← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122402

مطالع الأنوار على صحاح الآثار

ابن قرقول

Полный текст (2 920 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

صورة من لوحة من النسخة (م)

стр. 142

مطالع الأنوار على صحاح الآثار في فتح ما استغلق من كتاب المؤطأ والبخاري ومسلم وإيضاح مبهم لغاتها وبيان المختلف من أسماء رواتها وتمييز مشكلها وتقييد مهملها تأليف الفقيه المحدث العلامه الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الحمزي الوهراني ابن قرقول (٥٠٥ - ٥٦٩ هـ) تحقيق دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث

стр. 143

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وَبِهِ أَسْتَعِينُ وَعَلَيْهِ أَتَوكَّلُ وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ التَّوْفِيقَ وَالْمَعُونَةَ) (١) الحمد لله مظهرِ دينه على كل دينٍ، وحائطِه (٢) من شُبَه المبطلين، وباعث رسوله الأمين إلى كافة الخلق أجمعين بكتابه الحق المبين، معصومة بالإعجاز حروفه ومعانيه، محفوظة بالبلاغة والإيجاز أساليبه ومبانيه، فما قدر العدو الجاحد على إلحاق خللٍ به بتبديل لفظة من ألفاظه، ولا تغيير معنًى من معانيه - مع كثرة الجاحد المجاهد على إطفاء نوره، وظهور (٣) المعادي المعاند لظهوره - حفظًا من الله تعالى له كما وعد، وتعجيزاً لمن رام ذلك ممن عاند وجحد، ثم بيَّن سبحانه وتعالي على لسان نبيه (٤) ﷺ من مناهج دينه وشرعته ما وَكَلَ نفي التحريف عنه إلى عُدُول أعلام الهدى من أمته، فلم يزالوا يذُبُّون عن حمى السنن، ويقومون لله تعالى بهديهم القويم الأحسن، وينبهون على كل متهمٍ بهتك حريمها، ومزج صحيحها بسقيمها؛ حتى بان الصدق من المَين (٥)، وتبيَّن الصبح لذي عينين، وتميَّز الخبيث من الطيب، وتبين الرشد من الغي، واستقام

стр. 144

بحمد الله مِيسَم (١) الصحيح، (وأبدى عن الرغوة اللبن الصريح) (٢)، ثم نظروا بعد هذا التمييز العزيز والتصريح المريح نظرًا آخر فيما يقع لآفة البشرية من ثقاة الرواة من وهمٍ وغفلةٍ، فنقبوا عن أسبابها وهتكوا سجف (٣) حجابها، إلى أن وقفوا على سرها، ووقعوا على خبيئة أمرها؛ فأبانوا عللها (٤) وقيدوا مُهمَلها، وأقاموا محرَّفها، وعدلوا (٥) سقيمَها، وصححوا مُصَحَّفَها، وأبرزوا في كل ذلك تصانيفَ كثُرت صنوفها، وظهر شُفوفها، واتخذها العالمون قُدوة، ونصبها العاملون قِبلة، فجزاهم الله عن سعيهم الحميد أحسنَ ما جازى به أحبارَ ملَّةٍ وعلماءَ أمَّة، ثم كَلَّت بعدهم الهمم، وفترت الرغائب، وضعف المطلوب والطالب، وقلَّ القائم مقامهم في المشارق والمغارب، وصار جهد المبرَّز منهم في حَمل علم السنن نقل ما أثبت في كتابه، وأداء ما قيد (٦) فيه دون معرفةٍ لخطئه من صوابه، إلا آحادًا من مهرة العلماء، وجهابذة الفقهاء، وأفرادًا كدراري نجوم السماء، ولعمر الله، إن هذِه بعد لخطة أعطى صاحبُ الشريعة ﷺ المتصفَ (٧) بها حظَّه

стр. 145

(من الأجر وقسطَه) (١) إذا وفي عمله شرطه، وأتقن حفظه وضبطه، كما حدثنا الشيخ الفقيه الحافظ أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد المعافري (٢) قراءة عليه، قال: أنا المبارك بن عبد الجبار الصيرفي (٣) (٤)، قال (٥): ثنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمَّد (٦)، قال: حدثثا أبو علي الحسن بن محمَّد

стр. 146

ابن شعبة المروزي (١)، قال (٢): ثنا أبو العباس محمَّد بن أحمد بن محبوب (٣)، قال (٢): ثنا محمَّد بن عيسى السلمي الحافظ (٤)، قال (٢): ثنا محمود بن غيلان، قال (٢): ثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة قال: أخبرني عمرو (٥) بن سليمان - من ولد عمر بن الخطاب - قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نَضَّرَ اللهُ أمْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" (٦).

