← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد روى فى هذا الحديث زيادة: " ليُضِلَّ الناسَ "، ولكنها منكرة غير صحيحة. قال الطحاوى: ولو صحَّت لكان معناها التأكيد كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ليضِلَّ النَّاسَ﴾ (١) قال ابن البيّع: وهذا حديثُ واهٍ. وقد روى قوم أيضاً تفسير الكذب عليه فى حديث [آخر] (٢) أنَّه إنما هو فيمن كذب عليه فى غيبه (٣) وشين (٤) الإسلام، قال: وهو حديث باطل أيضاً فى [رواية] (٥) جماعة لا يُحْتَج [بحديثهم] (٦). وذهب آخرون إلى أَنَّ الحديث ورد فى رجُلٍ بعينه كذب عليه (٧) فى حياته، وادَّعى لقوم أنَّه رسولُه- إليهم يحكم فى أموالهم ودمائهم، فأمر ﵇ بقتله إن وُجِد حياً وإحراقه إن وُجِد ميّتاً (٨). وحُجَّةُ أصحاب القول الأول تَهيُّبُ عُمَرَ والزبير وغيرهما الحديث عنه ﵇ [واحتجاجهم بهذا الحديث، ولو كان الوعيد فى رجُلٍ] (٩) بعينه أو مقصوراً على سبَبٍ أو فى فن مفردٍ لما حذروا ذلك، والصوابُ عُمومه فى كل خبَر تُعُمد به الكذب عليه ﷺ ؛ ولهذا قال فى الحديث الآخَر: " إِنَّ كذباً علىَّ ليس كَكذِبٍ (١٠) على أحدٍ " (١١) وقوله:

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ " لا تكذبوا علىَّ "، وقوله: " من قال علىَّ ما لم أقُل " (١)، وهذه الألفاظ كلها فى الصحيحين، وإذا كان الكذبُ ممنوعاً- فى الشرع جملةً فهو على النبى- ﵇ أشد؛ لأن حقَّه أعظم، وحق الشريعةِ آكد، وإباحةُ الكذب عليه ذريعةٌ إلى إبطال شرعه، وتحريف دينه، ومن أجل حديث علىّ والزبير هاب من سمع الحديث أن يُحدّثَ بكل (٢) ما سمع، وقد اعتذر الزبير لأنهما لم يذكرا فى حديثهما " متعمداً " ونحوه فى حديث سلمة بن الأكوع، وترخَّص (٣) من ترخَّص فى الرواية بذكره العمد فى حديث أبى هريرة وأنس والمغيرة بن شعبة، وكرهوا الإكثار توقياً وحذراً من الوقوع فى ذلك بغير قصد، وإن كان الخطأ والنسيان مما لا تُؤاخذ به هذه الأمة، لكن لشدة الأمر، وأنه ليس كغيره من الكذب كما قال- ﵇، وتحرّزاً أن يكون فى الإكثار ضرْبٌ من التفريط، والتكلف، وقلة التوقى، فيشبه العمد والقصد، ويقع فى حمى النهى فلا (٤) يُعذَر بالوهم، ولهذا ذمَّ الأئمةُ الإكثار ونَهوا عنه (٥)، وقل ما سلم مكثر من الطعن عليه مع ما فيه من التغرير بمن لا يميز الصحيح من السقيم، كما أشار إليه مسلم- ﵀ قبل هذا، مما يبين ما قلناه. قال الطحاوى: واختلاف هذه الأحاديث بزيادة لفظة الكذب أو نقصها لا يوجب اختلافاً (٦) فى معناها، وإنما هو على التأكيد كما يقال: رأيتُ ذلك بعينى وسمعتهُ بأذنى (٧).

стр. 108

(٣) باب النهى عن الحديث بكل ما سمع ٥ - (٥) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ". وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سُليْمانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ؛ قَال: قَال عُمَرُ بْنُ الخَطَابِ - رَضِىَ اللهُ تَعَالى عَنْهُ -: بِحَسْبِ المَرْءِ مِنَ الكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. ــ وقوله ﵇: " كفى بالمرء إثماً (١) أن يُحدّث بكل ما سمع " (٢)، قال الإمام: رواه شُعبة، عن خُبيب (٣) بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم؛ أن رسول الله ﷺ ... فأتى به مرْسلاً لم يذكر فيه أبا هريرة. هكذا روى من حديث معاذ [بن معاذ] (٤). وغندر وعبد الرحمن بن مهدى عن شعبة، وفى نسخة أبى العباس الرازى وحده فى هذا الإسناد عن شُعبة، عن خبيب، عن حفصٍ، عن أبى هريرة مسنداً ولا يثبت هذا، وقد أسنده مسلم بعد هذا من طريق على بن [حفص] (٥) المدائنى عن شعبة. قال على بن عمر الدارقطنى: والصواب مرسل عن شعبة، كما رواه معاذ وغندر وابن مهدى. قال القاضى: معناه: أن من حدَّث بكل ما سمع وفيه الحقُّ والباطل والصدق والكذب، نُقل عنه هو أيضاً ما حدَّث به من ذلك، فكان من جملة من يروى الكذب، وصار كاذباً

стр. 109

وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ سَرْحٍ قَال: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ؛ قَال: قَال لِى مَالِكٌ: اعْلمْ أَنَّهُ ليْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلا يَكُون إِمَامًا أَبَدًا، وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَال: بِحَسْبِ المَرْءِ مِنَ الكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِىٍّ يَقُولُ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ. ــ لروايته إيَّاه، وإن لم يتعمَّدُه، ولا عرف أنه كذب. وهو أقوى فى الحجة للأشعرية فى أنه لا يشترط فى الكذب العمدُ، من دليل خطاب الحديث المتقدَّم. وأما حديثه الآخر الذى ذكر مسلم أوَّل الفصل من حديث سمرة والمغيرة: " من حَدَّث عنى حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " فَبيّنُ المعنى، لأنه مُحدّثٌ عنه- ﵇ بما يقطع أو يغلبُ على ظنه باطله، والمحدّثُ بمثل هذا عنه مُفْتَرٍ عليه، وكمتعمد الكذب عليه، مرتكب لما نهى عنه فهو أحدُ الكاذبين. قال أبو جعفر الطحاوى: هو داخل فى وعيد الحديث فيمن كذب على النبى ﷺ (١). قال أبو عبد الله الحاكم: هذا وعيد للمحدّث إذا حدّثَ بما يعلم أنه كذبٌ وإن لم يكن هو الكاذب. قال القاضى: وكيف لا يكون كاذباً وهو داخل تحت حدّ الكاذب. وكلامه داخل تحت حدّ الكَذِب، والرواية فيه عندنا: " الكاذِبين " على الجمع.

стр. 110

وحدّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ؛ قَال: سَأَلنِى إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: إِنِّى أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ القُرْآنِ، فَاقْرَأْ عَلىَّ سُورَةً، وَفَسِّرْ حَتَّى انْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ. قَال فَفَعَلتُ. فَقَالَ لِىَ: احْفَظْ عَلىَّ مَا أَقُول لَكَ، إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِى الحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَلمَا حَمَلهَا أَحَدٌ إِلا ذَلَّ فِى نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِى حَدِيثِهِ. وَحَدّثَنِى أَبُو الطِّاهِرِ وَحَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِى يُونسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عبد الله بْنِ عُتْبَةَ؛ أَنَّ عَبدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَال: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلغُهُ عُقُولهُمْ، إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً. ــ وذكر قول إياس بن معاوية: " إنى أراكَ كلفْتَ (١) بهدا العلم "، ورويناه من طريق الطبرى: " عَلِقْتَ " لكن وقع عند الخشنى عنه بضم اللام، وهو وهم، وصوابه كسر اللام فى الحرفين، ومعنى " كَلِفْتَ " أى: ولِعت به (٢). حكاه صاحب العين. قال ابن دريد: كلِفَ بالشىء أحبَّه، وهو معنى علقْتَ أيضاً، والعلاقة الحبُّ، قال صاحب الأفعال: علق الشىء بالشىء والحبّ بالقلب، وعلقت أفعل كذا، أى: أدمته، كله بكسر اللام. وقوله: " إياك والشناعةَ فى الحديث " معناه: أن يأتى منه بما يُنكَرُ ويقبح (٣) الحديث عنه، يقال: شنَعتُ بالشىء، أى أنكرتُه- بكسر النون- وشَنُع الشىء- بضمها- قبُحَ وشَنَّعْتُ على الرجُلِ إذا ذكرت عنه قبيحاً (٤). حذَّره بهذا أن يُحدث بالأحاديث. المنكرة التى يشنع بها الحديث [وينكر ويقبح] (٥) على صاحبه فيُكذَّبُ ويُسْترابُ (٦) فتسقط منزلتُه، ويذل فى نفسه، كما قال فى آخر الخبر.

