← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122401

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

في آخرِ أعماركم زيادةً في أعمالكم) (١) وهذا الحديث وان لم يكن صحيحاً فإن معناه صحيح يصدقه حديث سعد الذي اقتضى بظاهره تعليق حق الورثة بمال المريض وخلص له الثك لحاجاته واستدراكاته، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: سُئِل رسول الله ﷺ أي الصدقة أفضل؟ قال: (إن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم وقلتَ لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) (٢)، ومن فاته الاستدراك في محل الاستدراك وهو الثلث فاختلف العلماء هل يلزم الوارث أن يعطَى عنه ما فرطَ فيه أم لا؟ فقال الشافعي كل ما فرط فيهِ من حق مالي، فإنهُ يخرج من رأس المالِ، وهو قولٌ ضعيف, لأنه قد صار بالمرضِ إلى حالةٍ لو أراد أن يعطي فيها جميع ماله لم يجز له إجماعاً فتركه كإخراج ما وجَبَ عليهِ من ذلك تعويل على أن يتمتع به في الدنيا ويفوته ورثته في الأخرى وهذا مقصد لا يجوزه له مسلم يفهم حقيقة الشرع ويتفطن لوجوه المصالح والتكليف، أما إنه يستحب للوارث أن يعطيَ عن موروثه كما فعل سعد عن أمه (٣) وكما فعل ابن التي افلتت نفسها بعد موتها (٤). الحكم الخامس: إذا ثبت أن المرض يعلق حق الورثةِ بالمالِ ويقبض يد المريض عن التصرفِ فيه، وتحققنا أنَّ حكمة ذلك وعلته الخوف على المريض من المنية في الغالب فإنه قد تنزل بالأصحاء أحوال تتحقق فيهم هذه العلة، فوجب أن يكونَ حكمهم بحكم المريض في حكم قصر تصرفهم على الثلث كالحامل في أخريات أمرها والملجج في البحر

стр. 947

لم يتساحل به وحائض الزحف في ملتحم القتال والتعرض للحتف، وهي مسألة من مسائل الخلاف وقد بيناها هنالك، وهي أظهر من أن يدل عليها. فهذه أصول أحكام الوصايا يربط ما وراءها بها وقد ذكرتُ فروعها في كتب علمائنا بما يدخل عليها من قواعد الولايةِ والجهالةِ والقسمة والترجيح لشخصٍ على شخصٍ إلى غير ذلك من عَوارضها فليرد كل فرع إلى أصله وليغلب الأقوى من الأصول عند التعارض حسب ما بيناه في كتاب الترجيح. ما جاء في المؤنث من الرجال (١) ذكر مالك حديث المخنث الداخل على أم سلمة (٢) إلى آخر قولهِ. وهذا المخنث اسمه هيت (٣) وهو مولى عبد الله بن أبي أمية: دخل على أم سلمة وعبد الله عندها فقال له وهم محاصرو الطائف: إنْ فتحَ الله عليكم الطائف غداً فإني أدلك على باذنة (٤) (بالنون) بنت غيلان فإنها تقبلُ بأربع وتدبر بثمانٍ، إن جلست تثنت وإن قامت تثنت وإن تكلمت تغنّت، بين شكول النساء خِلقتُها، لا قصرٌ شأنها ولا قصفُ، تغترق الطرفَ وهي لاهية، كأنما شف وجهها نزفٌ. فقال له النبي ﷺ : (لقد غلّظتَ النظر يا عدوّ الله)، ثم قال لنسائه: (لا يدخلنَ هذا عليكم) (٥). قال علماؤنا رحمة الله عليهم: كان دخوله في غزوة

стр. 948

الطائف بعد نزولِ الحجاب بسنتين، وإنما كان مأذوناً له في ذلك لكونه من غير أولي الإربة وللحجبَة أحكام بيانها في مسائل الأحكام ولم يفرد لها علماؤنا كتابًا ولا بابًا وقد بالغنا فيها في كتاب أحكام القرآن فلينظر هناك في سورة النور (١). القضاءُ في الحضانةِ روى أبو داود وغيرهُ أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت. يا رسول الله، إن ابني هذا، كانَ بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجري له حواءً وإنَّ أباه طلقني ويريدُ أن يأخذه مني فقال لها النبيّ ﷺ : (أنتِ أحق به ما لم تُنكحي) (٢)، واتفق العلماء على ذلك لأن الآدمي محتاج في صغره إلى الكفالة، محتاج في كبره إلى النصرة والولاية، والأم على الكفالة أقدر وبها أبصر فإنها التي تكفل الابن في معاشه وبينها وبين الولد علاقة في هذه الحالة ليست للوالد وهو إذا كبرَ واستقل بنفسه محتاج إلى النصرة فهو سيأوي إليها إذا وجدها ولذلك مهما عكفت الأم على الولد كانت به أحق فإذا دخل بها زوجها الثاني سقط حقها بالنص وبالمعنى وهو أن الضرر يلحق الولد باشتغالها بزوجها في حالة الكفالة وانتهائها به في

стр. 949

حالة المباضعة وتعريض ولد الغير منه إلى الذلة فخزل عنها وإلى من يخزل. فاعلموا أنَّ الموجود ها هنا عمودان أحدهما عمود الأم، وقد قضى النّبى ﷺ بالولد للخالة حسب ما تقدم، فإن لم يكن عمود الأم فالأب وأهله، واختلفوا: هل يقدم الأب على أهلهِ لأنهم يستحقون بسببه أو يقدم الأهل عليه لأنهم أرفق به؟؟ والصحيح أن الأب يقدم لأنه أنظر له يرى حاله معه، فإن استقل بالكفاية وإلَّا نقله إلى من يرى من أبدَاله أو غيرهم، وكذلك اختلف العلماء هل الحضانة حق لله أم للحاضنة أم للوالد، والأشبه أنه حق للحاضنةِ لقوله ﷺ : (أنتِ أحق به ما لم تُنكحي). ولقوله: (لا توله والدة على ولدها) (١). وهو حديث مشهور ولا يشك أن للولد حقاً في ذلك لأن النظرَ له ولا إشكال في أن للبارئ في ذلك حقاً, لأنه وليُّ كل صغير كان له ولي أو لم يكن له بأن يختار له ويبين حاله، فما حكمَ به لزم وهو ولي الكفار يرزقهم ويرفعهم، وقد اختلفَ علماؤنا في هذه الأقوال الثلاثة كاختلافِ من تقدم من العلماء فعليها، فركبوا فروع الحضانة. القضاء في البيع الفاسد وهي مسألة عظيمة انفرد بها الشافعي دون مالك وأبي حنيفة وقوى عليهم فيها. قال: إذا باع الرجلُ بيعاً فاسدًا واتصل به القبض فإنه يرد في كلِّ وقتٍ وعلى كل حالةٍ لا يؤثر فيه عيب ولا تمنع منه حوالة السوق ولا يتوقف فيه بنماء سلعةٍ، وإن ترتب عليه عتق أو بيع صحيح، نقض ذلك كله ورجع كلما دفع البائع والمبتاع إلى صاحبه لأن كل ما انبنى على غيرِ قاعدة فهو واهٍ، وقد قال النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: (من عمل عملًا ليس له عليه أمرنا فهو رد) (٢) وهذا كلام لا غبارَ عليه ولا معارض له. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: يبين (٣) البيع الفاسد حوالة الأسواق إلا أن يكون من ذوات الأمثال وإن كان عتقاً من

стр. 950

المشتري مضى وترددوا فيما إذا باع أو وهبَ. وتعرض العلماء من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة للدليل عليه وفاوضت فيه العلماء مما وراء جيحون (١) إلى مصر فما وجدتُ عند أحد منهم نكتة يعول عليها وتعاطيت النظر ورددته فظهر لي أن مالكاً إنما غاص في ذلك على نكتة وهي: أن البيعَ الفاسد إذا عقده المتعاقدان لا يخلو أن يكونَ حراماً محضاً، لا خلاف فيه فلا ينفذ منه شيء ولا ينبني عليه أمر وإن كانَ مختلفاً فيه، فإن عثر عليه وهو بحَاله فُسِخَ، وإن طرأت عليه علة وأقلها حوالة الأسواق. قال مالك: لا أفسخهُ لأن الدليل مثلاً قد قام عندي على أن هذا عقد لا يجوز، فإذا فسخته ورددت السلعة إلى صاحبها وهي تساوي خمسة بعد أن كان دفعها وقيمتها عشرة فقد أوقعنا به الضرر قطعاً فضرره متيقن حسا وقطع الضرر متيقن شرعاً، فكيف يقوم عليه دليل ظني في الفسخ وقد مهدنا القول عليه في مسائل الخلاف، والله يعلم أن المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أن هذا البيع المنعقد فاسد فتعين عليه أن يفسخ جميع ما ترتب عليه ويبني قطعي على ظني وذلك مما لا يحصى كثرةً في مسائل الفقهِ كما يبنى علم ضروري على نظري وقد مهدنا ذلك في موضعِه فلينظر فيه. كراهية القضاء ولاية القضاء خلافة الله في أرضه ونيابة عن رسولِ الله ﷺ في شرعه ومنزلته، ذات خطرٍ مع ما فيها من الخطرِ، ولذلك خوَّف النبيّ ﷺ منها كثيراً، فقال: (منْ جُعل بينَ الناسِ قاضياً فكأنما ذبح بغير سكين) (٢)، وقال: (من كان قاضياً فقضى بالعدل فبالحري أن يفلتَ منه كفافاً (٣) رواه ابن عمر. خرَّج الترمذي هذه الأحاديث الثلاثة والناس. قال

