← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

تناقض في اجتماعهما والأظهر أنه يعود إلى القضاة بدليل ما أدخل بعده من حديث عمر في اقتران الملكين بالقاضي (١) وتسديده يفسر بذلك إجراء ما احتمله اللفظ أولاً (٢). باب الشهادات اعلموا وفقكم الله أن الشهادة ولاية من ولايات الدين فإنه تنفيذ قول الغير والأصل أن لا ينفذ قول أحد على أحد ولكن الله لما خلق الخلق للخلطة والمعاش والمعاملة وكتب عليهم ما علمته الملائكة فيهم من الفساد وسفك الدماء وجحد الحقوق والتوائها لذلك شرع الشهادة ونفذ بها قول الغير على وجه المصلحة للحاجة الداعية إلى ذلك إحياء للحقوق الدارسة وقد روى جماعة أنّ النبي ﷺ قال: (لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فعرضهم عليه فرأى منهم رجلاً حسن الوجه قصير العمر قال: من هذا يا رب قال ابنك داود ﵇ (٣) قال له: يا رب ما أحسن وجهه وأكثر عبادته لولا قصر عمره ستين عاماً، قال له: زده أنت من عمرك فقال له آدم: يا رب عمري ألف أعط له منها أربعين تكمل له بها مائة قال. له: قد فعلت فلما كملت مدة آدم وجاء ملك الموت ليقبض روحه قال له قد بقيت لي أربعون عاماً قال له ألم تهبها لداود قال لا قال النّبيّ ﷺ فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته) (٤)، وروي أنه قال ومن ذلك اليوم أمر بالكتاب والشهود (٥) ...............

стр. 877

.... وروت جماعة في الحديث فكمل الله لآدم الألف ولداود الأربعين (١) ولكونها ولاية من الولايات وكثرة فساد الناس فيها وتتابعهم بالمسامحة بالزور في أدائها ما صارت في بغداد والشام ولاية من قبل الإمام والقاضي وصارت الفتوى مرسلة فلا يشهد ببغداد والشام إلا من ولاه القاضي ويفتي كل من علم من غير إذن فهذه من المصلحة لأن المفتي إن زاغ فضحه العلم والشاهد لا يعلم زيفه إلا الله وقلب أهل بلادنا في ذلك القوس (٢) ركوة وسيرة بغداد أصلح وأحسن ولأجل ذلك كان الشاهد من جمع خصالاً خمسة: البلوغ، الذكورية، الإِسلام، العدالة، المروءة، واختلف في السادس وهو الحرية فأما البلوغ فأجمعت الأمة عليه لأن الصغير قليل الضبط ناقص العقل يقبل الخديعة فلذلك لم تجز شهادته ولم يقل بجواز شهادته أحد فيما علمته إلا عبد الله بن الزبير فإنه جوز شهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح (٣) وتابعه علماؤنا واختلف قول مالك في القتل وذكر في الموطأ من شروط قبول شهادتهم واحداً وهو الا يخببوا بعد تفرقتهم أو يُعلموا (٤) وذكر المحررون من علمائنا أن شروط قبول شهادة، الصبيان تسعة العقل، الإِسلام، الذكورية، الحرية بينهم في الجراح واختلف قوله في العقل قبل التفرق (٥) اثنان فصاعداً. فأما اشتراط العقل فلأنه أصل التحصيل وأما اشتراط الإِسلام فلأن الكافر لا شهادة له لأن الله تعالى وصفه بالكذب ولأنها ولاية شرطها الكرامة والكافر حقه الإهانة وقال أبو حنيفة

стр. 878

تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض (١) إذا كانوا عدولاً في دينهم وقد بينا فساده فيما تقدم وفي مسائل الخلاف. وقال أحمد تجوز شهادة الكفار على المسلمين في الوصية في السفر لقوله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾ (٢) يريد من غير أهل ملتكم قلنا إنما أراد من غير قبيلتكم (٣). فإن قيل هذا لا يصح فإن الآية إنما نزلت في شأن تميم الداري وعدي بن بداء حين أخذوا (٤) آجام (٥) فضة. روى الترمذي وغيره عن تميم الداري في تفسير قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ قال بريء من هذه الآية كل الناس غيري وغير عدي بن بداء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام فقدما الشام بتجارتهما وقدم عليهما مولي لبنى هاشم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظيم تجارته فمرض وأوصى إليهما أن يبلغا ما ترك أهله قال تميم فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم فاقتسمتها أنا وعدي بن بداء فلما قدمنا أهله أو على أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا فقلنا ما ترك غير هذا وما دفع إلينا شيئاً قال تميم فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البينة فلم يجدوها فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به أهل دينه فحلف فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ الآية. قلنا هذا حديث ضعيف فلا يلتفت إليه وقد أوعزنا اليكم أمراً أن أضر شيء بالمتعلم والعالم الاشتغال بالحديث الضعيف وهذا حديث ليس له أصل في الصحة (٦) فلا يجوز أن يضاف

стр. 879

إلى القرآن الذي هو صحيح ما ليس بصحيح وإنما يبين القرآن ويضاف إليه الحديث الصحيح فيه وقع الوعد الكريم في قوله ﴿لتبين للناس مانزل إليهم﴾ (١) وأما الذكورية فلأن شهادة الأنثى ليست بأصل في الشهادة وإنما هي بدل أوكما قال أهل خراسان شهادة ضرورة ولذلك جاءت في القرآن بصفة الضرورة وعلى نعت البدلية قال الله: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ (٢) كما قال تعالى؛ ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (٣) وقال: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ (٤) وإنما جازت في الأموال رفقاً من الله تعالى لكثرة الترداد فيها فقد يحضرها الرجال وقد يغيبون عنها فلو وقف ربط الشهادة على الذكور مع ذلك لضاعت الحقوق فرخص في شهادة النساء وبقيت على أصل الرد في غيرها من الحقوق وقد حصل الإجماع على أنها لا تجوز في الدماء وأما الحرية فإنها شرط عند عامة العلماء وقال أحمد بن حنبل تجوز شهادة العبد لأنه عدل والدليل على ثبوت عدالته قبول روايته وعسر الإنفصال على سائر العلماء عن دليل أحمد هذا وسلكوا فيه طرقاً بيناها في مسائل الخلاف يغنيكم الآن عنها إنفصالان: الأول: أن العبد مستغرق الأوقات في حق السيد فلا يجد سبيلاً إلى الشهادة. والثاني: أن اعتبار الشهادة بالخبر فاسد وضعها في الشريعة مختلف ألا ترى أن شهادة المرأة لا تجوز في القصاص ويجوز قبول روايتها ويجوز قبول رواية الفرع مع وجود الأصل ولا يجوز قبول شهادة الفرع مع وجود الأصل وهذا أبين عند التأمل وفيه إنصاف بيننا ويينه وأما قبولها في الجراح خاصة فلأنه الذي يقع بينهم في الغالب ولا يحضره غيرهم فدارت الحال بين إحدى أمرين اما أن يضيع هذا الحق وذلك لا يجوز أو تقبل فيه شهادة الصبيان وذلك أحسن ولقوله مع صغره مدخل عظيم في التحليل والتحريم وهو إباحة الدخول إلى المنزل وهتك الستر الذي كان محترماً قبل قوله ولكنه جاز ذلك للحاجة إليه ولأنه لا غناء عنه وكذلك في مسألتنا وركب عليه علماؤنا شهادة النساء في المواضع التي لا يكون فيها غيرهن كالأعراس والمآتم والحمامات وأما قولنا بينهم فلأنها شهادة ضرورة فتقدر بقدر الضرورة وأما شرط الأثنينية فلأنها أصل للشهادة حيث وضعت ولا يجوز شهادة واحد عند

стр. 880

أحد من العلماء ولا يثبت بها حق من الحقوق إجماعاً إلا في مسألة واحدة اختلف فيها علماء الإِسلام وهي شهادة القابلة وحدها على الولادة ومن روايات مالك إنها تجوز والأصل في ذلك الضرورة الداعية إلى ذلك لأنه لا يحضر المرأة غيرها فلو لم تقبل شهادتها لضاعت الولادة وبطل ما يتركب عليها من النسب والحرمة والميراث وسائر الحقوق (١) وأما قبل التفرق فلعله أشار إليها مالك في الموطأ وهي التخبيب (٢) والتقويل (٣) فإن حال الصبوة عرضة للخدعة فإنما يؤخذون بحالهم عند الاجتماع والأمر في طراية قبل أن يُصور له صورة أو تتطرق إليه خدعة وذلك كله ما اتفقوا ولم يختلفوا وهو الشرط التاسع فإذا اختلفوا سقطت شهادتهم. وأما شرط العدالة في التقسيم الأصلي فإن علماءنا مدوا أطناب القول فيها فكثروا بالقول وشعبوا الأحوال والضابط لها نكتة يسعد من يعيها وذلك أن الله نور العبد بالعقل وهو نور الطاعة وأظلمه بالشهوة وهي خبالة المعصية فصار العبد مترددا بينهما والملك يعضد جانب العقل والشيطان يغوي في جانب الشهوة والتوفيق والخذلان على قمة الرأس محلقان، والقضاء والقدر فوق ذلك كله فإن سبق القضاء بالتوفيق انتصر حزب الله، وإن سبق القضاء بالخذلان فقد حكم الله ولذلك قال النبي ﷺ : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة) (٤) الحديث إلى آخره فلم تكن العصمة إلا للأنبياء خاصة كما سبق وسائر الخلق إن آمنوا وطهر الله قلوبهم بالتوحيد عن وضر (٥) الشرك فلا بد أن يدنس أبدانهم بأرحاض المعاصي فلو لم يقبل إلا مطيع ما وجد أحد يسلم عليه ولكن بنت الشريعة الأمر على الممكن في الوجود الغالب في الأحوال وهو التنزه عن الكبائر فإذا وصان العبد نفسه بفضل الله عن الكبائر قال بعضهم وأكثر الصغائر كان عدلاً.

