← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حَدَّثَنَا الحَسَنُ الحُلوَانِىُّ، قَال: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَال أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ سُفْيَانَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَال: حَدَّثَنَا نعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسَىُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ؛ قَال: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ يَكْذِبُ فِى الحَدِيثِ. حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلِىّ، أَبُو حَفْصٍ، قَال: سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنِ مُعَاذٍ يَقُول: قُلْتُ لعَوْفِ ابْنِ أَبِى جَمِيلةَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عَنِ الحَسَنِ؛ أَنَّ رسُولِ اللهِ ﷺ قَال. " مَنْ حَمَلَ عَليْنَا السِّلاحَ فَليْسَ مِنَّا ". قَالَ: كَذَبَ، وَاللهِ، عَمْرٌو. وَلكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحُوزَهَا إِلى قَوْلِهِ الخَبِيثِ. وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَال: كَانَ رَجُلٌ قَدْ لزِمَ أَيُّوبَ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَفَقَدَهُ أَيُّوبُ. فَقَالوا: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّهُ قَدْ لزِمَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ. قَال حَمَّادٌ: فَبَيْنَا أَنَا يَوْمًا مَعَ أَيُّوبَ وَقَدْ بَكَّرْنَا إِلى السُّوقِ، فَاسْتَقْبَلهُ الرَّجُل. فَسَلمَ عَليْهِ أَيُّوبُ وَسَأَلهُ. ثُمَّ قَال لهُ أَيُّوبُ: بَلغَنِى أَنَّكَ لزِمْتَ ذَاكَ الرجُل. قَال حَمَّادُ: سَمَّاهُ، يَعْنِى عَمْرًا. قَال: نَعَمْ، يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّهُ يَجِيئُنَا بِأَشْيَاءَ غرَائِبَ. قَال: يَقُول لهُ أَيُّوبُ: إِنَّمَا نَفِر أَوْ نَفْرَقُ مِنْ تِلْكَ الغَرَائِبِ. وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ، يَعْنِى حَمَّادًا. قَال: قِيل لأَيُّوبَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ رَوَى عَنِ الحَسَنِ قَال: لا يُجْلدُ السَّكْرَانُ مِنَ ــ يكون إنما كذَّبه فى تأويله لمعناه على مذهبه، ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم وأشباهه من الأحاديث الواردة على مثل هذا: أنه ليس ممن اهتدى بهدينا، واقتدوا (١) بعلمنا. وقال الطحاوى: وكأن الله اختار لنبيه الأمور المحمودة ونفى عنه المذمومة، فمن عمل المحمودة فهو منه، ومن عمل المذمومة فليس منه كما قال تعالى عن إبراهيم: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية (٢)، وهذا راجع إلى المعنى الأول، وكما يقول (٣) الرجل لولده إذا لم يرض حاله: لست منى. وذكر مسلم قول أيوب: " إنما نَفِرُّ أو نفرَقُ من تلك الغرائب ": أى نفزع ونتحاشى من روايتها لئلا نكون أحد الكاذبين على رسول الله ﷺ ، إن كانت الغرائب من الأحاديث، وإن كانت من الآراء والمذاهب والفتوى فحذراً من البدع، ومخالفة الجمهور، باتباعه الغريب الذى لا يعرف. وذكر مسلم الاختلاف عن الحسن فى جَلدِ السكران من النبيذ، لم يختلف العلماء أنه

стр. 142

النَّبِيذ. فَقَالَ: كَذَبَ. أَنَا سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُول: يُجْلدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذ. وَحَدَّثَنِى حَجَّاج، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال سَمِعْتُ سَلامَ بْنَ أَبِى مُطِيعٍ يَقُول: بَلغَ أَيُّوبَ أَنِّى آتِى عَمْرًا، فَأَقْبَل عَلىَّ يَوْمًا فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً لا تَأمَنُهُ عَلى دِينِهِ، كَيْفَ تَأمَنُهُ عَلى الحَدِيثِ؟ وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ قَبْل أَنْ يُحْدِثَ. ــ إذا سكر حُدَّ، وأن كل مسكر لشدته المطربة حرام، كان خمراً أو غيره، وأما إن شرب من الشراب المختلف فيه ولم يُسكر فمن يبيح شربَه لا يُحِدُّه (١) ومن يمنعه يُحِدُّه، وهو مالك والشافعى، وتأول بعضهم قول مالك أنه فى غير المجتهد، وأما المجتهد الذى يرى إباحته فلا يُحدُّه، لأنه قد ناظر فى المسألة جماعة من الأئمة الذين كانوا يشربونه ولم يأمر بحدّهم، وقد كانت الأمور تجري بأمره وعلى رأيه، ونص الشافعى على حدّ المجتهد وقال: أحُدُّه ولا أردُّ شهادتَه (٢).

стр. 143

حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَال: كَتَبْتُ إِلى شُعْبَةَ أَسْأَلهُ عَنْ أَبِى شَيْبَةَ قَاضِى وَاسِطٍ، فَكَتَبَ إِلىَّ: لا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا، وَمَزِّقْ كَتَابِى. وَحَدَّثَنَا الحُلوَانِىُّ، قَال: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَال: حَدَّثْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلمَةَ [عَنْ] (١) صَالِحٍ المُرِّىِّ بِحَدِيثٍ عَنْ ثَابِتٍ. فَقَالَ: كَذَبَ. وَحَدَّثتُ هَمَّامًا عَنْ صَالِحٍ المُرِّىِّ بِحَدِيثٍ فَقَالَ: كَذَبَ. وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالْ قَال لى شُعْبَةُ: أيْتِ جَرِيرَ بْنَ ــ وذكر مسلم كتاب شعبة لمعاذ العنبرى: " لا تكتب عن أبى شيبة ". قال القاضى- ﵀: وقوله: " ومزّق كتابى ": لعله أمره بتمزيقه حذراً أن يعتقد عليه ذلك أبو شيبة أو من له أمر الطعن على من قدموا. وذكر مسلم هنا فى صدر كتابه حديث الصلاة على قتلى أحد وعلى أولاد الزنا. جاءت الآثار الصحاح عن جابر؛ أن النبى ﷺ : " لم يُصل على قتلى أحُدٍ صلاته على الميت " (٢)، وعن ابن عباس وابن الزبير أنه صلى يوم [أحد] (٣) [على] (٤) قتلى أحُدٍ [ولم يغسَّلوا] (٥) ومثله عن أنس، وروى عقبة بن عامر أن النبى ﷺ خرج يوماً فصلى

стр. 144

حَازِمٍ فَقُل لهُ: لا يَحِلُّ لكَ أَنْ تَرْوِىَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، فَإِنَّهُ يَكْذِبُ. قَال: أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الحَكَمِ بِأَشْيَاءٍ لمْ أَجِدْ لهَا أَصْلاً. قَال: قُلْتُ له: بِأَىِّ شَىْءٍ؟ قَال: قُلْتُ للحَكَمِ أَصَلى النَّبِىُّ ﷺ عَلَى قَتْلىَ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لمْ يُصَل عَليْهِمْ. فَقَالَ الحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ ــ على أهل أحد [صلاته على الميت] (١) وعن ابن عباس وابن الزبير أنه صلى يوم أحد على قتلى أحد. فاختلف العلماء فى غسلهم والصلاة عليهم باختلاف هذه الأحاديث، فذهب مالك والشافعى وأحمد والليث فى جماعة أنهم لا يُغَسَّلون ولا يُصلى عليهم، وذهب أبو حنيفة والأوزاعى والثورى إلى إنهم لا يغسلون ويُصلى عليهم (٢)، وذهب ابن المسيب والحسن إلى غُسْلهم والصلاة عليهم (٣)، وحجة مالك ومن وافقه الأحاديث المتقدمة وأن حديث عقبة (٤) كان بعد دفنهم بسنين، ويعنى (٥) الدعاء والترحم عليهم، ولأن الصلاة على