стр. 111

(٤) باب النهى عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط فى تحملها ٦ - (٦) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدٍ، قَال: حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، قَال: حَدَّثَنِى أَبُو هَانِئ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَال: " سَيَكُونُ فِى آخِرِ أُمَّتِى أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ ". ٧ - (٧) وَحَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِىُّ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: حَدَّثَنِى أَبُو شُرَيْحٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَكُونُ فِى آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لا يُضِلونَكُمْ وَلا يَفْتِنُونَكُمْ ". وَحَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ المُسَّيْب بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبَدَةَ، قَال: قَال عَبْدُ اللهِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ ليَتَمَثَّلُ فِى صُورَةِ الرَّجُلِ فَيَأتِى القَوْمَ فَيُحَدِّثَهُمْ بِالحَدِيثِ مِنَ الكَذِبِ. فَيَتَفَرَّقُونَ. فَيَقُول الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلاً أَعْرِفُ وَجْهَهُ، ولَا أَدْرِى مَا اسْمُهُ، يُحَدِّثُ. ــ وقوله: " دجالون كذابون ": قال ثعلب: كل كذّاب دجال، وبه سُمى الدَجَّال لتمويهه على الناس وتلبيسه، يقال: دجَل، إذا موه ولبَّس، ودجَل فلانُ الحقَّ بباطِلِه، أى غطّاه. وقال أيضاً: سُمى بذلك لضربه فى الأرض وقطعه نواحيها، يقال: دجَل الرجُل- بالفتح والضم- إذا فعل [لمثل] (١) ذلك. وقال مسلم: " حدثنى (٢) أبو سعيد الأشج [قال] (٣): حدثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن عامر بن عَبَدة ". أكثر رواة مسلم يقولونه: عبد، بغير هاء (٤)، والصواب إثباتها، وكذا نبَّهنا عليها الحافظ أبو على وغيره من متقنى شيوخنا، وكذا قرأته فى الأم على ابن أبى جعفر، وكذا

стр. 112

وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ؛ قال: إِنَّ فِى البَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً أَوْثَقَهَا سُليْمَانُ، يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلى النَّاسِ قُرآناً. وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِىُّ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَال سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَن طَاوسٍ؛ قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلى ابْنِ عَبَّاسٍ ــ ذكره الجيانى، وهو قول الحفاظ: أحمد بن حنبل، وابن المدينى وابن معين، والدارقطنى، وعبد الغنى بن سعيد (١) وغيرهم، ثم اختلفوا فى فتح الباء وإسكانها. فروينا عن على بن المدينى (٢) ويحيى بن معين، وأبى مسلم المستملى، الفتح، وهو الذى حكاه عبد الغنى فى كتابه (٣)، وكذا وجدته بخط شيخنا [القاضى] (٤) الشهيد مُتْقَناً فى تاريخ البخارى (٥)، روينا الإسكان عن أحمد بن حنبل وغيره، وبالوجهين ذكره الدارقطنى فى مؤتلفه، وقيَّده ابن ماكولا فى إكماله والفتح أشهر، وكذا رويناه عن أبى على الطبرى. وذكر مسلم قول عبد الله بن عمرو بن العاص فى خبر الشياطين وأنه " يوشِك أن

стр. 113

- يَعْنِى بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ - فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا. فَعَادَ لهُ. ثُمَّ حَدَّثَهُ. فَقَالَ لهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذا. فَعَادَ لهُ. فَقَالَ لهُ: مَا أَدْرِى، أَعَرَفْتَ حَدِيثِى كُلَّهُ وَأَنْكَرْتَ هَذَا؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِى كُلهُ وَعَرَفْتَ هَذَا. فَقَالَ لهُ ــ يخرج فيقرأ للناس قرآناً ". قد حفظ الله كتابه، وضمن ذلك فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). وقد ثبت القرآن ووقع عليه الإجماع، فلا يزاد فيه حرف ولا ينقُص حرف وقد رام (٢) الروافض والملحدة ذلك فما يمكن لهم، ولا يَصحُّ أن يقبل مسلم من أحدٍ قرآناً يدعيه مما ليس بين الدفتين، فإن كان لهذا الخبر أصل صحيح (٣) فلعله يأتى بقرآن فلا يقبل منه كما لم يقبل ما جاءت به القرامطة (٤) ومسيلمة وسجاح وطليحةُ وشبههم، أو يكون أراد بالقرآن ما يأتى به ويجمعه من أشياء يذكرها، إذ أصل القرآن الجمعُ، سمى بذلك لما يجمعه من القصص

стр. 114

ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذ لمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَليْهِ، فَلمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلول، تَرَكْنَا الحَدِيثَ عَنْهُ. وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَال: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظُ الحَدِيثَ، وَالحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . فَأَمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلولٍ، فَهَيْهَاتَ. وَحَدَّثَنِى أَبُو أَيُّوبَ سُليْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الغَيْلانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِى العَقَدِىَّ - حَدَّثَنَا رَبَاحٌ عَنْ قَيْسِ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَال: جَاء بُشَيْرٌ العَدَوِىُّ إِلى ابْنِ عَبَّاسٍ. فَجَعَل يُحَدِّثُ وَيَقُول: قَال رَسُول الله ﷺ ، قَال رَسُول الله ﷺ . فَجَعَل ابْنُ عَبَّاسٍ لا يَأذَنُ لِحَدِيثِهِ وَلا يَنْظُرُ إِليْهِ. فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالى لا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِى؟ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَلا تَسْمَعُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُول: قَال رَسُول اللهِ ﷺ ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِليْهِ بِآذَانِنَا، فَلمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلول، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلا مَا نَعْرِفُ. ــ والأمر والنهى والوعد والوعيد، وكل شىء جمعته فقد قرأتَه (١). وقوله: " يوشك ": أى (٢) يقرُب ويسرع، والوَشك السرعةُ بالفتح، وحكى بعضُهم الكسر، وأنكره الأصمعى. وذكر قول ابن عباس: " فلما رَكب الناس الصعبَ والذلول " وقوله [أيضاً] (٣): " ركبتم كل صعب وذلول فهيهات .. " هذا مثل، وأصله فى الإبل، أى: سلكوا كل مسلك من الحديث مما تُحمَدُ وترضى سلوكه. كالذلول من الإبل المستحسن الركوب، ومما ينكر ويشق سلوكه كالصعب منها. ومعنى " هيهات ": أى ما أبعد استقامة أمركم، أو فما أبعد أن نثق بحديثكم (٤) ونسمع منكم ونُعول على روايتكم، يقال (٥): هيهاه، بالهاء أيضاً، وهذه الكلمةُ موضوعة للإبعاد للطلب واليأس منه، ومن الناس من يكسر تاءها فى الوصل ويقف عليها بالتاء، ومن فتحها وقف عليها [ها] (٦)، قال الله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا

стр. 115

حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّىُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُليْكَةَ؛ قَال: كَتَبْتُ إِلى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلهُ أَنْ يَكْتُبَ لِى كِتَابًا وَيُخْفِى عِنِّى. فَقَالَ: وَلدٌ نَاصِحٌ، أَنَا أَخْتَارُ لهُ الأُمُورَ اخْتِيَارًا وَأُخْفِى عَنْهُ. قَال: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلىٍّ. فَجَعَل يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُ بِهِ الشَىْءُ فَيَقُول: وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلىٌّ إِلا أَنْ يكُونَ ضَلَّ. حَدَّثَنَا عَمْرو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ؛ قَال: أتَي ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِىٍّ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - فَمَحَاهُ، إِلا قَدْرَ، وَأَشارَ سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ. ــ تُوعَدُونَ﴾ (١)، ويقال: أهيهات، بالهمز [أيضاً] (٢) بفتح الهمزة وكسرها [معاً] (٣)، وقد جاء فى الكتاب بعد هذا فى حديث المرأة والمزَادتين: " أيأت أيأت " بهمزة مكان الهاء الثانية (٤). وقوله: " فجعل لا يأذن لحديثه " أى: لا يستمع، ومنه ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٥) أى: سمعت، ومنه سُمَيت الأذن. وذكر مسلم عن ابن أبى مليكة: " كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب إلىَّ كتاباً ويُخْفِى عنى "، ثم قال ابن عباس فى الخبر: " أختارُ له الأمور اختياراً وأخفى عنه " هكذا روينا الحرفين عن جميع شيوخنا بالحاء المهملة (٦)، إلا عن أبى محمد الخشنى (٧)، فإنى قرأتُها عليه بالخاء المعجمة، وكان أبو بحر (٨) يحكى لنا عن شيخه القاضى أبى الوليد الكنَّانى أن صوابه بالخاء المعجمة، ومعناه عندى (٩) أى: لا تحدثنى بكل ما رويته، ولكن أخف بعضه عنى مما لا أحتمله ولا تراه صواباً، ويدل عليه قوله: " أختار له "، ويظهر لى أن رواية الجماعة هى الصواب، وأن معنى أحفى أى انقص، من إحفاء الشوارب وهو جَزُّها، ومنه قولهم فى قوله [أحفا أى] (١٠): نقص (١١)، أى أمسك عنى من حديثك

стр. 116

حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِىِّ الحُلوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ؛ قَال: لمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلىٍّ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَال رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ علىٍّ: قَاتَلهُمُ اللهُ، أَىَّ عِلمٍ أَفْسَدُوا. ــ ولا تكثر على، ويكون الإحفاء الإلحاح والاستقصاء، ويكون عنى بمعنى علىَّ، أى استقص ما تحدثنى به وتجلد علىَّ ومن أجلى (١)، وحكى المفجّعُ (٢) اللغوى فى " المنقذ ": [أحفى] (٣) فلان على فلان فى الكلام إذا أربى عليه وزاده. وفى [هذا] (٤) الحديث: " ولد ناصح " ووقع عند العذرى: " ولك ناصح "، وهو تصحيف. وذكر مسلم عن بعض أصحاب على قاتلهم الله: " أىَّ علمٍ أفسدوا ". أشار إلى ما أدخلته الروافض [والشيَعُ] (٥) فى علم علىّ- رضى الله عنه- وحديثه، وتقولوه من الأباطيل، وإضافته (٦) إليه من الروايات المفتعلة [عليه] (٧) حتى خلطت الحق بالباطل والخطأ بالصواب ولم يتميَّز. وقوله: " ما قضى بهذا علىُّ إلا يكون ضلَّ ": المعنى: أنه لا يقضى به إلا ضال وعلىٌّ غير ضال فلا تصَحَّ (٨) أن يكون قضى به، لا أنه حكم بضلاله [إن صَحَّ أنه قضى به] (٩) أو يكون الضلال هنا بمعنى الخطأ كما قال: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (١٠)

стр. 117

حَدَّثَنَا عَلىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِى ابْنَ عَيَّاشٍ - قَال: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ يَقُول: لَمْ يَكُنْ يَصْدُقُ عَلى عَلىٍّ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - فِى الحَدِيثِ عَنْهُ، إِلا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ. ــ أى: المخطئين، وقيل: [من] (١) الناسِ.

