٩٩ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ مَوْلى ابْنِ أَبِى أَحْمَدَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلى لنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ العَصْرِ، فَسَلمَ فِى رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو اليَدَيْنِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلُّ ذَلِكَ لمْ يَكُنْ ". فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى النَّاسِ فَقَالَ: " أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ " فَقَالوا: نَعَمْ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بَقِىَ مِنَ الصَّلاةِ. ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ - وَهُوَ جَالِسٌ - بَعْدَ التَّسْلِيَمِ.
ــ
من المأموم والإمام، ومنع ذلك بالجملة أبو حنيفة والشافعى وأحمد وأهل الظاهر، وجعلوه مفسداً للصلاة إِلا أن أحمد أباح ذلك للإمام وحده (١) وسوى أبو حنيفة بين العمد والسهو، وحجة من أجاز حديث ذى اليدين، وحجة من منع فى العمد ما تقدم من أن ذلك كان أول الإسلام، وأما وأن النبى ﵇ إنما تكلم على تيقن (٢) عنده من تمام الصلاة، وأن ذا اليدين ظنَّ قصرها وتمامها، وأن غيره إنما أجابوه لوجوب إجابة دعوته أو على تأويل ذى اليدين، ولعلهم لم يسمعوا جواب النبى ﷺ . وأما أبو حنيفة فذهب إلى نسخة لحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم بالنهى عن الكلام فى الصلاة، ولا يصح لهم؛ لأن حديث ابن مسعوِد متقدم، وقد روى أنه كان بمكة، لكن يعارض هذا قوله: " فنزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) فنهينا عن الكلام [فى الصلاة] (٤) " البقرة مدنية، وأبو هريرة ينص على مشاهدته إياه، وهو إنما أسلم بخيبر.
قال الإمام: وأما قوله فى حديث ذى اليدين: " كل ذلك لم يكن "، فقد اعتذر فيه العلماء باعتذارين: أحدهما: أن المراد لم يكن القصر والنسيان معاً، وكان الأمر كذلك وهذا اعتذار ضعيف، والثانى: أن المراد الإخبار عن اعتقاد قلبه وظنه فكأنه مُقَدَّر النطق به وإن كان محذوفاً، فلو قال: كل ذلك لم يكن فى ظنى، ثم كشف الغيب أنه كان لم يكن كاذباً، فكذلك إذا قدَّر ذلك محذوفاً مراداً.
قال القاضى: قَدَّرنا أن الخلف والإخبار على ما ليس به فى حق النبى ﷺ محال، لا على سبيل القصد ولا سبيل السهو والنسيان، وقد جاء هذا الحديث وظاهره الإخبار أنه لم ينس وقد نسى، ولأئمتنا أجوبة: منها ما تقدم، وقيل: قوله: " لم أنس " راجع إلى
стр. 1122
(...) وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الخَزَّازِ، حَدَّثَنَا عَلىٌّ - وَهُوَ ابْنُ المُبَارَكِ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلى رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سُليْمٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ وَسَاقَ الحَدِيثَ.
ــ
السلام، أى لم أنسه فى السلام، بل سلمت قصداً، ولم أسْه فى نفس السلام، وإنما سهوت عن العدد، وهذا بعيد أيضاً. وقيل: كان النبى ﷺ يسهو ولا ينسى؛ لذلك نفى عن نفسه النسيان؛ لأنه غفلة ولم يغفل عنها وكان شغله عن حركات الصلاة ما فى الصلاة شغلاً بها لا غفلةٌ عنها، وهذا إن تحقق على هذا المعنى كان نفيه لنسيان الغفلة صحيحاً أحرى، وقد ظهر لى فيه ما هو أقرب وجهاً وأحسن تأويلاً، إنه إنما أنكر ﵇ لفظة: " نسيت " المضافة إليه، وهو الذى نهى عنه فى قوله: " بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا، ولكنه نُسِّى " (١)، وقد روى: " أنى لا أنسى " على النفى ولكنى أُنَسَّى، وقد شك الراوى على رأى بعضهم فى الرواية الأخرى هل قال: " أنْسَى " أو " أُنَسَّى "، وأنَّ " أو " هنا للشك، وقيل: بل للتقسيم، [وأن هذا يكون] (٢) منه مرة من قبل شغله وسهوه، ومرة يغلب على ذلك وَيجبر عليه ليَسُنَّ، فلما سأله السائل بذلك اللفظ أنكره وقال له: " كل ذلك لم يكن "، وفى الرواية الأخرى: " لم أنس ولم تقصر "، أَمَّا القصر فبين، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسى وغفلتى عن صلاتى، ولكن الله نَسَّانى لأَسُنَّ.
وقوله: " جاءه الشيطان فلبَّس عليه ": أى شكَّكَه وغلطه قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُون﴾ (٣)، وقوله: " فهنَّاه ومنَّاه ": أى أعطاه من الأمانى والهنوء والعطية، ومنَّاه: ذكَّره الأمانى. وقوله: " توشوش القوم ": كذا لأبى بحر بالمعجمة و (٤) لغيره بالمهملة، وكلاهما بمعنى الحركة، أى تحركوا. قال ابن دُريد: وسوسَةُ الشىء مهملاً حَرَكَتُه، وتوشوش القوم تَحرَّكوا وهمسوا بعضهم إلى بعض.
قال القاضى: ونحوه الوسوسة، ومنه وسواس الحلى، وهو صوته عند تحريكه، ومنه وسوسة الشيطان، وهى همسه بإغوائه فى القلوب، قال الخليل: الوسوسة صوت فى اختلاط.
وقوله: " خرج سَرَعان الناس ": كذا رويناه بفتح السين والراء عن متقنى شيوخنا،
стр. 1123
١٠٠ - (...) وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ صَلاةَ الظُّهْرِ، سَلمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سُليْمٍ، وَاقْتَصَّ الحَدِيثَ.
ــ
وهذا قول الكَسَائى وغيره يسكن الراء، أى أَخفاؤهم المسارعون إلى الخروج منهم، وذكر الخطابى أن من الرواة من رواه " سِرعان " بالكسر، قال: وهو خطأ رويناه فى البخارى (١) من طريق الأصيلى " سُرعان " بضم السين، وكذا وجدته بخطه فى أصله ووجهه، جمع سريع، كقفيز وقفزان (٢)، وكثيب وكثبان.
وقوله: " وأنت أيضاً يا أعور (٣) تقول ذلك ": دليل على أن ذكر هذا المن لا يتأذى به ومن عُرِفَ به ولا حرج فيه، وإنما الحرج لمن قاله على سبيل التنقص (٤) والعيب، وإذا كان المقول له يكره قوله " وإبراهيم الأعور المذكور فى الحديث هو إبراهيم بن سويد النخعى الكوفى وإبراهيم (٥) بن النخعى (٦) هو آخر، وزعم الداودى أنه إبراهيم بن يزيد التيمى، ووهم فإنه ليس بأعور، وثلاثتهم كوفيون فضلاء. قال البخارى: إبراهيم بن ميمونة النخعى الأعور والكوفى سمع علقمة (٧)، وذكر الباجى إبراهيم بن يزيد النخعى الكوفى الفقيه، وقال فيه الأعور، ولم يقل البخارى فيه الأعور، ولا رأيت من ذكره و [قد] (٨) قال ابن قتيبة فى العور: إبراهيم النخعى يحتمل أنه ابن سويد كما قال البخارى وإبراهيم بن يزيد النخعى.
