← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلمَةَ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى مُعَيْقِيبٌ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِى الرَّجُلِ يُسَوِّى التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: " إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً، فَوَاحِدَةً ". ــ وكرهوا مسح الجبهة فى الصلاة وقبل الانصراف مما يتعلق بها من الأرض، وحكى أبو سليمان عن مالك جواز مسح الحصا مرةً وثانيةً فى الصلاة، والمعروف عنه ما عليه الجمهور.

стр. 1087

(١٣) باب النهى عن البصاق فى المسجد، فى الصلاة وغيرها ٥٠ - (٥٤٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رأَى بُصَاقًا فِى جِدَارِ القِبْلةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلى النَّاسِ فَقَالَ: " إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلى فَلا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلى ". ٥١ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ الليْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُليَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانُ. ــ قال الإمام: قوله: " إذا كان أحدكم يصلى فلا يبصق قبل وجهه ": هذا [مما] (١) يتأول على ما ذكرنا فى حديث السوداء وكأن تلك الجهة علامة على أن قاصدها موحد، وأنها علم على التوحيد، ولها حرمة؛ لكون المصلى مقترناً [بتوجهه] (٢) إليها إلى الله سبحانه، فيجرى ما وقع فى الحديث إشارة إلى هذا المعنى، ففى بعضها: " نخامة "، وفى بعضها: " بصاقاً "، وفى بعضها: " مخاطاً "، واختلاف هذه التسمية باختلاف مخارج هذه الأشياء، فالمخاط من الأنف، والبصاق من الفم، والنخامة من الصدر، يقال: تنخم الرجل، وكذا تنخع، وهى النخامة والنخاعة. قال القاضى: وقد يكون معنى قوله: " فإن الله قبل وجهه " على حذف المضاف، [أى] (٣) أن قبلة الله المكرمة قبل وجهه [وبيته الحرام، وما عظم الله قبل وجهه] (٤) أو ثوابه وفضله، وإذا كان ذلك فلا يقابل بضدها مما جرت العادة إِلا يُفعل إِلا بما يهان ويستحقر؛ ولهذا قال: " أيحب أحدكم أن يُسْتقبَل فيتنخع فى وجهه " قيل: ويحتمل أن [يريد] (٥) أن عظمة الله وجلاله قبل وجهه، أى ذلك الذى يجب للمصلى أن يشعره

стр. 1088

ح وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ رَأَى نُخَامَةً فِى قِبْلةِ المَسْجِدِ. إِلا الضَّحَّاكَ فَإِنَّ فِى حَدِيثِهِ: نخَامَةً فِى القِبْلةِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ. ٥٢ - (٥٤٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِى قِبْلةِ المَسْجِدِ، فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ أَمَامَهُ، وَلكِنْ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى. (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلةُ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. (٥٤٩) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَليْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ ــ بنفسه حتى لا يشغلها بغيره، ويجعل ذلك نصب عينيه وتلقاء فكره، فلا يبصق لجهة ذلك. ونهيه عن أن يبصق عن يمينه، وقوله: " ولكن ليبصق عن يساره أو تحت قدمه " (١) تنزيه أيضاً لجهة اليمين عن الأقذار كما نزهت تصريف (٢) الميامن فيها، أو تنزيه للملائكة وثوابهم، فقد ذكر البخارى فى هذا الحديث زيادةً: " فإن عن يمينه ملكاً " (٣)، وهذا مع إمكان البصاق لغير اليمين من على اليسار وتحت القدم كما جاء فى الحديث، فأما مع تعذر هذه الجهات لكون من يصلى على يساره؛ فله أن يبصُقَ عن يمينه ويدفنه، لكن الأولى تنزيه اليمين عن ذلك ما قدر؛ لما ذكرناه. وجاء فى بعض الطرق: " ولكن عن شماله تحت قدمه "، وهذا فى غير المُحَصَّبِ، فيدلكه بقدمه أو بنعله كما جاء فى الحديث،

стр. 1089

عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِى جِدَارِ القِبْلةِ أَوْ مُخَاطًا أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ. ٥٣ - (٥٥٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُليَّةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِى رَافِع، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِى قِبْلةِ المَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلى النَّاسِ فَقَالَ: " مَا بَالُ أَحَدُكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِى وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَليَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لمْ يَجِدْ فَليَقُلْ هَكَذَا " وَوَصَفَ القَاسِمُ، فَتَفَلَ فِى ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. (...) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُليَّةَ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ هُشَيْمٍ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَرُدُّ ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. ٥٤ - (٥٥١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِى الصَّلاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِى رَبَّهُ، فَلا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلا عَنْ يَمِينِهِ، ــ وخص اليسرى؛ لما قدمناه من تنزيه اليمنى عن إزالة الأقذار وتناولها، قال بعضهم: فيه دليل على أن المصلى لا يكون عن يساره ملك؛ لأنه لا يجد مما يكتب لكونه فى طاعة؛ لأنه علل منع البصاق على اليمين لكون الملك هناك وأباحه على اليسار. وقوله: " فإن لم يجد فليفعل (١) هكذا، وتفل فى ثوبه ومسح بعضه على بعض ": دليل على طهارة البصاق، ولا خلاف فيه إِلا شيئاً روى عن سليمان والنخعى. الناس كلهم على خلافه (٢)، وصحيح الآثار يشهد بضده، وفيه دليل على جواز البصاق فى الصلاة لمن احتاج إليه، والنفخ اليسير لمن لم يصنعه عبثاً، إذ لا يسلم منه البصاق، وكذلك يجب أن يكون التنخم والتنحنح لمن اضطر إليهما، وهو أحد قولى مالك أن ذلك كله لا يفسد

стр. 1090

وَلكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ ". ٥٥ - (٥٥٢) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ - عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " البُزَاقُ فِى المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا ". ٥٦ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَأَلتُ قَتَادَةَ عَنِ التَّفْلِ فِى المَسْجِدِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " التَّفْلُ فِى المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا ". ــ الصلاة، وبه قال الشافعى، وقال مالك أيضاً: ذلك يفسدها وهو قول أبى حنيفة. وقوله: " يناجى ربه ": عبارة عن إخلاص القلب، وتفريغ السر لذكره وتمجيده، وتلاوة كتابه فى صلاته. وقوله: " التفل فى المسجد خطيئةٌ " بفتح التاء باثنتين وسكون الفاء هو البزاق، كما جاء بهذا اللفظ فى الحديث الآخر [قال ابن مكى] (١) فى تثقيف اللسان: قول النبى ﷺ : " إذا رأى أحدكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاث " (٢)، وقوله: " التفل فى المسجد خطيئة " هذا مما يغلط فيه الناس فيجعلونه بالثاء، ويضمُّون الفعل فى المستقبل يقولونه: ثفل الرجل إذا بصق، والصواب: تفل - بالتاء - يتفل بالكسر فى المستقبل لا غير، وأما النفث - بالثاء المثلثة - فهو كالتفل إِلا أن التفل نفخ لا بصاق معه، والنفث لا بد أن يكون معه شىء من الريق هذا قول أبى عبيد فى حديث النبى ﷺ : " إن رُوحَ القدس نفث فى روعى " الحديث (٣). قال الإمام: قال ابن السُّكيت فى باب فَعُل وفَعَل باختلاف المعنى: التفل إذا بصق، والتفل ترك التطيب. قال القاضى: قال الثعالبى: المجُّ: الرمى بالريق، والتفل أقل منه، والنفث أقل منه، وهذا عكس ما قاله ابن مكى.

стр. 1091

٥٧ - (٥٥٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضبَعِىُّ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، قَالا: حَدَّثَنَا مَهْدِىُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ مَوْلى أَبِى عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقيْلٍ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ الدِّبلِىِّ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " عُرِضَتْ عَلىَّ أَعْمَالُ أُمَّتِى، حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِى مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِى مَسَاوى أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِى المَسْجِدِ لا تُدْفَنُ ". ٥٨ - (٥٥٤) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: صَليْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُهُ تَنَخَّعَ، فَدَلكَهَا بِنَعْلِهِ. ٥٩ - (...) وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنِ الجُرَيْرِىِّ، عَنْ أَبِى العَلاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ صَلى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ؛ قَالَ: فَتَنَخَّعَ فَدَلكَهَا بِنَعْلِهِ اليُسْرَى. ــ وكونه خطيئة إنما هو لمن تفل فيه ولم يدْفن؛ لأنه يُقَذِّرُ المسجد، ويتأذى به من يَعلق به أو رآه، كما جاء فى الحديث الآخر: " لئلا تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه " (١). فأما من اضطر إلى ذلك فدفن وفعل ما أمر به فلم يأت خطيئة، فكأن بدفنه لها أزال عنه الخطيئة وكفرها، لو قدرنا بصاقه فيه ولم يدفنه. وأصل التكفير التغطية، فكأن دفنها غطاء لما يتصور عليه من الذم والإثم لو لم يفعل، وهذا كما سميت تَحِلَّة اليمين كفارة، وليست اليمين بمأثم فتكفره، ولكن لما جعلها الله فسحة لعباده فى حل ما عقده من أيمانهم ورفعاً لحكمها سماها كفارة؛ ولهذا جاز إخراجها قبل الحنث، وسقوط حكم اليمين بها عندنا وعند جماعة من العلماء على الأصح من القولين، هذا هو تأويل لفظها الأعلى قول من أثبتها خطيئة وإن اضطر إليها، لكن يكفرها التغطية.

стр. 1092

(١٤) باب جواز الصلاة فى النعلين ٦٠ - (٥٥٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ أَبِى مَسْلمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلى فِى النَّعْليْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ. (...) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مَسْلمَةَ، قَالَ: سَأَلتُ أَنَسًا. بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: " إنه ﵇ يصلى فى النعلين ": الصلاة فى النعلين والخفين رخصة مباحة، فعلها النبى ﷺ وأصحابه [وروى عن أنس: " كان النبى ﷺ ربما صلى فى نعليه وربما نزعهما " قال بعض علمائنا: ويكره للرجل أن ينتعل إذا قام إلى الصلاة] (١) ما لم يتيقن لابسها بنجاستها وإن جوز دوسه فى الطرق لها، فإذا تحقق ذلك لم يجز الصلاة فيها إِلا بعد طهارتها، فإذا كانت النجاسة مجمعاً عليها كالدم والقذرة والبول من بنى آدم، لم يطهرها إِلا الغسل بالماء عندنا وعند كافة العلماء، وإن كانت من النجاسة المختلف فيها كبول الدواب وأرواثها، ففى تطهيرها بالدلك بالتراب عندنا قولان: الإجزاء والمنع، وبالإجزاء قال [أبو] (٢) إسحاق، وأطلق الإجزاء بمسح ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزاعى وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: يزيل إذا يبس الحك أو الفرك، ولا يزيل رطبه إِلا الغسل، ما عدا البول فلا يجزى عنده فيه إِلا الغسل، وقال الشافعى: لا يطهر شيئاً من ذلك كله إِلا الماء (٣). واختلف إذا أصاب الرجل ما اختلف فيه من النجاسة، هل يطهرها الدلك بالأرض كالخف؟ وهو قول الثورى، أم لا يجزى إِلا غسلها بالماء؟ وهو قول أبى يوسف، والوجهان عندنا فى المذهب، وفى الصلاة فى النعلين على الجملة حملُ الجلود على الطهارة ما لم يتيقن أنها ميتة أو خنزير، ويختلف العلماء فيهما [إذا] (٤) كانا مدبوغين وسيأتى ذكر ذلك. وفيه أن الأرض كلها وترابها محمول على الطهارة وكذلك الطرقات، حتى تتبين فيها النجاسة.