стр. 951

في حديث ابن عمر وفي الحديث قصَّة (١) ووقعَ في بعض النسخ لأبي عيسى ذكر القصة وهي أن عثمان بن عفان قال لابن عمر: إذهب فاقض بينَ الناسِ. قال له ابن عمر: لَا أقضي بينَ رجلينِ، قال له: إن أباك كان يقضي. قال: أبي كان إذا أشكل عليه شيء سأل رسول الله ﷺ ، وإذا أشكل على رسول الله ﷺ سأل حبريل ﵇، وأنا لا أجد من أسأله، وقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (من ....) وذكرَ الحديث. من عاذ بالله فقد عاذ وإني أعوذ بالله منك أن تجعلني قاضياً. فأعفاه وقال له لا تخبر بهذا أحداً (٢)، وروى الدارقطني عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدةِ الحساب ما يتمنى أنه لم يقض فيه بين اثنين) (٣). قيل فكيف وردت هذه الأحاديث المزهدة في الولاية وهي لا بد منها، وكيفَ يزهد فيما لا بد منه. قلنا: شرفُها معلوم قطعاً، ومن شرفِها وكثرة متعلقاتها عظم الخطرِ فيها، وهذا ليس بتزهيدٍ وإنما هو تحذير وتنبيه على الاحتراس من غوائلِ الطريق وأما حديث سلمان وأبي الدرداء فقوله إن الأرض لا

стр. 952

تقدس أحداً (١) يعني أن الذنوب إنما تكفرها التوبة والأعمال ليست بالبقع، أما أنه قد يتعلق بالبقعة تقديس مَا وهو إذا عمل العبدُ فيها عملاً ضُوعف له بشرفِ البقعة مضاعفة، تكفر سيئاته وترجح ميزانه وتدخله الجنة وتقديسه على معنى التبع لصلاح الأعمال وإن كانت لا توجب التقديس ابتداءً. فافهم هذه النكتة. حديث الأسيفع (٢) أصل في تفليس الغريم وجمع ماله عند زيادة الذنوب عليه ودفعُ يده عنه، وعليه يبنى كتاب التفليس لكلِ عالمٍ ليس لهم كتاب غيره، أما أنه قد روي في ذلك عن معاذٍ (وسوق) (٣) أحاديث لم تصح (٤)، وقد مهدناها في مسائل الخلاف، وركبنا عليها مسائل الفروع في كتب المسائل.

стр. 953

القضاء في حال العبيد اعلموا وفقكم الله إن العبدَ له شرف الآدمية، خلقه الله داركاً، عاقلًا مميزاً، فإذا أَمِنَ كملت درجته (بل) (١) في الحديث إنها زادت على درجة الحر لقول النبي ﷺ : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرَّتين). فذكره. وقال: (عبد أدّى حق الله وحق مواليه) (٢) وهو أخ لمولاه دينًا وإن كان عبده نسباً لقول النّبي ﷺ : (إخوانكم خولكم. ملككم الله رِقابِهم فأطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون) (٣) الحديث. فأخبر النّبيّ ﷺ أنَّ الأخوة والمثلية ثابتة بين العبد وسيده، إلا أن درجته نقصت بملك الرقبة، وحقيقة ذلك ومعناه أن للعبد ذمة، وذمته لا سلطان للسيد عليها، والذم معلوم والذمة مجهولة عند الناسِ وقد بينا في مسائل الخلاف، إنها عبارة عن كونِ العبد أهلًا للإيجاب والاستحباب، وفي العبد التصرف والانتفاع وهو حق السيد ثبت له ثبوتاً رسخ له في الرقبة وتميز به عن عقد الإجارة الثابت في المنفعة، فإذا فهم هذا فكل ما كان من الحقوق يتعلق بالمالية والمنفعة فهو للسيد وكل ما كان من الحقوق يتعلق بالدم والذمة فهو للعبد إلا أنه ممنوع شرعاً عن أن يلقي في دمه أو ذمته معنى يضرُّ بالسيد في ماليته، فإن فعل فما كانَ من القولِ الذي يمكن رده بطل ومَا كان من الفعل الذي لا يمكن رده نفذ واستوفَى حكمه، وإن تعدَّى إلى حق السيد لكون الآدميَّة والدموية والذمية أصول، والرق فرع فظهرت الأصول إذا تعاضَدت أحكامها بالفعل على حق السيد وعلى هذا تتركب مسائل العبيد فاعلينَ باختيارهم أو فاعلين قسراً أو

стр. 954

فاعلين خدعة أو فاعلين خطأً ونضربُ لذلك مثالين تكشف لكم قناع المسألة فنقول: إذا قتلَ العبد قتل وبطل حق السيد، فإن أقر بالقتل قتل أيضًا، فإنه لا يتهم أحد في هذه الحال، وإن أقر بالقتل خطأ، لم يقتل لاقتران التهمةِ بالإقرار. المثال الثاني: إن التقطَ العبدُ لقطة فعرَّفها سنةً ثم أكلها، فإن جاء صاحبُها فهي في ذمة العبد حتى يعتق وإن أكلها قبلَ الحولِ فهي في رقبته, لأنه تعدى بفعلٍ، وحُكْمُه أن يؤاخذ به، وإن تعدى إلى حق السيد، وفي ذلك تفريع طويل واختلاف بين العلماء كثير ولا سيما إذا ترتب على العتق كتابة أو تدبير وقد شفينا من ذلك في مسائل الفروع والخلاف "فليطلب فيه والله أعلم" (١).

стр. 955

كتاب العتق اعلموا وفقكم الله أن العتقَ من أفضلِ الأعمال وأعظم القربات ثواباً جعله الله مخلصاً للأرقاء الذين ابتلاهم به عقوبة فمنَّ عليهم بالعتق بعد ذلك نعمة خلَّصهم بها وآجر المتولينَ له عليها ولله تعالى عتقاء فأقرب العبيد إليهِ من أعتق عبداً بين يديه. قال النبي ﷺ : (ما من امرئٍ مسلم يعتقُ عبداً مسلماً إلا أعتق الله بكل عضوٍ منه عضوًا من النار حتى الفرجَ بالفرجِ) (١) والآثار في تفضيله كثيرة وله اسمان أحدهما العتق والثاني التحرير ولا خلافَ فيهما لكونهما صريحين غالبين في هذا الباب وضعًا وعرفاً، ويلتحقُ بهما قول الرجل في عبده هو لله والأصل في ذلك قول النبي ﷺ في العتق الحديث المتقدم وغيره والأصل في الحرية معان منها حديث أبي هريرة في الصحيح، حين هاجر إلى النبي ﷺ مع عبده بلغ إليه دونه وقال أبق مني فبينَما هو مع النبي ﷺ إذ طلع عليهم العبد. فقال النبي ﷺ : (يا أبا هريرة، ها هو) فقال أبو هريرة: هو حر (٢) وفي رواية هو لله (٣)، والصحيح أن قول القائل هو لله ليس بصريح لأنه يحتمل وجوهًا سوى العتق إلا أن يكون في سياقِ كلامٍ يدل عليه، ألا ترى أنه لو قال الرجلُ في عبده هو حر وأشار به إلى حُسن خلقه لقُبل منه حيث يدل البساط عليه، وفي العتق كنايات كما فيه صرائح، وأشبه شيء به في ذلك الطلاق، ومن كناياته قول القائل لعبده هذا ابني واختلف العلماء فيها، فقال الشافعي: لا يكون حرًّا وإن نوى العتق لأنه نية بغير لفظٍ. وقال أبو حنيفة يكون عتقًا وإن كان العبدُ أكبر سناً (٤) منه وقد بينا في مسائل الخلافِ تحقيق القول في المسألة، وعمدتُها أن الأعمال