وقوله فى حديث ذى اليدين وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم قائل ذلك ابن سيرين، وهذا نص فى السلام من سجدتى السهو. وفى الحديث النصُّ أنها بعد السلام من الصلاة؛ لقوله: " فصلى ركعتين فسلم ثم كَبَّر ثم سجد " (٩) الحديث وفى الرواية
стр. 1124
١٠١ - (٥٧٤) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُليَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَبِى المُهَلبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلى العَصْرَ فَسَلمَ فِى ثَلاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلهُ، فَقَامَ إِليْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لهُ: الخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِى يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَكَرَ لهُ صَنِيعَهُ، وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلى النَّاسِ، فَقَالَ: " أَصَدَقَ هَذَا ". قَالوا: نَعَمْ. فَصَلى رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
ــ
الأخرى: " سجد سجدتين بعد التسليم " وهذا البيان يدفع تأويل المخالف: إنه أراد بقوله: سجد بعد السلام، أى الذى فى التشهد؛ لأن لفظ السلام إن حمل على العهد فهو الذى للتحلل لا الذى فى التشهد، وإن حمل على العموم فيجب أن يكون بعد كل سلام فى الصلاة وآخره سلام التحلل.
فى حديث ذى اليدين وما ذكر فيه من خروجه ﵇ ومجيئه السارية مغضباً ودخوله منزله فى الرواية الأخرى، حجة أن كثرة السهو لا يفسد الصلاة، وحجة لمن يقول بالبناء وإن طال ما لم ينتقض وضوؤه، وقد اختلف عن مالك فى ذلك، فمشهور قوله: أنه يبنى فيما قرب، وربيعة يقول: يبنى ما لم ينتقض وضوؤه، ولمالك نحوه فى الباب، ولم يأت أن النبى ﷺ فى حديث ذى اليدين - رجع إلى الجلوس ثم قام، وقد كان ﵇ نهض عن موضعه.
وقد اختلف أئمتنا فى السلام ساهياً من الصلاة، هل يخرج منها وله فى ذلك تأثير أم لا حكم له، وأنه كالكلام؟ وعلى هذا جاء اختلافهم فى الرجوع بإحرام أم لا؟ وفى الرجوع إن كان قام إلى الجلوس ليأتى بما فاته من النهضة أو لا يلزمه ذلك؛ لأنه كان فى صلاته فنهضته محسوبة له من صلاته، ومتى يكبر على هذا؟ وهو قائم أو حتى يجلس؟ وفرق بعضهم بين أن يكون سهى فى السلام ولم يقصد به التحلل، فقال: هذا لا يلزمه إحرام لأنه كالمتكلم ساهياً، وبين أن يسهوَ على العدد فيسلم قصداً ثم يتذكر، فهذا يحتاج إلى إحرام، واستحب بعضهم له التكبير لإشعار رجوعه للصلاة لا للإحرام؛ لأن فائدة التكبير الإشعار بحركة المصلى، ويجب على قوله هذا اختصاصه بالإمام، وذهب بعضهم إلى التفريق، فلا يكبر إن لم يقم ويكبر إن فارق الأرض وكل هذا على أنه غير تكبيرة الإحرام، فإما أن يكون للإشعار بالرجوع للصلاة، أو يكون تكبيرة للقيام من اثنتين، إن كان السهو فيهما، وقد احتج بعضهم بحديث ذى اليدين لمذهب مالك؛ فى أن الحاكم إذا
стр. 1125
١٠٢ - (...) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُوَ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَبِى المُهَلبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصيْنِ؛ قَالَ: سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى ثَلاثِ رَكَعَاتٍ، مِنَ العَصْرِ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الحُجْرَةَ. فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ اليَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا، فَصَلى الرَّكْعَةَ التِى كَانَ تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَى السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
ــ
نسى حكمه فشهد عنده شاهدان بحكمه أنه يمضيه [خلاف] (١) قول أبى حنيفة والشافعى فى أنه لا يمضيه حتى يتذكره، وأنه لا يقبل الشهادة إلا على غيره لا على نفسه، والنبى ﵇ قد رجع عما قطع عليه أنه لم يكن، إِلا أنه كان لما شهد به عنده من خلفه، لكن قد اختلف الناس فى هذا، فذهب بعضهم إلى هذا وهو ظاهر الحديث، وقيل: بل كان رجوعه ﵇ إلى ما تيقنه من الأمر. وفى كتاب أبى داود: فلم يرجع رسول الله ﷺ حتى يقنه الله (٢)، وعلى هذا ترتب الخلاف المتقدم فى رجوع الإمام فى يقينه إلى شهادة المأمومين، والله أعلم.
стр. 1126
(٢٠) باب سجود التلاوة
١٠٣ - (٥٧٥) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى القَطَّانِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، فَيَسْجُدُ. وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ.
١٠٤ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عمَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَيَمُرُّ بِالسَّجْدَةِ فَيَسْجُدُ بِنَا، حَتَّى ازْدَحَمْنَا عِنْدَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِيَسْجُدَ فِيهِ فِى غَيْرِ صَلاةٍ.
١٠٥ - (٥٧٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ يْحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ (١) فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرَ أَنَّ شَيْخاً أَخَذَ
ــ
قول عبد الله بن مسعود: " قرأ النبى ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد فيها "، قال الإمام أبو عبد الله: اختلف فى عدد سجود القرآن؟ فقيل: إحدى عشرة سجدة ليس فى المفصل منها شىء، وقيل: أربع عشرة، ثلاث فى المفصل زيادة على الإحدى عشرة المذكورة، وقيل: بل خمس عشرة وزاد صاحب هذا القول الآخرة من الحج، وذكر مواضع هذه السجدات فى كتب الفقهاء.
قال القاضى: هذه الأقاويل الثلاثة عندنا فى المذهب، والأول هو مشهور والمعروف عند مالك ﵀ وبه قال جمهور أصحابه وروى عن ابن عباس وابن عمر، والقول الثانى لمالك أنها أربع عشرة، وهو قول ابن وهب من أصحابنا، وزاد ثلاث سجدات المُفصَّل وهو قول أبى حنيفة وأهل الرأى، ووافق الشافعى فى العدد وأبو ثور، وخالفا فى التعيين، فأثبت الشافعى سجدتين فى الحج وأسقط سجدة ص، وأثبت أبو ثور سجدة ص، وسجدتى الحج، وأسقط سجدة النجم، وأما القول الثالث عندنا لمالك: أنها خمس عشرة، فهو قول ابن حبيب وابن وهب فى رواية عنه، وهو قول إسحاق، وفيها عندنا لمالك قول رابع: أن سجود المفصل على التخيير، وفيها قول خامسٌ عن على وابن
стр. 1127
كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِى هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: لقَدْ رَأَيْتُهُ، بَعْدُ، قُتِلَ كَافِرًا.
ــ
مسعود وابن عباس - أيضاً - أنها: " أربع: الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، والعلق "؛ لأنه أمر والباقى خبر، وفيها قول سادس، [و] (١) ذكر عن ابن عباس - أيضاً -: أنها عشرة أسقط آخر الحج والمفصل وص.
قال الإمام: والأصل فى إثبات السجود فى المفصل الأحاديث الواردة [فيها] (٢). قال القاضى: قد ذكر مسلم اختلاف الأحاديث فى ذلك وأن النبى ﷺ لم يسجد فى ﴿وَالنَّجْمِ﴾ من حديث زيد بن ثابت، وأنه سجد فيها من حديث ابن مسعود وفى حديث أبى هريرة - أيضاً - سجوده فى سجود بقية سجود المفصل، وقد روى عن ابن عباس: " لم يسجد النبى ﷺ مند تحول إلى المدينة "، وذهب بعضهم إلى نسخ السجود بتركه؛ لحديث ابن عباس وزيد بن أسلم، ولأن حديث ابن مسعود كان بمكة، ورد هذا بعضهم إذ النسخ يحتاج إلى تحقيق، وقد روى أبو هريرة السجود فى المُفَصَّل، وأنه سجدها مع النبى ﷺ ، وإسلامه متأخر يوم خيبر، وذهب بعضهم إلى أن الخلاف فى ذلك دالٌ على التوسعة، وقال بعضهم: إن حديث زيد بن ثابت إنما هو: قرأت على النبى ﷺ ﴿وَالنَّجْم﴾ فلم يسجد، قالوا: إنما لم يسجد، لأن القارئ لم يسجد وإنما يسجد السامع إذا سجد القارئ، ويأتى بعدُ الكلام فيه، ورجح بعضهم وجه الخمس عشرة بأنها المضمنة ذم من لم يسجد أو مدح من سجد أو أمر بالسجود، ورجح بعضهم وجه الإحدى عشر بأن ما يسجد فيه منها إنما هو ما جاء على طريق الخبر، وما عداها فإنما جاء الأمر بالسجود، وهو محمول على سجود الصلاة أو الصلاة نفسها، وقد اعترض عليه بسجدة " انشقت " وهى خبر، ولا يدخل فى عدده سجدة " حم " وهى أمر، وهى عنده داخلة، وأجاب عن هذا بما لا مقنع فيه، ورجح القول فى السجود فى " حم " عند ﴿يَسْأَمُونَ﴾ (٣) ليصح له الخبر.
