← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

النبي ﷺ قضي بكونه للفراش صحيح وأما قوله بثبوت النسب فباطل لأن عبدا ادعى شيئين أحدهما الأخوة والثاني في ولادة الفراش فلو قال له النبي ﷺ هو أخوك الولد للفراش لكان إثباتاً للحكم ونفياً للعلة بيد أن النبي ﷺ عدل عن الأخوة ولم يتعرض لها وأعرض عن النسب ولم يصرح به وإنما قال هو لك معناه فأنت أعلم به وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف والحارث بن كلدة (١) لم يدع زياداً ولا كان إليه منسوباً وإنما كان ابن أمته ولد على فراشه أي في داره وكل من ادعاه فهو له إلا أن يعارضه من هو أولى به منه فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز بل فعل فيه الحق على مذهب مالك فإن قيل فلم أنكر عليه الصحابة قلنا لأنها مسألة اجتهاد فمن رأى أن النسب لا يلحق بالوارث الواحد أنكر ذلك وعظمه فإن قيل ولم لعنوه وكانوا يحتجون بقول النبي ﷺ : (ملعون من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه) (٢) قلنا إنما لعنه من لعنه لوجهين أحدهما أنه أثبت نسبه من هذا الطريق ومن لم ير لعنه لهذا لعنه لغيره وكان زياد أهلًا أن يلعن عندهم لما أحدث بعد استلحاق معاوية فإن قيل قد جعل النبي ﷺ للزنا حرمة ورتب عليه حكماً حين قال: (واحتجبي منه يا سودة) وهذا يدل على أن الزنا يتعلق به من حرمة الوطء ما يتعلق بالنكاح الصحيح هكذا قال الكوفيون ومالك في رواية ابن القاسم يساعدهم على المسألة ولا يساعدهم على دليلها من هذا الوجه وقد بيناها في كتاب النكاح وقال الشافعي العذر في أمر النبي ﷺ لسودة بالاحتجاب مع ثبوت نسبه من زمعة وصحة أخوته له بدعوى (٣) أن ذلك تعظيم لحرمة أزواج النبي ﷺ لأنهن لم يكنّ كأحد من النساء في شرفهن وفضلهن قلنا لوكان أخاها بنسب ثابت صحيح كما قلتم ويكون قول النبي ﷺ الولد للفراش تحقيقاً للنسب لما منع ﷺ سودة منه

стр. 912

كما لم يمنع عائشة من الرجل الذي قالت هو أخي من الرضاع وإنما قال انظرن من إخوانكن فإن قيل فقد قالت عائشة رضوان الله عليها وقال لسودة احتجبي لما رأى من شبهه بعتبة فعللت بشبهه لعتبة الذي يوجب أنه أجنبي من زمعة. الجواب هذا قول من عائشة وإخبار عن ظنها لا عن النبي ﷺ ولذلك روي في الحديث أن عبد بن زمعة قال هو أخي وقال سعد للنبي ﷺ هو ابن أخي عتبة انظر إلى شبهه به فلم يلتفت النبي ﷺ إلى ذلك من قول سعد ألا ترى إلى قوله ﷺ في قصة هلال بن أمية حين قال انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن السمحاء فجاءت به على النعت المكروه فقال النبي ﷺ لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن وفي رواية لرجمتها فاعتبر الشبه في بيان تصديق الدعوى ولم يعتبره في إنفاذ الحكم وفائدة الترجمة التي بوب عليها مالك في قوله "إلحاق الولد بأبيه" (١) أنه بين إلحاقه به بالفراش في حديث زمعة وإلحاقه به في الدعوى في الإِسلام لأولاد الجاهلية في حديث عمر لكن صفة الفراش الذي قضى فيه النبي ﷺ بالولد مأخوذة من أدلة سواه والمرأة تصير بعقد النكاح فراشاً (والأمة تصير بالولادة فراشاً) (٢) لا خلاف فيه واختلف هل تكون بالوطء فراشاً أم لا وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف ومن أسباب إلحاق الولد القول بالقافة والأصل في ذلك حديث مجزز (٣) المدلجي رواه الأئمة ولم يدخله (مالك. دخل النبي ﷺ على عائشة تبرق أسارير وجهه فقال: ألم تري أن مجززاً المدلجي نظر الآن إلى أسامة وزيد وهما في قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض) (٤) وجه الدليل في ذلك أن النبي ﷺ سرّ بقول القائف في إثبات نسب أسامة وزيد بشبه الإقدام في التقدير والهيئة وإن اختلفا في اللون فإن زيداً كان أبيض وأسامة أسود (٥) والنبي ﷺ لا يسر بالباطل على ما قررناه في أصول الفقه لكن قال علماؤنا إنما يكون الحكم بالقافة في الإماء واختلف قول مالك في

стр. 913

الحرائر ومشهور قوله إنه لا يحكم بالقافة فيها وحديث النبي ﷺ إنما كان في الحرائر ولم يكن في الإماء فلا وجه لغير هذا واختلف العلماء في ثبوت النسب بالقافة هل يكون لواحد أو لاثنين فمذهب مالك أنه يكون للرجل أبوان قال أبو يوسف نعم وأمان (١) فأما قول أبي يوسف هذا فما رأيت له في أثناء الطلب دليلاً أحكيه لأن المشاهدة تبطله وتنفيه وأما الأبوان فلا إشكال في أنه ممكن وقد تبين في حديث عمر وجه امتزاج المائين وإذا اضطررنا إلى القافة وتعارض الشبه وألحقناه بهما فمن علمائنا من قال يقال لهما انظرا إلى أغلب الشبه يقال له فإن استويا فماذا يكون الحكم وقد قال ابن القاسم وغيره من العلماء إذا ألحق القافة الولد بهما كان ابناً لهما قال بعضهم يوالي من شاء قال ابن القاسم وغيره يكون ابناً لهما ولا يكون له الاختيار وقد روي عن مالك أنه قال إن القافة لا تكون في بغايا الجاهلية وإنما تكون في أولاد الرشدة وهذا خلاف حديث عمر الذي أدخل والصحيح أنها تجري فيهم لأنه إذا جاز استلحاقهم بالدعوى فكل نسب يلحق الدعوى والفراش تدخله القافة. تابعة: ختم مالك الباب بحديث عمر وعثمان في الغارة من نفسها بالحرية (٢) وهي أمة حتى ولد منها إن الولد يلحق أباه في الحرية كما لحقه في النسب ولا يكون رقيقاً كما قال بعضهم فإن الولد انعقد في بطن الزوجة منسوباً إلى الزوج بحق مثبتاً في بطن المرأة على باطل فلم ينعقد بصفتها في الأمومة وإنما انعقد بصفة الوالد في الحرية لأن الأحكام لا تبنى على الباطل وإنما تبنى على الأسباب الخفية فلقد سقط فيها أبو ثور حين قال إنهم يكونون عبيداً لسيد الأمة ولا قيمة فيهم (٣) واختلف علماؤنا متى يغرم الأب القيمة فالأكثر أنه

стр. 914

يغرمها يوم الحكم وقيل يوم الولادة وقال ابن المواز لو كان يوم الولادة لأن حينئذٍ وقع الفوت ووجب عليه البذل لكان عليه البذل وإن ماتوا قبل الحكم فلما كان موتهم لا يوجب فيهم شيئاً دل على أن البذل إنما يعتبر يوم الحكم وحينئذ يجب (١). القضاء في أمهات الأولاد (٢) هذه كلمة مخصوصة بالأماء إذا ولدن يقال زوجة أم ولد وأمة فتكون الأمة أمة حتى تلد فإذا ولدت صارت أم ولد (٣) بل تكون أم ولد بالحمل إجماعاً واختلفوا في الحمل الذي تكون به أم ولد فقال مالك تكون أم ولد بالعلقة فما فوقها (٤) وقال الأوزاعي (٥) تكون أم ولد بالمضغة وقال الشافعي تكون أم ولد بالعين والظفر وقال قوم إنما (٦) تكون أم ولد بخلقة الآدمي قال مالك في أثناء كلامه وعند سرد قوله وما يرى النساء إنه ولد (٧) والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث﴾ إلى قوله ﴿ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة﴾ (٨) فلم يجعل لها خلقاً إلا بعد المضغة وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ إنه قال: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة فإذا أراد الله خلقها كان) (٩) وذكر الحديث فلم يجعل للخلق رتبة إلا بعد كونه مضغة ولا يكون ولداً إلا بعد كونه خلقاً ولا تكون هي أم ولد حتى يكون الولد فهذا هو الأسلوب

стр. 915

المهيع (١) وإذا أسقطت المرأة دماً مجتمعاً منعقداً متماسكاً أو متناثراً فإنه يحتمل أن يكون تركيب خلقة ويحتمل أن يكون عقدة تجمعت من خلط ولا يقضي أحد على يقين ثابت بمشكوك فيه في إبطال حق ولا إثباته فإذا ثبت أنها تكون أم ولد فأجمعت الأمة على أن بيعها لا يجوز من لدن علي بن أبي طالب إلى زمان داود الأصبهاني (٢) قال علي بن أبي طالب ﵁ على المنبر فيما يروون عنه: كنت أرى رأي أبي بكر وعمر في أن أم الولد لا تباع ثم ظهر لي أن بيعها جائز فقال لي عبيدة السلماني رأيك والله يا أمير المؤمنين مع أبي بكر وعمر أحب إلينا من رأيك وحدك (٣) ثم ثبت أن علياً ﵁ رجع عن ذلك (٤) واستقر الأمر بين المسلمين عليه إلى الوقت الذي ذكرنا وتعلقوا في ذلك بحديث جابر رواه أبو داود وغيره قال جابر: كنا نبيع سرارينا وأمهات أولادنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ثم نهانا عمر. وهذا حديث ضعيف لا يلتفت إليه (٥) واجتمع أبو العباس بن سريج (٦) مع