стр. 145

صَلى عَليْهِمْ وَدَفَنَهُمْ. قُلْتُ لِلحَكَمِ: مَا تَقُول فِى أَوْلادِ الزِّنَا؟ قَال: يُصَلى عَليْهِمْ. قُلْتُ: مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟ قَال. يُرْوَى عَنِ الحَسَنِ البَصْرِىِّ. فَقَالَ الحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ عَن يَحْيَى بْنِ الجَزَّارِ عَنْ عَلِىٍّ. وَحَدَّثَنَا الحَسَنُ الحُلوَانِى. قَال: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَذَكَرَ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَقَالَ: حَلفْتُ أَلا أَرْوِىَ عَنْهُ شَيْئًا، وَلا عَنْ خَالدِ بْنِ مَحْدُوجٍ. وَقَال: لقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ. فَسَأَلتُهُ عَنْ حَدِيثٍ فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْ بَكْرِ المُزَنِىِّ. ثُمَّ عُدْتُ إِليْهِ فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ. ثُمَّ عُدْتُ إِليْهِ فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْ الحَسَنِ. وَكَانَ يَنْسُبُهُمَا إِلى الكَذِبِ. قَال الحُلوَانِىُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ، وَذَكَرْتُ عِنْدَهُ زِيادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَنَسَبَهُ إِلى الكَذِبِ. وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، قَال: قُلْتُ لأَبِى دَاوُدَ الطَّيَالِسِىِّ: قَدْ أَكْثَرتَ عَنْ عَبَّادِ بنِ مَنْصُورٍ، فَمَا لكَ لمْ تَسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَ العَطَّارَةِ الذِى رَوَى لنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ؟ قَال لِى: ــ الموتى، وقد أخبر الله تعالى أن الشهداء أحياء، ولأنهم يبعثون فى دمائهم وريحها ريح مسك والغسل (١) يذهبها، فوجب ألا تغير أحوالهم، ولم تصح عندهم الأحاديث الأخر حتى تُعارَض بها تلك الأحاديث الصحيحة، وأما ولد الزنا فليس فيه أثر يعول عليه، وعامة العلماء على الصلاة عليه كغيره من أولاد المسلمين، إلا قتادة فقال: لا يصلى عليه، وسيأتى هذا البابُ كله فى [الصلاة على الأطفال] (٢) فى كتاب الجنائز، إن شاء الله تعالى. وذكر مسلم حديث العطارة ولم يفسّره. هو حديث رواه زياد بن ميمون أبو عمار عن أنس، أن امرأة يقال لها: الحولاء عطَّارة، كانت بالمدينة فدخلت على عائشة وذكرت خبرها مع زوجها، وأن النبى ﷺ ذكر [لها] (٣) فى فضل الزوج، وهو حديث طويل غير صحيح، ذكره ابن وضاح (٤) بكماله فى كتاب " القطعان " له، ويقال: إن هذه العطَّارة [الحولاء هى] (٥) بنت تويْتِ المذكورة فى غير هذا الحديث.

стр. 146

اسْكُتْ. فَأَنَا لقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِىٍّ. فَسَأَلنَاهُ فَقُلْنَا لهُ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ التِى تَرْوِيهَا عَنْ أَنَسٍ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمَا رَجُلاً يُذْنِبُ فَيَتُوبُ أَليْسَ يَتُوبُ اللَّهُ عَليْهِ؟ قَال: قُلْنَا نَعَمْ. قَال: مَا سَمِعْتُ مِنْ أَنَسٍ، مِنْ ذَا قَلِيلاً وَلا كَثِيرًا، إِنْ كَانَ لا يَعْلمُ النَّاسُ فَأَنْتُمَا لا تَعْلمَانِ أَنِّى لمْ أَلقَ أَنَسًا. قَال أَبُو دَاوُدَ: فَبَلغَنَا، بَعْدُ أَنَّهُ يَرْوِى. فَأَتَيْنَاهُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: أَتُوبُ. ثُمَّ كَانَ، بَعْدُ، يُحَدِّثُ. فَتَرَكْنَاهُ. حَدَّثَنَا حَسَنٌ الحُلوَانِىُّ قَال: سَمِعْتُ شَبَابَة. قَال: كَانَ عَبْدُ القُدُّوسِ يُحَدِّثنَا فَيَقُول: سُوَيْدُ بْنُ عَقَلةَ. قَال شَبَابَةٌ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ القُدُّوسِ يَقُول: نَهَى رَسُول اللهِ ﷺ أَنْ يُتَخَذَ الرَّوْحُ عَرْضًا. قَال فَقِيل له: أَىُّ شَىْءٍ هَذَا؟ قَال: يَعْنِى تُتَّخَذُ كُوَّةٌ فِى حَائِطٍ لِيَدْخُل عَليْهِ الرَّوْحُ. ــ وذكر مسلم عن عبد القدوس أنه كان يقول: " سُويد بن عقَلةَ "، بالعين المهملة والقاف. و " أن تتخذَ الرَّوح عرْضًا " بفتح الراء فى الأولى والعين المهملة وسكون الراء فى الثانية، وتفسيره لذلك بما ذكره، وإنما أراد مسلم أنه صحف فى ذلك، وأخطأ فى الرواية والتفسير، وإنما صوابه سُويد بن غفَلةَ- بالغين المعجمة والفاء، والروح بضم الراء وغَرَضًا بالغين المعجمة وفتح الراء، أى يتخذ ما فيه روح غَرَضًا للرمى وشبهه (١)، وقد ذكره فى كتاب الصيد (٢) على الصواب، وهذا مثل نهيه- ﵇ عن قتل المصبورة والمجثَّمة، وهى ذات الروح من الطير وغيره، تُصْبَر، أى تحَبسُ ليُرمى عليها، وسيأتى هذا فى كتاب الصيد، ولم يختلف العلماء فى منع أكلها وأنها غير ذكيَّة. وفائدة الحديث: النهى عن قتل الحيوان لغير منفعة والعبث بقتله. وقال الطبرى: فيه دليل على منع قتل ما أُحِل أكله من الحيوان ما وُجد إلى تزكيته سبيل، ثمَّ فيه فسادُ المال. وذكر أبا سعيد الوُحاظىَّ (٣)، هو بضم الواو، وحاظة بطن من بطون حمير (٤)، كذا قيدناه عن شيوخنا، وحُكى عن أبى الوليد الباجى فيه فتح الواو.

стр. 147

قَال مُسْلمٌ: وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ القَوَارِيرِىَّ يَقُول: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُول لِرَجُلٍ، بَعْدَ مَا جَلسَ مَهْدِىُّ بْنُ هِلالٍ بِأَيام: مَا هَذِهِ العَيْنُ المَالِحَةُ التِى نَبَعَتْ قِبَلكُمْ؟ قَال: نَعَمْ. يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ. وَحَدَّثَنَا الحَسَنُ الحُلوَانِىُّ، قَال: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَال: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ قَال: مَا بَلغَنِى عَنْ الحَسَنِ حَدِيثٌ، إلا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِى عَيَّاشٍ، فَقَرَأَهُ عَلَىَّ. وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَال: سَمِعْتُ أَنَا، وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ مِنْ أَبَانَ بْنِ أَبِى عَيَّاشٍ نَحْوًا مِنْ أَلفِ حَدِيثٍ. قَال عَلىٌّ: فَلقِيتُ حَمْزَةَ فَأَخْبَرَنِى أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ فِى المَنَامِ، فَعَرَضَ عَليْهِ مَا سَمِعَ مِنْ أَبَانَ، فَمَا عَرِفَ مِنْهَا إِلا شَيْئًا يَسِيرًا، خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىَّ، قَال لِى أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِىُّ: اكْتُبْ عَنْ بَقِيَّةَ مَا رَوَى عَنِ المَعْرُوفِينَ، وَلا تَكْتُبْ عَنْهُ ما روىَ عَنْ غَيْرِ المَعْرُوفِينَ، وَلا تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ مَا رَوَى عَنِ المَعْرُوفِينَ، وَلا عَنْ غَيْرِهِمْ. ــ وذكر مسلم عن حمزة الزيات، أنه رأى النبى ﷺ فى المنام فعَرَض عليه ما سَمِع من أبان فما عرف منها (١) إلا شيئاً يسيراً. هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان لا أنه يقطع بأمر المنام، ولا أن تبطل بمثله سُنَّة ثبتت، ولا يُثبت به سُنَّة لم تثبت بإجماع [من] (٢) العلماء. وقوله- ﵇: " من رآنى [فى المنام] (٣) فقد رآنى [أو قد] (٤) رأى الحق- فإن الشيطان لا يتمثل بى " أى إن رؤياه- ﵇ حق ليس فيها للشيطان عمل ولا تلبيس، وأن الشيطان غير متسلط على التصور فى المنام على صورته، أو يكون ما رؤى فيه مات الرؤيا الصحيحة لا من أضغاث الأحلام، وقيل: فقد رآنى حقاً، ورأى شخصه المكرَّم حقيقةً، وسيأتى كلام الإمام أبى عبد الله على هذا الحديث وما ذيلناه به فى كتاب العبارة إن شاء الله تعالى. وذكر مسلم عن جماعة من الأئمة رَموا جماعة بالكذب: اعلم أن الكاذبين على ضربين: ضرب عرِف (٥) بذلك فى حديث النبى ﷺ ، وهم على أنواع: منهم من يضع عليه ما لم يقله أصلاً إما تراقعًا (٦) واستخفافاً، كالزنادقة وأشباههم

