١٣ - (٥٢٦) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - وَاللفْظُ لهُ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِى صَلاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَليْهِ الليْلةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبلُوهَا. وَكَانَتْ وجُوهُهُمْ إِلىَ الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلى الْكَعْبَةِ.
ــ
وهذا قول مالك والشافعى والجمهور، خلافاً للكوفيين والأوزاعى فى رجوعهما للطهارة بالماء. واحتجوا - أيضاً - بهذا الحديث على نسخ السنة بالقرآن (١)؛ لأن صلاة النبى ﷺ أولاً لبيت المقدس على قول أكثرهم سنة (٢)، وهى مسألة اختلف فيها الأصوليون، فأجازه جمهورهم؛ لأن سنة النبى ﷺ حكم من الله على لسان نبيه مثل حكمه، كما بينه فى كتابه، وقال بعضهم: لا يجوز ذلك؛ لأن السنة مبينة للكتاب وبعيد قضاء المبَيِّن ونسخه وحكمه على المبَيَّن (٣). وقالوا فى قصة القبلة: إنما هى نسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر أولاً [كان] (٤) بتخيير المصلى أن يولى وجهه حيث شاء بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ (٥)، ثم نسخ باستقباله القبلة. وقيل: بل صلاة النبى ﷺ إلى بيت المقدس كان بعد وروده [إلى] (٦) المدينة بأمر الله تعالى، ففرحت بذلك اليهود ثم صُرِف إلى الكعبة.
стр. 1052
١٤ - (...) حَدَّثَنِى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابُنِ عُمَرَ؛ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِى صَلاةِ الغَدَاةِ، إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ، بِمْثِلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
ــ
وكما اختلفوا هنا كذلك اختلفوا فى نقيضه، وهو نسخ القرآن بالسنة، فذهب الأكثر إلى جوازه عقلاً وسمعاً وأجازه بعضهم عقلاً (١) وقال: لم يوجد شرعاً، ومنعه بعضهم عقلاً (٢).
وفى هذه القصة دليل على صحة نسخ الأحكام وهو مما أجمع عليه كافة المسلمين إِلا طائفة من المبتدعة (٣) لا يعبأ بها لم تقل به، ووافقت القنَّائية من اليهود فيه (٤).
وقوله: " وقد أُمر أن يَستقبل القبلة فاستقبلوها " روى بفتح الباء على الخبر وبكسرها على الأمر، قال الطحاوى: وفى هذا دليل على أنه من لم يعلم بفرض الله ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة عليه، وقد اختلف العلماء فيمن أسلم فى دار الحرب أو أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد من يستعلمه عن شرائع الإسلام، ولا علم أن الله فرض شيئاً فيها، ثم علم بعد ذلك، هل يلزمه قضاء ما مر عليه من صيام أو صلاة لم يعلمها؟ فذهب مالك والشافعى وآخرون إلى إلزامه ذلك [وأنه قادر على الاستعلام والخروج إلى ذلك] (٥)، وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك يلزمه إن أمكنه من يستعلم ذلك منه فى بلاد المسلمين وبلاد الحرب فلم يستعلم وفرط، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شىء عليه، وكيف يكون لله فرض على من لم يعلم بفرضه؟ وقد قدمنا من هذا قبل، وأن تكليف الجاهل بالشىء يفعله مع جهله به محال؛ إذ لا يثبت حكم إِلا بدليل. وإذا لم يتمكن المكلف من التوصل إلى ما كلفه كان من تكليف المحال.
وفيه دليل على جواز تنبيه من ليس فى الصلاة لمن فى الصلاة وأن يفتح عليه، وفيه دليل على جواز الاجتهاد فى القبلة، ومراعاة السَّمْتِ لميلهم إلى جهة الكعبة لأول وهلة فى الصلاة قبل قطعهم على موضع عينها، ولا خلاف أن المطلوب عينها مع المشاهدة، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته ﵇ وهى مسألة اختلف فيها، وفيه دليل على وجوب
стр. 1053
١٥ - (٥٢٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَنَزَلتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ (١) فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِى صَلاةِ الفَجْرِ، وَقَدْ صَلوا رَكْعَةً. فَنَادَى: أَلا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلتْ، فَمَالوا كَمَا هُمْ نَحْوَ القِبْلةِ.
ــ
الصلاة إلى القبلة والإجماع على أنها الكعبة.
وقوله فى حديث البراء: " صليت مع رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً " وفى الرواية الأُخرى: " سبعة عشر شهراً ". وهذا هو الأصح، وهو قول مالك وابن إسحاق، وابن المسيب، وقيل: حولت القبلة بعد ثمانية عشر شهراً، وروى بعد سنتين، وروى بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر، وهذان شاذان.
стр. 1054
(٣) باب النهى عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها والنهى عن اتخاذ القبور مساجد
١٦ - (٥٢٨) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ أُولئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ الصُّوَرَ، أُولئِكِ شِرَارُ الخَلقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ".
١٧ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى مَرَضِهِ، فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ كَنِيسَةً. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
١٨ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ ﷺ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، يُقَالُ لهَا: مَارِيَةُ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.
ــ
وتغليظ النبى ﷺ فى النهى عن اتخاذ قبره مسجداً؛ لما خشيه من تفاقم الأمر وخروجه عن حدِّ المبرَّة إلى المنكر، وقطعاً للذريعة، وقد نبه عليه ﵇ فى قوله: " لا تتخذوا قبرى وثناً يعبد " (١)، ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر، كانوا قديماً إذا مات فيهم نبى أو رجل صالح صوروا صورته وبنوا عليه مسجداً ليأنسوا برؤية صورته، ويتعظوا (٢) لمصيره ويعبدوا (٣) الله عنده، فمضت على ذلك أزمانٌ، وجاء بعدهم خلف رأوا أفعالهم وعباداتهم عند تلك الصور ولم يفهموا أغراضهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وألقى إليهم أنهم كانوا يعبدونها فعبدوها، وقد نبه ﵇ فى الحديث على بعض هذا، ويدل على صحة هذا المعنى قوله فى الحديث الآخر: " اللهم لا تجعل
стр. 1055
١٩ - (٥٢٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِى حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ فِى مَرَضِهِ الذِى لمْ يَقُمْ مَنْهُ: " لعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهمْ مَسَاجِدَ ".
قَالتْ: فَلوْلا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِىَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ أَبِى شَيْبَةَ: وَلوْلا ذَاكَ. لمْ يَذْكُرْ: قَالتْ.
٢٠ - (٥٣٠) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخبَرَنِى يُونُسُ وَمَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ المُسَيّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ".
٢١ - (...) وَحَدَّثَنِى قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الفَزَارِىُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الأَصَمِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ".
٢٢ - (٥٣١) وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَحَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى - قَالَ حَرْمَلةُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ - أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالا: لمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، طَفِقَ يَطْرَحُ
ــ
قبرى وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (١)؛ ولهذا لما احتاج المسلمون إلى الزيادة فى مسجده ﷺ لتكاثرهم بالمدينة، وامتدت الزيادة إلى أن أدخل فيها بيوت أزواجه، ومنها بيت عائشة الذى دفن فيه ﵇ وذلك أيام عثمان، بنى على قبره حيطاناً أحدقت به؛ لئلا يظهر فى المسجد فيقع الناس فيما نهاهم عنه من اتخاذ قبره مسجداً، ثم إنَّ أئمة المسلمين حذروا أن يتخذ موضع قبره قبلة، إذ كان مستقبل المصلين فتتصوَّرُ الصلاةُ إليه صورة العبادة له، ويحذر أن يقع فى نفوس الجهلة من ذلك شىء، فرأوا بناء جدارين من ركنى القبر الشماليين حرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من [ناحية] (٢) الشمال حتى لا يمكن أحد استقبال موضع القبر عند صلاته؛ ولهذا
стр. 1056
خَمِيصَةً لهُ عَلى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: " لعْنَةُ اللهِ عَلى اليَهُودِ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ " يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا.
٢٣ - (٥٣٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - واللفْظُ لأَبِى بَكْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ النجْرَانِىِّ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى جنْدُبٌ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يُقُولُ: " إِنِّى أَبْرَأُ إِلى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِى مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى قَدِ اتَّخَذَنِى خَلِيلاً، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً،
ــ
قال فى الحديث: " ولولا ذلك أبرز قبره ﵇ غير أنه خشى أن يتخذ مسجداً ".
وقوله: " قاتل الله اليهود " معناه: لعن، كما جاء فى الرواية الأخرى، وقيل: معناه: قتلهم وأهلكهم وقد جاء فاعل بمعنى فَعَلَ فى ألفاظ كقولهم: طارقت النعل (١) وسافرت.
وقوله: " إنى (٢) أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل " أى أبعد عن هذا. وأنقطع عنه ولا أتصل به، والعلة لذلك ما نذكره [بعد] (٣). وقوله: " لو كنت متخذاً من أمتى خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ".