стр. 956

بالنيات، وإنما يكفي من القول أدنى ما يقع به الفهم ولذلك قامت الإشارة مقام العبارة والكناية من القولِ مضافاً إلى النية في الدلالة على المراد أبلغ من الإشارة. حديث: قال النبي ﷺ : (من أعتق شقصاً له في عبدٍ وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوّم عليه قيمة العبد فأعطى شركاءه حصصهم وعتق العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق) (١). قال علماؤنا قوله في العبد دليل على أن الأمة في معناه في الحكم المبين فيه قبل النظر إلى علة الحكم واعتبار النظير بالنظير وظنت طائفة من الجهلةِ أنَّ الأمة إنما تبين فيها هذا الحكم من قوله عبد والعبد لفظ يطلق على الذكر والأنثى وهذا وإن كان يعطيه الاشتقاق، فلا نسلم أنه يقتضيه الإطلاق (٢)، وقد اتفقت الأمة على أنه لو قال عَبيدي أحرار لما دخلَ فيه الجواري، وأما قوله وكان له مال بيان لأن المعتقين على ضربين، موسر ومعسر، فأما الموسر فقد بين حكمه وأما المعسر فقد اختلف فيه العلماء (٣)، فمنهم من قال يبقى نصيبُ شريكه رقيقًا وهم الأكثر ومنهم من قال يستسعَى العبد في قيمة سهم سيده المتمسك بالرق. قاله أبو حنيفة وغيره (٤)، وتعلقوا بالأثر والنظر أما النظر فهو الاعتبار بالكتابة، وهو مقطع ضعيف لأن الكتابة مخصوصة بحكمها، خارجة عن قواعد الشريعة بنفسها وقد بينا أنه لا يقاس على مخصوص ولا يقاس منصوص على منصوص حسب ما تقدم، وأما الأثر فروى أبو هريرة عن النبي ﷺ الحديث بعينه إلى قوله: (عتق العبد) زاد بعده (وإن لم يكن له

стр. 957

مال استسعى العبد غير مشقوقٍ عليه) (١) رواه البخاري وغيرهُ وهذا الحديث لا حجة فيه، وقد مهدنا الجواب في مسائل الخلاف وشرح الحديث فننبئكم الآن منه الذي يريكم وجه الحق فيه. إن قوله من أعتق شركاً له في عبدٍ، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قَوَّمَ عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتقَ العبد. وانتهى كلام النبي ﷺ إلى هذا الحد وقوله: وإلَّا فقد عتقَ منه ما عتقَ في حديثِ ابن عمر، وقوله في حديث أبي هريرة وإلا استسعى العبد ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من قول الراوي والأول يعزى إلى نافع (٢) والثاني إلى بشير بن نهيك (٣) وقتادة (٤) فقد بين ذلك علماء الحديث (٥) ولا بد للمتفقِّه من معرفة كلام

стр. 958

الراوي الموصول بكلام النبي ﷺ وتمييزه منه لئلا يحكم بما لا يلزم الحكم به فابحثوا عنه، وأما قوله قوم عليه فهو بيان لحكم الشرع على الإطلاق يتولاه نائب الشرع وخليفته إن اختلفوا، وأما قوله: (قيمة عدلٍ) فقد قدمنا العدل ومعناه. وخذوا فيه نكتةً وذلك أنه إذا قومها المتلف ففي تقويمه تحرير فات علماءنا بيانه، وهو أنا نقول للمقوم قومه مشترى غير مبيع ليقع الجبر لمن أتلف عليه على الكمال، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة بقوله قيمة عدلٍ، وأما قوله وعتق العبد فاختلف العلماء، هل يعتق بنفس الشراية أو بعد التقويم، وجزم (١) الشافعي (٢) قوله (٣) على أنه يعتق بنفس الشراية وهذا ضعيف لأن النبي ﷺ قال ما تقدم فشرط في نفوذ العتق اليسر والتقويم لا سيما وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال وأعطى شركاءه حصصهم ثم عتق عليه العبد، فإن قيل أنتم لا تقولون بهذا الحديث، فإنه لو قوم عليه الحاكم نفذ العتق وإن لم يقبض الشركاء شيئاً فقد تركتم ظاهر هذا الحديث. قلنا: المراد بالتقويم والإعطاء نفس التحصيل بتقدير الوجوب لئلا يفوت الرق على سيد العبد ولا يأخذ له عوضًا فإذا وقع الحكم بالقيمة استقرت العوضية وتحقق الجبر وصارت صورة القبض حينئذٍ لا معنى لها، والأحكام إنما تثبت بمعانيها لا بصورها، ولهذا قال علماؤنا إنه يقم العبد (على أنه) (٤) كامل الرق لا مبعّضاً، ولهذا قالوا إن التقويم حق للعبد، فإذا اختار السيد العتقَ كان له، أما إنه قد اختلف علماؤنا فيما إذا رضي الشريك بالتقويم حالة العسر. فقال محمَّد ذلك له، وفي الكتاب (٥) ليس له وهو الأقوى من ظاهر

стр. 959

الحديث وكذلك أيضًا اختلفوا فقالوا إذا اختار الشريك العتقَ لم يكن له رجوع إلى التقويم، وإن اختار التقويم لم يكن له رجوع إلى العتق لأجلِ حقِّ الأول في الولاء، وقال الأكثر من علمائنا له الرجوع لأنه تصرف قبل الحكم، وكذلك اختلفوا فيما إذا كان العبد مسلماً والسادة كفارًا، هل يقضى بالتقويم أو لا والصحيح أنه يقضى به لأنه حكم بين كافر ومسلم، والحديث فيمن أعتق رقيقاً لا يملك مالاً غيرهم قد تقدم. ما يجوز من الرقاب الواجبة أما العتق المبتدأ فلا خلاف في أنه يجوز فيه عتق الكافر والمسلم حتى قال مالك إنَّ عتقَ الكافر ابتداءً أفضل من عتق المسلم إذا كان أكثر ثمناً، للحديث الصحيح أنَّ النبي ﷺ سُئِلَ أي الرقاب أفضل؟ قال: (أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلِها) (١) وخالفه أصبغ (٢) وأصاب فليس النظر إلى تنقيص الملك على المعتق وإنما النظرُ إلى تخليص المملوك من الرق وتفريغه لعبادةِ الله تعالى وثواب المعتق بتخليص كل عضوٍ منه عضوًا من النَّار والكافر ليس أهلاً (٣) للتخليص لأنه من أهل النار، وأما الواجب فالجمهور على أنَّ الكافرَ لا يُجزى فيهِ وقال أبو حنيفة يجزئ الكافر عن فرض العتق كما يجزئ المؤمن لانطلاق اسم الرقبة عليه إلا في القتل لأن الله تعالى نص على الإيمان فيه وهذا لا يصح لأن الكافر ليس بمحلٍ للقُرب الفرضية وكذلك لا يجوز أن يعطى من الزكاة الفرضية، وقد احتج مالك ﵁ بحديث الجارية حين قال الأنصاري على عتق رقبةٍ، أفأعتق هذه الجارية فقال لها النبيُّ ﷺ : (أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها) (٤). فلم يأمره النبي ﷺ بعتقها حتى اعتبر حالها بالإيمان،

стр. 960

ولو أُجزأ الكافر لأمره بعتقها، وكذلك قال في حديث السوداء: (أتشهدين أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله وتوقنين بالبعث؟ قالت: نعم ذلك كله) (١)، ليبين ﵇ شرط الإيمان وحقيقة الإيمان. فإن قيل فهل يثبت الإيمان عندكم بهذه الصفات التي اعتبرَها النبيّ ﷺ أم بغيرها؟ قلنا: يثبت الإيمان بما أثبته النبي ﷺ وهي شهادة الحق لا إله إلاَّ الله محمَّد رسول الله فالنبي ﷺ إنما اختبر حال هؤلاء القوم المسؤولين في الإيمان بما علم من حال زمانهم وأغراضهم، كما قال لوفد عبد القيس: (وأنهاكم عن الرباء) (٢)، ولم يذكر سائِر المنهيات لعلمه بأن هذا مقصودهم الأكبر، وكذلك قال له رجل آخر: أوصني، فقال له: (لا تغضب) (٣)، فخصه من المنهيات بما علم من حَاله الغالبة عليه، وأما هذه