стр. 148

وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، قَال: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ عَبْدِ الله قَال: ــ ممن لم يرج للدين وقاراً (١)، أو حِسْبَة بزعمهم (٢)، أو تديُّنًا كجهلة المتعبِّدة الذين وضعوا الأحاديث فى الفضائل والرغائب (٣)، أو إغراباً وسُمْعَةً كفسقة المحدثين، أو تعصباً واحتجاجاً كدُعاة المبتدعة ومتعصبى المذاهب (٤)، أو اتباعاً لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه وطلب العذر لهم فيما أتوه (٥)، وقد تعيَّن جماعةٌ من كل طبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال. ومنهم من لا يضع من الحديث، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسنادًا صحيحاً مشهورًا. ومنهم من يقلب الأسانيد (٦)، أو يزيد فيها ويتعمَّدُ ذلك إما للإغراب على غيره أو لرفع الجهالة عن نفسه.

стр. 149

قَال ابْنُ المُبَارَكِ: نِعْمَ الرَّجُل بَقِيَّةُ، لوْلا أَنَّهُ كَان يَكْنِى الأَسَامِىَ وَيُسَمِّى الكُنَى. كَانَ دَهْرًا يُحَدِّثَنَا عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الوُحَاظِىِّ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ القُدُّوسِ. ــ ومنهم من يكذب فيدَّعى سماع ما لم يسمع أو لقاء من لم يلق ويُحدّثُ بأحاديثهم الصحيحة عنهم. ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة أو غيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها للنبى ﷺ (١). فهؤلاء [كلهم] (٢) كذابون متروكو الحديث، وكذلك من تجاسر بالحديث بما لم يحققه ولم يضبطه أو هو شاك فيه، فلا تحدّث عن هؤلاء ولا يُقبل ما حدثوا به، ولو لم يكن منهم مما جاؤوا به من هذه الأمور إلا المرة الواحدة، كشاهد الزور إذا تعمد ذلك [مرة واحدة] (٣) سقطت شهادتُه، واختُلف هل تُقبل فى المستقبل إذا ظهرت توبته أو زادت فى الخير حالته؟ والصنف الآخر من لا يستجيز شيئاً من هذا كله فى الحديث، ولكنه يكذب فى حديث الناس، [قد] (٤) عُرِف بذلك، فهذا أيضاً لا يُقبل حديثه ولا شهادتُه، قاله مالك وغيره، وتنفعه التوبة ويرجع إلى القبول. فأما من يندُر منه القليل من الكذب ولم يُعرف به فلا يقطع بتجريحه مثلهم (٥) إذ (٦) يتأول عليه الغلط أو الوهم، وإن اعترف متعمدُ ذلك المرة الواحدة ما لم يضر بها مسلماً فلا يلحق بمثله الجرحة، وإن كانت معصيةٌ لندورها، ولأنها لا تلحق بالكبائر الموبقات، ولأن أكثر [الناس] (٧) قل ما يسلمون من مواقعات (٨) بعض [هذه] (٩) الهنات، وبهذا قال مالك- ﵀ فيمن تُردّ شهادتُه: أن يكون كاذباً فى غير شىء (١٠). وقال سحنون فى الذى يقارف بعض الذنب كالزلة: تجوز شهادته، لأنَّ

стр. 150

وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِىُّ، قَال سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُول: مَا رَأَيْتُ ابْنَ المُبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ: كَذَّابٌ إِلا لِعَبْدِ القُدُّوسِ، فَإِنِّى سَمِعْتُهُ يَقُول لهُ كَذَّابٌ. وَحَدَّثَنِى عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ المُعَلى بْنَ عُرْفَان. فَقَالَ: قَال: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ قَال: خَرَجَ عَليْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ المَوْتِ؟. حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلىٍّ وَحَسَنٌ الحُلوَانِىُّ، كِلاهُمَا عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلمٍ، قَال: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيل بْنِ عُليَّةَ، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ. فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا ليْسَ بِثَبْتٍ. قَال: فَقَالَ الرَّجُل: اغْتَبْتَهُ. قَال إِسْمَاعِيل: مَا اغْتَابَهُ. وَلكِنَّهُ حَكَمَ: أَنَّهُ ليْسَ بِثَبْتٍ. وَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الذِى يَرْوِى عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ؟ فَقَالَ: ليْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلتُهُ ــ أحداً لا يسلم من مثل هذا، فإذا تكرَّر هذا منه سقطت به شهادته، وكذلك لا يسقطها كذبُه فيما هو من باب التعريض أو الغلو فى القول، إذ ليس بكذب على الحقيقة وإن كان فى صورة الكذب، لأنه لا يدخل تحت حدّ الكذب ولا يُريد المتكلم به الإخبارَ عن ظاهر لفظه، وقد قال ﵇: " أما أبو جهم فلا يضَعُ عصَاه عن عاتقه " (١). وقال إبراهيم ﵇: " هذه أختى " (٢) وقد أشار مالك- ﵀ لنحو هذا. وذكر مسلم عن بقية بن الوليد أنه يكنى الأسامى (٣)، ويسمى الكنى. هذا نوع من التدليس، فإذا فعله صاحبه فى الضعفاء ليوهم أمرهم على الناس فهو قبيح، لأنه يُلبَّس بذلك ويخيَّل أن ذلك الراوى ليس هو ذاك الضعيف لتركه اسمه أو كنيته التى عُرِف بها واشتهر بها، ويُسميه أو يكنيه بما لا يُعرف به، فيخرجه إلى حد الجهالة من حَدّ المَعرفة بالجرحة والترك، فيرفع (٤) رتبته عن الاتفاق (٥) إلى الخلاف أو عن القطع على طرح حديثه المتروك إلى المسامحة فى رواية حديث المجهول، وأشد منه أن يكنى الضعيف أو يسميه بكنية الثقة أو اسمه لاشتراكهما فى ذلك، وشهرة الثقة بذلك الاسم أو الكنية، فهذا الباب مما يقدح فى فاعله، وسنزيد الكلام فيه بسطاً (٦) فى فصل التدليس. ولهذا كان

стр. 151

عَنْ صَالِحٍ مَوْلى التَوْأَمَة؟ فَقَالَ: ليْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلتُهُ عَنْ أَبِى الحُوَيْرِثِ؟ فَقَالَ: ليْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلتُهُ عَنْ شُعْبَةَ الذِى رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ؟ فَقَالَ: ليْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلتُهُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: ليْسَ بِثِقَةٍ. وَسَألتُ مَالِكًا عَنْ هَؤُلاءِ الخَمْسَةِ؟ فَقَالَ: ليْسُوا ــ أبو مسهر (١) يقول: احذروا أحاديث بقيَّة (٢) فإنها غير نقية، [وكونوا من بقيتها على حذر] (٣). ذكر مسلم صالحاً مولى التَّوْأمة (٤)، كذا صوابُه بفتح التاء المشَدَّدة وإسكان الواو بعدها همزة مفتوحة، وقد تُسَهَّل فَتُفْتح الواو وتُنْقل عليها حركة الهمزة فيقال: التَّوَمة، ومن ضم التاء وهمز الواو أخطأ، وهى رواية أكثر المشايخ والرواة، وكما قُلناه قَيَّده أصحابُ