стр. 118

(٥) باب بيان أن الإسناد من الدين، وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات، وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز، بل واجب، وأنه ليس من الغيبة المحرّمة، بل من الذبّ عن الشريعة المكرّمة . حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَحَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ هِشَامٍ، قَال: وَحَدَّثَنَا مَخْلدُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ؛ قَال: إِنَّ هذَا العِلمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأخُذُونَ دِينَكُمْ. حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَاصِم الأَحْوَلِ، ــ قال مسلم: " حدثنا حسن (١) بن الربيع، ثنا حماد بن زيد عن أيوبَ وهشامٍ، عن محمد. وحدثنا فضيل عن هشام، وحدثنا (٢) مخلد بن حسين عن هشام ". هشام أولاً مخفوض معطوف على أيوب، والقائل ثنا فضيل وثنا مخلد هو حسن (٣) ابن الربيع، وفضيل هذا هو (٤) ابن عياض الزاهد (٥)، وهشام هو الدستوائى (٦)، ومحمد

стр. 119

عَنِ ابْنِ سِيرِينَ؛ قَال: لمْ يَكُونُوا يَسْألونَ عَنِ الإِسْنَادِ. فَلمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ، قَالوا: سَمُّوا لنَا رِجَالكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلى أَهْلِ السُّنَةِ فَيُؤُخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلى أَهْلِ البِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ. ــ الذى حدث عنه أولاً هو ابن سيرين (١) وهو المفسَّرُ فى حديث فضيل ومخلد (٢). وقوله: " وينظر إلى أهل البدع (٣) فلا يؤخذ حديثهم " مع ما ذكره عن السلف والأئمة من مثل هذا، يؤيد ما قلناه فى ترك حديثهم، خلاف ما حكاه الغسَّانى من الاتفاق على قبوله إذا لم يكونوا دُعاةً ولا غلاة، وظهر صدقهم، وقد ذكرنا أن أبا عبد الله بن البيع ذكرهم فى القسم الخامس. قال القاضى: وإلى قبول روايتهم وشهادتهم مال الشافعى، وقال مالك: لا يؤخذ الحديث عن صاحب هوى يدعو إلى هواه، فانظر اشتراطه الدعاء، هل هو ترخيص فى الأخذ عنه إذا لم يدْع، أو أن البدعة سبب لتُهمته أن يدعو الناس إلى هواه، أى لا تأخذوا عن ذى بدعة فإنه ممن يدعو إلى هواه؟ أو أن هواه يحمله أن يدعو إلى هواه فاتهمه (٤) لذلك، وهذا المعروف من مذهبه، وقد تأول الباجى أن معنى يدعو يظهرها ويحقق (٥) عليه، فأما من دعا فلم يُخْتَلف فى ترك حديثه، وقد ذمَّ مسلم بعد هذا الرواية عنهم. وأما القاضى أبو بكر الباقلانى (٦) فى طائفة من المحققين من الأصوليين والفقهاء

стр. 120

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ سُليْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَال: لقِيتُ طَاوُسًا فَقُلْتُ: حَدَّثَنِى فُلانٌ كَيْتَ وَكَيْتَ. قَال: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلياً فَخُذْ عَنْهُ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّد الدَّمَشْقِىَّ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ سُليْمَانَ بْنِ مُوسَى؛ قَال: قُلْتُ لطَاوُسٍ: إِنَّ فُلاناً حَدَّثَنِى بِكَذَا وَكَذَا: قَال: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلياً فَخُذْ عَنْهُ. ــ والمحدثين من السلف والخلف فأبوا قبول خبر المبتدعَة والفساق المتأولين، ولم يعذروهم بالتأويل، وقالوا: هو فاسق بقوله، فاسق بجهله، [فاسق] (١) ببدعته، فتضاعف فِسْقُه، وعلى هذا وقع خلاف الفقهاء فى شهادتهم. فقبلها الشافعى وابن أبى ليلى وردَّها مالك وغيره (٢). وكذلك لا يشترط فيمن دعا إلى بدعته ما ذكره الغسانى من افتعاله الحديث وتحريفه الرواية لنصرة مذهبه، فإن هذا يثبت (٣) كذبه وطرح قوله ولو لم يكن ذا بدعة، ومن شُهِرَ بالبدعة اتهمناه أن يفعل هذا وإن لم يفعله لثبوت فِسقه ببدعته. [و] (٤) قال مالك: لا يؤخذ الحديث عن أربعة، ويؤخذ عمن (٥) سواهم: رجل مُعلن بفسقِه- وإن كان أروى الناس- ورجل يكذبُ فى أحاديث الناس- وإن كنت لا تتهمه على حديث رسول الله ﷺ وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، ورجل له فضل لا يعلم ما يحدث به. ذكر مسلم عن طاوس: " إن كان صاحبك مليئاً فخذ عنه ": يريدُ: ثقة يعتمد على ما عنده، فهو كالملىء الذى يُعتمد مُعَامِلهُ ومودِعُهُ على ما فى أمانته وذمته؛ لأن هذا بِمَلأته (٦) فى ثقته ودينه مثله فى ماله (٧).

стр. 121

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلىٍّ الجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا الأَصْمَعِىُّ، عَنِ ابْنِ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: أَدْرَكْتُ بِالمَدِينَةِ مِائةً كُلهُمْ مَأمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الحَدِيثُ. يُقَال: ليْسَ مِنْ أَهلِهِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ المَكِّىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ البَاهِلىُّ - وَاللفْظُ لهُ - قَال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُييْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، قَال: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُول: لا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا الثِّقَاتُ. وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ - مِنْ أَهْلِ مَرْو - قَال: سَمِعْتُ عَبْدَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُول: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ يَقُول: الإِسْنَادُ مِنَ الدِينِ، وَلوْلا الإِسْنَادُ لقَال مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ. ــ وذكر مسلم " عن أبى الزناد (١) [قال] (٢): أدركت بالمدينة مائةً كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس من أهله ". ليس يشترط فى رواية الثقة عندنا وعند المحققين من الفقهاء والأصوليين والمحدثين كون المحَدث من أهل العلم والفقه والحفظ وكثرة الرواية، ومجالسة العلماء، بل يشترط ضبطه لما رواه، إما من حفظه أو كتابه، وإن كان قليلاً [علمه] (٣) إذ عُلِمَ من إجماع الصدر الأول قبول خبر العدل وإن كان أُميًّا (٤)، وممن جاء بعدُ قبول الرواية من صاحب الكتاب

стр. 122

وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنِى العَبَّاسُ بْنُ أَبِى رِزْمَةَ؛ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُول: بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ القَوَائِمُ - يَعْنِى الإِسْنَادَ. وَقَال مُحَمَّدٌ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطَّالقَانِىُّ؛ قَال: قُلْتُ لعَبْدِ اللهِ ابْنَ المُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الحَدِيثُ الذِى جَاءَ: " إِنَّ مِنَ البِرِّ بَعْدَ البِرِّ، أَنْ تُصَلىَ لأَبَوَيْكَ مَعَ صَلاتِكَ، وَتَصُومَ لهُمَا مَعَ صَوْمِكَ ". قَال: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، عَمَّنْ هَذَا؟ قَال: قُلْتُ لهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاش. فَقَالَ: ثِقَةٌ. عَمَّنْ؟ قَال: قُلْتُ: عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ. قَال: ثِقَةٌ. عَمَّنْ؟ قَال: قُلْتُ: قَال رَسُول اللهِ ﷺ . قَال: ــ وإن لم يحفظه والرواية عن الثقات، وإن [لم] (١) يكونوا أهل علم. وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم فى أقسام [الحديث] (٢) الصحيح المختلف فيه رواية الثقات المعروفين بالسماع وصحة الكتاب غير الحفاظ ولا العارفين، قال: كأكثر محدثى زماننا قال. فهذا محْتَجٌّ (٣) به عند أكثر أهل الحديث، قال: وإن لم يرَ ذلك مالك ولا أبو حنيفة. قال القاضى: والذى أقول: إن معنى قول ابن أبى الزناد هذا- وقد روى نحوه عن مالك وغيره-: إن هؤلاء لم يكونوا أهل ضبط لما رووه لا من حفظهم ولا من كُتُبِهم، أو قصدوا إيثار أهل العلم وترجيح الرواية عن أهل الإتقان والحفظ لكثرتهم حينئذ والاستغناء بهم عن سواهم، فأما [أن] (٤) لا يقبل حديثهم فلا، وقد وجدنا هؤلاء رووا عن جماعة ممن لم يشتهر بعلم ولا إتقان (٥). وذكر مسلم حديث: " إنّ من البر بعدَ البر أن تُصَلِى لأبويك مع صلاتِك وتصوم لهما مع صومك (٦) " وكلام ابن المبارك فيه.