قال الإمام: قال ابن النحاس: الخليل المختص بشىء دون غيره، ولا يجوز أن يختص رسول الله ﷺ أحداً بشىء من أمور الديانة دون غيره قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّك﴾ الآية (٤). قال الإمام: وقيل: الخليل اشتق من الخَلَّةِ بفتح الحاء، وهى الحاجة. وقيل: من الخُلة بضمها وهى تخلل المودة فى القلب، وقيل، من الخُلَّة بالضم أيضًا، وهو نبت تستحليه الإبل. قال ابن قتيبة وغيره: الحمض ما ملح من النبت والخلة ما حلا منه، تقول العرب: الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها.
قال القاضى: وقيل: اشتق من الاستصفاء، وقيل: صفاء المودة، فنفى النبى ﷺ أن تكون حاجته خلته إلى أحد من المخلوقين بل إلى ربه تعالى، كما قال فى الحديث
стр. 1057
وَلوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِى خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّى أَنْهَكُمْ عَنْ ذَلِكَ ".
ــ
الآخر: " لكن صاحبكم خليل الله " (١). وقيل: إنما سمى إبراهيم بذلك لقوله لجبريل وهو فى المنجنيق ليرمى به فى النار، وقد قال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: " أَمَّا إليك فلا " (٢) [أو يكون بينها] (٣) بالخُلَّة لغاية استصفائهما (٤) وفراغ قلوبهما عمن سواه، ولهذا قال بعضهم فى معنى هذا الحديث: الخليل من لا يتسع قلبه لسواه، وسيأتى الكلام عليه فى الفضائل. وفى سند هذا الحديث: ثنا زكرياء بن عدى عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبى أنيسة، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن الحارث النجرانى قال: حدثنى جندب، هذا ما استدركه الدارقطنى على مسلم وقال: خالف عبيد الله فيه أبو عبد الرحيم فقال: عن جميل النجرانى، عن جندب. وجميل مجهول والحديث محفوظ عن أبى سعيد وابن مسعود (٥)، قال غيره: وقد ذكر النسائى الحديث من رواية [عبيد الله] (٦) بن عمرو، ثم ذكر رواية أبى عبد الرحيم (٧) عن زيد، عن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن جميل النجرانى عن جندب.
(٥) باب الندب إلى وضع الأيدى على الركب فى الركوع، ونسخ التطبيق
٢٦ - (٥٣٤) حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ العَلاءِ الهَمَدَانِىُّ، أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ وَعَلقَمَةَ. قَالا: أَتَيْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِى دَارِه. فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلاءِ خَلفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لا. قَالَ: فَقُومُوا فَصَلُّوا، فَلمْ يَأمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ. قَالَ: وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلفَهُ، فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ
ــ
وقوله فى حديث ابن مسعود: " أصلى هؤلاء خلفكم، فقلنا: لا. فقال: قوموا فصلوا ": أراد بهؤلاء الأمراء، وعاب عليهم تأخيرهم عن وقتها المستحب، ويدل عليه آخر الحديث، ومعنى " خلفكم " هنا إشارة إلى موضعهم أنه كان من ورائهم.
وقوله: " فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة ": فيه جواز صلاة المرء الفريضة فى بيته، وأن الجماعة ليست بفرض على الأعيان خلافاً لأهل الظاهر، وفيه صلاتها فى البيت فى جماعة، وقوله: " فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة " اختلف الناس فيمن صلى وحده أو فى بيته هل يجزئه إقامة أهل المصر وأذانهم؟ فذهب بعض السلف من أصحاب ابن مسعود وغيرهم إلى أن له أن يصلى بغير أذان ولا إقامة. وذهب عامة فقهاء الأمصار إلى أنه يقيم ولا يجزئه إقامة أهل المصر ولا يؤذن، واستحب ابن المنذر أن يؤذن ويقيم. وذهب ابن سيرين والنخعى إلى الإقامة إِلا صلاة الفجر فإنه يؤذن ويقيم لها خاصة.
وقوله: " فذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله [وقال: إنها صلاة النبى ﷺ "] (١)، قال الإمام: إذا كان مع الإمام ثلاثة رجال قاموا وراءه بغير خلاف، وإن كان واحداً قام عن يمينه. واختلف إذا كان اثنين، فذهب ابن مسعود إلى ما ذكر فى الحديث، والفقهاء سواه يرون أن يقوما وراء الإمام.
قال القاضى: ما ذكره [أولاً] (٢) هو قول الكافة فى الواحد، وحكى عن ابن المسيب فيه: أنه إنما يقوم عن شماله لحديث صلاة النبى ﷺ وأبى بكر فى مرضه المتقدم، وما ذكر فى صلاة ابن مسعود من تشبيك اليدين وتطبيقهما بين الفخذين فى الركوع به قال ابن
стр. 1060
عَنْ شِمَالِهِ. قَالَ: فَلمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِينَا عَلى ركُبِنَا. قَالَ: فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا وَطَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَليْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا، وَيَخْنُقُونَهَا إِلى شَرَقِ المَوْتَى، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلوا ذَلِكَ، فَصَلوا الصَّلاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجْعَلوا صَلاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً، وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَصَلوا جَمِيعًا، وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَليَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَليُفْرِشْ ذرَاعَيْهِ عَلى فَخذَيْهِ، وَليَجْنَأ، وَليُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَلكَأَنِّى انْظُرُ إِلى اخْتِلافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَرَاهُمْ.
ــ
مسعود وأصحابه. وقد ثبت نسخ ذلك فيما ذكره مسلم فى كتابه بوضع اليدين على الركب، وبهذا قال جماعة السلف وفقهاء الأمصار، ولعل ابن مسعود لم يبلغه نسخ ذلك.
قال الإمام: وقوله: " سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة ويخنقونها إلى شرق الموتى ": قال أبو عبيد: سئل الحسن بن محمد بن الحنفية عن هذا الحديث، فقال: ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان وصارت بين القبور كأنها لجة، فذلك (١) شرق الموتى، وقال الهروى: فى تفسير قوله ﵊ حين ذكر الدنيا إنما بقى منها كشرق الموتى (٢)، وقال ابن العربى: فيه معنيان: أحدهما: أن الشمس فى ذلك الوقت إنما تثبت ساعة ثم تغيب، فشبه ما بقى من الدنيا ببقاء تلك الساعة، والثانى: شرق الميت بريقه، فشبه قلة ما بقى من الدنيا بما بقى من حياة من شرق بريقه حتى تخرج نفسه.
[قال القاضى] (٣): وقيل: شرق الموتى: إذا ارتفعت الشمس عن الطلوع، يقال: تلك ساعة الموتى، قيل: شرق الموتى اصفرار الشمس عند غروبها.
وقوله: " يَخْنُقُونها " أى يُضَيِّقُون وقتها ويتركون أداءها إلى ذلك الحين، يقال: هم فى خناق من كذا، أى فى (٤) ضيق.
[وقوله: " فَصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحَةً " أى نافلة، ومعنى هذا لئلا تتأذى بتخلفك عنه إذا خفته، ولما يخشى من المخالفة عليهم] (٥).
وقوله فى صفة الركوع: " وليحن " كذا رواية أكثر شيوخنا بالحاء المهملة وكسر النون، وعند الطبرى: فليجنأ (٦) بالجيم وفتح النون وبهمز آخره وكلاهما صحيح المعنى وهو
عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ، عَنْ مُصْعبِ بْنِ سَعْدٍ؛ قَالَ: رَكَعْتُ فَقُلْتُ بِيَدَىَّ هَكَذَا - يَعْنِى طَبَّقَ بِهِمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ - فَقَالَ أَبِى: قَدْ كنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكُبِ.
٣١ - (...) حَدَّثَنِى الحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ؛ قَالَ: صَليْتُ إِلى جَنْبِ أَبِى، فَلمَّا رَكَعْتُ شَبَّكْتُ أَصَابِعِى وَجَعَلتُهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَىَّ، فَضَرَبَ يَدَىَّ، فَلمَّا صَلى قَالَ: قَدْ كُنَّا نفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا أَنْ نَرْفَعَ إِلى الرُّكَبِ.
ــ
والذلة، قال شاعرهم:
ولا تعادى الفقير علك أن تر ... كع يوماً والدهر قد رفعه
وهذه صفة الخاضع الذليل الملقى بيده المستسلم، بل قيل: هى صورة الممكن نفسه لضرب عنقه، وتلك غاية صور الاستسلام، لا سيما ما كان عليه أول الشرع من التطبيق وحبس اليدين بين الفخذين كالمكتوف.
стр. 1063
(٦) باب جواز الإقعاء على العقبين
٣٢ - (٥٣٦) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَسَنُ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - وَتَقَارَبَا فِى اللفْظِ - قَالا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: قُلْنَا لابْنِ عَبَّاسٍ فِى الإِقْعَاءِ عَلى القَدَمَيْنِ. فَقَالَ: هِىَ السُّنَّةُ. فَقُلْنَا لهُ: إِنَّا لنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِى سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ .
ــ
ذكر مسلم قول ابن عباس فى الإقعاء على القدمين: [هى السنة] (١)، قال الإمام: لعل ابن عباس لم يعلم ما ورد من الأحاديث الناسخة التى فيها النهى عن الإقعاء، قال الهروى فى تفسير: " نهى أن يقعى الرجل فى الصلاة ": قال أبو عبيد: هو أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض، كما يفعل الكلب، قال: وتفسير الفقهاء أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، والقول هو الأول، وقد روى عن النبى ﷺ أنه [قال لكل] (٢): " مقعيًا "، قال ابن شميل: الإقعاء: أن يجلس [الرجل] (٣) على وركيه وهو الاحتفاز والاستيفاذ، وحكى عن الثعالبى أنه قال فى إشكال الجلوس عن الأئمة: إن الإنسان إذا ألصق عقبيه بأليتيه قيل: أقعى، وإذا استوفز فى جلوسه كأنه يريد أن يثور للقيام قيل: احتفز [واقعنفز] (٤)، وقعد القعفزى، فإذا ألصق أليتيه بالأرض وتوسد ساقيه قيل: قرطش.
قال القاضى: الذى قرأته فى كتاب الثعالبى فى هذا الحرف: " فرشط " بالفاء، وتقديم الشين المعجمة على الطاء، وكذا ذكره أبو عبيد فى المصنف فى هيئة هذه الجلسة المذكورة، وأرى ما وقع فى المعلم من ذلك تغيرٌ من النقلة أو ممن شاء الله، والأشبه عندى فى تأويل الإقعاء الذى قال ابن عباس: إنه من السنة؛ الذى فسر به الفقهاء من وضع الأليتين بين السجدتين على العقبين وليس بالمنهى عنه، فقد روى عن جماعة من الصحابة، والسلف أنهم كانوا يفعلونه، وكذا جاء مفسراً من ابن عباس: " من السنة أن تُمِسَّ عقبيك أليتيك " (٥)،
стр. 1064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم يقل بذلك عامة فقهاء الأمصار، وسموه إقعاء (١)، وأجروا الجلوس فيها مجرى الجلوس فى التشهد على اختلافهم فيه وقد تقدم، ووافق الشافعى مالكاً فى كراهة ذلك فى السجدتين (٢) وخالفه فى استعمال ذلك عند الرفع من السجدة الثانية للقيام، فرأى الشافعى فى جماعة من أصحاب الحديث (٣) أنه يرجع جالساً على قدميه يسيراً ثم ينهض للقيام، قال: وليس ذلك بإقعاء (٤). وحجتهم ما جاء فى حديث مالك بن الحويرث أن النبى ﷺ إذا كان فى وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوى قاعداً (٥)، وقال مالك فى كافة الفقهاء سفيان وأحمد وأصحاب الرأى: لا يجلس ولكن ينهض كما هو، وحملوا حديث ابن الحويرث أنه كان مرة من قوله ﵇ ليدل على جواز ذلك أو الشكوى به، قال الداودى: فمن هذا رأى مالك أن لا سجود على من جلس فى وتر الركعات ما لم يطل.
قال القاضى: وحكى غيره من شيوخنا فيها قولين: السجود وتركه، وكل هذا لمن فعله ناسياً، فأما عامداً فلا سجود اتفاقاً، ثم اختلفوا فى الاعتماد على اليدين عند النهوض إلى القيام، فقال مالك وجمهورهم: يعتمد وهو أقرب إلى السكينة، وقال الثورى فى آخرين: لا يعيد إِلا أن يكون شيخاً، وخيَّره مالك مَرَّةً ورأى أن يفعل ما هو أرفق به.
وقوله: " إنا لنراه جَفَاءً بالرجُل فقال ابن عباس: [بل] (٦) هى السنة " (٧): كذا رويناه فى الأم، الرجل بفتح الراء وضم الجيم، وكذا قيدناه عن شيوخنا وقيدناه فى (٨) كتاب أبى داود على الفقيه أبى الوليد هشام بن أحمد عن الغسانى شيخنا عن أبى عمر بن عبد البر: بالرِجْل، بكسر الراء وسكون الجيم، يريد الجارحة وكذا ألفيته أيضاً فى أصل أبى عمر بن عبد البر (٩) وبه عارضت، وقال أبو على: كذا كان يقول أبو عمر فيه، ويقول: من قال بِالرَجُلِ فقد صحفه [ولا معنى له] (١٠)، قال أبو على: ولم أسمعه أنا قط إِلا
стр. 1065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالرجُلِ، وكذا قيده أبو على فى أصله، وبه عارضت أيضاً.
قال القاضى: والأوجه عندى هو قول من يروى بالرَّجُلِ، كما قال أبو على، ويدل عليه إضافة الجَفا إليه فى جلسته تلك المكروهة عند العلماء، وأما الرِجْلُ فلا وجه له.
стр. 1066
(٧) باب تحريم الكلام فى الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته
٣٣ - (٥٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَتَقَارَبَا فِى لفْظِ الحَدِيثِ - قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلمِىِّ؛ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ. فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِى القَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ. فَقُلْتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرونَ إِلىَّ. فَجَعَلوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلى أَفْخَاذِهِمْ، فَلمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِى، لكِنِّى سَكَتُّ. فَلما صَلى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَبِأَبِى هُوَ وَأُمِّى، مَا رَأَيْتُ مُعَلمًا قَبْلهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ. فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِى وَلا ضَرَبَنِى وَلا شَتَمَنِى، قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلامِ
ــ
وقوله [فى] (١) خبر معاوية بن الحكم: " فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم " يعنى ليُسْكِتُوه، ويحتمل أنه كان قبل نهى النبى ﷺ عن التصفيق فى الصلاة والأمر بالتسبيح، وقد يحتمل أن هذا تفسير التصفيق فى حديث أبى بكر على ما أشار إليه بعضهم مما ذكرناه قبل.
وقوله: " فبأبى هو وأمى ما رأيت قبله ولا بعده [معلماً] (٢) أحسن تعليماً منه " (٣) فيه سيرة رسول الله ﷺ [فى التعليم من الرفق بالجاهل] (٤) وترك الغضب عليه إذا لم يقصد مخالفةً.
وقوله: " فوالله ما كهرنى "، قال الإمام: قال أبو عبيد: الكهر: الانتهار، وفى قراءة عبد الله: " فأما اليتيم فلا تكهر ". قال القاضى: وقيل: الكهر: العبوس فى وجه من تلقاه.
وقوله: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شىء من كلام الناس ": فيه منع الكلام فى الصلاة، وإنكار تشميت العاطس فيها؛ إذ هو الذى فعله معاوية وأنكره عليه الصحابة وأفتاه النبى ﷺ فى النازلة بهذا الكلام، ثم حصر ذكر الصلاة فقال: " إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ".
стр. 1067
النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ ".
أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى حَدِيثُ عَهْدٍ بجَاهِليَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالإِسْلامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الكُهَّانَ. قَالَ: " فَلا تَأْتِهِمْ ". قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. قَالَ: " ذَاكَ شَىْءٌ يَجِدُونَهُ فِى صُدُورِهِمْ، فَلا يَصُدَّنَّهُمْ - قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: فَلا
ــ
قال الإمام: إن قيل: ما وجه إنكارهم عليه وقوله: " يرحمك الله " دعاء، والدعاء للغير جائز فى الصلاة؟ قيل: يحتمل أن يكون إنكارهم عليه؛ لأنه قصد مخاطبة الغير بذلك فكان كالمتكلم، وقد قال ابن شعبان وابن نصر الداودى [من أصحابنا] (١): إذا قال فى صلاته: " اللهم افعل بفلان "؛ جاز، وإن قال: " يا فلان، فعل الله بك " كان الكلام، وهذا نحو مما ذكرناه من أنه بالقصد يخرج إلى الكلام، وقد اختلف عندنا على قولين فى المصلى إذا تعايا من ليس معه فى صلاته فى قراءته فرد عليه المصلى، هل تفسد صلاته؟ فجعله فى أحد القولين بِردِّه عليه كالمتكلم، وإن كان إنما قرأ قرآناً، قال: ولم يذكر فى الحديث أمره بإعادة الصلاة لما وقع منه ذلك على جهة الجهل، وهذا حجةٌ على المخالف فى قوله: إن كان المتكلم ناسياً فى الصلاة تفسد صلاته؛ لأنه إذا لم يفسدها بالجهل فأحرى ألا يفسدها (٢) بالنسيان.
قال القاضى: الجهل فى هذا كالعمد عند مالك، إِلا ما حكاه الخطابى عن مالك: أنه يبنى فى الجهل كالنسيان هنا وهذا مذهب الشافعى والأوزاعى والشعبى، وليس تركه لذكر الإعادة دليلاً على أنه لم يأمر بها، ولا أن الصلاة أجزأته، ولا أنه لم يعدها، وبإفساد الصلاة بالكلام على أى وجه كان من سهوٍ أو [عمد] (٣) أو جهل، قال الكوفيون: وقد اختلف الناس فى تحميد العاطس فى الصلاة، فقيل: يحمد الله ويجهر به، وروى مثله عن ابن عمر والنخعى وأحمد، ومذهب مالك والشافعى أن يحمد ولكن يستحب له أن يكون فى نفسه.