стр. 961

الجارية فعلم من حالها أنها كانت متعلقة بمعبودٍ في الأرض فأراد أن يقطع علاقة قلبها بكل إلهٍ في الأرض (١) فإن قيل: فقد قال لها أينَ الله؟ وأنتم لا تقولون بالأيْنَيَة والمكان. قلنا: أما المكان فلا نقول به وأما السؤال عن الله بأينَ فنقول بها (٢). لأنها سؤال عن المكان وعن المكانة والنبي ﷺ (قد) (٣) أطلقَ اللفظ وقصد به الواجب لله وهو شرف المكانة الذي يسأل عنها بأين ولم يجز أن يريد المكان لأنه محال عليه، وأما قوله للجارية الثانية أتوقنين بالبعث بعدَ الموت؟ فعلِمَ أيضاً من حالِها ما دعاهُ إلى أن يسألها هل تعتقد الدار الآخرة وتوقن أنها المقصودة، وأن هذه الدار الدنيا قنطرة إليها، فإن من علمَ ذلك وبنى عليه صح اعتقاده وسلَمَ عمله. مسألة: أدخلَ مالك ﵁ عتق الزانية وابن الزاني (٤)، وأدخل عليه حديث النبي ﷺ في جواب السائل عن الرقاب أغلاها ثمناً (٥)، ووجه النظر في ذلك أن الكافرَ لا يجزئ بحالٍ والمطيع أفضل من العاصي ولا سيما الزانية والزناة متوعدون بالنارِ، فكان عتق

стр. 962

المطيع أفضلَ، ولكن أصل الإيمان يجزى لأن المعاصي عندنا لا تسلب الإيمان، وأما ما ذكره لولد الزنا، فإنما قصد به أن يتبين أن العيب إذا لم يكن في البدن، لا يؤثر في العتق، وإن نقصَ من القيمة. باب ما لا يجوز من العتق في الرقابِ الواجبةِ معول هذا الباب على أصلين. أحدهما: كمال الرقِّ في العبد. والثاني: سلامته من العيب. وبهذا قال الجمهور إلا أبا حنيفة، فإنه قال: يجوز المعيبُ في الكفارة ويجري فيها مجرى المكاتب والمدبر لأن الله قال: (فتحرير رقبة) وكل من هؤلاء رقبة .. قلنا أما المكاتب والمدبر فليسا برقبة ولا يصح أن يتناولهما اللفظ, لأنهما لا يقدر على بيعهما فقد تزعزع ملكه وتخلخلت ماليته. فنقول رقبة ناقصة لا يجوز بيعها فلا يجوز له (١) عتقها كأم الولدِ، وقد مهدناه في مسائل الخلافِ وأما المعيبُ فكيف يصح لأبي حنيفة أن بجعلَ الأعمى رقبة وهو يوجبُ جميعَ القيمةِ على من أخرجَ عينه. فكيف بجعل الرقبة ذاهبة في حقِّ الإتلاف موجهه في حقِّ العتقِ هذا بعيد جداً بل لو قاله بالعكس كان أولى. بابُ الولاء الولاء كما جاء في الحديث لُحْمَةً كلُحْمة النسب (٢) لأنه أخرجه بالحرية إلى الوجود

стр. 963

حكماً، كما أخرجه الأب النطفة إلى الوجود حسًّا، فإنَّ العبدَ كان معدوماً في حق الأحكام شرعاً، لا يشهد، ولا يقضي، ولا يؤم، ولا يلي، ولا يحج، ولا يعطى، عبدًا مملوكاً لا يقدرُ على شيء، فأخرجه الله تعالى بالحرية على يدي سيده عن عدم هذه الأحكام إلى وجودها كما أخرجه على يدي أبيها بالنطفة إلى الوجود الحسي والكل لله خلقاً وحُكمًا وله الحكمة في هذا النسب والإضافات ولما أثبته لحمة كلحمة النسب وأجراه مجرى البعضية ناطه بالعتقِ خاصة فقال إنما الولاء لمن أعتقَ في حديث بريرة الصحيَح (١) ومكنه في مرتبة النسب، فنهى عن بيع الولاء وعن هبته في حديث ابن عمر، وزعم أبو حنيفة أن الولاء يكون بالموالاة، وأن رجلين لو تعاقدا على أن يتواليا حتى يكونا أخوين في الميراث والعقل لجاز ذلك لهما ويجري حكمها عليهما لقولِ الله تعالى: (ولكلٍ جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون) (٢) إلى قوله تعالى: (فأتوهم نصيبهم) وقد تكلمنا على هذه الآية في كتاب الأحكام وبيَّنا أنها منسوخة (٣) وقد عقد النبي ﷺ الولاء بالعتق بكلمة إنما نفياً وإثباتاً، وكلمة إنما موضوعة لتحقيق المتصلِ وتمحيق المنفصل وقد بيَّنا اقتضاءها للحصر في مسائلِ الخلافِ وتقدم القول في المنبوذ وأن وليه المسلمون وأما جرّ الولاء فأجمعت عليه الصحابة رضوانِ الله عليهم عن بكرة أبيهم وما يحكى عن خلاف رافع بن خديج فيه

стр. 964

ليس بصحيح (١)، إنما كان رافع بن خديج المخاصم فيه إلى عثمان فقضَى عليه وليس نزاع المنازع في مجلس القضاء بقولٍ معدود في الخلافِ، وإنما يكون خلافاً لو تكلم فيه بعد ذلك وفي جر الولاء فروع دقيقة، ومسائل حسنة، اختلفَ فيها العلماء، قد بسطنا القَولَ فيها في كتب المسائل، لكن لما لم تكن من الأصول، لم تلقِ بهذا الموضع الذي نحن فيهِ، فأحلنا على مكانِها والله أعلم. ميراثُ السائبة: قال الله تعالى: (ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلة ولا حام) (٢) ومن قولِ متقدمي العلماءِ لا سائبة في الإِسلام وألفاظ العتق معلومة، وقد مهدناها، وليست السائبة منها، لكن إذا قال الرجلُ عندي سائبة، فلا يخلو من ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن يريدَ ليسَ لي فيه ملك ولا منتفع فهذه هي الحرية، ولكن جاء بلفظٍ ليس من ألفاظها وإن أراد بقوله هو سائبة أنه عتيق عن المسلمين لا أجعل ذلك على أحدٍ مخصوصاً، فإنه أيضاً يكون عتيقًا ويكون ولاؤه لجميع المسلمين، ولذلك كره مالك هذا اللفظ ونهى عنه (٣) لأنه تكلم بقولٍ، فدعَى به الله على قوم وقال سحنون وأصبغ لا يعجبنا كراهية مالك لذلك وحوصلته أوسعَ منهم (٤)، فإذا قال هو سائبة، كان ولاؤه لجميع المسلمين، قاله عُمر وابن عمر وابن عباسٍ ورواه مطرف عن مالك وقيل إن ولاءه لمعتقه. روي عن عمر بن عبد العزيز وذهبَ إليه ابن نافع وابن الماجشون (٥) وقد قال النبيُّ ﷺ

стр. 965

(الولاء لمن أعتقَ)، فإن قال السيد هو سائبة، وقصد به إبطال الملك فهوَ حر وولاؤه له وإن قال هو سائبة وقصد به نبذه للناس أجمعين فهوَ حر وولاؤه لجميع المسلمين، فعلى هذا تحمل الروايات من اختلاف الحالات وليس باختلافِ قولٍ في حالةٍ واحدة.

стр. 966

كتاب المكاتبة أذنَ الله في الكتابة رحمة للخلقِ وحالة متوسطة بين السادةِ والعبيدِ، لأنَّ السيدَ ربما شق عليه أن يخرج قيمة العبد عن ملكه، أو ربما لم يثق بالعبد في أداء خراجه فيريدُ أن يجتهدَ العبدُ في أداءِ المال لقصدِ الحرية فيحصل لكلِ واحدٍ منهما مقصوده، وربما كره بقاءه في ملكه، وإن كانَ مجتهداً في أداء كسبه فيخرجه عن يده، وينتفع بالقيمة، وقد يكون راغباً في عبده ولكن يرى فيه من الأمر ما يحمله على عتقهِ، فإن سمحت نفسه بذلك أنفذ له الحرية وإن شح على مالهِ باعه من نفسهِ، وهي الكتابة قال الله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ (١) الآية. قال بعض المتقدمين: الكتابةَ واجبة (٢) لأن الله تعالى أمر أمراً مطلقاً، والأمر المطلق محمول