стр. 881

نكتة بديعة وهو أن هذا العيان في الدنيا يخرج الخالص في الآخرة وهو اعتدال الميزان في ألا تكون الكفة كبيرة فإن كفة السيئات إن تفرغت عن الكبائر علم قطعاً أن الميزان لا يميل إليها فإما أن يعتدل داما أن يخف بها ويكون الرجحان للكفة الأخرى وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله ﴿وكذالك جعلناكم أمه وسطاً﴾ (١) الآية معناه ﴿ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ معناه أيضاً دنيا وآخرة. ولذلك شرط العلماء اجتناب الدناءات بحفظ المروءة وهو الشرط الخامس لأن المروءة ستر الدين والحجاب بينه وبين المعاصي كالثوب ستر يكن البدن عن الحر والزمهرير وضبط المروءة مما عسر على العلماء ولم ينطق فيه فقهاؤنا بكلمة وقد بيناه في المسائل على الإيضاح والضابط لكم الآن فيه ألا يأتي أحد منكم ما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل. تكملة: فإذا تحصل ضبط الشهادة فلها حالان: الحالة الأولى التحمل والثانية حالة آداء واختلف العلماء في التحمل هل هو فرض أو ندب مبنياً على قول الله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ (٢) وقد بينا في كتاب الأحكام إنها فرض على الكفاية (٣) ولذلك يجب على الإِمام أن ينصب لها عدولاً يرزقهم من بيت المال ويتفرغون لإحياء حقوق الناس ويتوجه إليهم الخطاب حينئذ بالفرضية بإجماع. الحالة الثانية حالة الآداء وهي فرض إجماعاً إذا وقعت على عدلين فإن زادوا التحقت بفروض الكفاية هذا إذا علم بها صاحبها فإن لم يعلم وعلم الشاهد إنه يحتاج المتحاكم إلى أدائها فإنها فرض عليه أن يعلمه بها وههنا ورد حديث زيد بن خالد الذي رواه مالك (خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) (٤) كأن الحق لله تعين على الشاهد فرضاً أن يقوم

стр. 882

بها عند الحاكم إلا أن يكون من الحدود فإن الأفضل له أن يستر على المتهتك قال علماؤنا إلا أن يستشر في الناس فحينئذ يكون الأفضل رفع الأمر إلى الحاكم حاشا الزنا فإنه يلزم رفعه بصفته لأن الشاهد يعرض نفسه لجرحته أما إنه يشهد بأنه في الجملة مؤذ للناس متشبث بالمعاصي متعرض للحرم ألفاظاً توجب كفة وتقتضي أدبه. وإن كان الحق لآدمي فإن علم به الآدمي فلا يلزم الشاهد أنه يقوم بها عند الحاكم أما إنه يلزمه أن يعرف به صاحبه فإن سكت فاختلف علماؤنا فمنهم من قال إنها جرحة فيه ومنهم من قال وهم الأكثر ليست بجرحة والصحيح إنها جرحة لأن كتمان الشهاده في الإثم بمنزلة الكذب فيها في العلانية ولا فرق بين شهالة الزور وكتمان شهادة الحق وقد عظم الله كتمها ووصف أنها من معاصي القلوب ومآثمها وإثم القلب أعظم من إثم الجوارح لأن كبر المعصية على قدر فاعلها ومحلها. وقد عظم النبي ﷺ شهادة الزور ونزلها في المنزلة الثالثة من الكبائر وكررها تعظيماً لعقوبتها وتحذيراً عن الوقوع فيها فقال: (الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور ألا قول الزور. فما زال يكررها حتي قلنا ليته سكت) (١) وقد ربط الله الشهادة بوصفين فقال: ﴿إلا من شهد بالحق﴾ (٢) , وقال عزّ من قائل: ﴿وما شهدنا إلا يما علمنا وما كنا للغيب حافظين﴾ (٣) ولذلك قال علماؤنا إن شاهد الزور يؤدب الأدب الوجيع ويشهر حتى يكون ذلك ردعاً لغيره ولا تحلق له لحية فإن الله لم يشرع في الحدود تغيير الهيئة والخلقة وقال أبو حنيفة لا أدب عليه وإنما عقوبته رد شهادته لأنه قائل كذب وزور فلم يجب عليه أدب ولا تعزيز أصله المظاهر وعلى هذه النكتة عول علماؤنا من أهل العراق وخراسان وبيانها في مسائل الخلاف وقلنا إن الله جعل جزاء الظهار الكفارة لأنه لم يضر بذلك إلا نفسه وهو ذنب لا يتعدى إلى غيره دنيا وآخرة وكان في الأصل طلاقاً فأرخص الله فيه فصار ظهاراً فافترقا. تعديل إذا ثبت أن الشهادة تقف على العلم فإن الله تعالى جعل الحواس أبين طريق إليه فأما

стр. 883

البصر فهو أخو البصيرة يكشف جملاً من المشاهدات ويلقي إلى القلب فنوناً من المعلومات بواسطة الألوان ويعضد السمع كما يعضده ويسترفد كل واحد منهما أخاه فيرفده فإن عدم أحدهما فإن كان المعدوم هو السمع فلا خلاف في جواز الشهادة بما يلقية البصر. وإن عدم البصر فاختلف الناس في شهادة ما يلقيه السمع فجمهور العلماء على أن شهادة الأعمى جائزة وقال أبو حنيفه لا تجوز شهادة الأعمى لاشتباه الأصوات ووجود المحاكاة التي يعسر الفصل فيها إلا على من عاين المحاكي (١) وهي مسألة عسرة جداً تهاون العلماء بها وهي معضلة وقد بيناها في مسائل الخلاف واعتض العلماء من الفقهاء والمحدثين بقول النبي ﷺ : (فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم) (٢) فربط النبي ﷺ الحل والحرمة بسماع الصوت المعهود وفرق علماء الحنفية بينهما بفرق عظيم وهو أن الأذان ليس بموضع للتلبس والحيلة والشهادة معدن ذلك وقال علماؤنا إن المحاكاة التي يعسر الفرق فيها إنما تكون في الكلمة أو الكلمتين فأما سرد القول فلا يكاد يخفي الفرق بين التحكية والحقيقة ولذلك يقال للأعمى لاتقنع في تحمل الشهادة بقول نعم حتى يصف المسألة بأن يقول بايعت ونكحت وليرددها فحينئذ يرتفع اللبس ويظهر الفرق. وأما شهالة السماع فإنها معلومة وهي على ضربين خاصة فيما تسمعه وتشاهده وعامة فيما تسمعه ولا تشاهده وقد اختلف العلماء في هذا القسم من شهادة السماع اختلافاً كثيراً بيناه في مسائل الخلاف كما اختلفوا في الأحكام التي ثبتت بشهادة السماع وما توسع فيها أحد توسع المالكية وقد جمعناها على رأيهم فألفيناها كثيرة الحاضر الآن منها في الخاطر خمسة وعشرون حكماً: الأحباس، الملك المتقادم، الولاء، النسب، الموت، الولاية، العزلة، العدالة، الجرحة وقال سحنون فيها لا تجوز قال علماؤنا وذلك إذا لم يدرك زمان المجرح والمعدل فإن أدرك زمانه لم يقع ذلك إلا على العلم، الإسلام، أو

стр. 884

الكفر، الحمل، الولادة، الترشيد، التسفيه، الصدقة، الهبة، البيع في حالة الرضاع، النكاح، الطلاق، الضرر، الوصايا، إباق العبد الحرابة [زاد بعضهم البنوة والأخوة وذلك يدخل في النسبة] (١) وقد مهدنا ذلك تأصيلاً وتفصيلاً وتفريعاً ودليلاً في كتب المسائل. ترجمة قال مالك القضاء في شهادة المحدود (٢) وإنما خص هذه الترجمة والتي بعدها وهي القضاء باليمين مع الشاهد (٣) دون سائر مسائل الشهادة لمكابرة أهل العراق فيهما القرآن والسنة وتعلق أهل العراق في ذلك بقوله ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ (٤) واعتمد مالك ﵀ في الموطأ وغيره على قول الله ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ (٥). قال أبو حنيفة إنما تفيد التوبة والمغفرة والرحمة التي وعد الله بها فأما رد الشهادة فلا يسقط التوبة كما لم يسقط الجلد ولو رجع قوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا﴾ إلى ما تقدم لأسقطت التوبة الحد والرد معاً، والباري تعالى قد جعل الرد مؤبداً. قلنا يا أبا حنيفة أنت أول من نقض هذا فلا يمكنك أن تقول به قال النّبى ﷺ : (المتلاعنان لا يجتمعان أبداً) (٦) وقلت أنت إذا أكذب نفسه ردها (٧) فكيف راعيت الأبدية في القذف ورددتها في اللعان واللفظ واحد وهذا ما لا جواب عنه وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف. وأما القضاء باليمين مع الشاهد فعول فيها مالك على حديث أبي جعفر محمد بن علي المرسل (٨) ......................................................