стр. 152

بِثِقَةٍ فِى حَدِيثِهِمْ. وَسَأَلتُهُ عَن رَجُلٍ آخَرَ نَسِيتُ اسْمَهُ؟ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ فِى كُتُبِى؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: لوْ كَانَ ثِقَةً لرَأَيْتَهُ فِى كُتُبِى. وَحَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ مُتَّهَمًا. وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الطَّالقَانِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ يَقُولُ: لوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الجَنَّةَ وَبَيْنَ أَنْ أَلقَى عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَرَّرٍ، لاخْتَرْتُ أَنْ أَلقَاهُ ثُمَّ أَدْخُلَ الجَنَّةَ، فَلمَّا رَأَيْتُهُ، كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلىَّ مِنهُ. وَحَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا وَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ زَيْدٌ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى أُنَيْسَةَ: لا تَأخُذُوا عَنْ أَخِى. حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ السَّلامِ الوَابِصِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّىُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِى أُنَيْسَةَ كَذَّابًا. ــ المؤتلف [والمختلف] (١)، وكذلك أتقنَّاه على أهل المعرفة من شيوخنا، والتَّوَمةُ هذه هى بنت أمية بن خلف الجمحى، قاله البخارى وغيره، قال الواقدى: وكانت فى بطن مع أخت لها، فلذلك سُمّيت التَّوَمة، وهى مولاة أبى صالح [من فوق] (٢)، وأبو صالح هذا اسمه نبهان (٣). وذكر مسلم عن مالك وقد سئل عن رجُل فقال: لو كان ثقةً لرأيته فى كتبى. هذا ترجيح من مالك- ﵀ وتعديل منه صريح لكل من أدخله فى كتبه، وقد اختلف العلماء فى رواية الثقة عن المجهول، فذهب بعضهم إلى أنه تعديل (٤)، وذهب الأكثر إلى أنه ليس بتعديل حتى يُصرِّح بعدالته بقوله أو ما يدل على ذلك، فأما من عُرف بمثل حال مالك ونُقِل عنه مثلُ قوله فروايته عنه وإدخاله فى كتبه تصريح بعدالته.

стр. 153

حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِى سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ؛ قَالَ: ذُكِرَ فَرْقَدٌ عِنْدَ أَيُّوبَ، فَقَالَ: إِنَّ فَرْقَدًا ليْسَ صَاحِبَ حَدِيثٍ. وَحَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ العَبْدِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ القَطَّانَ، ذُكِرَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ الليْثِىُّ، فَضَعَّفَهُ جِدًا. فَقِيلَ لِيَحْيَى: أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَرْوِى عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. حَدَّثَنِى بشْرُ بْنُ الحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ القَطَّانَ ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَبْدَ الأَعْلَى، وَضَعَّفَ يَحْيَى بْنَ مُوسَى بْنِ دِينَارٍ. قَالَ: حَدِيْثُهُ رِيحٌ. وَضَعَّفَ مُوسَى بْنَ دِهْقَانَ، وَعِيسَى بْنَ أَبِى عِيسى المَدَنِىَّ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الحَسَنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: قَالَ لِى ابْنُ المُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ عَلى جَرِيرٍ فَاكْتُبْ عِلمَهُ كُلهُ إِلا حَدِيثَ ثَلاثَةٍ، لا تَكْتُبْ حَدِيثَ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، وَالسَّرِىِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ. ــ قال الإمام أبو عبد الله: قال (١) مسلم فى حديث آخر: " حدثنى (٢) بشر (٣) بن الحكم قال: سمعت يحيى القطَّان ضعَّفَ حكيم بن جُبير وعبد الأعلى، وضعف يحيى موسى بن دينار ". وكذا صواب (٤) هذا الكلام، وفى أكثر النسخ: وضعَّف يحيى بن موسى بن دينار (٥)، وهذا وهم، وموسى بن دينار هو المكى (٦)، ضعَّفَه (٧) يحيى، وقد نقل أبو جعفر العقيلى فى كتابه فى " الضعفاء " كلام يحيى هذا فى موسى بن دينار وعبد الأعلى وحكيم بن جبير (٨). قال القاضى: رواية جميع شيوخنا فى " الأم " بغير واو على الوهم، وهذا يُصَحّحُ أنه من رُواة مسلم، والصواب عندهم ما تقدم، وكذا صحَّحه الجيانى والصدفى وغيره من شيوخنا، ويحيى هو ابن سعيد القطانُ المذكور أوَّلاً. ذكر مسلم قول ابن عُليَّةَ: وقد تكلم رجلٌ فى رجُلٍ فقال له آخر: اغتبته، فقال: ما اغتابه (٩) ولكنه حكم أنه ليس بثَبتٍ، وقد تقدَّم الكلام أن مثل هذا ليس بغيبة، بل لو

стр. 154

قَالَ مُسْلمٌ: وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلامِ أَهْلِ العِلْمِ فِى مُتَّهَمِى رُوَاةِ الحَدِيثِ وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ مَعَايِبِهِمْ كَثِيرٌ. يَطُولُ الكِتَابُ بِذِكْرِهِ، عَلى اسْتِقْصَائِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ، لمَنْ تَفَهَّمْ وَعَقَلَ مَذْهَبَ القَوْمِ، فِيمَا قَالوا مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنُوا. وَإِنَّمَا أَلزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الكَشْفَ عَنْ مَعَايبِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَنَاقِلِى الأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلوا، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الخَطَرِ، إِذِ الأَخْبَارُ فِى أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأتِى بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْىٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِى لهَا ليْسَ بِمَعْدَنٍ للصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ وَلمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ، مِمَّنْ ــ لم يحسن مقصدهُ وقصد محض التنقصِ والعيب لا بيان الحال لأجل الحديث لكان غيبة، وكذلك لو لم يكن المتكلم من أهل هذا الشأن، ولا ممن يُلتَفَتُ إلى قوله فيه لما جاز له ذكر ذلك ولكان غيبةً، وهذا كالشاهد ليس تجريحه غيبةً [ولو عابه] (١) [قائل] (٢) بما جُرح به على طريق المشاتمة والتنقص له أُدب له وكانت غيبة، وقد قيل ليحيى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركتَ حديثَهم خُصمَاك عند الله؟ فقال: لأن يكونوا خُصمائى أحبُّ إلىَّ من أن يكون خصمى رسول الله ﷺ ، يقولُ: لِمَ حدثت عنى حديثًا ترى أنه كذِب؟ (٣). ذكر مسلم تجريح قوم لجماعةٍ فيهم من يوجد تعديلهم لآخرين من الأئمة، وهذه مسألة اختلف فيها المحدّثون والفقهاء والأصوليون فى باب الخبر وباب الشهادة، وقالوا: إذا عدَّل مُعَدِّلون رجلاً وجَرَّحه آخرون فالجرح أولى، وحكوا فى ذلك إجماع العلماء مع الحجة بأن المجرح زاد ما لم يعلمه المعدّلُ، وهو بين، ولا خلاف فى هذا إذا كان عدد مع الحجة بأن المجرح زاد ما لم يعلمه المعدّلُ، وهو بين ولا خلاف فى هذا إذا كان عددُ المجرحين أكثرُ (٤)، فإن تساوَوا فكذلك عند القاضى أبى بكر

