← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122402

مطالع الأنوار على صحاح الآثار

ابن قرقول

Полный текст (2 920 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الْهمْزَةُ مَعَ المِيم منها: "إمّا" وقد جاءت في هذِه الأصول: (إمّا) بالكسر و (أمّا) بالفتح، وهما مختلفتان، وفي مواضع منها إشكال، فأما: (إمّا) المكسورة فتأتي للتخيير والشك والإبهام والتقسيم، وهي بمعنى: (أو) في أكثر معانيها، وذكر بعضهم أنها حرف عطف إذا تكررت، ولا يصح لدخول حرف العطف عليها، وبعض بني تميم يفتحون همزتها في باب العطف. و (أَما) المفتوحة الهمزة فهي التي للاستئناف وتفسير الجمل، وهي (أن) دخلت عليها (ما) فأدغمت فيها، فأما ما وقع في هذِه الكتب منها مما يشكل، فهذِه الأصول تبينها إن شاء الله. فأما: "إِمَّا لَا" فوقع هذا اللفظ في الصحيحين في مواضع بكسر الهمزة وشد الميم (١)، وهو هكذا صحيح، و (لا) مفتوحة عند الجميع، إلاَّ أنه وقع عند الطبري: "إِمَّا لِي" بكسر الهمزة وكسر اللام بعدها، وياء ساكنة متصلة باللام، وهكذا ضبطه الأصيلي في جامع البيوع، وكذا لبعض رواة مسلم، والمعروف فتح اللام، وقد منع من كسرها أبو حاتم (٢) وغيره، ونسبوه إلى العامة، لكنه خارج على مذهب الإمالة، كأن الكلمة كلها واحدة، وقد

стр. 282

فتح بعض الرواة الهمزة فقال: "أمَّا لَا" وهو أيضًا خطأ، إلاَّ على لغة بني تميم الذين يفتحون همزة (إِمَّا) التي للتخيير، فيقولون: خذ أمَّا هذا وأَمَّا هذا. ومعنى هذِه الكلمة: (إِمَّا لَا): إن كنت لا تفعل كذا فافعل غيره، و"ما" صلة لـ "إن" كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] فاكتفوا بذكر "لا" عن ذكر الفعل، كما يقولون: الق زيدًا وإلا فلا، أي: وإلا فدع لقاءه إن لم ترده. وقول ابن عمر في كتاب مسلم: "أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي بهذا" (١) فمفتوح الهمزة، ومعناه: أمّا إن أنت طلقت امرأتك، فحذفوا الفعل الذي يلي "إن" وجعلوا "ما" عوضًا منه، وفتحوا "أن"؛ لتكون علامة لما أرادوه، وقد جاء في البخاري: "إِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ" (٢) مبينًا. قول ابن عمر: "وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ" (٣) أي: غايتها، والأمد: المنتهى. قوله: "لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كبْشَةَ" (٤) أي: عظم وزاد (٥)، يقال: أمر القوم أمرًا: كثروا، وفي المثل: من أَمِرِ فَلَّ، ومن قلَّ ذلَّ (٦). وأَمْرُهُ: شأنه

стр. 283

وحاله وعِظَم قدره، والأمر: الشيء العظيم المتعجب منه، ومنه اشتق "أمر" بمعنى: عَظمَ وشَنُعَ. قوله: "إِذَا هَلَكَ أَمِيرٌ تَأَمَّرْتُمْ في (١) آخَرَ" (٢) أي: تشاورتم فيه، من الائتمار، ومثله في الحديث الآخر في المخطوبة: "فَآمَرَتْ نَفْسَهَا" (٣) بالمد، أي: تشاورت، ومثله قول عمر: "بَيْنَا أَنَا في أَمْرٍ أَأْتَمِرُهُ" (٤) أي: أشاور فيه نفسي، وقيل: قدمتم آخر أميرًا، وتأمّر تفعَّل بمعنى: اكتسب، واتخذ أميرًا، وسيأتي بعد هذا من رواية أبي علي الجيَّاني: "عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، تَأَمَّرَهُ (٥) عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ" بشد الميم. وفي فضائل أسامة: "وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ" (٦) أي: قدمه أميرًا، من الإمارة، وفيه: "فَطُعِنَ في إِمْرَتِهِ". وقول عمر ﵁: "فَإِنْ أَصَابَتِ الإِمْرَةُ سَعْدًا" (٧) يعني: الإمارة، كل ذلك بكسر الهمزة، وكذلك: "فَأَخَذَهَا خَالِدٌ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفَتَحَ اللهُ لَهُ" (٨) أي: أخذ الراية، ومثله: "فأَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ" (٩) والإِمْرَةُ والْإِمَارَةُ: الولاية والسلطنة، كلاهما بكسر الهمزة. وأما الْأَمَارَةُ بالفتح فالعلامة، والْأَمْرَةُ

стр. 284

بالفتح في الهمزة: الفعلة الواحدة من الطاعة للأمير، أو من الآمِر، ومنه: لي عليك أمرة مطاعة، بالفتح لا غير. وفي هدايا النبي ﷺ : "بَعَثَهَا مَعَ رَجُلٍ أَمَّرَهُ عَلَيْهَا" (١) أي: قدمه للنظر في أمرها كالأمير، ورواه بعضهم: "أَمَرَهُ" بتخفيف الميم من الأمر، والأول أوجه، وقد صحفه بعض رواة مسلم فقال: "مَعَ رَجُلٍ وامْرَأَةٍ". وقول جبريل ﵇: "بهذا أُمِرْتَ" (٢) بالفتح والضم في التاء، يعني: أُمِرْتَ يا محمد أن تصليه. أو: أُمِرْتُ أنا أن أبينه لك من الصلوات الخمس (٣) وأوقاتها. وفي حديث العباس: "مُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عليَّ" (٤) كتبه الأصيلي: "اؤْمُرْ" (٥) على الأصل وصوّر الهمزة الأصلية واوًا، وكذا كتب حديث ابن عمر: "اؤمُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" (٦) على الأصل. وفي باب هيئة الصلاة: "وَكَانَ أَمَّرَ عَليْهمْ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ" - يعني: أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود - مشدد الميم أيضًا عند الصدفي، ومخفف الميم في كتاب الأسدي (٧)، من الأمر بالصلاة ضد النهي، وكلاهما جائز، والأول أوجه؛ لقوله: "عَلَيْهِمْ".

стр. 285

وفي أشراط الساعة: "أَوْ أَمْرَ العَامَّةِ" (١) قال قتادة: يعني: القيامة (٢). وفي باب إعطاء السلب: "وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، أَمَّرَهُ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ " (٣) وعند الجياني: "تَأَمَّرَهُ" وكلاهما بمعنى الإمارة. وفي باب الهجرة (٤): "أُمِرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ" (٥) غير مسمى الفاعل. قوله: "هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَمَلُهُ" (٦) بفتح الميم، يعني: ما يُحَدِّثُ به نفسه مما أن يدركه من أمور الدنيا، ويبلغه ويحرص عليه. وقوله في الملاعنة: "فَكَانَ ابْنُهَا ابْنَ أُمِّهِ" وفي الرواية الأخرى: "إِلَى أُمِّهِ" (٧) أي: يُدعى إلى أمه؛ لانقطاع نسبه من أبيه باللعان، فيقال: ابن فلانة. وقوله: "عَبْدُ شَمْسٍ وَهَاشِمٌ وَالْمُطَّلِبُ إِخْوَةٌ لأُمٍّ" (٨) يعني: أنهم شقائق، يدل عليه قوله بعد ذلك: "وَكَانَ نَوْفَلٌ أَخَاهُمْ لأبِيهِمْ" (٦). قوله في نزول عيسى: "وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ" (٩) قيل: خليفتكم منكم. وقيل: بل أرادوا: إمامكم القرآن.