стр. 916

أبي بكر بن أبي داود فاحتج أبو بكر بن أبي داود (١) على أن أم الولد لا تباع قال اجتمعنا على أنها إذا كانت أمة تباع فمن ادعى أن هذا الحكم يزول بولادتها فعليه الدليل قال أبو العباس بن سريج له اجتمعنا على أنها إذا كانت حاملاً لا تباع فمن ادعى أنها تباع إذا انفصل الحمل فعليه الدليل فبهت أبو بكر (٢) بيد أن علماءنا أشاروا في إثبات هذا الحكم بمنازع من حديث النبي ﷺ كلها صحيحة منها قول النبي ﷺ حين ذكر أشراط الساعة فقال: (وأن تلد الأمة رتبتها) (٣) وفي رواية بعلها (٤) والبعل هو السيد في لغة العرب ومعنى كونه سيداً لها أنها استفادت الحرية بسببه لا يصح أن يكون له معنى سواه. الثاني حديث أبي سعيد الخدري: أصبنا سبايا واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل فأردنا أن نعزل فقلنا كيف نعزل والقرآن ينزل فسألنا عن ذلك رسول الله ﷺ (٥) وذكر الحديث فإن قيل إنما معنى قوله وأحببنا الفداء لأنها ما دامت حاملًا لا تباع ولا يفادى بها حتى ينفصل الولد فخشي أبو سعيد وأصحابه أن يقعوا في هذه الحالة قلنا قد تقدم الجواب فإنه إذا تقرر المنع في حالة فما الدليل الذي يدفعه قال علماؤنا وقد استأثر الله بنبيه وطلب بعض ورثته ميراثه وقال أصحابه وخلفاؤه إن رسول الله ﷺ لم يترك إلا بغلته وسلاحه وأرض كذا (٦) ولم يذكروا مارية ولا

стр. 917

اعترضها أحد من الطالبين فلولا كونها أم ولد لطلبتها فاطمة أو العباس للاستخدام أو البيع وقد تعلق بعض علمائنا بأن الأثر قد ورد وأجمعت عليه الأمة في المنع من التفريق بين الأم وولدها (١) وذلك يمنع من بيع أم الولد وهو حكم لا إشكال فيه لولا الخذلان في إنكار أصول الشريعة وذكر مالك في هذا الباب حديث عمر في إلحاق الأولاد بالسادة الذين يقرون بالوطء ليؤكد بذلك من قضاء الخلفاء (٢) وترك اعتراض البقية من الصحابة عليهم في أن الوطء سبب في إلحاق الولد لقول عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبى ولد على فراشه ولم يكن زمعة اعترف بغير المولود وهذا ما سكت السيد عنه أومات فأما لو نفاه لجاز باتفاق من العلماء على شروط بيانها في كتب المسائل. القضاء في عمارة الموات: أدخل مالك في الباب مرسل عروة وقضاء عمر من أحيا أرضاً ميتة فهي له (٣) وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو بها أحق) (٤) أخرجه البخاري وأما قوله ليس لعرق ظالم حق فهو حديث

стр. 918

صحيه. (١) وروى أبو داود نازلة تعضده أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ قال أحدهما إن أرضي غرس فيها هذا نخلاً فقضى رسول الله ﷺ لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها قال: فلقد رأيتها وإن أصولها لتضرب بالفؤوس حتى أخرجت عنها (٢) وهي نخل طوال واختلف الناس في هذا الحديث هل هو تعبدي أو معلل والذين قالوا إنه معلل اختلفوا في تعليله فمنهم من قال العلة فيه الاشتراك بين الخلق كالماء والحطب والحشيش فتخلص بالإحياء للمحيي كما تخلص بالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد والاستقاء كل ذلك لفاعله وقيل في تعليله إنما ذلك إلى الإمام يخلصها لمن شاء وليست كالماء والحشيش والحطب والصيد لأن ذلك ليس بثابت ولا محتمل وقد روى الدارقطني أن النبي ﷺ قال: (موتان الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني (٣) أيها المسلمون) (٤) وهذا يرفع التعليل الأخير ويرفع التعبد ويوجب الاشتراك ويقضي للمحيي بالاختصاص كما يقضي للمحتطب والمحتش. وهم: قال علماؤنا من المالكية والشافعية لا يجوز للذمي إحياء الموات وقال أبو حنيفة يجوز وقالت الحنفية في كتبها يجوز للذمي إحياء الموات وقال الشافعي ومالك لا يجوز ونص كلا الطائفتين ما ادعاه وأبطل ما عداه والمسألة غير مقصورة على

стр. 919

مذهب أبي حنيفة لأن أبا حنيفة يقول إن إحياء الأرض كيف ما كانت وأين ما كانت لا يجوز إلا بإذن الإمام وإذا أذن الإمام للذمي في إحياء الموات نفذ لأنه حكم مختلف فيه فلم يبق للمسألة صورة على أن بعض علمائنا قد قال يجوز إحياء الموات للذمي إلا في جزيرة العرب لأن النبي ﷺ قال: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) وهذا عام وقال النبى ﷺ : (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) (١) وهذا خاص فقضى الخاص على العام باتفاق من الأمة نص عليه ابن القاسم وغيره ولا يصح أن يكون للذمي في إحياء الموات حق لثلاثة أوجه: أحدها أن أبا حنيفة يقول إن الكفار لا يخاطبون بفروع الشريعة فليس لهم دخول في الأمر والنهي من باب نفي التكليف بالاحكام وهذا ما لا جواب لهم عنه. الثاني في قول النبى ﷺ قال: (من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو بها أحق) وهذه الأرض للمسلمين لقول النبى ﷺ : (موتان الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني أيها المسلمون). الثالث أن الذمي ليس من أهل الأرض إنما هو فيها مكتري بأجرة معلومة فأي حق له في الإشاعة حتى يعينه بالاحياء وفي مسائل الإحياء تفريع فابنوه على هذه الأصول. القضاء فى المياه (٢): الأصل في المياه وأحكامها حديث الزبير وهو متفق عليه من الأئمة والأمة روي أنه خاصمه رجل من الأنصار في شراج الحرة وترافعا إلى رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : (أسق يا زبير وارسل إلى جارك الأنصاري) فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال للزبير: (أمسك الماء حتى يبلغ الجدر ثم أرسله) وفي ذلك نزلت ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم﴾ (٣) الآية وقد فات الإيمان

стр. 920

في الأنصاري لهذه الكلمة ولكن النبي ﷺ سكت عنه لأنها كانت فلتة ائتلافاً وقد كان يسكت عن المنافقين الذين كانوا يصرحون بالكفر فإقالة العثرة أقل من ذلك وأولى ولذلك قال النبي ﷺ : (إنها صفية بنت حيي وإني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شيئاً فتهلكا (١)) فكل من اتهم النبي ﷺ بباطل فهو كافر والحكمة ما ذكرناه وهذا رجل خاصم الزبير في الماء والماء على قسمين مملوك ومباح فأما المملوك فلا كلام لأحد فيه إلا لصاحبه ومن أسباب ملك الماء ملك محله كمن احتفر بئراً أو أنبط (٢) عيناً فإن ذلك سبب يقضي له بالاختصاص به دون غيره على تفصيل معلوم في كتب المسائل يأتي الآن منه شيء إن شاء الله. ولم يكن الماء الذي اختصم فيه الزبير والأنصاري مملوك الأصل وإنما كان ماء سماء يجري في المسيل يجتذب كل جار يمر عليه من أحد جانبي المسيل ما يحتاج إليه وكان الأنصاري تحت الزبير في جانبه أو من الجانب الآخر ولو كان فوقه لكان أحق به إلا بملك ثابت باتفاق أو باختيار قديم باختلاف فإن ساواه في الجانب الثاني فالحكم لمن سبق وإن اختلفا قبل الاختصاص فإما أن يقتسما وإما أن يستهما فلما سبق الزبير كان له أن يأخذ حاجته حتى إذا استغنى أرسل الفاضلة فأشار النبي ﷺ بأن يأخذ وأن يترك من حقه فلما تعدى الأنصاري في القول استرعى النبي ﷺ للزبير حقه وقال له: (أمسك ماءك حتى تبلغ الجدر) يعني حتى يستوي مع حائط الحوض واختلف علماؤنا لمن يكون ذلك فقيل (ذلك) (٣) لصاحب الشجر باتفاق لأنها تحتاج إلى ري كثير فإن كان زرعاً أمسك حتى يستر الأرض لأن الزرع إنما يحتاج إلى قليل (٤) وقضاء النبي ﷺ أحق.