стр. 1093

(١٥) باب كراهة الصلاة فى ثوب له أَعلام ٦١ - (٥٥٦) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزهُيِرُ بْنُ حَرْبٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلى فِى خَمِيصة لهَا أَعْلامٌ، وَقَالَ: " شَغَلتْنِى أَعْلامُ هَذِهِ، فَاذهَبُوا بِهَا إِلى أَبِى جَهْمٍ وَائْتُونِى بِأَنْبِجَانِيَّهِ ". ــ قال الإمام: قوله: " اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبى جهم وائتونى بأنْبجانِيَّه فإنها ألهتنى آنفاً فى الصلاة " (١): يؤخذ من هذا الحديث كراهة التزويق فى القبلة واتخاذ الأشياء الملهية فيها؛ لأنه علل إزالة الخميصة بشغلها له فى الصلاة، فدلَّ هذا على تجنُب ما يوقع فى ذلك. قال القاضى: قوله: " ألهتنى " هو بمعنى قوله فى الرواية الأخرى: " أخاف أن تفتنى " (٢) أى تشغلنى عن صلاتى بالنظر إليها واستحسانها، وقد فسرنا الفتنة، وقوله: " آنفاً " قبل هذا. والخميصة - بفتح الخاء -: كساء مربع من صوف، والأنبجانيه رويناه بفتح الهمزة وكسرها وبفتح الباء، ورويناه - أيضاً - فى غير الأم، وبالوجهين ذكرها ثعلب، ورويناه بتشديد الباء آخراً وتخفيفها معاً فى غير مسلم، إذ هو فى مسلم فى إحدى الروايات: " بأنبجانىّ " مشدد الياء مكسور عنى الإضافة إلى أبى جهم على التذكير، كما قال فى الحديث الآخر: " كساء له أنبجانيّة "، والكساء مذكر فوصفه مذكر وتأنيثها على تقدير الخميصة (٣). قال ثعلب: هو كل ما كثف والتف (٤)، قال غيره: هو كساء غليظ ولا علمَ له، فإذا كان للكساء علم فهو الخميصة، وإن لم يكن له علم فهو الأنبجانية. وقال الداودى: هو كساء غليظ بين الكساء والعباءة. وقال القاضى أبو عبد الله فى شرحه: الخميصة: كساء صوف مصبوغ عليه حرير، والأنبجانية: كساء سداه قطن أو كتان، وطُعمُه صوف. وقال ابن قتيبة: إنما هو منبجانى ولا يقال: أنبجانى، منسوب إلى منبج

стр. 1094

٦٢ - (...) حَدَّثَنَا حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلى فِى خَمِيصَةٍ ذَاتِ أَعْلامٍ، فَنَظَرَ إِلى عَلمِهَا، فَلمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: " اذْهَبُوا بِهَذِهِ الخَمِيصَةِ إِلى أَبِى جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَائْتُونِى بِأَنْبِجَانِيَّهِ، فَإِنَّهَا أَلهَتْنِى آنِفًا فِى صَلاتِى ". ــ وفتحت الباء فى النسب؛ لأنه خرج مخرج مخبرانى (١)، وهو قول الأصمعى. قال الباجى: ما قاله ثعلب أظهر والنسب إلى منبج منبجى. قال القاضى: النسب مسموع وقد شذ منه كثير عن القياس فلا ينكر ما قاله ابن قتيبة، وقد قال بعضهم: كانت أكسية تصنع بحلب فتحمل إلى جسر منبج (٢). فيه جواز لباس الثياب ذوات الأعلام وإن كانت من حرير إن كان علمها كما تقدم، وسنذكره فى اللباس، وفيه التحفظ من كل ما يشغل فى الصلاة النظر إليه، ويستفاد من هذا كراهة التزويق والنقوش فى المساجد وأن يصلى المصلى إلى ما هذا سبيله، وإلى ما يشغل خاطره أو فيه قربة (٣)، وأن الشغل اليسير والذهول القليل عن الصلاة لا يبطلها، وكذلك الاستثبات فى الكتابة (٤) اليسيرة وتفهمها ما لم يكثر ذلك كله. وفيه قبول الهدايا من الأصحاب وجواز ردها لعلة، وجواز ذلك للواهب (٥)، وأنه ليس من باب الرجوع فى الصدقة. وطلب النبى ﷺ أنبجانيَّة أبى جهم (٦) تطييباً لنفسه لرد هديته عليه، وليعلم أنه لم يكن من أجل مجرد هديته، وفعل [مثل] (٧) هذا من استدعاء مال الغير جائز، ممن يعلم سروره بذلك وطيب نفسه به (٨). قال الإمام: وبعثه إلى أبى جهم فلعله علم منه أنه يبيحها له كما فعل.

стр. 1095

٦٣ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَتْ لهُ خَمِيصَةٌ لهَا عَلمٌ، فَكَانَ يَتَشَاغَلُ بِهَا فِى الصَّلاةِ، فَأَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ، وَأَخَذَ كِسَاءً لهُ أَنْبِجَانِيًا. ــ ويؤخذ من هذا الحديث إِلا (١) يصلى بالحقنة ولا (٢) بشىء يشغل عن استيفاء الصلاة. قال القاضى: واستدل به بعضهم على هجر كل ما صد عن [ذكر] (٣) الله وشغل عنه، وكان سبب عصيانه، كما هجر أبو لبابة دار قومه التى أصاب فيها الذنب (٤) وأمر النبى ﷺ بالارتحال عن الوادى الذى نام في عن الصلاة (٥) لردِّ النبى ﷺ الخميصة؛ لأنها شغلته فى صلاته.

стр. 1096

(١٦) باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذى يريد أكله فى الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين ٦٤ - (٥٥٧) أَخْبَرَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبى شَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ ". (...) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنَّ تُصَلُّوا صَلاةَ الْمَغْرِبِ، وَلا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ ". ٦٥ - (٥٥٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَحَفْصٌ وَوَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَنَسٍ. ٦٦ - (٥٥٩) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُم وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ، وَلا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ ". (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِىُّ، حَدَّثَنِى أَنَسٌ - يَعْنِى ابْنَ عِيَاضٍ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَيُّوبَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، بِنَحْوِهِ. ــ قال الإمام: ذكر مسلم فى باب " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة " من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا حضر عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء " (١) أخرجه من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر، ثم

стр. 1097

٦٧ - (٥٦٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى عَتِيقٍ؛ قَالَ: تَحَدَّثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ - رضى اللهُ عَنْهَا - حَدِيثًا، وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلاً لَحّانَةً، وَكَانَ لأُمِّ وَلَدٍ. فَقاَلَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَالَكَ لا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِى هَذَا؟ أَمَا إِنِّى قَدْ عَلِمْتُ منْ أَيْنَ أُتِيتَ. هَذَا أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ. قَالَ: فَغَضِبَ الْقَاسِمُ وَأَضَبَّ عَلَيْهَا. فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أُتِىَ بِهَا قَامَ. قاَلَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّى. قَالَتِ: اجْلِسْ. قَالَ: إِنِّى أُصَلِّى. قَالَتِ: اجْلِسْ غُدَرُ، إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: " لا صَلاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثاَنِ ". ــ أردف ذلك فقال: ثنا (١) الصلت بن مسعود، نا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبى ﷺ (٢)، هكذا فى نسخة أبى العلاء بن ماهان: سفيان عن أيوب غير منسوبين وفى رواية السجزى عن الجلودى: نا سفيان بن موسى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر. قال بعضهم: سفيان بن موسى هذا رجل من أهل البصرة يروى عن أيوب ثقة، وكذلك نسبه أبو مسعود الدمشقى فى كتاب الأطراف عن مسلم عن الصلت عن مسعود عن سفيان ابن موسى عن أيوب، وذكر الحاكم أن مسلماً أنفرد بالرواية لسفيان بن موسى عن أيوب، قال: سمعت الدارقطنى يقول: ذكر لبعض أصحابنا ممن يدعى الحفظ ونحن بمصر حديث لسفيان بن موسى عن أيوب فقال: هذا خطأ، إنما هو [عن] (٣) سفيان بن عيينة عن أيوب، قال: ولم يعرف سفيان بن موسى البصرى وهو ثقه مأمون، قال بعضهم: وقد غير هذا الإسناد فى بعض النسخ من كتاب مسلم: ورد عن سفيان عن أيوب بن موسى، وهو خطأ. قال القاضى: أرى أن الناقل عن بعض الرواة غلط فى تخريج نسب سفيان المذكور بعد اسمه حين إلحاقه، فخرجه بعد أيوب فوقع الوهم فيه. قال الإمام: وقوله: " لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان ": قال الهروى وغيره: يعنى الغائط والبول، قال الإمام: وقوله هنا: " بحضرة الطعام " هو