стр. 286

وفي الحديث: "يَؤُمُّونَ هذا البَيْتَ" (١) أي: يقصدونه، ومثله: "وَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ " (٢)، وقول كعب بن مالك: "وَتَأَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ" (٣) وفي البخاري: "فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ" (٤) وكل ذلك بمعنى: قصدت، والهمزة تسهل تارة وتحقق أخرى. ومنه في حديث الأقط قول عائشة ﵂: "فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي" كذا في مسلم (٥)، وفي البخاري: "فَأَمَّمْتُ" مشدد الميم (٦). و"الآمَّةُ" (٧) و"الْمَأْمُومَةُ" (٨) من الجراح: ما بلغ صفاق الدماغ، وهو جلد رقيق، يسمى هذا الجليد: أم الدماغ وأم الرأس، وبه سميت الجراحة. قوله: "تِلْكَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ لَا أُمَّ لَكَ" (٩) هي كلمة تدعم بها العرب كلامها, لا يراد بها الذم، بل عند إنكار أمير وتعظيمه يقولون: لا أب لك، ولا أم لك، ولا يريدون بها حقيقة النفي. وقوله: "وَاثُكْلَ أُمَّيَّهْ" الهاء للسكت والوقف، وهي رواية العذري، ولغيره: "أُمّيَاهْ" (١٠) بالألف، وهما سواء، لغتان مشهورتان.

стр. 287

قوله ﷺ : "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ" (١) نسبة إلى صفة الأم؛ إذ النساء في الغالب من أحوالهن لا يكتبن ولا يقرأن مكتوبًا، فلما كان الابن بصفتها نسب إليها كأنه مثلها، وقيل: بل المراد بالأمي أنه الباقي على أصل ولادة أمه لم يقرأ ولم يكتب. وقول الرَّاوِي: "أَبُو الرّجَالِ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ" (٢) هي أمه العليا، أي: جدته؛ وإنما أم أبي الرجال التي ولدته. أُمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ : أتباعه على دينه، و"الأُمَّةُ": القرن، ولها معان كثيرة، و"أُمِّ الكِتَابِ" (٣): سورة الحمد، وأصل الكتاب أيضًا. قوله في عقب الدعاء: "آمِينَ" (٤) مطولة ومقصورة، ومخففة ومشددة، وأنكر أكثر العلماء شد الميم، وأنكر ثعلب قصر الهمزة إلاَّ في الشعر، وصححه يعقوب في الشعر وغيره، والنون مفتوحة أبدًا مبنية مثل: ليت وكيف. واختلف في معناه: فقيل: كذلك يكون. وقيل: هو اسم من أسماء الله ، أصله القصر فأدخلت عليه همزة النداء، كما يقال: يا آمين استجب دعاءنا. وهذا لا يصح؛ ليس في أسماء الله تعالى اسم مبنيٌّ

стр. 288

ولا غير معرب، مع أن أسماءه لا تثبت إلاَّ قرآنًا أو سنةً متواترة، وقد عدم الطريقان في: "آمِينَ". وقيل: "آمِين" درجة في الجنة تجب لقائلها. وقيل: هو طابع الله على عباده يدفع به عنهم الآفات. وقيل: معناه: اللهم أُمَّنَا بخير. ويقال: بل معناه: اللهم استجب لنا. قوله: "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ" (١) أي: قال: آمين. وقيل: إذا دعا بقوله: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخرها، ويسمى كل واحد من الداعي والمؤمِّن: داعيًا ومؤمِّنًا، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] وكان أحدهما: مؤمِّنًا. والآخر: داعيًا. وقيل: معناه إذا بلغ موضع اْستدعاء التأمين بقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]. وقوله: "فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ" (٢) قيل: هو موافقة القول القول؛ لقوله: "قَالَتِ المَلَائِكَةُ: آمِينَ" (٣). وقيل: في الصفة من الخشية والإخلاص. وقيل: هو أن يكون دعاؤه لعامة المؤمنين كالملائكة. وقيل: معناه من استجيب له كما يستجاب للملائكة. قوله للحبشة وهم يلعبون بحرابهم: "أَمْنًا بَنِي أَرْفِدةَ" (٤) نُصب على المصدر، أي: أمنتم أمنًا، ويحتمل أن يكون مفعولاً، أي: وافقتم ووجدتم، كذا قيده الأصيلي والهروي، وعند غيرهما: "آمِنًا" بالمد، أي: صادفتم زمانًا آمنًا، أو أمرًا، أو مكانًا، أو نزلتم بلدًا آمنًا، ومعناه في كلتا (٥) الجهتين: أنتم آمنون. و"أَرْفِدَة": جد للحبش يُنسبون إليه.

стр. 289

وقوله في المدينة: "حَرَمٌ آمِنٌ" (١) بالمد، أي من العدو أن يغزوه، كما قال: "لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ الْيَوْمِ" (٢)، أو آمنٌ من الدجال والطاعون كما جاء في الحديث أنهما لا يدخلانها (٣)، أو آمن صيدهما، كذا للعامة. وفي كتاب محمد بن عيسى، عن ابن علي في مسلم: "حَرَمٌ أَمْنٌ"، أي: ذات أمن, كما يقال: رجل عدل، بوصفه بالمصدر. وقوله: "مِثْلُ مَا آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ" (٤) وفي بعض روايات الصحيح: "أُومِنَ عَلَيْهِ البَشَرُ" (٥) وكتبه بعضهم: "إيمُنَ" وكله راجع إلى معنى الإيمان, ورُوي عن القابسي: "أَمِنَ" من الأمان، وليس موضعه، وإنما معنى الحديث: الإخبار بأن الله أيد كل نبي بعثه من الآيات - يعني: المعجزات - بما يصدق دعواه، وتقوم به الحجة على من دعاه، إلاَّ أن الذي أوتيه محمد رسول الله ﷺ (٦) وحي يتلى، ومعجزة تدوم بعده وتبقى.

стр. 290

قوله ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي وهْو مُؤْمِنٌ" (١) قيل: آمن من عذاب الله تعالى. وقيل: مصدق حقيقة التصديق بما جاء في ذلك من النهي والوعيد. وقيل: كامل الإيمان. وقيل: هو على المبالغة في التغليظ كما جاء: "لَا إيمان لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ" (٢) ومعناه: النهي عن أن يفعل ذلك وهو مؤمن، وأن هذا لا يليق بالمؤمن. وقيل: إذا استحل ذلك ولم يره معصية. وقيل: ينزع الإيمان منه فيكون فوقه كالقبة، فإذا فارق الذنب عاوده إيمانه. قوله في "الموطأ": "لَا تُكَلِّفُوا الأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الكَسْبَ" (٣) كذا لابن بُكَيْر ومُطَرِّفٍ (٤) وابن وضَّاح، وعند يحيى: "الْمَرْأَةَ" وكلاهما صحيح، و"الأَمَةَ" أوجه.