стр. 147

فدعا ﷺ بالنضرة لمن /٢/ سمع منه حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، وقد كان فيمن تقدم من سلك هذا السبيل من الاقتصار على أداء ما سمع ووَعَى، وتبليغ ما قيَّد ورَوى، دون تكلُّفِ ما لم يُحط به علمًا من تبديلِ لفظٍ أو تأويل معنًى، وهذِه رتبة أكثر الرواة والمشايخ المتقدمين، وأما الإتقان وجودة المعرفة ففي الأعلام منهم والأئمة المشهورين، ثم تساهل الناس بعدُ في الحمل والأداء، فأوسعوه (١) اختلالًا ولم يألوه خبالًا، وربما شاهدنا الشيخ المسموع بشأنه وثنائه، المُتكلَّفَ شاقُّ الرحلة إلى لقائه، تنتظم به المحافل، ويتناوب الأخذ عنه ما بين نبيهٍ وخاملٍ، وفقيهٍ وجاهلٍ، وحضوره كعدمه، وبناؤه كهدمه، كتبه مهملة من التقييد والضبط، مسجلة من غير شكلٍ ولا نقطٍ، ثم (لا وعي ولا حفظ) (٢)، ولا نصيب (٣) (من العناية بشيء) (٤) مما يتعاطاه من الرواية، ولا حظ سوى: لقيت فلانًا، وأجاز لي (٥) فلان، (وأذن لي فلان) (٦)، وسمعت على فلان، وكله أو أكثره زخارف وهذيان، لا تحصيل ولا توصيل، إن سُئل عن تقييد (٧) لفظٍ أو تحقيق معنى، جَبَهَ (٨) السائل وعاب المسائل، أو طولب بتأويل مشكل، أو إقامة إعراب، طوى الكتاب، وسدَّ الباب، وهجر الأصحاب،

стр. 148

وزعم أن البحث والطلب من سوء الأدب، قد حَمى حِمى جهله بالنَّجْهِ (١) وتقطيب الوجْهِ، فلا جَرم بحسب هذا الخلل - وتظاهر هذِه العلل في كثير من مشايخ (٢) الرواية، المحرومين فضل المعرفة والدراية، المريحين أنفسهم من كدِّ البحث والعناية - كثر في كتب الحديث التغييرُ والفسادُ، تارة في المتن وتارة في الإسناد، وشاع التحريف، وبشع التصحيف، وتعدى ذلك منثورَ الروايات إلى مجموعها، وعَمّ أصولَ المصنفات مع فروعها، فلولا أن الله سبحانه قيض لإقامة أوَدِها (٣)، ومعاناة رمدها صُبَاباتٍ (٤) من أهل الإتقان في كل زمانٍ؛ لاستمرَّ على الكافة تحريفها، واستقرَّ في موضوعات السنن تبديلُ الجهلة وتصحيفها (٥)، لكن قول (الرسول- ﵇) (٦) حقٌّ، ووعد الله تعالى إياه صدق، كما حدثنا (٧) الشيخ (٨) الفقيه أبو القاسم أحمد بن محمَّد بن بقي (٩)، والشيخ أبو الحسن

стр. 149

علي بن عبد الله بن موهب (١) الجذامي (٢)، قالا: ثنا الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري (٣)، قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد البزاز المكي، قال (٤): حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن (٥) قال (٤): ثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، قال (٤): ثنا قتيبة، ثنا سعيد بن عبد الجبار الحمصي، حدثنا مُعان (٦) بن رفاعة السلامي، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن العذري أن النبي ﷺ قال: "يَحْمِلُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وَانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الجَاهِلِينَ" (٧).

стр. 150

فلذلك ما انتهض الجهابذة النقاد مع مرور الأزمان، واختلاف البلدان إلى حراسة ذلك بقدر ما أوتوه من العلم والبيان، والتبريز في علم اللسان، فمن بين غالٍ ومقصرٍ، ومقلد ومستبصر، وعارف (١) مدرك، ومتكلف مرتبك؛ فمنهم من جَرُأَ وجسر، وأقدم على إصلاح ما غُيِّر على حسب ما بدا له وظهر، كلٌّ (٢) بمنتهى علمه وقدر إدراكه، فربما كان غلط بعضهم في ذلك أبشعَ من استدراكه، ولأن باب التغيير للرواية متى فتح؛ لم يوثق بعد بتحمل منقولٍ، ولم يونس إلى الاعتداد بمسموعٍ مع أنه قد لا يُسَلَّمُ له ما رواه، ولا يُوَافقُ على ما آتاه؛ إذ فوق كل ذي علمٍ عليم؛ ولهذا رأى (٣) المحققون سدَّ باب نقل الحديث على المعنى وشددوا فيه - وهو الحق الذي أعتقِدُه (٤) والشرع الذي أَذُبُّ عنه وأَتَقَلَّدُهُ -

стр. 151

إذ باب الاحتمال متسع، وظاهر الكلام للتأويل معرض، وأفهام البشر مختلفة وآراؤهم متفرقة، والمرء مفتون بكلامه، ومغتبط بفهمه واستدلاله، والمغتر يعتقد الكمال لنفسه، فلو فُتِح هذا الباب، وسومح في نقل السنن منها لذوي الألباب على معنى ما يتفهم (١) لتغير المسموع، ولم يتحقق أصل المشروع، ولم يكن الآخر بالحكم على كلام الأول بأولى من كلام من بعده عليه؛ فيتعارض التأويل وتتهافت الأقاويل، وكفى حجة على دفع هذا الرأي الأفيل دعاؤه ﷺ بالنضرة لمن سمع قوله فأداه على حسب ما وعاه؛ ففيه حجة وكفاية تدفع رأي من رأى تبديل لفظ الرواية، بل نقلها على حسب ما سمعت هو الواجب، ثم تسليم التأويل لأهل الفهم والفقه لازم، فهم (٢) أحق بالتأويل وأهدى إلى السبيل كما قال ﵇: "رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" (٣). وفيه التنبيه على اختلاف منازل الناس في الفقه وتفاوتهم في الفهم؛ فتعيَّن الصواب من هذين الرأيين في رأي من رأى إقرار الرواية والسماع على ما روى وسَمِع؛ فإن رزق فضل فهمٍ وزيادة فقه نبه على ما ظهر له فيها من خللٍ من غير أن يغير فيها أو يبدل، فيجمع بين الأمرين، ويترك لمن جاء بعده النظر في اللفظتين، وهذِه كانت طريقة السلف فيما ظهر لهم من الخلل، كانوا يوردونه كما سمعوه، وينبهون عليه في حواشي كتبهم لمن جاء بعدهم، ومنهم من كان يُسقِط ما بان له (٤) اختلاله مما لا شك