стр. 123

يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ بَيْنَ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ وَبَيْنَ النَّبِىِّ ﷺ مَفَاوِزَ، تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ المَطِىِّ، وَلكِنْ ليْسَ فِى الصَّدَقَةِ اِخْتِلافٌ. وَقَال مَحَمَّدٌ: سَمِعْتُ عَلىَّ بْنَ شَقِيقٍ يَقُول: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ يَقُول عَلى رُؤُوسِ النَّاسِ: دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبُّ السَّلفَ. وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِى النَّضْرِ. قَال: حَدَّثَنِى أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ صَاحِبُ بُهَيَّةَ، قَال: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ القَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ يَحْيَى للقَاسِمِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ، عَظِيمٌ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَىءٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ، فَلا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلمٌ، وَلا فَرَجٌ، أَوْ عِلمٌ وَلا مَخْرَجٌ. فَقَالَ لهُ القَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ؟ قَال: لأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَىْ هُدًى، ابْنُ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ. قَال: يَقُول له القَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَل عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُول بِغَيْرِ عِلمٍ، أَوْ آخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ. قَال: فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ. ــ اختلف العلماء فيما يجوز أن يفعله [المرء] (١) عن غيره من أعمال البر البدنية، واتفقوا فى الأفعال الماليَّة من الصدقات، والعتق وشبهه أنها جائزة ماضيةٌ، وأجرى بعضهم الحجَّ هذا المجرى لعلةِ النفقة فيه، وكرِهه مالك ابتداء وأجازه فى الوصايا به، وأجمعوا على أنه لا يُصلى أحد عن أحد إلا شيئاً روى عن ابن عباس فى امرأة نذرت صلاة فقال لابنها: " صل عنها "، وكذلك اتفقوا فى الصيام ابتداءً، واختلفوا إذا كان نذراً أو واجباً على الميت، فالجمهور أنه لا يُصام عنه، واحتجوا بما ورد من ذلك فِى الحديث، وحجة الأول أن الأحاديث الواردة فى ذلك مضطربة الألفاظ ولم يجتمع فيها على ذكر الصوم، وسنزيدُ ذلك بياناً عند الكلام على الحديث فى كتاب الصوم، إن شاء الله تعالى. وذكر أبا عقيل صاحب بُهية، وأبو عَقيل هذا بفتح العين، واسمه يحيى بن المتوكل الضرير (٢)، يُعرَف بِصاحب بُهيَّة، امرأةٍ روى عنها كانت تروى عن عائشة، وقد خرَّج عنها أبو داود وروى أَنَّ عائشة سمَّتْها بذلك، وضبط [اسمها بباء واحدة] (٣) [مضمومة] (٤) وهاءٍ مفتوحةٍ بعدها ياء التصغير. وذكر فى هذا الحديث قول يحيى للقاسم بن عبيد [الله] (٥): لأنك ابن إمَامَى هُدًى، أبى بكر وعمر، وقال بعد هذا فى الحديث الآخر: يعنى عمر

стр. 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وابن عمر. والقاسم هذا هو [ابن عُبيد الله بن عبد الله] (١) عمر بن الخطاب فهو ابنهما، وأما على قوله أبى بكر وعمر، فأم القاسم هذا هى أم عبيد (٢) الله بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، وباسم جده هذا لأمّه سُمى (٣)، فأبو بكر جدُّه الأعلى لأمّه وعمر جَدُّه الأعلى لأبيه. وذكر مسلم عن جماعة من الأئمة التصريح بتجريح جماعة من الناس وبيان جرحهم، فأما وجه جواز هذا (٤) فقد مرَّ، بل هو واجب كما ذكروه، وليس من باب الغيبة والأذى، إذ دعت إلى هذا الضرورة لحياطة الشريعة، وحماية الملة، ونصيحة الدين، كما نجيز تجريح الشهود [لمراعاة] (٥). إقامة الحقوق ودفع الشبهات (٦).

стр. 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما تعيين سبب الجرح فى الخبر والشهادة، فقد اختلف فيه العلماء من الفقهاء والأصوليين، فأوجبه بعضهم مطلقاً، وهو اختيار الشافعى وبعض أئمتنا، ولم يوجبه آخرون (١) وهو

стр. 126

وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ العَبْدِىُّ، قَال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُول: أَخْبَرُونِى عَنْ أَبِى عَقِيلٍ صَاحِبَ بُهَيَّةَ أَنَّ أَبْنَاءً لِعَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ سَأَلوهُ عَنْ شَىْءٍ لمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ عِلمٌ. فَقَالَ لهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَاللهِ إِنِّى لأُعْظِمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُكَ، وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَىِ الهُدَى - يَعْنِى عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ - تُسْأَل عَنْ أَمْرٍ ليْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلمٌ. فَقَالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهِ، عِنْدَ اللهِ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَل عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُول بِغَيْرِ عَلمٍ. أَوْ أُخْبِرَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ. قَالَ: وَشَهِدَهُمَا أَبُو عَقِيل يَحْيَى بْنُ المُتَوكَّلِ حِينَ قَالا ذَلِكَ. ــ اختيار القاضى أبى (١) بكر وجماعة غيره من أئمتنا، ورأوا قبول الجرح مطلقاً دون ذكر السبب (٢)، وذهب بعضُهم إلى أن المُجَرحَ إذا كان عالماً بصيراً بوجوه التجريح لم نستفسره

стр. 127

وَحَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ عَلىٍّ، أَبُو حَفْصٍ، قَال سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. قَال: سَأَلتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِىَّ وَشُعْبَةَ وَمَالِكًا وَابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنِ الرَّجُلِ لا يَكُونُ ثَبْتًا فِى الحَدِيثِ، فَيَأتِينى الرَّجُل فَيَسْأَلَنِى عَنْهُ. قَالوا: أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ ليْسَ بِثَبْتٍ. ــ وإلا استفسرناه، وهو فى الشهادة أضيق، والميل فيها إلى الاستفسار أصوب، إذ قد يُجَرَّحُ الشاهدُ- وإن كان مجرحه بصيراً بوجوه التجريح [بما يعتقد جرحةً] (١) - ولعل الحاكم لا يراه لاختلاف الاجتهاد (٢)، أما الخبر إذا أطلق عارفٌ بصير فيه بالجرح فقد عدمت به الثقةَ.

стр. 128

وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: سَمِعْتُ النَّضْرَ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ عَلى أَسْكُفَّةِ البَابِ. فَقَالَ: إِنّ شَهْرًا نَزَكُوهُ، إن شهرًا نَزَكُوهُ. قَال مُسْلمٌ ﵀: يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلسِنَةُ النَّاسِ، تَكلمُوا فِيهِ. وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَال: قَال شُعْبَةُ: وَقَدْ لقِيتُ شَهْرًا فَلمْ أَعْتَدَّ بِهِ. وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذُ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، قَال أَخْبَرَنِى عَلىٌّ بْنُ حُسَيْنِ ابْنُ وَاقِدٍ، قَال: قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ: إِنَّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ مَنْ تَعْرِفُ حَالهُ، وَإِذَا حَدَّثَ جَاءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَتَرَى أَنْ أَقُول لِلنَّاسِ: لا تَأخُذُوا عَنْهُ؟ قَال سُفْيَانُ: بَلى. قَال عَبْدُ اللهِ: فَكُنْتُ، إِذَا كُنْتُ فِى مَجْلِسٍ ذُكِرَ فِيهِ عَبَّادٌ، أَثْنَيْتُ عَليْهِ فِى دِينِهِ، وَأَقُول: لا تَأخُذُوا عَنْهُ. ــ وذكر مسلم عن ابن عون قوله: إن شهراً نزكوه، هذه الرواية الصحيحة بالنون والزاى، وهكذا سماعنا فيه من الأسدى عن السمرقندى عن الفارسى، وكذا [أقرأناها على] (١) ابن أبى جعفر عن الطبرى عن الفارسى عن الجلودى، وسمعناها من القاضى الصدفى وغيره عن العذرى، وسائر الرواة تركوه، بالخاء والراء. وبالنون والزاى ذكر هذا الحرف الهروى وفَسَّره، وهو الأشبه بمساق الكلام، ومعناه: طعنوا فيه، [وهو] (٢) مأخوذ من النيزك وهو الرمح القصير، ومنه الحديث: " يقتل عيسى الدجال بالنزك " وقد وقع مفسَّراً فى الحديث نفسه من رواية العقيلى فقال: أى نحوه (٣)، وذكره الترمذى أيضاً