стр. 291

قول العاصي بن وائل لعمر حين أسلم: "لَا سَبِيلَ عَلَيْكَ بَعْدَ أَنْ قالهَا آمَنْتُ" كذا في كتاب الأصيلي بالمد وفتح الميم (١). ورواه الحميدي (٢): "أَمِنْتَ" من الأمن وفتح تاء المخاطب (٣)، ومثله لأبي ذر غير أنه ضم التاء، وهو الأظهر (٤)؛ فإن عمر هو القائل لذلك، لما قال له العاصي: "لَا سَبِيلَ عَلَيْكَ"؛ قال عمر: "فَبَعْدَ أَنْ قَالَهَا - يعني هذِه الكلمة: "لَا سَبِيلَ عَلَيْكَ- أَمِنْتُ". ومن فتح التاء جعلها من قول العاصي لعمر (٥)، أي: لا سبيل عليك أَمِنْتَ، أي: أنت آمن، ويكون قوله: "بَعْدَ أَنْ قالهَا" اعتراضًا من كلام الراوي، كأنه حكى أن ذلك كان بعد قوله لعمر تلك الكلمة التي تضمنت الأمان بمعناها. قوله في فضائل الأنصار: "وتُشْرِكُونَا في الأَمْرِ" (٦) كذا للكافة، وعند الجُرْجَانِي: "في التَّمْرِ" (٧) وهو الوجه.

стр. 292

[وقوله في حديث جبريل] (١) " (بِهَذَا أُمِرْتُ؟) (٢) " (٣) من فتح التاء من (٤): "أُمِرْتَ" أراد بهذا: كُلِّفْتَ العمل وأُلْزِمْتَهُ، ومن ضمها أراد: أمرتُ أن أبلغ إليك وأعلمك، وقد تقدم. قوله: "الأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ" (٥) كذا لهم، ولابن أبي صفرة (٦): "الأُمَرُ أَمْرُ قُرَيْشٍ" (٧) والأول أشهر. وفي شارب الخمر: "فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ" (٨) كذا لأبي ذر، ولغيره: "فَقَامَ يَضْرِبُهُ" (٩) والأول أصوب وأعرف. وفي حديث الوفاة قول عائشة: "فَلَيَّنْتُهُ - تعني: السواك - بِأَمْرِهِ" كذا للقابسي والأصيلي، ولغيرهما: "فَأَمَرَّهُ" (١٠) وكذا للنسفي ولأبي ذر، كما

стр. 293

قال في الحديث الآخر: "فَاسْتَنَّ بِهِ" (١) ويعضد الروايةَ الأولى قولُها: "فَقُلْتُ لَهُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ" (٢). قوله ﷺ : "مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ" (٣) ويروى: "يَا أُمَّ هَانِئٍ" (٤) والروايتان صحيحتان، والباء الجارة أكثر، واسمها: فاختة. وقيل: هند. وقيل: جمَانة، بتخفيف الميم. قوله: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ" (٥) كذا لهم، وعليه جمهور الأحاديث، وللصدفي عن العذري: "إماءكم" في حديث مسلم، عن حرملة، وعند ابن أبي جعفر: "الإماء"، وعنده أيضًا: "نِسَاءَكُمْ"، ورواية العذري غير معروفة؛ ولأن تسمية الزوجة أمة غير ... (٦) في الشريعة، اللهم إلاَّ أن يُتأول على معنى: إماء الله له عندكم، كما يقال: اشكروا نعمكم، أضافهن إلى الأزواج، اختصاصًا (٧)؛ ولذلك قال من قال: لا يُمنع الإماء أيضًا المساجد إذا أردنها. قوله: "إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ اْنْقَطَعَ أَمَلُهُ" كذا عند الطَّبَرِي وبعضهم، وعند سائرهم: "عَمَلُهُ" (٨) وهو المعروف الذي يدل عليه بقية الحديث.

стр. 294

وفي قصة أبي بصير: "قدم على النبي ﷺ مؤمنًا" (١) كذا للأصيلي وأبي الهيثم، وللباقين: "من منىً" (٢)، وهو تصحيف. وفي تفسير: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]: "عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ" كذا في جميع النسخ في الصحيحين (٣)، ورواه أبو عبيد: "أَمَرَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى" (٤)، ورواه جماعة: "أمَرَنِي ابْنُ أَبْزَى". قال بعضهم: فلعل ما في الصحيحين من ضمير المتكلم في: "أَمَرَنِي" مصحف من: "ابن" فيكون موافقًا لما في غيرهما، قال: وهو الصحيح؛ لأن لعبد الرحمن صحبة، وهذا القول استبعاد من هذا القائل أن يكون عبد الرحمن بن أبزى يسأل ابن عباس ويتعلم منه، ولا ينكر سؤال عبد الرحمن، ومن. هو أكبر منه من الصحابة لابن عباس من العلم؛ فقد سأله الأكابر من علماء الصحابة. وقوله - وذكر بنت الحارث بن كُريز، بضم الكاف - فقال: "وهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِر بْنِ كُرَيْزٍ" (٥) كذا لهم، وهو وهم، بل هي زوجته، خلف عليها بعد مسيلمة الكذاب، وأبوها الحارث عم زوجها, ولو كانت أمه لكان أبوه إذًا تزوج ابنة أخيه، ولم يكن ذلك من مناكح العرب أن

стр. 295

يتزوجوا بنت الأخ أو الأخت (١). وفي باب احتلام المرأة: "أَنَّ أُمَّ سُلَيْم أُمَّ بَنِي أَبِي طَلْحَةَ" (٢) كذا لهم، وعند ابن الحَذَّاء: "امْرَأَةُ أبي طَلْحَةَ" وهما سواء، هي امرأته وأم بنيه. وقوله في باب بعث أبي موسى: "قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ " (٣) كذا لجميعهم، وعند القابسي: "قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ أُمِّ" مكررًا، وكذلك عند عبدوس، وضبب عليه وهو وهم؛ وإنما هي أم إبراهيم، ولا معنى لذكر الجدة هاهنا. وفي باب سكرات الموت: "يَتْبَعُ المُوْمِنَ" كذا في أصل الأصيلي (٤)، ولأبي زيد: "يَتْبَعُ المَيِّتَ" (٥) وهو المعروف، وهي رواية الكافة، والأمر عام في كل ميت مؤمن وكافر؛ إنما يُتْبَعُ كلاًّ عمله (٦). ...