وقوله: " إن مِنَّا رجالاً يأتون الكهان قال: فلا تأتهم " (٤)، قال الإمام: نهيه عن ذلك؛ لأنه يجرهم إلى تغيير الشرائع بما يلبسون عليهم، والكاهن يخبر عن غيب من طريق غير موثق به. ومعنى قوله - لما قال: ومنا رجال يتطيرون -: " ذلك شىء يجدونه فى صدورهم ": أى يجدون ذلك ضرورةً فلا ملام عليهم، ولكن إنما يكون اللوم على
стр. 1068
يَصُدَّنَّكُمْ - " قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ. قَالَ: " كَانَ نَبِىُّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ ". قَالَ: وَكَانَتْ لِى جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِى قِبَلَ أُحُدٍ وَالجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِى آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّى صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلىَّ. قُلْتُ:
ــ
توقفكم عن إمضاء حوائجكم لأجل ذلك وهو المكتسب فنهاهم أن يصدهم ذلك عما أرادوا فعله.
وقوله حين قال: ومنا رجال يخطُّون (١): " كان نبى من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك ": أى أصاب، وقال ابن عباس فى تفسير هذا الحديث (٢): هو الخط الذى يخطه الحازى (٣) وهو علم قد تركه الناس. قال: يأتى صاحب الحاجة إلى الحازى فيعطيه حلواناً، فيقول: اقعد حتَّى أخط لك وبين يدى الحازى غلام معه ميل، ثم يأتى إلى أرض رخوة فيخط الأستاذ خطوطاً معجلةً لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين، فإن بقى خطان فهو علامة النجح وإن بقى خط فهو علامة الخيبة، والعرب تسميه: الأسحم وهو مشؤوم عندهم.
قال القاضى: وجدت فى المعلم فى هذا الموضع اختلالاً أصلحته من الأصول التى كان النقل فيه منها لا شك من الخطابى والهروى وحكى مكى فى تفسيره أنه روى أن هذا النبى كان يخط بأصبعه السبابة والوسطى (٤) فى الرمل، ثم يزجر قال: وقوله: " فمن وافق خطه فذاك " يحتمل الزجر عن هذا إذ كان ذلك علماً لنبوته، وقد انقطعت فذهبنا عن التعاطى لذلك.
قال القاضى: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من وافق خطه، وذلك الذى يجدون إصابته، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم، وعليه يدل ظاهر قول ابن عباس، ويحتمل أن هذا نُسخ فى شرعنا.
وقوله: " قبل أحد والجوانية " بفتح الجيم وشدّ الواو وتخفيف الياء ضبطنا الحرف عن الأسدى وعن الخشنى بتشديدها، كذا ذكرها أبو عبيد البكرى، قال: كأنها نسبت إلى جوان، والجوانية أرض من عمل الفُروع من جهة المدينة (٥).
وقوله: " آسف كما يأسفون ": أى أغضب كما يغضبون. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (٦)، وقال: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (٧)، وصككتها: لطمتها.
стр. 1069
يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: " ائْتِنى بِهَا "، فَأَتَيْتُهُ بِهَا. فَقَالَ لهَا: " أَيْنَ اللهُ؟ " قَالتْ:
ــ
وقول النبى ﷺ للجارية: " أين الله؟ "، قال الإمام: إنما أراد النبى ﷺ أن يطلب دليلاً على أنها موحدة، فخاطبها بما يفهم قصده، إذ علامة الموحدين التوجه إلى الله إلى السماء عند الدعاء وطلب الحوائج؛ لأن العرب التى تعبد الأصنام، وتطلب حوائجها من الأصنام، والعجم من النيران، فأراد ﵇ الكشف عن معتقدها هل هى ممن آمن؟ فأشارت إلى السماء، وهى الجهة المقصودة عند الموحدين كما ذكرنا.
وقيل: إنما السؤال بأين هاهنا سؤال عما تعتقده من جلالة البارى سبحانه وعظمته. وإشاراتها إلى السماء إخبار عن جلالته تعالى فى نفسها، والسماء قِبْلةُ الداعين، كما أن الكعبةَ قبْلةُ المصلين، كما لم يدل استقبال القبلة على أن الله تعالى فيها، كذلك لم يدل التوجه إِلى السماء والإشارة [إلى السماء] (١) على أن الله سبحانه فيها.
قال القاضى: لا خلاف بين المسلمين قاطبة - محدِّثِهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونُظَّارِهم - أَنَّ الظواهر الواردة بذكر الله فى السماء كقوله: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ (٢)، أنها ليست على ظاهرها، وأنها متأولة عند جميعهم، أما من قال منهم بإثبات جهة فوق لله تعالى من غير تحديد ولا تكييف من دهماء المحدثين والفقهاء، وبعض المتكلمين [منهم، فتأول فى السماء بمعنى على، وأما دهماء النظار والمتكلمين] (٣) وأصحاب الإثبات والتنزيه المحيلين، أن يختص بجهة أو يحيط به حد، فلهم فيها تأويلات بحسب مقتضاها، منها ما تقدم ذكره فى كلام الإمام أبى عبد الله.
والمسألة بالجملة - وإن تساهل فى الكلام فيها بعض الأشياخ المُقتدى بهم من الطائفتين - فهى من مَعُوصاتٍ مسائل التوحيد، وياليت شعرى ما الذى جمع آراء كافة أهل السنة والحق على تصويب القول بوجوب الوقوف عن التفكر فى الذات كما أُمروا، وسكتوا لحيرة العقل هناك وسلموا، وأطبقوا على تحريم التكييف والتخييل والتشكيل، وأن ذلك من وقوفهم وحيرتهم - غير شك فى الوجود أو جهل بالموجود، وغير قادح فى التوحيد، بل هو حقيقة عندهم ثم يُسامح بعضُهم فى فصل منه بالكلام فى إثبات جهة تخصه أو يشار إليه بحيِّز يحاذيه، وهل بين التكييف من فرقٍ أو بين التحديد فى الذات والجهات بونٌ؟!
لكن إطلاق ما أطلقه الشرع من أنه ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه﴾ (٤)، وأنه استوى على
стр. 1070
فِى السَّمَاءِ. قَالَ: " مَنْ أَنَا؟ " قَالتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَال: " أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ". (...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٣٤ - (٥٣٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو
ــ
عرشه (١) مع التمثيل بالآية الجامعة للتنزيه الكلى الذى لا يصح فى معقول سواه من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) عصمة لمن وفقه الله وهداه.
وقوله: " أعتقها فإنها مؤمنة ": فيه مع سؤال النبى ﷺ وبحثه عن حالها دليلٌ على أن عتق المؤمن أفضل وأولى من عتق الكافر ولا خلاف فى جواز عتق الكافر فى التطوع، وأنه لا يجزى فى كفارة القتل لنص الله تعالى فيها على ﴿مُّؤْمِنَة﴾ (٣). واختلف فى كفارة اليمين والظهار وتعمد الفطر فى رمضان (٤)، فمالك والشافعى وعامتهم لا يجزى فى ذلك عندهم إِلا مؤمنة لتقييد الله تعالى ذلك بالأيمان فى كفارة القتل، فيحمل المطلق على المقيد (٥)، ولأنَّه فى رواية مالك فى هذا الحديث: " وعلىَّ رقبةٌ " (٦) فقال: " أعتقها فإنها مؤمنة "، فدلَّ أن غير المؤمنة لا تجزى، وذهب الكوفيون إلى أن الإيمان لا يشترط إِلا فى القتل حيث نصَّ عليه.
стр. 1071
سَعِيدٍ الأَشَجُّ - وَأَلفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضِيلٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِى الصَّلاةِ، فَيَرُدُّ عَليْنَا، فَلمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِى، سَلمْنَا عَليْهِ فَلمْ يَرُدَّ عَليْنَا. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كُنَا نُسَلِّمُ عَليْكَ فِى الصَّلاةِ فَتَرُدُّ عَليْنَا. فَقَالَ: " إِنَّ فِى الصَّلاةِ شُغُلاً ".
ــ
وفى هذا الحديث دليلٌ على أن الإيمان لا يتم إِلا بالإيمان بالنبى ﷺ ؛ لقوله ﷺ : " من أنا؟ " قالت: رسول الله، وأنه لم يرها مؤمنة حتى أقرت عنده بالوحدانية والرسالة. وفيه دليل على الاكتفاء فى ذلك عند بعضهم بصريح الشهادتين وصحة العقيدة، وإن لم يكن عن برهان ونظر واستدلال؛ إذ لم يسألها النبى ﷺ : من أين علمت ذلك؟ وقيل: إنما كان هذا؛ لأنها كانت متيقنة الإسلام، ولذلك اكتفى بما دل من إشارتها، ولو كان فى ابتداء إسلامها لم تنتقل عن حال الكفر إلى الإيمان إِلا بالجلاء والتصريح والنطق بالشهادتين والبيان التام.