قال الإمام: وأما حكم السجود فمذهب أبى حنيفة فيه أنه واجب وليس بفرض على أصله فى التفرقة بينهما، ومذهبنا أنه ليس بواجب، والظاهر أن بين أصحابنا خلافاً، هل هو سنة أو فضيلة؟ فعده القاضى عبد الوهاب فى تلقينه من فضائل الصلاة، وقال غيره من الشيوخ: إنه سنة، وقالوا - أيضاً: يُستقرأ من تشبيهه إياه فى المدونة بصلاة الجنائز فى الوقت، وأقل أحوالها عندنا أنها سنة، أما الوقت الذى يباح فيه سجوده فقيل: يسجد فى سائر الأوقات ما لم يُسفِر بعد الصبح أو تَصفر الشمس بعد العصر، وقيل: لا يسجد بعد العصر، وقيل: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر ولا يسجد بعد العصر.
قال القاضى: لا خلاف أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة
стр. 1128
١٠٦ - (٥٧٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ
ــ
جسد وثوب، ونية، واستقبال قبلة، ووقت مباح للصلاة على ما تقدم، واختلف هل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده وتكبير وتسليم، وعن مالك التكبير لها فى الصلاة فى الخفض والرفع وهذا معلوم مذهبه ومذهب أصحابه، وحكى مكى فى هدايته عنه: لا يكبر فى الخفض فى الصلاة، ويكبر فى الرفع، ولا تكبير فيهما فى غير الصلاة، ولم يحك عنه غيره والخلاف عنه فى التكبير لها فى غير الصلاة مشهور، وخيَّر ابن القاسم فى ذلك، وبالتكبير لذلك قال عامة العلماء، وذكر أبو محمد فى رسالته: أنه يكبر لها وفى الرفع منها سعة، وهذا قول آخر خلاف المعلوم، وما ذكر فى الأمهات وذكره هو فى مختصره، وذهب الشافعى وابن حنبل إلى رفع اليدين عند التكبير لها إذا سجد، وذهب جماعة من السلف وابن راهويه إلى أنه يسلم منها، والجمهور على أنه لا سلام لها.
وقوله: " كان ﵇ يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما (١) يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته ": وقال فى الحديث الآخر: " فى غير صلاة ": لا خلاف أن الإمام إذا قرأ سجدة من العزائم فى الصلاة أنه يلزمه أن يسجد، ويلزم من وراءه السجود معه، ويكره للمصلى قراءتها إذا كان إماماً على الجملة فى صلاة السر، أو إذا كان وراءه جماعة كبيرة فى صلاة الجهر؛ [لأنه خلط] (٢) على من وراءه، فإن فعل وقرأ بها خَطْرَفها (٣)، فإن قرأها سجد، وينبغى له أن يجهر فيها جهراً يبين (٤) لمن وراءه أنها سجدة، واختلف المذهب هل يفعل إذا كانت الصلاة جهرًا والجماعة قليلة، بحيث لا يخفى ذلك عليهم، بالإجازة والمنع وكذلك اختلف فى ذلك للفذِّ، وأما إن قرأها فى غير صلاة فيسجد من جلس إليه للاستماع، على سبيل التعليم إذا سجد. واختلف إذا لم يسجد، هل يلزم المستمع سجود، وكذلك اختلف إذا جلس إليه مستمعاً للثواب لا للتعليم إذا سجد القارئ ولا يسجد إن لم يسجد، وقيل: يسجد، وهذا كله إذا كان القارئ ممن تصح إمامته، واختلف فى المعلم والمقرئ، فقيل: عليهما وعلى القارئ عليهما السجود أوَّل مرة، ثم لا يلزمهما بعد فيما تكرر، وقيل: لا شىء عليهما، وقيل: يسجد فيما تكرر من غير ما سجد فيه، ولا سجود على من جلس لقارئ السجدة ليسجد معه، ولا على من سمِع قراءة رجل [حتى سجود المستمع للتلاوة] (٥) حتى يسجد فيها و [إن] (٦) لمن يجلس إليه، وقيل: يسجد معه، والأصل فى سجود المستمع قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى
стр. 1129
عَن القرَاءَةِ مَعَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: لا قِرَاءةَ مَعَ الإِمَامِ فِى شَىْءٍ. وَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلى رَسُولِ الله ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فَلمْ يَسْجُدْ.
ــ
عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (٢).
وقوله: " حتى ما يجد أحدنا موضعاً لكان جبهته " (٣): قال الداودى: مالك يرى لمن نزل به مثل هذا أن يسجد إذا رفع غيره، وكان عمر يرى أن يسجد الرجل على ظهر أخيه. واختلف فى الخطيب يوم الجمعة يقرأ السجدة فى خطبته، فقال مالك: يستمر فى خطبته ولا يسجد، وقال الشافعى: ينزل فيسجد وإن لم يفعل أجزأه، وقد روى الوجهين عن عمر بن الخطاب فى الموطأ (٤) وعن النبى ﵇ فى المصنفات: " أنه يسجد " (٥).
وقوله: " قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد فيها، وسجد من كان معه غير أَنَّ شيخاً أخذ كفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفينى هذا، فلقد رأيته قتل بعد كافراً ": هذا الشيخ هو أمية بن خلف، قتل يوم بدر ولم يكن أسلم، وإنما سجد؛ لأنه روى أنه سجد حينئذ مع النبى ﷺ المسلمون والمشركون والجن والإنس، قاله ابن عباس حتى شاع أن أهل مكة أسلموا، وانصرف من كان هاجر إلى الحبشة لذلك، وكان سبب سجودهم - فيما قال ابن مسعود - أنها كانت أول سورة نزلت فيها سجدة، وروى أصحاب الأخبار والمفسرون أن سبب ذلك ما جاء على لسان النبى ﷺ من ذكر الثناء على آلهة المشركين فى سورة النجم، ولا يصح هذا فى شىء من طريق النقل، ولا من طريق العقل؛ لأن مدح آلهة غير الله كفر، [ولا يصح أن يُنزل على النبى ﷺ كفر] (٦)؛ ولا أن يقول النبى ﷺ ذلك من قبل نفسه مداراة لهم؛ ولا أن تقوَّله الشيطان على لسانه؛ إذ لا يصح أن يقول ﵇ شيئاً خلاف ما هويه، فكيف فى طريق القرآن وما هو كفر، ولا يسلط الشيطان على ذلك؛ لأنه داعية إلى الشك فى المعجزة وصِدْق النبى ﷺ ، وكل هذا لا يصح. وقد أشبعنا الكلام فى هذا الفصل فى القسم الثالث من كتاب الشفا، بما لا مزيد عليه، وذكرنا تخريج التأويلات فى القصة لو صح نقلها وهو لم يصح، ولا نقل فيه من طريق صحيح ولا مسندٍ متصلٍ، فليطلب بسطه هناك.
وقوله: " لا قراءة مع الإمام فى شىء ": تقدم الكلام فى هذا، وقوله: " وزعم أنه
стр. 1130
١٠٧ - (٥٧٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، مَوْلى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى سَلمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هرَيْرَةَ قَرَأَ لهُمْ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتَ﴾. فَسَجَدَ فِيهَا. فَلمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَجَدَ فِيهَا.
(...) وَحَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمَ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ هِشَامٍ، كِلاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
١٠٨ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾ (١) وَ ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّك﴾ (٢).