стр. 921

مرجع والدليل على ملك الماء أحاديث كثيرة وأصول متعددة ومن الأحاديث ملك هاجر لمائها ومنعه من جرهم وسامحتهم بإباحة الشرب على أن لا يكون لهم فيه حق فجاورتها على ذلك الشرط (١) والحديث الصحيح قال النبي ﷺ (من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين فله الجنة) (٢) إلا أن مالكاً رأى الحديث الذي أدخل في الموطأ لا يمنع نقع بئر وهو مرسل من طريق عمرة ولا يسند من طريق صحيحة وأدخل حديث أبي هريرة

стр. 922

لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ (١) وتردد قوله في بيع البئر فتارة منعه وقال لا يجوز وهو في المجموعة وبه قال أبو حنيفة وتارة كرهه وبه قال الشافعي واختار الكراهية ابن القاسم وهذا إنما يكون في بئر لا تحفر في ملك ومن كره بيعها حمله على أنه من المروءات والآداب والصحيح عندي من هذا الاختلاف كله أنه يجبُ عليه اعطاء الفضل وإذا ثبت هذا فلا يجوز حينئذٍ البيع لأن المبيع يكون حينئذ مجهولاً فإن قيل فلم منعت هاجر قلنا لأن الله ملكها الماء والموضع واختطه لها جبريل وجعلها أرضاً متملكة موروثة مقدمة لخير البرية ومنشئاً له. القضاء في المرفق (٢): قال النبى ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٣) وهذا ليس من شروط الإيمان الأصلية وإنما هو من الكمال والتمام ومن الأفعال التي شرعت لتقوية العقيدة فإذا عرض أمر فيه مرفق لجارك ومنفعة أو لرفيقك في السفر أو لمسلم يرد عليك ويعير (٤) وليس عليك من ذلك ضرر فاختلف قول مالك هل يلزمه أن يفعل معه ذلك أم لا واختلف العلماء كاختلافه والذي أراه وجوب ذلك لأن منعه إياه مما ينتفع به اضرار به والنبى ﷺ قد قال: (لا ضرر ولا ضرار) (٥) وأجمعت الأمة على معنى الحديث وإن كانوا قد اختلفوا في تأويله فمنهم من قال إنهما بمعنى واحد وفاعل قد يكون بمعنى فعل ومنهم من غاير بينهما وصور المغايرة صوراً ما لها أن تضر صاحبك بما ينفعك أو لا تمنعه ما لا يضرك وينفعه فإن قيل فقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز

стр. 923

خشبه) وروي خشبة على الإفراد في جداره (١) قلنا اختلف فيه قول مالك والعلماء والمشهور عندنا وعندهم أن ذلك على الاستحباب لأن الأمة أجمعت على أن من اختص بحق لا يلزمه أن يعطيه لغيره وإن لم يضر به فكيف ووضع الخشبة على الجدار مضر بصاحب الجدار إما عاجلاً بأن يثقل الحائط فيقصر عمره أو بأن يعيبه أو بأن لا يكون من هذين شيء فيوجب وضع الخشبة لصاحبها اشتراكاً في الجدار (٢) مع صاحبه وحيازة له تثبت له بطول الزمان وإذا (٣) أراد صاحب الجدار أن يحض على ذلك بالإشهاد في كل وقت والافتقاد في كل حين شغل نفسه عن غير ذلك من أغراضه وفي ذلك إضرار به وأما حديث محمد بن سلمة (٤) فاختلف فيه مالك والعلماء وكذلك حديث عبد الرحمن بن عوف (٥) فتارة قالوا بقضاء عمر فيه واستمروا عليه وتارة قالوا إن ذلك من عمر في زمان كان ناسه أهل تقاء وقد حدث ما حدث من الفجور وهذا ضعيف أهل التقاء والفجهر في ذلك سواء ولا فرق في مرور الماء على أرض رجل بين أن يكون تقياً أو يخاف منه لأن الذي يخاف منه ليس أكثر من مرور (٦) الماء ومرور الماء لا يضر كما قال عمر وتبديل الطريق لا يضر فإنما قضاء عمر بذلك على هذا الوجه فإن اتفق أن تقع نازلة باختلاف الأزمان والأحوال من أمثال هذه يكون الحكم فيها ضرر

стр. 924

منع من ذلك ولأجل هذا اختلف العلماء وشاهدت ذلك مراراً وله صور كثيرة منها أن يريد الرجل تبديل الطريق في موضع يحتاج هذا فيه إلى البنيان أو يكون له بإزائه ملك يضر به الماء وركب هذا وصوِّره وافت به. القضاء في قسم الأموال: إن الله سبحانه وله الحمد (١) لما خلق لنا ما في الأرض جميعاً وأنشأنا بصفة التشاحي وطلب الاستيثار شرع اختصاص الملاك بالأملاك وقد يقع بهذا الاختصاص الاشتراك فإن كانت الموافقة المندوب إليها شرعاً فبها ونعمت وإن تعذرت الموافقة وتوقع التشاح أو وقع فإن الله شرع القسمة لتمييز الحقوق المشتركة حتى يعود إلى الاختصاص المذكور وقد قال الله تعالى في القسمة في عارض الاشتراك ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ (٢) الآية وأما أحاديثهما فهي قليلة الصحيح منها قول النبي ﷺ : (الشفعة فيما لم يقسم) (٣) وحديث عقبة بن عامر حيث أمره النبي ﷺ أن يقسم غنائم بين أصحابه (٤) فبقي منها عتود فقال: (ضح بها أنت) ومنها قوله ﷺ : (مثل القائم في حدود الله والمدهن (٥) فيها كمثل قوم كانوا في سفينا فاستهموا على أعلاها وأسفلها) (٦) الحديث ومن المشهور فيها حديث عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة أعبدٍ في مرضه لا مال له

стр. 925

غيرهم فأقرع النبي ﷺ بينهم (١) الحديث فأما كيفيتها فليس فيها أثر وإنما سبيلها النظر وكلت إليه وعصبت به لأن المطلوب فيها تمييز الحق والمخوف فيها ثلاثة أشياء الغرر والربا وأكل المال بالباطل فميز الحقوق ان أردت القسمة وخلصها عن هذه العوارض الثلاثة إن أردت أن تكون واقعة على وفق الشرع وعلى هذه الأصول تبنى مسائل القسمة كلها وهي ثلاثة أنواع قسم مهيأة (٢) وهي في المنفعة دون الأعيان وقسمة أعيان وهي على وجهين: أحدهما: أن تكون بالتراضي بأن يقول أحدهما للآخر خذ أنت هذه العين وآخذ أنا (الأخرى) (٣). الثاني: وهو الثالث من الأصل أن يقوم المشترك قيمة تحرير وتعديل ثم "يقرر" (٤) على الأجزاء ويعدد على الأقل من السهام ثم يقترع عليها على صفة تؤمن فيها الحيلة والانخداع بأن يكتب اسم المشتركين في الرقاع ثم تطلى بطين أو قار أو شمع ثم يجعلها من لا يدريها على الأعيان فمن وقع على شيء منها اسمه فهو سهمه. وعرضت ههنا مسألة بديعة وهي أن علماءنا قالوا إذا وقع في قسمة التراضي غبن لم يكن فيها رجوع ولو وقع الغبن في قسمة التقويم والإقراع لوجب الارتجاج بناء على أن القسمة هل هي تمييز حق أو عقد بيع وإذا قلنا إنها بيع فالغبن في البيع لا يوجب الرجوع فكيف وجب في القسمة (فتبين أنها لا تكون بيعاً بحال لأن المغبون في القسمة) (٥) يقول للآخر أكلت مالي بغير عوض فلي رده وفي البيع لا مقال له لأنه مبني على المغابنة والمكايسة فكيف تكون بيعاً وهي أقوى من البيع ولكن الرد فيها إنما يكون من أحد الوجوه الثلاثة المتقدمة ولذلك قال علماؤنا في صفة القسمة إن الأصناف المختلفة لا يجوز جمعها في قسمة الإقراع ولا للنوع الواحد إذا كانت أنواعه مختلفة القسمة كالدور الظاهرة والخفية والثياب الرفيعة والدنيئة وهذا فيه نظر عظيم لأن نص الحديث يرده وهو قوله لأصحاب السفينة فاستهموا على أعلاها وأسفلها وبين

стр. 926

الأعلى والأسفل غبن عظيم وقد بينا ذلك في كتب المسائل وشرح الحديث فلا نطول به ههنا وليطلب هنالك. ومن فروع القسمة المحتمل فيها ترك المرافق من الأبنية والطرق وقد بوب على هذا مالك في الباب المتقدم قبل هذا (١) ولكنه ذكر بعض المرافق العامة وأغفل المرافق الخاصة كالجلوس في الصعدات وصب الأقذار في الطرقات فأما الجلوس (على الصعدات) (٢) فجائز بأداء حقها من غض البصر وإرشاد الضال ونصر المظلوم وما يعرض لمن تعرض ذلك (٣) من الحقوق وأما صب الأقذار في الطرقات فلا يجوز على الإطلاق لأن في ذلك إيذاء للمسلمين وإماطة الأذى عن الطريق صدقة وقد بينا ذلك في موضعه من المسائل إلا إذا كانت ضرورة عامة كخمر يتعين كسرها حتى تجري في السهل كما ورد (٤) في الحديث ومن القول في المرافق مسألة السفينة إذا غلب الهول عليها فاحتاجوا إلى التخفيف منها فاتفقت الأمة على وجوب التخفيف والارتفاق بما يطرح فيما يبقى واختلفوا بعد ذلك في تفاصيل منها دخول السفينة وآلاتها في الحصاص (٥) ورجالات المراكب والعبيد الراكبين عليها وانتهى النظر إلى نازلة عظيمة وهي إذا علم الأحرار من أهل السفينة أن بقاء جميعهم مهلك وأن خلوص بعضهم متيقن فنسب الخراسانيون الحنفيون والشافعيون إلى مالك أن هلاك بعض الأمة في الاستصلاح واجب وهو بريء من ذلك وإنما سمعوا من قوله اعتبار المصلحة فاعتبروها بزعمهم حتى بلغوا بها إلى هذا الحد وكان من حقهم لجلالة أقدارهم في العلم من سعة حفظهم ودقة فهمهم أن يتفطنوا لمقصده بالمصلحة وأن يجروها مجراها ويقفوا بها حيث انتهت وليس بين الأمة خلاف في هذه المسألة أنهم يصبرون لقضاء الله حتى ينفذ فيهم حكمه ويترتب على هذا مسائل مشكلة بيانها في أصول الفقه.

