← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122402

مطالع الأنوار على صحاح الآثار

ابن قرقول

Полный текст (2 920 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المختصة به، التي لا تليق بغيره، اختصاص الرداء والإزار باللابسين من الملوك (١)؛ ولهذا قال: "مَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ" (٢). وقوله في الثوب: "وَإِنْ كانَ الثَّوْبُ قِصِيرًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ" كذا لجميع رواة "الموطأ" (٣)، وأصله: فليأتَزِر، فسُهِّل وأُدِغم، كقوله: ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، أصله: ائتخذ. قوله: "فَوَازَيْنَا العَدُوَّ" (٤) أي: نزلنا قريبًا منه، وأصله الهمز، يقال: أزيت إلى الشيء (٥) الألف، آزي (٦) أزيًا، إذا انضممت إليه، وقعدت إزاءه، أي: قبالته. قوله ﷺ :"إِزَارِي إِزَارِي" (٧) في حديث بناء الكعبة، كذا جاء في غير موضع مكررًا، وذكره البخاري في فضل مكة: "أَرِني إِزَارِي" (٨) قال القابسي: معناه: أعطني، بكسر الراء وسكونها، والأول أشبه بالكلام.

стр. 247

في الحديث في كتاب اللباس: "وكَانَتْ هِنْدٌ لَهَا أَزْرَارٌ في كُمَّيْهَا" (١) كذا لهم، وهو الصواب؛ تدخل فيها أصابع يديها؛ لئلا ينكشف معصماها، وكان عند الجُرْجَانِي: "إِزَار" وهو خطأ، والأزرار جمع زِرٍّ، يقال منه: زَرَرْتُ القميص: شددت أزراره. وأزررت القميص: إذا جعلت له أزرارًا، وقد يكون في الطَوْق، لئلا ينكشف الصدر. وفي الكمين؛ لئلا يبرز المعصم، وهي عُرىً في مقابلتها ما يدخل فيها، فيجمع الكم على الزِّند ويضيقه؛ حتى لا يَبْرُز. ****

стр. 248

الهمْزَةُ مَعَ الطَّاء (١) قول مالك: "حَتَّى يَبْدُوَ الإِطَارُ" (٢) قال أبو عبيد: هو ما بين قص الشارب وطرف الشفة المحيط بالفم، وكل محيطٍ بشيءٍ فهو إطار (٣)، ومنه: إطار الغِربال، وهو الدائر به. قوله: "فَأَطَرْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي" (٤) أي: قطعتها وشققتها، كما قال في الحديث الآخر: "فَقَسَّمْتُهَا" (٥) وقال الهروي - وهو قول الخطابي - معناه: قسمتُها، من قولهم: طيرت المال بين القوم؛ فطار لفلانٍ كذا، أي: قدر له، فصار له (٦). وما قالاه عندي أظهر. قال ابن دريد: الأَطْرَةُ: قصاص الشعر. فالفعل منه على هذا: أطرتُ، الهمزة أصلية، وعلى قول الهروي زائدة؛ ولذلك ذكره في حرف الطاء. وقد يكون أيضًا على هذا من الطر وهو القطع، ومنه طُرَةُ الشعر، ومنه: الطَّرَّار الذي يطرُّ أطراف ثياب الناس على ما صرّوه فيها من نفقات، والأَطْرُ أيضًا: العطف، يقال منه: أَطَرْتُ الشيءَ أَطِرُهُ إِطْرًا إذا

стр. 249

عطفته، وفي الحديث: "حَتَّى يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ فَيَأْطِرُهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا" (١). قوله: "وَلَهُ أَطِيطٌ" (٢) هو صوت صرير المَحْمل إذا كان فوقه ما يثقله، وهذا أحسن ما قيل فيه، وقيل: الأطيط: أصوات الإبل. وقيل: صوتها عند ركضتها. قوله: "عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَة" (٣) الأُطم بضم الهمزة: واحد الآطام، ويقال أيضًا: إطام بكسر الهمزة للواحد، وهو ما ارتفع من البناء، وهي الحصون أيضًا. وقيل: هو كل بيت مربع مسطح. فأطم بني مغالة وغيرهم: حصنهم، ومنه: "حَتَّى تَوَارَتْ بِآطامِ الْمَدِينَةِ" (٤) يعني: أبنيتها. و"كَانَ بِلَالٌ يُوَذِّنُ عَلَى أُطُمٍ" (٥) أي: بناء مرتفع. ...

стр. 250

الهَمْزَةُ مَعَ الكَاف " لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ" (١) كذا رويناه بالمد اسم الفاعل، وكذا قيده الأصيلي بخطه، ويصححه قوله بعده: "وَمُوكِلَهُ" وهو المطعم. وقوله في: فَصْلُ مَا بَيْنَنا وبين أَهْلِ الكِتَابِ: "أكْلَةُ السَّحَرِ" (٢) كذا رويناه في مسلم بضم الهمزة، والوجه هنا الفتح؛ لأن الأُكلة بالضم هي اللقمة، وبالفتح المصدر، وهي المرة الواحدة من الأكل، كالضَّربة من الضرب، وفي حديث المملوك والسائل ذكر: "الأُكْلَةُ وَ (الأُكْلَتَانِ) (٣) " (٤) ويرفع الأكلة لفيه، هذا بضم الهمزة؛ لأنه بمعنى اللقمة، فإذا كانت بمعنى المرة الواحدة فهي بالفتح، إلاَّ أن تكون معها هاء فيكون مضمومًا بمعنى المأكول، ومفتوحًا اسم الفعل، قال الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] أي: ما يؤكل منها، وقوله: "إِنَّ الله لَيَرْضَى مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَأْكُلَ الأُكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا" (٥)، بالضم: اللقمة، وبالفتح: الأكلة مرة، والضم هاهنا أوجه (٦).

стр. 251

وقول أبي بكر: "ولَا تَعْقِرَنَّ شَاةً ولَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ" بفتح الكاف قيدته في "الموطأ" (١) أي: لتأكلوه، ويجوز الضم. وقوله: "إِلَّا آكلَةَ الخَضِرِ" (٢) هي الراعية لغض النبات وناعمه. قوله ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى" (٣) أي: أمرت بالهجرة إلى قريةٍ تفتح منها القرى، ويؤكل فيها، ويسبى أهلها، والقرى: المدن، يقال: أكلنا بني فلان؛ إذا ظهرنا عليهم. وأكل اللصوص الرفقة؛ إذا سلبوهم أموالهم، وأصل الأكل للشيء: الإفناء له، ثم استعير لافتتاح البلاد وسلب الأموال. في حديث الزكاة: "ولَا تَأْخُذِ الأكُولَةَ" (٤) بفتح الهمزة، يعني: من الغنم، وهي الكثيرة الأكل، فعولة بمعنى فاعلة، وقيل: هي المُتَّخَذَة للأكل لا للنسل، فعولة بمعنى مفعولة، وقيل: هي المعلوفة، وقال أبو عبيد: هي المُسَمَّنَةُ للأكل (٥). وكل هذا متقارب. وقال السُّلَمِيُّ: الأكولة من الغنم: هي التي تسمن - كأنه يعني الفحول - قال: وسمعت أن الأكولة: الرباعية، قال: وهي عندي أولى ما قيل؛ لقول عمر أول الحديث: "خُذْ مِنْهُمُ الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ".