ــ
قرأ على رسول الله ﷺ " أى أخبر، والزعم يقع على الحق وعلى الباطل، ومنه: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِم﴾ (٣)، أى بقولهم الباطل فى الحق و ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾ (٤) وقال الشاعر " فى الحق ":
على الله أرزاق العباد كما زعم
قال الهروى: " زعم " هنا بمعنى أخبر وعندى أنه أولى أن يكون هنا بمعنى ضمِنَ كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٥) ومنه الحديث: " الزعيم غارم " (٦)، ويقال: زُعْمٌ وزَعْمٌ وزِعْمٌ، وقد يقع الزَعْمُ لما لا [يُدرى] (٧) أحقٌ هو أم باطل، ومنه الحديث: " بئس مطية الرجل زعموا " (٨).
وقوله فى حديث أبى هريرة: " السجود فى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾ و ﴿اقْرأ﴾: صفوان بن سليم عن عبد الرحمن الأعرج مولى بنى مخزوم عن أبى هريرة، المعروف فى
стр. 1131
١٠٩ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَنَا الليْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُليْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ مَوْلى بَنِى مَخْزُومٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾ و ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّك﴾.
(...) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِثْلَهُ.
١١٠ - (...) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالا: حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ؛ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ صَلاةَ العَتَمَةِ، فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾، فَسَجَدَ فِيهَا. فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِى القَاسِمِ ﷺ ، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: فَلا أَزَالُ أَسْجُدُهَا.
(...) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ. ح قَالَ: وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا سُليْمُ بْنُ أَخْضَرَ،
ــ
ولاء الأعرج عبد الرحمن بن هرمز صاحب أبى الزناد أنه مولى محمد بن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب بن هاشم، وهو فى حديث ذكرَه البخارى فى الجمعة، فقال: مولى ربيعة ابن الحارث (١)، وهذا مما لم يُخْتلف فى ولائه، وقال الدارقطنى: الأعرج هذا عبد الرحمن ابن سعد وليس بعبد الرحمن الأعرج صاحب أبى الزناد، وهما أعرجان. رويا جميعاً عن أبى هريرة، وقد بين نسبه فى الحديث؛ مرة أنه عبد الرحمن، فرواه عن الزهرى وصفوان ابن سليم عن عبد الرحمن بن سعد عن أبى هريرة، وأما أبو مسعود الدمشقى فجعله صاحب أبى الزناد، قال شيخنا أبو على الجبائى: قول الدارقطنى أولى بالصواب (٢).
стр. 1132
كُلُّهُمْ عَنِ التَّيْمِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أنَّهُمْ لمْ يَقُولوا: خَلفَ أَبِى القَاسِمِ ﷺ . ١١١ - (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ؛ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَسْجُدُ فِى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾. فَقُلْتُ: تَسْجُدُ فِيهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. رَأَيْتُ خَلِيلى ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلقَاهُ.
قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ: النَّبِىَّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ.
ــ
وقد ذكر البخارى فى تاريخه: عبد الرحمن بن سعد عن أبى هريرة روى عنه عبد الرحمن ابن مهران حديثه فى أهل المدينة (١)، ثم قال: وعبد الرحمن بن سعد المؤذن سمع عبد الرحمن بن محمد، وعمارة مولى بنى مخزوم القرشى [فيه نظر] (٢).
стр. 1133
(٢١) باب صفة الجلوس فى الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين
١١٢ - (٥٧٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِىٍّ الْقَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِىُّ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ - وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِى عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا قَعَدَ فِى الصَّلاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَىَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ.
ــ
وقوله: " كان ﵇ إذا قعد فى الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى ": كذا رواية شيوخنا أجمع فى هذا الحديث، وهى حجة لنا فى صفة الجلوس فى الصلاة، وقد تقدم الكلام على ذلك، وقال لنا بعض شيوخنا - وهو أبو محمد الخشنى الفقيه - صوابه: " وفرش قدمه اليسرى "
قال القاضى: وكذا جاء فى غير هذا الحديث، ولأن المعروف فى اليمنى أنها منصوبة، وكذا جاء فى حديث ابن عمر: تنصب رجلك اليمنى وتثنى اليسرى (١) وفى الحديث الآخر كان ﵇ إذا جلس فى الصلاة افترش رجله اليسرى، ذكره أبو داود (٢)، ولكن قد ذكرنا هنا ما فعل باليسرى، فتكرار ذكرها ليس من وجه الكلام فكيف يفترشها وهو قد جعلها بين ساقه وفخذه ومن يقول بافتراشها معناه عنده: يقعد عليها، ولعله نصب اليمنى، وقد تكون الرواية صحيحة فى اليمنى إن شاء الله، ومعنى فرش اليمنى هنا لا ينصبها على أطراف أصابعه فى هذه المرة ولا فتح فيها أصابعه كما كان يفعل والله أعلم (٣) وقوله فى
стр. 1134
١١٣ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - واللَّفْظ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَىَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ.
١١٤ - (٥٨٠) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخَبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِى الصَّلاةِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى الَّتِى تَلِى الإِبْهَامَ، فَدَعَا بِهَا، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، بَاسِطُهَا عَلَيْهَا.
ــ
حديث ابن الزبير: " وأشار بإصبعه السبابة ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى "، وذكر فى حديث ابن عمر أنه " عقَد ثلاثًا وخمسين وأشار بالسبابة " ظاهر الروايتين الخلاف؛ إذ ليس فى عقد ثلاث وخمسين وضع إبهام على الوسطى، إِلا أن يُريد على حرف إصبعه الوسطى فتتفق الروايتان، وفى كتاب أبى داود من حديث وائل بن حجر: " وقبض ثنتين وحلق حلقة " (١). اختلف العلماء فى هذه الهيئة فرأى بعضهم التحليق اتباعاً لحديث وائل ابن حُجر، وأنكره بعض علماء المدينة وأخذ بحديث ابن عمر وذهب بعضهم أن يُحَلِّقَ فيضعَ أنملة الوسطى بين عقدتى الإبهام، وأجاز الخطّابى التحليق برؤوس أنامل الوسطى والإبهام، حتى تكون كالحلقة لا يفصل بين جوانبها شىء.
وقوله: " وأشار بإصبعه السبابة " وهو كقوله الذى فى الحديث الآخر: " التى تلى الإبهام " (٢)، واختلف العلماء فى الإشارة بالإصبع وفى صفتها بحسب اختلاف الآثار فى ذلك وفى علة ذلك، فجاء فى الحديث: " لأنها مذَبَّة الشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بإصبعه " (٣)، وقيل: [معناه] (٤): يتذكر بذلك أنه فى الصلاة، وقيل: لأنها
стр. 1135
١١٥ - (...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَانَ إِذَا قَعَدَ فِى التَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبابَةِ.
١١٦ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَآنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصَى فِى الصَّلاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَهَانِى. فَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ. فَقُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ إِذَا جَلَسَ فِى الصَّلاةِ، وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِى تَلِى الإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى.
(...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِىِّ؛ قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ. وَزَادَ: قَالَ سُفْيَانُ: فَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ مُسْلِمٍ، ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ مُسْلِمٌ.
ــ
من التذلل والخضوع، وقيل: بل المراد بها الإشارة للتوحيد، وقيل: إشارة إلى صورة المحاسبة ومحاكاة المناجاة، ومنع بعض العراقيين فى تحريكها جملة، واختلف المذهب عندنا فى صفة تحريكها ووقته، وقيل: تمد من غير تحريك، وقيل: تحرك عند الشهادة، وهما بمعنى، وهذا يكون معنى مدها عند الشهادة، وهو تحريكهما، ومن ذهب إلى أنها مقمعة ومذبَّةٌ للشيطان وليتذكر بها وصَلَ تحريكها، وقد روى عن مالك أنه كان يحركها ويُلِحَّ بها، وأَحاديث مسلم إنما فى جميعها: " وأشار بإصبعه ".