стр. 885

..... وخصه لاتفاق أبي حنيفة معنا على قبول المرسل (١) وعلى قضاء عمر بن عبد العزيز (٢) الذي عهد به وخصوصاً إلى الكوفة التي كانت موضع (٣) فقيه وما أطنب مالك في مسألة إطنابه في هذه فلقد سلك فيها طريق الجدال وأكثر من الأسئلة والأجوية وأفاض في ضرب الأمثال والتفريق بين مثال ومثال وتحقيق الفرق بين الأصول والتوابع وأظهر له في ذلك علم عظيم من الأصول والأحكام به تفقهت جميع الطوائف. فأما متعلق الخصم في أسقاط الشاهد واليمين فظاهر البداية قال الله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (٤) وقال النبي ﷺ : (شاهداك أو يمينه) (٥) وهذا مما لا غبار عليه قرآناً وخبراً ونحن لا ننكر هذا ولكنا ندعي زيادة فعلينا الدليل وقبل أن نخوض فيه نجادل أبا حنيفة مجادلة حاقة (٦) فنقول إنك ذكرت وأصحابك إن الله ورسوله ذكرا الشاهد ولم يذكرا الشاهد واليمين فمثبتها مدع وزائد على الله ورسوله ما لم يقولا. قلنا له خفض عليك أبا حنيفة فقد جئت بأعظم من هذا فقلت إنه إذا ادعى زيد على عمرو حقاً فأنكره عمرو ولم تكن لزيد بينة فإن اليمين تجب على عمرو وتبقى الدعوى فإن حلف برأ وإن نكل قلت أنت يغرم المدعي بنكوله فجعلت النكول حجة فوجب القضاء على الشاهدين اللذين

стр. 886

أمر الله بهما ورسوله هذا وعندك أن الزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن لا يجوز إلا بقرآن مثله (١) أو بخبر متواتر فأما نسخه بالقياس فلا يجوز إجماعاً ولا يمكنه بعد هذه المجادلة ممانعة وأما نحن قلنا في ذلك ثلاثة طرائق: الطريقة الأولى وهي أقواها إجماع أهل المدينة على نقل ذلك سنة عن النبي ﷺ وعن الخلفاء بعده وهذا لا غبار عليه ومهما اختلف الناس في طريق أهل المدينة من طريق النظر فليس يقدر أحد على اعتراض ما يجمعون على نقله من طريق الأثر. الطريقة الثانية: سرد الأحاديث الواردة في ذلك وقد رويت في ذلك أحاديث كثيرة في المصنفات وفي المسندات وجمع في ذلك الدارقطني وأبو بكر البغدادي جزئين عظيمين خرجا فيهما هذا الحديث عن بضعة عشر من الصحابة بأسانيد كثيرة وروى مسلم والأئمة أن النبى ﷺ (قضى باليمين مع الشاهد الواحد) (٢) قال الترمذي يمين وشاهد (٣) خرج الدارقطني عن علي وغيره بالشاهد مع يمين الطالب (٤) وروي بالشاهد مع يمين صاحب

стр. 887

الحق (١) ورووا أن الزبير (٢) خاصم رجلاً عند النبى ﷺ في حق فأنكر الزبير فسأل النبي ﷺ الزبير البينة على ما ادعاه فقال عندي سمرة بن جندب (٣) ورجل آخر فأما سمرة فلم يشهد وأما ذلك الرجل الآخر فشهد فحلّف النبي ﷺ الزبير وأثبت حقه (٤). الطريقة الثالثة: وهي معنوية قال علماؤنا قال النبي ﷺ : (لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) (٥) والحكمة في ذلك بينة فإن قول (٦) المتداعيين قد تعارضا وتساويا وليس قبول أحدهما أولى من

стр. 888

قبول الآخر فشرع الله الترجيح وبدأ فيه بجهة المدعي لأن الأصل براءة الذمة وفراغ الساحة فهي الحكم على الأصل وقيل لمدعي الشغل بيّن ما تقول فإن الإصابة قد رجحت جانب (١) المنكر عليك وإنما شرعت اليمين لنفي التجويز فإن جاء المدعي بالبينة فقد ترجحت جهته فثبت حقه فإن جاء بشاهد واحد وهو مجز الخلاف قيل للمنكر إن اليمين إنما أعطيتها لترجيح جنبتك والشاهد العدل قد رجح جنبة المدعي فينقل اليمين إليه ولهذا نقلناها إليه بالنكول لما ترجحت جهته على الناكل (٢) والشفاء في هذه المسألة مذكور في التلخيص فلينظر هنالك. تنزيل قال علماؤنا لا يكون الشاهد واليمين إلا في الأموال وما جرى مجراها (٣) لأن النبي ﷺ إنما قضى به فيها ولم يفد القوة التي تراق بها الدماء وتقام بها الحدود فإن هذه معاني تسقط بالشبهة والشبهة بالشاهد واليمين قائمة فاقتصر بها على موردها وهي الأموال وقد رام أصخاب أبي حنيفة أن يتناولوا أحاديثنا فقالوا إن قوله قضى باليمين مع الشاهد معناه قضى بيمين المنكر (٤) مع وجود شاهد المدعي ولم يلتفت إليه (٥) قلنا هذا فاسد من ثلاثة أوجه: أحدها أنه جهل بلغة العرب فإن المعية تقتضي الاشتراك والتسوية. الثاني أن هذا زيادة محذوف يدعوف يزيد على نص الحديث وليس من الفصاحة أن يزيد المحذوف على المنطوق. الثالث أن سائر الأحاديث التي رويت فسرت تنزيل الشهادة واليمين حسب ما قدمناه. استدراك قال مالك ﵁ في هذا الباب: ومن الناس من يقول لا يكون اليمين مع

стр. 889

الشاهد الواحد (١) إلى قوله ففي هذا بيان إن شاء الله وذلك من احتجاجه غير صحيح وهو أيضاً صحيح. فأما عدم صحته ففي قوله إن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق قال وهذا مما لا خلاف فيه عند أحد من الناس ولا في بلد من البلدان فهذه مسألة لم يختلف الناس في شيء أكثر من اختلافهم فيها فإن أبا حنيفة وأهل الكوفة الذين ير. عليهم بما ذكر من الحجاج وبالغ في الرد وأتقن بالتأصيل والتفصيل، يقولون لا يرد اليمين بحال على صاحب الحق ولكنه يقضي بالنكول (٢) وقد تقدم "بيانه" (٣) وأما صحته ففي إنكاره عليه أن هذا الذي قال ليس في كتاب الله فإذا أثبته وليس في كتاب الله بالنظر فليقر باليمين مع الشاهد فإنه مثله حسب ما قررناه في الطريقة المعنوية. مسألة أصولية قال مالك: وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من السنة (٤) ولكن المرء قد يحب أن يعرف وجه الصواب وموقع الحجة إشارة إلى مسألة أصوليه بديعة وهي أن القول من الله ورسوله إذا وعاه المكلف تعين عليه الإقرار به واعتقاده على صفته من أي قسم من أقسام التكليف كان ويتميز بعد ذلك المجتهد عن كل مكلف سواه بأن يلحظ معناه من كل وجه يراه فإن فهم معناه عداه وإلا استقر الحكم في محله خاصة ولم يلحق به سواه ولا يقف دون النظر بأول وهلة حتى يعجز بعد البحث والاجتهاد والله أعلم. القضاء في الدعوى قد تقدم من قولنا التصدير بالأحاديث الواردة فيها كقول النبي ﷺ : (البينة على

стр. 890

المدعي واليمين على من أنكر) وقال ﷺ : (شاهداك أو يمينه)، وروى مسلم في صحيحه (اليمين على نية المستحلف) (١) وفي لفظ آخر: (على ما يصدقك فيه صاحبك) (٢). فأما البينة فهي لإثبات الحق وأما اليمين فهي لرفع التهمة ورفع النزاع بين المتخاصمين فاستمدت من أصلين المصلحة والتهمة حسب ما بيناه في البيوع ووفى هذه القاعدة مالك رحمة الله عليه وحده حقها دون سائر العلماء فقال: إن اليمين لا توجه لمجرد الدعوى حتى تقترن بها شبهة وذلك مستمد من قاعدة صيانة الأعراض لأن الرجل يدعي على الرجل ليونة باليمين وصيانة العرض على الحقيقة والتهمة واجبة كما هي في الدم والمال ولهذا تفطن عمر بن عبد العزيز وخص بذلك زمانه (٣) لأنه كان ابتداء الفساد بذهاب المروءات وكثرة الحرص والجشع فإذا وجدت الخلطة قويت التهمة (٤) ومن تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن وقد قال علماؤنا إن التهمة لم يعرف لها انفصال ذكره ابن حبيب وهذا تقصير بما أحله مالك في الموطأ فإنه قال: "إن كانت بينهما مخالطة أو ملابسة" (٥) فالمخالطة هي الاجتماع والتآلف والملابسة هي الالتزام والتشبث ولذلك قال علماؤنا إن أهل السوق لا يراعى فيهم ذلك لأن الخلطة بينهم موجودة والملابسة فيهم مظنونة ظناً غالباً. وقال بعض علمائنا الاجتماع في المسجد خلطة وأنكره بعضهم لأن ذلك إنما هو موطن دين والأول أقوى وقد بينا ذلك في كتاب المسائل. ما جاء في الحنث علي منبر النبي ﷺ (٦): قال النبي ﷺ في صحيح الخبر من (الكبائر الإشراك بالله واليمين الغموس) (٧) .......................................