стр. 252

وقال شمر (١): الأكولة من الغنم: الخصية والهرمة والعاقر. كأنه يريد الذي لا يراد إلاَّ للذبح. قوله: "عِنْدَ أَكَمَةٍ" (٢)، و"خَلَقَ الآكَامَ" (٣)، و"عَلَى الآكامِ" (٤) هو بالفتح والمد: جمع أَكَمَة، ويقال: إكام بالكسر أيضًا، وهو ما غلظ من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلاً، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله كالتلول ونحوها، وقال مالك: هي الجبال الصغار. وقال غيره: هو ما اجتمع من التراب أكبر من الكداء ودون الجبال. وقال الخليل: هي من حجرٍ واحدٍ. (٥) وقيل: هي فوق الرابية ودون الجبل. وقد رواه بعضهم في "الموطأ": "الأَكَم" بالفتح، ووقع للقابسي في التفسير: "وَخَلَقَ الأَكْوَامَ" (٦)، وهما بمعنىً واحد. قال الخليل: الكوم: العظيم من كل شيء (٧). وكومت الشيء: جمعته.

стр. 253

قال الهروي: والكوم والكومة: موضع مشرف (١). وسيأتي في حرف الكاف إن شاء الله. قوله: "عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ" (٢) بكسر الهمزة، وهو كالبرذعة، ويقال: وِكَاف، بالواو أيضًا. قول أبي جهل: "لَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي" (٣) هو الحَرَّاثُ، والجمع: أَكَرَة وأكّارُون، يقال: أكثرت الأرض إذا شققتها للحراثة، وأكرت النهر: حفرته، والأُكْرة بضم الهمزة وإسكان الكاف: الحفرة تحفر إلى جانب الغدير؛ ليصفو فيها الماء، وإنما أراد بقوله هذا الأَنْصَار، ينتقصهم بذلك؛ لشغلهم بعمارة الأرض والنخل، أي: لو قتلني رجلٌ من قريش أو من غير هؤلاء الحرّاثين لكان لي عزاء، وفي بعض روايات مسلم: "لَوْ غَيْرُكَ كَانَ قَتَلَنِي" يقوله لعبد الله بن مسعود احتقارًا له؛ لكونه حليفًا عندهم ضعيفًا فيهم، كذا تقيد من رواية بعض شيوخنا عن ابن الحَذَّاء، وكلاهما له وجه، وقد يحتمل أن تكون إحدى الروايتين تصحيفًا من الأخرى. وقع في كتاب مسلم: "إِنْ طَلَبْتَ الإِمَارَةَ اُكِلْتَ إِلَيْهَا" (٤) أبدل من الواو همزة، كما يقال: وُقيت وأقيت، وفي أكثر الروايات: "وُكِلْتَ" (٥) بالواو غير مهموز، وهو أحسن.

стр. 254

الْهمْزَةُ مَعَ اللَّام " تَرِبَتْ يَدَاكِ وأُلَّتْ" (١) على وزن عُلَّتْ بضم أوله، كذا رويناه في كتاب مسلم، قال بعضهم: صوابه: وأُلِلتْ على وزن طُعِنتْ، أي: طعنت بالأَلّة، وهي الحربة، وهذا على مذهب العرب في أدعيتها المعتادة في دعم كلامها، ولا تريد وقوعها، وقد تخرج: "أُلَّتْ" (٢) كما روي على بعض لغات العرب من بكر بن وائل ممن لا يرى تضعيف الفعل إذا اتصل به (٣) الضمير المرفوع، فيقولون: رَدْتُ. بمعنى: رَدَدْتُ، ومنه قولهم: ما لَه أُلَّ وغُلَّ. وقال أبو الحسين بن سراج: وقد يصح أن يكون: "ألت" بلام واحدة بمعنى: افتقرت، ويكون بمعنى: تربت يداك. قال صاحب "العين": الألُ: الشدة، وقال الأستاذ ابن الأخضر: معنى أُلْتُ: دُفِعْتُ، من قولهم: أُلَّ وغُلَّ، وقد ذكر عن (أبي بكر) (٤) ابن مُفَوَّز أنه كان يقول: هو حرف صُحِّف؛ وإنما الكلام: "تَرِبَتْ يَدَاكَ قالتْ - يعني: عائشة -: فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ " فتصحَّف: "وأُلَّتْ" من: "قالتْ"، وقد كان يمكن هذا الذي قال لولا أنا قد روينا من طريق العُذْرِيّ في الأم فيه: "تَرِبَتْ يَدَاكِ وأُلَّتْ، قالتْ عَائِشَةُ" ومع هذا لا يصحُّ هاهنا تكرار: "قالتْ".

стр. 255

قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] فسره البخاري بـ "الْقَرَابَة" (١) وكذلك فسره غيره، وقيل: الإل (٢) هنا اسم من أسماء الله ، وهذا لا يصح على أصولنا. وقيل: "الْإِلُّ": العهد، وهو الذمة نفسه كُرر لاختلاف اللفظين. وقيل: الحلف. وقيل: الجِوار. وقيل اليمين. وجمعه القليل: إِلالٌ، والكثير: آلال. وفي حديث ذكر: "الألَنْجُوجُ" في مَجَامِر أهل الجنة في تفسير الألوة، وهو العود الهندي، ويقال: يلَنْجُوج - بالياء - وألَنْجَجُ، ويَلَنْجَجُ، ووقع في كتاب الأصيلي: "الأَنْجُوجُ" (٣) بالنون بغير لام، وهو وهم وتصحيف (٤). قوله ﷺ : "اقْرَؤوا القُرْاَنَ مَا اْئْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ" (٥) أي: ما اجتمعت ولم تختلفوا فيه، يقال: ائتلف الشيء يأتلف ائتلافًا، فهو مؤتلف إذا اجتمع، وأَلَّفْتُ وأَلَّفْتُه: جمعته، ومنه: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] أي: جمعها بعد الشتات، ومعنى الحديث: النهي عن الاختلاف في القرآن، قيل: لعله