وقوله: " ويُلقم [كفَّهُ] (١) اليسرى [ركبته] (٢) " هو وضعها عليها مُبَدَّدةُ الأصابع، وهو معنى قوله فى الحديث الآخر: " باسطها عليها " وفى ضبط اليدين على هذه الهيئة فى الصلاة شَغْلُها عن العبث. ولهذا أورد ابن عمر الحديث على الذى رآه يعبث بالحصى ونهاه عن ذلك، كما شرع وضع اليمنى على اليسرى حين القيام (٣).
стр. 1136
(٢٢) باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها، وكيفيته
١١٧ - (٥٨١) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ وَمَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ؛ أَنَّ أَمِيرًا كَانَ بِمَكَّةَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنَّى عَلِقَهَا؟ قَالَ الْحَكَمُ فِى حَدِيثِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ.
١١٨ - (...) وحدّثنى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ شُعْبَةُ - رَفَعَهُ مَرَّةً -: أَنَّ أَمِيرًا أَوْ رَجُلاً سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنَّى عَلِقَهَا؟
ــ
وقول ابن مسعود فى الذى رآه يسلم تسليمتين: " أنّى علِقها؟ " أى من أين أخذ هذه السنة واستفادها (١)، من علِق الرجلُ بالشىء وعلق الصيد بالحبالة. واختلف العلماء فى السلام من الصلاة، واختلفت الآثار عن النبى ﷺ فى تسليمه من الصلاة واحدة واثنتين، وأحاديث الواحدة معلولة وقد ذكر مسلم حديث تسليمتين من رواية عبد الله بن مسعود، وذكر من حديث عامر بن سعد عن أبيه: " كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده " واللفظ محتمل أن تكون ذلك بواحدة كما قال الثورى وباثنتين كما قال غيره، واختلف الصحابة والخلف بعدهم والعلماء بحسبِ ذلك للإمام والفذّ والمأموم، واختلفت الرواية عن مالك فى ذلك [أيضاً] (٢) فى الفذ والإمام، وأما المأموم فعلى القولين جميعاً عنده يُسلِّمُ تسليمتين يرد بالثانية، على الإمام وإن كان عن يساره أحدٌ سلَّم عليه ثالثة، واختلف عنه بما يبدأُ بعد الأولى بالإمام أو بمن على يساره؟ وقيل: هو مُخَيَّر، ولابن القاسم التفريق بين الإمام والفذ فيسلم الإمام عنده واحدة والفذ اثنتين، وذهب الثورى إلى أن الإمام والمأموم يسلمان واحدة [والفذائيين] (٣) على أيمانهما وأيسارهما. ولا يجزئ من السلام عندنا إِلا لفظه المعلوم لا يجزى فيه تنكير ولا تنوين على مشهور المذهب، وذهب
стр. 1137
١١٩ - (٥٨٢) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ.
ــ
الشافعى إلى جواز التنكير (١)، وقال ابن شعبان من شيوخنا: والسلام عند جمهور الفقهاء من فروض الصلاة الذى لا يصح التحلل منها إِلا به، والفرض منه عندنا وعند الشافعى تسليمة واحدة، وذهب أحمد بن حنبل وبعض الظاهرية إلى أَنَّ الفرض اثنتان، وذهب أبو حنيفة والثورى والأوزاعى إلى أنه ليس من فروضها، وأنه سنة، وأنه يتحلل منها بكل فعل وقول ينافيها، وذهب الطبرى إلى التخيِّر فى ذلك، قال الداودى: وأجمع العلماء أن من سلَّم واحدة فقد تمت صلاته.
وقوله: " يسلم عن يمينه وشماله (٢) " صفة هيئة السلام للإمام والفذ واحدة، وهو قبالة وجهه، [ويتيامن قليلاً على القول بتسليمة وعلى القول بتسليمتين، يشير عن يمينه واحدة وعن يساره أخرى، وأما المأموم فاختلف تأويلُ شيوخ المذهب على ظاهر قوله: " يسلم عن يمينه " هل يبدأ من اليمين أو يسلم قبالة وجهه] (٣)، ويتيامن كالفذ والإمام، ولم ير مالك فى السلام من الصلاة زيادة قوله: " ورحمة الله وبركاته "، ورآه الشافعى والثورى وأبو حنيفة وغيرهم (٤).
стр. 1138
(٢٣) باب التكبير بعد انقضاء الصلاة (١)
١٢٠ - (٥٨٣) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِى بِذَا أَبُو مَعْبَدٍ - ثُمَّ أَنْكَرَهُ بَعْدُ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ.
١٢١ - (...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْن عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: مَا كُنَّا نَعْرِفُ انقِضَاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا بِالتَّكْبِيرِ.
ــ
قال الإمام: ذكر مسلم فى باب التكبير بعد انقضاء الصلاة: حدثنا زهير، عن ابن عيينة، عن عمرٍو، وأخبرنى (٢) بذا أبو مَعْبد (٣) عن ابن عباس الحديث، وفى نسخة ابن ماهان: ابن عيينة، عن عمرو، أخبرنى جدى أبو معبد، هكذا فى نسخة الأشعرى وابن الحذَّاء عن ابن ماهان وقوله: " جدى " تصحيف، وإنما صوابه أخبرنى بذا يريد بهذا وليس لعمرو بن دينار جدٌّ يروى عنه، وأبو معبد هذا هو نافذ مولى ابن عباس (٤) وعمرو ابن دينار هذا هو أبو محمد مولى ابن بادام (٥) كان من الأنبار من فرس اليمن.
قال القاضى: روايتنا فيه عن جميع شيوخنا (بذا) على الصواب كما ذكر، إِلا من
стр. 1139
قَالَ عَمْرٌو: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأَبِى مَعْبَدٍ فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهَذَا. قَالَ عَمْرٌو: وَقَدْ أَخْبَرَنِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
١٢٢ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى اسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَفْعَ الصَّوتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ، كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ . وَأَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ، إِذَا انْصَرَفُوا، بِذَلِكَ، إِذَا سَمِعْتُه.
ــ
طريق ابن ماهان، وبينه قوله فى الحديث بعد هذا من رواية ابن أبى عمر، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبى معبد مولى ابن عباس، وذكر الحديث، وذكره الخطابى من حديث ابن جُريج كذلك.
قوله فى حديث ابن عباس هذا: " كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير " وفى الرواية الأخرى: " أنَّ رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ ، وكنت أعرف (١) إذا انصرفوا بذلك ": قال الطبرى: فيه الإبانة عن صحة فعل من كان يفعل ذلك من الأمراء يكبر بعد صلاته ويكبر مَنْ وراءه، قال غيره: ولم أجد أحداً من الفقهاء من قال بهذا إِلا ما ذكره ابن حبيب فى الواضحة: كانوا يستحبون التكبير فى العساكر والبعوث إثر صلاة الصبح والعشاء، تكبيراً عالياً ثلاث مرات، وهو قديم من شأن الناس، وعن مالك أنه محدث. قيل: وذكر ابن عباس له يدل على ترك ذلك فى وقته، وإلا فليس كان يكون لقوله معنى.
وأما قوله: " كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير " (٢) فظاهره أنه لم يكن [بحضرة] (٣) الجماعة معه، وكان يعلمها بمشاهدة ذلك، ولأنه كان صغيراً ممن لا يواظب على صلاة الجماعة، ولا يلزمه ذلك.
وقول عمرو بن دينار فى هذا الحديث: " فذكرت ذلك لأبى معبد فأنكره وقال: لم أحدثك به (٤) قال عمرو: "وقد أخبرنيه (٥) قبل ذلك "، وإدخال مسلم له - دليلٌ على
стр. 1140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله بصحة الحديث على هذا الوجه مع إنكار المحدث عنه إذا حدث عنه به ثقة، وهذا إذا أنكره لاسترابة أو تشككٍ (١) أنه لم يروه، فالذى عليه معظم العلماء وأئمة الحديث [والأصوليون] (٢) إعماله، وذهب الكرخى إلى إبطاله، وأما إنكاره إنكار قطع وتكذيب أنه لم يروه قط فيجب رده عند جميعهم، وذلك لتقابل العدالتين وليس إحداهما بأولى بالعمل من الأخرى، فيسقط الحديث.