стр. 1098

(...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - أَخْبَرَنِى أَبُو حَزْرَةَ الْقَاصُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى عَتِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِى الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ. ــ قوله [أيضاً] (١): " إذا قُرِّبَ العشاء وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب " معناه: أن به من الشهوة إلى الطعام ما يشغله عن صلاته، فصار ذلك بمنزله (٢) الحقن الذى أمره بإزالته قبل الصلاة. قال القاضى: قد وقع فى هذا الحديث نفسه فى غير كتاب مسلم فى رواية موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن الزهرى زيادة حسنة تفسَّر المعنى، وقد أخرج مسلم الحديث عن ابن وهب عن عمرو عن الزهرى ولم يذكر فيه هذه الزيادة. قال الدارقطنى: روى هذا الحديث عن عمرو بن الحرث ثقتان حافظان: ابن وهب وموسى بن أعين، ولموسى فيه زيادة حسنة، فأخرج مسلم الحديث الناقص وترك التام، إِلا أن يكون لم يبلغه وهو قوله: " إذا وضع العشاء وأحدكم صائم فابدؤوا به قبل أن تصلوا ". وقد اختلف العلماء فى معنى هذا الحديث، فذهب الشافعى (٣) إلى ما تقدم من معناه، وذكر نحوه ابن حبيب، وحكى ابن المنذر عن مالك: أنه يبدأ بالصلاة إِلا أن يكون طعاماً خفيفاً، وذهب الثورى وإسحاق وأحمد، وأهل الظاهر إلى الأخذ بظاهر الحديث وتقديم الطعام، وروى مثله عن عمر بن الخطاب وابنه، زاد أهل الظاهر: فإن صلى فصلاته باطلة. فى الحديث حجة على توسعة وقت المغرب (٤) وسيأتى هذا فى الأوقات. وفيه حجة أن صلاة الجماعة ليست بفرض على الأعيان فى كل حال؛ لقوله: " وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء ". ومنعه عن الصلاة وهو يدافعه الأخبثان - يعنى البول والغائط - مثل النهى عن صلاة الحاقن وذلك لشغله بها، وقد اختلف العلماء فى ذلك، فذهب مالك وغيره إلى أن ذلك مؤثر فى الصلاة بشرط شغله عنها، واستحب الإعادة فى الوقت وبعده فى ذلك، قال: والذى يعجل صلاته من أجله هو الذى يشغله، وتأوله بعض أصحابنا

стр. 1099

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على أنه إن شغله حتى لا يدرى كيف صلى فهو الذى يعيد قبل وبعد، وأما إن شغله شغلاً لم يمنعه من إقامة حدودها وصلى ضاماً بين وركيه فهذا يعيد فى الوقت، وذهب الشافعى والحنفى فى مثل هذا إلى أنه لا إعادة عليه، وظاهر قول مالك فى هذا استحباب الإعادة، وكلهم مجمعون أن من بلغ به ما لا يعقل به (١) صلاته ولا يضبط حدودها أنه لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك فى الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها. وذكر حديث ابن أبى عتيق مع القاسم عند عائشة: قوله: " وكان القاسم رجلاً لحانة " كذا للسمرقندى، وهذا اللفظ استعملته العرب للمبالغة، قالوا: لحَّانة للكثير اللَّحن، وعلامة للكثير العلم، ووقع للعذرى وابن أبى جعفر: لحْنة بسكون الحاء وضم اللام وهو بمعناه، أى يلحن فى كلامه وَيُلَحِّنُه الناس، وباب فُعْلة بضم الفاء وسكون العين للذى يرى الناس منه ذلك، كخُديعة للذى يُخْدع، وهُزأة للذى يهزأ به، وباب فُعَلة بفتح العين بضده ممن يفعل ذلك بغيره، كَصُرَعة للذى يصرع الناس، وهُزأةً إذا كان يهزأ بهم، وخُدَعة إذا كان يخدعهم. وابن أبى عتيق هذا هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، والقاسم هذا هو ابن محمد بن أبى بكر الصديق وكانت أمه أم ولد، كما ذكر فى الحديث. وقوله: " فغضب وأضبَّ عليها ": أى حَقَد، والضب: الحِقد، وقولها - لما رأته [حين] (٢) جاءت مائدتها قام يصلى -: " اجلس غُدَرُ " وذكر الحديث، يدل أن مذهبها الأخذ بظاهره، وإنما سمته غدر؛ لما أظهر من أنَّ تركه طعامها من أجل قيامه للصلاة لا لأجل حقده عليها مما قالت له وعيرته به من لحنه وتأديب أمه له (٣).

стр. 1100

(١٧) باب نهى من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوها ٦٨ - (٥٦١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْد اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِى نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، فِى غَزْوَةِ خَيْبَرَ: " مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِى الثُّومَ - فَلا يَأتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ ". قَالَ زُهَيْرٌ: فِى غَزْوَةٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ. ٦٩ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَكَلَ مَنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا " يَعْنِى الثُّومَ. ٧٠ - (٥٦٢) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ - قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنِ الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلا يَقْرَبَنَّا، وَلا يُصَلِّى مَعَنَا ". ٧١ - (٥٦٣) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلا يُؤْذِيَنَا بِرِيحِ الثُّومِ ". ٧٢ - (٥٦٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِىِّ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا، فَقَالَ: " مَنْ أَكَلَ مَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلا ــ قال الإمام: الأحاديث التى فيها النهى عن دخول المسجد لمن أكل الثوم وشبهه قال أهل العلم: يؤخذ منها منع أصحاب الصنايع المنتنة كالحواتين (١) والجزارين من المسجد.

стр. 1101

يَقْرَبنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ ". ٧٣ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَطَاءُ بْنُ أَبِى رَبَاحٍ؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله قَالَ - وَفِى رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ: وَزَعَمَ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِى بَيْتِهِ ". وَأَنَّهُ أُتِىَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ؛ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: " قَرِّبُوهَا " إِلَى بَعْضِ أَصحَابهِ. فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ ــ قال القاضى: اختلف العلماء فى معنى هذا الحديث والأخذ به، فذهب عامة العلماء وجمهور الفتوى والسلف إلى إباحة أكل هذه الخضر؛ الثوم والبصل والكراث وشبهها، وأن النهى عن حضور المساجد لمن أكلها ليس بتحريم لها وبدليل إباحة النبى ﷺ إياها لمن حضره من أصحابه، وتخصيصه نفسه بالعله التى ذكرها من قوله: " فإنى أناجى من لا تناجى "، وبقوله: " ليس لى (١) تحريم ما أحل الله، [ولكنى أكرهها] (٢) "، وكذلك حكم أكل الفجل لمن يتجشى به أو غير ذلك مما تستقبح رائحته ويتأذى به، وقد ذكر أبو عبد الله بن المرابط فى شرحه: أن حكم من به داء البخر فى فيه، أو به جرح به رائحة هذا حكم. وفيه دليل على أن إتيان الجماعات للأحاد على الدوام ليس بفرض، وإن كانت إقامتها بالجملة متعينةً؛ لأن إحياء السنن الظاهرة فرض على الجملة، خلافاً لأهل الظاهر فى تحريم أكل الثوم لأجل منعه من حضور الجماعة، التى يعتقدون فرضها على الأعيان، وجمهور العلماء أن النهى عن دخول المساجد لأجلها نهى عام فى كل مسجد، وذهب بعضهم أن هذا خاص فى مسجد المدينة لأجل ملائكة الوحى وتأذيهم بذلك، ويحتج بقوله: " فلا يقرب مسجدنا "، وحجة الجماعة قوله: " فلا يقرب المساجد "، وذكر الروايتين مسلم، وقاسوا على هذا مجامع الصلاة فى غير المساجد، كمصلى العيدين والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وقد ذكر بعض فقهائنا: أن حكم مجامع المسلمين فيها هذا الحكم كمجالس العلم والولائم وحلق الذكر. قال الإمام: وقع فى بعض هذه الأحاديث جواز أكل هذه البقول مطبوخة، ووقع فى كتاب مسلم " أنه ﵇ أتى بقِدْر فيه خِضراتٌ من بقولٍ، فوجد فيها (٣) ريحاً،

стр. 1102

أَكْلَهَا، قَالَ: " كُلْ، فَإِنِّى أُنَاجِى مَنْ لا تُنَاجِى ". ٧٤ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ قَالَ: " مَنْ أَكَلَ مَنْ هَذهِ الْبَقْلَة - الثُّومِ - وَقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ ". ٧٥ - وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: " مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ الثُّومَ - فَلا يَغْشَنَا فِى مَسْجِدِنَا " وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ. ٧٦ - (٥٦٥) وحدّثنى عَمْرٌو النّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِىِّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ؛ قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ، فَوَقَعْنَا، أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ــ فسأل، فأخبر بما فيها من البقول فقال: " قَرِّبوها " إلى بعض أصحابه - فلما رآه كره أكلها قال: " كل، فإنى أناجى من لا تناجى " فظاهر هذا أن الكراهة باقية مع النضج، وهذا خلاف الأول [قال] (١)، ولعل قولهم: " قدر " تصحيف من الرواة، وذلك أن فى كتاب أبى داود " أنه ﵇ أُتِىَ ببدر " (٢) والبدر هنا هو: الطبق، شبه بذلك؛ لاستدارته كاستدارة البدر، فإذا كان كذلك لم يكن هذا مناقضاً لحديث الطبخ؛ لاحتمال أن تكون كانت نيِّئة. قال القاضى: الصواب " ببدر "، أى طبق، كما قال، وكذا ذكره البخارى عن أحمد بن صالح عن وهب فى هذا الحديث، وقال: " أتى ببدر "، وقال ابن وهب: يعنى طبقاً، وذكر أن ابن عفير رواه عنه بقدر (٣).

стр. 1103

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِى تِلْكَ البَقْلَةِ، الثُّومِ، وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلاً شَدِيداً، ثُمَّ رُحْنَا إِلى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرِّيحَ. فَقَالَ: " مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئًا فَلا يَقْرَبَنَا فِى الْمَسْجِدِ ". فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمتْ، حُرِّمتْ. فَبَلَغَ ذَاكَ، النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيْسَ بِى تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لِى، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا ". ٧٧ - (٥٦٦) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَأكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيْهِ، فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأكُلُوا البْصَلَ، وَأَخَّرَ الآخَرِينَ حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا. ٧٨ - (٥٦٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَذَكَرَ نَبِىَّ اللهِ ﷺ ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: إِنِّى رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِى ثَلاثَ نَقَرَاتٍ، وَإِنِّى لا أُرَاهُ إِلا حُضُورَ أَجَلِى، وَإِنَّ أَقْوَاماً يَأْمُرُونَنِى أَنْ أَسْتَخْلِفَ، وَإِنَّ ــ قال الإمام: وقوله: " إنى أناجى من لا تناجى ": يدل على أن الملائكة تُنَزَّه عن هذه الروائح، وفى بعض الأحاديث: " أنها تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم " (١)، قالوا: وعلى هذا منع الدخول بهذه الروائح إلى المسجد وإن كان خالياً؛ لأنه محل الملائكة. قال القاضى: قال [أبو] (٢) القاسم بن أبى صفرة: فيه دليل على تفضيل الملائكة على بنى آدم، ولا دليل فى ذلك، لا سيما مع قوله: " فإن الملائكة تتأذى بما يتأذى به الإنس "، فقد سوَّاهم، ومع قوله: " فلا يؤذينا " قالوا: وفى اختصاصه النهى عن دخول المساجد إباحة دخول الأسواق وغيرها بها، وذلك لأنه ليس فيها حرمة المساجد، ولا هى محل الملائكة، لأنه إن نادى به أحد فى سوقه تنحى عنه إلى غيره، وجالس سواه، ولا يمكنه ذلك فى المسجد لانتظار الصلاة، وإن خرج فاتته [الصلاة] (٣). وذكر مسلم حديث عمر بن الخطاب فى هذا الباب من رواية قتادة عن سالم بن أبى الجعد عن معدان بن أبى طلحة؛ أن عمر بن الخطاب ... الحديث، وقد استدركه الدارقطنى عليه، وقال: خالف قتادة فى هذا الحديث ثلاثة حفاظ (٤) رووه عن سالم عن عمر مرسلاً

