب العقل والشيطان يغوي في جانب الشهوة والتوفيق والخذلان على قمة الرأس محلقان، والقضاء والقدر فوق ذلك كله فإن سبق القضاء بالتوفيق انتصر حزب الله، وإن سبق القضاء بالخذلان فقد حكم الله ولذلك قال النبي ﷺ : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة) (٤) الحديث إلى آخره فلم تكن العصمة إلا للأنبياء خاصة كما سبق وسائر الخلق إن آمنوا وطهر الله قلوبهم بالتوحيد عن وضر (٥) الشرك فلا بد أن يدنس أبدانهم بأرحاض المعاصي فلو لم يقبل إلا مطيع ما وجد أحد يسلم عليه ولكن بنت الشريعة الأمر على الممكن في الوجود الغالب في الأحوال وهو التنزه عن الكبائر فإذا وصان العبد نفسه بفضل الله عن الكبائر قال بعضهم وأكثر الصغائر كان عدلاً.
следующие страницы →