стр. 927

القضاء في الضواري والحريسة أما قوله الضواري فيريد المعتادة للإذاية وأما قوله الحريسة فيحتمل التي تحرس ويكون معها حافظها ويحتمل أن يكون حريسة أي يحترس منها فأما الضواري وهي التي اعتادت الفساد فاختلفت الرواية فيها عن علمائنا ما بين تغريب وييع وهذا الاختلاف إنما هو اختلاف حال "إن أمكن تغريبها فبها ونعمت وإلا قُضي على صاحبها ببيعها" (١) وجعل علماؤنا من الضواري نحل الجناح وحمام الأبراج إذا آذت ما عدا أصبغ وربما عضد قول أصبغ الحديث الصحيح (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً إلى أن قال فيه فيأكل منه طائر أو بهيمة) (٢) الحديث. ولأنه حيوان لم يكن عليه يد وكان مسترسلًا مع نفسه فلا بد له من رزقه لكن تبقى ها هنا نكتة هي فائدة الحالة وهي أنها إذا كانت مسترسلة احترس صاحب الزرع منها أو صادها أو عقرها وفي المملوكة لا يتأتى ذلك فلا بد أن يقال له قصها واشبعها أو ذكها (٣) وكلها. وأما الحريسة فإن كان منها ضارياً (٤) وتقدم فيها إلى أهلها فتركوها باقية وأرسلوها فاشية فقد قال مالك وكثير من العلماء يضمن أربابها ما أفسدت ودليله ظاهر ومنها الفحل الصائل فإنه إذا صال على أحد ودفعه عن نفسه فقتله كان هدراً عندنا وبه قال الشافعي ولم يختلف فيه أحد من علمائنا وقال أبو حنيفة إذا دفعه عن نفسه فقتله ضمن قيمته لمالكه لأن العجماء لا يعتبر فعلها لقول النبي ﷺ (جرح العجماء (٥) جبار) ولم تحترم البهيمة بحرمة نفسها حتى يقال إنها إذا صالت سقطت حرمتها وإنما احترمت بحرمة المالك فوجب أن يغرم قيمتها له لأنه لم يكن من جهته جناية. قلنا قد مهدنا هذه المسألة في كتاب التلخيص وبينا مقاطع القول فيها ومن عمدها أن المالك وإن لم تكن من قبله جناية فإنه لو كان حاضراً لوجب عليه قتل فحله لأن دفع الفحل فرض كفاية على جميع المسلمين من

стр. 928

حضره وقام به منهم أسقطه عن الباقين فهذا الدي حضره وقبله قد أسقط فرضاً عن المالك الغائب وكيف يسقط عنه فرضاً ويتكلف له ضماناً فهذا لا يمكن عقلاً ولا يسوغ شرعاً ومن فروع هذا الباب ما جعله مالك فاتحة له وهو حديث البراء بن عازب أرسله مالك عن حرام بن محيصة والحديث مسنداً عن حرام بن محيصة عن أبيه محيصة أن ناقة للبراء بن عازب وذكر الحديث إلى آخره (١) واختلف العلماء فيه فقال أبو حنيفة لا ضمان على أرباب الماشية فيما نفشت فيه ليلاً أو نهاراً لقول النبى ﷺ : (العجماء جبار) وما قلناه أصح لحديث البراء وهو خاص يقضي على ذلك العام كما قضى على خصوصية القود والسوق والركوب واختلف علماؤنا في فرع مركب على هذه المسألة وهو إذا نفشت في زرع محظر أو مطلق فمنهم من قال إنما يكون الضمان إذا كان الزرع محظراً ونزع في ذلك بنكتة بديعة وهو قوله حائطاً للبراء والحائط إنما يكون محظراً (٢) ولعمري إنه لمتعلق إلا أنه فاته أن يمشي إلى آخر الحديث فيظهر له البحث وهو قوله فقضى رسول الله ﷺ على أرباب المواشي إلى آخره. تمام وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم إن قول الله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث﴾ (٣) الآية قالوا إن قضاء سليمان الذي كان فيه التفهيم ووقع له التصويب كان على مثل قضاء النبي ﷺ في حديث البراء أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأنما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها (٤) فأما قصة سليمان على الجملة

стр. 929

فإن ما ذكر الله منها مقطوع به وكيفية قضاء سليمان لا تعلم أبداً لأن النبي ﷺ لم يبلغنا عنه فيه شيء وطريق كعب ومحمد بن كعب ووهب بن منبه بهما لا علم فيها ولا اهتداء وعليهم عوّل المفسرون فسودوا القراطيس بما لا تقوم به حجة ويكفينا قول النبي ﷺ للسلوك محجة. تبيين: وقد اختلف علماؤنا هل هذا الذي قضى به النبي ﷺ في حديث البراء حكم مبتدأ في الشرع أو هو مبني على عادة الناس فإن كان حكماً مبتدأ في الشرع فبها ونعمت إنه لأصل وإن كان هو مبني على العادة فإن أرباب المواشي بالنهار معها فهم يتولون حفظها فعلى هذا إن وجد خلاف العادة بأن يهملوها أو يكونوا معها ويغفلوا عنها فإن الضمان واجب عليهم لأن محل الحكم قد عدم حسب ما رتبه عليه النبي ﷺ وانعدم الحكم. القضاء فيما يعطى العمال (١) هذه المسألة اختلف فيها العلماء فقال أبو حنيفة ومالك يضمنون إذا كانوا مشتركين وقال (ش) مثله لا ضمان عليهم لأصله الذي مهده بزعمه وهو أن ما قبض بإذن المالك لا ضمان فيه على تفصيل قررناه في مسائل الخلاف ومعول أبي حنيفة على معان لا تقوم على ساق وعمدتها على المصلحة التي مهدناها فإن العمال لو علموا أن الضمان ساقط عنهم لادعوا التلف وتلفت أموال الناس فقويت التهمة وتعينت المصلحة فوجب الضمان وتركب على هذا عند علمائنا درج الصائغ وغاشية الحائط وهو مثل أصله ومن فرق فقد نقض الأصل.

стр. 930

القضاء في العيوب هذا باب ليس فيه حديث صحيح على التخصيص أما إن في تحريم الغش أحاديث عمروى الدارقطني عن النبي ﷺ كلمة في الباب قال النبي ﷺ : (لا يحل لمسلم يبيع بيعاً يعلم به عيباً إلا بيَّنه) (١) أما أن الباب يبنى على إحدى القواعد المتقدمة وهي تحريم أكل المال بالباطل وذلك بيّن في الباب فإن قيل فلم لا يحكم بفسخ العقد وقد انعقد على حرام وانبنى على باطل قلنا لأنه عارضته قاعدة أخرى تقدمت الإشارة إليها ومهدناها في كتب الأصول وهي أن النهي إذا كان في حق الله تعالى فسخ ما انبنى عليه وإذا كان في حق الآدمي فالله قد جعل للآدمي الخيار رفقًا به فإنه يحتمل أن يشتريه بعشرة دنانير بعيب لا يعلمه فإذا اطلع عليه وجد المعيب يساوي أحد عشر ديناراً فيرى الحظ لنفسه فرد الله الأمر إليه وذلك إجماع أما إنه قد يدخل على مسائل العيب وجوه من المنهيات من الغرر والربويات فتتعدد لذلك أحكامها وتختلف مآخذها وتكثر فروعها ولا تحتملها هذه العجالة وقد مهدناها في مسائل الخلاف.

стр. 931

كتاب الهبة أصل الهبة على الحقيقة لله وحده لأن حقيقة الهبة هو العطاء بغير عوض مما لا يجب والذي يعطى على الحقيقة بغير عوض ولا يجب عليه هو الله تعالى ولا يتصور ذلك في الآدمي لأنه محمول على التلفت إلى الأغراض إما في جلب منفعة وإما في دفع مضرة فلذلك كانت هيئة محمولةُ على القصد إلى البدلية فيها، وقد تكون على توقع البدل من الآدمي فبقي عليها اسمها العام على عادةِ العرب في إطلاقاتها في مثله. قال تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربُو في أَموال النَّاس فلا يربُو عند الله وما آتيتم من زكاةٍ تُريدون وَجه الله فأولئك هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ (١) وقد يعطى الرجل على المروءة وذلك من الشريعة وجرى مجرى الصدقة. روى مسلم في صحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: (كلُّ معروفٍ صدقة (٢))، وضرب له النبي ﷺ أمثلةً متعددةً من الواجب والمندوب بيانها في موضعها، وقد تكونُ الهبةُ لصلةِ الرحم وهي من المعروف المؤجل العوض، وقد تكون طلباً لمحض العوض من الواهب في مال الموهوب فأما مالك فقضى به، وأما جمهور العلماء منهم الحنفية والشافعية فحرموه لأنها مبايعة بثمنٍ مجهولٍ. قالوا: ويجب أن تخلص العقود بألفاظها لأحكامها، فإن غيرت الألفاظ لم يجز إسقاط الشروط. وهبة الثواب مجهولة العوض وذلك حرام، مجهولة الأمر، وكذلك لا يجوز معقبة بالمنازعة، وتلك مزابنة نهى عنها بالإجماع محظورة بالإتفاق، وقال علماؤنا هذا كله صحيح إلا أن كل عقدٍ قد أنزله الشرع منزلته وعيّنه بشُروطهِ فالبيع وأحكامه على مساقها

стр. 932

والهبة على موضوعها، وإذا وهب فصدر الهبة، وفاتحها مخلص من جميع ما ذكرتم، ولعله لا يطلب العوض أبداً وربما كره المعطي المِنَّة فبادر بها من قبل أن يسأله فإن سأل المعطي مكافأة فيه فالغالب من الخلق المبادرة للمطلوب والمسامحة فيه وإن وقع التنازع وذلك قليل وجب عليه إعطاء القيمة في المشهور، وقيل هو على هبته حتى يرضى منها وهو الصحيح لأن الظاهر أنه لو أراد القيمة لعرضها للسوق، وإنما أراد أكثر منها. (حديث) وقد تكون الهبة للقريب كما قال النعمان بن بشير إن أباه بشيراً أتى به النبيَّ ﷺ فقال: إني نحلتُ ابني هذا غلاماً. فقال رسولُ الله ﷺ : (أكُلّ ولدك نحلته هذا؟) قال: لا. قال رسول الله ﷺ : (فارتجعه) (١). وروي (فاردده) (٢)، وروي (أشهد على هذا غيري) (٣). وروي (إنِّي لا أشهد على جورٍ) (٤). وروي أنه قال: (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟) قال: نعم. قال: (فسوِّ بينهم في العطية) (٥) هذا كله في الصحيح. زاد أبو داود (إن عليهم من الحق أن يبروك، وعليك أن تعدل بينهم) (٦) واختلف في جواز ذلك. قول مالك. والصحيح جوازه عنده وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٧) وقال أحمد بن حنبل ذلك باطل يجب فسخه لأنَّ النبي ﷺ أمر برده وقال في الصحيح: (لا أشهد على جورٍ)، وقال: (أتحب أن يكونوا لك في البر سَواء) (٨). فعلَّل بالعقوق إلى ما يدخل بينهم من الشحناء، وذلك يقتضي التحريم ورده هو الصحيح في الحكم.