стр. 1104

الله لمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلا خِلافَتَهُ، وَلا الذِى بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ ، فَإِنْ عَجِلَ بِى أَمْرٌ فَالخِلافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ، الذِينَ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَإِنِّى قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَاماً يَطْعَنُونَ فِى هَذَا الأَمْرِ، أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِى هَذِهِ عَلى الإِسْلامِ، فَإِنْ فَعَلوُا ذَلِكَ فَأُولئِكَ أَعْدَاءُ اللهِ، الكَفَرَةُ الضُّلالُ. ثُمَّ إِنِّى لَا أَدَعُ بَعْدِى شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِى مِنَ الكَلالةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى شىء مَا رَاجَعْتُهُ فِى الكَلالةِ، وَمَا أَغْلظَ لِى فِى شَىْءٍ مَا أَغْلظَ لِى فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِى صَدْرِى. فَقَالَ: " يَا عُمَرُ، أَلا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ التِى فِى آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟ "، وَإِنِّى إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ، يَقْضِى بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ، إِنِّى أُشْهِدُكَ عَلى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ، وَإِنِّى إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَليْهِمْ لِيَعْدِلوا عَليْهِمْ، وَليُعَلمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ ، وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ، وَيَرْفَعُوا إِلىَّ مَا أَشْكَلَ عَليْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ. ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، تَأْكُلونَ شَجَرَتَيْنِ لا أَرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَيْنِ، هَذَا البَصَلَ وَالثُّوْمَ. لقَدْ رَأَيْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِى المَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلى البَقِيعِ فَمَنْ أَكَلهُمَا فَليُمِتْهُمَا طَبْخاً. (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُليَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى ــ لم يذكروا فيه معداناً وهم منصور بن المعتمر وحصين بن عبد الرحمن وعمرو بن مرة (١)، وقتادة وإن كان ثقة فهو مدلس، ولم يذكر [فيه] (٢) سماعه من سالم، [فالأشبه أنه بلغه عن سالم] (٣) فرواه عنه. وقوله فيه: " لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل فى المسجد أمر به فأُخْرِجَ إلى البقيع ": دليل على إخراج من وجدت رائحتهما منه من المسجد، وإخراجه إلى البقيع، إبعاد له عن المسجد وزحا به، إذ حكمهما فى أذى المصلين فيها حكم المسجد. وقوله: " فليمتهما طبخاً ": أى ليذهب رائحتهما وكسر قوة كل شىء إماتته، ومثله: قتلت الخمر إذا مزجته بالماء فكسرتها، ويدل أن النهى [من النبى ﷺ ] (٤) فى النىِّ؛ لأن الطبخ يذهب ريحها. وقوله: " هذه الشجرة الخبيثة " هو مثل قوله فى الرواية الأخرى: " المنتنة "، والعرب تطلق الخبيث على كل مذموم ومكروه من قول أو فعل أو مال أو طعام أو شخص.

стр. 1105

عَرُوبَةَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كِلاهُمَا عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ــ قال الخطابى: وقد عد قوم أن أكل الثوم من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة لهذه الأحاديث، ولا حجة فى هذا؛ لأن الحديث إنما ورد مورد التوبيخ والعقوبة لأكلها لما حَرَمَتْه من فضل الجماعة، قال: وسماها النبى ﷺ " شجرة " والعامة إنما تسمى الشجرة ما له ساق تحمل أغصانه دون غيره، وعند العرب أن كل ما بقيت له أرومة فى الأرض تخلف ما قطع منه فهو شجرةٌ وما ليس كذلك فهو نجم، والذى حكاه عن العامة هو قول الهروى وهو المروى عن ابن عباس وابن جبير وقوله: " على زراعة بصل " معناه: الأرض التى تزرع. وقوله: فى ذكر الكلالة ومراجعة النبى ﷺ [فيها] (١) وإغلاظ النبى ﷺ له وطعنه بإصبعه فى صدره، فيه حجة للإلحاح فى سؤال العالم ومباحثته وجواز تأديب المعلم للمتعلم إذا رآه أسرف فى ذلك، وسيأتى ذكر الكلالة فى موضعه من الكتاب. وقوله فيمن بلغه أنه طعن فى الخلافة: " أولئك الكفرة الضلال " على طريق التغليظ بوصفهم بالكفر؛ لفعلهم فعل من كفر فارتد بعد النبى ﷺ من الطعن على الخلافة والإباءة منها، وضلالهم عن طريق الحق، وفيه من ذكر الاستخلاف. وقوله: " إن الله لا يضيع دينه ولا خلافته " (٢): حجة لما وقع عليه إجماع المسلمين من إقامة خليفة لهم، وسيأتى الكلام على هذا فى كتاب الإمارة إن شاء الله (٣).

стр. 1106

(١٨) باب النهى عن نشد الضالة فى المسجد وما يقوله من سمع الناشد ٧٩ - (٥٦٨) حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرو، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى عَبْدِ اللهِ مَوْلى شَدَّادِ بْنِ الهَادِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالةً فِى المَسْجِدِ، فَليَقُلْ: لا رَدَّهَا اللهُ عَليْكَ، فَإِنَّ المَسَاجِدَ لمْ تُبْنَ لِهَذَا ". (...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَسْوَدِ يَقُولُ: حَدَثَّنِى أَبُو عَبْدِ اللهِ مَوْلى شَدَّادٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بِمِثْلِهِ. ٨٠ - (٥٦٩) وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِىُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُليْمَانَ بْنِ بُريْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَجُلاً نَشَدَ فِى المَسْجِدِ، فَقَالَ: مَنْ ــ وقوله: فى ناشد الضالة فى المسجد، وإنكاره عليه ذلك، قال الإمام: يؤخذ منه منع السُّؤال من الطواف فى المسجد، ونشدت الضالة بمعنى طلبتها، وأنشدتها إذا عرَّفتها، قاله يعقوب وغيره، ومنه قول الشاعر: إصاخة الناشد للمنشد والإصاخة بمعنى الاستماع، ومنه قول رسول الله ﷺ : " ما من دابة إِلا وهى مُصِيخَةً يوم الجمعة " (١). قال القاضى: ذهب مالك فى جماعة من أهل العلم إلى كراهة رفع الصوت فى المسجد فى العلم وغيره، وقال: ما للعلم ترفع فيه الأصوات، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت فيه فى الخصومة والعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجتمعهم ولابد لهم منه.

стр. 1107

دَعَا إِلى الجَمَلِ الأَحْمَرِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " لا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لهُ ". ٨١ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِى سِنَانٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ ابْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُليْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا صَلى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلى الجَمَلِ الأَحْمَرِ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ " لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لهُ ". (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِىٌّ بَعْدَمَا صَلى النَّبِىُّ ﷺ صَلاةَ الفَجْرِ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْ بَابِ المَسْجِدَ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا. قَالَ مُسْلِمٌ: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ. رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ وَهُشَيْمٌ وَجَرِيرٌ وَغَيْرُهُمْ، مِنَ الكُوفِيِّينَ. ــ وقوله: " فأدخل رأسه من باب المسجد ": دليل على أن حكم هذا حكم الداخل فى المسجد؛ لأن صوته فيه وُقوعه، ومن ذلك من حلف ألا يدخل داراً فأدخل رأسه فيها لم يحنث، ولو أدخل رجله حنث؛ لأن الاعتماد فى الدخول على الرجل، ولهذا فرق [بعض] (١) أصحابنا أن يكون اعتماده عليها أم لا؟ قال الإمام: وقوله فى الحديث: " إنما بنيت المساجد لما بنيت له ": يدل على منع عمل الصنايع فيه، كالخياطة وشبهها، وقد منع بعض أهل العلم تعليم الصبيان فى المساجد، فإن كان (٢) منعوا ذلك لأجل أخذ الإجارة على ذلك التعليم، فيكون ضرباً من البيع فى المسجد، وتجرى ذلك أيضاً فى غير الصبيان إذا كان بإجارة، وإن كان لمضرة المسجد بالصبيان لم يشركهم فى ذلك إِلا من شاركهم فى هذا العلة. قال القاضى: قال بعض شيوخنا: إنما يمنع فى (٣) المساجد من عمل الصنايع ما يخص نفعه آحاد الناس مما يَكْتَسِبُ به، فلا يتخذ المسجدُ متجراً، فأما إن كانت لما (٤) يشمل [منفعة] (٥) المسلمين فى دينهم، مثل المثاقفة وإصلاح آلات الجهاد مما لا مهنة فى عمله للمسجد، فلا بأس به. وحكى بعضهم اختلافاً فى تعليم الصبيان فيها. وقوله: للناشد: " لا وجدت "، وأمره بقول مثل ذلك، عقوبة له على مخالفته وعصيانه وفعله ما نهى عنه من ذلك.

стр. 1108

(١٩) باب السهو فى الصلاة والسجود له ٨٢ - (٣٨٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ــ قال الإمام: أحاديث السهو كثيرة، والثابت منها عن رسول الله ﷺ خمسة أحاديث؛ حديث أبى هريرة وحديث أبى سعيد الخدرى، وهما جميعاً فيمن شك كم صلى؟ وذكر فى حديث أبى هريرة: أنه سجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما، وفى حديث أبى سعيد: أنه سجد قبل السلام، وقد طعن فى سند حديث أبى سعيد أن مالكاً أرسله، وأسند غيره من المحدثين وهذا غير قادح فيه؛ لأنه قد عُلم من عادة مالك وتحصيله أنه يرسل الأحاديث المسندة ثقة بأنه قد علم من عادته، وأن ذلك لا يوقع فى النفوس منه استرابة. ومن الخمسة أيضاً حديث ابن مسعود، وفيه القيام إلى خامسة والسجود بعد السلام، وحديث ذى اليدين، وفيه السلام من اثنتين والسجود [بعد السلام، وحديث ابن بحينة، وفيه القيام من اثنتين والسجود] (١) قبل السلام. وقد اختلف الناس فى طريق الأخذ بهذه الأحاديث، فأما داود فلم يقس عليها، وقال: إنما يستعمل ذلك فيما ورد فيه من الصلوات على حسب الترتيب فى مواضع السجود المذكورة، وقال ابن حنبل كقول داود فى هذه الصلوات خاصة، وخالفه فى غيرها، وقال: ما وقع فيها من سهو، فإن السجود كله قبل السلام، واختلف من قاس [عليها] (٢) من الفقهاء سواهما عليها (٣)، فبعضهم قال: إنما تفيد هذه الأحاديث التخيير، وللمكلف أن يفعل أىَّ ذلك شاء من السجود، قبل أو بعد، فى نقص أو زيادة. وقال أبو حنيفة: الأصل فيه السجود بعد السلام، ورد بقية الأحاديث إليه. [وقال الشافعى: الأصل فيه السجود قبل، ولا بقية الأحاديث إليه] (٤)، ورأى مالك أن ما فيه النقص يكون السجود فيه قبل السلام، وأن ما فيه الزيادة يكون فيه السجود بعد. فإن تلك الزيادة إشارة إلى أن العلة هى الزيادة، فاما الشافعى فطريقه فى البناء أن يقول: ذكر فى حديث أبى سعيد الخدرى أنه قال ﷺ : " فإن كانت خامسة شفعها "، ونص فيه على السجود قبل، مع تقدير الزيادة وجوازها، والمقدر حكمه كالموجود، ويتأول بحديث ابن مسعود الذى فيه السجود بعد السلام، على أنه ﷺ إنما أُعلم بسهوه بعد أن سلم، ولو اتفق أن يعلم ذلك قبل أن يسلم