стр. 152

فيه، ويُبقِي مكانه من الكتاب أبيضَ، وقد وقع من ذلك في مصنفات السنن ما سنوقف إن شاء الله عليه، ونشير في مظانه إليه، وهي الطريقة السليمة ومذاهب الأئمة القويمة؛ وأما الجسارة فربما عادت بخسارة، فكثيرًا ما رأينا من نبَّه بالخطأ على الصواب، وتَولَّج المنزل من غير الباب، كما فعل الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن وضاح (١) في كثيرٍ من إصلاحاته على يحيى بن يحيى (٢) ﵀ روايته في "الموطأ"، فصار هو في أكثرها المُخَطَّأ

стр. 153

المُبَطَّا، وكذلك ما تجاسر عليه القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الْوَقَّشِي (١) ﵀ من إصلاحاته في الصحيحين، وفي استدراكاته (٢) على ابن إسحاق (٣) في "سيره"، فبحسب هذِه الإشكالات والإهمالات الواقعة في مصنفات الحديث الثلاث، التي هي كَفُّ الإِسلام الحاوية لمعظم شرائعه وسننه في أحسن تصنيف وأبدع نظام، التي هي "الموطأ" وصحيحا البخاري ومسلم رحمهم (٤) الله، انتدبت إلى بيان ما سمح به ذكري، واقتدحه (٥) فكري،

стр. 154

ووعاه (١) حفظي، وانتهى إليه قسمي من هذا العلم وحظي، بعد أن استخرت الله تعالى فيما نويته من ذلك، وسألته التوفيق والإرشاد إلى طريق السداد، واقتصرت على هذِه المصنفات المذكورات؛ إذ هي الأصول المشهورات المتداولات بالرواية، المتعقبات بالتفقه فيها والدراية، فهي أصول كل أصل، ومنتهى كل غاية في هذا الباب وفضل، عليها مدار أندية السماع وبها عمارتها، وهي مبادئ علوم الآثار وغايتها، ومصاحف السنن ومذاكرتها (٢)، وأحق ما صرفت إليه العناية وشغلت به الهمة، ولا أعلم أن أحدًا قبلي ألَّف على مجموع هذِه المصنفات كتابًا مفردًا تقلد عهدة ما تقلدته من: بيان مشكلها، وتقييد مهملها، ووسم (٣) مغفلها (٤) وشرح ألفاظ غريبها، وضبط أسماء رجالها، وإزاحة إشكالها، إلى ما بينت فيه من اختلاف نقلها (٥) في ألفاظ متونها، وأسماء رواتها. ثم لما أجمع عزمي على النظر في ذلك والتفرغ له وقتًا من نهاري وليلي، قسمت له حظًّا من تكاليفي وشغلي بالجلوس للعامة للتذكير والتعليم، ثم للخاصة للرواية والتسميع، رأيت ترتيب هذا الغريب على حروف المعجم أقرب وأفهم، وأخلص من التكرار للألفاظ بحسب تكررها في هذِه الأمهات وأسلم؛ تيسيرًا على الطالب، ومعونة للمجتهد الراغب، فإذا

стр. 155

وقف قارئ مصنف (١) من هذِه المصنفات على لفظ غريب، أو كلمة مشكلة، أو إسمية مهملة؛ فزع إلى الحرف الذي في أولها: إن كان صحيحًا طلبه في الصحيح، وإن كان مضاعفًا أو معتلًّا أو مهموزًا طلب كلًّا في بابه، ونسقت أبوابه على نسق حروف المعجم عندنا بالمغرب، وبدأت في أول كل حرفي منه بالألفاظ الواقعة في متون الأحاديث دون أسماء الرجال والبقاع، ثم إذا فرغت من جميع الحرف عطفت عليه بأسماء الرواة والبقاع، هكذا حرفًا بعد حرفٍ إلى آخر الحروف، مقيدًا كله بما يعصمه - إن شاء الله - من التغيير والتصحيف والتبديل والتحريف؛ ليكون عصمة لمن اعتصم به، وعياذًا (٢) لمن لجأ إليه من أصحابي الآخذين عني، فمن فاته شيء من التقييد عني بغفلةٍ أو نسيان أو تضييع وإهمال، استدركه من (٣) هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ثم ليعلم قارئ هذا الكتاب أني لم أضعه لشرح اللغات وتفسير المعاني وتبيين وجوه (٤) الإعراب؛ بل لحفظ الرواية، وتقييد السماع، وتمييز المشكل، وتقييد المهمل، وفتح ما استغلق من تلك اللغات، وتوجيه ما اختلفت فيه الروايات، وجذب (٥) منادِّها إلى جهة الصواب، على قدر ما فتح لي من مبهم هذِه الأبواب؛ فإن أمضى الله (٦) على ذلك