وفيه حجة لأحد القولين عندنا فى منع عتق الأعجمى عن الواجبات حتى يجيب إلى الإسلام (١).
وقول ابن مسعود: " كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو فى الصلاة فيرد علينا، [فلما رجعنا من عند النجاشى سلمنا فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك] (٢) فى الصلاة فتَرُدَّ علينا، فقال: " إن فى الصلاة شُغُلاً "، قال الإمام: من الناس من قال: يرد المصلى السلام نطقاً وإن كان فى الصلاة، ومنهم من قال: لا يرد ما دام فى الصلاة لا نطقاً ولا إشارةً، وقيل: يرد بالإشارة، فأما القائل يرد نطقاً فيحتمل أن يكون لم يعلم أن ذلك نُسخ، ويحتج - أيضاً - أن ذلك نوعٌ مما يباح فى الصلاة، ووجه القول أنه لا يرد نطقاً ولا إشارة الحديث المتقدم، ووجه القول بأنه يرد إشارة ما جاء فى حديث آخر - أيضاً - من إنه كان يرد إشارة (٣).
стр. 1072
(...) حَدَّثَنِى ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِىُّ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٣٥ - (٥٣٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِى عَمْرٍو الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ؛ قَالَ: كُنَّا نَتَكلَّمُ فِى الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلى جَنْبِهِ فِى الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ
ــ
قال القاضى: ثم اختلف من لم ير ردَّه، هل يرد إذا سَلم أم لا؟ بالرد بعد السلام من الصلاة قال الثورى وعطاء والنخعى ويترك الرد قولاً وإشارة بكل حال قال أبو حنيفة، وبالردِّ إشارةً قال مالك وأصحابه وهو مذهب ابن عمر وجماعة من العلماء وبالرد نطقاً قال أبو هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وإسحاق، وقيل: يَرُدُّ فى نفسه، هذا حكمه هو فى الردِّ، وأما ابتداء السلام عليه فاختلف فيه العلماء، وعن مالك فيه الجواز، ورويت عنه الكراهة (١).
قال الإمام: وقال مسلم فى هذا الباب: ثنا ابن نمير، ثنا إسحاق بن منصور السلولى، روى فى بعض النسخ: ثنا ابن مثنى مكان ابن نمير، وفى بعضها ابن كثير بدل ذلك قال بعضهم: والأبدالان خطأ، والحديث إنما يرويه محمد بن عبد الله بن نمير عن إسحاق، وكذلك أخرجه البخارى فى الجامع (٢).
وقوله: " كنا نتكلم فى الصلاة " وقوله: " حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين﴾ (٣)، قال القاضى: القنوت فى كتاب الله تعالى وحديث نبيه المصطفى ﷺ ولسان العرب لفظة
стр. 1073
قَانِتِين﴾ (١) فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الكَلامِ.
(...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَوَكِيعٌ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوهُ.
٣٦ - (٥٤٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ليْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا الليْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَنِى لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ - قَالَ قُتَيْبَةُ: يُصَلى - فَسَلمْتُ عَليْهِ، فَأَشَارَ إِلىَّ، فَلمَّا فَرَغَ دَعَانِى
ــ
منصرفة تكون بمعنى الطاعة، وبمعنى السكوت وقيل: هذان فى الآية، والحديث يشهد للسكوت، وقيل: القنوت طول القيام، وقيل ذلك فى قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْل﴾ (٢). وفى الحديث: " أفضل الصلاة طول القنوت " (٣)، وقيل: الخشوع، وقيل: الدعاء، وقيل: الإقرار بالعبودية، وقيل: الإخلاص، وقيل: أصله الدوام على الشىء، وإذا كان هذا أصله فَمُديم الطاعة قانت، وكذلك الداعى والقائم فى الصلاة والمخلص فيها والساكت فيها كلهم فاعلون للقنوت، وفى الحديث: " أن النبى ﷺ قنت شهراً يدعو على قبائل من العرب " (٤)، أى أدام الدعاء [عليهم] (٥) والقيام له.
وقوله: " نهينا عن الكلام " دليلٌ على منعه فى الصلاة، وتركه فيها، فرض عندنا على أصح القولين؛ لهذا النهى، وقيل: سنة، والاختلاف فى ذلك مبنى على الاختلاف فى أوامره ﵇ المجردة، هل تحمل على الفرض أو على الندب؟ وقول أكثر أئمتنا أنها محمولة على الوجوب (٦)، وأجمع أهل العلم على أن الكلام فيها عامداً لغير
стр. 1074
فَقَالَ: " إِنَّكَ سَلمْتَ آنِفاً وَأَنَا أُصَلى " وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ المَشْرِقِ.
٣٧ - (...) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: أَرْسَلنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلى بَنِى المُصْطَلِقِ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلى عَلى بَعِيرِهِ، فَكَلمْتُهُ. فَقَالَ: لِى بِيَدِهِ هَكَذَا - وَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ بِيَدِهِ - ثُمَّ كَلمْتُهُ فَقَالَ: لِى هَكَذَا - فَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ أَيْضًا بِيَدِهِ نَحْوَ الأَرْضِ - وَأَنَا أَسْمَعُهُ يَقْرَأْ، يُومِئُ برَأْسِهِ، فَلمَّا فَرَغَ قَالَ: " مَا فَعَلتَ فِى الذِى أَرْسَلتُكَ لهُ؟ فَإِنَّهُ لمْ يَمْنَعْنِى أَنْ أُكَلمَكَ إِلا أَنِّى كُنْتُ أُصَلى ".
قَالَ زُهَيْرٌ: وَأَبُو الزُّبَيْرِ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: بِيَدِهِ أَبُو الزُّبَيْرِ إِلى بَنِى المُصْطَلِقِ. فَقَالَ: بِيَدِهِ إِلى غَيْرِ الكَعْبَةِ.
٣٨ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ كَثِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَبَعَثَنِى فِى حَاجَةٍ، فَرَجَعْتُ وَهُوَ يُصَلِى عَلى رَاحِلَتِهِ، وَوَجْهُهُ عَلى غَيْرِ القِبْلةِ، فَسَلمْتُ عَليْهِ فَلمْ يَرُدَّ عَلىَّ، فَلمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " إِنَّهُ لمْ يَمْنَعْنِى أَنْ أَرُدَّ عَليْكَ إِلا أَنِّى كُنْتُ أُصَلى ".
(...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَلى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى حَاجَةٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ.
ــ
إصلاحها أو لاستنقاذ هالك وشبهه أنه مفسرها، واختلفوا فى فعله ذلك لما ذكرناه، فجمهورهم على منعه وإفساد صلاته، وذهب الأوزاعى فى طائفة إلى جواز ذلك له، وعندنا فى المذهب فى الكلام لإصلاحها وجهان، وحجة الجواز حديث ذى اليدين، وسيأتى الكلام عليه، وأما الكلام فيها ناسياً فعير مفسدٍ لها عند جمهورهم ما لم يكثر جداً، وذهب الكوفيون إلى [فساد] (١) الصلاة به.
وقول جابر فى رد النبى ﷺ إشارة فى الصلاة [وقوله: " إنك سلمت وأنا أصلى " حجة لجواز الإشارة فى الصلاة] (٢) ومنع الكلام.
وقوله: " فأومأ يده " حجة لجواز الإشارة فى الحاجة والعمل الخفيف فى الصلاة، ويأتى فى الكلام على الصلاة على الراحلة بعد هذا.
стр. 1075
(٨) باب جواز لعن الشيطان فى أثناء الصلاة، والتعوذ منه وجواز العمل القليل فى الصلاة
٣٩ - (٥٤١) حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ ابْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلىَّ البَارِحَةَ، ليَقْطَعَ عَلىَّ الصَّلاةَ، وَإِنَّ اللهَ أَمْكَنَنِىَ مِنْهُ فَذَعَتُّهُ، فَلقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلى جَنْبِ سَارِيةٍ مَنْ سَوَارِى المَسْجِدِ،
ــ
وقوله: " إِنَّ عفريتًا [من الجن] (١) جعل يفتك على البارحة ليقطع على الصلاة ": كذا الرواية فيه فى جميع النسخ، وكذا سمعناه من أشياخنا فى كتاب مسلم، وذكره البخارى: " تفلت على البارحة " (٢) [وكأنَّ] (٣) بعضهم أشار إلى ترجيح هذه الرواية، وهما عندى صحيحان وما فى الكتاب هنا بيِّنٌ، وأصل الفتك مجىء الإنسان إلى آخر على غرةٍ وغفلةٍ فيقتله، ومنه قوله ﵇: " قيد الإيمان الفتك " (٤)، وهذه صفة مجىء الشيطان للنبى ﵇ وقد قال فى الرواية الأخرى فى الأم: " جاء إبليس بشهاب من نار ليجعله فى وجهى فقلت: أعوذ بالله منك " (٥)، وهو من معنى التفلت أيضاً، أى جاء على غفلة وتعرض لى فجاءة، ومنه قيل لمن مات فجأةً: افتُلت نفسهُ، ومنه افتلتَ الكلام إذا ارتجله، والفلتة الأمر يؤتى [عجلة] (٦) وعلى غير روِيَّة، والفلتة آخر ليلة من رجب، كانت فتاك العرب تفتك فيها وتُحِله وتقولُ: هو من شعبان والشهر قبله ناقص، تخادع بذلك الناس، وكله بمعنى ما قدمناه، والعفريت: المارد من الجن.