стр. 1109

أَبِى سَلمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلى جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلبَسَ عَليْهِ، حَتَّى لا يَدْرِى كَمْ صَلى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ". (...) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ الليْثِ بْنِ سَعْدٍ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٨٣ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ يَحْيَى ابْنِ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَن أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا نُودِىَ بِالأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِىَ الأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِىَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ يَخْطُرُ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِى كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلى فَلَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ ". ــ لسجد حينئذ. وأما حديث ذى اليدين فلأصحاب الشافعى فيه تأويلان: أحدهما: أن قول الراوى: " سجد بعد السلام " يعنى به السلام الذى فى التشهد، وهو قوله: " السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته "، والثانى: أنها كانت صلاة جرى الأمر فيها على السهو، فلعله سهى ﷺ أن يسجد قبل السلام، فوقع منه السجود بعد أن سلم. قال القاضى: أما حديث أبى هريرة: " إن أحدكم إذا قام يصلى جاءه الشيطان فلبَّس عليه حتى لا يدرى كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس "، ولم يذكر فيها ما يفعل فى شكه سوى هذا، فذهب بعضهم أن هذا فى المستنكح، وروى هذا عن مالك والليث، قالوا: ولأن هذا من النبى ﷺ تعليم، ولو كان فى غير المستنكح لبين ما يلزمه؛ إذ هو موضع بيان، وهذا ينعكس عليه إذ لم يبين أنه فى المستنكح، مع أن هذا لا يسلم له، وليس هذا حكم المستنكح فى كل نازلة فى الصلاة، وإذا لم يدر هل صلى واحدة أو أكثر أنه يسجد ويجزيه، وإنما يجزيه سجود السهو بمجرده إذا كان أولاً فى يقينه أنه أكمل صلاته، ثم طرأ له الشك بعد، فهذا المستنكح هو الذى يسجد سجود السهو، ويجزيه، ولمالك قول آخر: أنه لا سجود عليه، وأما من لم يدركهم صلى ولا

стр. 1110

٨٤ - (...) حَدَّثَنِى حَرْمَلةَ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى وَلهُ ضُرَاطٌ ". فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَزَادَ: " فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ. وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لمْ يَكُنْ يَذْكُرُ ". ٨٥ - (٥٧٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ؛ قَالَ: صَلى لنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلوَاتِ، ثُمَّ قَامَ فَلمْ يَجْلِسْ. فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلمَّا قَضَى صَلاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ. ٨٦ - (...) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ليْثٌ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا الليْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِىِّ، حَلِيفِ بَنِى عَبْدِ المُطَّلبِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِى صَلاةِ الظُّهْرَ وَعَليْهِ جُلوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِى كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِىَ مِنَ الجُلوسِ. ــ تقدَّم له بيقين فى إكمال صلاته، فليبن على ما تيقن، ويكمل صلاته كما يفعل غير المستنكح، وأيضاً فإن النبى ﷺ قال هذا لكل من نابه فى صلاته لأول مرة بقوله: " فإذا وجد ذلك أحدكم "، فدل أنه بعد غَير مستنكح، وقد ذهب الحسن فى طائفة من السلف إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، وقالوا: ليس على من لم يَدْرِ كَمْ صلى، ولا يدرى زاد أو نقص غير سجدتين وهو جالس كما جاء فى الحديث، وذكر عن الشعبى والأوزاعى وجماعة كثيرة من السلف: أن من لم يدر كم صلى أعاد أبدًا حتى يتيقن، وقال بعضهم: يعيد ثلاثاً، فإذا شك فى الرابعة لم يعد، والأولى أن يرد حديث أبى هريرة إلى حديث أبى سعيد المفسر ما يفعل بقوله: " إذا شك فليطرح الشك وليَبْنِ على اليقين، ثم يسجد "، ويجعل حديث أبى سعيد مفسرًا له، وأنه حفظ ما لم يحفظ غيره أو فسر ما اختصره وأجمله سواه، وإلى هذا ذهب الأكثر. وفيه حجة أن الشك غير مؤثر فى اليقين، وأن البناء على اليقين، ولا تأثير للشك فيه، خلاف ما ذهب إليه بعض المتأخرين، وعلى ما قلناه تأتى أصول الشرع فيمن شك فى الحديث، وقد مرَّ هذا، وما روى من اختلاف الناس والمذهب فيه وعليه إجماع المسلمين فى التوريث فى اليقين وقطعه بالشك.

стр. 1111

٨٧ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ بنِ بُحَيْنَةَ الأَزْدِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِى الشَّفْعِ الذِى يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِى صَلاتِهِ، فَمَضَى فِىَ صَلاتِهِ، فَلمَّا كَانَ فِى آخِرِ الصَّلاةِ سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. ٨٨ - (٥٧١) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلفٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سُليْمَان بْنُ بِلالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فى صَلاتِهِ فَلمْ يَدْرِ كَمْ صَلَى؟ ثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَليَطْرَحِ الشَّكَّ وَليَبْنِ عَلى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلى خَمْسًا، شَفَعْنَ لهُ صَلاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلى إِتْمَامًا لأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ ". (...) حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عَمِّى عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنِى دَاوُدُ ابْنُ قَيْسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى مَعْنَاهُ قَالَ: " يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلامِ "، كَمَا قَالَ سُليْمَانُ بْنُ بِلالٍ. ــ وقوله: فى حديث أبى سعيد: " يسجد سجدتين من قبل أن يسلم " مما يحتج به الشافعى فى أن السجود فى الزيادة قبل، وذلك أن الزيادة فى حديث أبى سعيد مقدرة، وحكم المقدر حكم المحقق فى هذا، وقد أعتل أصحابنا لهذا الحديث فاحتجوا فيه للمذهب بما أشار إليه الإمام من إرسال مالك له، واختلاف أقرانه فى متابعته فى الإرسال وفى إسناده، واختلاف أصحابه عنه فى إرساله وإسناده، وجعلوا هذا اضطراباً فى هذا الحديث، فوجب ترجيح غيره عليه لذلك، ولأنهم أحفظ وأثبت من عطاء، ولكثرة الرواة هنالك وانفراد عطاء بهذا اللفظ، وذهب ابن لبابة الأصغر - من أصحابنا - إلى الأخذ بهذا الحديث فى موضعه، وخالف أصل مذهبه هنا، وقال: إذا كان فى الشك، وحيث تكون الزيادة مقدرة فالسجود قبل لهذا الحديث، فإذا انتفت الزيادة فالسجود بعد. وقال الداودى: اختلف قول مالك فى الذى لا يدرى ثلاثاً صلى أم أربعاً، فقال: يسجد قبل السلام، وقال: بعد السلام. قال: ويحمل قوله قبل أن يكون شكه فى إحدى الأوليين فيكون معه زيادة ونقص قراءة السورة، وقوله بعد إذا كان شكه فى الأخيرتين (١) لأنها زيادة محضة. قال القاضى: [وقد] (٢) يتصور فى شكه فى الأوليين نقص الجلسة الوسطى.

стр. 1112

٨٩ - (٥٧٢) وحَدثنِى عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِى شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ؛ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: صَلى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: زَادَ أَوْ نَقَصَ - فَلمَّا سَلمَ قِيلَ لهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ فِى الصَّلاةِ شَىْءٌ؟ قَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ " قَالوُا: صَليْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَثَنَى رَجْليْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَليْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: " إِنَّهُ لوْ حَدَثَ فِى الصَّلاةِ شَىْءٌ أَنْبَأتُكُمْ بِهِ، وَلكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِى، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِى صَلاتِهِ فَليَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَليُتِمَّ عَليْهِ، ثُمَّ ليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ". ٩٠ - (...) حَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ بِشْرٍ: " فَليَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ ". وَفِى رِوَايةِ وَكِيعٍ: " فَليَتَحَرَّ الصَّوَابَ ". ــ وأما قوله: فى حديث ابن مسعود: " فليتحرَّ الصواب، فليتم عليه ثم يسجد سجدتين ": فهذا التحرى عندنا وعند كافة العلماء هو البناء على اليقين المفسر فى الأحاديث الأخر، وقصد اليقين، قال الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ (١)، وذهب أهل الرأى من أهل الكوفة وغيرهم: أن التحرى هنا البناء على غلبة الظن ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة منهم: ذلك لمن اعتراه مَرَّةً بعد مرة، فأما لأَوَّل ما ينوبه فليبن على اليقين. وقوله: فى حديث ابن مسعود: " إذا زاد أحدكم (٢) أو نقص فليسجد سجدتين ": مما يحتج به الحنفيَّة فى كون السجود أبداً بعد، وليس فيه بيان، لكن ظاهره فى الزيادة؛ لأن النقص إذا شك فيه فلابد من جبره والبناء على اليقين، فوقع الشك فى الزيادة محضاً، وحديث ابن بُحَيْنَة يُفَسِّرُ حكم النقص، وقد يحتج - أيضًا - بحديث ابن مسعود الطبرى، ومن قال بقوله فى التخيير، واستعمال جميع الأحاديث على هذا من السجود كيف شاء فى الزيادة والنقص قبل أو بعد. وفى المجموعة عن مالك نحوه ولا خلاف بين هذه الطوائف كلها المختلفة فى سجود السهو وأنه إن سَجَد بعد لما يراه قبل، أو سجد قبلُ لما يراه بعد، أن ذلك يجزيه ولا يفسد صلاته.