стр. 156

عزمتي (١)، وبلغني فيه غاية قصدي، وكمل لي هذِه الأغراض في مداواة (٢) تلك الأمراض، رجوت أن لا يبقى على طالب معرفة هذِه الأصول المذكورة إشكال، وأن يستغني الناظر فيه بما يقف عليه منه عن الرحلة إلى متقني أهل هذِه الصناعة إن ظهر في قطر من الأقطار، بل يكتفي - إن شاء الله - بمقابلة كتابه بكتابٍ قرئ عليَّ أو سمع مما يجد عليه خط يدي، ثم إن أشكل عليه لفظ وجد بيانه فيه، إلَّا ما لا بدَّ من فوته بحكم البشرية التي منعت الإحاطة والكمال، وألزمت الغفلة والنقصان، والخطأ والذهول والنسيان، فهو كتاب يحتاج إليه الشيخ الراوي، كما يلجأ إليه الحافظ الواعي، ويتدرج به (٣) المبتدي، كما يتذكر به المنتهي، ويضطر إليه طالب الفقه (٤) والاجتهاد، كما لا يستغني عنه راغب السماع والإسناد، ويحتج به الأديب في مذاكرته، كما يعتمده المناظر في محاضرته، وسيعلم من وقف عليه من أهل المعرفة قدره، ويوفيه أهل الإنصاف حقه؛ فإني نحلت فيه معلومي، وبثثته (٥) مكتومي، وأودعته محفوظي ومفهومي، وسمحت فيه بمصونات الصنادق والصدور، ومضنونات المهارق (٦) والصدور، مما لا يبيحون خفي ذكره لكل ناعقٍ، ولا يبوحون بسره إلا لطالبي الحقائق،

стр. 157

ولا يرفعون منها راية إلَّا لمتلقيها باليمين، ولا يكشفون منها غاية إلَّا لثقةٍ أمين، وإلى الله ألجأ في تصحيح (١) جميع عملي ونيتي، وإليه أبرأ من حولي وقوتي، ومنه أستمد التوفيق والهداية، وإياه أسأل العصمة والوقاية، إنه منعمٌ كريمٌ، ذو فضلٍ عظيمٍ. وقد سميته بـ "مَطَالِعُ إلا"نْوَارِ عَلَى صَحَائحِ الآثَارِ". وما توفيقي إلَّا بالله، ولا حولَ ولا قوةَ إلَّا بِهِ (٢)، عليه توكلتُ وإياهُ استعنتُ، فهو خيرُ معينٍ، وأقْوى ظَهيرٍ.

стр. 158

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وصَلّى الله عَلَى سَيِّدِنَا محَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا) (١) حَرفُ الهَمْزَةِ الْهمْزَةُ مَعَ البَاءِ قوله ﷺ : "إِنَّ لهذِه البَهَائِمِ أَوابِدَ" (٢) أي: نوافِر، يقال: أَبَدَتْ (٣) تَأْبِدُ (٤)، وتَأْبُدُ أُبُودًا فهي آبدَةٌ إذا توحشت. قوله ﷺ : "لَا بَلْ لِأَبَدِ الأَبَدِ" (٥) ويروى: " لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ" (٦) على الإضافة، أي: لآخر الدهر، والْأَبَدُ: الدهر.

стр. 159

قوله ﷺ : "وهُمْ يَأبُرُونَ النَّخْلَ" (١) أي: يلقحونها ويذكرونها، وقد جاء مفسرًا في الحديث كذلك، يقال: أَبَرْتُ النَّخْلَ وأَبَّرْتُهُ إذا ذكرته (٢)، ووقع في رواية الطَّبَرِي (٣): "يُؤَبّرُون" بالتشديد. قوله: "ولَمْ يَبْتَئِرْ خَيْرًا" (٤) هكذا (٥) في أكثر الروايات بتقديم الباء على التاء، ووقع لابن السكن (٦): " لَمْ يَأْتَبِرْ" فهو (على هذا) (٧) من هذا الباب،

стр. 160

ومعناهما سواء أي: لم يَدَّخِر، والبَئِيرَةُ: الذخيرة. قوله: "أَبَارِيقُهُ" (١) أي: كيزانه إذا كان لها خراطيم، فإن لم (يكن لها خراطيم) (٢) فهي أكواب. وقيل: بَل الإِبْرِيقُ: ذُو الآذَانِ والْعُرى، والْكُوبُ: مَا لَا أُذْنَ لَهُ ولَا عُرْوةَ. قوله: "الأَبْزَنُ" (٣) والأبزن: كلمة فارسية وهو (مثل الحوض) (٤) الصغير أو القصرية الكبيرة من فخَّارٍ ونحوه. قاله ثابت (٥). وقيل: بل (٦) هو حجر منقور كالحوض. وقال أَبُو ذَرٍّ (٧): هو كالقِدْر يسخن فيه الماء.