стр. 155

جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًا لِعَوَامِّ المُسْلِمِينَ، إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلعَلهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ، لا أَصْلَ لهَا، مَعَ أَنَّ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِقَاتِ. وَأَهْلِ القَنَاعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلى نَقْلِ مَنْ ليسَ بِثِقَةٍ. وَلا مَقْنَعٍ. ــ والجمهور (١)، وذهب بعض المالكية إلى توقف الأمر عند التكافى، وقيل: يقضى بالأعدال. فإن كان (٢) عند المعدلين أكثر فالجمهور على تقديم الجرح للعلة المتقدمةُ. وذهبت طائفة إلى ترجيح التعديل، وقال الباجى: وهذا عندى يحتاج إلى تفصيل، فإذا قال المُعَدّل: هو عدلٌ رضى، وقال المجرّحُ: فاسِق رأيته أمس يشربُ الخمر، فلا تنافى بين الشهادتين. وقد أثبت هذا فسْقاً لم يعلمه الآخر، فأما لو قال المعدّل: ما فارقنى أمسِ الجامع ومثل هذا، فقد تعارضَت الشهادتان، ولعل توقُّف من توقَّفَ من أصحابنا لهذا الوجه. وقال اللخمى (٣): إذا كان اختلافهما فى ذلك عن كلام قاله فى مجلس أو فعلٍ فعله قُضِىَ بالأعدال لا [به] (٤) تكاذب، وهذا نحو ما أشار إليه الباجى، وإن كان عن مجلسين متباينين غلب الجرح، وإليه يرجع قول الجمهور، وإن تباعدت شهادة العدل من شهادة المجرح قضى بآخرهما- وهذا مما لا يختلف فيه- إلا أن يُعلم أنه كان حين شُهد عليه بتقادم (٥) الجرح ظاهر العدالة إذ ذاك، حسب ما هو عليه الآن فيغلب الجرح. قال القاضى: ثُم يُرْجَع إلى الأصل عند تعارضُ الشهادتين، فإن كان قبل محمولاً على العدالة، وجاءت بعدُ مثل هذه الشهادة مضت عدالته على ما تقدم له وعُرف من حاله إذ سقطت الشهادتان، وإن كان على غير ذلك بقى على حكمه الأول، وهل يترجح التعارض مع القول بالتوقف بالكثرة على الخلاف المتقدم.

стр. 156

وَلا أَحْسَبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الضِّعَافِ وَالأَسَانِيدِ المَجْهُولةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا، مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ - إِلا أَنَّ الذِى يَحْمِلهُ عَلى رِوَايَتِهَا وَالاعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ العَوَامِّ، وَلأَنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلانٌ مِنَ الحَدِيثِ، وَأَلفَ مِنَ العَدَدِ. وَمَنْ ذَهَبَ فِى العِلْمِ هَذَا المَذْهَبَ، وَسَلكَ هَذَا الطَّرِيقَ فَلا نَصِيبَ لهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلاً، أَوْلى مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلى عِلمٍ. وَقَدْ تَكَلمَ بَعْضُ مُنْتَحِلى الحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا فِى تَصْحِيحِ الأَسَانِيدِ وتَسْقِيمِهَا بِقَوْلٍ، لوْ ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ وَذكرَ فَسَادِهِ صَفْحًا - لكَانَ رَأيًا مَتِينًا، وَمَذْهَبًا صَحِيحًا. إِذِ الإِعْرَاضُ عَنِ القَوْلِ المُطَّرَحِ أَحْرَى لإِمَاتَتِهِ وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ وَأَجْدَرُ أَلا يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا للجُهَّالِ عَليْهِ، غَيْرَ أَنَّا لمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ العَوَاقِبِ وَاغْتِرَارِ الجَهَلةِ بِمُحْدِثَاتِ الأَمُورِ وَإِسْرَاعِهِمْ إِلى اعْتِقَادِ خَطَأ المُخْطِئِينَ، وَالأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ العُلمَاء، رَأَيْنَا الكَشْفَ عَنْ فَسَادِ قَوْلِهِ، وَرَدَّ مَقَالتِهِ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الرَّدِّ أَجْدَى عَلى الأَنَامِ، وَأَحْمَدَ لِلعَاقِبَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ. وَزَعَمَ القَائِلُ الذِى افْتَتَحْنَا الكَلامَ عَلى الحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ، وَالإِخْبَارِ عَنْ سُوءِ رَويَّتِهِ أَنَّ كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ فِيهِ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، وَقَدْ أَحَاطَ العِلمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا فِى عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ الذِى رَوَى الرَّاوِى عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَشافَهَهُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا نَعْلمُ لهُ مِنه سَمَاعًا وَلمْ نَجِدْ فِى شَىْءٍ مِنَ الرِّوايَاتِ أَنَّهُمَا التَقَيا قَطُّ، أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ - أَنَّ الحُجَّةَ لا تَقُومُ عِنْدَهُ بِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ هَذَا المَجِىءَ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ العِلمُ بِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ تَشَافَهَا بِالحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا، وَتَلاقِيهِمَا، مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا، فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ لمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلمُ ذَلِكَ، ــ وقال مسلم فى النهى عن التحدث بالأخبار الضعيفة كلاماً، قال فى آخره: " أو يستعمل بعضَها أو أقلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها " كذا رواية شيوخنا عن الدلائى،

стр. 157

وَلمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِىَ عَنْ صَاحِبِهِ قَدْ لقِيَهُ مَرَّةً، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا - لمْ يَكُنْ فِى نَقْلهِ الخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عَنه ذَلِكَ، وَالأَمْرُ (١) كَمَا وَصَفْنَا، حُجَّةٌ. وَكَانَ الخَبَرُ عِندِهُ مَوْقُوفًا، حَتَّى يَرِدَ عَليْهِ سَمَاعُهُ مِنْهُ لشَىْءٍ مِنَ الحَدِيثِ. قَل أَوْ كَثُرَ، فِى رِوَايَة مِثْلِ مَا وَرَدَ. ــ وهو محتمل مصحف غير مستقل، والصواب روايتهم عن الفارسى: " ولعلها- أو أكثرها- أكاذيبُ " وأظن اللام أنفصلت مما بعدها من لعلها، فقرأه: أقلها وغرَّه ذكر أكثَرها بعدُ.

стр. 158

(٦) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن وَهَذَا القَوْلُ - يَرْحَمُكَ اللهُ - فِى الطَّعْنِ فِى الأَسَانِيدِ، قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ، مُسْتَحْدَثٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِليْهِ، وَلا مُسَاعِدَ لهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ القَوْلَ الشَّائِعَ المُتَّفَقَ عَليْهِ بَيْنَ أَهْلَ العِلمِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ روى عن مِثْلِهِ حَدِيَثًا، وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لهُ لِقَاؤُهُ، وَالسَّمَاعُ مِنْهُ، لِكَوْنِهَمَا جَمِيعًا كَانَا فى عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لمْ يَأتِ فِى خَبَرٍ قَطٌّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا، وَلا تَشَافَهَا بِكَلامٍ، فَالرَّوَايَةُ ثَابِتَةٌ، وَالحُجَّةُ بِهَا لازِمَةٌ، إِلا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلالةٌ بَينَةٌ، أَنَّ هَذَا الرَّاوِىَ لمْ يَلقَ منْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَّا وَالأَمْرُ مُبْهَمٌ عَلى الإِمْكَانِ الذِى فَسَّرْنَا فَالرِّوَايَةُ عَلى السَّمَاع أَبَدًا، حَتَّى تَكُونَ الدَّلالةُ التِى بَيَّنَّا. فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هَذَا القَوْلِ الذِى وَصَفْنَا مَقَالتَهُ، أَوْ للذَّابِّ عَنْهُ: قَدْ أَعْطَيْتَ فِى جُمْلةِ قَوْلكَ أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ الثِّقَةِ، عَنِ الوَاحِدِ الثِّقَةِ، حُجَّةٌ يَلزَمُ بِهِ العَمَلُ. ثُمَّ أَدْخَلتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ، فَقُلتَ: حَتَّى نَعْلمَ أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا التَقَيَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا. فَهَلْ ــ وذكر مسلم كلام بعض الناس فى المعنعن وهو قولهم: فلان عن فلان ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا، ولا سمعت، وقولهم ولا يحمل منه على المسند إلا ما كان بين (١) متعاصرين (٢) يُعلم أنهما قد التقيا من دهرهما مرة فصاعداً، وما لم يعرف ذلك فلا تقوم الحجة منه إلا بما شهد له لفظ السماع والتحديث، وأنكر مسلم هذا وردَّه ولم يشترط غير التعاصُرِ لا أكثر، والقول الذى ردَّه مسلم هو الذى [عليه] (٣) أئمة هذا العلم على بن المدينى والبخارى وغيرهما، ولا بد أن يشترط أن يكون الراوى مع ذلك ممن لا يعْرف بالتدليس. قال أبو عمر بن عبد البر: وجدتُ أئمة الحديث أجمعوا على قبول المعنعن بغير تدليس، إذا جمع شروطاً ثلاثةً: عدالتَهم، ولقاء بعضهم بعضاً، وبراءتهم من التدليس (٤) على خلاف بينهم فى ذلك، وقال ابن البيّع: المعنعن بغير تدليس متصل