стр. 256

في حروفه؛ لما يؤول الاختلاف فيها بالمختلفين من رَدِّ بعضهم ما يقرؤه بعضٌ، وجحده له، مع أنه قرآن كله نزل على حروف سبعة، وقد كان ذلك وظهر في زمان الصحابة، أو لعله أراد الاختلاف في تأويله بالرأي والاجتهاد فيما لايسوغ في الاجتهاد؛ حتى يؤول ذلك بهم إلى الافتراق في العقائد، واختلاف المذاهب، كما كان ذلك عند ظهور المعتزلة والمرجئة والإباضية، وغيرهم من طوائف المبتدعة، ويحتمل عندي أن يكون هذا في زمانه؛ لكونه بين أظهرهم، وبحيث يمكنهم الرجوع إليه فيما أشكل عليهم منه. قوله (١): "أَلِفَتْنَا نِعْمَتُكَ" (٢) يعني: وجدتنا وصادفتنا، كقوله سبحانه: ﴿أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠] وقال في موضع آخر: ﴿وَجَدْنَا﴾ [المائدة: ١٠٤] وفي الحديث في الدابة: "تَرْجِعُ إِلَي مَأْلَفِهَا" (٣) يعني: الموضع الذي ألفته؛ للوقوف فيه والراحة والعلف والمبيت، هو مفعل من أَلفْتُ الشيءَ آلَفُه إلفًا، وألِفْتُه أُولِفُه إيلافًا. وقول سعد ﵁: "لَا آلُو بِهِم صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (٤) أي: لا أُقَصِّرُ. ومثله قوله: "كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَنِ الخَيْرِ" (٥) أي: لا يقصر في اجتهاده، يقال:

стр. 257

أَلَوتُ - غير ممدود - في الماضي، آلو - ممدودًا - في المستقبل. ومثله في حديث الزوج: "لَا آلُوهُ إلاَّ مَا عَجَزْتُ عَنْهُ" هو في "موطأ ابن عُفَير" (١) وحده (٢)، أي: ما أقصر ولا أترك من بره إلاَّ ما لا أقدر عليه، ولا أستطيعه. قوله: "آلُ حَمِيم" (٣) قال الفراء: نسب السور إلى كلمة: (حميم) التي في أولها كما يقال: آل النبي ﵇، وقد يكون: "آل" هنا هو سورة حميم نفسها، كما قيل: "مَزَامِيرُ آلِ دَاوُدَ" (٤) يريد: مزامير داود نفسه، والآل: يقع على ذات الشيء، وعلى ما يضاف إليه، وقيل: الوجهان في (آل محمد) أنهم أمته. وقيل: هو نفسه في حديث الصلاة عليه (٥). وقيل: آله: قرابته. وقيل: آله: هو المراد في تحريم الصدقة عليه وعليهم، وهم قرابته الأَدْنَونَ إليه، أو عشيرته، أو بنو هاشم فحسب، وبنو هاشم: بنو المطلب ... (٦) على ما يقع في ذلك من الاختلاف بين الفقهاء.

стр. 258

وذكر أبو عبيد أن "حم" اسم من أسماء الله سبحانه (١)، وهذا أيضًا لا يصح على مذهب محققي أهل السنة، وسيأتي تفسير "حم" في حرف الحاء إن شاء الله. وقوله: "إِنَّ الأُلَى بَغَوْا عَلَيْنَا" (٢) بقصر الهمزة، ومعناه: الذين، ولا واحد له من لفظه، وإنما واحده: الذي، وأولو كرامته بمعنى: ذوي كرامته، واحده أيضًا: الذي، من غير لفظه، و (هؤلاء) يمد فيقال: هؤلاء. ويقصر فيقال: هؤلا. وبعض العرب تقول: هؤلا، بغير ألف بعد الهاء، وبغير همزة بعد اللام، ولا واحد له من لفظه، والهاء في أوله للتنبيه. قوله: "عَذَابٌ أَلِيمٌ" (٣) أي: مؤلم موجع مُفْعِل بمعنى فعيل، ويقال: ذو ألم، خرج مخرج النسب كـ (لابن) و (تامر) (٤). قوله: "وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ" (٥) - يعني: أهل الجنة - و"كَانَ يَسْتَجْمِرُ بِالألُوَّةِ" (٦) روي بفتح الهمزة وضمها، وضم اللام وسكونها، قال الأصمعي: هو العود الذي يُتبخرَّ به، وهي كلمة فارسية عربت. قال الأزهري: ويقال: لِيَّةٌ ولُوَّةٌ (٧). وحكي عن الكسائي: إلِيَّةٌ، بكسر الهمزة

стр. 259

وكسر اللام، وقد جاء تفسيرها في البخاري، وقال: وهو: "الألنجوج"، وهنا وقع للأصيلي بغير لام بين الهمزة والنون: "الأنجوج" (١)، وهو وهم كما تقدم (٢). وقوله في حديث الملاعنة: "سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ" (٣) بفتح الهمزة وسكون اللام، وهما: اللحمتان المؤخرتان اللتان يكتنفان مخرج الحيوان، وهما من ابن آدم: المقعدان، وجمعها: أَلَيات، بفتح اللام، ومنه قوله ﵇: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الخَلَصَةِ" (٤) والواحدة: أَلْيَة، بإسكان اللام وفتح الهمزة. قوله: "آلَيْتُ أَقُولُهَا لَكَ" (٥) أي: لا أقولها. "وَتَأَلَّى أَلَّا يَفْعَلَ خَيْرًا" (٦)، أي: حلف، والأَلِيَّة: اليمين، يقال: تَأَلَّيتُ وائتليتُ وتآليتُ أَلِيَّةً وأَلْوةً وأُلْوةً وإلْوةً. كل ذلك لغات فيها, ولم يعرف الأصمعي كسر الهمزة في أوله. وقع في باب من أفطر في السفر؛ ليراه الناس: "ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَرَفَعَهُ إلى يَدهِ؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ" (٧) كذا لجمهورهم، قال بعضهم: فـ "إلى" على هذِه الرواية بمعنى "على"، وبه يستقيم الكلام، ووقع عند ابن السكن: "إِلَى

стр. 260

فيهِ" (١) مكان: "إلى يَدهِ" وهو أبين. قلت: بل يجوز أن تكون "إلى" على بابها، أي: أمر برفع الإناء من الأرض إلى أن يتناوله بيده؛ لأنه كان راكبًا يومئذٍ. وقوله في رواية يحيى بن يحيى: "هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ" (٢) وسقط: "إلى" عند القعنبي (٣) وهو أبين (٤). وقد تخرج رواية يحيى على أن تكون: "إلى" متعلقة بـ "مقعدك"، أي: هذا مستقرك إلى يوم القيامة حتى يبعثك الله. ويجوز أن يكون تقدير الكلام: حتى يبعثك الله إلى محشر يوم القيامة، ثم حذف المضاف، وعند ابن القاسم (٥): "إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٦) وهو بين أيضًا، والهاء ترجع إلى المقعد، ويجوز أن ترجع إلى الله كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠].

стр. 261

ورواه قوم عن ابن بُكَير (١): "حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ" لم يزد على ذلك، وقد يكون وجه رواية يحيى على التفسير لقوله: "يَبْعَثَكَ اللهُ" ففسر جملة بجملة.