стр. 891

................... وقال: (من حلف على منبري" (١) الحديث وقال: (من اقتطع حق امرىء مسلم حرم الله عليه الجنة) (٢) الحديث. اعلموا علمكم الله أن الآثام في الآخرة تتضاعف بتضاعف الحرمات في الدنيا وتتعدد بتعددها بخلاف أحكام الدنيا فإن الحرمات لا تتضاعف بتضاعف الأسباب ولا تتعدد بتعددها كالحائض المحرمة الصائمة فالكذب حرام كبيرة (٣) فإن اتصلت بقطع حق امرىء مسلم تضاعفت فإن كانت بعد العصر زادت فإن كان على منبر النبي ﷺ وهو روضة من رياض الجنة (٤) لم يأمن أن يكون ذلك قطعاً لخطه منها ويقال له إنك لا تدخل موضعاً عصيت فيه وآيات الوعيد وأخباره كثيرة وهي بإجماع من الأمة من المتشابه الذي نبأنا الله عنه في قوله ﴿وأخر مشابهات﴾ (٥) الذي لا يتبعه إلا زائغ القلب وفيها ثلاثة مذاهب طائفة حققتها أولاهم الخوارج (٦) ونسجت على منوالها القدرية (٧) وطائفة (أسقطتها وهم المرجئة (٨) وقالت كما لا ينفع مع الشرك عمل لا يضر مع الإسلام (٩) ذنب) وطائفة توقفت وقالت أمر ذلك إلى الله تعالى إن شاء عفا وإن شاء

стр. 892

أخذ فأما الطائفة الأولى الوعيدية فقد تعلقت بظواهر الآيات والآثار وهذا هو الذي دعا سالفة علمائنا المتكلمين رحمة الله عليهم إلى انكار العموم وقد بينا القول بصحته وأنه لا يحتاج إلى ذلك معهم فإن الحق ظاهر والأدلة بيّنه وحمل التقصير كثيراً من علمائنا على أن يقولوا أن الله تعالى لا ينفذ وعيده فإن ترك إنفاذ الوعيد من مكارم الأخلاق. قال الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إبعادي ومنجز موعدي (١) وقد بيّنا أن ذلك إنما يتصور في المخلوق الذي يجوز له الكذب بعذر ويتصور منه على الإطلاق فأما الصادق الواجب الصدق فلا يجوز أن يقع مخبره بخلاف خبره ويتعالى الباري عن الأخلاق الذميمة وإنما له الصفات العلية ومنها الصدق في الكلام لكن الآيات والأخبار وإن جاءت بإطلاق القول في الوعيد فقد جاءت أخر بإطلاق القول في الوعد كقول النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله حرمه الله على النار) (٢) وبهذا تعلقت المرجئة. وكقوله (إن بغياً من بني إسرائيل مرت بكلب يأكل الثرى من العطش فنزعت موقها وسقته من ركية (٣) فغفر الله لها) (٤). وههنا نكت كثيرة بيانها في موضعها لا يخفى عليكم الآن منها نكتة بديعة وهي أن الباري تعالى رحيم شديد العقاب فلا بد أن يأخذ كل حكم من أحكام الصفتين جزءاً من الخلق تتحقق فيه الصفة وكذلك هو غفور منتقم فلا بد أن يكون للمغفرة جزء معلوم من الخلق وللإنتقام جزء معلوم وتحقيق ذلك الشفاعة فمن نظر إلى صفة من صفات الباري جل وعز وآمن بها وترك البواقي لا يكون مؤمناً بالله وكذلك من نظر إلى أخبار الوعد دون أخبار

стр. 893

الوعيد لا يكون عارفا بحكم الله وإنما ينبغي لك أن تعرض بعضها على بعض وترد البنت منها إلى الأم (١) وبالجملة فآخر الحال أن إثبات الشفاعة لمحمد ﷺ فيها تحقيق الوعد والوعيد وإن المرجئة لا ترى لمحمد ﷺ شفاعة لأن لا إله إلّا الله تغني عنها والخواج والقدرية لا تراها أيضاً لأن الخلود عندهما يمنع منها فالحمد لله الذي وفق عصابة الحق للإقرار بحق الله والعلم بصفات الله والاعتراف بمنزلة رسول الله ﷺ . إذا ثبت هذا فقوله (فليتبوأ مقعده من النار) مطلق مقيد بالمغفرة وقوله في الحديث الثاني (حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار) عموم عارضه (من كان آخر كلامه لا إله إلّا الله حرم الله عليه النار) فتقابل الخبران يوجب الرجوع إلى الآية المحكمة ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٢) الآية فهي أم الوعد والوعيد ووجب النظر إلى الشفاعة وإلى هذا المعنى أشار بعض الناس في قوله في هذا الحديث ونظائره معناه حرم الله عليه النار في وقت دون وقت وفرّ بعض علمائنا إلى أن قال إن معنى ذلك إذا كان مستحلاً فرده إلى الكفر وهذا رجوع منهم إلى قول المبتدعة من حيث لا يشعروا على ما بيناه في موضعه وإسقاط لأحكام المذنبين وإخراج لهم عن القرآن والسنة وذلك باطل قطعاً. فقه اختلف العلماء في كيفية اليمين وفي موضعها فقال الشافعي تغلظ اليمين بالألفاظ العشرة (٣) وقال بعض أصحابنا تغلظ اليمين بالله الذي لا إله إلّا هو (٤) فأما قول أصحاب الشافعي في الألفاظ العشرة فدعوى عريضة لأن منها ما ليس من أسمائه الحسنى وهو قوله الطالب ونحوه وإن كان التحليف بأسمائه الحسنى فما معنى عشرة دون تسعة وتسعين هذا تحكم وأما من زاد من أصحابنا الذي لا إله إلا هو فله وجه لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (يا معشر اليهود والذي لا إله إلّا هو لتعلمون أني رسول الله) (٥).

стр. 894

وأما الصحيح من المذهب فقوله بالله خاصة لقوله تعالى: ﴿فيقسمان بالله﴾ (١) وقوله ﴿بالله إنه لمن الصادقين﴾ (٢) ولقول النبي ﷺ (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (٣) ولقوله (والله إن شاء الله) (٤) وأما تأكيده ﷺ بيمينه في موضع وقوله في آخر (والذي نفسي بيده) (٥) ونحو ذلك فإنما هو لتعليم الخلق التصرف في ذكر الله سبحانه بجميع صفاته العلى وأسمائه الحسنى. وأما موضعها فقال الشافعي حيث تجب وقال علماؤنا موضعها في اليسير حيث وجبت وموضعها في الكثير موضع التعظيم وهو المسجد قالوا وهذا منتزع من قول النبي ﷺ (من حلف على منبري) فمعناه في الحقوق التي يلجأ إليها إذ ليس موضع حلف الناس ابتداء على الإطلاق فمن ههنا أخذت المسألة وبوب مالك بعد هذا عليها (٦) وأدخل حديث قضاء مروان على زيد واستسلام زيد لذلك لكونه أمراً مشهوراً عندهم ولو كان الحكم كما قال الشافعي من اقتضاء اليمين حيث وجبَت لما استسلم إلى ذلك زيد ولأنكر عليه ابتداء مروان له وقد قال علماؤنا تغلظ بالزمان في غليظ الأحكام كاللعان فيقصد به بعد الصلاة وأشهرها العصر (٧) وقد اختلف في صحيح الحديث في الصلاة التي قضى

стр. 895

النبي ﷺ على المتلاعنين باليمين بعدها هل هي الظهر أو العصر وأصح الروايتين سنداً أنها العصر (١) وهي أقواها نظراً لأن الوقت بعد العصر أعظم من الوقت بعد الظهر لأنه وقت تجتمع فيه الملائكة المتعاقبة بالليل والنهار الذين يكتبون أعمال العباد فإن كتبها أهل النهار كانت خاتمة صحيفة كبيرة وإن كتبها ملائكة الليل كان افتتاح صحيفة كبيرة وإن كتباها معاً كان اختتام الأولى وافتتاح الثانية شيئاً عظيماً وما بعده أعظم منه إلا إن عفا الله عنه.

стр. 896

كتاب الرهون ما لا يجوز من غلق الرهن: الرهن مصلحة من مصالح الخلق شرعها الله تعالى لمن لم يرض بذمة صاحبه الذي عامله وفائدته التوثق للخلق مخافة ما يطرأ عليهم من التعذر قال الله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ (١) فظن قوم أن ذلك مخصوص بالسفر وإنما خرج الكلام في ذكر السفر مخرج سبب الحاجة وموضعها لا أنه شرط فيها والدليل على صحة ذلك ما روى الأئمة في الصحيح وغيره من أن النبي ﷺ (ابتاع بالمدينة من يهودي شعيراً إلى أجل ورهنه درعه) (٢) واختلف الناس في قول الله تعالى ﴿فرهان مقبوضة﴾ فجعل القبض شرطاً في الرهن في موضعين. أحدهما: أنه لا يكون رهناً حتى يقبض وحينئذٍ يكون له حكم الرهن. الثاني: إنه إذا قبض هل يلزم ذلك دائماً فيه فإن خرج عنه بطل أم يكفي له قبض أول العقد وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف وقلنا إن الصحيح دوام القبض واستمراره وهو الذي اختاره علماؤنا لأن الله جعله رهناً بصفة فإن اختلفت تلك الصفة خرج عما حكم الله به. حديث: أرسل مالك عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: لا يغلق الرهن) (٣) وليس في الرهن حديث صحيح إلا رهن النبي ﷺ عند اليهوي وما رواه