стр. 129

وَقَال مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: قَال أَبِى، قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ: انْتَهَيْتُ إِلى شُعْبَةَ فَقَالَ: هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ فَاحْذَرُوهُ. وَحَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَال: سَأَلتُ مُعَلى الرَّازِىَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، الذِى رَوَى عَنْهُ عَبَّادٌ فَأَخْبَرَنِى عَنْ عِيسى بْنِ يُونُسَ؛ قَال: كُنْتُ عَلى بَابِهِ وَسُفْيَانُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلتُهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَنِى أَنَّهُ كَذَّابٌ. وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَتَّابٍ، قَال: حَدَّثَنِى عَفَّانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعيدٍ القَطَّانِ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: لمْ تَرَ الصَّالِحِينَ فِى شىءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِى الحَدِيثِ. قَال ابْنُ أَبِى عَتَّاب: فَلقِيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ القَطَّانِ، فَسَأَلتُهُ عَنْهُ. فَقَالَ عَنْ أَبِيهِ: لمْ نَرَ أَهل الخَيْرِ فِى شَىءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِى الحَدِيثِ. قَال مُسْلمٌ يَقُولُ: يَجْرِى الكَذِبُ عَلى لِسَانِهِمْ وَلا يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ. ــ هكذا من قول النضر، وكان شهر تولى بعض عمل السلطان فتُكلم فيه، لكن البخارى قال فيه: حسن الحديث، وصحح حديثه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد (١). وقوله فى هذا الحديث: " على أسكفة الباب " يريد: عتبته السفلى التى توطأ. ذكر مسلم قول يحيى بن سعيد: " لم نر أهل الخير فى شىء أكذب منهم فى الحديث " (٢) يقول: " يجرى الكذب على لسانهم، ولا يتعمدون [الكذب] (٣) يعنى: أنهم يحدثون بما لم يصح، لقلة معرفتهم بالصحيح، والعلم بالحديث، وقلة حفظهم، وضبطهم لما سمعوه، وشغلهم بعبادتهم، وإضرابهم عن طريق العلم، فكذبوا من حيث لم يعلموا (٤) وإن لم يتعمدوا، وعلى هذا يأتى قولهم: " كذب " فى صالح المُرّى وشبهه فيما ذكر فى " الأم "، أى أخطأ، وقال: ما ليس هو، وإن [لم] (٥) يتعمد، وقد يقعُ فى الكذب على رسول الله ﷺ منهم (٦) من غلبت (٧) عليه العبادة، ولم يكن معه علم (٨) فيضع الحديث فى فضائل الأعمال ووجوه البر، ويتساهلون فى رواية ضعيفها ومنكرها، وموضوعها، كما قد حكى عن كثير منهم، واعترف به بعضهم وهم يحسبون لقلة علمهم

стр. 130

حَدَّثَنِى الفَضْل بْنُ سَهْلٍ، قَال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَال: أَخْبَرَنِى خَلِيفَةُ بْنُ مُوسَى، قَال: دَخَلْتُ عَلى غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، فَجَعَلَ يُمْلِى عَلىَّ: حَدَّثَنِى مَكْحُولٌ، حَدَّثَنِى مَكْحُولٌ. فَأَخَذَهُ البَوْلُ فَقَامَ. فَنَظَرْتُ فِى الكُرَّاسَةِ فَإِذَا فِيهَا حَدَّثَنِى أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، وَأَبَانٌ عَنْ فُلانٍ، فَتَرَكْتُهُ وَقُمْتُ. قَال: وَسَمِعْتُ الحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ الحُلوَانِىَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ فُى كِتَابِ عَفَّانَ حَدِيثَ هِشَامٍ أَبِى المِقْدَامِ، حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. قَال هِشَامٌ: حَدَّثَنِى رَجُلٌ يُقَال لهُ يَحْيَى بْنُ فُلانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَفَّانَ: إِنَّهُمْ يَقُولونَ: هِشَامٌ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ ابْنِ كَعْبٍ. فَقَالَ: إِنَّمَا ابْتُلِى مِنْ قِبَلِ هَذَا الحَدِيثِ، كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِى يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ادَّعَى - بَعْدُ - أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُثْمَانَ بْنَ جَبَلةَ يَقُول: قُلْتُ لعَبْدِ اللهِ بْنَ المُبَارَكَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الذِى رَوَيْتَ عَنْهُ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرِو: " يَوْمُ الفِطْرَ يَوْمُ الجَوَائِزِ "؟ قَال: سُليْمَانُ بْنُ الحَجَّاج. انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِى يَدِكَ مِنْهُ. ــ أنهم يُحسنون صنعاً، وربما احتجوا فى ذلك بالحديث المأثور عن أبى هريرة يرفعه إلى النبى ﷺ أنه قال: " إذا حدّثتم عنى حديثاً تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به، قلته أو لم أقله، فإنى أقولُ ما يُعرَفُ ولا يُنكَرُ " (١) وهو حديث ضعفه الأصيلى وغيره من الأئمة، وتأوله الطحاوى وغيره، ومعناه: لو صحَّ ظاهره وهو أنه ما جاء عنه موافقاً لكتاب الله وما عُرِف من سنته غير مخالف لشريعته ولا يحقق أنه قاله بلفظه فيُصدَّق به- أى بمعناه- لا بلفظه، إذ قد صحَّ من أصول الشريعة أنه قاله بغير هذا اللفظ ولا يُكذَّبُ به إذ قد يحتمل أنه قاله وذكر حديث عبد الله بن عمرو: " يوم الفطر يوم الجوائز " يريد الحديث الذى يرويه (٢) [أنه] (٣) " إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أفواه الطرق (٤) ونادت: يا معشر المسلمين، أغدوا إلى ربٍ رحيمٍ، يأمر بالخير ويثيب عليه الجزيل، أمركم بالصيام فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبلوا جوائزكم، فإذا صلوا العيد نادى منادٍ من السماء: ارجعوا إلى منازِلكُم راشدين قد (٥) غفرت ذنوبكم كلها، ويسمى ذلك اليوم يوم الجائزة " (٦).

стр. 131

قَال: ابْنُ قهزَاذَ. وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، قَال: قَال عَبْدُ اللهِ - يَعْنِى ابْنَ المُبَارَكِ - رَأَيْتُ رَوْحَ بْنَ غُطَيْفٍ، صَاحِبَ الدَّمِ قَدْرِ الدَّرْهَمِ، وَجَلسْتُ إِليْهِ مَجْلِسًا، فَجَعَلتُ أَسْتَحِيى مِنْ أَصْحَابِى أَنْ يَرَوْنِى جَالِسًا مَعَهُ. كُرْهَ حَدِيثِهِ. حَدَّثَنِى ابْنُ قُهْزَاذَ. قَال: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُول عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ؛ قَال: بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللسَانِ، وَلكِنَّهُ يَأخُذُ عَمَّنْ أَقْبَل وَأَدْبَرَ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ؛ قَال: حَدَّثَنِى الحَارِثُ الأَعْوَرُ الهَمْدَانِىُّ، وَكَانَ كَذَّابًا. حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ - حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُفَضَّلٍ، عَنْ مُغِيرَةَ؛ قَال: سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ يَقُول: حَدَّثَنِى الحَارِثُ الأَعْوَرُ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الكَاذِبِينَ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ قَال: قَال عَلقَمَةُ: قَرَأتُ القُرْآنَ فِى سَنَتَيْنِ. فَقَالَ الحَارِثُ: القُرآنُ هَيِّنٌ، الوَحْىُ أَشَدُّ. ــ وذكر مسلم عن ابن المبارك: " رأيتُ روح بن غُطَيفٍ " كذا صوابهُ بالغين المعجمة المضمومة والطاء المهملة المفتوحة، ورواية كافة شيوخنا فيه عن العذرى والطبرى والسمرقندى بضاد معجمة، [وهو خطأ] (١)، وثبتنا متقنوهم على الصواب المتقدَّم فيه، وقد ذكره البخارى فى تاريخه الكبير وقال (٢): هو منكر الحديث (٣). وقوله فيه: " صاحب الدم قدر الدرهم "، يريد الحديث الذى رواه روح هذا عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة يرفعه: " تعاد الصلاة من قدر الدرهم "، وهو حديث باطل لا أصل له عند أهل الحديث. وقد اختلف العلماء فى إزالة النجاسة هل هى واجبة أو لا؟ (٤)، وهل هى شرط فى صحة الصلاة أم لا؟ وعلى هذا اختلفوا فيمن صلى بها، فأوجب بعضهم الإعادة بكل حال وبعضهم راعى الوقت فى الإعادة، وفرَّق بعضهم بين الساهى والعامد، فيعيدُ عنده الساهى

стр. 132

وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ - حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ الحَارِثَ قَال: تَعَلمْتُ القُرْآنَ فِى ثَلاثِ سِنِينَ، وَالوَحْىَ فِى سَنَتَيْنِ. أَوْ قَال: الوَحْىَ فِى ثَلاثِ سِنِينَ، وَالقُرْآنَ فِى سَنَتَيْنِ. وَحَدَّثَنِى حَجَّاجٌ، قَال: حَدَّثَنِى أَحْمَدُ، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ الحَارِثَ اتُّهِمَ. وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، قَال: سَمِعَ مُرَّةُ الهَمْدَانِىُّ ــ فى الوقت والعامد أبداً، واضطرب مذهبنا على هذه الأقوال إلا الإعادة جملة، وكذلك اختلفوا فى العفو عن يسيرها، فذهب أهل العراق إلى أن قدر الدرهم من جميع النجاسات معفوٌ عنه، قياساً على موضع الاستجمار، وذهب الشافعى إلى أنه لا يُعفى عن شىء منها دمٍ ولا غيره ويغسل قليلها وكثيرها، وذهب مالك إلى ذلك إلا فى الدم، فرأى العفو عن يسيره للضرورة اللازمة منه [من البراغيث] (١) وحك البُثْر (٢) وشبهه، واختلف عنه فى العفو عن يسير دم الحيض. [و] (٣) فى المذهب عن (٤) يسير دم غير الإنسان ويسير القيح والصديد قولان (٥). واختلف قول من رخَّص فى يسيره، هل الدرهم قليل أو كثير، واختلف قول مالك فى ذلك فمرَّة قَلله ومرَّة كثّره ومرّة وقف فيه، وقال: لا أجيبكم إلى هذا الضلال، وحدَّد أحمد الكثير بشبر فى شبر، ونقل المخالف عن مذهبنا فى ذلك قولاً منكراً عندنا (٦). وذكر مسلم قول الحارث الأعور: " تعلمتُ الوحى فى سنتين "، وقوله: " القرآن هَيّن والوحى أشد "، وأورده فى جملة ما أنكر من قوله وشفاعات مذهبه، وأخذ