стр. 1141
(٢٤) باب استحباب التعوذ من عذاب القبر
١٢٣ - (٥٨٤) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ - أَخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِى امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِىَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِى الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: " إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِىَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَل شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِى الْقُبُورِ؟ ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، بَعْدُ، يَسْتَعِيذ مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ.
١٢٤ - (٥٨٥) وحدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ - قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ - أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، بَعْدَ ذَلِكَ، يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
١٢٥ - (٥٨٦) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلىَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ. فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِى قُبُورِهِمْ. قَالَتْ: فَكَذَّبْتهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقْهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ
ــ
وذكر مسلم حديث التعوِّذِ من عذاب القبر فى الصلاة، وهو صحيح ومذهب أهل الحق القول به واعتقاد صحته، وصحة فتنته وهو - والله أعلم - يعنى " فتنة المحيا والممات " التى استعاذ منهما النبى ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾ (١) أو تكون معنى " فتنة الممات ": أى حين الموت والاحتضار، وسيأتى الكلام عليه فى الجنائز وفى آخر الكتاب [إن شاء الله] (٢).
وقولها: " ولم أُنْعم أَنْ أُصَدِّقْهُمَا ": أى لم تطب نفسى بذلك، ومنه أنعم الله عليه،
стр. 1142
لَهُ: يَارَسُولُ اللهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَىَّ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِى قُبُورِهِمْ. فَقَالَ: " صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ ".
قَالَتْ: فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِى صَلاةٍ إِلا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
١٢٦ - (...) حدّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَفِيهِ: قَالَتْ: وَمَا صَلَّى صَلاةً، بَعْدَ ذَلِكَ، إِلا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
ــ
أى قرَّها بما تسرّ به، ومنه قولهم: نعم، أى [هو كما قلت صدقًا] (١) وذكر الاستعاذة من فتنة الدجال وقد مضى شىء من الكلام عليه، ويأتى آخر الكتاب.
وفى تعليم النبى ﷺ لهم الدعاء آخر الصلاة، وحضهم عليه، وفعله له - ما يدل على - عظيم موقع الدعاء، وفضله، وأن من مواطنه المرغب فيها إثر الصلوات.
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ. اللهُمَّ، لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ".
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُريْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ وَرَّادٍ مَولَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ فِى رِوَايَتِهِمَا: قَالَ: فَأَمْلاهَا علَىَّ الْمُغِيرَةُ، وَكَتَبْتُ بِهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ.
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبَابَةَ؛ أَنَّ وَرَّادًا مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنِ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ - كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُ وَرَّادٌ - إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ، حِينَ سَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا. إِلا قَوْلَهُ: " وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ " فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ.
(...) وحدّثنا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ الْمُفَضَّلِ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى أَزْهَرُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ.
ــ
وكذا " وهو داخل فى فتنة المحيا، وجاء [دعاؤه بالتعوذ] (١) من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة القبر، وهو داخل فى فتنة الممات، فدل على جواز الدعاء بالوجهين. وقد جاءت الأحاديث بالأمر بالدعاء إلى الله فى كل شىء، وإن كان قد روى عن بعض السلف استحباب الدعاء بالجوامع، كما تقدم من الاستعاذة من فتنة المحيا والممات، وسؤال العفو والعافية فى الدنيا والآخرة ولكل مقام مقال. ودعاء النبى ﷺ واستعاذته من بعض هذه الأمور التى قد علم أنه عوفى منها وعصم ليلزم نفسه خوف الله وإعظامه، والافتقار إليه، ولتقتدى به أمته، وليَسُنَّ لهم سُنَّته فى الدعاء والضراعة، وهى حقيقه العبودية.
قال الإمام: وقوله: " [و] (٢) لا ينفع ذا الجد منك الجد " أى لا ينفع ذا الغنى منك غناه، والجد: الغنى والحظ من الرزق، وفى الأمثال " جَدَّك لا كَدَّك ". قال القاضى: وقد تقدم الكلام عليه قبل هذا والاختلاف فى ضبطه.
стр. 1148
١٣٨ - (...) وحدّثنا ابْنُ أَبى عُمَرَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ لُبَابَةَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعَا وَرَّادًا كَاتِبَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يَقُولُ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَى بِشَىْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ - إِذَا قَضَى الصَّلاةَ -: " لا إلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. اللهُمَّ، لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ".
١٣٩ - (٥٩٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ؛ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِى دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ، حِينَ يُسلِّمُ: " لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَلا نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لا إِلَهَ إِلا اللهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ". وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ.
١٤٠ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ مَوْلَى لَهُمْ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُهَلِّلُ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. وَقَالَ فِى آخِرِهِ: ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ.
(...) وحدّثنى يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ، إِذَا سَلَّمَ، فِى دُبُرِ الصَّلاةِ أَوِ الصَّلَوَاتِ. فَذَكَرَ بِمِثلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
ــ
وذكر مسلم فى سند هذا الحديث: ابن عون، عن أبى سعيد، عن وَرَّادٍ كاتب المغيرة، قال الإمام: كذا وقع أبو سعيد غير مسمى، وسماه البخارى فى التاريخ الكبير: عبد ربه (١)، وتابعه على ذلك ابن الجارود و [قد] (٢) ذكر البخارى عن إسحاق عن خالد عن الجريرى عن عبد ربه عن ورَّادٍ، قال الدارقطنى: لعله [اسم] (٣) أبى سعيد. قال البخارى:
стр. 1149
١٤١ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكَىَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَقُولُ، فِى إثْرِ الصَّلاةِ إِذَا سَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا. وَقَالَ فِى آخِرِهِ: وَكَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
١٤٢ - (٥٩٥) حدّثنا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، كِلاهُمَا عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - وَهَذَا حَدِيثُ قتَيْبَةَ - أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى والنعيم الْمُقِيمِ. فَقَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِه مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبقُونَ بِه مَنْ بَعْدَكُمْ؟ وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ ". قَالُوا: بَلَى: يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " تُسبِّحُونَ وَتُكبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ، ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً ".
قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاء ".
ــ
قال عثمان بن عمر، عن ابن عون، عن أبى سعيد الشامى، عن ورَّاد، وقال ابن السَّكن فى مصنفه: أبو سعيد عن ورَّاد هو ابن أخى عائشة من الرضاعة، ووهم فى هذا؛ لأن أبا سعيد رضيع عائشة [و] (١) اسمه كثير بن عبيد (٢) مشهور بذلك يعد فى الكوفيين، وذلك رجل شامى (٣)، وأرى دخول الوهْم على ابن السكن (٤) من قبل أن عبد الله بن عون يروى عنهما جميعاً، وقد حكى ابن عبد البر أن أبا سعيد فى هذا الإسناد هو الحسن البصرى وليس هذا بشىء، وقول البخارى ومن تابعه أولى.
وذكر مسلم حديث أبى هريرة: أن فقراء المهاجرين أتوا النبى ﷺ ، وقالوا:
стр. 1150
وزاد غَيْرُ قُتيْبَةَ فِى هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ: قَالَ سُمَىٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِى هَذَا الْحَدِيثَ. فَقَالَ: وَهِمْتَ. إِنَّمَا قَالَ: " تُسَبِّحُ اللهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتَحْمَدُ اللهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتُكبِّرُ اللهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ "، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِى صَالِحٍ فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ. فَأَخَذَ بِيَدِى فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ. اللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهُ وَالْحَمْدُ للهِ. حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلاثَةً وَثَلاثِينَ. قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ. فَحَدَّثَنِى بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
١٤٣ - (...) وحدّثنى أُميَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ،
ــ
" ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى " الحديث فى فضل التسبيح والتكبير والتحميد إثر الصلاة، وقول النبى ﷺ فيه: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ".