стр. 296

الْهَمْزَةُ مَع النُّونِ قول كعب بن مالك: "مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي" (١) أي: يلوموني ويوبخوني، والتأنيب: العتْبُ واللوم. قوله: "وَأْتُوني بِأَنْبِجَانِيَّةِ" (٢) بفتح الهمزة وكسرها وكسر الباء، وتشديد الياء وتخفيفها، وبتاءٍ بعدها، وبهاء فقط؛ فيصير فيها وجوه: أحدها: بِأَنبِجانيَّة، وإِنبِجانيَّة له، وبأنبِجانيَة، وبأنبِجانيته، وعند أبي علي الغساني بالفتح والتخفيف، وبفتح الباء وكسرها، ذكرها ثعلب، وضبطناها في مسلم بفتح الهمزة والباء، وفي "الموطأ" عن ابن سهلٍ القاضي (٣) بكسر الهمزة والباء جميعًا (٤)، وكذلك لحاتم الأطرابلسي (٥)، وعند ابن

стр. 297

عتاب (١) وابن حمدين (٢) بفتح الهمزة وشد الياء قال ثعلب: يقال ذلك في كل ما كثف والتفَّ. وقال غيره: إذا كان الكساء ذا علمين فهو الخميصة، فإن لم يكن له علم فهو الإنبجانِيَّة. وهذا لا يلزم، وإنما الخميصة كساء رقيق مأخوذ من الخمص، وهو ضمور البطن. وقوله في الحديث: "لَهَا عَلَمٌ" (٣) يدل على أن من جنس الخمائص ما لا علم له، فكيف بعلمين؟ وقال الدَّاوُدِيُّ (٤): هو كساء غليظ بين الكساء والعباء. قال ابن قتيبة: إنما هو مَنْبَجانِيٌ، منسوب إلى منبج بكسر الباء؛ وإنما فتحت باؤه في النسب؛ أخرج مخرج: منظرانيٌ ومخبرانيٌ، ولا يقال: أَنْبَجَانِيٌ (٥). قالوا: وهي أكسية تصنع بحلب فتُحمل إلى منبج،

стр. 298

فقال البَاجِي: وما قاله ثعلب أظهر؛ لأن النسبة إلى مَنبج مَنبَجِيّ لا أنبَجانيّ (١). وهذا لا ينكر؛ فإن النسب المسموع قد يدخل فيه تغيير البناء كثيراً، فلا ينكر ما قاله أئمة هذا الشأن، ولكن الحديث قد اتفق على نقل هذِه الكلمة فيه بالهمزة، وبعيد أن يذهب عن جميعهم ما قاله ابن قتيبة. قول إبليس لأحد جنوده لعنهم الله: "نِعْمَ أَنْتَ" (٢) على حذف الخبر اختصارًا، التقدير: أنت الذي أغنيت عني، أو الذي جئت بالطامة، أو المقدم عندي، ونحو هذا من اللائق به، ويدل عليه قوله في آخر الحديث: "فَيُدْنِيهِ إِلَيْهِ فيَلْتَزِمُهُ" (٢). وأَما قوله ﷺ : "ائْتِ مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ" (٣) فسيأتي بعدُ إن شاء الله تعالى. قوله في حديث الشَّبه: "آنَثَا" (٤) بمد الهمزة أي: أنسلا أنثى، وكذلك في الحديث الآخر: "أَذْكرَ وآنَثَ" (٤) أي: جاء بذكر وأنثى. قوله في الجذع: " أَنَّ " (٥) أي: صوَّت صوتًا ضعيفًا، مثل صوت الصبي، والأنين: صويت ضعيف. قول الخضر: "وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ " (٦) أي: من أين؟ ومثله (٧):

стр. 299

"أَنَّى عَلِقَهَا؟ " (١) أي: من أين أخذها، و (أنّى) تأتي بمعنى: أين وكيف ومتى. وفي الحديث قوله ﷺ حين سُئِل: " هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقال: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ" (٢) أي: كيف أراه وقد حجبَ بصري النورُ؟! وكذلك في حديث زيد بن عمرو: "وأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ؟ " (٣) أي: كيف أطيق غضب الله سبحانه؟! وقد رويت هذِه مخففة النون، ووجهه علي معنى التقرير، أي: أنا لا أستطيعه. قُلْتُ: فأما (أنا) المخففة فهي اسم المتكلم أصلها: (أن) بغير ألف. قال الزُّبَيْدِيُ (٤): فإذا وقفت زدت ألفًا للسكوت (٥). وكذلك إذا لقيت همزة، فإن لم تلق همزة حذفت في الدرج، ومن القراء من يمدها، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] أكثر القراء على حذف الألف، ومنهم من يثبتها.

стр. 300

فَصْلٌ في بَيَانِ مُشْكِلِ: إِنَّ وأَنَّ وإِنْ وأَنْ فأما "إِنَّ" فحرف تأكيد، وقد تأتي بمعنى: نعم، و"أَنَّ" للتأكيد أيضًا وهي أعمُّ من المكسورة. وإنما تكسر بخمس قرائن: في الابتداء، وبعد القول، ومع اللام (١)، وبعد الاسم الموصول، وبعد القسم، وقد فتحها بعضهم بعد القسم، وأصله كله أن يكون ما بعدها مبتدأ أو في معنى المبتدأ، والأصل الذي أصَّله ابن السراج وغيره من أنها تكسر إذا لم يصلح قبلها إلاَّ الاسم دون الفعل، وتفتح إذا لم يصلح قبلها إلاَّ الفعل (دون الاسم) (٢)، وتكسر وتفتح إذا صلح قبلها كل واحدٍ منهما عوضًا عن الآخر، إلاَّ أن الاختيار في هذا الأصل الكسر، فهو أصل مشكل على المبتدئ واهٍ على المتناهي، ثم هو منخرم قد رُدَّ عليه فيه ونقض، والأحسن ما أصله الزجاجي (٣) ﵀. وأما "إِنْ" المكسورة فتكون جحدًا، وزائدة، وبمعنى: الذي، ومخففة من الثقيلة فترفع ما بعدها، ومن العرب من ينصب بها علي كل حالٍ، مثقلة ومخففة من الثقيلة، تقول: علمت إِن زيدًا قائم. وأما المفتوحة المخففة فإنها تأتي بمعنى: أي، وتنصب الفعل، وتكون

стр. 301

معه اسمًا، وتكون زائدة بعد (لما)، وبمعنى: من أجل، كقول الشاعر: لقَدْ عَلِمَ الضَّيْفُ (١) والمْمِلُونَ ... إذا اغْبَرَّ أفْقٌ وهَبَّتْ شَمَالًا بِأَنْكَ رَبِيعٌ وَغَيْثٌ مَرِيعُ ... وَأنْكَ هُنَاكَ تَكُونُ الثِّمَالَا (٢) قوله: "حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّي" (٣) بكسر الألف على النفي بمعنى: (ما) وكذا لجمهور الرواة في "الموطأ" وغيره، وضبطها الأصيلي وابن عبد البر في "الموطأ" بالفتح، وقال ابن عبد البر: هي رواية أكثرهم، قال: ومعناها: لا يدري (٤). وهذا ليس بشيءٍ، بل هو مفسد للمعنى؛ لأن (إنْ) المكسورة ها هنا بمعنى (ما) (٥) النافية، والجملة في موضع خبر: "يَظَلَّ"، وفي رواية ابن بُكَيْر والتنيسي: "لَا يَدْرِي" (٦) مفسرًا، وكذا لرواة مسلم في حديث قتيبة: "لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّي" (٧) وعند العُذْرِيّ هنا: "مَا يَدْرِي" (٦) وكله بمعنىً واحد، وبالفتح إما أن تكون مع