стр. 1113

(...) وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ مَنْصُورٌ: " فَليَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ ". (...) حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " فَليَتَحَرَّ الصَّوَابَ ". (...) حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " فَليَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلى الصَّوَابِ ". (...) وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " فَليَتَحَرَّ الذِى يُرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ ". (...) وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِ هَؤُلاءِ. وَقَالَ: " فَليَتَحَرَّ الصَّوَابَ ". ٩١ - (...) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلى الظُّهرَ خَمْسًا، فَلمَّا سَلمَ قِيلَ لهُ: أَزيدَ فِى الصَّلاةِ؟ قَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا صَليْتَ خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. ــ وأما فى قيامه ﵇ فى حديث ابن مسعود للخامسة وسجوده بعد السلام إذْ أُعْلم بذلك، فقد أخذ به عامة العلماء، وأن من زاد فى صلاته ركعةً أو بعضها ثم علم فليرجع مكانه ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتى السهو بعد السلام، وتقدم الخلاف فى هذا الموضع. وقال أهل الكوفة: إذا زاد ركعةً ساهياً أعاد صلاته (١)، وقال أبو حنيفة: إن كان تشهد فى الرابعة ثم زاد خامسة أضاف إليها سادسة وكانت نفلاً، وإن لم يكن تشهد بطلت. وهذا [الحديث] (٢) يبطل مذهبه رأساً؛ لأن النبى ﷺ لم يعد ولم [يأت] (٣) بسادسة، وسجوده ﵇ بعد، ولا خلاف عندنا فيمن زاد فى صلاته أقل من نصفها أنه يجبره سجود السهو، واختلف فى زيادة النصف فأكثر على ثلاثة أقوال، فقيل: النصف كثير، تعاد منه الصلاة من الصبح وغيرها، وهو قول مُطرِّف وابن القاسم،

стр. 1114

٩٢ - (...) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ؛ أَنَّهُ صَلى بِهِمْ خَمْسًا. (...) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ؛ قَالَ: صَلى بِنَا عَلْقَمَةُ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلمَّا سَلمَ قَالَ القَوْمُ: يَا أَبَا شِبْلٍ، قَدْ صَليْتَ خَمْسًا. قَالَ: كَلا. مَا فَعْلتُ. قَالوا: بَلى. قَالَ: وَكُنْتُ فِى نَاحِيَةِ القَوْمِ، وَأَنَا غُلامٌ. فَقُلْتُ: بَلى، قَدْ صَليْتَ خَمْسًا. قَالَ لِى: وَأَنْتَ أَيْضًا، يَا أَعْوَرُ، تَقُولُ ذَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَانْفَتَلَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلمَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: صَلى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَمْسًا، فَلمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ القَوْمُ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ: " مَا شَأْنُكُمْ؟ " قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ زِيدَ فِى الصَّلاةِ؟ قَالَ: " لا " قَالوا: فَإِنَّكَ قَدْ صَليْتَ خَمْسًا. فَانْفَتَلَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلمَ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ". وَزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِى حَدِيثِهِ: " فَإِذَا نَسِىَ أَحَدُكُمْ فَليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ". ــ وقيل: إنما تفسد بزيادة ركعتين وليست ركعة بطولٍ فى الصبح ولا غيرها، وهو قول عبد الملك وغيره، وروى عبد الملك ومطرف عن مالك - فى الجحدريَّة - أنَّ من صلى الظهر ثمانىَ رَكعات يجزيه سجود السهو، حكاه أبو بكر البغَّالى هنا. وفى رجوع النبى ﷺ إلى تذكير من ذكره فى هذا الحديث، وفى حديث ذى اليدين حجة لرجوع الإمام إلى قول من خلفه. ولا خلاف عندنا أنه يرجع إليهم فى شكه ويتم ما نقص من صلاته؛ لأن قولهم نَبَّههُ على سهوه، فشك فى ذلك بعد يقينه، وهو لو تنبه من عند نفسه للزمه البناء على اليقين فكيف بتنبيههم؟ واختلف فى عمله إذا ثبت على يقينه أنه أكمل صلاته وسبَّحوا له أو نبهوه، هل يرجع إليهم أم لا؟ فذكر ابن القصَّار عن مالك فى ذلك قولين، وذهب ابن مسلمة إلى الرجوع إلى قولهم: إن كثروا، ولا يرجع إن قلوا، وينصرف ويتموا هم لأنفسهم. وقوله: " لو حدث فى الصلاة شىء أنبأتكم [به] (١) "، إنكار منه لقول: " أزيد فى الصلاة " (٢). وفيه حجة أن تأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة. وقوله فى هذا الحديث فى سجدتى السهو: " كانتا ترغيمًا (٣) للشيطان ": أى إغاظة

стр. 1115

٩٣ - (...) وَحَدَّثَنَاهُ عَوْنُ بْنُ سَلامٍ الكُوفِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلىُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: صَلى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَمْسًا. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَزِيدَ فِى الصَّلاةِ؟ قَالَ " وَمَا ذَاكَ؟ " قَالوا: صَليْتَ خَمْسًا. قَالَ: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلكُمْ، أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ". ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتِى السَّهْوِ. ــ له وإذلال، مأخوذ من الرغام وهو التراب، ومنه أرغم الله أنفه، والمعنى يشكرُ الله تعالى بها على جبر صلاته، وتلافى ما لبَّس عليه الشيطان فيها بكيده، ووسوسته والمبادرة إليها لرغم أنفه ورده خاسئاً عن مراده، وامتثال ما عصى هو اللهَ به من تركها حين أُمِر بها، فأبى ولقوله ﵇: " إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكى " (١) [الحديث] (٢)، وهذه كلها نهاية الإغاظة والإذلال له، والحمد لله رب العالمين، وقد تقدم تفسير ثَوَّب وَيَخْطُر، ويظل إنْ (٣) يدْرى، والكلام على بقية الحديث. وقوله: فى حديث ابن بحينة أن النبى ﷺ سجد لترك الجلسة الوسطى، حجةٌ لنا أن الجلسة الوسطى، ليست بفرض ولا ركنٍ من أركان الصلاة؛ إذ لا تجبر الأركان بسجود السهو، وقد تقدم الكلام فى الجلوس، وليس فى الحديث نصٌّ يدل متى تنبه ﵇ لسهوه، أقَبْل الركوع أم بعده؟ لكن قوله: قام من اثنتين فلم يجلس، دلَّ بمجىء فاء التعقيب بعد ذكره القيام أنه لم يرجع إلى الجلوس بعد التنبيه له، وقد جاء فى حديث المغيرة بن شعبة أنهم سبحوا به ﵇ ولم ينصرف وتمادى فى الصلاة (٤)، ومثله فى حديث سعد بن أبى وقاص (٥) وفيها: " أنه اعتدل قائماً "، وقد اختلف العلماء فى

стр. 1116

٩٤ - (...) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الحَارِثِ التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: صَلى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَزَادَ أَوْ نَقَصَ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَالوَهْمُ مِنِّى - فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَزِيدَ فِى الصَّلاةِ شَىْءٌ؟ فَقَالَ: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِىَ أَحَدُكُمْ فَليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ ". ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. ٩٥ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح قَالَ: وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ، بَعْدَ السَّلامِ وَالكَلامِ. ــ ذلك، فذهبت طائفة إلى أنه متى استقل عن الأرض وفارقها لم يرجع إلى الجلوس، وهو قول مالك فى آخرين، ثم اختلف هؤلاء فى حد مفارقة (١) الأرض، فقيل: مفارقة أليتيه الأرض، وقيل: تجافى ركبتيه عنها، وهذا عندى على الاختلاف فى هيئة القيام ومن قال: يُقعى قال بمفارقة الأليتين ومن [قال] (٢) تعتمد قال بمفارقة الركبتين، وعلى هذا يأتى مذهب مالك وإن كان المحكى عن مذهبه مفارقة الأليتين، وهذا لا يأتى على اختياره فى القيام، وقيل: يرجع ما لم يعتدل قائمه، وهو قول جماعة من أئمة العلماء وابن حبيب من أصحابنا، وقيل: يرجع ما لم يقرأ، وهو قول النخعى، وقيل: ما لم يركع وهو قول الحسن، والرد على هؤلاء ما جاء فى الحديث من مضى النبى ﷺ على صلاته بعد التسبيح به، وما جاء فى حديث المغيرة أيضاً عنه ﵇: " إذا قام الإمام فى الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوى قائماً فليجلس، فإن استوى قائماً فلا يجلس، ويسجد سجدتى السهو " (٣) ذكره أبو داود، إِلا أن راويه جابر الجعفى (٤)، لكن مطابقته لمعنى الحديث المتقدم فى مسلم والآثار الآخر تشدُّه (٥)، ولم يختلف المذهب عندنا أنه لا يرجع

стр. 1117

٩٦ - (...) وَحَدَّثَنِى القَاسِمُ بْنُ زَكَرِياءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلىٍّ الجُعْفِىُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُليْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: صَليْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِمَّا ــ بعد استوائه، واختلف إذا فعل ورجع جالساً، هل تفسد صلاته أو تصح [وإذا صحت متى يسجد] (١)، أقبْلُ لنقصه المتقدم، أم بعدُ للزيادة. وقوله فيه: " فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبَّر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ": نص وحجة بيِّنةٌ على أبى حنيفة فى سجود السهو للنقص قبل السلام، وأن المراد هنا السلام من الصلاة، لا من سجدتى السهو على ما تعسف فيه بعضهم. وفيه سنة التكبير لسجود السهو، ولم يختلف فى ذلك، وقد اختلف العلماء هل لهما إحرام وسلام وتشهد أم لا شىء لهما من ذلك؟ أم السلام وحده؟ أم التشهد وحده؟ فمذهب مالك أنه إذا كانتا بعد السلام فيتشهد لهما ثم يسلم، ثم اختُلف عنه هل يجهر بسلامهما الإمام كسائر الصلوات أم يُسِرَّ ولا يجهر؟ واختلف عنه هل يتشهد لهما إذا كانتا قبل؟ واختلف عنه هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟ وقد ذكر مسلم فى حديث ابن بحينة وذى اليدين التكبير لهما، وفى حديث ذى اليدين التسليم منهما ولم يَذكر ذلك فى غيره مما ذكر فيه سجودهما بعد السلام، ولم يأت التشهد لهما مفسراً فى حديث صحيح، لكنه يحتمل أنه تشهد إذ لم يأت - أيضاً - أنه لم يتشهد، والطهارة لهما مشترطة إذا كانتا قبل السلام؛ لأنهما داخل الصلاة إجماعاً، وكذلك فى ابتدائهما بعد السلام، ثم هل تشترط فى التشهد بعدهما [و] (٢) السلام فيهما، فقيل: مذهب مالك أن ذلك شرط فى الجميع، وأنه إن أحدث بعد سجودهما أعادهما بعد الوضوء، واختلف على تأويل قول ابن القاسم فى المدونة، فإن لم يعدهما أجزأتا عنه، قيل: إنه لا يشترط فى السلام منهما الطهارة، وإن استحب؛ للخلاف فى السلام من الفريضة هل هو من الصلاة أم لا؟ وقيل: معناه: أجزأت عنه صلاته ولم تفسد صلاته بسبب الحديث بعد سجودهما، لكن لا بد له من إعادة الطهارة لها وسجودهما، ومعظم العلماء على أن السجود فى سهو صلاة التطوع كالسجود فى صلاة الفرض، إِلا ابن سيرين وقتادة، فإنهما قالا: لا سجود لسهو التطوع. وقوله ﵇ فى حديث ابن مسعود: " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون " وقوله بعد حديث ذى اليدين: " أم نسيت ": حجة لجواز النسيان على النبى ﷺ فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع، وهو مذهب عامة العلماء والأئمة والنظار وظاهر القرآن والأحاديث، لكن شرط الأئمة - رضوان الله عليهم - أنه ينبهه الله تعالى ولا يقره عليه،