وقوله: " فذعته ": بالذال المعجمة، أى خنقته، قال الهروى والخطابى: فى رواية ابن أبى شيبة بالدال المهملة، وهما بمعنى. قال ابن دريد: ذعته يذعته ذعتاً: غمزه غمزاً شديداً، والذعت مهملة: الدفع الشديد، ويقال بالذال المعجمة أيضاً، وأنكر الخطابى
стр. 1076
حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِليْهِ أَجْمَعُونَ - أَوْ كُلُّكُمْ - ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِى سُليْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُّلْكًا لَّا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ (١)، فَرَدَّهُ اللهُ خَاسِئًا ".
وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ.
(...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - ح قَالَ: وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ. وَليْسَ فِى حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَوْلهُ: فَذَعَتُّهُ. وَأَمَّا ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ فَقَالَ فِى رِوَايَتِهِ: فَدَعَتُّهُ.
٤٠ - (٥٤٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلمَةَ المُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِى رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الخَوْلانِىِّ، عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ؛ قَالَ: قَامِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: " أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ " ثُمَّ قَالَ: " أَلعَنُكَ بِلعْنَةِ اللهِ " ثَلاثًا. وبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا. فَلمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ سَمعْنَاكَ تَقُولُ فِى الصَّلاةِ شَيْئًا لمْ نَسْمَعْكَ تَقُولهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَرَأَيْنَاَكَ بَسَطْتَ يَدَكَ. قَالَ: " إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعلهُ فِى وَجْهِى، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ قُلْتُ: أَلعنُكَ بِلعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ، فَلمْ يَسْتَأْخِرْ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَرَدْتُ
ــ
رواية من روى الحرف بالمهملة، ولأنه لا يصح أن يكون من الدفع لأن أصله يكون على هذا دفعته ولأنه لا يصح إدغام العين فى التاء؛ لأن الحرف إنما يدغم فى مثله، قال الهروى: ويقال: الذعت - يريد بالمعجمة -: التمريغ فى التراب والذعط، بالطاء -: الذبح، وقد رأيت بعض الشارحين على جلالته خلط فى تفسير هذا الحرف [تخليطاً تركه أولى] (٢) من ذكره، وإذ بنفس الوقوف عليه يبين قبح الغلط فيه.
وفى خنق النبى ﷺ له فى الصلاة دليل على جواز العمل الخفيف فيها لا سيما لإصلاحها، وهو مثل مدافعة من يقطع عليه الصلاة. وأما قوله: " لقد هممت أن أربطه إلى سارية من سوارى المسجد " (٣) فمن هذا الباب. ويحتمل أن يكون ربطه له بعد تمامه من الصلاة.
وقوله: " ألعنك بلعنة الله التامة ": يحتمل قوله: " تامة " وجهين؛ أحدهما: أىِ لا نقص فيه [أو] (٤) الواجبة له المستحقة عليه مما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ (٥): أى حقت ووجبت، أو الموجبة عليه العذاب السرمد. وقوله: " ولولا دعوة
стр. 1077
أَخْذَهُ. وَاللهِ، لوْلا دَعْوَةُ أَخِينَا سُليْمَانَ لأصْبَحَ مُوثَقًا يَلعبُ بِهِ وِلدَانُ أَهْلِ المَدِينَةِ ".
ــ
أخى سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة ".
قال الإمام: الجن أجسام روحانية، فيحتمل هذا أنه تشكل على صورة يمكن ذلك فيها على العادة، ثم يمنع من أن يعود إلى ما كان عليه حتى يتأتى اللعب به، وإن خرقت العادة أمكن غير ذلك.
قال القاضى: وأما قوله: " ولولا دعوة [أخى] (١) سليمان " وقوله: " ثم تذكرت (٢) قول أخى سليمان " يفهم منه أن مثل هذا مما خُصَّ به سليمان دون غيره من الأنبياء واستجيبت دعوته فى ذلك، ولذلك امتنع نبينا ﵇ من أخذه، إما إنه لم يقدر عليه [لذلك أو لما تذكر ذلك لم يتعاط ذلك لظنه أنه لا يقدر عليه] (٣)، أو تواضعاً وتأدباً وتسليماً لرغبة سليمان. وفيه رؤية بنى آدم الجن، وقد جاءت بذلك عن السلف والصالحين أخبار كثيرة، ومجمل قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُم﴾ (٤) على الأغلب والأعم، ولو كانت رؤيتهم محالاً لما أخبر النبى ﵇ بما أخبر وأراده حتى تَذكر خبر سليمان، وقيل: هذا الحديث دليل على رؤية أصحاب سليمان لهم، وليس ببين عندى، إنما دليله قدرة سليمان عليهم وتسخيرهم له، كما نص الله تعالى عليه، وقد قيل: إِنَّ رؤيتهم على خلقِهم وظهورهم ممتنعة؛ لظاهر الآية إِلا الأنبياء ومن خرقت له العادة، وإنما يراهم بنو آدم فى صور غير صورهم كما جاء فى الآثار من ذلك.
وقوله للشيطان فى الصلاة: " ألعنك بلعنة الله وأعوذ بالله منك " (٥) وهو فى الصلاة دليل على جواز الدعاء لغيره بصيغة المخاطبة كما كانت الاستعاذة هنا فى صيغة المخاطبة، خلافاً لما ذهب إليه ابن شعبان من إفساد الصلاة بذلك، وهذا مثل قوله فى التشهد: " السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته ".
стр. 1078
(٩) باب جواز حمل الصبيان فى الصلاة
٤١ - (٥٤٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن الزُّبَيْرِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُليْمٍ الزُّرَقِىِّ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلأَبِى العَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلهَا وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا؟ قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.
ــ
وذكر (١) حمل النبى ﷺ لأُمامة بنت زينب (٢)، وهو يؤم الناس، الحديث، قال الإمام: حمل ذلك أصحابنا على أنه فى النافلة، وظاهره أنه كان فى الفريضة فإن إمامته بالناس فى النافلة ليست معلومةً.
قال القاضى: اختلفت الرواية عن مالك فى تأويله فروى عنه ابن القاسم ما ذكره من أنه فى النافلة، وروى عنه أشهب وابن نافع أن هذا للضرورة وإذا لم يجد من يكفيه، وأما لحب الولد فلا. فظاهر هذا إجازته فى الفريضة والنافلة لهذه العلة (٣)، وروى عنه التنيسى أن الحديث منسوخ (٤)، وظاهر الحديث يدل أنه فى الفريضة لقوله: " بينا نحن ننتظر رسول الله ﷺ فى الظهر أو العصر [حتى] (٥) خرج علينا حاملاً أمامة على عنقه (٦)، وذكر الحديث. وقد يقال على هذا: إن صلاته بها كان فى تنفله قبل صلاته الفريضة بهم،
стр. 1079
٤٢ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أبى سُليْمَانَ وابْنِ عَجْلانَ، سَمِعَا عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُليْمٍ الزُّرَقِىِّ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ؛ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَؤُمُ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِى العَاصِ وَهِىَ ابْنَةَ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِىِّ ﷺ عَلى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا.
ــ
لكن المعلوم منه ﵇ أنه كان يخرج عند إقامة الصلاة ولا يتنفل قبلها فى المسجد، وإنما كان تنفله فى بيته. وروى الزبير بن بكار فى كتاب النسب عن عمرو بن سليم الزُرَقى فى ذلك: كان فى صلاة الصبح (١)، وقد قيل: هذا خصوص للنبى ﷺ ، إذ لا يؤمن من الطفل البول وغير ذلك على حامله، فقد يعصم النبى ﷺ منه ويعلم بسلامته من ذلك مدة حبسه، وقد قال أبو عمر: لعل هذا النسخ بتحريم العمل والاشتغال فى الصلاة بغيرها وهو نحو مما روى عن مالك (٢)، وقال أبو سليمان [الخطابى] (٣): يشبه أن هذا كان منه ﵇ عن غير قصد وتعمد للصلاة، لكن الصبية لتعلقها به وطول إلفها له لملابسته فى غير الصلاة تعلقت به فى الصلاة، فلم يدفعها عن نفسه ولا أبعدها فإذا أراد أن يسجد وهى على عاتقه وضعها حتى يكمل سجوده، ثم تعود الصبيَّة إلى حالها من التعلق به فلا يدفعها، فإذا قام بقيت معه محمولة، قال: ولا يكاد يتوهم عليه حملها متعمداً. ووضعها وإمساكها مرة بعد أخرى؛ لأنه عمل يكثر، وإذا كان عَلم الخميصة لشغله حتى استبدل به، فكيف لا يشغله هذا؟!