стр. 159

تَجِدُ هَذَا الشَّرطَ الذِى اشْتَرَطْتَهُ عَنْ أَحَدٍ يَلزَمُ قَوْلهُ؟ وَإِلا فَهَلُمَّ دَلِيلاً عَلى مَا زَعَمْتَ. فَإِنِ ادَّعَى قَوْلَ أَحَدِ مِنْ عُلمَاءِ السَّلفِ بِمَا زَعَمَ مِنْ إِدْخَالِ الشَّرِيطَةِ فِى تَثْبِيتِ الخَبَرِ، طوُلِبَ بِهِ، وَلنْ يَجِدَ هُوَ وَلا غَيْرُهُ إِلى إِيجَادِهِ سَبِيلاً، وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلاً يَحْتَجُّ بِهِ قِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ؟ فَإِنْ قَالَ: قُلَتُهُ لأَنِّى وَجَدْتُ رُوَاةَ الأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَرْوِى أَحَدُهُمْ عَنِ الآخَرِ الحَدِيثَ وَلمَّا يُعَاينْهُ، وَلا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ، فَلمَّا رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الحَدِيثِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا عَلىَ الإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، والمُرْسَلُ مِنَ ــ بإجماع أهل النقل، على تورع رواته عن التدليس (١)، وإلى ما ذهب إليه مسلم ذهب القاضى أبو بكر الباقلانى وغيره من أئمة النظار. وكذلك اختلفوا فى لفظة: " أنَّ فلاناً " هل هى مثل: عن فلان؟ فيقضى لها بالاتصال (٢) أو بضد ذلك، فقال جمهورهم: إِنَّ " أَنَّ " و " عن " سواء على الشروط المذكورة فى " عن "، وزعم البَرْدَيجىُّ أنَّها على الانقطاع حتى يتبيَّن فيها السَّماعُ بخلاف " عن " (٣). قال مسلم: " والمرسل من الروايات فى أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة ". قال القاضى: اختلف العلماء فى المرسل على ما يقع من الحديث وفى ثبوت الحجة به، فأما الفقهاءُ والأصوليون فيطلقون المرسل على [كل ما لا يتصل] (٤) سنَدُه إلى النبى

стр. 160

الرِّوَايَاتِ فِى أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ العِلْمِ بِالأَخْبَارِ ليْسَ بِحُجَّةٍ - احْتَجْتُ، لِمَا وَصَفْتُ مِنَ العِلةِ، إِلى البَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوِى كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ. فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ عَلى سَمَاعِهِ مِنْهُ لأَدْنَى شَىْءٍ، ثَبَتَ [عَنْهُ] (١) عِنْدِى بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوِى عَنْهُ بَعْدُ. ــ ﵇، وأرسله راوٍ من رواته تابعياً كان أو [من] (٢) دونه، إلى النبى ﷺ ، أو سُكِت فيه عن راو من رواته أو أكثر، وارتفع إلى من فوقه، فهو داخل عندهم فى المرسل (٣)، وكذلك إذا قال عن رجُل ولم يُسَمِّه، وأما أصحاب الحديث فلهم تفريق فى ذلك واصطلاحات بَنَوا عليها صنعتهم، ورتبوا أبوابهم وتراجمهم، فلا يطلقون المُرسل إلا على ما أرسله التابعى، وقال فيه: قال رسول الله ﷺ ، دون ذكر الصحابى، وقال أبو عبد الله الحاكم فى كتاب " علوم الحديث ": لم يختلف مشايخ الحديث فى هذا (٤)، فأما ما أرسله الراوى دون التابعى فهو عندهم المنقطع، وكذلك يسمون الحديث عن رجُل لم يُسمَّ، وذكر كتاب " المدخل إلى كتاب الإكليل ": المرسل أن يقول التابعى أو تابع التابعى: قال رسول الله ﷺ (٥)، فإن كان بين المُرسِل و [بين] (٦) النبى ﷺ أكثر من رجُلٍ سَمَّوهُ مُعضَلاً، كذا لقَّبَهُ ابن المدينى وغيرُه وأدخل البلاغات وشبَهها عندهم فى باب العضْل، وكل هذا بالحقيقة داخل فى باب المرسل، إذْ أصل ذلك إضافة الراوى الحديثَ

стр. 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى من لم يرو عنه، وإرسال سنده وسقوط اتصاله، وأما الحجة به فذهب السلف الأول إلى قبوله والحجة به، وهو مذهب مالك وأبى حنيفة [وعامة أصحابهما] (١) وفقهاء الحجاز والعراق، وذهب الشافعى وإسماعيل القاضى، فى عامة أهل الحديث وكافة أصحاب الأصول وأهل النظر، إلى ترك الحجة بها، وحكاه الحاكم عن ابن المسيب ومالك وجماعة أهل الحديث وفقهاء الحجاز وممن بعدهم من فقهاء [المدينة] (٢)، وعن الأوزاعى والزهرى وابن حنبل، والمعروف من مذهب مالك وأهل المدينة خلاف ما ذكر فلهم تفريق فى ذلك، وشرط بعض من لم يَر الحجة به مراسيل التابعين جملةً وخَصَّ بعضُهم مراسيل كبار التابعين (٣)، وبعضُهم مراسيل الصحابة (٤) [و] (٥) إذا قالوا: حدثنى رجل عن النبى- ﵇ وخصَّ الشافعى مراسيل سعيد بن المسيب (٦)، وبعضُهم مراسيل الأئمة (٧) وجعلها

стр. 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حجةً كالمسندات، إذ أكثرها كذلك، لا (١) يرسلون إلا ما صَحَّ، ومنهم من جعل هذه أقوى من المسانيد لأن الإمام لا يرسل الحديث إلا مع نهاية الثقة به والصحة (٢). واختار بعض المحققين من المتأخرين قبولَ مُرْسل الصحابى والتابعى إذا عُرِف من عادته أنه لا يَروى إلا عن صحابى، قال أبو عمرو أبو الوليد (٣): ولا خلاف أنه لا يجوز العمل به إذا كان مُرْسِلهُ غيرَ متحرز يُرسِلُ عن غير الثقات. قال مسلم: " خبر الواحد الثقة (٤) عن الواحد حجةٌ يلزم به العمل ". هذا الذى قاله هو مذهب جمهور المسلمين من السلف والفقهاء والمحدثين و [مذهب] (٥) الأصوليين (٦)، وأن وجوب ذلك من جهة الشرع كأن نقله بواحدٍ عن واحد أو أكثر ما لم يبلغْ عدد التواتر (٧)، وإن أوجب غَلبة الظن دون اليقين والعلم، وذهبت الروافض والقدريَّة وبعض أهل الظاهر إلى أنه لا يجب به عملٌ، واختلفوا بَعْدُ، فمنهم من قال: مانع ذلك العقلُ، ومنهم من قال: الشرع، وقالت طائفة: يجب العمل بمقتضاه عقلاً، وذهب الجبائى من المعتزلة إلى أنه لا يلزم العملُ إلا بما رواه اثنان عن اثنين هكذا إلى النبى ﷺ ، وقال غيره: لا يلزم إلا بما رواه [أربع عن أربع] (٨)، ومثل هذا غيرُ موجود، وإن وُجِدَ منه شىء