стр. 161

قال القاضي: وليس هذا بشيء، وفقه الحديث أنه كان يتبرد فيه وهو صائم يستعين به (١) على حرِّ العطش، وهو قول كافة العلماء، وكرهه بعضهم، حتى كره إبراهيم للصائم أن يَبُلَّ ثوبه من الحرِّ (٢). قوله: (٣) " إِبِلٌ مُؤَبَّلَةٌ" (٤) أي: قطعًا قطعًا مجموعة، أو تكون مُؤَبَّلَة مرعية مسرحة للرعي، والْآبِلُ: (الراعي للإبل) (٥)، وأَبَلَها يَأْبُلُها أُبُولًا: سرَّحها في الكلأ، وأَبَلَتْ هي أُبلًا: رعت، قاله ثعلب (٦). وقال الهَرَوِيُّ (٧): تَأَبَّلَتْ: اجتزأت برَطْب الكلأ عن الماء (٨).

стр. 162

"أَبْهَر" (١) الأبهر: عرق بمكتنف الصُّلبِ، وهما أبهران، وكأن أصله من البهرة وهي وسط كل شيء، أو من البهر وهو الغلبة، ورجل شديد الأبهر، أي: الظهر، فسميا بذلك لشدهما للظهر وغلبتهما عليه كما قال الشاعر: وَتَرْكَبُ يَوْمَ الرَّوْعِ مِنَّا (٢) فَوَارِسٌ ... بَصِيرُونَ (٣) في طَعْنِ الأبَاهِرِ وَالكُلَى (٤) وإنما ذكرنا الأبهر ها هنا؛ للزوم الهمزة له بكل حال، وإن كانت مزيدة في أوله (٥). قول عائشة ﵂ في حَفْصَةَ ﵂: "وكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا" (٦) أي: شبيهة به في حدَّة الخُلُق والعجلة في الأمور، وقيل: في قوة النفْس والمبادرة إلى تعرُّف ما يُجهل من غير ضَعفٍ ولا تأنٍّ. قوله: "نَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ" (٧) قيده بضم الباء والتخفيف لا غير (٨)، أي: نتهمه

стр. 163

ونذكره ونصفه بذلك، كما في الرواية الأخرى: " نَظُنُّهُ" (١) وأكثر ما يستعمل في الشرِّ. وقال بعضهم: لا يقال إلَّا في الشرِّ. وقيل: بل يقال فيهما؛ وهذا الحديث يدل عليه، وقوله في ﷺ : "أَبَنُوا أَهْلي وأبَنُوهُمْ" (٢) أي: اتَهَمُوهم وذَكَرُوهم بالسُّوء، وفي رواية الأصيلي (٣): " أَبَّنُوا" بتشديد (٤) الباء (٥)، وكلاهما (٦) صواب. قال ثابت: التَّأْبِينُ: ذكر الشيء وتتبعه. قال الشاعر: فرَفَّعَ أَصْحَابِي المَطِيَّ وأَبَّنُوا (٧)

стр. 164

قال ابن السِّكِّيت (١): أي: ذكروها، والتخفيف بمعناه، وروي: "أَنَّبُوا أَهْلِي" بتقديم النون وشدِّها، كذا قيده عُبْدُوس بن محمد (٢)، وكذلك ذكره بعضهم عن الأصيلي (٣). قال لي القاضي: وهو في كتابي منقوط من فوق ومن تحت وعليه بخطي علامة الأصيلي، ومعناه إن صحَّ: لاموا ووبخوا؛ وعندي أنه تصحيف لا وجه له ها هنا (٤). قوله: "أَبُو مَنْزِلِنَا" (٥) أي: ربُّه وصاحبه، ويقال أيضًا: أبو مثوانا (٦) والعرب تستعمل الأب بمعنى: مالك الشيء (٧)، وبمعنى: مبتدئه.

стр. 165

قوله: "وإِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا" (١) أي: توقرنا وتثبتنا ولم يَرُعنا صياحهم وأبينا الفرار، كما قال الشاعر: ثَبْتٌ إِذَا مَا صِيحَ بِالقَومِ وقَرْ (٢) (وسنذكره بعد بأشبع من هذا إن شاء الله) (٣). قول أُمِّ عَطِيَّةَ: "فَقالتْ: بِأَبِي" (٤) كذا للقابسي (٥) والأصيلي، ولغيرهما: "بِيَبِي" (٦) وقد ضبطه الأصيلي مرة هكذا، وضبطه أَبُو ذرٍّ في كتاب العيدين، وكتاب الحيض: "بِأبي"، وعنه أيضًا: "بِيَبَا" (٧)، وضبطه بعض الرواة عن الأصيلي: "بَابَا" بألفٍ ساكنةٍ بينهما، ووقع عند القابسي في باب: خروج الحُيّض إلى المصلى: "أَمَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ " وكلُّ ذلك صحيح في اللغة.

стр. 166

قال ابن الأنباري (١): ومعناه بأبي هو، ثم حذف لكثرة الاستعمال، قال: وهي ثلاث لغات: بأبي، وبيبي - وهو تسهيل الهمزة - وبيبا، كأنه جعله اسمًا واحدًا، وجعل آخره مثل: غضبى وسكرى، وأنشدوا: أَلَا بِيَبَا مَنْ (٢) لَسْتُ أَعْرِفُ مِثْلَهَا (٣) وقال الآخَرُ: ... أَنْ قُلْتُ يَا بِيَبَاهُمَا (٤) قال ابن قُرْقُولٍ: وعلى هذا تخرج رواية (من روى) (٥): "بَابَا" لما جعله اسمًا واحدًا، نقل فتحة الياء إلى الباء قبلها؛ لاستثقال الخروج من