стр. 302

فعلها بمعنى الاسم الذي هو مصدر، ولا يصح هنا، أو بمعنى: من أجل، ولا يصح أيضًا؛ لأن كلاهما يقلب المعنى المراد بالحديث، وهذا على الرواية الصحيحة في: "يَظَلَّ" بالظاء المشالة المفتوحة بمعنى: يصير؛ وأما علي رواية من رواه "يَضِلَّ" بضاد مكسورة غير مشالة، أي: ينسى أو يسهو أو (١) يتحير، فيصح حينئذ فتح الهمزة، وتكون "أَنْ" بتأويل المصدر، ومفعول (ضَلَّ) محذوف، أي: حتى يجهل درايته وينسى عدد ركعاته، وتُكسر الهمزة علي ما تقدم. وقول سعد بن عبادة: " فهَلْ لَهَا مِنْ أَجْرٍ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا" (٢) يعني: عن أمه، بالكسر على الشرط، ولا يصح فتحها بوجه؛ لأنه فعل لم يقع بعد، ولو كان سؤاله بعد الصدقة لفتح لا غير، وفي "الموطأ": "فهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا" (٣) وهذا يبين أنه في الاستقبال. وقوله: "يَرْثِي لَهُ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ" (٤) يعني: سعد بن خولة، بالفتح، أي: من أجل موته بها؛ لأنه قد كان مات قبل هذا الرثاء. وقول عمر: "زَعَمَ قَوْمُكَ أنْ سَيَقْتُلُوني إِنْ أَسْلَمْتُ" (٥) بالفتح والكسر معًا، والفتح أوجه، أي: من أجل إسلامي؛ لأنه قد كان أسلم، ويصح

стр. 303

الكسر علي حكاية قولهم وتهديدهم إياه قبل إسلامه. وقول عمر ﵁ (١) في حديث الوفاة: "حَتَّى أَهْويْتُ إِلَى الأرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا - يعني: أبا بكر - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَاتَ" (٢) وهي وما بعدها بدل من الهاء في: "تَلَاهَا"، وفي رواية ابن السكن: "فَعَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَاتَ" وهو بين (٣). وقول الأنصاري: "آن كَانَ ابْنُ عَمَّتِكَ" (٤) بمدِّ الهمزة، يعني: إلاَّ أن كان ابن عمتك، أي: من أجل ذلك حكمت. وفي باب إذا انفلتت الدابة: "إنِّي أَنْ كُنْتُ أَنْ أَرْجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ" (٥) بفتح: "أَنْ" في الحرفين و"أَنْ" الأولى مع "كنْتُ" في موضع المصدر، بمعنى كوني وموضع البدل من الضمير في "إِني" وكذلك "أَنْ أَرْجِعَ": بتقدير: رجوعي، أيضاً، ولا يصح الكسر فيها في هذا الحديث. وقوله: "بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ" (٦) بفتح الهمزة ضبطناه ولا يصح غيره، لكن علي رواية الفارسي: "بِأَيدٍ" يجب أن يكون: "إِنَّهُمْ" بعد ذلك مكسورة علي كل حالٍ، ابتداء كلام، و"بَيْدَ" أشبه وأظهر، أي: نحن السابقون يوم القيامة بالفضيلة والمنزلة وبدخول الجنة، ونحن الآخرون في الوجود في

стр. 304

الدنيا، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، أي: علي أنهم قد أوتوا الكتاب. وقيل: معنى: "بَيْدَ": غير، وقيل: (إلاَّ)، وكل ذلك بمعنى متقارب، وعلى الرواية الأخرى - إن صحت -، يكون التقدير: نحن السابقون إلى الجنة يوم القيامة بقوة أعطاناها الله وفضلنا بها وهدانا لقبول ما آتانا وامتثال ما أمرنا به من طاعته، وإن كنا مسبوقين في الدنيا بالوجود. والأيد والآد: القوة، ثم استأنف الكلام فقال: "إنَّهُمْ" أي: إن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا، فهدانا الله لما اختلفوا فيه بتلك القوة التي آتانا الله وقوَّانا بها لهدايته وقبول أمره. وقوله ﷺ : "إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ" (١) بالوجهين، بالكسر على الشرط، وبالفتح علي تأويل المصدر، أي: إنك ووذرهم، ومعناه: وتركهم أغنياء خير من تركهم عالة، وأكثر رواياتنا فيه بالفتح. وقال ابن مَكِّي في كتاب "تقويم اللسان": لا يجوز هنا إلا الفتح (٢). وفي الحديث نفسه: "إِنَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ" بالفتح للقعنبي وجماعة، ولابن القَاسِمِ بالكسر، وذكر بعضهم أنها رواية يحيي بن يحيي، والمعروف ليَحْيَي باللام التي للنفي، أي: "لَنْ تُخَلَّفَ" (٣)، وكلاهما صحيح المعنى (٤).

стр. 305

وأَمَّا قوله: "ولَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ" (١) فهذا لا يصح فيه إلاَّ الفتح. قوله: "أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ" (٢) ضبطناه بالوجهين الفتح والكسر معًا والكسر أوجه؛ لأنه استفهام مستأنف عن الحديث، إلا أنه جاء بالواو ليرد الكلام على كلام عروة, لأنها من حروف الردّ، ويجوز الفتح على تقدير: أوعلمت أن جبريل، أوَحدثت، ونحو هذا من التقدير. وفي حديث أبي قتادة في قصة صاحب المَزَادتين قول المرأة لقومها: "مَا أَدْرِي أَنَّ هَوَلَاءِ القَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا" كذا للأصيلي وغيره بالفتح والتشديد، ولغيرهم: "مَا أُرى" (٣) مكان: "مَا أَدْرِي" ويحتمل أن تكون: "أَنَّ" (٤) ها هنا بمعنى: (لعل)، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، ويحتمل أن تكون علي وجهها في موضع مفعول بـ "أَدْرِي". قوله: "وسَعْدَيْكَ إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ" (٥) رويناه بالفتح والكسر في "الموطأ" وغيره. قال الخطابي: الفتح رواية العامة، يعني: أنها رواية الأكثر. قال ثعلب: من فتح خصَّ، ومن كسر عمَّ (٦).

стр. 306

قال (١): وهو الأوجه؛ لأنه استئناف للخبر واعتراف بالنعم الموجبة للشكر، وإذا فتح اقتضى تعليل التلبية بأن الحمد والنعمة له، ولا تعلق للتلبية بهذا إلاَّ علي بعد وتخريج، وهذا الذي أراده ثعلب، والله أعلم. قوله في البدنة: "فَعَيِيَ (٢) بِشَأْنِهَا أَنْ هِيَ أُبْدِعَتْ" (٣) يعني: بدنته، كذا قيدته بالفتح، أي: من أجل ذلك، وهو وقوفها عليه إعياءً وإزحافًا وقد كانت أبدعت عليه. وقوله: "وجَدَ عَلَيَّ أَنّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ" (٤) بالفتح، أي: من أجل أني. قوله: "لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ أَنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ" (٥) كذا ضبطناه بالفتح، أي: من أجل ذلك عظم الأمر علي أبي سفيان، والكسر صحيح على استئناف الإخبار عما رآه من هرقل، ولا سيما إذا أثبتت لام التأكيد في الخبر. وقولهم: "مَا يُبْكِي هذا الشَّيْخَ؟ إِنْ يَكُنِ اللهُ خَيَّرَ عَبْدًا" (٦) بكسر الهمزة وحذف الواو (٧) من "يَكُنِ" للأصيلي، ولغيره: "أنْ يَكُونَ اللهُ عَبْدًا خَيَّرَ" (٨) بالفتح وإثبات الواو، قال ابن سراج: صوابه: "أَنْ يَكُن" بفتح الهمزة وحذف الواو؛ طلبًا للتخفيف.