стр. 897

البخاري أن النبي ﷺ قال: (الرهن مركوب ومحلوب يركب بنفقته ويحلب بنفقته) (١) وهذا الحديث الذي أرسله مالك عن سعيد بن المسيب لاتفاق الفقهاء على القول به وإن اختلف في ذلك علماء الحديث وقد زاد الدارقطني في حديث سعيد وأسنده فقال عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يغلق الرهن من راهنه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه) (٢) وهذا يعارضه حديث البخاري بقوله: (الرهن محلوب ومركوب بنفقته) وقد اتفقت العلماء على أن منافع المرهون للراهن ليس للمرتهن فيها حق وإنما له حق الحبس والتوثق فأما منافعه فقال أبو حنيفة قولًا غريباً لا يشبه فطنته تبقى منافع الرهن عطلًا لا سبيل للمرتهن إليها لأنها ليست له ولا سبيل للراهن إليها لأن الرهن قد خزل عن يده وقال الشافعي يستوفي الراهن عند نفسه منافع الرهن لأن الرهن قد صح ولزم بالفبض الأول فلا يحتاج إلى الاستدامة فأما قول أبي حنيفة فخالف الحديث والأصول والنظر أما الحديث فمن ثلاثة أوحه: أحدها: وهي القاعدة أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال. وأما الثاني: فما روى البخاري من أن الرهن محلوب ومركوب وهذا يناقض قوله إن الرهن عطل. وأما الحديث الثالث: فهو قوله (له غنمه وعليه غرمه) وأما الأصول فكل مالك أحق بملكه وكل ذي حق لا يحال بينه وبين حقه في مسائل الشريعة كلها وأما النظر فليس من المصلحة للخلق ولا من شكر نعم الخالق أن تترك النعم سدى حتى تقوى (٣) وأما قول الشافعي إن الرهن يرجع إلى صاحبه ففي ذلك إبطال لحق المرتهن أو تغرير به أو تعريضه للآفات وذلك لا يجوز والصحيح ما قاله مالك من أن المنافع تبقى في يد المرتهن مع الأصل

стр. 898

فإن شاء الراهن أن يستوفيها تحت يد المرتهن استوفاها وإن شاء أن ينيب من يستوفيها له فعلى هذا يصل كل ذي مالك إلى ملكه ويبقى كل حق محفوظ على صاحبه. وأما قوله (الرهن محلوب ومركوب) فهو إشارة إلى ما قلنا من أن المنافع لا تبقى معطلة. وأما قوله (يركب بنفقته ويحلب بنفقته) فإن ذلك محمول على عادة كانت عندهم أو على تراضٍ بذلك من المتراهنين فإما أن يأخذ ذلك المرتهن بشرع فلا يصح فإنه كان يكون زيادة في حقه وأخذ مال الراهن بغير رضاه وأما قوله (لا يغلق الرهن) فإن معناه لا يذهب هدراً قال العربي: وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الراهن قد غلقا (١) ففسر الغلق وهو ذهابه بغير شيء وفواته من غير جبر وفي ذلك أحوال: الحالة الأولى: ما فسره مالك. الحالة الثانية: أن يموت الرهن عند المرتهن أو يتلف بوجه من وجوه التلف فقال الشافعي يذهب هدراً ويأخذ صاحب الحق حقه وقال أبو حنيفة يقاصه بقيمته من الدين ولمالك قولان: أحدهما: الفرق بين أن يكون مما يغاب عليه أو ما لا يغاب عليه فإن كان مما يغاب عليه كان كما قال أبو حنيفة وإن كان مما لا يغاب عليه كان كما قال الشافعي. القول الثاني: أن الحكم فيه كما قال أبو حنيفة في كل حال، زاد مالك إلا أن تقوم بينة على تلفه من غير جهة المرتهن فإنه يكون من الراهن وفي مسألة عظيمة أخذت شبهاً من الأمانات لأنه قبضه بإذن صاحبه وأشبهت المستام من جهة أنه قبضه على جهة المعاوضة ومن حكم الفرع إذا تجاذبه أصلان أن يوفر عليه من حكم كل واحد منهما ولأجله قال مالك مرة إنه أمانة وقال أخرى إنه مضمون وقال الحال فيه أنه أمانة عنده لأنه لم يقبضه على العوضية وإنما قبضه على التوثق من الأمانات والدين مسفر في الذمة بخلاف المستام فإنه قبضه على معنى الاعتياض فحقق ذلك فيه ومن غلق الرهن مسألة إعتاق الراهن فإن علماء الإِسلام اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه مردود قاله الشافعي. الثاني: أنه نافذ قاله أبو حنيفة. الثالث: أنه ينفذ إن كان موسراً ويرد إن كان معسراً قاله مالك والمسألة مشكلة إلا أن كلام مالك يظهر فيها مع الاعتبار جداً لأنه من غلق الرهن والصحيح في اشتقاقه أن يذهب

стр. 899

باطلا لقول الشاعر: وفارقتك برهن لا فكاك له. فهو الذي قد قال فيه قد غلق ويكون حينئذ الهلاك من جهة الراهن وكما لا يغلق الرهن على الراهن فأولى وأحرى ألا يغلق الرهن على المرتهن وأما الشافعي فقال إن الرهن حق يتعلق باليد والعتق حق يتعلق بالملك فمحل العتق غير محل الرهن قلنا له ولكنه يبطله وكل ما أدى إلى بطلانه فإنه يبطل في نفسه وهذا فصل عسر لا يستقيم على أصولنا لأن مالكاً قد قال في عدة مسائل إنه ينفذ العتق من الموسر ومن المعسر وإن أدي إلى إبطال حق الغير فإذا طولب بالفرق لم يقدر عليه ويؤول الكلام إلى تشعيب في الفروع وتشعيب في الأصول أو لعله إلى أن يحكم على الراهن بأداء المال يذهب ماله وليس العتق بضربة لازب (١) حتى يستحيل رده شرعاً فكم من عتق نقض وكم من أم ولد ردت في المبيع والصحيح عندي أن عتق الراهن لا ينفذ إلا أن يؤدي المال وإذا حصل في يد المرتهن حينئذ يحكم عليه بنفوذ العتق ويكون في أثناء ذلك موقوفاً والعجب من علمائنا الذين يريدون أن يضعفوا الرهن ويبطلوه بالعتق وهو عندنا حق ثابت يسري إلى الولد كما يسري العتق والشافعي يقول لا يسري إلى الولد ولذلك رده والدليل على صحة سرايته إنه حق ثبت في رقبة الأم فيسري إلى الولد كالاستيلاد ومسائل الرهن في التفريع كثيرة وموضعها قد بينت فيه. القول في كراء الدابة والتعدي فيها (٢): بوب على كراء الدواب والرواحل ولم يرد لها في الحديث أصل سوى أني وجدت إشارتين إحداهما أقوى من الأخرى. أما الأولى فهي الحديث الصحيح عن عائشة "واستأجرا رجلاً من بني الديل يقال له ابن الأريقط ودفعا إليه راحلتهما وراعداه في غار ثور صبح ثلاث" (٣) فقد أخذت الدابة ههنا حظاً من الكراء. وأما الثاني وهو أقوى فحديث جابر "باع النبي ﷺ جملاً واشترط ظهره إلى المدينة" (٤) وهذا ظاهر في أن الاستثناء قد وقع له جزء من الثمن فأما قوله التعدي فيها فإن

стр. 900

العدوان باب عظيم تصرفت فيه الشريعة بالبيان وتعلقت به من الأفعال أحكام قال النبي ﷺ : (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) (١) الحديث وإذا وقع التعدي فيها فللشرع على المتعدي حكمان: أحدهما حكم زجر كالضرب والقتل. الثاني: حكم جبر كالقيمة والدية وفي الجبر زجر لأنه ينقض بملك المتعدي وليس في الزجر جبر ولكن فيه حفظ واستيفاء عنه وقع البيان بقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (٢) ولأجل ذلك شرف الله هذه الأمة على سائر الأمم فإن القصاص زاجر في كل أمة وخصت هذه الأمة بالدية جبراً وجعل الله الولي بالخيار من أن يقبل الدية أو يقتل وهذا هو الصحيح. ومن النكت الغريبة في هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يذكر فيه الفروج ولكنها دخلت في الأعراض فاستوعب هذا الحديث محارم الشريعة فأما الرجم فيكون بما تقدم من القتل والضرب وأما الجبر فيكون بالمثل وهو على قسمين مثل في الصورة ومثل في المالية فأما المثل من جهة المالية فقد عينها الله في القيمة من النقدين أو ما جرى مجراهما بالعرف وأما المثل من طريق الصورة فما يشاهد وذلك في المكيل والموزون أما إنه قد يشذ من ذلك شيء في التفريع كمسألة الغزل فإن العلماء اختلفوا فيها هل هي من ذوات الأمثال أو من ذوات القيم والصحيح أنها من ذوات القيم فإن ضبط القاعدة أوكد من النظر في الفروع أو من مراعاة الرجال فإن قيل فكيف تصنعون بما في الحديث الصحيح من أن النبي ﷺ كان في بيت بعض نسائه فأهدت إليه إحدى أمهات المؤمنين قصعة فيها طعام فضربت التي هو في بيتها يد الخادم فوقعت القصعة فانكسرت فقال النبي ﷺ : (غارت أمكم وجعل يجمع الطعام ويقول: كلوا فأكلوا وأخذ قصعة التي هو في بيتها وأرسلها إلى التي كسرت قصعتها) (٣) قلنا هذا الأمر جرى للنبي ﷺ مرتين إحداهما: كانت أم سلمة أهدت إلى

стр. 901

النبي ﷺ وهو في بيت عائشة خرجه النسائي (١). الثانية: أن التي أهدت كانت زينب فقالت عائشة (٢) للنبي ﷺ ما كفارة ما صنعت قال: (إناء بإناء وطعام بطعام) (٣). خرجه مسلم واختلاف المهدي دليل على إنها كانت حالتين وكانت دار النبي ﷺ وأوانيه والكل له وإنما الكلام في المشاحة بين المتنازعين وطلب المثل على التحقيق عند الاختلاف وذلك لا يكون إلا بالمعيار الشرعي وقيل وإنما كان ذلك في القصعة لحقارتها وأن القيمة في ذلك لا تكاد تختلف بخلاف الأثواب، والدواب فإنها لا تكاد تتفق وتكثر قيمتها أما انه قد روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال في كلب الزرع فرق من طعام وفي كلب الغنم شاة وفي كلب الصيد كذا درهماً وفي كلب الدار فرق من تراب عليك أن تحمله وعليه أن يأخذه وهذا الحديث ضعيف في السند (٤) فلا يلتفت إليه (٥). مرجع: فإذا أكرى (٦) دابة فتعدى فالفروع كثيرة كما قدمناه ولكن جملة الحال ترجع إلى أصل