стр. 167

الكسر إلى الياء، (وسكن الياء) (١)؛ لتوالي الحركات، فنطق بالكلمة على حدِّ سكرى. ومعنى قولهم: بِأبي كَذَا. أي: بأبي أفديك. قوله: "أَرْضَعَتْنِي وأَبَاهَا ثُويْبَةُ" (٢) بباء من الأبوة، هكذا هي (٣) الرواية، وصحفه بعض الأندلسيين من أصحاب أبي ذرٍّ (فقال: "أَرْضعَتْنِي) (١) وِإيَّاهَا ثُويْبَةُ" وقد تقدمه لهذا التصحيف كثير من المتقدمين فنعي عليه، وقوله في أول الحديث: "إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي" يدفع كلَّ تصحيفٍ وتحريفٍ، و (قد جاء) (١) في البخاري من رواية التنيسي (٤) وبشر بن عمر (٥): "أَرْضَعَتْنِي وأَبَا سَلَمَةَ ثُوْيبَةً" (٦) وفي كتاب مسلم من رواية ابن رُمْحٍ: "أَرْضَعَتْنِي وأَبَاهَا أَبَا سَلَمَةَ ثُويْبَةُ" (٧).

стр. 168

قوله: "فَأُتِيَ بِإِبِلٍ" (١) كذا في رواية ابن السكن والْجُرْجَانِي (٢)، وفي كتاب عُبْدُوس: "بنَهْبِ إبلٍ" (٣)، ولغيرهم: "فَأُتِيَ بِشَائِلٍ" (٤) وهي ناقة قد ارتفع لبنها (٥) وقد توصف بذلك الجماعة منها، والمسموع: شَوائِلٌ، في الجمع، والرواية الأولى أوجه، كما قد وقع في سائر الروايات: "بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرى" (٦)، و"بنَهْبِ إبلٍ" وإن كان قد ينطلق ذلك على الذكر والأنثى. وقَدْ جَاءَ في مسلم: "خُذْ هَذَيْنِ القَرِينَيْنِ" (٧)، وروي: "الْقَرِينَتَيْنِ" (٨) وعلى التأنيث قد يصح أن تكون: شَوائِل، والله أعلم. قوله (٩) ﷺ (١٠) في حديث يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ: "فَيَمُرُّونَ بِإِبِلهِمْ عَلَى بُحَيْرَةِ

стр. 169

طَبَرِيَّةَ" كذا رأيته في أصل القاضي التَّمِيمِي (١) بخطِّ ابن العَسَّال (٢)، وروايته من طريق ابن الحَذَّاء (٣) عن ابن ماهان (٤)، وهو تصحيف، وصوابه: "فَيَمُرُّ أَولُهُمْ" (٥) كما للكافة. في حديث طَلَاقِ ابن عمر مِنْ رواية ابن طَاوُسٍ عَنْ أبيهِ قال في

стр. 170

آخِرِهِ: "ولَمْ أَسْمَعْهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ لِأبيهِ" (١) كذا في نسخ مسلم كلها وروايات شيوخنا، ورواه بعضهم: "لابتَةً (٢) " وهو تصحيفٌ من قوله: "لِأبيهِ" ومعناه أن ابن طاوس قال: لم أسمعه - يعني: أباه - يزيد على ذلك؛ فبينه ابن جريج الراوي عنه كما تقدم، وفسَّر الضمير في: "لَمْ أَسْمَعْهُ" على من يرجع، فقال: "لِأبيهِ" فزاده إشكالًا أوجب تصحيفه على من لم يعرفه. وقول عبد اللهِ بْنِ الزبير: إِيهًا والإِلَهِ تِلْكَ شَكَاةٌ (٣) ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا (٤)

стр. 171

كذا لِلنَّسفي (١) من رواة (٢) البخاري، وعند الفَرَبْرِيِّ (٣): "فَقَالَ: ابْنُهَا: وَالإِلَهِ" فصحف "إِيهًا" بقوله: "ابْنُهَا" والصواب الأول، وهو وجه الكلام إن شاء الله. و"إِيهًا" كلمة تصديق وارتضاء، كأنه قال: صدقتم فزيدوا من مثل هذِه النقيبة التي اعتقدتموها نقيصة، وقد تأتي: "إِيهًا" بمعنى الاستكفاف إذا قرنت بـ (عن) يقال: إِيهًا عَنَّا، وإِيهٍ عَنَّا، أي: كفَّ عنَّا واقطع. في حديث الهِجْرَةِ مِنْ رواية يَحْيَى بْنِ بِشْرٍ، وذَكَرَ حَدِيثَ ابن عمر وأبي بُرْدَةَ، وفيه: "هَلْ تَدْرِي مَا قال أَبِي لِأبيكَ" وفيه: "فَقال أَبِي: لَا وَاللهِ قَدْ جَاهَدْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ " كذا لأكثرهم في "جامع البخاري" (٤)، وعند المُسْتَمْلي (٥) والقابسي: "فَقال: إِي وَاللهِ قَدْ جَاهَدْنَا" بمعنى: نعم،

стр. 172

الموصولة بالقسم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] وعند عُبْدُوسٍ "إِنِّي وَاللهِ" بالنونِ، وكتب في حاشيته: وعند غيري: "فَقَالَ: لَا وَاللهِ" وكلُّهُ تغييرٌ (١) وصوابه: "فَقال أَبُوكَ: لَا وَاللهِ"؛ يدل عليه قول ابن عمر له: "فَقال أَبِي: لَكِنِّي أَنَا وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ ... " الحديث. قوله: "وكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ فَأَبَوا تَكَفُّلَهُمْ" كذا في "جامع البخاري" عند الأصيلي والقابسي وعُبْدُوس من رواة أصحاب الفَرَبْرِيّ، وهو وهمٌ وتغييرٌ مفسدٌ للمعنى؛ إذ لا وجه لـ "أَبَوا" ها هنا، وصوابه: "فَتَابُوا" من التوبة كما عند أبي إِسْحَاقَ النَّسفي وأبي عَلي بن السكن والهمداني (٢) والْهَرَوِيّ؛ يدلُّ على ذلك أول الحديث "اسْتَتِبْهُمْ" (٣) ثم أخبر أنهم تابوا.