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقليلٌ، ولو التُزِم هذا لا يطلب السُننُ، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم، وحُكى هذا عن أحمد بن حنبل (١)، ثم قالت منهم طائفة: [إنما] (٢) يُوجِبُ العِلمَ الظاهر دون الباطن. وهذه الأقاويل كلها غير قول الجمهور باطلة (٣)، إذ لا يقطع بِمُغَيَّبِة وصدِق ناقله [وإذ يُعلم بالضرورة ترك الطمأنينة إلى القطع بصدق ناقلِه] (٤) لاحتمال الوهم والغلط، والآفات على الآحاد، كما لا يُقطع بصحَّةِ شهادة الشهود، وإن لزمنا العمل بها إجماعاً، ولعلمنا (٥) قطعاً إجماع الخلفاء (٦) والصحابة ومن بعدهم من السلف على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بِسُنَّةٍ أو قضاء من النبى ﷺ ورجُوعهم إليه [وقضائهم] (٧) وفتياهم به دون تلعثُم وطلبهم عند عدم الحجة ذلك مِمَّن بلغَهُم أن ذلك

стр. 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنده، واحتجاجهم برواية من روى ذلك عند خلافهم، وكذلك علمنا بالضرورة والخبر المتواتر إنفاد من يأتى عن النبى ﷺ لأوامره بأخبار رُسِله وتبليغ كتبه (١)، وكل هذا لا خفاء بصحته والعقل لا يُحيلُ التكليف بالعمل به، والشَرع لم يمنعه بل أوجبه (٢) وعَبَّرَ بعض المتفقهة ومن لم يحصّل لفظه بأنه يوجب العَمَلَ (٣)، وهو (٤) تجوَّز فى اللفظ، إذ الشىء لا يكون حُجة لوجوبه، وإنما تلقينا وجوب العمل به من سيرة السلف، وإجماعهم وأوامر النبى ﷺ كما قدَّمنا، وتفريق من فرَّق بين العلم الظاهر (٥) والباطن فيه، فإن أراد بالظاهر غلبة الظن دون القطع فهو ما أردناه وصَوَّبناه، فهو خلاف فى عبارة.

стр. 165

فَإِنْ عَزَبَ عَنِّى مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، أَوْقَفْتُ الخَبَرَ وَلمْ يَكْنْ عِنْدِى مَوْضِعَ حُجَّةٍ لإِمْكَانِ الإِرْسَالِ فِيهِ. فَيُقَالُ لهُ: فَإِنْ كَانَتِ العِلةُ فِى تَضْعِيفِكَ الخَبَرَ وَتَرْكِكَ الاحْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ، لزِمَكَ أَنْ لا تُثْبِتَ إِسْنَادًا مُعَنْعَنًا حَتَّى تَرَى السماع فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلىَ آخِرِهِ؟ وَذَلكَ أَنَّ الحَدِيثَ الوَارِدَ عَليْنَا بإسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، فَبِيَقِينٍ نَعْلمُ أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ منْ عَائِشَةَ، كَمَا نَعْلمُ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَمِعتْ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ . وَقَدْ يَجُوزُ، إِذَا لمْ يَقُلْ هِشَامٌ، فِى رِوَايَةٍ يَرْوِيهَا عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ أَوْ أَخْبَرَنِى: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ فِى تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ، أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ أَبِيهِ، وَلمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ أَبِيهِ، لمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيهَا مُرْسَلاً. وَلَا يُسْنِدَهَا إِلى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ. وكَمَا يُمْكنُ ذَلِكَ فِى هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، فَهُوَ أَيْضًا مُمْكِنٌ فِى أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. وكَذَلِكَ كُلُّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ فِى الجُمْلةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ صَاحِبِهِ سَمَاعًا كَثِيرًا، فَجَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِى بَعْضِ الرِّوَايَةِ فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ، ثُمَّ يُرْسِلهُ عَنْهُ أَحْيَانًا، وَلا يُسَمِّى مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطَ أَحْيَانًا فَيُسَمِّىَ الرَّجُلَ الذِى حَمَلَ عَنْهُ الحَدِيثَ وَيَتْرُكَ الإِرْسَالَ. وَمَا قُلْنَا مِنْ هَذَا مَوْجُودٌ فِى الحَدِيثِ مُسْتَفِيضٌ، مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ المُحَدِّثِينَ، وَأَئِمَةِ أَهْلِ العِلْمِ. وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلى الجِهَةِ التِى ذَكَرْنَا عَدَدًا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلى أَكْثَرَ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى. ــ قال مسلم: " فإن عزَب علىَّ " (١) معناه: بَعُدَ عنِّى، يقال: عزَب يَعْزُبُ ويَعْزِبُ، قال الله : ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّة﴾ (٢) أى: تبعد وتغيب، ومنه (٣)

стр. 166

فَمِنْ ذَلِكَ، أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىَّ وَابْنَ المُبَارَكِ وَوَكِيعًا وَابْنَ نُمَيْرٍ وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضِىَ اللهُ عَنْهَا؛ قَالتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحِلهِ ولِحُرْمِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ. فَرَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِعَيْنِهَا الليْثُ بْنُ سَعْدٍ وَدَاوُدُ العَطَّارُ وَحُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ وَوُهَيْبُ ابْنُ خَالِدٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِى عثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَرَوَى هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِى إِلىَّ رَأسَهُ فَأُرَجِّلهُ وَأَنَا حَائِضٌ. فَرَوَاهَا بِعَيْنِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ الزُّهَرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عُمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ــ سُمّى العزبُ لبعده عن النساء. وذكر مسلم حديث عروة عن عائشة: " كنت أطيبُ رسول الله ﷺ لحله ولِحُرْمه " أى: لإحرامه ولإحلاله منه، بالوجهين قيَّدناه عن شيوخنا بضمّ الحاء وكسرها، وبالضَمّ قيَّده الهروى والخطابى، وخطأ الخطابىُّ أصحابَ الحديث فى كسره، وقيَّده ثابت بالكسر، وحكى عن أصحاب الحَديث ضمَّه وخطَّأهم وقال: صوابه الكسر كما قال لحله، وقد جاء فى قراءة عبد الله بن مسعود وابن عباس " وحرِمٌ على قرية " (١) [أى حرام] (٢) والحرِمْ والحرام واحدٌ. اختلف الصحابةُ وأئمة الفتوى فى تطييب المحرم عند الإحرام، فأجازه جماعة من الصحابة ومن بعدهم [من أئمة الفتوى] (٣)، وكرهه آخرون، وهو قول مالك، وحجة مجيزيه هذا الحديث، وحجتنا أمرُ النبى ﷺ للذى سأله عنه بغسله ثلاث مرات، وتأولوا حديث عائشة خصوصاً للنبى- ﵇ لِمِلكِه لإربَه (٤)، إذ الطيب من دواعى الجماع، ولحاجته للقاء الملائكة، ولأنه روى فى حديث عائشة: " ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرماً "، فهذا يدلُّ على أنه (٥) غَسله، وأن طيبَه كان لطوافِه على نسائه لا لإحرامه، وسيأتى الكلام عليه فى الحج. ذكر مسلم حديث عروة عن عائشة: " كان النبى ﷺ إذا اعتكف يُدْنى إلىَّ رأسه