стр. 1118

زَادَ أَوْ نَقَصَ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَايْمُ اللهِ! مَا جَاءَ ذَاكَ إِلا مِنْ قِبَلِى - قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ فِى الصَّلاةِ شَىْءٌ؟ فَقَالَ: " لا " قَالَ: فَقُلْنَا لهُ الذِى صَنَعَ. فَقَالَ: " إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ". قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. ــ ثم اختلفوا هل من شرط التنبيه الاتصال بالحادثة وبالفور ولا يجوز فيها التأخير؟ وهذا مذهب الأكثرين، وإليه نحى القاضى أبو بكر، أو يجوز فيها التراخى ما لم يتخرم عمره وينقطع تبليغه؟ وإليه نحى أبو المعالى ومنعت (١) طائفة من العلماء والنظار السهو عليه فى الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية كما منعوه اتفاقاً فى الأقوال البلاغية، واعتذروا عن الظواهر الواردة فى ذلك باعتذارات، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق، وشذت الباطنية وطائفة من أرباب علم (٢) القلوب، فقالوا: النسيان لا يجوز عليه جملة، وإنما ينسى قصداً ويتعمد صورة النسيان ليَسُنَّ ونحى إلى قولهم عظيم من أئمة التحقيق وهو أبو المظفر الإسفرايينى فى كتاب (٣) الأوسط، وهذا منحى، غير سديد، وجمع الضد مع ضده مستحيل بعيد، والقول الأول هو الصحيح؛ فإن السهو فى الأفعال غير مناقضٍ للنبوة، ولا موجبٍ للتشكيك فى الرسالة، ولا قادح فى الشريعة، بل هو سبب لتقرير شرع وإفادة حكم كما قال ﵇: " إنى لأنسى أو أُنَسَّى "، وكذلك (٤) اختلفوا فيما ليس طريقه البلاغ، ولأن (٥) بيان الأحكام من أفعاله الشرعية، وما يختص به من عاداته وأذكار قلبه، والأكثر على تجويز الغفلة هنا والسهو إذ لم يؤمر بتبليغها. وأما طروء ذلك عليه فى الأقوال فممتنع بإجماع فيما طريقه البلاغ كما امتنع فى ذلك التعمد إجماعاً، وأما طروؤه عليه فى الأقوال الدنيوية، وفيما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التى لا مستند للأحكام إليها ولا أخبار المعاد، ولا تُضاف إلى وحى، فقد جوز قوم السهو والغفلة فى هذا الباب، إذ ليس من باب التبليغ الذى يُتطرق به إلى القدح فى الشريعة، والحق الذى لا مرية فيه ترجيح قول من لم يجوز ذلك على الأنبياء فى خبر من الأخبار، كما لم يجوزوا عليهم فيها العمد، وأنه لا يجوز عليهم خلف (٦) فى خبر من الأخبار لا عن قصد ولا سهو، ولا فى صحة ولا مرضٍ، ولا رضى ولا غضب، وحسبك أن سيره وآثاره وكلامه وأفعاله مجموعة معتنى بها على مر الزمان يتداول نقلها الموافق والمخالف، ويرويها الموقن والمرتاب، فلم يأت فى شىء منها استدراك غلط فى قول ولا اعتراف بوهم فى كلمة، ولو كان لنُقِل كما نقل سهوه فى الصلاة ونومه عنها، واستدراكه رأيه فى تلقيح النخل،

стр. 1119

٩٧ - (٥٧٣) حَدَّثَنِى عَمْروٌ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْروٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِحْدَى صَلاتَىِ العَشِىِّ - إِمَّا الظُّهْرَ وَإِمَّا العَصْرَ - فَسَلمَ فِى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِى قِبْلةِ المَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إِليْهَا مُغْضَبًا - وَفِى القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - فَهَابَا أَنْ يَتَكَلمَا، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، قُصِرَتِ الصَّلاةُ، فَقَامَ ذُو اليَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَنَظَرَ النَّبِىُّ ﷺ يَمِينًا وَشِمَالاً. فَقَالَ: " مَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ ". قَالوا: صَدَقَ، لمْ تُصَلِّ إِلا رَكْعَتَيْنِ. فَصَلى رَكْعَتَيْنِ وَسلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ، ثَمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ. قَالَ: وَأُخْبِرْتُ عِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ: وَسَلَّمَ. ــ وفى نزوله بأدنى مياه بدر، وفى مصالحة عيينة بن بدر، ولقوله: " والله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها، إِلا فعلت الذى حلفت عليه وكفرت " (١) وغير ذلك، وأما جواز السهو عليه فى الاعتقادات فى أمور الدنيا فغير نكير. وأما [ما] (٢) يتعلق من ذلك بالعلم بالله وصفاته والإيمان به فلا يصح فيه طروء سهو، ولا غلطٌ ولا ما يضادُّه عليه؛ لأن ضد ذلك كله كفر، وهو محال فى حقه ﵇ بل منعت طائفة [من] (٣) أهل علم الباطن من ذلك الغفلات والفترات وإحالتها بكل حال. وأما حديث ذى اليدين، فقد ذكر مسلم فى حديث عمران بن حصين أن اسمه الخِرْباق، وكان فى يديه طول، وفى الرواية الأخرى بسيط اليدين، وفى حديث أبى هريرة رجل من بنى سليم، ووقع للعذرى سُلم وهو خطأ، وقد جاء فى حديث عبيد بن عمير مفسراً، فقال فيه: ذو اليدين أخو بنى سليم، وفى رواية ابن شهاب: ذو الشمالين رجل من بنى زهرة، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أن حديث ذى اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود، قالوا: لأن ذا الشمالين قُتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير، وهو من بنى سُليم، فهو ذو اليدين المذكور فى الحديث. وهذا لا يصح لهم، وإن كان قتل ذو الشمالين يوم بدر فليس هو بالخرباق، هو رجل آخر حليف لبنى زهرة اسمه عُمِير بن

стр. 1120

٩٨ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: صَلى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِحْدَى صَلاتَىِ العَشِىِّ. بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ. ــ عبد عمرو من خزاعة؛ بدليل رواية أبى هريرة حديث ذى اليدين ومشاهدته خبره. ولقوله: " صلى بنا رسول الله ﷺ "، وذكر الحديث، وإسلام أبى هريرة بخيبر بعد يوم بدر بسنين فهو غير ذى الشمالين المستشهد يوم بدر، وقد عدوا قول ابن شهاب فيه هذا من وهمه، وقد عدها بعضهم حديثين فى نازلتين وهو الصحيح ولاختلاف صفتهما؛ لأن فى حديث [الخرباق] (١) ذى الشمالين أنه سلم من ثلاث، وفى حديث ذى اليدين من اثنتين، وفى حديث الخرباق أنها العصر، وحديث ذى اليدين الظهر بغير شك عند بعضهم، وقد ذكر مسلم ذلك كله. قال الإمام ﵀: اختلف أصحاب مالك فيمن وقع منه هذا الفعل المذكور فى قصة ذى اليدين، فعند بعضهم لا يؤخذ به؛ لأن النسخ حينئذ كان مجوزاً فعذر بذلك المتكلم، ولما استقر الأمر الآن لم يعذر، والرد على هذا القائل بأنهم تكلموا بعد أن أعلمهم أن لا نسخ، وانفصل عن هذا بأنه ﵇ سألهم فلابد من مجاوبته للزوم طاعته، فكان ذلك جائزاً فى الكلام الذى لا يلزم فى الشرع. وقد يُجاب (٢) عن هذا - أيضاً - أن يقال هكذا: إن تجاوبه إشارة إذ لم يكن استدعى منهم النطق: وفى كتاب أبى داود يشير إلى هذا (٣)؛ لأنه ذكر أن أبا بكر وعمر أشارا أن يقوم، ولعل من روى أنهما قالا: نعم، أى أشارا، فسمى الإشارة قولاً، واختلف أصحابنا - أيضاً - القائلون بأن هذا الحديث يعمل به إذا سلم من اثنين، هل يعمل به إذا سلم من ثلاث؟ والأظهر أن لا فرق، وفى بعض طرق أحاديث ذى اليدين أن ذلك كان فى الثالثة (٤). قال القاضى: المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث ذى اليدين، وروى عنه ترك الأخذ به وأنه كان يستحب أن يعيد ولا يبنى، قال: وأنما تكلم النبى ﷺ . وتكلم أصحابه؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت، ولا يجوز ذلك لأحدنا اليوم، ورواه عنه [أبو] (٥) قرة وقاله ابن نافع وابن وهب وابن كنانة وقال الحارث بن مسلمة من أصحاب مالك، كلهم على خلاف ما قال ابن القاسم، قالوا: كان هذا أول الإسلام، وأما الآن فمن تكلم فيها أعادها، وقد اختلف قول مالك، وأصحابه فى التعمد فى الكلام (٦) لإصلاح الصلاة