стр. 967

على الوجوب قال علماؤنا، كذلك نقُول إن لم تقم قرينة تصرفه عن الوجوب أو يدل على سقوط الوجوب دليل وهاهنا قرينة وهيَ قوله تعالى: (إن علمتم فيهم خيرًا)، فصرفَ الأمر إلى علم المأمور والتكاليف الجازمة، والأوامر الواجبة لا تقف على خيرية المكلف وعلمه. وأما الدليل الذي دل على سقوط الوجوب فيها، فهو أنَّ العتقَ وهو الأصل لا يجب فضلاً عن الفرع وهي الكتابة ولذلك قال علماؤنا إنها رخصة مستثناة من جميع المعاملات، لأن السيدَ يبيع فيها ماله بمالِه، ولا يصح أن يجبرَ العبدُ عليها وإنما تكون برضاه، فإذا عقدها مع سيدهِ لزمته عند جمهور العلماء، وقال الشافعيُّ يجوز له أن يتركها متى شاء وقال معه جماعة من المتقدمين، واحتجوا على ذلك بما روي أن بريرة جاءت عائشة تقول لها: إنّي أريد أن تشتريني وتعتقيني. فقالت لها إن أراد أهلك ذلك. فجاءت أهلها فباعوها. خرجه البخاري (١). قلنا لم يبع أهل بريرة رقبة بريرة وإنما باعوا كتاباتها، ولأجل ذلك قالت عائشة في الحديث إن أحبَ أهلكِ أن أعدها لهم عدةً واحدةً فعلت (٢) فهذا الذي يقتضيه حديث بريرة وإن كان العلماء قد اختلفوا في جوازِ بيع الكتابةِ. وكرهه الشافعي وابن الماجشون وربيعة (٣) وحديث عائشة نص في جوازه. فإن قيلَ بريرة كانت قد عجزتْ، وإذا

стр. 968

عجزَ المكاتب رق. قلنا هذه دعوى زيادة في الحديث (١) وأيضاً فإن عجزها لا يكون إلا عندَ الحاكم، وأما بقوله فلا يسمع لأنه ليس له أن يرق نفسه إذ قد ثبت له حق الحرية وأما إيتاء المال فقال الشافعي وغيره إنه واجب ويحط له من آخر نجومه نجمًا أو جزءاً من أجزاء الكتابة وحمل قول الله تعالى (وآتوهم من مالِ الله) على الوجوب وقال علماؤنا ليس الإيتاء واجباً واحتجوا على ذلك بالأدلة المعروفة وليس الأمر كذلك، بل إيتاء الحق إلى المكاتب واجبٌ بإجماعٍ من الأمةِ إلا أن ربَّنا تعالى قال: ﴿من مال الله﴾ فيحتمل أن يريد به الذي بيد السيد، ويحتمل أن يريدَ به من مالِ الله الذي هو الزكاة، ويحتمل أن يريدَ به من مالِ الله الذي لجماعة المسلمين في بيتهم ويحتمل أن يريد به ﴿من مالِ الله﴾ الذي لجماعة المسلمين في أيديهم فإن عون المكاتب فرض على الكفاية، ومع هذه الاحتمالات لا يصح للشافعي وغيره أن يقول إن الإيتاء واجب من المكاتبة دون سائر المحتَملات (٢) وقد بَسطَنا ذلك في مسائِل الخلاف. تفصيل: لما ثبت أن عقدَ الكتابة لازم من الطرفين موجب للمكاتب عقد الحرية، في رقبته وجوباً يسري إلى الأولاد لم يجز وطء المكاتبة وقال الشافعي يجوز لأنه عتق إلى أجلٍ، فلم يمنع من الوطء كالعتق المؤجل. قلنا: لو كانَ كالعتق المؤجل لسرى إلي الأولاد، فعدم سريانه إلى الولد يدل على أنه ليس بمتمكنٍ في الرقبة، وسريَان الكتابة إلى أولاد المكاتبة دليل على أن عقد الحرية متمكن في رقبتها، فلا يجوز له وطئِها كأم الولد، فإن عقد الحريةِ لما ثبتَ في رقبتها جعلها من سيدها كالأجنبية، إلاَّ في حقِ الوطء الذي كان سبب الحرية، إذ لو حرم لكان من باب إسقاط الشيء لنفسه الذي يثبت به كمسائل الدور كلها، فوجبَ أن

стр. 969

وتكونَ المكاتبة كالأجنبية في حقِّ السَّيد، وأول ما يفوته منها الوطء الذي هو مفتقر إلى خلوص الملك، بدليل أنه لا يجوز وطء الجارية المشتركة. تفريع: إذا عقد الكتابة لجماعة من عبيده في عقدٍ واحدٍ، فإن بعضهم حملا عن بعضٍ وقال الشافعي: لا يحمل أحدٌ عن أحدٍ منهم لصاحبهِ شيئاً لأنه ضمان كتابته، فلا يجوز كضمان الأجنبي، فنظر الشافعي إلى الأجنبي، ونظر علماؤنا إلى عقد الكتابة بين القرابة وخصوصاً الأبناء، يحملُ بعضهم عن بعضٍ ولم يكن ضمان بعضهم عن بعض في الكتابة لأجل القرابة فإنه لا تزر وازرةً وزرَ أخرى، ولا يلزم قريباً عن قريبه مال بغير رضاه في شيء من أحكام الشرع ما خلا العاقلة المستثناة بإجماعٍ فدل على أن ذلك إنما كانَ بعقدِ الكتابةِ وذلك يستوي فيه القريب والبعيد، وفروع هذا الباب كثيرة وهي مركبة عليهِ من غيره لما يدخلُ عليها من شَرطٍ أو ولاءٍ أو حمالةٍ أو وصيةٍ أو صفةٍ لمقاطعةٍ أو جراح تطرأ فيه منه أو عليه أو بيع في كتابة فما يجوز أو لا يجوز واختلاف السيدين بعد عقد الكتابةِ أو اتفاقهما، وهذا كله معلوم في أبوابهِ مضبوط بأصولهِ وهي من فن التركيب والتعليل الذي لم يتعرض له ها هنا، أما أنه عرضت في الكتابة مسألة معضلة وهي الكتابة الحالة وقد اختلفَ فيها العلماء (١) قديمًا وحديثًا وبيَانها في مسائل الخلاف على الاستيفاء ومن غريب اضطراب العلماء فيها أنَّ الشافعيَّ يقول إن السلم الحال جائِز والكتابَة الحالة لا تجوز واختلفَ فيها جواب علماء المالكية والذي عندي أن تصويرها يكشف حقيقتها. ولها ثلاث صور: الصُورة الأولى: أن يقول لعبده: كاتبتك على تسعِ أواق في تسعة أعوام فهذا بيّن إن التزمه العبد. الصورة الثانية: أن تقول له إن أعطيتني كذا ديناراً فأنتَ حر، والمال حاضر فيقتطعه السيد من يده، ويقضَى له بحريته لأن له انتزاع ماله وإبقاءه في الرق، فكيف غير ذلك من مما له فيه حظ. الصورة الثالثة: أن يقول له ألزمتك مائة دينار تعطينيها وأنت حر، والعبد ليس عنده شيء. فقال الشافعي هذا الكلام لغو، وقال علماؤنا يرتفعان إلى الحاكم ينظر في ذلك فإن أراد العبد الالتزام ألزمه الحاكم ونجمَ المال عليه على قدر حال العبد وحال المال، ونظرنا

стр. 970

أقوى من نظر الشافعي لأن السيد لما تكلم به أوجبَ للعبدِ حقاً في الالتزام وسعياً في الحرية، فلم يجز له الرجوع فيه لأن هذا الحق لا يقبلُ الرجوع ولا الإسقاط كسائر الحقوق المتعلقة بالعتق، ومن مسائله العظيمة التي اختلف فيها الفقهاء والصحابة إذا مات المكاتب وترك وفاءً بالكتابة وترك ورثة، فقيل: تبطل الكتابة وبه قال الشافعي وقال قوم تبقى الكتابة وبه قال مالك وأبو حنيفة في تفصيل طويل بين الطوائف وأرباب المذاهب، ولا تستقل به إلَّا كتب المسائِل، وقد استوفينا ذلك كله في موضعه والحمد لله. ونظرَ الشافعي إلى أن المعقود عليه وهو المكاتب قد هلك والأصل عنده أن المعقود عليه إذا هلك بطل العقد كسائر عقود الشريعة كلها، وهذا لعمْرُ الله هو الأصل بيد أن هذا الحق قد يتعدى من المعقود عليه إلى غيره وهم الأولاد وثبت فيهم ثبوته في الأصلِ، فمن نظر من الصحابة إلى هذا المعنى أبقى الكتابة وحكم بأداء النُجوم وأوجبَ الحرية والميراث للأولاد وبه أقول. المدبر: ومن متعلقات عقود الحرية وفروعها وهو أصلٌ في نفسه أيضًا وله فروع أقل من الأول التدبير: وهو عقد متفق عليه بين الأمة كان في الجاهلية وأقره الإسلام وفي الصحيح عن جابرٍ أنَّ النبي ﷺ : باع مدبرًا (١) وأصله أن يقول أنت مدبر وأنت حرٌّ عن دبرٍ منيّ أو أنت حر بعد موتي لا على معنى الوصية، فقال الشافعي: هذا عتق إلى أجل، ومن أصله، أن كل عتق إلى أجلٍ قطع بإتيانه أو لم يقطع لا يقضي بلزوم العتق على السيد، والمسألة معلومة في مسائل الخلاف، فهذه المسألة من جملة تلك الصور ويخصها أن النبي ﷺ باع المدبر، ولو كان حراماً كما قال مالك وأبو حنيفة ما باعها (٢) ونظر علماؤنا إلى أنه عقد ألزمه