стр. 307

وقوله في الحج: "إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ" (١) كذا لأكثرهم بكسر الهمزة على الشرط، وهو الوجه، وفتحها الأصيلي مرةً علي تقديرها مع الفعل بالمصدر المبين. وقوله: "اقْبَلُوا البُشْرى يَا أَهْلَ اليَمَنِ أَنْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ" بفتح الهمزة جاء في باب بدء الخلق في حديث ابن عتاب في هذِه الرواية, أي: من أجل تركهم لها انصرفت إليكم، وفي سائر الأحاديث والأبواب: "إِذْ" (٢) مكان: "أَنْ" وفي رواية القابسي هنا: "أَنْ لَنْ"، وعند النَّسفي: "إِذْ لَمْ" كما في غيره من الأحاديث، ورواية القابسي بعيدة، ولها وُجَيْه، وهو نفي القبول عنهم في الحال والاستقبال، التقدير: من أجل أن لم يقبله بنو تميم أبدًا فأنتم لها أحق وأولى. وقوله في أهل الحجر: "لَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ" (٣) بالفتح، أي: من أجل أن يصيبكم. وقول أسامة: "لَا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ" "أَنْ" الأولى مفتوحة الهمزة، بمعنى: من أجل أن كان عليّ أميرًا. وقول زيد بن ثابت: "مَا بَالَيْتُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ" (٤) بالكسر علي (ابتداء كلام) (٥)، و"مَا بَالَيْتُ" جواب لما قبله، ولا يجوز الفتح؛ لأنه يفسد المعنى، فيكون التقدير: ما باليت بقطع الرجل صلاة

стр. 308

الرجل، ففيه إثبات القطع وعدم المبالاة به، وهذا خلاف الشرع. وفي حديث القَسَامَة: "أَمَرَنِي فُلَانٌ أَنْ أُبْلِغَكَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ" (١) كذا ضبطناها، وهو أوجه من الكسر لتفسير الرسالة، تقديره: أن أبلغك وصيته إليك بأن، وقد يصح الكسر على استئناف الكلام، ويكون المراد به تفسير الرسالة، بالخبر المستأنف أو حكاية ما أودعه من لفظ الوصية أيضًا. وفي حديث غزوة أوطاس: "وكأَنَّهُمْ - يعني: الأنصار - وجَدُوا أَنْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ" كذا في بعض الروايات بالنون مفتوحة الهمزة، بمعنى: من أجل أن لم يصبهم من المغنم ما أصاب الناس، كذا وعند الجمهور: "إِذْ لَمْ" (٢). وفي حديث الثلاثة في الغار: "اللهُمَّ إِنْ كنْتَ تَعْلَمُ إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ" (٣) معناه: اللهم إنك تعلم، فأوقع الكلام موضع (٤) الشك (٥) علي معنى التفويض إليه والرضا بعلمه فيه، ومثله قوله: إن قدر الله عليَّ الصورة صورة الشك، والمراد التحقيق واليقين، وفيه تأويلات تأتي في القاف إن شاء الله تعالى، وهذا النوع يسميه أهل البلاغة تجاهل العارف ومزج الشك باليقين، وقريب منه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم الله تعالى أن المؤمنين علي هدى وأن الكافرين في ضلالٍ.

стр. 309

قوله ﷺ : "إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ إِنْ كانَ الخَيْطُ الأبْيَضُ والْأَسْودُ تَحْتَهُ" (١)، وفي الحديث الآخر: "إِنْ أَبْصَرْتَ الخَيْطَيْنِ" (٢) كلاهما بكسر الهمزة للشرط (٣) ولا يصح الفتح، فإن كان مرويًّا فيخرج علي تقدير: إن وسادك إذًا لعريض من أجل أن أبصرت تحته الخيط الأبيض والأسود اللذين أراد الله تعالى، يعني: وإنك لم تبصر ذلك فوسادك إذًا غير عريض والذي أبصرت غير المراد بالخيطين. وفي تفسير الأنعام: "يُسَيِّبُونَهَا لِطَواغِيتِهِمْ إِنْ وصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأخْرى" (٤) بالفتح، بمعنى: من أجل، وبالكسر للشرط. وفي إذا لم يشترط السنين في المزارعة: "وإنَّ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ أَخْبَرَنِي، يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ" (٥) كذا لكافتهم وهو الصواب، وعند النَّسفي: "وأنِّي أَعْلَمُهُمْ بِذَلِكَ" خبرًا عن نفسه، والأول أوجه. قوله: "وإِنّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ" (٦) قيل: معناه إذ (٧) شاء الله؛ لأنه ﷺ علي يقين من وفاته على الإيمان, والصواب أنه علي وجه من الاستثناء والشرط، ثم يختلف في معناه؛ لأن الاستثناء لا يكون في الواجب، وقيل: معناه: لاحقون بكم في هذِه المقبرة. وقيل: المراد امتثال قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]

стр. 310

فالتزم ﷺ تأديب ربه إياه حتى في الواجب. وقيل: هذا على التبري والتفويض وإن كان في واجب، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]. وقيل: الاستثناء في الموافاة على الإيمان, والمراد من معه من المؤمنين. وقوله: "لَعَلَّهُ وجَدَ عَلَيَّ أَنْ أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ" أي: من أجل أن أبطأت عليه، وقد روي: "أنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ" (١) بالنون والضمير بعدها، وقد تقدم. وفي حديث ابن عمر: "وأَنَّ الأمْرَ أُنُفٌ" (٢) بضم الهمزة، من الكلأ (٣)، وهو الوافي الذي لم يُرْعَ منه، أي: مستأنف لم يسبق به سابق قدر ولا علم من الله ، وهو مذهب غلاة القدرية وبعض الرافضة، وكذبوا، يقولونه على العموم، وبعضهم يخص البشر فحسب، وعليه أكثرهم الآن، وأَنْفُ كل شيء: طرفه ومبتدؤه (٤)، بالفتح، ومنه الجارحة. وقوله ﷺ : "آنِفًا" (٥) بالمد والقصر قيدناه في الحديث، وقرأناه في القرآن، أي: قريبًا أو الساعة. وقيل: في أول وقت كنا فيه. وكله من الاستئناف والقرب، ومثله: "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ" (٦).