стр. 902

وهو أن الشافعي يقول على المتعدي قيمة ما أفسد بالغاً ما بلغ قليلاً كان أوكثيراً ولا يسقط حق المالك عن العين المملوكة بالتعدي ولو بقي منها قيمة حبة بل يحكم بردها إلى مالكها بجميع قيمتها غير تلك الحبة، وقال مالك وأبو حنيفة إذا ذهب المعظم من المنفعة فعلى المتعدي جميع القيمة ويكون لرب الدابة أو السلعة أو العبد ويكون ذلك كله للمتعدي وكأنها معاوضة قهرية وينشأ هنالك فروع تتعارض فيها الأدلة فحكم مالك فيها للمالك بالتخيير وقد بينا في مسائل الخلاف هذه المآخذ والأقوى عندي فيها مذهب الشافعي. تتميم: قال علماؤنا رحمة الله عليهم إذا غصب الفرج وجبت عليه قيمته لأن ما ضمن بالثمن في الصحيح من العقود وبالمثل في الفاسد ضمن في الإتلاف أصله الأعيان ولا تستمر لنا هذه المسألة مع أبي حنيفة وأهل الكوفة إلا بعد القول بأن منافع الرقاب مضمونة بالإتلاف وفيها خمسة أقوال والصحيح منها أن المنافع مال وأنها مضمونة سواء تلفت تحت اليد العادية أو أتلفها المتعدي قال أبو حنيفة منافع البضع لا تتقوم وليس المهر في النكاح بمثل لها قلنا لو كان هذا صحيحاً لما ضمنت بالمثل في الفاسد فإن قيل ذلك لشبهة العقد قلنا إذا ضمنت بالاستيفاء بالشبهة فأولى وأحرى أن تضمن بالإتلاف في التعيين وقد بيناها في مسائل الخلاف فإنها من المطولات وهذه المسألة لا تتصور إلا بأحد ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إن ثبت الزنا غصباً فيرجم ويغرم أو يجلد ويغرم. الوجه الثانى: إن ثبت ذلك بالإقرار وهذان متفق عليهما بين العلماء. الوجه الثالث: انفرد به مالك وهو أن يشهد به شاهدان أنه احتملها قسراً حتى أدخلها داره ثم خرجت فقالت وطئني قال العلماء تؤدب أدباً عظيماً وتحد هي حد القذف وتحد في تفسها حد الزنا كيف ما كانت صفتها وقال مالك تصدق مع يمينها ويغرم المهر وهذا ينبني على قاعدة المصلحة فإنه لا يصح إن يدخل الدار قسراً ثم يظهر بها حمل فترجم أبداً ولا بد أن تقول إنه من فلان وقد ظهر في الحال ما شهد لها وقد أوجب ذلك على نفسه تصديقها فيما يكون من حقوقها ومن حقوقها المهر وليس يكون المدعي بأضعف من احتمال المرأة قسراً إلى الدار فإن لم تقم على ذلك بيِّنة فقد زاد مالك وأصحابه إذا جاءت به متعلقة وهو رجل صالح وهي لا تدمى عليها الحد فإن كانت تدمى وهو رجل صالح "لا حد عليها في الصحيح عندي وإن كان متهماً وهي تدمى أو لا تدمى ففي ذلك تفصيل كثير أصحه أنها إن

стр. 903

كانت تدمى فعليه الصداق والعقوبة" (١) وإن كانت لا تدمى فليس ينبغي أن يكون عليه الصداق والعقوية إلا على الحالة الأولى القضاء فيمن ارتد عن الإسلام ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (٢) من كل طريق وهذا عام في كل مبدل لقوله من وهي من ألفاظ العموم وقد شهدت القاعدة له بالاستمرار على الشمول فلذلك قلنا إن المرأة إذا ارتدت تقتل وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تقتل لأن عاصمها معها وهو الأنوثة ألا ترى أنها لم تكن تقتل في الكفر الأصلي فكذلك في الطارىء قلنا قد حققنا هذه المسألة في التلخيص وغيره وبيّنا أن عاصمها ليس الأنوثة وإنما عاصمها في الأصل أنها مال يسترق وقد بطل ذلك بالردة (٣) فإن قيل هذا الحديث لا حجة فيه لأنه راويه ابن عباس وكان يفتي بأن المرأة لا تقتل (٤) والراوي إذا أفتى بخلاف ما روى سقطت روايته (٥) قلنا هذا سؤال فاسد لأنهم بنوه على مذهبهم وعندنا أن الراوي في مخالفته روايته كسائر الناس وهي مسألة أصولية بيانها في موضعها وقد أوضحناها في كتب الخلاف وبيّنا أنهم قد نقضوا هذا الأصل وأخذوا بمسائل افتى فيها الراوي بخلاف ما روى فلتطلب هنالك وتعلق الشافعي بعموم هذا الحديث فيمن خرج عن دين اليهودية إلى دين النصرانية فقال إنه يقتل أخذاً بعموم

стр. 904

الحديث (١) قلنا إنما معنى الحديث من بدل دينه الحق لم يرد سواه والدليل عليه أنه لو رجع الإنسان من النصرانية إلى الإِسلام لم يقتل وإن كان بدل دينه لأنه بدل دينه الباطل ونحن لم نعاهدهم على صحة دينهم إنما عاهدناهم ألا نعرض لهم ألا ترى أنه لو عاد اليهودي نصطورياً (٢) لم يعرض له وقد زل بعض علمائنا فيها فوافق الشافعي فيها وليس بشيء فلا يلتفت إليه وهل تجب الاستتابة أم لا؟ اختلف العلماء فيها اختلافاً كثيراً فمنهم من تعلق بمطلق الحديث ومنهم من تعلق بقول عمر (٣) وإنه ليظهر فيها الاستحباب فأما الإيجاب فيعجز دليله لأن معاذاً وأبا موسى خالفا عمر وسائر الصحابة فمنهم من سكت ومنهم خالف فتنقطع الحجة ولا يبقى إلا ما يظهر من المعنى وهو أنه يستتاب لعله قد ارتد بشبهة فيبين فإن عاد وإلا قتل وهذا الاحتمال إنما يسقط بالاستحباب وليس بقوي (٤). القضاء فيمن وجد مع امرأته رجلاً هي نازلة عظيمة سأل عنها سعد بن عبادة رسول الله ﷺ فأجابه الجواب المعروف (٥) قال علماؤنا إذا نازعه في الخروج عن داره فقطع

стр. 905

يده كانت هدراً ونص عليه ابن الماجشون فإن نازعه فقتله قال ابن الماجشون يقتل إن كان بكراً وإن كان ثيباً لم يقتل واختلفوا في الدية فقال ابن عبد الحكم لا شيء عليه وقال سائر أصحابنا فيه الدية واختلفوا فقال أصبغ خاصة هي في ماله والصحيح عندي أنه إذا لم يقتل فلا دية له فإنه قتل عمد وليس بقتل خطأ وإنما تكون الدية بقتل الخطأ أما إن مالكاً انفرد بشبهة العمد فتكون هذه المسألة محمولة عليه لأنه قصد الدفع ولم يقصد القتل ولست أرى شبهة العمد وسنبينه في موضعه إن شاء الله. نكتة أصولية قول سعد بن عبادة للنبي ﷺ أأمهله، قال: نعم، مشكل معضل لأنه يوهم بظاهره ترك الزاني مع الزنا وتمكينه منه وذلك لا يليق بذوي المروءات ولا يجوز على الأنبياء التقرير على المعاصي وهو حديث انفرد به سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وهي ترجمة لم يدخل البخاري منها شيئاً مع إدخال مالك لها أما إن البخاري ذكر منها في الاستشهاد أحاديث يذكر الحديث من أصله ثم يقول ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فيورده متابعة لا أصلاً وأدخله مسلم أيضاً أصلاً فذكر حديث مالك بلفظه ثم أدخله من طريق عبد العزيز محمد الدراوردي عن سهيل قال فيه رسول الله ﷺ أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله؟ قال سعد: بلى والذي أكرمك بالحق قال النبي ﷺ : (انظروا إلى ما يقول سيدكم) وأدخله أيضاً من طريق سليمان بن بلال عن سهيل به قال فيه لو وجدت مع امرأتي رجلاً لم أمسه حتى آتي بأربعة شهود، قال رسول الله ﷺ نعم، قال: كلا، والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف. قال البرقاني (١) لمعالجة بالسيف وقال