стр. 971

نفسه في رقبة العبد يتعلق بالحرية، يظهر عند أجل آتٍ لا محالة فلزم كأمِ الولدِ، وأما حديث جابر فلَا حجة فيهِ لأنها حكايته حالٍ وقضية عين، وقضايا الأعيان وحكَايات الأحوال لا يستدل بها على العموم, لأنها لا تقتضي ذلك لفظًا ولا معنىً، وقد بيناه في مسائل الأصول، فيحتمل أن يكون باعه ﵇ في دينٍ سبق التدبير، وكذلك نقول. ويحتمل أن يكون باعه إذ كانت أم الولد تباع على ما روى جابر ثم نسخ (١) ذلك وبالجملة، فلا يحتج بمحتملٍ، وقد استوفيناها في مسائل الخلاف فلتنظر هنالك. ويبقى من فروع التدبير ما بقي من فروعِ الكتابة فيركب عليه كما يركب عليه فليطلب هنالك. القول في الدماء والحدود: الدماء خطيرة القدر في الدين، عظيمة المرتبة عندَ الله تعالى وإن كانت محترمة

стр. 972

بالحكم والأمر، فإنها مراقة بالقضاء والحكمة. قالت الملائكة لربنا تعالى: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ (١) الآية. ثم علمنا ربنا معنى ذلك وحكمته، وهي ما بيّناهُ في كتاب الأمد من أنَّ الله سبحانه له الصفات العلى والأسماء الحسنى وكل اسم من أسمائه، وصفة من صفاته لها متعلق لا بدَ أن يكونَ ثابتًا على حكمِ المتعلقِ منها عامة التعلق، ومنها خاصة فيه فلما كان من صفاتِه الرحمة أخذت جزءاً من الخلق، فكان لهم العفو والعافية في الدنيا والآخرة ولما كان من صفاته السخط، أخذت هذه الصفة جزءاً من الخلقِ فوجبَ لهم العذاب، واستحقت عليهم النقمة إلى آخر تحقيق هذا الفصلِ في الكتاب المذكور (٢)، فلما خلقَ الملائكة يفعلون ما يؤمرون ويسبحون بالليلِ والنَّهارِ لا يفترون، لم يكن بد لما تقدم بيانه له من أن يخلق من تجري عليه هذه الأحكام من خير وشر، وتنفذ فيه هذه المقادير من نفعٍ وضرٍ. فالحمدُ لله الذي بصرنا حكمته وأحكامه وإياه نسألُ نوراً يتيسر به العمل ولعظيم حرمة الدماء: حديث (٣): قال النبي ﷺ : (لا يزال الرجلُ في فسحةٍ من دينه (٤)، وروي من ذَنبه (٥)، ما لم يصبُ دماً حراماً). فالفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة، حتى إذا جاء القتل ضاقت, لأنها لا تفي به والفسحة في الذنب قبوله للمغفرة (٦)، وإن قتل البهائم بغير حتي لموجب ذنباً عظيماً، فكيف قتل الآدمي الذي لو وزن بالدنيا بأسرها لرجحها. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أول ما يقضى فيهِ يوم القيامة الدماء) (٧) , لأنَّ المهم هو المقدم.

стр. 973

ترجمة: بدأ مالك ﵁ القول في الدماء بيان القسامة والقتل يثبت بثلاثة أشياء عنده. أحدها: البينة العادلة. والثاني: الإقرار لقوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) (١). والثالث (٢): القسامة. فعنده أنه يشاط بها الدم، وقال جمهور العلماء إنما تستحق بها الدية، لقوله ﵊ في الحديث الصحيح: (تحلفون على رجل منهم يدفع إليكم برُمتهِ) (٣). ويليه قوله: (فتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (٤). فصل القسامة متفق عليها في الجاهلية والإِسلام. روى مسلم قال: كانت القسامة في الجاهلية (٥) فأقرها الإِسلام، وهي مخصوصة من قواعد الدين في أنها تثبت باللوث كما تثبت بالبينةِ، واختلف في اللوث اختلافاً كثيراً، مشهور المذهب أنه الشاهد العدل، وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة هو قتيل المحلة وفيه وردت النازلة، زاد مالك وقول المقتول دمي عند فلان وزاد لها مالك محلاً آخر فقال إن المجروح إذا عاش بعد الجرح وأكلَ وشربَ ثم طري عليه الموت لم يجب القود لأوليائه حتى يقسموا لقد مات من ذلك الجرح، فأما قتيل المحلة فليس بشبهةٍ لأن العدوَ قد يلقي القتيل على غيرهِ وذلك معلوم حقيقة، موجود عادةً، وأما قول المقتول دمي عند فلان فإن مالكاً بنفسهِ إنما تعلق فيهِ لما روى عنه كثيراً (٦)

стр. 974

أصحابه لحديث: بقرة بني إسرائيل، حين قام المقتول فقال: فلان قتلني (١) فإن قيل هذه الآية لا حجة فيها من وجهين أحدهما: أنه شرع من قبلنا والثاني: أنها آية، والأحكام إنما تبنى على الدلالات لا على الآيات والمعجزات قلنا أما شرع من قبلنا، فإنه شرع لنا بلا (٢) خلاف في المسائل المالكية، وقد دللنا عليه في أصول الفقه (٣)، وأما كون هذا الدليل آية، فالآية إنما هي في الإحياء لا في الدعوى، ولو قال نبيُ: معجزتي أن يحيى الله هذا الميت، فقام الميتُ ينفض أصدريه وقال كذبتُ بك لم يقدح ذلك في معجزته، لأن الآية إنما هي الإحياء، ويكون هذا أحد المبعوث إليهم فيفعل كفعلهم. ومن خصائص القسامة البداية فيها بأيمان المدعي. قال به جمهور العلماء وخالفهم أبو حنيفة قال إن البداية بأيمان المنكرين وتعلق في ذلك بقول النبي ﷺ : (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر (٤)) وهو الأصل، ومتعلق العلماء رحمة الله عليهم بحديث القسامة المشهور، وأن النبي ﷺ بدأ بالمدعي فقال له: أتحلف فكذلك فليفعل كل حاكم. فإن

стр. 975

قيل إنما قال ذلك عرضًا لا حِكمًا. قلنا حاشَ لله أن يعرضَ قلبَ الشريعة أو يفعل ما لا يفعل في الدنيا فضلاً عن الدين، فكيف في الدماء، فإن قيل: فقد روي في هذا الحديث أنه بدأ باليهود فقال: أتحلفون؟ فلما أبَوْا، رجَع إلى المدعي فقال أتحلف؟. خرجه أبو داود وغيرها (١). قلنا: روى الحديث الجماعة الأثبات الثقات أميرهم مالك ومن تبعه وانتقاه الصحيحان (٢). فلا يترك هذا كله لرواية شذت، فإن قيل: إن شذت في الرواية فقد استقرت في القاعدة، قلنا: إنما يؤسس القواعد قول صاحب الشريعةِ وليس يلزم أن ترد على الاختيار ولا يتحتم فيها على الاضطراد بل ترد بحكم الله تعالى متسقة ومتفرقة وأنت يا أبا حنيفة تنقض القواعد بالاستحسان في معظم مسائِل الشريعة فكيف تنكر أن يكون النبي ﷺ يؤسس في نازلةِ واحدة قاعدتين تجري الدعوى فيها، والإنكار على الحكمين، وقد بين مالك ﵁ هذه المسألة في الموطّأ وأتقنها، فذكر الحديث أولاً في البداية بأيمان المدعي وهو العمدة في الحكم ثم عقبَ ذلك ببيان الحكمةِ والمعنى فقال: وإنما فرقٌ بينَ القسامة والدم، وسائر الأيمان في الحقرقِ إلى قوله يقول المقتول (٣). على أنه قد ثبت من طريق الدارقطني وغيره أن النبي ﷺ قال: (البينة على المُدعي واليمين على من