стр. 262

فَصْلٌ نَذْكُرُ فيهِ حُرُوفًا مُشْتَبِهةَ اللَّفْظِ مُخْتَلِفَةَ المَعْنَى يَجِبُ تَقْيِيدُهَا، لِئَلَّا تُشْكَلَ إِذَا أهمِلَتْ فمن ذَلِكَ: (إِلَّا، وأَلَّا، وأَلَا، وإِلَى، وإِليَّ). اعلم أن "إِلَّا" بكسر الهمزة حرف استثناء، يخرج بعض ما تضمنته الجملة المذكورة قبله منها، وقد تأتي بمعنى "لكن"، وهو الذي يسميه بعضهم: الاستثناء من غير الجنس. وبعضهم: الاستثناء المنقطع. وبعضهم يسميه: الاستدراك. وقد جاءت أيضًا بمعنى: "وَلَا"، وبمعنى: "إِنْ لَمْ". وأما "أَلَّا" بفتح الهمزة فللتوبيخ والذم (١) والَّلوم، وتأتي للعرض؛ إذا خففت لامها، وبمعنى: "هَلَّا"؛ إذا شددت لامها، وبمعنى: "أَنْ"، و"لَا" زائدة. وأما "أَلَا" بالتخفيف فلاستفتاح الكلام، وتأتي أيضًا للعرض والتحضيض. وأما "إِلَى" بالياء فحرف غاية وانتهاء، وقد تأتي بمعنى: "في" وبمعنى: "مع". وأما التي بشد الياء فهي "إلي" أضيفت إلى ياء المتكلم، وقد تأتي بمعنى: "لِي". وهذِه أمثلة ذلك كله إن شاء الله:

стр. 263

قال ابن عمر - وقد أعتق مملوكَّاَ له كان قد ضربه: "مَا لِي فِيهِ أَجْرٌ، وَلَا مَا يُسَاوِي هَذَا، إلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ ... " الحديث (١). كذا الرواية: "إِلَّا أَنِّي" حرف استثناء، ووجهه أن يكون استثناء منقطعًا، أو على ما نذكره بعد إن شاء الله، وقال بعضهم: لعله: "أَلَا إِنِّي" فيكون حرف استفتاح للخبر المذكور بعدها، وكأن قائل هذا استبعد الاستشهاد بهذا على قوله: "مَا لِي فِيهِ مِنْ أَجْرٍ"، وعندي أنه لا يبعد، ولا تنافر بين الفضلين؛ أخبر ﵁ أنه لا أجر له في عتقه إذ لم يعتقه ابتداءً للأجر متطوعًا به؛ لكن لكفارة الضرب، وإزالة الإثم اللاحق به لضربه إياه، ويكون تقدير الكلام: ما لي في عتقه من أجر إذ لم أُعتقه إلاَّ؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا. أي: فأعتقته؛ ليكفِّر الله عني ما فعلت به من الضرب. وقوله ﷺ في فضل أبي بكر: "إِلَّا خُلَّةَ الإِسلَامِ" (٢) كذا ضبطه الأصيلي بحرف الاستثناء من نفي غيرها من الخُلة، ونصب الخلة، وعند بعضهم: "أَلَا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام للاستفتاح، ورفع الخلة على ابتداء الكلام، وكلاهما صحيح، وقوله في الحديث الآخر: "لَكنْ أُخْوَّةُ الْإِسْلَامِ" (٣) يشهد لصحة الاستثناء وللاستفتاح أيضًا، وحذف الخبر من قوله: "لكن" ومن رواية الاستفتاح أيضًا اختصارًا (٤)؛ لدلالة الكلام

стр. 264

عليه، أي: لكن خلة الإسلام ثابتة، أو لازمة، أو باقية، ونحوه. وقوله ﷺ : "إِلَّا آكِلَةَ الخَضِر" (١) [أكثر الروايات فيه على الاستثناء، ورواه بعضهم "ألا" على الاستفتاح أيضًا، كأنه قال: ألا انظروا آكلة الخَضِر] (٢) واعتبروا في شأنها، ونحوه. وفي خطبته ﷺ يوم الفتح: "أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا شَهْرُنَا هَذَا" (٣) بالفتح والتخفيف فيهما، وفي سائر الحديث. وفي باب من الكبائر أَلَّا يستتر من بوله: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا" يعني: صاحبي (٤) القبرين "إلاَّ أَنْ يَيْبَسَا" بحرف الاستثناء، كذا جاء لأبي الهيثم والحموي، وهي إحدى روايتي الأصيلي ﵀ (٥)، ولغيرهم: "إلَى أَنْ" (٦)، وهو المعروف في أكثر الحديث، وبدليل قوله في الرواية الأخرى: "مَا لَمْ يَيْبَسَا" (٧) من غير شك. ووجه رواية من روى: "إلاَّ أَنْ يَيْبَسَا" أنه لما أطلق التوقع والترجي من غير تقييد بزمان ولا محدود بمدة - وقد علم ﷺ أن التخفيف عنهما لا بد أن

стр. 265

يكون إلى مدة، وهي ما دامت الجريدتان رطبتين - استدرك بحرف: "إلا"، وجاز ذلك وإن لم يتقدمه نفي؛ لأن حرف (لعل) ليس بحرف إثبات، فأشبه الشرط، فكان كقوله ﷺ : "مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فقال كَمَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجرْنِي في مُصِيبَتِي، وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا. إِلَّا فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ بهِ" (١) فأتى بـ "إلا" بعد الخبر؛ لما كان فيه من الشرط، والشرط ليس بإثبات محض، وكذلك لعل. وفي حديث الثلاثة الذين خلفوا: قول كعب بن مالك: "فَوَاللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي لِلإِسْلَامِ، أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدْقِ (٢) رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَلا اَكُونَ كَذَبْتُهُ" كذا في الصحيحين لكافة الرواة حيث تكرر (٣)، وعند الأصيلي في باب من البخاري: "ألا أن أكون كذبته" بزيادة: "أن" والأول هو الصواب لا غير، ومعناه: أن أكون كذبته، و"لا" هاهنا زائدة كهي في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] هكذا رأيت هذا الكلام لشيخنا القاضي ﵀، وهو عندي غير بين، وأبين منه أن تكون: "لا" غير زائدة، وتكون: "أن" التي قبلها مخففة من الثقيلة، ويكون التقدير: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة أعظم من أني لم أكن كذبته فأهلك. وإذا قدرت: "لا" زائدة كما تأول الشيخ؛ انعكس المعنى، وصار التقدير: ما أنعم الله علي من نعمة أعظم من أن أكون كذبته، أي: من كوني كذبته.