وقد يحتج لتأويل هذا بما ورد من ركوب الحسن والحسين عليه ﷺ فى سجوده (٤) والحديث مشهور، لكن يبعده قوله فى الحديث: خرج علينا حاملاً أُمامة على عنقه فصلى. وقال الباجى: إن كان حمل الطفل فى الصلاة على معنى الكفاية لأمه لشغلها [بغير] (٥) ذلك لا يصح إِلا فى النافلة لطول أمر النافلة، وإن كان لما يخشى منه على الطفل، وأنه لا يجد من يمسكه، فيجوز فى الفريضة، ويكون حبس الطفل على هذا على العاتق أو معلقاً فى ثوب لا يشغل المصلى، وإلا فحمله على غير هذا الوجه من الشغل الكثير المتصل فى الصلاة الذى يمنع صحتها (٦)، قال غيره: وقد يكون حمله لها؛ لأنه لو تركها بكت
стр. 1080
٤٣ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ (١)، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُليْمٍ الزُّرَقِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِىَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِى لِلنَّاسِ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِى العَاصِ عَلى عُنُقِهِ. فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا.
(...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ليْثٌ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، جَمِيعًا عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِىِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُليْمٍ الزُّرَقِىِّ، سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ فِى المَسْجِدِ جُلوسٌ. خَرَجَ عَليْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. غَيْرَ أَنَّهُ لمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ فِى تِلكَ الصَّلاةِ.
ــ
وشغلت سرَّه فى صلاته أكثر من شغله بحملها.
قيل: وفيه من الفقه: أن ثياب الأطفال وأجسادهم طاهرة ما لم تعلم نجاسته وأن لمس صغار الصبايا غير مؤثر فى الطهارة، وأن حكم من لا يُشتهى منهن فى هذا الباب كله بخلاف [حكم] (٢) غيرهن، وقال بعضهم: فيه دليل على أن لمس ذوى المحارم لا ينقض الطهارة، وليس هذا بشىء؛ لأن ممن فى هذا السن من غير ذوى المحارم لا اعتبار للمسه. وفيه تواضع رسول الله ﷺ وشفقته على آله ورحمة الولدان الصغار، وجواز خفيف العمل وحمل ما لا يشغل فى الصلاة.
ذكر مسلم فى هذا الحديث من رواية مالك أمامة بنت زينب، ولأبى العاص بن ربيعة كذا للسمرقندى ولغيره: ابن ربيع (٣)، وهو قول غير مالك وقول أهل النسب، وقال الأصيلى: وهو ابن الربيع بن ربيعة، نسبه مالك إلى جده، وهذا الذى قاله غير معلوم، ونسبه عند أهل النسب والخبر [بغير خلاف] (٤): أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى ابن عبد شمس بن عبد مناف، [واسم أبى العاص: لقيط، وقيل: مهشم] (٥).
стр. 1081
(١٠) باب جواز الخطوة والخطوتين فى الصلاة
٤٤ - (٥٤٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ نَفَراً جَاؤُوا إِلى سَهْلِ بْن سَعْدٍ، قَدْ تَمَارَوا فِى المِنْبَر (١)، مِنْ أَىِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ، إِنِّى لأَعْرِفُ مِنْ أَىِّ عُودٍ هُوَ، وَمَنْ عَمِلهُ، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوَّلَ يَوْمٍ جَلسَ عَليْهِ. قَالَ: فَقُلْتُ لهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، فَحَدِّثنَا. قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى امْرَأَةٍ - قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ ليُسَمِّيها يَوْمَئِذٍ -: " انْظُرِى غُلامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِى أَعْوَادًا أُكُلمُ النَّاسَ عَليْهَا ". فَعمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَوُضعَتْ هَذَا المَوْضِعَ. فَهِىَ مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ (٢)، وَلقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَليْهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلى المِنْبَرِ. ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِى أَصْلِ المِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلى النَّاسِ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّى صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِى، وَلِتَعْلمُوا صَلَاتِى ".
ــ
قال الإمام: وذكر مسلم الحديث: " أن النبى ﷺ صلى على المنبر وترك القهقرى حتى سجد فى أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر الصلاة (٣) " قال: وأهل العلم ينهون أن يصلى الإمام على أرفع مما عليه أصحابه (٤)، وفعله هذا ﷺ يحتمل أن يكون؛ لأن الارتفاع كان يسيراً، ويصلح أن يقال: إنما منع هذا فى أئمتنا؛ لأنه ضرب من الكبر والتراؤس، وهو ﷺ معصوم من هذا والأشبه ما علل به ﵇ فى الحديث، من أنه إنما فعله ليعلمهم الصلاة، ونزوله ﵇ القهقرى لئلا يستدبر القبلة فى الصلاة من غير ضرورة، وأما نزوله وصعوده - وإن كان عملاً فى الصلاة - فإنه لمصلحة [الصلاة] (٥) فلم يكن له تأثير، وقد أجاز أهل العلم المشى لغسيل دم الرعاف وإن كان فى الصلاة.
قال القاضى: قال أحمد بن حنبل: لا بأس أن يكون الإمام أعلا مما عليه أصحابه لهذا الحديث، ومالك يمنعه، [وما تقدم من هذا وما يجوز منه وما يمنع. وفى هذا الحديث
стр. 1082
٤٥ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدٍ القَارِىُّ القُرَشِىُّ، حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ؛ أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ. قَالوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ؛ قَالَ: أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَسَأَلوهُ: مِنْ أَىِّ شَىْءٍ مَنْبَرُ النَّبِىِّ ﷺ ؟ وَسَاقُوا الحَدِيثَ. نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِى حَازِمٍ.
ــ
اتخاذ المنبر وسنته] (١) للخطبة، وسنذكر ذلك فى موضعه من صلاة الجمعة، وفى صلاته ﵇ بهم، تمام تعليمه بالفعل والعمل ﵇ إذ كان لا يرى ذلك من عمله إِلا من اكتنفه فى الصلاة، قيل: فلما صعد المنبر لم يخفْ على أحد ممن خلفه شىء من هيآته وآدابه فى الصلاة.
стр. 1083
(١١) باب كراهة الاختصار فى الصلاة
٤٦ - (٥٤٥) وَحَدَّثَنِى الحَكَمُ بْنُ مُوسَى القَنْطَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلى الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا. وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ .
ــ
ونهيه ﵇ أن يصلى الرجل مختصراً، قال الإمام: قال الهروى: قيل: هو أن يأخذ بيده عصاً يتوكأ عليها (١)، وقيل: هو أن يقرأ من آخر السورة آية أو آيتين ولا يقرؤها فى فرضه بكمالها، كذا رواه ابن سيرين عن أبى هريرة، ورواه غيره: " متخصِّراً " (٢)، ومعناه: أن يصلى ويضع يده على خصره (٣)، ومنه الحديث: " الاختصار راحة أهل النار " (٤)، " ونهى عن اختصار السجدة " (٥)، ويفسر على وجهين: أحدهما: أن يختصر الآيات التى فيها السجدة ويسجد فيها، والثانى: أن يقرأ سورة فإذا انتهى إلى السجدة جاوزها ولم يسجد لها، ومنه أخذ مختصرات الطرق.
قال القاضى ﵀ وقيل: كره الاختصار فى الصلاة " لأنه فعل اليهود (٦)، وقيل: إن هذا هو معنى ما جاء فى الحديث " أنها راحة أهل النار " (٧) يعنى: راحة اليهود، وهم أهل النار (٨)، وإلا فليس لأهل النار راحة، وقيل: لأن الشيطان يحضر (٩) ذلك (١٠)،
стр. 1084
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: لأن إبليس هبط كذلك (١)، وقيل: بل هو فعل أهل الكبر والصلاة موضع تذلل وخضوع، وفى البخارى - أيضاً - نهى عن الخصر فى الصلاة (٢) وهو مثله، وقيل: الاختصار فى الصلاة المنهى عنه حذفُها، وألا يتم ركوعها وسجودها، وحدودها. وذكر فى الحديث الآخر: " المختصرون يوم القيامة على وجوههم النور " (٣) قال: هم الذين يصلون بالليل ويضعون أيديهم على خواصرهم من التعب، وقيل: يأتون يوم القيامة معهم أعمال يتكئون عليها، مأخوذ من المِخْصَرَة.
стр. 1085
(١٢) باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب فى الصلاة
٤٧ - (٥٤٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِىُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلمَةَ، عَنْ مُعَيْقِيبٍ؛ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِىُّ ﷺ المَسْحَ فِى المَسْجِدِ، يَعْنِى الحَصَى، قَالَ: " إِنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلاً، فَوَاحِدَةً ".