стр. 906

الجوزقاني (١): لأعالجه قال رسول الله ﷺ : (انظروا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير منا) وهذه المراجعة من سعد لرسول الله ﷺ لم تكن على معنى الرد وإنما رجا بها التثبت في المراجعة وطلب المخرج لعل الله أن يفتح فيه فكان سؤالًا مكرراً لا رداً لقول النبي ﷺ ولا بآياته كما روي عن هلال بن أمية في حديثه الذي منه أنه قال لرسول الله الرجل يجد مع امرأته رجلاً إن تكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ، فدعا له رسول الله ﷺ بالفرج والفتح فهذا وجه كلام سعد فأما قول النبي ﷺ نعم وهو أشكل وأعظم فإنه بيان لشرع وإيضاح لحكم وذلك أن لكلام سعد الذي أجاب عنه بنعم جواب محذوف تقديره أأمهله حتى آتي بأربعة شهود أم أقتله فأقتل فكانت نازلة تقابل فيها حكمان أحدهما أن يمهل الرجل من ضره في أهله أو يدفع الضرر بتلف نفسه بأحد وجهين إما أن يقتله المضار وإما أن يقتل هو المضار فيقتل به فعلمه النبي ﷺ الترجيح وقال له إن الأرفق بكم والأولى أن يحتمل في الأهل الأذى ولا يؤثر الفرج على النفس فإنها فوقه فاختار سعد تقديم الفرج على النفس فقال النبي ﷺ متعجباً: (انظروا إلى ما يقول سيدكم) معناه أنه لعظيم الغيرة اختار احتمال الأشد من الضررين وليس ذلك بممتنع إذا كثرت الغيرة وغيرة الله كفه (٢) الخلق بقدرته لمن عصم عن الفواحش خصوصاً وبأمره ونهيه لكافة الخلق عموماً فعبّر عن الشيء بمقدمته ووصف بذلك نفسه تشريفاً للصفة وتعظيماً للحال وبعد أن انتهى القول إلى هذا المقام فلفظاعة النازلة ما اختلف الصحابة فيها فقال عمر دمه هدر (٣) لأنها حالة لا صبر فيها وقال علي ﵇ عليه القود وقال محمد بن عبد الحكم ان كان معروفاً

стр. 907

بالتشكي منه فدمه هدر وقال كما قدمنا عن علمائنا بأن عليه الدية في البكر الذي لا يستوجب القتل وهذا القتل ليس مقصوداً وإنما هو مدافعة أو اقتصاص وكأنه يشبها الغيلة فإن الرجل إذا أخذ نفس الرجل غيلة أو ماله استوجب القتل وكذلك إذا أخذ أهله غيلة كان أولى وأحرى أن يستوجب القتل ولا تراعى الثيوبة ولا البكارة ولهذا قال ابن القاسم إن دمه هدر وذلك والله أعلم من اختلاف العلماء قديماً وحديثاً إنما هو إذا قامت بينة على دخوله إلى داره وقتله فيها وأنا على شك من اشتراط القتل فيها فأدخل مالك حديث علي وهو الأصل والأشد فإذا ارتفعت البينة فقول مالك والله أعلم ما رواه عنه أصحابه (١). القضاء في المنبوذ (٢) أدخل مالك حديث سُنين (٣) ثم عقبه بأن قال الأمر عندنا أنه حر وإن ولاءه للمسلمين وقد روي عن مالك في ذلك روايتان: إحداهما قال أشهب إنما اتهمه عمر لأنه خشي أنه ولده جاء به ليفرض له من بيت المال وهذا الكلام عندي قاصر جداً لأن عمر كان في أصح قوليه وآخرها إذا ولد للرجل مولود فرض له من تلك الليلة فالرواية خطأ لا شك فيها وصوابه أن يقال اتهمه أن يكون جاء

стр. 908

به وليس بولده ليفرض له من بيت المال فيتولى هو الإنفاق عليه فيرتفق بذلك وفي مثل هذا نزلت ﴿وأن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ (١). والرواية الثانية قال مالك لو علمت أن عمر قاله لقلت إن ولاءه له. قال بعض الناس كيف وجه هذا الكلام من مالك يرويه ثم يشك فيه؟ قلنا قد قدمنا في كتاب النكاح الجواب على نحو هذا في قوله (حبلك على غاربك) والذي يخص هذا الموضع أن قوله ولك ولاؤه يحتمل (٢) أنه يريد به ولاية النسب التي العتق لحمة منها وكان الحلف في صدر الإِسلام سبباً من أسبابها (٣) ويحتمل أنه يريد به ولاية الكفاله فلما احتمل اللفظ المعنيين وقيل لمالك أيرثه قال لا قيل له فقد قال عمر ولك ولاؤه فقال لو علمت أنه قاله لقلت به (٤) يعني بقوله فإنه أراد المعنى الذي أردتم وهذا بين نفيس وأن القول هو المعنى القائم بالنفس على وفق العلم ومقتضى الإرادة وأما قول عمر هو حر (٥) فلا خلاف عليه لأن الأصل في الخلق الحرية حتى يثبت الرق والفقر حتى يثبت الغنى ولثبوته طرق منها بلوغ السعي والجهل حتى يقع العلم وهذا مشاهد والإِسلام بعد عموم الدعوة حتى يثبت الكفر وقد بينا هذه القواعد في كتب المسائل وبنينا عليها فروعها ولهذا قال أشهب إذا التقطه مسلم كان مسلماً على أي حال وقع الالتقاط وقال غيره المعول على الدار وإن كانت دار كفر فهو كافر وإن كانت دار اسلام فهو مسلم وهذا لأنه عارض الأصل ظاهر فرجح أشهب الأصل ورجح أصحابنا الظاهر لكن لابن القاسم لا أشهب وغلبه على نفسه بأن قال لو كان في القرية مسلمان أو ثلاثة كان الولد مسلماً فغلب الإسلام (٦).

стр. 909

القضاء في إلحاق الولد بأبيه ذكر مالك حديث عائشة في شأن عتبة وزمعة إلى قوله حتى لقي الله (١) وهو حديث عظيم وأصل في الشريعة قوي فائدته بياني النسب الذي جعله الله حكمة للخلق للتعارف ثم للتعاضد وأصله البعضية ولكنها لما كانت خفية نصب الله عليها للخلق علماً ظاهراً وهو الفراش على سنته في حكمته ولطفه بخليقته في وضع الأشياء الظاهرة علماً على المعاني الخفية التي تفرد بالإطلاع عليها دوننا وقد قدمنا لكم منها نظائركالحيض في براءة الرحم وصورة السفر في تحقيق المشقة التي رتب الله عليها الرخصة في القصر والفطر وخذوا مقدمة في صفة القضاء وصورة تناول القاضي للأحكام إذا حضر رجل عند القاضي وقال أنا وصي فلان وله حق عند هذا الإنسان أمر بإخراجه حتى يثبت العهد ولا يكلمه عن ميت حتى يثبت عهده عنده ولا عن حاضر حتى يثبت وكالة له ويثبت الوصي أو من طلب عن ميت موته وعدة ورثته فإن أثبت الموت دون الوراثة أو الوراثة دون الموت أمر القاضي بإخراجه حتى يثبت طريقه التي (٢) يسلك عليها إلى طلب حقه عنده عليها قال سعد "هذا ابن أخي عهد إلى فيه وقال الآخر هذا أخي وابن وليدة أبي" فيبدو للناقلين بظاهر هذا الكلام أن النبي ﷺ لم يلتفت إلى هذه الأصول وهي غفلة عظيمة فإن النبي ﷺ إنما سكت عنها لأحد وجهين: إما لأنه كان علمها وقضى بعلمه فيها على قول كثير من العلماء في قضاء القاضي بعلمه وإما أن يكون ﷺ قد ثبت ذلك عنده ولم تذكر عائشة من الحديث إلا فصوصه التي يحتاج إليها من صفة الدعوى وصورة القضاء دون شروطه التي لا يتم إلا بها وليست الأحكام مأخوذة من حديث واحد ولا الشروط ثابتة من طريق واحد بل بلفظ من الأدلة حتى تجمع للمجتهدين فتوضحها للطالبين (٣) إذا ثبت هذا فإن سعداً جاء إلى النبي ﷺ فقال له إن ابن وليدة زمعة

стр. 910

ابن أخي عتبة عهد إلي فيه فادعاه سعد عن أخيه لنسب في الجاهلية فأثبته النبي ﷺ بنسب في الإسلام وهو الفراش والسبب الذي ادعاه به عتبة في الجاهلية كان زنا وكانت الجأهلية تثبت أنسابها بالزنا كما تثبتها بالنكاح على ما مهدناه في حديث عائشة في صفة نكاح الجاهلية الأربع التي تقدم ذكر الحديث عنها بما في كتاب النكاح ولذلك كان عمر بن الخطاب يليط أولاد الجاهدية بالدعوى في الإِسلام هذا إذا لم يكن معارض (١) فإن كان معارض فذلك مذكور في المسائل وقد قال بذلك علماؤنا ونصوا على أنفسهم وعن مالك أن من التاط في الإِسلام ولد من زنا في الجاهلية لاذ به وثبت نسبه معه رواه ابن القاسم وابن كنانة وغيرهما. عارضة: ألحق معاوية زياداً (٢) وأخذ الناس عليه في ذلك وأي أخذ عليه فيه إن كان سمع ذلك من أبيه وأي عار على أبي سفيان في أن يليط (٣) بنفسه ولد زنا كان في الجاهلية فمعلوم أن سمية لم تكن لأبي سفيان كما لم تكن وليدة زمعة لعتبة لكن كان لعتبة منازع تعين القضاء له ولم يكن لمعاوية منازع في زياد اللهم إلا أن ههنا نكتة اختلف العلماء فيها وهي أن الأخ إذا استلحق أخاً يقول هو ابن أبي ولم يكن له منازع فإن كان وحده فقال مالك يرث ولا يثبت النسب في جماعة وقال الشافعي في آخرين يثبت النسب (ويأخذ المال إذا كان المقر به غير معروف النسب) (٤) واحتج الشافعي بقول النبي ﷺ هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش فقضى بكونه للفراش وإثبات نسبه قلنا هذا جهل عظيم وذلك أن قوله إن