стр. 173

وفي حديث قَتْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ: "ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا" (١) كذا للأصيلي، ولغيره: "ثُمَّ أَتَوْا" وكلاهما له وجه. قوله: "إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا" (٢) كذا للأصيلي والسجزي (٣) بباءٍ من الإباية، ولغيرهما: "أَتَيْنَا" (٤) بتاءٍ من الإتيان، وكلاهما صحيح، أي: إذا صيح بنا لفزعٍ أو حادثٍ أتينا الداعي وأجبناه، أو أقدمنا على عدونا ولم يَرُعنا صياحه (٥)، كما قال ﷺ في صفة الرجل المجاهد: "إِذَا سَمِعَ هَيْعَةً طَارَ إِلَيْهَا" (٦). ومَنْ رَواهُ: "أَبَيْنَا" بباءٍ مفردةٍ، فمعناه: أبينا الفرار وأنفنا منه وثبتنا للعدوِّ، وبالتاء من الإتيان أوجه؛ لأن في بقية الرجز: "وإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا" (٧) وتكرار الكلمة على القرب عيبٌ في الشعر معلوم. قوله: "إِنَّ الأُلَى قَدْ أبَوا عَلَيْنَا" من الإباية، كذا لأكثر الرواة في حديث مسلم (عن ابن مثنى) (٨).

стр. 174

وعند الطَّبَرِي والْبَاجِي (١): "قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا" (٢) من البغي وهو أصح، وكذا جاء في غير هذِه الرواية في الصحيحين، ومعنى: "أَبَوْا عَلَيْنَا": امتنعوا من قبول ما دعوناهم إليه من الإِسلام والهدى، وأبوا إلَّا عداوةً لنا وتحزُّبًا علينا. في حديث عبد اللهِ بْنِ أُبَيّ: "فَلَمَّا أَبَى اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي جِئْتَ بِهِ" (٣) كذا لكافة الرواة (٤) وعند الأصيلي: "فَلَمَّا أَتَى اللهُ بِالْحَقِّ" بإسقاط: "ذَلِكَ" من الكلام، وكلاهما له وجه؛ فمعنى الأول: أبى الله تقديمه وأمضى ذلك له بما قضاه من إسلام قومه وبعث نبيه، يدلُّ على ذلك قولهم: "فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاك (٥) " (٦) وهو معنى "أَتَى" في الرواية الثانية. قوله ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُرْسلَ إلى أَبِي بَكْرٍ أَوْ آتِيَهُ فَأَعْهَدَ إليه" كذا لَأِبِي ذرٍ (٧)، وعند بعض رواته عنه: "إلى أَبِي بَكْرٍ وَآتِيَهُ" من غير شكٍّ، والصواب: "أَوْآتِيَهُ" إن صحت الرواية بالتاء، وعند الأصيلي والقابسي

стр. 175

والنَّسفي: "إلى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ" (١) وقيل: هو وهمٌ، وإن الأول هو الصواب. قال ابن قُرْقُول: قلت: وعندي أن الصواب هي الثانية، لما رواه مسلم: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدْعُوَ أَبَاكِ وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كتَابًا" (٢) وتكون فائدة إحضار عبد الرحمن بن أبي بكر أن يكتب الكتاب، أو يكون هو وأبوه شاهدين عليه، مع أن إتيانه أبا بكر وهو في تلك الحال من شدة مرضه يبعد، والظاهر أنه تصحيف. وفي قِصَّةِ الخَضِرِ في كتاب مسلم: "فَقال أُبَيٌّ" (٣) يعني: أبي بن كعب المسؤول أولًا، كذا رواه السجزي، ورواه غيره: "فَقال: إِنِّي" وكلاهما صحيح؛ فمن قال: "إِنِّي" (فهو حكاية) (٤) قول أُبَيٍّ، وقد جاء في البخاري مفسَّرًا: "فَقال أُبَيٌّ: نَعَمْ" (٥)، وفي رواية القابسي: "فَقال أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: نَعَمْ" فبيَّن بذكرِ كعبٍ أنه: أبيٌّ، وعند الأصيلي: "فَقال (لِي) (٦): نَعَمْ". ومِثْلُهُ في اللُّقَطَةِ مِنْ رواية أُبَيٍّ قال: "وجَدْتُ صُرَّةً" (٧) كذا لأكثرهم، وقال السجزي: "إِنِّي وَجَدْتُ" وكلاهما صحيحٌ، وأُبيٌّ هو قائل ذلك.