стр. 933

فإن قيل فقد قال (أشهد على هذا غيري)، قلنا هذا هو تأكيد التحريم لأن أمراً لا يرضاه رسولُ الله ﷺ ولا يشهد به من ذا الذي يرضَاهُ أو يشهد به، وسائر ألفاظ الحديث نص صَريح فلا يرد بهذا المحتمل. وقد كان النبي ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها (١). وروى البخاري أنه كان لا يرد طيباً لمحبته فيه (٢)، وجاء حديث وقد هوازن وقول النبي ﷺ للمسلمين في خُطْبتِهِ: (إن إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين) إلى قوله (فمن أحب منكم أن يطيب بذلك نفساً فليفعل، ومن أحب أن يبقَى على حظه حتى نُعطيه إياهُ من أولِ ما يفيء الله علينا فليفعل) (٣). مفاقهة: لما رأى الناس أن عقدَ الهبَة شرع محض، قالوا: إنه لضعفه لا يلزم إلا بالقبض وإليه صغى كثير من الفقهاء منهم (ش) و (ح) وعجباً لهم من أي أصلٍ نزعوا إلى هذا الفصل والهبة عقد من العقود ومبنى العقود على اللزوم ومحلها القول منه يكون وبه يلزم وما الإنسان لولا اللسان، وقد بين الله ذلك بقوله: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وما بقي بعد قول هذا وهبت وقول الآخر قبلت. والكفالة عقد باتفاق ويلزم بالقول بإجماع من الأمة فكيف غفلوا عن هذا فإن قيل كذلك كنا نقول كما ذكرتم لولا قول أبي بكر الصديق لعائشة: "لو كنت حزتيه لكان لك وإنما هو اليوم مال الوارث" (٤) فبين أن الهبة إنما تكون هبَّة بالقبض وأن انفرادها عنه مبطل لها قلنا كيف تعلقتم بهذا في مثل هذا الأصلِ العظيم وهو قول الواحد من الصحابة، وقد

стр. 934

قال أبو بكر ﵁: "إنَّ الجدَّ أب" (١)، ولم يقل بذلك الشافعي، فقد وجب والحالة هذه أن تقول متى ما كان الواهبَ صحيحاً ماله له لم يتعلق به حقٌّ لغيره، وجبَ عليه أن يفي بعقده ويسلم ما وهب لصَاحبه، فإذا مَرضَ تعلقَ به حق الغيرِ فلو كان عن معاوضةٍ محضةٍ لوجب التسليم "فيه" (٢)، وإذا كانَ عن تبرع، فحق الغير إذا تعلقَ بالمالِ منع من التبرع أصله إذا تعلقَ بالمال حقوق الغرماءِ، وعلى هذه النكتة نبّه الصّديق حين قال: وإنما هو اليوم مال الوارث، فوجدنا لرد الهبة في المرض أصلاً فحملناه عليه وبقيت الهبة في الصحةِ على أصل العقودِ وعمومِ الكتاب أولاً ترى مسألة أن الزوجة لما تعلق بمالها حق الزوج لم يجز لها عطية إلا بإذن زوجها على ما بيناه في مسائل الخلاف وقد روى أبو داود (٣) والنسائي (٤): (لا يجوز للمرأة عطية إلا بإذن زوجها، إلا أن يكون عتقًا)، فقد روى البخاري أن ميمونة كانت لها جارية فأعقتها، فلما جاء النبيُّ ﷺ إليها قالت: يا رسُولَ الله أشعرتَ إنِّي قد أعتقتُ جاريتي، قال: (أما إنك لو أعطيتها لأخوالك لكان أعظم لأجرك) (٥) فبينَ أن الصدقة أفضل من العتقِ ولكن مع الحاجة، فأما مع عدم الحاجةِ فالعتق أفضل، وقد بيناه في شرحِ الحديث مستثنى من الأصل. ولما كانت الهبة عقداً لازماً بالقولِ عندنا وبالقبض إجماعًا ووقعَ التمليك فيها وكان كل ذي ملكٍ أولى بملكه، وكان كل ذي حقٍّ أخصَّ بحقهِ استثنت الشريعَة من ذلك ما رأت أن فيه مصلحة للطائفتين من الواهبِ والموهُوبَ فقال النبيُّ ﷺ فيما رواه عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جَده (٦) وما روَاه ابن عباس

стр. 935

وابن عمر عن النبي ﷺ قال: (لا يحلُّ لأحدٍ يُعطي عطيةً فيرجعُ فيها إلاَّ الواهب فيما يعطي لولدهِ والعائِدُ في هبته كالكلب يعود في قيئه) (١)، فبين المستثنى وأبقى سائر الهباتِ على أصلِ التحريم، وكانت الحكمة في جعل ذلك بين الوالدِ والولدِ ما له عليه من سَلطنَةِ الإيجاد وحق الكفالة والتربية، وذمامِ الذبّ عنه والنصرة وسيلة رجُوع ماله إليه كله آخر الأمرِ وإلى هذا وقعت الإشارة بقول النَّبي ﷺ : (إنَّ من أفضل ما أكل أحدكم من كسبهِ وإنّ ولدَ الرجل من كسبه (٢))، وقَلَبَ أبو حنيفة القوس ركوة (٣) فقال: لا يحل للأب أن يرجعَ فيما وهبَ لولده لما في ذلك من تغيير القلب وتوقع العقوقُ (٤) وفي الأجنبي لا يبالي به إنما مقصده ماله وكسبه فإن وصَله وصَله وإن قطعَهُ قطعهُ، قلنا لا رأي لمغلوبٍ، أنت تقول هذا والنبي ﷺ قد بينَ حكمه وأوجبَ الرجوع له، فإن قالوا هذا الحديث ليس بصحيح، قلنَا أنتم تقولونَ هذا وليس لكم حديث مثله وصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هي نضاركم (٥) وحرمالكم والمعنى عليكم زائد إلى هذا فإن كل ولد يطلب والده ماله الذي لم يستفدة من جهته فيقف دونه لا يعد من البررة فما ظنك بما كان أصله من عنده فإن قيل فالحديث الصحيح يعارضه، قال النبي ﷺ : (العائد في صدقته كالكلب في قيئه) قلنا: قد أشبعنا القول في هذا الحديث في مسائل الخلاف وشرح الآثار والمعتمد الآن لكم أنه عام مطلق وحديثنا خاص مقيد والخاص يقضي على العام باتفاق.

стр. 936

تتميم وقد نبه مالك على تكملة في هذا الحديث وتوفية للنظر فقال إن عطية الوالد لولده محتملة فما (١) كان لله ويدل عليه لفظ الصدقة فلا رجوع فيه لأن المعاملة مع الله لا يتطرق إليها فسخ من جهة الآدمي فإن تزوج الولد أو ادّان فحق الزّوجة والمديان أقوى من حقِ الوالد. فخرجت المسألة الأولى عن أن تكونَ مرادة بالحديث، وخص الحديث في المسألة الثانية بما هو أقوى من عمومهِ حسبما بيناهُ في أصولِ الفقه. القضاء في العُمرَى روَى مالك وغيرهُ من الأئمة باتفاقِ عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (من أعمر عُمرى له ولعقبهِ فإنها للذي يُعطاها لا ترجعُ إلى الذي أعطاها) (٢). زاد مالك أبداً (٣) , لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. قال الشافعي وأبو حنيفة وكثير من العلماءِ: من أعمر عمرى رجلاً كان ذلك له حَياتُه فإذا ماتَ رَجعت إلى الذي أعطاها أو إلى أحق الناس بميراثه يوم مات وتركب عليه التوريث، فإن أعمره وعقبه فإنها ملك محض لا ترجع إلى الذي أعطاها أبداً كما لو وهبَ أو باعَ، وهو ظاهرُ قول مالكٍ في الموطّأ. والقول الثاني: وهو المشهور اليوم عند الناس، أنه إذا انقطعَ العقب رجعت إلى أقرب الناس بالمعمرِ، وقال سائرِ الفقهاء ترجع إلى بيت المال كسائر المواريث، وتعلقوا بظاهرِ الحديث وهو قوله (لا ترجع إلى الذي أعطاها) ولا سيما بزيادة مالك في قوله أبداً وهذا قطعٌ محض، وقد تكلم العلماء على ذلك دليلًا وسؤالًا وجواباً، وها نحنُ نبرز لكم نكتةً مجهولةً مجلوةً في منصة البيانِ فنقول: العُمرى فُعلى من العمر، إما عمر المعطي وإما عمر المعطى فَقَد تقول أعطيتك مدى عمرك أو عمري وعمر عقبى أو تقول أعطيتك