стр. 976

أنكر إلا في القسامة) (١) ولها فروع كثيرة بيانها في كتب الخلاف، وأما دخول القسامة عند مالك في الموت، المتراخي عن الجرح فإنما كانَ ذلَك لاحتمال أن يكونَ الموت منسوباً إليه أو إلى مرضٍ من الأمراض طرأ عليه فاستظهر لهذا الاحتمال بالقَسامة. فإن قيل: هو سؤال عظيم يعم هذه المسائل كلها كيف يحلف الولاة على أمر يُعلم أنهم لا يعلمونه فيبني القاضي في حكمه على أمرٍ يتحقق أنه كذب ومن أينَ يعلم الغائِب بقتل الحاضرِ ولذلك قال المدعون للدم في القسامة: كيف نحلف ولم نحضر ولم نشهد (٢). فاختلف جواب الناس في ذلك فمنهم من قال يقال لهم إحلفوا فإذا حلفوا على ما علموا، كان الحكم مطرداً على الأصل وليس هذا بجواب صحيح لأن عند علمائِنا يحلفونَ وإن لم يعلموا، وهذه المسألة من مفرداتنا. قال المحققون من علمائنا لا تقف اليمين على علمٍ قطعيٍ، إنما تقف على الإمارة بخلافِ أصلِ الشهادةِ فإنها موقوفة على العلمِ ويكفي في اليمين الأمارة للظن ولشاهدِ الحالِ أولا ترى أن النبيَ ﷺ قال في نازلة خيبر، وقد علم مغيبهم عنها وعدم علمهم بها (أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟) فإن قيل: إنما قال ذلك عرضاً لا حُكماً، قلنا: قد سبق الجواب عن هذا السؤال الفاسد، وأما القتل بالبينةِ فلا خلاف فيهِ

стр. 977

وكذلك القتل في إقرار القاتل قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ (١). الآية. وقال: (ولكم في القصاص حياة) (٢) ومالك ﵁ أطنب في الموطّأ في القسامة والدية واختصر القول في القصاص لأنه اعتمد بيان الأشكل، ووكل الأوضح إلى معرفة الناس، وقد قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة) وكانت العرب تقول القتل أبقى للقتل (٣) , لأنها لم تكن تأخذ حقها بعدلٍ وإنما كانت تستوجبه برجاء وأعظم ما يكون الرجاء في الدماء، فشرعَ الله تعالى استيفاء الحق في القتل بالمساواة فقال ﴿كتبَ عليكم القصاص﴾ يعني المساواة في القتلى، قال علماؤنا وأراد به المساواة في الفعلِ والمحلِ إلا أنه اعتمد في القرآن بيان المحل فقال (الحرُّ بالحر والعبدُ بالعبدِ) (٤) إلى آخر الآية لأنه كان محل اعتداء القَوم، ثم بينَ النبي ﷺ بعد ذلك المساواة في الفعلِ، فثبت أنه أتى إليه بيهودي رضَّ رأس جاربةٍ على أوضاحِ (٥) لها، فاعترفَ، فأمر به فرضَّ رأسه بين حَجَرين (٦). وقال أبو حينفة: لا قود إلا بالسيف لا ثأرٍ يرويها في ذلك، لا تساوي (٧) سماعها ولا تعرض على هذا القبس، وقد بيناها في موضعها، وزعم أصحابه أن

стр. 978

النبيَّ ﷺ إنما قتلَ هذا اليهودي على الحرابة، إذ كان قتلهُ للجاريةِ على مالها وتلك حقيقة الحرابة. قلنا: ما قتله إلا قصاصاً لأنَ الأمة قد أجمعت على أنه لا يقتل في الحرابة بالحجارة، فكيف جاز لكم معشر الحنفية أن تتركوا إجماع الأمة، وتطلبوا أثراً بعد عين، وهذا نص الحديثِ أنه رضَّ رأس جاريةٍ، فرضَّ رأسه بين حجرين، فذكر الحكم، والعلة، وليس بعد هذا مطلب ولما ثبت باتفاق اعتبار المساواة في المحلِ امتنَع قتل المسلم بالكافرِ لأنهما لا يتساويان في الحرمةِ وبذلك قال جمهور الفقهاء وخالفهم أبو حنيفة فقال يقتل المسلمُ بالذمي الكافر من أهلِ دار الإِسلام لأنه محترم الدم على التأبيد (١) قلنا: وكانت الحرمة مؤبدة ولكن الشبهةَ في المحل قائِمة وهي الكفر المبيح لدمه، فكيف يتساوى من فيه ما يبيح دمه مع من فيه ما يوجب له العصمة في الدنيا والآخرة "ويقتضي له الحرمة في الدين والدنيا" (٢)، وقد حرر في ذلك بعض علمائنا نكتة: فقال قيام المبيح في المحل يوجب مع التحريم شبهة في إسقاط العقوبة كوطء السيد للجارية المزوجة حتى إن الأوزاعي

стр. 979

قد بالغ في هذه المسألة فقال: إذا قتل كافر كافراً ثم أسلم القاتل سقط عنه القود وهي أحد قولي الشافعي وقال علماؤنا لا يسقط عنه القود لأن المراعى إنما هي حالة الوجوب وقد استحقَّ دَمه فيما طرأ بعد ذلك لا يسقط ما تقرر وجوبه، وشبهة الأوزاعي أن الإِسلام صفة وفضيلة طرأت على المحلِ وإنما وجبَ له قتل نفسِ كافرة فكيف يأخذها مسلمة، ألا ترى أن القصاصَ إذا وجبَ على المرأة ثم طرأ عليها الحمل فإنه لا يستوفى منها. قلنا: الحامل معها عين أخرى لم تستحق عقوبة، فلا تحمل عليها هذه المسألة، والمعنى دقيق فَلْيُطلَبْ في مسائل الخلاف وقد اختلف قول مالك في جريان القصاص بين المسلمينَ وأهل الذمة في الأطراف وهي عضلة من العضَل لأن علماءنا الربانيين وهموا فيها، فظنوا أن مالكًا لحظه (١) على هذه الرواية أن الأطراف جارية مجرى الأموال كما يقضى فيها باليمين مع الشاهد ولو كان ناظراً إلى هذا الملمح لانهدم عليه قطع الأيدي بيدٍ واحدة وإنما نظرَ والله أعلم إلى أن يد المسلم تؤخذ بالجناية على مال الكافر وذلك أنه "يقطع" (٢) إذا سرقه فكيف لا يؤخذ بالجناية على يده إذا قطعها، بخلاف النفس فإنها أعظم حرمة، ونظر على الرواية الأخرى وهي الصحيحة في امتناع القودِ بينهما في الأطراف إلى أنَ يدَ المسلم إنما قطعناها بسرقة مالِ الكافر لأنها جناية على جميع المسلمين، ولذلك وجب قطع السرقة لله بخلاف القصاصِ، فإنه حقه خالصاً فاعتبر فيه مساواته (٣) وصار دوران (٤) قطع السرقةِ من مسألتين أن يقتل المسلم الكافر غيلة، فإنه يقتل به عندنا لأن الجناية هنالك على جميع المسلمين فلذلك يتخلص الوجوب لله فيه ولا يقف على خيرة المجني عليه ويتفرع على هذه المسألة أن الحرّ لا يقتلُ بالعبد سواء كان له أو لغيره وإن كان قد روى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (من قتل عبده قتلناه) (٥) ولكن هذا لم يصح سندًا ولا قال به أحد ممن

стр. 980

يلتفت إليه والرق أثر من أثار الكفر فيعمل على الأصل في التحريم كالعدة فإنها لما كانت من أثرِ النكاح عملت عمل أصلها في تحريم نكاح أختها وأربع سواها، والذي يدل على افتراقِ حرمة الحر من حرمة العبد في الغرض الزاجر وهو القتل تفاوتهما في البدل الجابر وهي الدية، فإذا قتل عبداً لزم ذمته عشرة دنانير وإذا قتل حراً لزمَ ذمته ألف دينار مقدرة شرعاً لاحترامها واحترام محلها عن مذلة التسويق ومهانةِ التقويم فإن قيل: فلم تراعوا المساواة حين قتلتم الجماعة بالواحد وهلًا طردتم أصلكم كما فعل أحمد بن حنبل حين مَنعَ من ذلك (١). قلنا: إذا اعترض اللفظ على القاعدة وخالف معنىً من آخر الكلام أوله سقط فكيف إذا خالفه كله. وبيانه أن الله تعالى قال: ﴿ولكم في القصاص حياةٌ يا أولى الألباب﴾ المعنى أن القاتل إذا علم أنه يقتل كفَّ لصينت الأنفس في محالها وحقنت الدماء في أهلها فلو لم تقتل الجماعة بالواحد لاستعان الأعداء على العدو فقتلوه حتى يبلغوا أملهم فيه ويسقط القود عنهم بالاشتراك في قتله وقد وفّي مالك هذا النظر وأعطاه قسطه من الكمال فقال إنه يقتل الممسك على القاتل مع (٢) القاتل وقال أبو حنيفة والشافعي لا قود على الممسك لقول النبيّ ﷺ : (اقتلوا القاتل واصبروا الصابر) (٣) ولأنه لم يقتل فكيف يُقتل. قلنا: أما الحديث فلا يساوي سماعه، وأما المعنى فهو بضد ما قالوا، الممسك هو القاتل حقيقةً أو كلاهما قاتل، والدليل عليه إجماعنا على أنه لو أمسكه على سبعٍ فأكله لزمه القود فإن قيل: لأن فعل السبع جبار قلنا وفعله هو معتبر ألا ترى أنهما يشتركان في الدية وهو البدل الجابر، كذلك يجب أن يشتركا في القصاص وهو العوض الزاجر. تفصيل قوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ لم يمتنع من قتل الذكر