стр. 311

قوله: "أَتَأَنَّقُ فيهِنَّ" (١) أي: أتتبع محاسنهن الأنيقة، ومنظر أنيقٌ: معجبٌ، والأَنَق: الإعجاب. وقوله: "وآنَقْنَنِي" (٢) بمعنى: أعجبنني إعجابًا بالغًا، ورواه بعضهم: "أَيْنَقْنَنِي" بالياء؛ وإنما هي صورة ألف المدة التي بعد الهمزة فغلط الراوي، وضبطه الأصيلي: "أَتَقْنَنِي" من التوق وهو الشوق البالغ، أي: شوقنني أو جعلني تائقًا، والأول أليق بالمعنى، يقال: تقت إلى الشيء أتوق توقًا، وتتوقت إليه أتتوق تتوقًا، وآنقني الشيء يؤنقني إيناقًا صيرني نائقًا، أي: كسبني ذلك. وفي النِّكَاحِ: "مَا لَكَ تَنَوَّقُ في قُرَيْشٍ وَتَدَعُنَا؟ " (٣) أي: تتابع (٤) في الاختيار، وأصله على هذا من النيقة وهي الخيار، وكذا روى هذِه الكلمة أكثرهم، وعند العُذْرِيّ وابن الحَذَّاء: "تَتَوقُ" من التوق، أي: تميل وتشتهي. قوله: "أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ الله؟ " (٥) بلفظ الاستفهام، "أي: أنبسط وأتكلم بما عندي. قال القاضي إسماعيل (٦) في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧]:

стр. 312

أحسب معناه: حتى يستأنس الداخل. أي: يستعلم (١) ويتعرف؛ وأما حديث عمر فمعناه: أستأنس يا رسول الله بالكلام معك وأنبسط إليك بالحديث؛ لأنه قد كان أذن له في الدخول عليه ولم يكن معه، قيل: فلما دخل عليه وجده غضبان فاحتاج إلى إذنه في الانبساط، وقد يكون أيضًا بمعنى: أستعلم ما عندك من خبر أزواجك وأسأل، وقد قيل ذلك في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] أي: تستعلموا: أيؤذن لكم أم لا، كما تقدم الآن. وفي الحديث ذكر تحريم: "الْحُمُرِ الأَنسِيَّةِ" بفتح النون وفتح الهمزة، كذا ذكره البخاري عن ابن أبي أويس، وكذا قيدناه عن الشيخ أبي بحر في مسلم، وكذا قيده الأصيلي وابن السكن وأَبُو ذَرٍّ، وأكثر روايات الشيوخ فيه بكسر الهمزة وسكون النون (٢)، وكلاهما صحيح؛ فأما الأنَس بفتح الهمزة والنون فهم الناس وكذا الإنْس، والجانب الإنْسي والأَنَسي معًا وهو الجانب الأيمن، قاله أبو عبيد (٣). قوله ﷺ للأَشَجِّ: "الْحِلْمُ والأناةُ" (٤) بالفتح والقصر، وهو التثبت في الأمور وترك العجلة، والتأني هو المكث والإبطاء، يقال: آنَيْتُ وأَنَّيتُ مشدَّدًا، وتأنَّيت.

стр. 313

وقوله: "الَّذِي لَا يَعْجَلُ شَيءٌ أنَاهُ وقَدَّرَهُ" (١) أي: وقته، ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فإذا فتحت الهمزة في أوله مددت النون فقلت: الأناء والهمزة في أوله مقصورة، وقد اختلف الشيوخ في ضبط هذِه الجملة، فالذي ذكرناه أولاً هي رواية عبيد الله عن أبيه يحيي بن يحيي: "يَعْجَلُ شَيءٌ إِنَاهُ وقَدَرَهُ" بفتح الياء ورفع "شَيءٌ" وكسر الهمزة من "إِنَاهُ" مع القصر وفتح القاف والدال، ورواه القنازعي: "يُعْجَلُ" بضم الياء وسكون العين وفتح الجيم مبنيٌّ لما لم يسم فاعله، ورواه ابن وضَّاح: "شَيْئًا" مفعولًا "يَعْجِلُ شَيْئًا إِنَاهُ" و"إِنَاهُ" الفاعل، أي: لا يسبق وقتٌ شيئًا قدره الله فيه، وكلهم يقول: "إِنَاهُ وقَدَرَهُ" بهمزة كما تقدم. وقال الجِيَّانِي: رواه بعضهم: "يُعَجِّلُ - بشد الجيم - شَيْئًا (٢) آنَاهُ وقَدَّرَهُ" بهمزة ممدودة في أوله وألف مقصورة بعد نونه، وهو فعل ومفعول بمعنى: وقته وقدره فعل ومفعول أيضًا. وقول علي ﵁: "أَمَا آنَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ" (٣)، وروي: "أَلَمْ يَأْن" كقول حسان: "أَلَمْ يَأْن وقَدْ آنَ أَنْ تُرْسِلُوا لهذا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ" يعني: لسانه، ومعناه كله: حان ويحين ويأتي حينه وأوانه ووقته، وحان وآن: جاء وقته، ومنه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦] يقال: أَنَى يَأني، وآنَ يَئِينُ، ونَالَ وأَنَالَ، كله بمعنى واحد. ورُوِيَ في حديث علي:

стр. 314

"أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ" (١). وقوله: "يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ" (٢) أي: أوقاته، الواحد: أَنى مفتوح الهمزة مقصورًا منونًا، وإِنًا علي وزن: مِعًا، وإنْيٍ علي مثال: قِدْرٍ. قوله: "مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ" (٣) كذا رويناه عن أكثرهم ومتقنيهم في الصحيح وغيره، وقد خلط فيه بعضهم وصحف، وكان في كتاب ابن سكّرة وابن أبي جعفر: "مَائنَّةٌ" بالمد، وعند بعضهم: "مَا إِنَّه مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ" جعل: "مَا": بمعنى: "الَّذِي" و"إِنَّه": تأكيد والهاء عائدة علي: "مَا" وهم كلهم في ذلك موهِمون، والصواب ما تقدم. وقال الأصمعي: معناه: مَخْلَقَةٌ ومَجْدَرَةٌ وعَلَامَةٌ، كأنه دال علي فقه الرجل، وحقيق بفقه الرجل، وهذا كلام جمع تفسيرين ولفَّ معنيين؛ لأن الدلالة على الشيء غير ما يستحقه ويليق به. قال غيره: المئنَّة للشيء هي الدليل عليه. وقيل: معناه: حقيقته، والميم زائدة عند الخطابي والأزهري (٤) وغيرهما، ميم مَفْعَلة، وهو نحو ما ذهب إليه الأصمعي في أحد تفسيريه المختلط بقوله: مَخْلَقَةٌ ومَجْدَرَةٌ. وقال لي ابن ورد (٥): قال لي شيخنا أبو الحسين ابن سراج عن أبيه: هي أصليّة، ووزنها: فَعِلَةٌ، من مَأَنَتْ إذا شَعَرَتْ، أي: إنها مشعرة بذلك، وهذا علي أحد تفسيري الأصمعي في قوله: علامة.