стр. 937

عمرك أو عمر عقبك، وقد اتفقنا على أنه لو كان الحكم معلقاً بعُمر المعطي لما كان تمليكاً محضاً فكذلك في عمر المعطى وتَحويره على صيغ القياس حكم معلق بأحدِ العمرين فلم يكن على التأييد أصله الثاني، وهذا الفقه صحيح يكشفُ حقيقة الحديث ويبين لكم مقصد الرسول ﷺ في بيان الحكم وذلك العمرى نصف هبةٍ، إذ الهبةُ يكون لها محلان ملك الرقبةِ وملك المنافِع وقد يجتمعان للشخص الواحِد بأن تطلق الهبة إطلاقًا وقد ينفردان فيعطيه المنفعة دون الرقبةِ وهي العُمرى، فإنه لو قال أسكنتك هذه الدار وعقبك لكان تصريحاً بهبة المنافع، وكذلك عُمرتك، وقد تجعل الرقبة لشخصٍ والمنفعَة لآخر، فيقول أعمرتك وعقبك هذه الدار وجعلت رقبتها لفلان وعقبه فإذا كانت تنفصل في أنواعها اسماً وحقيقةً وحُكماً فكيف تجعل بابًا واحدًا وقد تبين بذلك أنَّ النبيَّ ﷺ أراد من وَهبَ منافع دارٍ مثلاً لرجلٍ ولعقبهِ فإنه لا يرجعُ إليهِ إذا مات ذلك الرجل المعمر, لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، يريدُ أنَّ المنافعَ قد استحقها العقب من بعد موروثهم. فكيف ترجعُ إلى الذي أعطاها حتى ينقرضَ جميعهم. وأما مسألة الرقبة فهي مسألة مخاطرة داخلة في الغررِ خارجة عن المعروف وبيانها في موضعها. القضاء في اللقطةِ: هذه لفظة اختلفَ أهل اللغةِ فيها فمنهم من رواهَا مفتوحة القاف ومنهم من روَاها ساكنة وقد بيناها في موضعها والأولى عندي أن تكون بالسكون, لأنه في الغالب بناء المفعول في باب فعلة وفَعَلة (١) والأصل في ذلك الحديث الصحيح المتفق على روايته.

стр. 938

جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرِّفها سنةً، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) قال مالك: ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها (١). زاد البخاري ومسلم: فإن جاءَ صاحبُها وإلا فاستنفقها (٢). زاد الجميع فإن جاء صعبها وإلا فشأنك بها. واتفقوا على اللقط الواحد في الغنم والإبل، وروي في الصحيح عن أبي بن كعب: التقطت صرة فيها مائة دينار فجئت بها رسول الله ﷺ فقال: (عرفها حولًا) ثم جئته فقال: (عرفها حولًا آخر)؛ وذكر ثلاثة أحوال. خرجه البخاري وغيره (٣). فبين النبيّ ﷺ في هذا الحديث أصولَ أحكام اللقطة. زاد البخاري أن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج (٤). اتفق الأئمة كلهم على أن النبي ﷺ قال في خطبته حين عظَّمَ حرمة مكة. قال: (ولا تحل لقطتها إلا لمنشدِ) (٥)، فأما سؤال السائل عن اللقطة فإنما كان عما يفعلُ بها وعنه إجابة النبي ﷺ عليه لا عمّا قال بعض علمائنا، من أنه يحتمل أن يكونَ سؤاله أيأخذها أم لا، فإنه لم يجد لذلك جواباً في كلام النبي ﷺ ، ولكنه معلوم من غيره من الأدلة مفهوم من قوة الحديث لأنه لما قال في ضالة الإبل: مالك ولها. وقال في ضالة الغنم: (هي لك أو لأخيك أو للذئب)، تبين أنه نهى عن أخذ الإبل وأباح أخذ الغنم ويرجع ذلك إلى نية الآخذ، فإن أراد بأخذها حفظها على صاحبها فيا ما أحسن ذلك، لا سيما في هذا الزمانِ الذي يخاف عليها أن تقع في يد من يتخذها مالاً من ماله، وأما إن قصد أن يأخذها لنفسه فذلك حرام، إلا أن تكون اللقطة من الطعام الذي لا يبقى فليأخذها وليأكلها في الحال، فإن أكلها أولى من فسادها وأما إن كان يسيراً مما لا يبقى فرخص مالك في كتاب محمَّد في الدريهمات اليسيرةِ أن يأخذها

стр. 939

ويستنفقَها ولا يرفعها والذي روى أبو داود عن جابرٍ أن النَّبيّ ﷺ رخص لهم في السَوطِ والعصا والحبل أن ينتفعُوا به (١)، إذ قيمة ذلك يسيرة، كما أنه لا خلاف بينهم أن ما لفظه البحر من قصعةٍ وحوت فإنه يأخذه لنفسه، فإن كانَ متاعاً لمسلمٍ صَار لقطة وإن كان لكافر دفعه إلى الإِمام. قال المتأخرون: إن كان عدلًا وإلَّا أخذه وواسى منه وإن شك هل هو لمسلمٍ أو لكافرٍ تورع عنه. وقد قال مالك إن لقطة مكة كسائر اللقط، وتكلم في ذلك العلماء من أصحابنا في الاحتجاج لمالك والانفصال عن الحديث، ولست أرى مخالفة الحديث في هذه المسألة ولا حاجة بنا إلى أن نتكلف تأويل ما لا يقبلُ التأويل ولما قال النبي ﷺ : (أعرف عفاصها ووكاءها) دل على أن الذي يجزي صاحبها في اعترافها هذا القدر من الدليل وقيل إنما ذكر ذلك على معنى التنبيه، إذ لا بد له أن يذكر الإمارات من العفاص والوكاء باتفاقٍ، زاد ابن القاسم وأشهب. والعدد زاد ابن شعبان والسكة ولكلِ واحدٍ منهم حجة. أما من تعلق بالعفاص والوكاءِ فقال: لأنه المذكور في الحديث، وأما من شرط العدد فقال لأنه الغاية في البيان وأما من شرط السكة فإنما نظر إلى اختلاف السكك في زمانه، فلو ذكرَ واحدًا وهو العفاص أو الوكاء، فاختلف الناس فيه، ومن علمائنا من قالَ: يجزيه ذكر كل واحد منهما ويحلف في تفصيل بيانه في المسائل ومنهم من قال لا أقل مما ذكر النبي ﷺ ومنهم من قال كيف يكون مع أحدٍ شيء لا يعرف سكته ولا عدده والصحيح عندي أنه يعطى بواحدٍ بغير يمين، والدليل عليه حديث أبي داود أن علي بن أبي طالب ﵁ وجدَ ديناراً (٢). الحديث. روَاه أبو داود إلى أن قال فيه: فبينما هم يأكلون

стр. 940

إذا رجلٌ يقول أنشد الله والإِسلام الدينار، فأعطاهُ النبي ﷺ بعلامةٍ واحدة, لأنَّ للرجل أن يقول أخذته ليلاً فربطته في الوكاءِ لا أعرفِ إلا عددَه ويحتمل أن يقُولَ خرقته وخَيطه كذا وكذا وأما العدد فقد أنفقتُ منه وأما سكته فكانت عندي سكك لا أدري أي هذا منها وأما الوكاء فيقول كنتُ أحل وأشد ولم يكن لذاك وكاء واحد. فالدليل الواحد يكفيه لا سيما وليس لأحدٍ عليه يدٌ تدعيه ولو رأيته في الطريق يأخذها لما كان لك أن تعترضه، وإن كانت في تلك الحال وديعة لجميع المسلمين وهي الآن إنما هي وديعة عندك فسلمها إلى من جاء ولو بدليلٍ واحدٍ فيها. وأما اليمين فلا أراها, لأن موضعَ اليمين أن يكون في مقابلة دعوى، فإن احتج محتج بيمين الاستبراء فقد تقدمتها الدعوى، فأما قول النبيّ ﷺ فاستبق بها هي قوله فشأنك بها بل هو أكثر وأعم وقد روى النسائي أبين من هذا في الغرض. فقال: (ذلك مال الله يؤتيه من يشاء) (١) وهذا عام في الفقير والغني وقد اختلفَ في ذلك علماؤنا على قولين: أحدهما: يأكله الغني وبه قال الشافعي. والثاني: ألاَ يأكلها إلا إذا كان فقيرًا وبه قال أبو حنيفة. واحتج الشافعي بحديث أبي بن كعب حين قال له النبي ﷺ : (استبقها). وكان أبي بن كعب حينئذ (٢) من المياسير وقال أصحاب أبي حنيفة كيف يصح هذا للشافعي، وقد قال النبي ﷺ لأبي طلحة في بيرحاء تصدَّق بها فوضعها أبو طلحة في أقاربه وفي بني عمه ومنهم أبي بن كعب (٣). وقال علماؤنا المحررونَ هذه المسألة تنبني على أن اللقطة هل