стр. 266

وفي باب الشهادة عند الحاكم في حديث أبي قتادة: "وقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بن صالح: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ" (١) كذا لأبي ذر الهروي والنسفي، ووقع عند الأصيلي: "إلى مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ" وكلاهما صحيح. وفي حديث ابن عمر: "إِنَّكَ لَضَخْمٌ أَلّا تَدَعُنِي أَسْتَقْرِئُ لَكَ الحَدِيثَ؟ " (٢) كذا رويناه وقيدناه من طريق الأسدي بتشديد اللام وضم العين، أي: إن جفاءك وغباوتك يحملانك على العجلة؛ لتركك سماع حديثي، وقطعه عليَّ بقولك لي: "لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ" (٢)، فأنت ضخم جافٍ؛ من أجل فعلك هذا؛ فتكون: "ألَّا" هاهنا بمعنى: هلَّا تدعني أتتبع لك الحديث سردًا. ورواه بعضهم: "أَلَا" مخففة، التي للعرض والتحضيض، وهو أبين. وقوله: "إِلَّا يَشِفَّ فَإنَّهُ يَصِفُ" (٣) بكسر: "إلا"، أي: إن لم يكن يشف لصفاقته، أي: يبدي ما وراءه ويظهره، فإنه يصف ما تحته برقته وانضمامه على لابسه، أي: يظهر ما تحته من العورة، فيقوم ذلك مقام وصف الواصف لذلك. وفي باب: من ملك من العرب رقيقًا: "قَالَ: أَنَا ابْنُ عَوْنٍ: كتَبْتُ إلى نَافِعٍ؛ فَكَتَبَ إِلَيَّ" (٤) كذا لأبي ذر والأصيلي وجمهورهم، ولبعضهم: "كَتَبَ

стр. 267

إليَّ نافعٌ" على الاختصار والاقتصار على مثال الخبر، وعلى الكمال بذكر أول القصة، ذكره البخاري في "تاريخه" مبينًا: "كَتَبْتُ إلى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ؛ فَكَتَبَ إلَيَّ" (١). وفي باب (٢) الجلوس في الأفنية: "فَإنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ" كذا هو حيث وقع من هذِه الكتب (٣)، وهو الصواب، وجاء في البخاري، في باب الجلوس في الأفنية (٤) لسائر رواة البخاري: "فَإنْ أَتَيْتُمْ إلى الْمَجَالِسِ" (٥) وهو تصحيف؛ يبين ذلك قولهم له حين نهاهم على الصَّعدات: "مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ يَا رَسُولَ اللهِ" فقال عند ذلك مرخصًا لهم فيما كان نهاهم عنه: "فَاِنْ أَبَيْتُمْ - أي: امتنعتم من ترك الجلوس بها - فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ ... " الحديث. والمجلس هاهنا مصدر بمعنى الجلوس؛ كما قد جاء كذلك في بعض طرقه. وفي قول الخَضِرِ لموسى ﵇: "إِلَّا مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْ هَذَا البَحْرِ" (٦) (ذكر بعضهم أن: "إلَّا" هاهنا بمعنى: "ولا"، أي: ما نقص علمي وعلمك من علم الله ولا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر) (٧)

стр. 268

على قلته، أي: أن علم الله لا يدخله نقص، وقد قيل: في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] نحو هذا: ولا خطأً، وهو قول ضعيف، وإنما هو عند المحققين استثناء من غير الجنس، بمعنى: لكن قد يقتله خطأ". أو: إلاَّ أن يقتله خطأ. قال القاضي: وهذا التأويل في الحديث لا يحتاج إليه؛ إذ معناه صحيح على ظاهره؛ وإنما المقصد بالحديث التمثيل لعدم النقص؛ إذ ما نقصه العصفور من البحر لا يظهر لرائيه، فكأنه لم يَنقُص منه شيئًا، فكذلك هذا من علم الله سبحانه، أو يكون راجعًا إلى المعلومات لا إلى العلم، أي: ما علمتُ أنا وأنت من جملة معلومات الله التي لم نطلع عليها في التقدير والتمثيل إلاَّ مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، وذِكْرُ النقص هاهنا مجاز على كل وجه، ومحال في علم الله تعالى ومعلوماته في حقه سبحانه؛ وإنما يتقدر ذلك في حقنا، ويدل على هذا قوله في الرواية (١) الأخرى: "مَا عِلْمِي وعِلْمُك وعِلْمُ الخَلَائِقِ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْقَارَهُ في هذا البَحْرِ" (٢) (٣). وقوله ﷺ : "لَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ" (٤) هذا محمول على الاستثناء عند الأكثر، وعبارة عن القلة عند بعضهم، على ما نفسره إن شاء الله في حرف الحاء، وقد يحتمل أن تكون: "إِلَّا" هاهنا بمعنى: "وَلَا" على ما تقدم، أي: ولا مقدار تحلة القسم.

стр. 269

وفي حديث العزل: "مَا عَلَيْكُمْ أَلّا تَفْعَلُوا" (١) قال غير واحد: هي للإباحة، معناه: اعزلوا، أي لا بأس عليهم أن يعزلوا. قال المبرد (٢): معناه: ما عليكم أن تعزلوا. والبأس هاهنا: الإثم والحرج، و"لا" بعد "أن": للطرح. وقال الحسن البصري في كتاب مسلم: "كَأَنَّ هَذَا الكَلَامَ زَجْرٌ" (٣)، وقال ابن سيرين: "لَا عَلَيْكُمْ: أَقْرَبُ إِلَى النَّهْي مِنْهُ إلى الإِباحَة" (٤). وفي "الموطأ" في كتاب الجامع منه: "لَا تُخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللهِ" كذا ليحيى (٥) وأكثر الرواة، على النهي، وعند ابن قعنب وابن بكير ومن وافقهما: "أَلَا تُخْبِرُنَا" على العرض، والجواب محذوف تقديره: ألا تخبرنا فنمتثل أو نتبع أو ننزجر أو نتعظ ونحو ذلك، ثم حذف لدلالة الكلام عليه. وأما الوجه الأول بلفظ النهي على ما رواه يحيى ومن وافقه، فيحتمل أن يكون الناهي عن ذلك منافقًا، ويحتمل أن يقول ذلك رجل مؤمن مشفق على المسلمين؛ لئلا يتكلوا فيقتصروا على توقي شرِّ هاتين الثنتين المذكورتين،

стр. 270

ويسترسلوا على ما سواها، أو يهملوا كثيرًا من الأعمال، كما جاء في حديث معاذ وحديث عمر ﵄ (١)، ويحتمل أن يريد بذلك أن يتركهم؛ حتى

стр. 271

يستنبطوها بأنفسهم، وعلى حسب أفهامهم، على وجه الاختبار لمعرفتهم والسبر لقرائحهم، وقال ابن حبيب: إنما قال: "لا تخبرنا"؛ لأنه خاف أن يثقل عليهم - إذا أخبرهم - الاحتراس منها، ورجا أن يوفقوا للعمل بها من قبل أنفسهم. قوله ﷺ : "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدم لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ" (١) قال الطحاوي (٢): هو استثناء من غير الجنس، معناه: لكن الصيام لي؛ إذ ليس بعمل فيستثنى من العمل المذكور (٣). وكذلك قال غير واحد: إنه ليس بعمل، وإنما هو ترك من التروك. وهذا غير سديد بل هو عمل بالحقيقة من أعمال القلب وامتساك الجوارح عما نهيت عنه فيه. وأما قوله: "فَإِنَّهُ لِي" قيل: لكونه من الأعمال الخفية الخالصة، أي: هو خالص لي لا يدخله رياء، أو لا يطلع عليه غالبًا بخلاف غيره من الأعمال، والأظهر في هذا الحديث أنه أشار إلى معرفة الأجور وأن أجور عمل ابن آدم له معلومة مقدرة، كما قال في آخر الحديث: "الْحَسَنَةُ