стр. 133

مِنَ الحَارِثِ شَيْئًا، فَقَالَ لهُ: اقْعُدْ بِالبَابِ. قَال: فَدَخَل مُرَّةُ وَأَخَذَ سَيْفَهُ. قَال: وَأَحَسَّ الحَارِثُ بِالشَّرِّ، فَذَهَبَ. وَحَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ؛ قَال: قَال لنَا إِبْرَاهِيمُ: إِيَّاكُمْ وَالمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ، وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّهُمَا كَذَّابَان. حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل الجَحْدرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - قَال: حَدَّثَنَا عَاصِمٍ، قَال: كُنَّا نَأْتِى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلمِىَّ وَنَحْنُ غِلمَةٌ أَيْفَاعٌ، فَكَانَ يَقُول لنَا: لا تُجَالِسُوا القُصَّاصَ غَيْرَ أَبِى الأَحْوَصِ، وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقًا. قَال: وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا يَرَى رَأىَ الخَوَارِجِ، وَليْسَ بِأَبِى وَائِلٍ. ــ عليه فيه من الغلو والتشيع والكذبَ ومذاهب الروافض (١) وأرجو أن [يكون] (٢) هذا من أخفّ أقواله لاحتماله الصواب، فقد فسَّره بعضهم أن المراد بالوحى هنا الكتاب والخط، وعن الخطابى مثله، قال ابن دُريد: وحَى يحى وحيًا إذا كتب، [و] (٣) قال الهروى: قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا﴾ (٤) أى: كتب لهم فى الأرض، إذ كان لا يتكلم، وقيل: أوحى: رمز، وقال بعض اللغويين: وحِىْ وأوْحى واحدُ، وقاله صاحب الأفعال، وعلى هذا فليس على الحارث دَرَكُ، وعليه الدَرَكُ فى غير ذلك، لكنَّه لما عَرِفَ من تَشَنُّع (٥) مذهبه فى غلوّ التشيع (٦)، ودعواهم من الوصية إلى على وسرّ النبى- ﵇ من الوحى وعلم الغيب ما لم يَطلع عليه غيره- بزعمهم- ودعوى بعضهم من غُلاتِهم الوحىَ إلى علىٍّ سيّئ الظن بالحارث فى كلامه هذا، وذهب به ذلك المذهب، وقد أنكرَ على ما ادعتهُ شيعتهُ من ذلك، وقال ابن عباس: لا وحى إلا القرآنَ، ولعله فَهمَ من الحارث معنىً منكراً فيما أراده، والله أعلم. وقوله: " غِلمةٌ أَيفاعٌ " أَى شبَبَةٌ بالغون (٧)، يقال: غلام يافعٌ ويَفعٌ ويفَعَةٌ إذا شبَّ وبلغ، أو كاد يبلغ، واسم الغلام ينطلق على الصبى من حين يولد على اختلاف حالاته إلى بلوغه قال (٨) الثعالبى: فإذا قارَبَ البلوغ أو بلغه يقال (٩) له حينئذٍ: يافعٌ وقد أيفع،

стр. 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو نادر، وقال أبو عبيدٍ: أيفع الغلامُ إذا شارفَ الاحتلام ولم يحتلم، وقد جاء فى الحديث: " وابنى قد أيفع أو كَرِبَ " (١) وهذا يدُل على ما قاله الثعالبى ويصححه، وأن أيفع بمعنى بَلغَ، وإلا فلا معنى لقوله: كَرِبَ، إذاً. ذكر مسلم قول الشعبى: " حدثنى الحارث الأعور، وهو يشهد أنه من الكاذبين " إنما حدَّثَ هؤلاء الأئمة عن مثل هؤلاء (٢)، مع اعترافهم بكذبهم وسمعوا منهم مع علمهم بجرحتهم لوجوه: منها: أن يعلموا صُورَ حديثهم وضروبَ روايتهم، لئلا يأتى مجهولٌ أو مُدَلسٌ فيُبَدل اسم الضعيف ويجعل (٣) مكانه قوياً فيُدْخِل بروايته اللبسَ، فيعلم المحققُ لها العارفُ بها أن مخرجها من ذلك الطريق، فلا ينخدع بتلبيس ملبس بها، وبهذا احتجَّ ابن معين فى روايته صحيفة معمر (٤) عن أبان (٥).

стр. 135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثانى: أن يكون الرجلُ إنما تُرِك لأجل (١) غلطه وسوء حفظه، أو يكون ممن أكثر فأصاب وأخطأ فتروى أحاديثه، والحفاظ يعرفون وهمه وغلطه وما وافق فيه الأثبات وما خالفهم فيه، فيدعون تخليطه (٢)، ويستظهرون بصحيح حديثه لموافقته غيره، وبهذا احتجَّ الثورى حين نهى عن الكلبى (٣) فقيل له: أنت تروى عنه؟! قال: أنا أعلم صدقه من كذبه، وهم لا يروون شيئاً منها للحُجَّة بها والعمل بمقتضاها.

стр. 136

حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِىُّ، قَال: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ: لَقِيتُ جَابِرَ ــ وذكر مسلم نهى أبى عبد الرحمن السُّلمى عن مجالسة شقيق، قال: وليس بأبى وائل، وشقيق هذا الذى نهى عن مجالسته لتهمته برأى الخوارج هو شقيق الضبى (١) القاص، كوفى (٢)، ضعَّفَه النسائى، ويكنى بأبى عبد الرحيم، قال بعضهم: وهو أبو عبد الرحيم الذى حذَّر منه إبراهيم فى الكتاب قبل هذا [بشىء] (٣) وقيل: إن أبا عبد الرحيم الذى حذَّر منه إبراهيم قبل هذا هو سلمة بن عبد الرحمن النخعى، وذكر ذلك ابن أبى حاتم الرازى فى كتابه عن ابن (٤) المدينى (٥). وقول مسلم: " وليس بأبى وائل "، يعنى ليس شقيق (٦) هذا الذى نهى عن مجالسته بشقيق (٧) بن سلمة أبى وائل الأسدى المشهور، معدود (٨) فى كبار التابعين، وقد أدرك (٩) النبى ﷺ ولم يسمع منه، قاله البخارى وغيره. قال أبو وائل: بعث النبى ﷺ وأنا ابن عشر سنين (١٠). وذكر مسلم جابراً الجُعفى (١١) وأنه أظهر الإيمان بالرجعة- هذه الكلمةُ بفتح الراء وقد

стр. 137

ابْنَ يَزِيدَ الجُعْفِىَّ، فَلمْ أَكْتُبْ عَنْهُ. كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ. حَدَّثَنَا الحَسَنُ الحُلوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قَال: حَدَّثَنَا جَابِر بْنُ يَزِيدَ، قَبْل أَنْ يُحَدِثَ مَا أَحْدَثَ. وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: كَانَ النَّاسُ يَحْمِلونَ عَنْ جَابِرٍ قَبَل أَنْ يُظِهِرَ مَا أَظهَرَ. فَلمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِى حَدِيثِهِ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ. فَقِيل لهُ: وَمَا أَظهَرَ؟ قَال: الإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ. وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الحُلوَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الحِمَّانِىُّ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ وَأَخُوهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا الجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ يَقُول: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُول: عِنْدِى سَبْعُونَ أَلفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، كُلهَا. وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَال: سَمِعْتُ زهُيْرًا يَقُول: قَال جَابِرٌ: أَوْ سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُول: إِنَ عِنْدِى لخَمْسِينَ أَلفَ حَدِيثٍ، مَا حَدَّثْتُ مِنْهَا بِشَىْءٍ قَال: ثُمَّ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ فَقَالَ: هَذَا مِنَ الخَمْسِينَ أَلفًا. وَحَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ اليَشْكُرِىُّ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا الوَلِيدِ يَقُول: سَمِعْتُ سَلَّامَ ــ حكى فيها الكسر كرجعة المطلقة، تلك بالكسر، [و] (١) معنى ذلك نحو ما فَسَّره عنه بعد هذا سفيان من قول الرافضة: إن (٢) علياً فى السحاب، فلا تخرُج مع من خرَج من ولده حتى ينادى من السماء أن اخرجوا معه، ويتأولون فيه أنه أخوة يوسف: ﴿فَلَن أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ (٣)، وأما الطائفة المعروفة بالسبَّائية والأخرى المعروفة [بالناروسية] (٤) فيدَّعون أن علياً لم يمت، وأنه سيخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً، وقال ابن سَبَاء