قال القاضى: قال أبو القاسم بن أبى صفره: فيه نص على فضل الغنى نصًا لا تأويلاً إذا استوت أعمالهم بما فرض الله عليهم، فللغنى حينئذ (١) فضل أعمال البر المتعلقة بالأموال بما لا سبيل للفقير إليها، وإنما يفضل الفقر والغنى إذا فُضِل صاحبه بالعمل، فهذا ظاهر معنى قوله: ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ (٢)، إنها الأشياء الزائدة على ما يقدر عليه الفقراء من أعمال البر المالية، ورأيت بعض المتكلمين ومن يحتج لتفضيل الفقر على الغنى أغرق فى تأويله، وخالف ظاهره، وذهب أن هذا الفضل راجع إلى ثواب الفقراء على الأغنياء، وأنهم يختصون (٣) بما خاطبهم به النبى ﷺ ، وأعلمهم من فضل ذكرهم وسبقهم به من بعدهم ودرك من سبقهم، وإن هذا الفضل لهم دون غيرهم من الأغنياء [و] (٤) إن قالوه، والفضائل ليست بقياس والأجور بفضل الله يؤتيها من يشاء، وهذا خلاف ظاهر الكلام ومفهومه، وقد قال فى الحديث الآخر: " لا يكون أحد أفضل منكم إِلا من صنع ما صنعتم " ولم يقل: " منكم " مطلقاً، وجعل [الفضل لقائله] (٥) كائناً من كان.
قال الإمام: قال الهروى: واحد الدثور دثر وهو المال الكثير، ومنه حديثه الآخر حين دعا لطهفة: " وابعث راعيها فى الدثر" (٦) يقال: مال دثر ومالان دثره.
قال الإمام: وكذا الدبر بالباء وكسر الدال، معناه أيضاً ومعنى الدثر واحد. قال ابن
стр. 1151
ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ، إِلا أَنَّهُ أَدْرَجَ، فِى حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَوْلَ أَبِى صَالِحٍ: ثُمَّ رَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ. إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَزَادَ فِى الْحَدِيثِ: يَقُولُ سُهَيْلٌ: إِحْدَى عَشَرَةَ إِحْدَى عَشَرَةَ. فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلُّهُ ثَلاثَةٌ وَثَلاثُونَ.
١٤٤ - (٥٩٦) وحدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ ابْنِ عُجْرَةَ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " مُعَقِّبَاتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً ".
١٤٥ - (...) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ
ــ
السِّكيت: الدبر المال الكثير، يقال: مال دبر وأموال دبر.
قال القاضى: قال ابن دريد فى الجمهرة: جاء بمال دثر أى كثير، ورويناه فى كتاب ابن إسحاق فى خبر النجاشى: دبر من ذهب، بفتح الدال، وقال ابن هشام: ويقال: دبر، قال: وهو الجبل بلغة الحبشة. وقال ابن دريد فى الجمهرة - أيضاً -: الدثر قطعة تجسّر (١) فى البحر كالجزيزة (*)، وحكى أبو عمر المطرز أن الدثر - بالثاء - تثنى وتجمع، خلاف ما حكاه الهروى.
ذكر مسلم: الخلاف فى أعداد الذكر فى هذا الحديث وغيره بعد الصلاة، وقول أبى صالح: إن جميعها ثلاث وثلاثون وتفصيل سهيل لها " إحدى عشرة إحدى عشرة " وقول كعب بن عجرة: " ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة " وحديث عطاء عن أبى هريرة بمثله، وذكر فى التكبير ثلاثًا وثلاثين تمام المائة: لا إله إِلا الله - الحديث، وقد ذكر مثل هذا مالك فى موطئه عن أبى هريرة موقوفاً (٢)، وقال: وهذا أولى من تأويل أبى صالح: أن ثلاثاً وثلاثين من جميعهن، إذ قد فسر ذلك أبو هريرة فى هذا الحديث.
وقوله: " معقبات لا يخيب قائلهن ": قال الهروى: قال مشمر: أراد تسبيحات تخلف بأعقاب الصلوات، وقال أبو الهيثم. سميت بذلك؛ لأنها عادت مرة بعد مرة،
стр. 1152
الزَّيَّاتُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " مُعَقِّبَاتٌ لا يَخِيبُ قَائلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ تَكْبِيرَةً، فِى دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ".
(...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلائِىُّ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
١٤٦ - (٥٩٧) حدّثنى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِىُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِىِّ - قَالَ مُسْلِمٌ: أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىَّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : " مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِى دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٍ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ".
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
ــ
وكل من عمل عملاً ثم عاد إليه فقد عقَّبَ. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْه﴾ (١): أى ملائكة يعقب بعضهم بعضاً، وقال الدارقطنى فى حديث كعب بن عجرة: رفع هذا الحديث جماعة، واختلف فى رفعه، على شعبة ومنصور، والصواب وقفة؛ لأن من رفعه لا يقارن منصوراً أو شعبة.
قال الإمام: وذكر مسلم حديث سهيل [ابن] (٢) أبى صالح، عن أبى عُبَيَد الْمَذحجِى، عن عطاء بن يزيد الليثى، عن أبى هريرة [عن النبى ﷺ ] (٣): " من سَبَّح (٤) فى دبر كل صلاةٍ " الحديث، ثم خرجه بعد ذلك عن محمد بن الصباح: ثنا إسماعيل ابن زكرياء، عن سُهيل، عن أبى عُبَيْدٍ عن عطاءٍ، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ، مثله (٥)، فَذكر عطاء غير منسوب. قال أبو مسعود الدمشقى: يُذكر أنَّ محمد بن
стр. 1153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصباح (١) نسبه فقال: عطاء بن يسار، وأخطأ فيه، فإن كان هذا فإن مسلماً أسقط الخطأ من الإسناد ليقرب من الصواب، وقد روى مالك هذا الحديث عن أبى عبيد مولى سليمان عن عطاء [ابن] (٢) يزيد عن أبى هريرة موقوفاً (٣).
стр. 1154
(٢٧) باب ما يقال بين التكبير والقراءة
١٤٧ - (٥٩٨) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَن أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا كَبَّرَ فِى الصَّلاةِ سَكَتَ هُنيّةٍ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: " أَقُولُ: اللهُمَّ، بَاعِدْ بَيْنِى وَبَيْنَ خطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللهُمَّ، نَقِّنِى مِنْ خَطَايَاىَ كَمَا يُنقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ. اللهُمَّ، اغْسِلْنِى مِنْ خَطَايَاىَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ ".
(...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ - يَعْنِى ابْنَ زِيَادٍ - كِلاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ.
١٤٨ - (٥٩٩) قَالَ مُسْلِمٌ: وَحُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ وُيونُسَ الْمُؤَدِّبِ وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ،
ــ
وقوله: " كان إذا كبر سكت هنية " (١) كذا (٢) روايتنا فيه عن جملتهم، وعند الطبرى: " هنيهة " تصغير هَنَة، والهنة والهن كناية عن كل شىء وتلحق الهاء أحياناً فيه إذا صُغِّر، وسكوته هنا ﷺ قد بين أنه لدعاء التوجه، وليست السكتة التى يسكتها الإمام لقراءة من خلفه - على من رأى ذلك - بدليل قول أبى هريرة فى الحديث الذى بعده: " كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالين ولم يسكت "، وقد تقدم الكلامُ فى سكتات الصلاة قبل، وفى التوجه والاختلاف فيه.
وقوله: " دبر كل صلاة ": أو فى آخرها وإثر فراغها وحكى أبو عمر فى اليواقيت: دَبْر كل شىء - بِفتح الدال - آخر أوقات الشىء، الصلاة وغيرها، قال: وهذا المعروف فى اللغة، قال، فأما الجارحة فبالضم، وقال الداودى عن ابن الأعرابى: دَبْر كل شىء ودبُرُهُ بالوجهين: آخر أوقات الشىء، والدِّبارُ جمعه، ودابر الشىء آخره أيضًا.
قال الإمام: وخرج مسلم فى باب ما يقال بين التكبير والقراءة (٣): حُدِّثت (٤) عن
стр. 1155
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا نَهَضَ منَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وَلَم يَسْكُتْ.