стр. 272

بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةٍ، إِلَّا الصَّوْمَ" (١) فأجره غير مقدر، وإنما ذلك إلى الله، يوفيه الصابر عليه بغير حساب. وفي حديث المنحة: "أَلَا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً"، "أَلَا" مفتوحة مخففة على استفتاح الكلام، وعند الجلودي: "رَجُلٌ" (٢) بالضم والتنوين، وعند غيره: "إِلَّا رَجُلٌ". وفي حديث العائن (٣): "أَلَا بَرَّكْتَ" (٤) بالتخفيف عند شيوخنا على العرض والتحضيض، ورواه بعضهم بالتشديد بمعنى: "هلا" التي للَّوم، وقد تأتي مشددة للعرض والتحضيض أيضًا. وفي باب من لم يستلم الركنين: قول ابن عباس لمعاوية: "أَلَا تَسْتَلِمُ هَذَينِ الرُّكْنَين" بالتخفيف كذا للجرجاني، ولغير الجرجاني: "إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ" (٥) على الخبر المنفي، وهو الوجه والصحيح في التفسير، إلاَّ أن الرواية: "هَذَينِ الرُّكْنَين" بالنصب، وهو لحن، وصوابه بالرفع على ما لم بسم فاعله (٦). في حديث زيد بن أرقم وابن أُبَيِّ ابن سلول المنافق من رواية عبيد الله بن موسى: "مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " بكسر "إِلَّا" وشدِّ اللام،

стр. 273

وكذا للجرجاني، وعند غيره: "إلَى أَنْ كَذَّبَكَ" (١) بـ "إلى" التي هي حرف جر، وكلاهما صحيح، وفي غير هذِه الرواية: "إلى" (٢) للجميع، وهو أبين، أي: ما أردت بفعلك في نقلك ما نقلت إلى أن بلغك تكذيب النبي ﷺ إياك، وتكون: "إلى" هاهنا على أظهر معانيها للغاية، وقد تكون هاهنا بمعنى "في"، وهو آكد وجوهها، أي: صرت في صفة من كذبه كما قال: ... ... ... ... ... ... ... ... كَأَنَّنِي (٣) إِلَى النَّاسِ مَطْليُّ بِهِ القارُ أَجْرَبُ (٤) أي: كأني في الناس، فيكون تقدير الحديث: ما مرادك في أن كذَّبك النبي ﷺ ؟ ويكون تقديره على الوجه الآخر: ما فائدة قصدك إلى ما وقعت فيه من تكذيب النبي ﷺ إياك، أي: لم يُجْدِ عليك ما فعلت إلاَّ تكذيب النبي ﷺ . وأما حديث عمر وأبي بكر في قصة بني تميم، في تفسير سورة الحجرات: "مَا أَرَدْتَ إلى خِلَافِي أَوْ: إِلَّا خِلَافِي" كذا الرواية في الباب الثاني على الشكِّ (٥)، وهما بمعنى ما تقدم، وعند الأصيلي هنا: "إليَّ

стр. 274

- بتشديد الياء - أَوْ: إِلَّا خِلَافي" وله وجه، أي: ما سبب قصدك إليَّ بالمعارضة لي؟ ثم شك الراوي فقال: "أَوْ إِلَّا خِلَافي"، أي: ما أردت إلى. أو: ما أردت إلاَّ خلافي. وفي التيمم: "فَقَالُوا: أَلَا تَرى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ " (١) كذا لجميعهم، وعند الحموي والمستملي: "فَقَالُوا: لا تَرى" على حذف ألف الاستفهام، وذلك جائز في الموضع الذي لا يشكل، أو يكون الناسخ نقص ألف الجميع التي بعد الواو من: "قالوا" من الخط، فيكون: "ألا" مثل ما لجميع الرواة، وهو الصواب. وقوله في صدر كتاب مسلم: "مَا قَضَى بهذا عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ" (٢) يصح أن تكون "إِلَّا" على بابها، ويكون "ضَلَّ" بمعنى: نسي ووهم. أو تكون على ظاهرها من الضلال، والمعنى: وهو ممن لم يضل، وممن لا يوصف بذلك ولا يظن به، على طريق الإنكار لتلك القضايا، واعتقاد التكذُّب عليه فيها، أي: إن هذا لا يفعله إلاَّ من ضل، وعليٌّ لم يضل. وفي حديث أضياف أبي بكر ﵁: "أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ " (٣) بالتخفيف عند أكثر الرواة، على العرض، وعند أبي محمد بن أبي جعفر: "أَلَّا" بالتشديد، على اللوم والحض، أو يكون المعنى: ما منعكم منه وأحوجكم إلى أن لا تقبلوه؟ ومثله قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] قيل: معناه: ما منعك أن تكون مع الساجدين؟ و"لا"

стр. 275

زائدة أو: أي شيء جعلك ألا تكون مع الساجدين، أو حملك على أن لا تكون مع الساجدين؟. وقوله في حديث الصلاة قبل الخطبة: "قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُلْتُ: أَيْنَ الابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا يَا أَبَا سِعِيدٍ" (١) كذا في روايتي، ورأيت في غير كتابي: "أَيْنَ، أَلَا تَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ؟ " بدلاً من: "أَيْنَ الابْتِدَاءُ" وتقديره: أين تذهب يا مروان؟ ألا تبدأ؟ وذلك أنه كان يماشيه إلى جهة المصلى، فلما قرب مروان من المنبر عدل إليه وترك المحراب، فقال له أبو سعيد: أين ألا تبدأ؟ أي: أين تذهب وتترك الصلاة؟ قوله ﷺ : "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ" إلى أن قال: "فَيَقُولُ - يعني: عيسى ﵇ أَلَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ" (٢) كذا هي مخففة لأكثر الرواة، وهو الصواب، على الاستفتاح، وفي كتاب ابن سكرة عن العذري: "فَيَقُولُ: الآنَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ". وفي حديث: "لَا تتمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ": "أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ حِينَ سَارَ إِلَى الحَرُورِيَّةِ" (٣) كذا لهم، ولِلْعُذْرِيِّ "كتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ" والأول هو الصواب؛ لأن عبد الله بن أبي أوفى صاحب لرسول الله ﷺ ، فكتب إليه موصيًا له بما سمع من رسول الله ﷺ . قول حذيفة: "إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ تَكُونُ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَيَّ في ذَلِكَ شَيْئًا، لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلَكنْ رَسُولُ اللهِ

стр. 276

- ﷺ ... " (١) كذا الحديث، كذا في الأصول كلها، قال الْوَقَّشِي: الوجه حذف: "إِلَّا" وبه يستقل الكلام، ويكون التقدير: وما بي أن يكون رسول الله ﷺ أسرَّ إليَّ. قال القاضي: ما قاله مساق الحديث، وما يدل عليه مقتضاه: أي: ما اختص بي علم الفتن لكون النبي ﷺ أسر إليَّ ما لم يقله لغيري؛ ولكن لأن النبي ﷺ لما حفن في ردائي وأمرني بجمعه إلى حفظت ما لم يحفظ غيري، ثم ماتوا وبقيت وحدي. ويدل عليه أيضًا قوله في الحديث الآخر: "نَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ وَحَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ" (٢)، وقد يخرج للرواية وجه وهو أن يكون قوله: وَمَا بِي من عذر في الحديث بها والإعلام إلاَّ كون رسول الله ﷺ قد أسر إلى من ذلك شيئًا لم يعلمه غيري، ولعله ﷺ أمره ألا يذيعه من بعده، أو رأى هو ذلك من المصلحة للعامة (٣). وفي البخاري: وقال ابن عمر والْحَسَنُ، فيمَنْ احْتَجم: "لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ" (٤) كذا للمستملي، وسقطت: "إِلَّا" للباقين من الرواة، وإثباتها هو الصواب، وهو مذهبهم المعروف عنهما، أي أنه لا وضوء عليه من الحجامة إلاَّ غسل موضع محاجمه من الدم (٥)، وقد روي عنهما