стр. 138

ابْنَ أَبِى مُطِيعٍ يَقُول: سَمِعْتُ جَابِرًا الجُعْفِىَّ يَقُول: عِنْدِى خَمْسُونَ أَلفَ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: سَمِعْتُ رَجُلاً سَأَل جَابِرًا عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين﴾ (١). فَقَالَ جَابِرٌ: لمْ يَجِئ تَأوِيل هَذِهِ. قَال سُفْيَانُ: وَكَذَبَ. فَقُلْنَا لِسُفْيَانَ: وَمَا أَرَادَ بِهَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّافِضَةَ تَقُول: إِنَّ عَلَيًّا فِى السَّحَابِ، فَلا نَخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلدِهِ، حَتَّى يُنَادِىَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ. يُرِيدُ عَليًّا أَنَّهُ يُنَادِى: اخْرُجُوا مَعَ فُلان. يَقُول جَابِرٌ: فَذَا تَأوِيل هَذِهِ الآيَةِ. وَكَذَب. كَانَتْ فِى إِخْوَةِ يُوسُفَ ﷺ . وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ، حَدَّثَنَا الحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: سَمِعْتُ جَابِرًا يُحَدِّثُ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلاثِينَ أَلفَ حَدِيثٍ: مَا أَستَحِلَّ أنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَنَّ لِى كَذَا وَكَذَا. قَال مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ، مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الرَّازِىَّ. قَال: سَأَلتُ جَرِيرَ بْنَ ــ للذى جاءه بنعى على: لو جئتنا بدماغه فى تسعين صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، فذكر ذلك لابن عباس فقال: لو علمنا ذلك ما زوَّجنا نساءه ولا قسَّمنا ماله. قال الإمام أبو عبد الله: [قال مسلم] (٢): " ثنا سلمةُ بن شبيب ثنا الحميدى ثنا سفيان قال: سمعت جابراً يُحدّثُ بنحو [من] (٣) ثلاثين حديثاً ما أستحل أن أذكر منها شيئاً ". قال الإمام أبو عبد الله: قال بعضهم: سقط ذكر سلمة بن شُبيب بين مسلم والحميدى [عند ابن ماهان] (٤)، والصواب [رواية أبى أحمد الجلودى] (٥) بإثباته، فإن مسلماً لم يلق الحميدى (٦) [ولا حدَّث عنه] (٧). قال القاضى: الذى رواه شيوخنا فى هذا

стр. 139

عَبْد الحَمِيد. فَقُلْتُ: الحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لقِيتَهُ؟ قَال. نَعَمْ. شَيْخٌ طَوِيلُ السُّكُوتِ، يُصِرُّ عَلىَ أَمْرٍ عَظِيمٍ. حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىّ، قَال: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. قَال: ذَكَرَ أَيُّوبُ رَجُلاً يَوْمًا. فَقَالَ: لمْ يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللسَانِ، وَذَكَرَ آخَرَ فَقَالَ: هُوَ يَزِيدُ فِى الرَّقْمِ. حَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَال: قَال أَيُّوبُ: إِنَّ لى جَاراً - ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْلهِ - وَلوْ شَهِدَ عِنْدِى عَلى تَمْرَتَيْنِ مَا رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً. وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَال: قَال مَعْمَرٌ: مَا رَأَيْتُ أَيُّوبَ اغْتَابَ أَحَدًا قَطُّ إِلا عَبْدَ الكَرِيمِ - يَعْنِى أَبَا أُمَيَّةَ - فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فَقَالَ: ﵀، كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ لقَدْ سَأَلنِى عَنْ حَدِيثٍ لِعِكْرِمَةَ. ثُمَّ قَال: سَمِعْتُ عَكْرِمَةَ. ــ الخبر عن سفيان (١) ثلاثين ألف حديث، وبعضهم الذى حكى عنه هذا الكلام، ويحكى عنه ما تعلق (٢) هو الجبائى أبو على شيخنا، وقد جاء عن جابر فى " الأم " قبل هذا عندى سبعون ألف حديث عن أبى جعفر. قال القاضى: وقال أبو عبد الله بن الحذاء- وهو أحد رواة كتاب مسلم-: سألت عبد الغنى بن سعيد: هل روى مسلم عن الحميدى؟ فقال: لم أره إلا فى هذا الموضوع وما أبعد ذلك، أو يكون سقط قبل الحميدى رجلٌ، وعبد الغنى إنما رأى من مسلم نسخة ابن ماهان فلذلك قال ما قال، ولم يكن بعد (٣) دخلت نسخة الجلودى، وقد ذكر مسلم قبل هذا: ثنا سلمة ثنا الحميدى- فى حديث آخر- كذا هو عند جميعهم- وهو الصوابُ هنا أيضاً إن شاء الله تعالى. وذكر مسلم عن أيوب أنه قال فى رجل: لم يكن مستقيم اللسان، وعن آخر: [إنه] (٤) يزيد فى الرقم، هذا كله تعريض بالكذب فى نفى استقامة اللسان وفى استعارة الزيادة فى الرقم كالتاجر الذى يزيد فى رقم السِّلعَة ويكذب فيها ليربح على الناس ويغرهم بذلك الرقم ليشتروا عليه.

стр. 140

حَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ. قَال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَال: قَدِمَ عَليْنَا أَبُو دَاوُدَ الأَعْمَى، فَجَعَل يَقُول: حَدَّثَنَا البَرَاءُ. قَال: وَحَدَّثَنَا زَيْد بْنُ أَرْقَمَ. فَذَكَرنَا ذَلِكَ لِقَتَادَةَ. فَقَالَ: كَذَبَ. مَا سَمِعَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلاً، يَتَكَفَّفُ النَّاسَ زَمَنَ طَاعُونِ الجَارِفِ. وَحَدَّثَنِى حَسَنُ بْنُ عَلىٍّ الحُلوَانِىُّ، قَال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَاروُنَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، قَال: دَخَلَ أَبُو دَاوُدَ الأَعْمَى عَلى قَتَادَةَ. فَلمَّا قَامَ قَالوا: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لقِىَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيًّا. فَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا كَانَ سَائِلاً قَبْلَ الجَارِفِ، لا يَعْرِضُ فِى شَىْءٍ مِنْ هَذَا، وَلا يَتَكَلمُ فِيهِ، فَوَاللهِ مَا حَدَّثَنَا الحَسَنُ عَنْ بَدْرِىٍّ مُشَافَهَةً، وَلا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنْ بَدْرِىٍّ مُشَافَهَةً، إِلا عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ رَقَبَةَ؛ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الهَاشِمِىَّ المَدَنِىَّ كَانَ يَضَعُ أَحَادِيثَ، كَلامَ حَقّ. وَليْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَكَانَ يَرْوِيهَا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ــ وذكر مسلم قول قتادة زمانَ طاعون الجارف. قال القاضى- ﵀: كان طاعون الجارف سنة تسعة عشرة ومائة بالبصرة، وسُمى بذلك لكثرة من مات فيه من الناس، وسُمى الموتُ جارفاً لإجرافه الناس، والسيل جارفاً لإجرافه ما على وجه الأرض، والجرف: الغرف من فوق (١) الأرض واكتساح (٢) ما عليها. وذكر مسلم إنكار عوف على عمرو بن عُبيد روايته عن الحسين: " من حمل علينا السلاح فليس منا " وقوله: " كذب والله، و [لكنه] (٣) أراد أن يحوذها لقوله الخبيث " يعنى لمذهبه فى الاعتزال، بإخراج أهل المعاصى من اسم الإيمان. قال بعض شيوخنا: العجب من مسلم كيف أدخل هذا فيما أنكر على عمرو، والحديث صحيح قد خرَّجه هو [بعد هذا] (٤) فى كتاب الإيمان. قال القاضى: لا عيب على مسلم ولا عجب مما أتاه، فإنه لم يُدخله لوهن الحديث وضعفه، وإنما أورده لقول عوف فى عمرو وتجريحه، ولو كان التعجب من عوف كان أولى، ولعل عوفاً إنما كذَّبه فى روايته هذا الحديث عن الحسين (٥) وأنه ليس من حديثه، وكان عوف من كبار أصحاب الحسن والحافظين لحديثه، أو لم يكن عند عوف من الحديث علم، ولا بلغه، وقد خرَّجه مسلم من طرق كثيرة ليس منها عن الحسن (٦) شىء، وقد