стр. 315

وقال الخطابي: مَئِنَّةٌ: مَفْعِلَةٌ من الآن، وذكر بعضهم أنها مبنية من إنِيَّة الشيء بمعنى إثباته من قولهم في الشيء: إنَّه كذا، وحكى اللِّحْيَانِيُّ (١) أنه مما تتعاقب فيه الظاء والهمزة، وأن مَئِنَّةٌ ومظنة بمعنى واحد، فإن الهمزة عنده مبدلة من الظاء بمعنى مَجْدَرَةٌ ومخلقة كما تقدم. قول عثمان ﵁: "لَوْلَا أَنَّهُ في كِتَابِ اللهِ" بالنون في رواية يحيي (٢) وجماعة معه، وكذا لابن ماهان في مسلم، وعند أبي مصعب (٣) (٤) وابن وهب (٥) وآخرين من رواة "الموطأ": "لَوْلَا آيةٌ"، وهي رواية الجُلودي في مسلم (٦). قال مالك: الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (٧)

стр. 316

وقال عروة في كتاب مسلم: الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٩] (١). والصواب قول عروة يعني: لئلا يتكل الناس، ذكر النهي عن الكتمان أوجب عليه الحديث به مخافة إثم الكتمان. قول عمر ﵁ في البخاري في حديث الجنين: "أَنْتَ مَنْ نشْهَدُ مَعَكَ" (٢) كذا لبعضهم بالنون، أي: أنت سمعته أو أنت شاهد واحد من يشهد معك حتى تتم الشهادة، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه. وفي وصية الأمراء: "فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا" بتاء المخاطب "ذِمَّتَكُمْ" (٣) بالكاف، كذا لهم، وعند العُذْرِيّ: "فَإنَّهُمْ أَنْ يُخْفِرُوا" وهو خطأ، قاله شيخنا أبو الفضل (٤)، وليس عندي كما قاله، بل الأصوب: "فَإِنَّهُمْ"؛ إذ المسلمون ممنوعون من إخفار ذمة الله أو ذمتهم؛ لأنه عهدٌ يجب الوفاء به، لكنه ﷺ صان ذمَّة الله من أن يخفرها الكافرون، يقال: أخفرت العهد والذمة إذا لم توف بها، وخفرت بغير ألف إذا عقدت له ذمة وعهدًا. وفي حديث ابن مثنى وابن بشار: "مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ" (٥) كذا هنا في كتاب الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن عيسى، وعند غيره: "ومَاتَ أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وأنا ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتّينَ" (٦)، وهو الذي في كتب كافة شيوخنا، وفي بعض الروايات: "ومَاتَ أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وَهُمَا ابْنَا

стр. 317

ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ" وهذا بين الوجه، وتأويل ما للكافة و"أبو بَكْرٍ وعُمَرُ" عطف على قوله: "مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وهو ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ وأَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ" وتم الكلام، ثم استأنف الخبر عن نفسه أنه في حين هذِه المقالة قد بلغ سنهم، كأنه نعى لهم نفسه، أو يكون معناه: وأبو بكر وعمر كذلك، ثم قال: "وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ" فأنا أنتظر أجلي، وهذا أصح الوجوه، وقد جاء مفسرًا في فوائد ابن المهندس (١) عن البغوي فقال: "وتُوُفي أَبُو بَكْرٍ وهو ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ، وتُوُفي عُمَرُ وهو ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ، وأَنَا ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ". قوله في الشارب الذي أتي به فلعنوه فقال النبي ﷺ : "لَا تَلْعَنُوهُ فَواللهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ الله ورَسُولَهُ" (٢) وتاء المتكلم مضمومة، و"أَنَّه" بفتح الهمزة، ومعناه: فوالله الذي علمته: أنه يحب الله، أو لقد علمت، وليست "مَا" بنافية، و"أَنَّهُ" وما بعده بتأويل المفعول بـ "عَلِمْتُ"، ووقع عند بعضهم: "فَواللهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ" بكسر الهمزة من: "إِنَّهُ" (٣)، وهو وهم محيل للمعنى إلى ضدِّه، ويجعل: "مَا" نافية، والتاء عند الأصيلي مهملة، وعند ابن السكن مفتوحة: "عَلِمْتَ" بتاء المخاطب علي طريق التقرير له، وبصح علي هذا كسر: "إِنَّهُ" وفتحها، والصواب كسر: (إنَّ) وضم التاء، وتقدير الكلام: لا تلعنوه، فوالله إنه يحب الله ورسوله، ما علمت. أي: مدة علمي، و"مَا" ظرف للمحبة، وفتح التاء خطأ.

стр. 318

قوله في حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ في باب غسل الجنب: "وكانَ كبِرَ وَمَا كُنْتُ أَوْنَقُ بِحَدِيثِهِ" بالنون والواو، كذا رواه السمرقندي، أي: به أعجب، ولغيره: "وَمَا كُنْتُ أَثِقُ بِحَدِيثِهِ" (١) لكبر سنه وفنده، والمعنى متقارب. قوله في الأئمة المضلين: "قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إِنْسٍ" (٢) كذا لكافتهم، وعند بعضهم: "في جُثْمَان البَشَرِ" أي: في أشخاصها وأجسامها، والمعنى سواء. وقول أبي بكر في بيعة علي له حين قال له عمر: "لَا تَأْتِيهِمْ فَإِنِّي لَا آمنُهُمْ عَلَيْكَ، فَقال أَبُو بَكْر: ومَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي إِنِّي والله لَآتِيَنَّهُمْ" (٣) كذا لابن أبي جعفر، وسقط: "إِنِّي" لغيره من شيوخنا عن مسلم، وفي رواية بعضهم: "أَنْ يَفْعَلُوا (٤) بِي" (وكذا في البخاري) (٥)، وهو الصواب، فيحتمل أن يكون: "إِنِّي" تصحيفًا من ألف "يَفْعَلُوا" (٦) ومن "بِي" بعدها. وفي حديث الاستخلاف: "ويَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى" (٧) كذا لِلْهَوْزَني وعن ابن ماهان وهو الوجه، وعند العُذْرِيّ: "ويَقُولُ قَائِلٌ: أنَّى ولَّاهُ"

стр. 319

بمعنى كيف أو متى وعند السمرقندي والسجزي: "أَنَا ولي". وفي باب النسك بشاة عن كعب بن عجرة: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رآه وأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى رَأْسِهِ" (١) كذا لهم، ولابن السكن: "رَآهُ ودَوابُّهُ تَسْقُطُ عَلَى رَأْسِهِ" وهو المعروف كما جاء في غير هذا الباب: "وقَمْلُهُ" (٢)، وفي آخر: "وهَوامُّهُ" (٣). وقوله ﷺ : "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ" (٤) كذا روايتنا فيه عن جميعهم، ومعناه: منعني أو حجبني من رؤيته نور فكيف أراه؟ كما جاء في الحديث الآخر: "رَأَيْتُ نُورًا" (٥)، وفي آخر: "حِجَابُهُ النُّورُ" (٦) فبعضها يفسر بعضًا، ولا يكون النور ها هنا راجعًا إلى الذات ولا إلى صفات الذات، ولا يكون بمعنى هو نور، ولا يفهم منه ما يفهم من الأجسام اللطيفة المنيرة، هذا كله في وصف الباري محال يتنزه عن ذلك، وكذلك لا يجوز أن يعتقد أنه ينفصل منه نور، فكل ذلك من صفات المحدثين، بل هو خالق كل نور، ومنوّر كل ذي نور، كما أن ذاته لا يحجبه شيء، لكنه يحجب أبصار العباد عن رؤيته، كما قال: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ثم يكشف الحجاب إذا

стр. 320

شاء. وزعم أبو عبد الله المازري (١) في إملاءاته (٢) علي مسلم أنه رواه: "نُورَانِيّ" (٣)، وهو تصحيف (٤). وفي باب غزوة الفتح: "ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ" (٥) كذا لهم، وعند الجُرْجَانِي: "بِمَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ" ومعناه أنه دعا بماء من ماء هنالك فشرب، فالماء الأول هو المشروب، والماء الثاني اسم للعين أو الحاضر التي هناك.
следующие страницы →