١٤٩ - (٦٠٠) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ وَثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ. فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاتَهُ قَالَ: " أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ ". فَأَرَمَّ الْقَوْمُ. فَقَالَ: " أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأسًا " فَقَالَ رَجُلٌ:
ــ
يحيى بن حسان (٢) ويونس المؤدب (٣) وغَيرِهما قالوا: ثنا (٤) عبد الواحد عن عمارة، الحديث. هذا حديث مقطوع من الأحاديث الأربعة عشر المقطوعة فى هذا الكتاب.
قال القاضى: وذكر مسلم حديث أنسٍ " أن رجلاً جاء فدخل الصف وقد حفزه النَّفَسُ فقال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه " الحديث، فيه فضل هذا القول، وهو بعد قوله: " ربنا ولك الحمد " كذا جاء مفسراً فى حديث آخر فى الموطأ (٥) والبخارى، وترجم عليه: " فضل: اللهم ربنا ولك الحمد " (٦) وذكر " بضعة وثلاثين ملكاً " مكان " اثنى عشر ملكاً "، فى كتاب مسلم: " يَبْتَدِرُونَها أَيُّهُم يرفعها "، وعند مالك والبخارى: " أيهما يكتبها أولاً "، وترجم عليه فى حاشيته [كتاب] (٧) مسلم على ظاهر الحديث " فضل الذكر حين دخول الصلاة "، والتراجم ليست من عمل مسلم ولا هى فى كل النسخ، وما روى عن مالك من كراهية هذا القول المذكور فى الحديث فسبيل " أن تجعل سنة، أو من أذكار الصلاة المشروعة، وفيه أن غير الحفظة قد تكتب أعمال العباد وطاعاتهم وترفعها وتتنافسَ فى ذلك وترغب فيه.
وقوله: " حَفَزَهُ النَّفَسُ " أى كدَّه بسرعة سيره لدرك الصلاة مع النبى ﷺ .
وقوله: " فأرَم القوم " بفتح الراء وتشديد الميم، أى سكتوا، مأخوذة من المِرمَّة، وهى الشَفة، أى أطبقوها، وقيل: وقد رواه بعضهم - أيضاً - فى غير الأم: " فأزَم القوم " بالزاى مفتوحة، وميم مخففة، بمعنى الأول، أى سكتوا وأمسكوا عن الكلام،
(٢٨) باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهى عن إتيانها سعيا
١٥١ - (٦٠٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ. أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ - عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَة، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَالَلَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا أَقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوَا، وَمَا
فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ".
ــ
وقوله: " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعون " الحديث: أمر بأخذ الوقار والسكينة فى السير إلى الصلاة؛ لأن الماشى إليها عامل بعض ما يتوصل إليها به، فهو فى عملها وطاعتها وانتظار عملها فهو كمن هو فى صلاة، كما جاء فى الحديث: " فإن أحدكم فى صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة " (١)، فيجب أن يلتزم حينئذٍ ما يلتزمه المصلى، وهذا مذهب مالك واختياره، وفسر قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ (٢) بالمشى والعمل لا بالجرى والاشتداد، وأيضًا فإنه إذا اشتد وجرى دخل فى الصلاة مبهوراً، فلم يتمكن من قراءة ولاخشوع. وقد رخص جماعة من السلف فى الهرولة والإسراع إليها إذا خاف فواتها، وروى عن ابن عمر، واختلف عن ابن مسعود فى ذلك، وقال إسحاق: يسرع إذا خاف فوات الركعة، وروى عن مالك نحوه وقال: لا بأس من كان على فرس أن يحرك الفرس، وتأوَّله بعضهم على الفرق بين الراكب والماشى؛ لأن الراكب لا يَبْهرُ كبَهْرِ الراجل. والقول الأول أظهر؛ لظاهر الحديث ولقوله: " عليكم السكينة "، وذكر الوقار والسكينة [هنا و] (٣) هما بمعنى "، قيل: على طريق التأكيد، وهو من التسَمُّتِ والسكون والاستقرار والتثاقل عن الخفة والعجلة.
وقوله: " فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " قوله هذا، وقوله فى الحديث الآخر:
стр. 1158
١٥٢ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِى الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا ثُوِّبَ للِصَّلاةِ فَلا تَأتُوهَا وَأَنْتمْ تَسْعَوْنَ، وَأَتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلاةِ فَهُوَ فِى صَلاةٍ ".
١٥٣ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا نودِىَ بِالصَّلاةِ فَأتوا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمْ السَّكِيَنَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ".
١٥٤ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ - يَعْنِى ابْنَ عِيَاضٍ - عَنْ هِشَامٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا
ــ
" فصل (١) ما أدركت واقض ما سبقك " اختلف العلماء، هل ما أدرك أوَّل صلاته لقوله: " وما فاتكم فأتموا؟ " وهو قول جمهور العلماء والسلف، أو ما أدرك آخر صلاته لقوله: " واقض ما سبقك "؟ وهو قول جماعة من السلف وأبى حنيفة، وكلا القولين عن مالك ﵀ وكبراء أصحابه، ثم القائلون (٢) بأن ما أدرك أول صلاته جمهورهم على أنه لا يخالف بها الإمام فى قراءة ولا عمل لكنها أوَّلُ صلاته وابتداؤها حقيقة، ثم يتم ما فاته منها على نحو ما فاته، ومما أدرك تكبيرة الإحرام ولا تكون إِلا فى أول الصلاة، ويسلم بعد القضاء وهو فى آخر الصلاة، وذهب بعضهم إلى قراءته لنفسه ورآه فيما أدرك بما كان يقرأ فى أول صلاته، ويتمّها بعد سلام الإمام على أنها آخر صلاته، يقرأ بأم القرآن فقط على معنى قوله: " فأتموا "، وإلى هذا ذهب إسحاق والمزنى وأهل الظاهر، ومعنى " اقضوا " عند هؤلاء و " أتموا " واحد، فالعرب تستعمل القضاء على غير معنى إعادة ما مضى، قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات﴾ (٣): أى صنعهن وأوجدهن، وقالوا: قضى فلان حقَّ فلان، وقال الله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاة﴾ (٤)
وقوله: " وما فاتكم " دليل على جواز قول: فاتتنا الصلاة خلاف ما كره ابن سيرين من ذلك، وأنه إنما يَقول: لم ندركها. قال مسلم فى الباب: [ثنا] (٥) إسحاق بن
(٢٩) باب متى يقوم الناس للصلاة ؟
١٥٦ - (٦٠٤) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أبَى سَلَمَةَ وَعبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِى ".
وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: " إِذَا أُقِيمَتْ أَوْ نُودِىَ ".
(...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَجَّاج بْنِ أَبِى عُثْمَانَ. ح قَالَ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ شَيْبَانَ، كُلُّهُمُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَزاَدَ إِسْحَاقُ فِى رِوَايَتِهِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ وَشَيْبَانَ: " حَتَّى تَرَوْنِى قَدْ خَرَجْتُ ".
ــ
وقوله فى حديث أبى قَتَادةَ: " إِذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى ترونى ": قيل ذلك؛ لئلا يطرأ عليه عارض يُمسكه عن الإسراع للخروج فيشق على الناس انتظاره قياماً، وفيه جواز الإقامة والإمام فى منزله إذا كان يسمعها، وفيه أن القيام للصلاة لا يلتزم بالإقامة، أو قوله: قد قامت الصلاة أو حىّ على الفلاح، على ما نذكره من اختلاف العلماء، وإنما يلزم بخروج الإمام. وفى الحديث الآخر عن بلال: " أنه كان لا يقيم حتى يخرج النبى ﵇ فإذا خرج أقام حين يراه " (١)، وفى حديث أبى هريرة: " أقيمت الصلاة فقمنا فعدَّلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فقام مقامه " (٢)، وفى حديثه (٣) الآخرِ: " كانت تقام الصلاة فيأخذ الناس (٤) مصافَّهم قبل أن يقوم رسول الله ﷺ مقامه ": يجمع بين مختلف هذه الأحاديث بأن بلالاً كان يراقب