стр. 277

أن عليه الوضوء (١)، وهو مذهب أهل العراق (٢). قول عائشة ﵂ لأم مِسْطَح: "إِلَامَ تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ " كذا للمروزي، وللباقين "أَيْ أُمِّ، تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ " (٣) ولكليهما وجه، الأول (٤): حَتَّام (٥) تَسُبِّينَ ابْنَكِ؛ لأنها كررت سبها في الحديث مرة بعد أخرى (٦)، فأنكرت ذلك عائشة عليها؛ لأنه كان من أهل بدر فسألتها، أي: لأي علة، وفي أي قصة تسبه؟. والوجه الآخر بينٌ أيضًا، ودَعَتْهَا أمًّا؛ إما لسنها وكبرها، وإمالك ونها خالة أبيها، والخالة أم، ويحتمل أن يكون مصحفًا من: "إلى مَ" وصغرت اللام وبقيت الياء؛ فجاء منها صورة: "أَيْ" التي للنداء. وقوله: "فَجَلَسْتُ إلى الحِلَقِ" (٧) معنى: "إلى" هاهنا كمعنى (في) كما تقدم، وكما جاء في الحديث الآخر: "فَجَلَسْتُ في الحِلَقِ" (٨) أو يكون التقدير: جلست آويًا إلى الحلق؛ كما قال: "أَمَّا أَحَدُهُمْ (٩) فَأَوَى إلى

стр. 278

اللهِ " (١)، أو منضمًّا إلى الحلق. وفي خبر زيد بن عمرو: "فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ" (٢) كذا لكافة الرواة، وعند الجرجاني: "فَقَدَّمَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ " (٣) والأول إن شاء الله هو الصواب، ولا يبعد صحة الثاني، ويكون ذلك ظنًّا من زيد أن النبي ﷺ يأكل مما يأكل قومه. وفي باب: "مَنْ أَشَارَ إِلَى الرُّكْنِ" في الحج كذا لهم (٤)، وللقابسي: "ومَنْ أَشَارَ عَلَى الرُّكْنِ" وله وجه، يقال: أشرف إلى الشيء وعلى الشيء؛ لا سيما والركن يأتي يوم القيامة سميعًا بصيرًا متكلمًا. وقوله: "يُوشِكُ أَهْلُ العِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى (٥) إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ (٦) " (٧) كذا لهم، وعند بعضهم: "أَلَا يُجْبَى (٨) لَهُمْ" وهو الوجه، أي: مما لهم أو عليهم، واللام تأتي بمعنى: (من) وأما على رواية: "إلى" فيحتمل المعنى؛ لأن أهل العراق (٩) كانوا أهل خراج يُجْبَون ولا يُجبَى إليهم.

стр. 279

وفي مناقب سعد: "مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا في اليَوْمِ الذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ" (١) كذا في جميع النسخ، قال بعضهم: صوابه إسقاط: "إِلَّا"، ولم يقل شيئاً! بل صوابه إثباتها، أي: لم يسلم أحد قبل يوم إسلامي، ودليل ذلك: قوله بعد: "وَلَقَدْ بَقِيتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلَامِ" يعني والله أعلم: النبي ﷺ وهو وأبو بكر، ولم يعتد بعلي؛ لصغره، ولا بخديجة؛ لأنها امرأة، ولا بزيد؛ لأنه كان مولىً، وإنما عد الرجال الأحرار البالغين (٢). قوْلُهُ: "مَا سُقْتَ إِلَيْهَا" هكذا للأصيلي في فضائل الأنصار، وفي باب مؤاخاة النبي ﷺ بينهم (٣)، كذا للنسفي في باب فضائل الأنصار، وعند الباقين فيهما: "مَا سُقْتَ فِيهَا" (٤) وقد تأتي: (في) بمعنى: (إلى) كما قيل في: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] أي: إلى أفواههم. وفي غرماء والد جابر: "فَقَالَ عُمَرُ: أَلَّا يَكُونُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ" (٥) بالفتح والتشديد، أي: إنا حققنا أمرك ولا نشك في بركتك وإجابة دعوتك فيها، إلاَّ ألَّا نكون نعلم أنك رسول الله، كما قال في الرواية الأخرى: "قَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهُ يُبَارَكُ فِيهَا" (٦). وفي باب الوكالة في قضاء الدين: "قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ

стр. 280

سِنِّهِ" (١) بالكسر، أي: لم نجد إلاَّ أمثل من سنه، أي: أفضل، فحذف لدلالة الكلام عليه، أو سقط الحرف عن الراوي، وقد جاء في غير هذا الباب مبينًا: "لا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ" (٢). وقوله في باب ما يذكر من المناولة: "حَيْثُ كتَبَ لأمِيرِ السَّرِيَّةِ" (٣) كذا لهم، وعند الأصيلي: "إلى أَمِيرِ السَّرِيَّةِ" وهما بمعنى متقارب، و (إلى) تأتي بمعنى: (مع)، وتأتي بمعنى اللام أيضًا، وهو ﵇ إنما كتب الكتاب له ومعه ولم يرسله إليه، وليست: (إلى) هاهنا غاية، ويحتمل أن تكون: (إلى) على بابها؛ وذلك لأنه أمره أن لا يفتحه حتى يكون بموضع كذا، فصار خطابه إياه في حكم خطاب الغائب، كما لو كتبه له وأرسله إليه، وهو في ذلك المكان غائبًا عنه. وقوله في حديث الأئمة: "أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ" (٤) كذا لهم، وعند الطبري: "إِلَّا مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ" ولا وجه له، ولعله: (ألا) التي للاستفتاح، أي: ألا ما أقاموها فلا تفعلوا. ...