стр. 941

تؤخذ احتساباً لله أم اكتساباً. فقالوا عند أبي حنيفة أنها احتساب، وعندنا أنها اكتساب. قلت (١): معاذ الله من (٢) هذا الذي قال علماؤنا إنما هي في أول الحال احتساب لله، فأبو حنيفة يقول يبقى هذا الحكم من الاحتساب ونحنُ نقول يزول بقولِ النبيّ ﷺ (فشأنك بها)، ولم يفصل بين فقيرٍ وغني، ولو كان الحكم يختلف لفصَّل، ولأنها لو كانت وديعة لما جاز أكلها للفقير كالوديعةِ المطلقة، وأما فصل الحولِ ومَا وردَ فيهِ في حديث أبي بن كعب من ذكر الثلاثة الأحوال فقَد أراح منه شعبة وذكره البخاري وغيره. قال شعبةُ عن سلمة يعني ابن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبي بن كعب قال: أصبتُ صرةً أو التقطتُ صرةً. فذكر الحديث إلى الثلاثة الأحوال قال شعبة: ثم لقيتُه بعد ذلك بمكة يعني سلمة قال: لا أدرى قال: حولًا واحداً أو حولين أو ثلاثة أحوالٍ، فشك سلمة فيما أخبره به سويد بن غفلة (٣)، وإذا شك الراوي فيما روى سقطت روايته وقد مهدنا ذلك في شرح الحديث. وأما ضالة الغنم فقال الشافعي: هي لقطة تعرف، وفرق علماؤنا بين أن تكون في أرض مضبعة أو في محل رجاءٍ ومنفعَةٍ، قالوا فإن كانت في محل رجاءٍ ومنفعةٍ، فهي لقطة وإن كانت في أرض مضبعةٍ فهي لواجدَها حلال مطلق لأن النبي ﷺ قال: (هي لك أو لمثلك ممن يعبرها عبراً أو يقطعها سيراً أو للذئب). فبين أنها لله لا يد لأحدٍ عليها، وأن واجدَها

стр. 942

أخو الذئب في باب الحل وارتفاع التكليف عنه في الامتناع منها، الذي كان قبل هذا عليه، وقد استوفيتها في مسائل الخلافِ. وأما ضالة الإبل فغضب النبي ﷺ على السائل حين ذكرها لما فهم منه من استشراف الطمع وتعلق البال بمالِ الغير وكان السؤال عن منفوق المال وعن النساء سؤالًا محتملاً، لقصدِ الحفظِ على الغير ولقصدِ انتفاع الطالب فأما ضالة الإبل، فقد خلصت للطمعِ لأنه لو تركها لما خاف عليها، والأخذ إنما هو لأجَل الخوف ورضي الله عن هذا السائل، فلقد أفاد مسائل استوفيناها في شرح الحديث وكتب المسائل نذكر الآن لكم منها ثلاثاً. الأولى: أنه لا بأس بالغضبِ على السائلِ إذا عدل عن جهة السؤال. الثانية: أنه استوفى لنا بيان اللقطة كلها ولولاه لاختلفنا في الإبل كما اختلفنا في البقر مع وجود النص في الإبل والصحيح في البقر أنها ليست كالإبل وإنما هي كالغنم يعلم ذلك مشاهدة. الثالثة: أن قول النبي ﷺ (معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر). الحديث بيان لحال الموضع الذي توجد فيه فإن كان يمكنها فيه الورود لأنها أودية وحياض وبرك فالأمر كذلك وإن كانت في موضع فيه آبار لا تتمكن من الورود فهي بمنزلة الشاءِ وعلى هذا حمل علماؤنا من ترك دابته بأرضٍ مضبعةٍ وقد يئس منها فقام عليها رجل حتى قامت، والصحيح أنها لمن قام عليها، وإن كان غير مشهور المذهب وقد روي في ذلك حديث ليس بصحيح، ولكن فقه هذا الحديث يشهد بصحة ما قلناه، ومن فوائد هذا الخبر ما قال علماؤنا أن ما ورد فيه حديث الزبير قبله من فتوى النبي ﷺ وحكمه في حالِ الغضب أن ذلك مخصوص فيه من قول النبي ﷺ : (لا يقضي القاضي وهو غضبان) (١) لأنه ﷺ كان ينطق بالوحي، ويؤيد بالعصمة، فلا يخاف عليه من الغضب آفة، فأما نحن فإنما نحكم بالاجتهاد، وبذل الوسع في النظرِ والغضب يشوش الخاطر ويشغل القلب عن النظر أو استيفائه، وذلك مظنة غلظٍ في الغالب، وعليها ورد النهي، فوجبَ أن يقف دونه.

стр. 943

القضاء في الوصايا (١) الوصية في اللغة عبارة عن كلِ قولٍ يلقيه أحدهما إلى الآخر ليعمل به وهو مخصوص في الغائب والميت من جملة ما يلقي من القول وصفه الله للحاجة إذ لا يتفق للموكل كل ما يريده أو يحتاجه حاضرًا ولا بد من التعاون بين حالتي الغيبةِ والحضور فيما يختص بالموصي أو فيما يختص بالموصَى إليه أو به أو فيه أو ما يتعلق بالكلِّ أو ما يخص ثنتين منهما على التفصيل والتقسيم وقد ذكرهما الله في مواضعَ في كتابه من أهمها قوله: (كتب عليكم إذا حضرَ أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين) الآية. إلى قوله: (سميع عليم) (٢) وأما أحاديثها فكثيرة أصولها أربعة. الأول: حديث عبد الله بن أبي أوفى قيل له: (هل أوصى رسول الله ﷺ قال لا. قلتُ: فكيف كتب الوصية أو أمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتابِ الله) (٣). الثاني: حديث عبد الله بن عمر أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: (مَا من حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا وصيته عنده مكتوبة) خرجه الأئمة بأجمعهم (٤). زاد مسلم أو ثلاث ليال (٥). الثالث: حديث سعد بن أبي وقاص: الثُّلثُ والثلث كثير. اسردوه وهو صحيح متفق عليه (٦). الرابع: حديث أبي أمامة: أن النبي ﷺ قال: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه

стр. 944

لا وصية لوارث) (١). خرجه أبو داود والترمذي، وقد خرج البخاري حديثًا بما ذكرناه عن ابن عباس قال: لو غض الناس من الثلث إلى الربع لقول النّبيّ ﷺ : (الثلث والثلث كثير) (٢) وللوصية أحكام كثيرة بيانها في كتب المسائل أمهاتها خمسة. الحكم الأول: في وجوبها: اختلف الناس في ذلك، فذهب ذاهبون إلى أنها واجبة وجوب الأعيان، ويتعين على كل أحد أن يوصي عند موته أهله وإخوانه ومن حضره، وكذلك فعلت الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وكذلك فعل خاتمهم الأعلي وقد ذكر الله ذلك في كتابه عن بعضهم، وقد قال: (كتب عليكم إذا حضَرَ أحدكم الموت) (٣)، الآية وقال آخرون تجبُ الوصية إذا خاف الموصي الفوت لدينٍ يقضيه من حق الله تعالى أو من حقوق العباد، وهو مذهب الفقهاء وهو الصحيح، وهو المراد بحديث ابن عمر ما حق امرئ مسلم فإنه إن لم يكن عليه حق لم تكن الوصية عليه بحقٍ فأما الآية فقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: كان الميراث للولد والوصية للوالدِ فنسخ الله ذلك بآية المواريث وأعطى كل ذي حق حقه (٤)، قال سعيد بن المسيب من التابعين وابن راهويه من الفقهاء: نسخ الله ذلك في الوالدين وبقي الوجوب في الأقربين، حتى قال الحسن وطاووس: إنه لو أوصي بثلثه لأجنبي حول ثلثه لقرابته (٥)، وهذا تحكم منهما ليس عليه دليل يغني ذكره عن الدليل

стр. 945

لضعفه، وأما قول سعيد بن المسيب إنها باقية في الأقربين (١)، فيرده أن الصحابة من الخلفاء إلى أعيان الفقهاء قبل أن يتعد الحال إليه، لم يوصِ أحد منهم، وقد قال علماؤنا قوله تعالى: (كتب عليكم .. إن ترك خيراً) الآية محمول على الاستحباب (٢) , لأنه علق بمجهولٍ، وهذا مقدار الخير، والواجب لا يتعلق بمجهول لأنه من شرطِ الوجوب إمكان الفعل، ولا إمكان مع الجهالة في الحكم. الحكم الثاني: لما أوجب الله الوصية أو ندب إليها أسقطَ لزومها وأجاز في كل وقتٍ تغييرَها، فلو كانت لا تغير لما كانت لأحدٍ قدرة على أن يبادر إليها مخافة أن يبقى حياً، ويلزمه عقدها حتى إنه جوَّز فيها تبديل ما لا يبدل وهو العتق وكل شيء يفعل للمرء بعد موته فإنه يجوز له أن يرجع فيه، وكل شيء يفقدهُ في صحته يلزمة، وكل ما يفعله في مرضه له تغييره كما قلناه إلا العتق المبتل (٣) والمدبر، وسيأتي بيان ذلك في كتاب العتق إن شاء الله. الحكم الثالث: إن الله لمّا ملّك الأموال للخلقِ وعلِمَ أنهم على قسمين، منهم من يحفظ المال ومنهم من يهمله، شرع الحجر على من أهمله من صغيرٍ أو مصابٍ، أو ضعيفٍ أو سفيهٍ، فقبضَ أيديهم عن الأموالِ وألغى ما يصدُر عنهم فيها من الأقوال إبقاءً عليهم ورحمةً لهم إلا أن يوصُوا فمن أوصَى منهم نفذت وصيته, لأنها ظاهرة في وقتٍ لا يتوقع عليه فساد في مالِه ولها حاجة في حالهِ، وهذا إذا كانَ مميزاً يعقل ما يوصي ويتكلم به عن فهمٍ من غير أن يقوله، وعلى هذا جاء قضاء عمر بن الخطاب ﵁ في الغسّاني (٤) وعليه يحمل المجنون حال الإفاقة. الحكم الرابع: محل الوصيةِ الثلث للصحيح والمريض لحديث سعد بن أبي وقاص الثلث والثلث كثير، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال فيه: (إنَّ الله أعطاكم ثلْثَ أموالكم