стр. 911

النبي ﷺ قضي بكونه للفراش صحيح وأما قوله بثبوت النسب فباطل لأن عبدا ادعى شيئين أحدهما الأخوة والثاني في ولادة الفراش فلو قال له النبي ﷺ هو أخوك الولد للفراش لكان إثباتاً للحكم ونفياً للعلة بيد أن النبي ﷺ عدل عن الأخوة ولم يتعرض لها وأعرض عن النسب ولم يصرح به وإنما قال هو لك معناه فأنت أعلم به وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف والحارث بن كلدة (١) لم يدع زياداً ولا كان إليه منسوباً وإنما كان ابن أمته ولد على فراشه أي في داره وكل من ادعاه فهو له إلا أن يعارضه من هو أولى به منه فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز بل فعل فيه الحق على مذهب مالك فإن قيل فلم أنكر عليه الصحابة قلنا لأنها مسألة اجتهاد فمن رأى أن النسب لا يلحق بالوارث الواحد أنكر ذلك وعظمه فإن قيل ولم لعنوه وكانوا يحتجون بقول النبي ﷺ : (ملعون من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه) (٢) قلنا إنما لعنه من لعنه لوجهين أحدهما أنه أثبت نسبه من هذا الطريق ومن لم ير لعنه لهذا لعنه لغيره وكان زياد أهلًا أن يلعن عندهم لما أحدث بعد استلحاق معاوية فإن قيل قد جعل النبي ﷺ للزنا حرمة ورتب عليه حكماً حين قال: (واحتجبي منه يا سودة) وهذا يدل على أن الزنا يتعلق به من حرمة الوطء ما يتعلق بالنكاح الصحيح هكذا قال الكوفيون ومالك في رواية ابن القاسم يساعدهم على المسألة ولا يساعدهم على دليلها من هذا الوجه وقد بيناها في كتاب النكاح وقال الشافعي العذر في أمر النبي ﷺ لسودة بالاحتجاب مع ثبوت نسبه من زمعة وصحة أخوته له بدعوى (٣) أن ذلك تعظيم لحرمة أزواج النبي ﷺ لأنهن لم يكنّ كأحد من النساء في شرفهن وفضلهن قلنا لوكان أخاها بنسب ثابت صحيح كما قلتم ويكون قول النبي ﷺ الولد للفراش تحقيقاً للنسب لما منع ﷺ سودة منه

стр. 912

كما لم يمنع عائشة من الرجل الذي قالت هو أخي من الرضاع وإنما قال انظرن من إخوانكن فإن قيل فقد قالت عائشة رضوان الله عليها وقال لسودة احتجبي لما رأى من شبهه بعتبة فعللت بشبهه لعتبة الذي يوجب أنه أجنبي من زمعة. الجواب هذا قول من عائشة وإخبار عن ظنها لا عن النبي ﷺ ولذلك روي في الحديث أن عبد بن زمعة قال هو أخي وقال سعد للنبي ﷺ هو ابن أخي عتبة انظر إلى شبهه به فلم يلتفت النبي ﷺ إلى ذلك من قول سعد ألا ترى إلى قوله ﷺ في قصة هلال بن أمية حين قال انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن السمحاء فجاءت به على النعت المكروه فقال النبي ﷺ لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن وفي رواية لرجمتها فاعتبر الشبه في بيان تصديق الدعوى ولم يعتبره في إنفاذ الحكم وفائدة الترجمة التي بوب عليها مالك في قوله "إلحاق الولد بأبيه" (١) أنه بين إلحاقه به بالفراش في حديث زمعة وإلحاقه به في الدعوى في الإِسلام لأولاد الجاهلية في حديث عمر لكن صفة الفراش الذي قضى فيه النبي ﷺ بالولد مأخوذة من أدلة سواه والمرأة تصير بعقد النكاح فراشاً (والأمة تصير بالولادة فراشاً) (٢) لا خلاف فيه واختلف هل تكون بالوطء فراشاً أم لا وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف ومن أسباب إلحاق الولد القول بالقافة والأصل في ذلك حديث مجزز (٣) المدلجي رواه الأئمة ولم يدخله (مالك. دخل النبي ﷺ على عائشة تبرق أسارير وجهه فقال: ألم تري أن مجززاً المدلجي نظر الآن إلى أسامة وزيد وهما في قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض) (٤) وجه الدليل في ذلك أن النبي ﷺ سرّ بقول القائف في إثبات نسب أسامة وزيد بشبه الإقدام في التقدير والهيئة وإن اختلفا في اللون فإن زيداً كان أبيض وأسامة أسود (٥) والنبي ﷺ لا يسر بالباطل على ما قررناه في أصول الفقه لكن قال علماؤنا إنما يكون الحكم بالقافة في الإماء واختلف قول مالك في

стр. 913

الحرائر ومشهور قوله إنه لا يحكم بالقافة فيها وحديث النبي ﷺ إنما كان في الحرائر ولم يكن في الإماء فلا وجه لغير هذا واختلف العلماء في ثبوت النسب بالقافة هل يكون لواحد أو لاثنين فمذهب مالك أنه يكون للرجل أبوان قال أبو يوسف نعم وأمان (١) فأما قول أبي يوسف هذا فما رأيت له في أثناء الطلب دليلاً أحكيه لأن المشاهدة تبطله وتنفيه وأما الأبوان فلا إشكال في أنه ممكن وقد تبين في حديث عمر وجه امتزاج المائين وإذا اضطررنا إلى القافة وتعارض الشبه وألحقناه بهما فمن علمائنا من قال يقال لهما انظرا إلى أغلب الشبه يقال له فإن استويا فماذا يكون الحكم وقد قال ابن القاسم وغيره من العلماء إذا ألحق القافة الولد بهما كان ابناً لهما قال بعضهم يوالي من شاء قال ابن القاسم وغيره يكون ابناً لهما ولا يكون له الاختيار وقد روي عن مالك أنه قال إن القافة لا تكون في بغايا الجاهلية وإنما تكون في أولاد الرشدة وهذا خلاف حديث عمر الذي أدخل والصحيح أنها تجري فيهم لأنه إذا جاز استلحاقهم بالدعوى فكل نسب يلحق الدعوى والفراش تدخله القافة. تابعة: ختم مالك الباب بحديث عمر وعثمان في الغارة من نفسها بالحرية (٢) وهي أمة حتى ولد منها إن الولد يلحق أباه في الحرية كما لحقه في النسب ولا يكون رقيقاً كما قال بعضهم فإن الولد انعقد في بطن الزوجة منسوباً إلى الزوج بحق مثبتاً في بطن المرأة على باطل فلم ينعقد بصفتها في الأمومة وإنما انعقد بصفة الوالد في الحرية لأن الأحكام لا تبنى على الباطل وإنما تبنى على الأسباب الخفية فلقد سقط فيها أبو ثور حين قال إنهم يكونون عبيداً لسيد الأمة ولا قيمة فيهم (٣) واختلف علماؤنا متى يغرم الأب القيمة فالأكثر أنه

стр. 914

يغرمها يوم الحكم وقيل يوم الولادة وقال ابن المواز لو كان يوم الولادة لأن حينئذٍ وقع الفوت ووجب عليه البذل لكان عليه البذل وإن ماتوا قبل الحكم فلما كان موتهم لا يوجب فيهم شيئاً دل على أن البذل إنما يعتبر يوم الحكم وحينئذ يجب (١). القضاء في أمهات الأولاد (٢) هذه كلمة مخصوصة بالأماء إذا ولدن يقال زوجة أم ولد وأمة فتكون الأمة أمة حتى تلد فإذا ولدت صارت أم ولد (٣) بل تكون أم ولد بالحمل إجماعاً واختلفوا في الحمل الذي تكون به أم ولد فقال مالك تكون أم ولد بالعلقة فما فوقها (٤) وقال الأوزاعي (٥) تكون أم ولد بالمضغة وقال الشافعي تكون أم ولد بالعين والظفر وقال قوم إنما (٦) تكون أم ولد بخلقة الآدمي قال مالك في أثناء كلامه وعند سرد قوله وما يرى النساء إنه ولد (٧) والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث﴾ إلى قوله ﴿ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة﴾ (٨) فلم يجعل لها خلقاً إلا بعد المضغة وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ إنه قال: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة فإذا أراد الله خلقها كان) (٩) وذكر الحديث فلم يجعل للخلق رتبة إلا بعد كونه مضغة ولا يكون ولداً إلا بعد كونه خلقاً ولا تكون هي أم ولد حتى يكون الولد فهذا هو الأسلوب

стр. 915

المهيع (١) وإذا أسقطت المرأة دماً مجتمعاً منعقداً متماسكاً أو متناثراً فإنه يحتمل أن يكون تركيب خلقة ويحتمل أن يكون عقدة تجمعت من خلط ولا يقضي أحد على يقين ثابت بمشكوك فيه في إبطال حق ولا إثباته فإذا ثبت أنها تكون أم ولد فأجمعت الأمة على أن بيعها لا يجوز من لدن علي بن أبي طالب إلى زمان داود الأصبهاني (٢) قال علي بن أبي طالب ﵁ على المنبر فيما يروون عنه: كنت أرى رأي أبي بكر وعمر في أن أم الولد لا تباع ثم ظهر لي أن بيعها جائز فقال لي عبيدة السلماني رأيك والله يا أمير المؤمنين مع أبي بكر وعمر أحب إلينا من رأيك وحدك (٣) ثم ثبت أن علياً ﵁ رجع عن ذلك (٤) واستقر الأمر بين المسلمين عليه إلى الوقت الذي ذكرنا وتعلقوا في ذلك بحديث جابر رواه أبو داود وغيره قال جابر: كنا نبيع سرارينا وأمهات أولادنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ثم نهانا عمر. وهذا حديث ضعيف لا يلتفت إليه (٥) واجتمع أبو العباس بن سريج (٦) مع
следующие страницы →