стр. 981

بالأنثى لأنه إنما جاءَ على بيان العدل بفساد ما كانت تفعله العرب من "الجور" (١)، فأما تفصيل أعيان المقتص منهم فإنما تؤخذ من دليلٍ آخر، ولما اجتمعت الأمة على قتل الذكر بالأنثى اختلفوا في نكتةٍ وهي أنَ الولي إذا قتل ذكراً بأنثى هل يحاصص في رد باقي الدية أم لا؟، وعلماء الأمصار على أن الذكرَ بالأنثى رأساً برأسٍ وهو الصحيح, لأنه لا يجوز أن يجتمع المبدل وبعض البدل إذ ليس لذلك أصل في الشريعة ولا نظير ولقد بالغَ مالك في تأسيس هذه القاعدة حتى قال يقتل الوالد بالولدِ (٢)، وإن كان قد روى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يقادُ والدٌ بولده) ولا يخص هذا العموم في هذه القاعدة لهذا الحديث الذي لم يصح، أما إن مالكاً انفرد بمسألةٍ أخرى متفرعة على هذه وهو إذا حَذفه بالسيف فأصابه فمات فجعله عمد خطأ وغلظ فيه الدية شبهاً لوجهين أما أحدهما فلوجود

стр. 982

وصف الخطأ في هذا الفعلِ لأنه لو أراد قتله لأضجعهُ وذبحهُ أو حاول ذلك على صفةٍ تنتفي معها الشبهة فأما رمي السلاح عليه في أثناء منازعتهِ له، فإن شبهة الأبوة وشبهة الشفقةِ مع جوازِ الأدب يوجبان شبهة في الفعلِ تسلبه وصف العمدية المحضة حتى يجعله منزلة بين المنزلتين، وقد اختلف قوله ﵀ في شبهة العمدِ، والمشهور عنه إثباته ويتعضد ذلك بحديث عبد الله بن عمرو خرَّجهُ أبو داود والترمذي وغيرهما في خطبة النبي ﷺ إلى أن قال: (ألا إن في (١) قتل العمد الخطأ قتل السوط والعصا مائة من الإبل بينها أربعون خلفة في بطونها أولادها (٢)) وهذا الحديث وإن لم يكن على الدرجة القصوى في الصحةِ فإنه صحيح المعنى لأنا وجدنا محض العمد وجَدنا محض الخطأ ووجدنا منزلة بين هاتين المنزلتين، فلم يمكن أن يلغى معنى وجدناه حقيقةً ووجدنا له أثرًا قوياً في الشريعة وقد تكلمنا على هذا الحديث في مسائل الخلاف وغيرها بما يجلو حقيقته فليطلب هنالك، وقد تعلق مالك في تحقيق المراد من هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين﴾. فأفادتنا مسألتين أصوليتين: أما أحدهما: فإن شرع من قبلنا شرعٌ لنا (٣). وأما الثانية فإن العمومين إذا تعارضا وأمكن الجمع بينهما ولو في وجه فإنه لا يجوز أن يسقطا جميعًا ووجه ذلك ها هنا أن الله تعالى لما قال: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ثم ذكر التفصيل المعلوم بعده أوهم ذلك أنه أعلم بما فصَّل حدَّه حتى بيَّينَ بقوله ﴿وكتبنا

стр. 983

عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ أن المقصود بذلك التفصيل الرد على العرب المعتدية، وأن اعتبار القصاصِ بعد ذلك يكون بأدلته التي منها ما أشار إليه من الإجماع على وجوب القصاص بين الذكر والأنثى وهو من جملة التفصيل. خصيصة: شرعَ الله القصَاصَ في كل ملةِ للفائِدة التي نبه عليها وأفضنا الآن في بيانها ثم خبأ تعالى في مسطوره لهذه الأمةِ رفقًا بها في حرمةِ نبيها ﷺ الدية وقد اختلف العلماء في كيفية وجوبها وفي تقديرها وفي تفاصيلها وأطنب مالك فيها في الموطأ أصلًا وفرعًا وقد مهدناها في كتب الخلاف والمسائِل نورد الآن من أمهاتها ما يفتح غلقَ باقيها ونشير بالبيان إلى جملتها وجماع ذلك ثماني عشرة مسألة: المسألة الأولى: في موجب القتل العمد: قالت طائفة موجبه القود خاصة ورواه ابن القاسم عن مالك (١)، وقالت طائفة أخرى موجبه أحد الأمرين إما القود وإما الدية (٢) والخيرة في ذلك لولي المقتول والمسألة طويلة، وقد بيناها بحجاجها في مواضعها والحق أحق أن يتبع والذي نراه أن ولي المقتول مخير إن شاء أخذ الدية، كان شاء قتلَ. والأصل في ذلك الحديث الصحيح المتفق عليه من جميع الأئمة الذي قاله النبي ﷺ في خطبته (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا فادوا (٣)) وفيه ست روايات قد تكلمنا على كل لفظة منها ومهدناها في شرح الصحيح ومن جملتها إن أحبوا فادرا (٤) وفي رواية

стр. 984

"أخرى" (١) أخذوا الدية وليس لأحد مع هذا الحديث نظر لأن المعنى يعضده مع صحته وهو (أنه) (٢) إذا قال له أعطني ديتك وأستحييك فقد عرض عليه بقاء نفسه بثمن قتلهِ فلزمه قبوله أصله إذا عرض عليه الطعام في المخمصة بقيمته وليس على هذا المتعلق كلام ينفع. المسألة الثانية: موجب قتل الخطأ الدية خاصة هذا إذا ثبت بالبينة، فإن كان بالإقرار ففيه ثلاث روايات، أصحها عندي الآن وجوبها في مالهِ لئلا تؤخذ العواقل بالدعوى وليس في أصول الشريعة ذمة لزيد معمورة لقول عمرو. فإن قيل لا يتهم في هذا الإقرار لأنه لا يظن به أنه يؤدي غيره بما لا يجرُ نفعاً إلى نفسهِ. قلنا: هذا الكلام مما يجب أن يلحظ بعَين التحقيق ويتحفظ من أمثالهِ، فإن هذا الكلام الذي تشبث به هذا القائل إنما يكون متعلقاً إذا ثبت في الشريعة أصله ووجبَ العملُ به فحينئذٍ يعرض على الشبه والتهم هل يتطرق إليه أم يتخلص عَنها فأما معنى لم يستقر في الشريعة ولا تأصلَ موجباً فيها يختبر حاله في تطرق التهمة إليه أو سلامته عنها هذا ما لا يجوز. المسألة الثالثة في مقدار الدية: أما مقدار الدية فهي مائة من الإبل استقرت على ذلك في الجاهلية وأقرها الإِسلام على هذه السنة ويقال إن أول ما تقررت كذلك في عمود النبي ﷺ حين نذر عبد المطلب أنه يذبح عبد الله، الحديث (٣) إلى آخره ثم تتامت كذلك ومضت عليه حتى جاء الإِسلام فبينها النبي ﷺ وأضاف إليها أبدال ما دون النفس في الجراح، والأحاديث الصحاح في ذلك كثيرة الوجود ولكن لم تخل كتب الأئمة عن ذكرها،

стр. 985

فروي عن النبي ﷺ (١) بني الدية على أهل الإبل مائة وعلى أهل البقر مائتين وعلى أهل الغنم ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلةٍ، وعلى أهل القمح ما لم يحفظه الراوي (٢). وروى الترمذي وغيرهُ أنَّ النبي ﷺ ودى العامريين بدية المسلم (٣) وروى أن في المواضع خمس خمس (٤)، (وروى دية الأصابع عشر عشر في كل أصبع (٥) وفي الأسنان خمس خمس والأصابع والأسنان سواء (٦)). وروى أبو داود في الأنفِ الدية وفي اليد
следующие страницы →