стр. 281

الْهمْزَةُ مَعَ المِيم منها: "إمّا" وقد جاءت في هذِه الأصول: (إمّا) بالكسر و (أمّا) بالفتح، وهما مختلفتان، وفي مواضع منها إشكال، فأما: (إمّا) المكسورة فتأتي للتخيير والشك والإبهام والتقسيم، وهي بمعنى: (أو) في أكثر معانيها، وذكر بعضهم أنها حرف عطف إذا تكررت، ولا يصح لدخول حرف العطف عليها، وبعض بني تميم يفتحون همزتها في باب العطف. و (أَما) المفتوحة الهمزة فهي التي للاستئناف وتفسير الجمل، وهي (أن) دخلت عليها (ما) فأدغمت فيها، فأما ما وقع في هذِه الكتب منها مما يشكل، فهذِه الأصول تبينها إن شاء الله. فأما: "إِمَّا لَا" فوقع هذا اللفظ في الصحيحين في مواضع بكسر الهمزة وشد الميم (١)، وهو هكذا صحيح، و (لا) مفتوحة عند الجميع، إلاَّ أنه وقع عند الطبري: "إِمَّا لِي" بكسر الهمزة وكسر اللام بعدها، وياء ساكنة متصلة باللام، وهكذا ضبطه الأصيلي في جامع البيوع، وكذا لبعض رواة مسلم، والمعروف فتح اللام، وقد منع من كسرها أبو حاتم (٢) وغيره، ونسبوه إلى العامة، لكنه خارج على مذهب الإمالة، كأن الكلمة كلها واحدة، وقد

стр. 282

فتح بعض الرواة الهمزة فقال: "أمَّا لَا" وهو أيضًا خطأ، إلاَّ على لغة بني تميم الذين يفتحون همزة (إِمَّا) التي للتخيير، فيقولون: خذ أمَّا هذا وأَمَّا هذا. ومعنى هذِه الكلمة: (إِمَّا لَا): إن كنت لا تفعل كذا فافعل غيره، و"ما" صلة لـ "إن" كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] فاكتفوا بذكر "لا" عن ذكر الفعل، كما يقولون: الق زيدًا وإلا فلا، أي: وإلا فدع لقاءه إن لم ترده. وقول ابن عمر في كتاب مسلم: "أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي بهذا" (١) فمفتوح الهمزة، ومعناه: أمّا إن أنت طلقت امرأتك، فحذفوا الفعل الذي يلي "إن" وجعلوا "ما" عوضًا منه، وفتحوا "أن"؛ لتكون علامة لما أرادوه، وقد جاء في البخاري: "إِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ" (٢) مبينًا. قول ابن عمر: "وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ" (٣) أي: غايتها، والأمد: المنتهى. قوله: "لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كبْشَةَ" (٤) أي: عظم وزاد (٥)، يقال: أمر القوم أمرًا: كثروا، وفي المثل: من أَمِرِ فَلَّ، ومن قلَّ ذلَّ (٦). وأَمْرُهُ: شأنه

стр. 283

وحاله وعِظَم قدره، والأمر: الشيء العظيم المتعجب منه، ومنه اشتق "أمر" بمعنى: عَظمَ وشَنُعَ. قوله: "إِذَا هَلَكَ أَمِيرٌ تَأَمَّرْتُمْ في (١) آخَرَ" (٢) أي: تشاورتم فيه، من الائتمار، ومثله في الحديث الآخر في المخطوبة: "فَآمَرَتْ نَفْسَهَا" (٣) بالمد، أي: تشاورت، ومثله قول عمر: "بَيْنَا أَنَا في أَمْرٍ أَأْتَمِرُهُ" (٤) أي: أشاور فيه نفسي، وقيل: قدمتم آخر أميرًا، وتأمّر تفعَّل بمعنى: اكتسب، واتخذ أميرًا، وسيأتي بعد هذا من رواية أبي علي الجيَّاني: "عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، تَأَمَّرَهُ (٥) عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ" بشد الميم. وفي فضائل أسامة: "وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ" (٦) أي: قدمه أميرًا، من الإمارة، وفيه: "فَطُعِنَ في إِمْرَتِهِ". وقول عمر ﵁: "فَإِنْ أَصَابَتِ الإِمْرَةُ سَعْدًا" (٧) يعني: الإمارة، كل ذلك بكسر الهمزة، وكذلك: "فَأَخَذَهَا خَالِدٌ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفَتَحَ اللهُ لَهُ" (٨) أي: أخذ الراية، ومثله: "فأَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ" (٩) والإِمْرَةُ والْإِمَارَةُ: الولاية والسلطنة، كلاهما بكسر الهمزة. وأما الْأَمَارَةُ بالفتح فالعلامة، والْأَمْرَةُ

стр. 284

بالفتح في الهمزة: الفعلة الواحدة من الطاعة للأمير، أو من الآمِر، ومنه: لي عليك أمرة مطاعة، بالفتح لا غير. وفي هدايا النبي ﷺ : "بَعَثَهَا مَعَ رَجُلٍ أَمَّرَهُ عَلَيْهَا" (١) أي: قدمه للنظر في أمرها كالأمير، ورواه بعضهم: "أَمَرَهُ" بتخفيف الميم من الأمر، والأول أوجه، وقد صحفه بعض رواة مسلم فقال: "مَعَ رَجُلٍ وامْرَأَةٍ". وقول جبريل ﵇: "بهذا أُمِرْتَ" (٢) بالفتح والضم في التاء، يعني: أُمِرْتَ يا محمد أن تصليه. أو: أُمِرْتُ أنا أن أبينه لك من الصلوات الخمس (٣) وأوقاتها. وفي حديث العباس: "مُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عليَّ" (٤) كتبه الأصيلي: "اؤْمُرْ" (٥) على الأصل وصوّر الهمزة الأصلية واوًا، وكذا كتب حديث ابن عمر: "اؤمُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" (٦) على الأصل. وفي باب هيئة الصلاة: "وَكَانَ أَمَّرَ عَليْهمْ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ" - يعني: أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود - مشدد الميم أيضًا عند الصدفي، ومخفف الميم في كتاب الأسدي (٧)، من الأمر بالصلاة ضد النهي، وكلاهما جائز، والأول أوجه؛ لقوله: "عَلَيْهِمْ".

стр. 285

وفي أشراط الساعة: "أَوْ أَمْرَ العَامَّةِ" (١) قال قتادة: يعني: القيامة (٢). وفي باب إعطاء السلب: "وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، أَمَّرَهُ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ " (٣) وعند الجياني: "تَأَمَّرَهُ" وكلاهما بمعنى الإمارة. وفي باب الهجرة (٤): "أُمِرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ" (٥) غير مسمى الفاعل. قوله: "هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَمَلُهُ" (٦) بفتح الميم، يعني: ما يُحَدِّثُ به نفسه مما أن يدركه من أمور الدنيا، ويبلغه ويحرص عليه. وقوله في الملاعنة: "فَكَانَ ابْنُهَا ابْنَ أُمِّهِ" وفي الرواية الأخرى: "إِلَى أُمِّهِ" (٧) أي: يُدعى إلى أمه؛ لانقطاع نسبه من أبيه باللعان، فيقال: ابن فلانة. وقوله: "عَبْدُ شَمْسٍ وَهَاشِمٌ وَالْمُطَّلِبُ إِخْوَةٌ لأُمٍّ" (٨) يعني: أنهم شقائق، يدل عليه قوله بعد ذلك: "وَكَانَ نَوْفَلٌ أَخَاهُمْ لأبِيهِمْ" (٦). قوله في نزول عيسى: "وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ" (٩) قيل: خليفتكم منكم. وقيل: بل أرادوا: إمامكم القرآن.
следующие страницы →