стр. 946

في آخرِ أعماركم زيادةً في أعمالكم) (١) وهذا الحديث وان لم يكن صحيحاً فإن معناه صحيح يصدقه حديث سعد الذي اقتضى بظاهره تعليق حق الورثة بمال المريض وخلص له الثك لحاجاته واستدراكاته، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: سُئِل رسول الله ﷺ أي الصدقة أفضل؟ قال: (إن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم وقلتَ لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) (٢)، ومن فاته الاستدراك في محل الاستدراك وهو الثلث فاختلف العلماء هل يلزم الوارث أن يعطَى عنه ما فرطَ فيه أم لا؟ فقال الشافعي كل ما فرط فيهِ من حق مالي، فإنهُ يخرج من رأس المالِ، وهو قولٌ ضعيف, لأنه قد صار بالمرضِ إلى حالةٍ لو أراد أن يعطي فيها جميع ماله لم يجز له إجماعاً فتركه كإخراج ما وجَبَ عليهِ من ذلك تعويل على أن يتمتع به في الدنيا ويفوته ورثته في الأخرى وهذا مقصد لا يجوزه له مسلم يفهم حقيقة الشرع ويتفطن لوجوه المصالح والتكليف، أما إنه يستحب للوارث أن يعطيَ عن موروثه كما فعل سعد عن أمه (٣) وكما فعل ابن التي افلتت نفسها بعد موتها (٤). الحكم الخامس: إذا ثبت أن المرض يعلق حق الورثةِ بالمالِ ويقبض يد المريض عن التصرفِ فيه، وتحققنا أنَّ حكمة ذلك وعلته الخوف على المريض من المنية في الغالب فإنه قد تنزل بالأصحاء أحوال تتحقق فيهم هذه العلة، فوجب أن يكونَ حكمهم بحكم المريض في حكم قصر تصرفهم على الثلث كالحامل في أخريات أمرها والملجج في البحر

стр. 947

لم يتساحل به وحائض الزحف في ملتحم القتال والتعرض للحتف، وهي مسألة من مسائل الخلاف وقد بيناها هنالك، وهي أظهر من أن يدل عليها. فهذه أصول أحكام الوصايا يربط ما وراءها بها وقد ذكرتُ فروعها في كتب علمائنا بما يدخل عليها من قواعد الولايةِ والجهالةِ والقسمة والترجيح لشخصٍ على شخصٍ إلى غير ذلك من عَوارضها فليرد كل فرع إلى أصله وليغلب الأقوى من الأصول عند التعارض حسب ما بيناه في كتاب الترجيح. ما جاء في المؤنث من الرجال (١) ذكر مالك حديث المخنث الداخل على أم سلمة (٢) إلى آخر قولهِ. وهذا المخنث اسمه هيت (٣) وهو مولى عبد الله بن أبي أمية: دخل على أم سلمة وعبد الله عندها فقال له وهم محاصرو الطائف: إنْ فتحَ الله عليكم الطائف غداً فإني أدلك على باذنة (٤) (بالنون) بنت غيلان فإنها تقبلُ بأربع وتدبر بثمانٍ، إن جلست تثنت وإن قامت تثنت وإن تكلمت تغنّت، بين شكول النساء خِلقتُها، لا قصرٌ شأنها ولا قصفُ، تغترق الطرفَ وهي لاهية، كأنما شف وجهها نزفٌ. فقال له النبي ﷺ : (لقد غلّظتَ النظر يا عدوّ الله)، ثم قال لنسائه: (لا يدخلنَ هذا عليكم) (٥). قال علماؤنا رحمة الله عليهم: كان دخوله في غزوة

стр. 948

الطائف بعد نزولِ الحجاب بسنتين، وإنما كان مأذوناً له في ذلك لكونه من غير أولي الإربة وللحجبَة أحكام بيانها في مسائل الأحكام ولم يفرد لها علماؤنا كتابًا ولا بابًا وقد بالغنا فيها في كتاب أحكام القرآن فلينظر هناك في سورة النور (١). القضاءُ في الحضانةِ روى أبو داود وغيرهُ أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت. يا رسول الله، إن ابني هذا، كانَ بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجري له حواءً وإنَّ أباه طلقني ويريدُ أن يأخذه مني فقال لها النبيّ ﷺ : (أنتِ أحق به ما لم تُنكحي) (٢)، واتفق العلماء على ذلك لأن الآدمي محتاج في صغره إلى الكفالة، محتاج في كبره إلى النصرة والولاية، والأم على الكفالة أقدر وبها أبصر فإنها التي تكفل الابن في معاشه وبينها وبين الولد علاقة في هذه الحالة ليست للوالد وهو إذا كبرَ واستقل بنفسه محتاج إلى النصرة فهو سيأوي إليها إذا وجدها ولذلك مهما عكفت الأم على الولد كانت به أحق فإذا دخل بها زوجها الثاني سقط حقها بالنص وبالمعنى وهو أن الضرر يلحق الولد باشتغالها بزوجها في حالة الكفالة وانتهائها به في

стр. 949

حالة المباضعة وتعريض ولد الغير منه إلى الذلة فخزل عنها وإلى من يخزل. فاعلموا أنَّ الموجود ها هنا عمودان أحدهما عمود الأم، وقد قضى النّبى ﷺ بالولد للخالة حسب ما تقدم، فإن لم يكن عمود الأم فالأب وأهله، واختلفوا: هل يقدم الأب على أهلهِ لأنهم يستحقون بسببه أو يقدم الأهل عليه لأنهم أرفق به؟؟ والصحيح أن الأب يقدم لأنه أنظر له يرى حاله معه، فإن استقل بالكفاية وإلَّا نقله إلى من يرى من أبدَاله أو غيرهم، وكذلك اختلف العلماء هل الحضانة حق لله أم للحاضنة أم للوالد، والأشبه أنه حق للحاضنةِ لقوله ﷺ : (أنتِ أحق به ما لم تُنكحي). ولقوله: (لا توله والدة على ولدها) (١). وهو حديث مشهور ولا يشك أن للولد حقاً في ذلك لأن النظرَ له ولا إشكال في أن للبارئ في ذلك حقاً, لأنه وليُّ كل صغير كان له ولي أو لم يكن له بأن يختار له ويبين حاله، فما حكمَ به لزم وهو ولي الكفار يرزقهم ويرفعهم، وقد اختلفَ علماؤنا في هذه الأقوال الثلاثة كاختلافِ من تقدم من العلماء فعليها، فركبوا فروع الحضانة. القضاء في البيع الفاسد وهي مسألة عظيمة انفرد بها الشافعي دون مالك وأبي حنيفة وقوى عليهم فيها. قال: إذا باع الرجلُ بيعاً فاسدًا واتصل به القبض فإنه يرد في كلِّ وقتٍ وعلى كل حالةٍ لا يؤثر فيه عيب ولا تمنع منه حوالة السوق ولا يتوقف فيه بنماء سلعةٍ، وإن ترتب عليه عتق أو بيع صحيح، نقض ذلك كله ورجع كلما دفع البائع والمبتاع إلى صاحبه لأن كل ما انبنى على غيرِ قاعدة فهو واهٍ، وقد قال النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: (من عمل عملًا ليس له عليه أمرنا فهو رد) (٢) وهذا كلام لا غبارَ عليه ولا معارض له. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: يبين (٣) البيع الفاسد حوالة الأسواق إلا أن يكون من ذوات الأمثال وإن كان عتقاً من

стр. 950

المشتري مضى وترددوا فيما إذا باع أو وهبَ. وتعرض العلماء من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة للدليل عليه وفاوضت فيه العلماء مما وراء جيحون (١) إلى مصر فما وجدتُ عند أحد منهم نكتة يعول عليها وتعاطيت النظر ورددته فظهر لي أن مالكاً إنما غاص في ذلك على نكتة وهي: أن البيعَ الفاسد إذا عقده المتعاقدان لا يخلو أن يكونَ حراماً محضاً، لا خلاف فيه فلا ينفذ منه شيء ولا ينبني عليه أمر وإن كانَ مختلفاً فيه، فإن عثر عليه وهو بحَاله فُسِخَ، وإن طرأت عليه علة وأقلها حوالة الأسواق. قال مالك: لا أفسخهُ لأن الدليل مثلاً قد قام عندي على أن هذا عقد لا يجوز، فإذا فسخته ورددت السلعة إلى صاحبها وهي تساوي خمسة بعد أن كان دفعها وقيمتها عشرة فقد أوقعنا به الضرر قطعاً فضرره متيقن حسا وقطع الضرر متيقن شرعاً، فكيف يقوم عليه دليل ظني في الفسخ وقد مهدنا القول عليه في مسائل الخلاف، والله يعلم أن المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أن هذا البيع المنعقد فاسد فتعين عليه أن يفسخ جميع ما ترتب عليه ويبني قطعي على ظني وذلك مما لا يحصى كثرةً في مسائل الفقهِ كما يبنى علم ضروري على نظري وقد مهدنا ذلك في موضعِه فلينظر فيه. كراهية القضاء ولاية القضاء خلافة الله في أرضه ونيابة عن رسولِ الله ﷺ في شرعه ومنزلته، ذات خطرٍ مع ما فيها من الخطرِ، ولذلك خوَّف النبيّ ﷺ منها كثيراً، فقال: (منْ جُعل بينَ الناسِ قاضياً فكأنما ذبح بغير سكين) (٢)، وقال: (من كان قاضياً فقضى بالعدل فبالحري أن يفلتَ منه كفافاً (٣) رواه ابن عمر. خرَّج الترمذي هذه الأحاديث الثلاثة والناس. قال
следующие страницы →