٤٨ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلمَةَ، عَنْ مُعَيْقِيبٍ؛ أَنَّهُمْ سَأَلوا النَّبِىَّ ﷺ عَنِ المَسْحِ فِى الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: " وَاحِدَةٌ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الحَارِثِ - حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِى مُعَيْقِيبٌ. ح.
٤٩ - (...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ،
ــ
وذكر مسلم المسح " فى المسجد " وفى الحديث الآخر: " فى الصلاة "، وهو معناه، يعنى مسح الحصى، فقال: " إن كنت لابد فاعلاً فواحدة "، مسحه: تسويته كما جاء فى الحديث الآخر مفسراً؛ وذلك لئلا يتأذى به، وقيل: [بل مَسْحَه ومسْحُ الغبار عنه لئلا يتعلق منه شىء بوجهه، وهذا كله ينافى] (١) معنى الصلاة والتواضع فيها وترك الشغل بغيرها، فأبيح من ذلك المرة الواحدة (٢) ليدفع مضرَّة ذلك عن وجهه، وقد جاء: " تركها خيرٌ من حمر النعم " (٣)؛ لكثرة الأجر فى تقرَّبه الوجه (٤)، والتواضع لله، والإقبال على صلاته بجميعه، وكذلك جاء النهى عن النفخ فى سجوده للتراب (٥) لذلك وكرهه السلف،
стр. 1086
عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلمَةَ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى مُعَيْقِيبٌ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِى الرَّجُلِ يُسَوِّى التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: " إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً، فَوَاحِدَةً ".
ــ
وكرهوا مسح الجبهة فى الصلاة وقبل الانصراف مما يتعلق بها من الأرض، وحكى أبو سليمان عن مالك جواز مسح الحصا مرةً وثانيةً فى الصلاة، والمعروف عنه ما عليه الجمهور.
стр. 1087
(١٣) باب النهى عن البصاق فى المسجد، فى الصلاة وغيرها
٥٠ - (٥٤٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رأَى بُصَاقًا فِى جِدَارِ القِبْلةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلى النَّاسِ فَقَالَ: " إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلى فَلا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلى ".
٥١ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ الليْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُليَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانُ.
ــ
قال الإمام: قوله: " إذا كان أحدكم يصلى فلا يبصق قبل وجهه ": هذا [مما] (١) يتأول على ما ذكرنا فى حديث السوداء وكأن تلك الجهة علامة على أن قاصدها موحد، وأنها علم على التوحيد، ولها حرمة؛ لكون المصلى مقترناً [بتوجهه] (٢) إليها إلى الله سبحانه، فيجرى ما وقع فى الحديث إشارة إلى هذا المعنى، ففى بعضها: " نخامة "، وفى بعضها: " بصاقاً "، وفى بعضها: " مخاطاً "، واختلاف هذه التسمية باختلاف مخارج هذه الأشياء، فالمخاط من الأنف، والبصاق من الفم، والنخامة من الصدر، يقال: تنخم الرجل، وكذا تنخع، وهى النخامة والنخاعة.
قال القاضى: وقد يكون معنى قوله: " فإن الله قبل وجهه " على حذف المضاف، [أى] (٣) أن قبلة الله المكرمة قبل وجهه [وبيته الحرام، وما عظم الله قبل وجهه] (٤) أو ثوابه وفضله، وإذا كان ذلك فلا يقابل بضدها مما جرت العادة إِلا يُفعل إِلا بما يهان ويستحقر؛ ولهذا قال: " أيحب أحدكم أن يُسْتقبَل فيتنخع فى وجهه " قيل: ويحتمل أن [يريد] (٥) أن عظمة الله وجلاله قبل وجهه، أى ذلك الذى يجب للمصلى أن يشعره
стр. 1088
ح وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ رَأَى نُخَامَةً فِى قِبْلةِ المَسْجِدِ. إِلا الضَّحَّاكَ فَإِنَّ فِى حَدِيثِهِ: نخَامَةً فِى القِبْلةِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ.
٥٢ - (٥٤٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِى قِبْلةِ المَسْجِدِ، فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ أَمَامَهُ، وَلكِنْ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى.
(...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلةُ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
(٥٤٩) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَليْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
ــ
بنفسه حتى لا يشغلها بغيره، ويجعل ذلك نصب عينيه وتلقاء فكره، فلا يبصق لجهة ذلك.
ونهيه عن أن يبصق عن يمينه، وقوله: " ولكن ليبصق عن يساره أو تحت قدمه " (١) تنزيه أيضاً لجهة اليمين عن الأقذار كما نزهت تصريف (٢) الميامن فيها، أو تنزيه للملائكة وثوابهم، فقد ذكر البخارى فى هذا الحديث زيادةً: " فإن عن يمينه ملكاً " (٣)، وهذا مع إمكان البصاق لغير اليمين من على اليسار وتحت القدم كما جاء فى الحديث، فأما مع تعذر هذه الجهات لكون من يصلى على يساره؛ فله أن يبصُقَ عن يمينه ويدفنه، لكن الأولى تنزيه اليمين عن ذلك ما قدر؛ لما ذكرناه. وجاء فى بعض الطرق: " ولكن عن شماله تحت قدمه "، وهذا فى غير المُحَصَّبِ، فيدلكه بقدمه أو بنعله كما جاء فى الحديث،
стр. 1089
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِى جِدَارِ القِبْلةِ أَوْ مُخَاطًا أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ.
٥٣ - (٥٥٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُليَّةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِى رَافِع، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِى قِبْلةِ المَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلى النَّاسِ فَقَالَ: " مَا بَالُ أَحَدُكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِى وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَليَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لمْ يَجِدْ فَليَقُلْ هَكَذَا " وَوَصَفَ القَاسِمُ، فَتَفَلَ فِى ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ.
(...) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُليَّةَ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ هُشَيْمٍ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَرُدُّ ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ.
٥٤ - (٥٥١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِى الصَّلاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِى رَبَّهُ، فَلا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلا عَنْ يَمِينِهِ،
ــ
وخص اليسرى؛ لما قدمناه من تنزيه اليمنى عن إزالة الأقذار وتناولها، قال بعضهم: فيه دليل على أن المصلى لا يكون عن يساره ملك؛ لأنه لا يجد مما يكتب لكونه فى طاعة؛ لأنه علل منع البصاق على اليمين لكون الملك هناك وأباحه على اليسار.
وقوله: " فإن لم يجد فليفعل (١) هكذا، وتفل فى ثوبه ومسح بعضه على بعض ": دليل على طهارة البصاق، ولا خلاف فيه إِلا شيئاً روى عن سليمان والنخعى. الناس كلهم على خلافه (٢)، وصحيح الآثار يشهد بضده، وفيه دليل على جواز البصاق فى الصلاة لمن احتاج إليه، والنفخ اليسير لمن لم يصنعه عبثاً، إذ لا يسلم منه البصاق، وكذلك يجب أن يكون التنخم والتنحنح لمن اضطر إليهما، وهو أحد قولى مالك أن ذلك كله لا يفسد
стр. 1090
وَلكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ ".
٥٥ - (٥٥٢) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ - عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " البُزَاقُ فِى المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا ".
٥٦ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَأَلتُ قَتَادَةَ عَنِ التَّفْلِ فِى المَسْجِدِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " التَّفْلُ فِى المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا ".
ــ
الصلاة، وبه قال الشافعى، وقال مالك أيضاً: ذلك يفسدها وهو قول أبى حنيفة.
وقوله: " يناجى ربه ": عبارة عن إخلاص القلب، وتفريغ السر لذكره وتمجيده، وتلاوة كتابه فى صلاته.
وقوله: " التفل فى المسجد خطيئةٌ " بفتح التاء باثنتين وسكون الفاء هو البزاق، كما جاء بهذا اللفظ فى الحديث الآخر [قال ابن مكى] (١) فى تثقيف اللسان: قول النبى ﷺ : " إذا رأى أحدكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاث " (٢)، وقوله: " التفل فى المسجد خطيئة " هذا مما يغلط فيه الناس فيجعلونه بالثاء، ويضمُّون الفعل فى المستقبل يقولونه: ثفل الرجل إذا بصق، والصواب: تفل - بالتاء - يتفل بالكسر فى المستقبل لا غير، وأما النفث - بالثاء المثلثة - فهو كالتفل إِلا أن التفل نفخ لا بصاق معه، والنفث لا بد أن يكون معه شىء من الريق هذا قول أبى عبيد فى حديث النبى ﷺ : " إن رُوحَ القدس نفث فى روعى " الحديث (٣).
قال الإمام: قال ابن السُّكيت فى باب فَعُل وفَعَل باختلاف المعنى: التفل إذا بصق، والتفل ترك التطيب.
قال القاضى: قال الثعالبى: المجُّ: الرمى بالريق، والتفل أقل منه، والنفث أقل منه، وهذا عكس ما قاله ابن مكى.