стр. 176

قول عائشة ﵂: "أَلَا نُعَجِّبُكَ (١) أَبَا فُلَانٍ جَاءَ فَجَلَسَ إلى حُجْرَتِي" (٢) قال القابسي: كذا في كتابي، قال: والذي أعرف: "أَتَى فُلَانٌ" من الإتيان وهو الصواب؛ (لولا قوله) (٣): "جَاءَ" وهو الأظهر في المقصد، وضبطناه في كتاب مسلم: "أَلَا يُعْجِبُكَ" (٤) بياء، وله وجه. قوله في "الموطأ" في كتاب العَقِيقَةِ: "سَمِعْتُ أَبِي يَسْتَحِبُّ العَقِيقَةَ ولَوْ بِعُصْفُورٍ" كذا رواه يحيى (٥) ووهمَ فيه، وغيره يقول: "سَمِعْتُ أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ" (٦) كذا أصلحه ابن وضَّاح، ورواه أبو (٧) عمر (٨): "سَمِعْتُ

стр. 177

أُبَيًّا يَقُولُ: تُسْتَحَبُّ (١) العَقِيقَةُ ولَوْ بِعُصْفُورٍ" وكلُّ هذِه الروايات صحيحة المعنى. وفي طَوافِ القَارِنِ في كتاب مسلم، وهو في باب: مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ، مِنْ كتاب الحَجِّ مِنَ البخاري عَنْ عُرْوةَ: "حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيرِ" (٢) هكذا رويناه عن جميع شيوخنا على البدل من: "أَبِي" غير أن العُذْرِيّ (٣) قال فيه في كتاب مسلم: "مَعَ ابْنِ الزُّبَيرِ" وكذا قال فيه أَبُو الهيثم (٤) في روايته (٥)، وهو تصحيفٌ، وإنما أخبر عروة أنه حجَّ مع الزبير أبيه.

стр. 178

وفي فَضْلِ أبي بَكْرٍ: "أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْكَ، قَالَ أَبِي: كَأَنَّهَا تَعْنِي المَوْتَ" (١) كذا لِلْجُلُودِي (٢) من رواية الفارسِي (٣) والسجزي، ولغيره: "قال: أَيْ" التي هي عبارة عن الشيء وتفسير له، والأول هو الوجه وما عداه تغييرٌ؛ لأن محمد بن جبير يقوله عن أبيه: جبير بن مطعم. وفي حديث عمرو بن لحي بن قمعة ابن خندف: "أَبَا بَنِي كعْبٍ" (٤) كذا في كتاب مسلم لِلطَّبَرِيِّ وابن ماهان، وعند غيرهما: "أَخَا بَنِي كعْبٍ" وهو خطأٌ؛ لأن كعبًا أحد بطون خزاعة، وهم بنو عمرو، وبهذا على الصواب ذكره ابن أبي شيبة، ومصعب الزبيري (٥) وغيرهما، فصوابه: "أَبَا بَنِي كَعْبٍ" من

стр. 179

الأبوة، وانتصب بـ "رَأَيْتُ" التي في أول الكلام. في الحديث: "مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ ... وأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِالْإِبْهَامِ" (١). كذا للجميع، وعند السمرقندي (٢): "بِالْبهَامِ" وهو تصحيفٌ؛ لأن البِهَامَ جمع بَهْمَةٍ، ولا مدخل لها ها هنا. وفي فَضْلِ عُمَرَ بْنِ عبد العَزِيزِ: "قال: بِأبيكَ أأَنْتَ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ " (٣) هكذا الرواية عن جميع شيوخنا من رواة (٤) العُذْرِيّ، وكذا من طريق السجزي والطَّبَرِي، وعند السمرقندي: "بِأبيكَ إِنِّي" وليس بشيءٍ، وفي بعض الروايات عنهم: "فَأُنَبِّئُكَ أَنِّي سَمِعْتُ" وكذا لابن ماهان، وله وجهٌ صحيح. وقد يأتي في هذِه الكتب ذكر: زينب ابنة أبي سلمة، ولبعضهم: ابنة أم سلمة، وكلاهما صحيح حيث وقع. وفي باب مَنْ خَاصَمَ في بَاطِلٍ: "أن زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ" (٥) وللْجُرْجَانِي خاصة: "بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ" وكله صحيح؛ أمها أم سلمة، وأبوها أبو سلمة،

стр. 180

وهما سواء. وفي باب (١): وْيل لِلْعَرَبِ: "بِنْتُ أبي سَلَمَةَ" (٢) وللسَّمَرْقَنْدِي خاصة: "بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ" وكله صحيح؛ أمها أم سلمة، وأبوها أبو سلمة. وفي البخاري في حديث أُمّ هَانِئ: "زَعَمَ ابْنُ أَبِي" لِلْحَموي (٣) خاصة (٤)، ولغيره من جميع الرواة: "ابْنُ أُمِّي" (٥) وهو أشهر، وكلاهما صحيح؛ لأنها شقيقته، والتنبيه على حرمة البطن أولى؛ لقوله تعالى في قصة هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: ٩٤]. وفي باب صَلَاةِ الضُّحَى: "عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ" (٦) وعن ابن ماهان: "عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ" وهو وهم، وصوابه: "أَبُو الدَّرْدَاءِ"، واسمه عويمر. وفي باب كَرَاهِيَةِ أَنْ تُعْرى المَدِينَةُ: "وقال ابن زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ" (٧) كذا في أصل الأصيلي، ثم غيَّرَه وكتب:
следующие страницы →