стр. 1121

٩٩ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ مَوْلى ابْنِ أَبِى أَحْمَدَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلى لنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ العَصْرِ، فَسَلمَ فِى رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو اليَدَيْنِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلُّ ذَلِكَ لمْ يَكُنْ ". فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى النَّاسِ فَقَالَ: " أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ " فَقَالوا: نَعَمْ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بَقِىَ مِنَ الصَّلاةِ. ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ - وَهُوَ جَالِسٌ - بَعْدَ التَّسْلِيَمِ. ــ من المأموم والإمام، ومنع ذلك بالجملة أبو حنيفة والشافعى وأحمد وأهل الظاهر، وجعلوه مفسداً للصلاة إِلا أن أحمد أباح ذلك للإمام وحده (١) وسوى أبو حنيفة بين العمد والسهو، وحجة من أجاز حديث ذى اليدين، وحجة من منع فى العمد ما تقدم من أن ذلك كان أول الإسلام، وأما وأن النبى ﵇ إنما تكلم على تيقن (٢) عنده من تمام الصلاة، وأن ذا اليدين ظنَّ قصرها وتمامها، وأن غيره إنما أجابوه لوجوب إجابة دعوته أو على تأويل ذى اليدين، ولعلهم لم يسمعوا جواب النبى ﷺ . وأما أبو حنيفة فذهب إلى نسخة لحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم بالنهى عن الكلام فى الصلاة، ولا يصح لهم؛ لأن حديث ابن مسعوِد متقدم، وقد روى أنه كان بمكة، لكن يعارض هذا قوله: " فنزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) فنهينا عن الكلام [فى الصلاة] (٤) " البقرة مدنية، وأبو هريرة ينص على مشاهدته إياه، وهو إنما أسلم بخيبر. قال الإمام: وأما قوله فى حديث ذى اليدين: " كل ذلك لم يكن "، فقد اعتذر فيه العلماء باعتذارين: أحدهما: أن المراد لم يكن القصر والنسيان معاً، وكان الأمر كذلك وهذا اعتذار ضعيف، والثانى: أن المراد الإخبار عن اعتقاد قلبه وظنه فكأنه مُقَدَّر النطق به وإن كان محذوفاً، فلو قال: كل ذلك لم يكن فى ظنى، ثم كشف الغيب أنه كان لم يكن كاذباً، فكذلك إذا قدَّر ذلك محذوفاً مراداً. قال القاضى: قَدَّرنا أن الخلف والإخبار على ما ليس به فى حق النبى ﷺ محال، لا على سبيل القصد ولا سبيل السهو والنسيان، وقد جاء هذا الحديث وظاهره الإخبار أنه لم ينس وقد نسى، ولأئمتنا أجوبة: منها ما تقدم، وقيل: قوله: " لم أنس " راجع إلى

стр. 1122

(...) وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الخَزَّازِ، حَدَّثَنَا عَلىٌّ - وَهُوَ ابْنُ المُبَارَكِ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلى رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سُليْمٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ وَسَاقَ الحَدِيثَ. ــ السلام، أى لم أنسه فى السلام، بل سلمت قصداً، ولم أسْه فى نفس السلام، وإنما سهوت عن العدد، وهذا بعيد أيضاً. وقيل: كان النبى ﷺ يسهو ولا ينسى؛ لذلك نفى عن نفسه النسيان؛ لأنه غفلة ولم يغفل عنها وكان شغله عن حركات الصلاة ما فى الصلاة شغلاً بها لا غفلةٌ عنها، وهذا إن تحقق على هذا المعنى كان نفيه لنسيان الغفلة صحيحاً أحرى، وقد ظهر لى فيه ما هو أقرب وجهاً وأحسن تأويلاً، إنه إنما أنكر ﵇ لفظة: " نسيت " المضافة إليه، وهو الذى نهى عنه فى قوله: " بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا، ولكنه نُسِّى " (١)، وقد روى: " أنى لا أنسى " على النفى ولكنى أُنَسَّى، وقد شك الراوى على رأى بعضهم فى الرواية الأخرى هل قال: " أنْسَى " أو " أُنَسَّى "، وأنَّ " أو " هنا للشك، وقيل: بل للتقسيم، [وأن هذا يكون] (٢) منه مرة من قبل شغله وسهوه، ومرة يغلب على ذلك وَيجبر عليه ليَسُنَّ، فلما سأله السائل بذلك اللفظ أنكره وقال له: " كل ذلك لم يكن "، وفى الرواية الأخرى: " لم أنس ولم تقصر "، أَمَّا القصر فبين، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسى وغفلتى عن صلاتى، ولكن الله نَسَّانى لأَسُنَّ. وقوله: " جاءه الشيطان فلبَّس عليه ": أى شكَّكَه وغلطه قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُون﴾ (٣)، وقوله: " فهنَّاه ومنَّاه ": أى أعطاه من الأمانى والهنوء والعطية، ومنَّاه: ذكَّره الأمانى. وقوله: " توشوش القوم ": كذا لأبى بحر بالمعجمة و (٤) لغيره بالمهملة، وكلاهما بمعنى الحركة، أى تحركوا. قال ابن دُريد: وسوسَةُ الشىء مهملاً حَرَكَتُه، وتوشوش القوم تَحرَّكوا وهمسوا بعضهم إلى بعض. قال القاضى: ونحوه الوسوسة، ومنه وسواس الحلى، وهو صوته عند تحريكه، ومنه وسوسة الشيطان، وهى همسه بإغوائه فى القلوب، قال الخليل: الوسوسة صوت فى اختلاط. وقوله: " خرج سَرَعان الناس ": كذا رويناه بفتح السين والراء عن متقنى شيوخنا،

стр. 1123

١٠٠ - (...) وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ صَلاةَ الظُّهْرِ، سَلمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سُليْمٍ، وَاقْتَصَّ الحَدِيثَ. ــ وهذا قول الكَسَائى وغيره يسكن الراء، أى أَخفاؤهم المسارعون إلى الخروج منهم، وذكر الخطابى أن من الرواة من رواه " سِرعان " بالكسر، قال: وهو خطأ رويناه فى البخارى (١) من طريق الأصيلى " سُرعان " بضم السين، وكذا وجدته بخطه فى أصله ووجهه، جمع سريع، كقفيز وقفزان (٢)، وكثيب وكثبان. وقوله: " وأنت أيضاً يا أعور (٣) تقول ذلك ": دليل على أن ذكر هذا المن لا يتأذى به ومن عُرِفَ به ولا حرج فيه، وإنما الحرج لمن قاله على سبيل التنقص (٤) والعيب، وإذا كان المقول له يكره قوله " وإبراهيم الأعور المذكور فى الحديث هو إبراهيم بن سويد النخعى الكوفى وإبراهيم (٥) بن النخعى (٦) هو آخر، وزعم الداودى أنه إبراهيم بن يزيد التيمى، ووهم فإنه ليس بأعور، وثلاثتهم كوفيون فضلاء. قال البخارى: إبراهيم بن ميمونة النخعى الأعور والكوفى سمع علقمة (٧)، وذكر الباجى إبراهيم بن يزيد النخعى الكوفى الفقيه، وقال فيه الأعور، ولم يقل البخارى فيه الأعور، ولا رأيت من ذكره و [قد] (٨) قال ابن قتيبة فى العور: إبراهيم النخعى يحتمل أنه ابن سويد كما قال البخارى وإبراهيم بن يزيد النخعى. وقوله فى حديث ذى اليدين وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم قائل ذلك ابن سيرين، وهذا نص فى السلام من سجدتى السهو. وفى الحديث النصُّ أنها بعد السلام من الصلاة؛ لقوله: " فصلى ركعتين فسلم ثم كَبَّر ثم سجد " (٩) الحديث وفى الرواية

стр. 1124

١٠١ - (٥٧٤) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُليَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَبِى المُهَلبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلى العَصْرَ فَسَلمَ فِى ثَلاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلهُ، فَقَامَ إِليْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لهُ: الخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِى يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَكَرَ لهُ صَنِيعَهُ، وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلى النَّاسِ، فَقَالَ: " أَصَدَقَ هَذَا ". قَالوا: نَعَمْ. فَصَلى رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. ــ الأخرى: " سجد سجدتين بعد التسليم " وهذا البيان يدفع تأويل المخالف: إنه أراد بقوله: سجد بعد السلام، أى الذى فى التشهد؛ لأن لفظ السلام إن حمل على العهد فهو الذى للتحلل لا الذى فى التشهد، وإن حمل على العموم فيجب أن يكون بعد كل سلام فى الصلاة وآخره سلام التحلل. فى حديث ذى اليدين وما ذكر فيه من خروجه ﵇ ومجيئه السارية مغضباً ودخوله منزله فى الرواية الأخرى، حجة أن كثرة السهو لا يفسد الصلاة، وحجة لمن يقول بالبناء وإن طال ما لم ينتقض وضوؤه، وقد اختلف عن مالك فى ذلك، فمشهور قوله: أنه يبنى فيما قرب، وربيعة يقول: يبنى ما لم ينتقض وضوؤه، ولمالك نحوه فى الباب، ولم يأت أن النبى ﷺ فى حديث ذى اليدين - رجع إلى الجلوس ثم قام، وقد كان ﵇ نهض عن موضعه. وقد اختلف أئمتنا فى السلام ساهياً من الصلاة، هل يخرج منها وله فى ذلك تأثير أم لا حكم له، وأنه كالكلام؟ وعلى هذا جاء اختلافهم فى الرجوع بإحرام أم لا؟ وفى الرجوع إن كان قام إلى الجلوس ليأتى بما فاته من النهضة أو لا يلزمه ذلك؛ لأنه كان فى صلاته فنهضته محسوبة له من صلاته، ومتى يكبر على هذا؟ وهو قائم أو حتى يجلس؟ وفرق بعضهم بين أن يكون سهى فى السلام ولم يقصد به التحلل، فقال: هذا لا يلزمه إحرام لأنه كالمتكلم ساهياً، وبين أن يسهوَ على العدد فيسلم قصداً ثم يتذكر، فهذا يحتاج إلى إحرام، واستحب بعضهم له التكبير لإشعار رجوعه للصلاة لا للإحرام؛ لأن فائدة التكبير الإشعار بحركة المصلى، ويجب على قوله هذا اختصاصه بالإمام، وذهب بعضهم إلى التفريق، فلا يكبر إن لم يقم ويكبر إن فارق الأرض وكل هذا على أنه غير تكبيرة الإحرام، فإما أن يكون للإشعار بالرجوع للصلاة، أو يكون تكبيرة للقيام من اثنتين، إن كان السهو فيهما، وقد احتج بعضهم بحديث ذى اليدين لمذهب مالك؛ فى أن الحاكم إذا

стр. 1125

١٠٢ - (...) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُوَ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَبِى المُهَلبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصيْنِ؛ قَالَ: سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى ثَلاثِ رَكَعَاتٍ، مِنَ العَصْرِ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الحُجْرَةَ. فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ اليَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا، فَصَلى الرَّكْعَةَ التِى كَانَ تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَى السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ. ــ نسى حكمه فشهد عنده شاهدان بحكمه أنه يمضيه [خلاف] (١) قول أبى حنيفة والشافعى فى أنه لا يمضيه حتى يتذكره، وأنه لا يقبل الشهادة إلا على غيره لا على نفسه، والنبى ﵇ قد رجع عما قطع عليه أنه لم يكن، إِلا أنه كان لما شهد به عنده من خلفه، لكن قد اختلف الناس فى هذا، فذهب بعضهم إلى هذا وهو ظاهر الحديث، وقيل: بل كان رجوعه ﵇ إلى ما تيقنه من الأمر. وفى كتاب أبى داود: فلم يرجع رسول الله ﷺ حتى يقنه الله (٢)، وعلى هذا ترتب الخلاف المتقدم فى رجوع الإمام فى يقينه إلى شهادة المأمومين، والله أعلم.
следующие страницы →