стр. 141

حَدَّثَنَا الحَسَنُ الحُلوَانِىُّ، قَال: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَال أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ سُفْيَانَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَال: حَدَّثَنَا نعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسَىُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ؛ قَال: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ يَكْذِبُ فِى الحَدِيثِ. حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلِىّ، أَبُو حَفْصٍ، قَال: سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنِ مُعَاذٍ يَقُول: قُلْتُ لعَوْفِ ابْنِ أَبِى جَمِيلةَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عَنِ الحَسَنِ؛ أَنَّ رسُولِ اللهِ ﷺ قَال. " مَنْ حَمَلَ عَليْنَا السِّلاحَ فَليْسَ مِنَّا ". قَالَ: كَذَبَ، وَاللهِ، عَمْرٌو. وَلكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحُوزَهَا إِلى قَوْلِهِ الخَبِيثِ. وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَال: كَانَ رَجُلٌ قَدْ لزِمَ أَيُّوبَ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَفَقَدَهُ أَيُّوبُ. فَقَالوا: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّهُ قَدْ لزِمَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ. قَال حَمَّادٌ: فَبَيْنَا أَنَا يَوْمًا مَعَ أَيُّوبَ وَقَدْ بَكَّرْنَا إِلى السُّوقِ، فَاسْتَقْبَلهُ الرَّجُل. فَسَلمَ عَليْهِ أَيُّوبُ وَسَأَلهُ. ثُمَّ قَال لهُ أَيُّوبُ: بَلغَنِى أَنَّكَ لزِمْتَ ذَاكَ الرجُل. قَال حَمَّادُ: سَمَّاهُ، يَعْنِى عَمْرًا. قَال: نَعَمْ، يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّهُ يَجِيئُنَا بِأَشْيَاءَ غرَائِبَ. قَال: يَقُول لهُ أَيُّوبُ: إِنَّمَا نَفِر أَوْ نَفْرَقُ مِنْ تِلْكَ الغَرَائِبِ. وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ، يَعْنِى حَمَّادًا. قَال: قِيل لأَيُّوبَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ رَوَى عَنِ الحَسَنِ قَال: لا يُجْلدُ السَّكْرَانُ مِنَ ــ يكون إنما كذَّبه فى تأويله لمعناه على مذهبه، ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم وأشباهه من الأحاديث الواردة على مثل هذا: أنه ليس ممن اهتدى بهدينا، واقتدوا (١) بعلمنا. وقال الطحاوى: وكأن الله اختار لنبيه الأمور المحمودة ونفى عنه المذمومة، فمن عمل المحمودة فهو منه، ومن عمل المذمومة فليس منه كما قال تعالى عن إبراهيم: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية (٢)، وهذا راجع إلى المعنى الأول، وكما يقول (٣) الرجل لولده إذا لم يرض حاله: لست منى. وذكر مسلم قول أيوب: " إنما نَفِرُّ أو نفرَقُ من تلك الغرائب ": أى نفزع ونتحاشى من روايتها لئلا نكون أحد الكاذبين على رسول الله ﷺ ، إن كانت الغرائب من الأحاديث، وإن كانت من الآراء والمذاهب والفتوى فحذراً من البدع، ومخالفة الجمهور، باتباعه الغريب الذى لا يعرف. وذكر مسلم الاختلاف عن الحسن فى جَلدِ السكران من النبيذ، لم يختلف العلماء أنه

стр. 142

النَّبِيذ. فَقَالَ: كَذَبَ. أَنَا سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُول: يُجْلدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذ. وَحَدَّثَنِى حَجَّاج، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال سَمِعْتُ سَلامَ بْنَ أَبِى مُطِيعٍ يَقُول: بَلغَ أَيُّوبَ أَنِّى آتِى عَمْرًا، فَأَقْبَل عَلىَّ يَوْمًا فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً لا تَأمَنُهُ عَلى دِينِهِ، كَيْفَ تَأمَنُهُ عَلى الحَدِيثِ؟ وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ قَبْل أَنْ يُحْدِثَ. ــ إذا سكر حُدَّ، وأن كل مسكر لشدته المطربة حرام، كان خمراً أو غيره، وأما إن شرب من الشراب المختلف فيه ولم يُسكر فمن يبيح شربَه لا يُحِدُّه (١) ومن يمنعه يُحِدُّه، وهو مالك والشافعى، وتأول بعضهم قول مالك أنه فى غير المجتهد، وأما المجتهد الذى يرى إباحته فلا يُحدُّه، لأنه قد ناظر فى المسألة جماعة من الأئمة الذين كانوا يشربونه ولم يأمر بحدّهم، وقد كانت الأمور تجري بأمره وعلى رأيه، ونص الشافعى على حدّ المجتهد وقال: أحُدُّه ولا أردُّ شهادتَه (٢).

стр. 143

حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَال: كَتَبْتُ إِلى شُعْبَةَ أَسْأَلهُ عَنْ أَبِى شَيْبَةَ قَاضِى وَاسِطٍ، فَكَتَبَ إِلىَّ: لا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا، وَمَزِّقْ كَتَابِى. وَحَدَّثَنَا الحُلوَانِىُّ، قَال: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَال: حَدَّثْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلمَةَ [عَنْ] (١) صَالِحٍ المُرِّىِّ بِحَدِيثٍ عَنْ ثَابِتٍ. فَقَالَ: كَذَبَ. وَحَدَّثتُ هَمَّامًا عَنْ صَالِحٍ المُرِّىِّ بِحَدِيثٍ فَقَالَ: كَذَبَ. وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالْ قَال لى شُعْبَةُ: أيْتِ جَرِيرَ بْنَ ــ وذكر مسلم كتاب شعبة لمعاذ العنبرى: " لا تكتب عن أبى شيبة ". قال القاضى- ﵀: وقوله: " ومزّق كتابى ": لعله أمره بتمزيقه حذراً أن يعتقد عليه ذلك أبو شيبة أو من له أمر الطعن على من قدموا. وذكر مسلم هنا فى صدر كتابه حديث الصلاة على قتلى أحد وعلى أولاد الزنا. جاءت الآثار الصحاح عن جابر؛ أن النبى ﷺ : " لم يُصل على قتلى أحُدٍ صلاته على الميت " (٢)، وعن ابن عباس وابن الزبير أنه صلى يوم [أحد] (٣) [على] (٤) قتلى أحُدٍ [ولم يغسَّلوا] (٥) ومثله عن أنس، وروى عقبة بن عامر أن النبى ﷺ خرج يوماً فصلى

стр. 144

حَازِمٍ فَقُل لهُ: لا يَحِلُّ لكَ أَنْ تَرْوِىَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، فَإِنَّهُ يَكْذِبُ. قَال: أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الحَكَمِ بِأَشْيَاءٍ لمْ أَجِدْ لهَا أَصْلاً. قَال: قُلْتُ له: بِأَىِّ شَىْءٍ؟ قَال: قُلْتُ للحَكَمِ أَصَلى النَّبِىُّ ﷺ عَلَى قَتْلىَ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لمْ يُصَل عَليْهِمْ. فَقَالَ الحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ ــ على أهل أحد [صلاته على الميت] (١) وعن ابن عباس وابن الزبير أنه صلى يوم أحد على قتلى أحد. فاختلف العلماء فى غسلهم والصلاة عليهم باختلاف هذه الأحاديث، فذهب مالك والشافعى وأحمد والليث فى جماعة أنهم لا يُغَسَّلون ولا يُصلى عليهم، وذهب أبو حنيفة والأوزاعى والثورى إلى إنهم لا يغسلون ويُصلى عليهم (٢)، وذهب ابن المسيب والحسن إلى غُسْلهم والصلاة عليهم (٣)، وحجة مالك ومن وافقه الأحاديث المتقدمة وأن حديث عقبة (٤) كان بعد دفنهم بسنين، ويعنى (٥) الدعاء والترحم عليهم، ولأن الصلاة على

стр. 145

صَلى عَليْهِمْ وَدَفَنَهُمْ. قُلْتُ لِلحَكَمِ: مَا تَقُول فِى أَوْلادِ الزِّنَا؟ قَال: يُصَلى عَليْهِمْ. قُلْتُ: مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟ قَال. يُرْوَى عَنِ الحَسَنِ البَصْرِىِّ. فَقَالَ الحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ عَن يَحْيَى بْنِ الجَزَّارِ عَنْ عَلِىٍّ. وَحَدَّثَنَا الحَسَنُ الحُلوَانِى. قَال: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَذَكَرَ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَقَالَ: حَلفْتُ أَلا أَرْوِىَ عَنْهُ شَيْئًا، وَلا عَنْ خَالدِ بْنِ مَحْدُوجٍ. وَقَال: لقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ. فَسَأَلتُهُ عَنْ حَدِيثٍ فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْ بَكْرِ المُزَنِىِّ. ثُمَّ عُدْتُ إِليْهِ فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ. ثُمَّ عُدْتُ إِليْهِ فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْ الحَسَنِ. وَكَانَ يَنْسُبُهُمَا إِلى الكَذِبِ. قَال الحُلوَانِىُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ، وَذَكَرْتُ عِنْدَهُ زِيادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَنَسَبَهُ إِلى الكَذِبِ. وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، قَال: قُلْتُ لأَبِى دَاوُدَ الطَّيَالِسِىِّ: قَدْ أَكْثَرتَ عَنْ عَبَّادِ بنِ مَنْصُورٍ، فَمَا لكَ لمْ تَسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَ العَطَّارَةِ الذِى رَوَى لنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ؟ قَال لِى: ــ الموتى، وقد أخبر الله تعالى أن الشهداء أحياء، ولأنهم يبعثون فى دمائهم وريحها ريح مسك والغسل (١) يذهبها، فوجب ألا تغير أحوالهم، ولم تصح عندهم الأحاديث الأخر حتى تُعارَض بها تلك الأحاديث الصحيحة، وأما ولد الزنا فليس فيه أثر يعول عليه، وعامة العلماء على الصلاة عليه كغيره من أولاد المسلمين، إلا قتادة فقال: لا يصلى عليه، وسيأتى هذا البابُ كله فى [الصلاة على الأطفال] (٢) فى كتاب الجنائز، إن شاء الله تعالى. وذكر مسلم حديث العطارة ولم يفسّره. هو حديث رواه زياد بن ميمون أبو عمار عن أنس، أن امرأة يقال لها: الحولاء عطَّارة، كانت بالمدينة فدخلت على عائشة وذكرت خبرها مع زوجها، وأن النبى ﷺ ذكر [لها] (٣) فى فضل الزوج، وهو حديث طويل غير صحيح، ذكره ابن وضاح (٤) بكماله فى كتاب " القطعان " له، ويقال: إن هذه العطَّارة [الحولاء هى] (٥) بنت تويْتِ المذكورة فى غير هذا الحديث.
следующие страницы →