стр. 167

وَرَوَى الزُّهْرِىُّ وَصَالِحُ بْنُ أَبِى حَسَّانَ، عَنْ أَبِى سَلمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُقبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ. ــ فأرجله وأنا حائض " (١). فى هذا الحديث دليل على طهارة جسد الحائض ولقوله- عليه. السلام-: " إن حيضتَكِ ليست فى يدِك " (٢)، وحجة على الشافعى أن يسير الملامسة غيرُ معتبرَةٍ إلا مع مقارنة اللذة، وجواز ترجيل المعتكف شعرَه لحاجته وضرورته إليه خلافاً لما روى عن ابن عباس وجزه (٣) وفيه أن الحائض لا تدخل المسجد، لإخراج النبى ﷺ رأسه منه إليها، وفيه خروج المعتكف من المسجد لحاجته، وجواز شغله الخفيف بما فيه مصلحته، وجواز اجتماعه بأهله ونسائه ما لم يتلذذ منهم بشىء إذا كان يملك إرَبَه وعرفَ من نفسه القوة والسلامةَ، وأن الاعتكاف لا يكون فى غير المسجد. وسيأتى بقية الكلام عليه فى الاعتكاف. قال مسلم (٤): وروى الزهرى وصالح بن أبى حسَّان عن أبى سلمة. عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: " كان النبى ﷺ يُقبّل وهو صائم ". قال الإمام: قال بعضهم فى نسخة الرازى: روى الزهرى وصالح بن كيسان، وهو وَهْم، والصواب صالح بن أبى حسَّان، وهذا الحديث ذكره النسائى وغيره من طريق ابن وهب، عن ابن أبى ذئب، عن صالح بن أبى حسَّان. قال القاضى: قال الجيانى: وصالح بن أبى حسَّانَ مدنى ثقةٌ، وقال البخارى: صالح بن أبى حسَّان سمع سعيد بن المسيب وأبا سلمة، روى عنه بُكير بن الأشج وابن أبى ذئب. قال القاضى: وكذا رويناه على الصواب عن أبى بحر، عن أبى الفتح [الشاسى] (٥)،

стр. 168

فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ فِى هَذَا الخَبَرِ فِى القُبْلةِ: أَخْبَرَنِى أَبُو سَلمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلهَا وَهُوَ صَائِمٌ. وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لحُومَ الخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لحُومِ الحُمُرِ. فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَهَذَا النَّحْوُ فِى الرِّوَايَاتِ كَثِيرٌ، يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ لِذَوِى الفَهْمِ. فَإِذَا كَانَتِ العِلةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلهُ مِنْ قَبْلُ، فِى فَسَادِ الحَدِيثِ وَتَوْهِينِهِ، إِذَا لمْ يُعْلمْ أَنَّ الرَّاوِىَ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا، إِمْكَانَ الإِرْسَالَ فِيهِ، لزِمَهُ تَرْكُ الاحْتِجَاجِ فِى قِيَادِ قَوْلِهِ بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلمُ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ. إِلا فِى نَفْسِ الخَبَرِ الذِى فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ. لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلوا الأَخْبَارَ، أَنَّهُمْ كَانَتْ لهُمْ تَارَاتٌ يُرْسِلونَ فِيهَا الحَدِيثَ إِرْسَالاً. وَلا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ. وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا ــ عن عبد الغافر الفارسى، وكذا روايتنا (١) عن أبى محمد الخُشنى، عن أبيه، عن أبى حفص الهوزنى، عن أبى عبد الله الباجى، عن ابن ماهان. وقوله فى الحديث: " كان النبى ﷺ يُقبّل وهو صائم ": اختلف العلماء فى إباحة القبلة للصائم، فأباحها قوم على الإطلاق، وكرهها آخرون وهو قول مالك، ورخَّصت فيها طائفة للشيخ دون الشاب، وحكاه الخطابى عن مالك، وهو قول أبى حنيفة والشافعى، وروى ابن وهب عن مالك إباحتها فى النافلة (٢) وكراهيتها فى الفريضة ونحوه لابن حبيب عنه. وقوله فى الرواية [الأخرى] (٣): " يُقَبِّلها " فيه جواز الإخبار عما يكون من مثل هذا بين (٤) الرجل وعياله على الجملة دون التفسير، فإن ذلك منهى عنه، ولفائدة تحمل على ذكره، وسيأتى الكلام على المسألتين فى الطهارة والصيام. وذكر فى حديث جابر: " أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحُمُرِ

стр. 169

فَيُسْنِدُونَ الخَبَرَ عَلى هَيْئَةِ مَا سَمِعُوا، فَيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلوا، وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا، كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ. وَماَ عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلفِ، مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الأَخْبَارَ وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا، مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ وَابْنَ عَوْنٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ وَيَحْيَى ــ الأهلية ": اختلفت الأحاديث فى لحوم الخيل، ففى حديث جابر هذا ما رأيْتُ، وفى حديث خالد بن الوليد " النهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير "، وكره أكل لحوم الخيل مالك وأهل الرأى (١)، وروى عن ابن عباس، وقال الحكم: هى حرام، ورخَّصت فى ذلك طائفة من التابعين، وذهب إليه الشافعى (٢)، وحجة المانعين لأكل جميعها نص الله تعالى على منافعها ولم [يذكر] (٣) فيها الأكل كما ذكر فى الأنعام (٤). وأما لحوم الحمر فمكروهة عند بعضهم مُحرَّمَة عن الأكثر إلا شيئاً روى عن ابن عباس، وفى المذهب عندنا فيها الوجهان، وسيأتى الكلام عليها متسعاً (٥) فى الأطعمة. قال مسلم عن الرواة: " فيخيرون (٦) بالنزول إذا نزلوا، وبالصعود إذا صعدوا "، يُريد بذلك فى الروايات والنزول فيها هى الرواية عن الأقران وطبقة المحدث ومن دونه، أو بسند يوجد أعلى منه وأقل رجالاً، والصعود الرواية بالسند العالى، والقرب فيه من رسول الله ﷺ بقلة عدد رجاله أو من إمام مشهور حدَّث به. هذا هو طريق أهل الصنعة ومذهبهم، وهو غاية جهدهم وحرصهم، وبمقدار علو حديث الواحد منهم تكثُرُ الرحلةُ إليه، والأخذ عنه، مع أنَّ له فى طريق التحقيق والنظر وجهاً، وهو أن أخبار الآحاد وروايات الأفراد لا توجب- كما قدَّمنا- علماً، ولا يُقطع على مُغَيَّبِ صدقها، لجواز الغفلات، والأوهام، والكذب على آحاد الرواة، لكن لمعرفتهم بالصدق ظاهراً وشهرتهم بالعدالة والستر، غلب على الظن صحةُ حديثهم وصدق خبرهم، فكلفنا العمل به،

стр. 170

ابْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِىٍّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ، فَتَّشُوا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِى الأَسَانِيدِ. كَمَا ادَّعَاهُ الذِى وَصَفْنَا قَوْلهُ مِنْ قَبْلُ. وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ - إِذَا كَانَ الرَّاوِى مِمَّنْ عُرِفَ بالتَّدْلِيسِ فِى الحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ. فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِى رِوَايَتِهِ، وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ، كَىْ تَنْزَاحُ عَنْهُمْ عِلةُ التَّدْلِيسِ. ــ وقامت الحجة بذلك بظاهر الأوامر الشرعية، ومعلوم إجماع سَلفِ [هذه] (١) الأمة ومغيبُ أمر ذلك كله لله تعالى، وتجويز الوهم والغلط (٢) غيرُ مستحيل فى كل راو ممن سُمِّى فى [سند] (٣) الخبر، فإذا كثروا وطال السند كَثرت مظانُّ التجويز، وكلما قلَّ العدد قلت، حتى إن من سمع الحديث من التابعى المشهور عن الصحابى عن النبى ﷺ كان أقوى طمأنينةً بصحة حديثه، ثم من سمعه من الصحابى كان أعلى درجةً فى قوة الطمأنينة، وإن كان الوهم والنسيان جائزاً على البشر، حتى إذا سمعه من النبى ﷺ ارتفعت أسباب التجويز وانسدت أبواب احتمالات الوهم وغير ذلك، للقطع- أنه ﵇ لا يجوز عليه شىء من ذلك فى باب التبليغ والخبر، وأن جميع ما يُخبر به حق وصدق. قال مسلم: " إذا كان الراوى عُرِف بالتدليس ". قال القاضى: التدليس لقبٌ وضعه أئمة [الفتوى وأئمة] (٤) هذه الصنعة على من أبهم بعض رواياته لمعانٍ مختلفة وأغراض متباينة، وقد كان هذا من عصر التابعين إلى هلم جرا. [و] (٥) ذكر عن جماعة من جلة الأئمة ولم يضر ذلك حديثهم لصحة أغراضهم وسلامتها وأضرَّ ذلك بغيرهم. وهو على أمثلة، فمنه: أن سفيان بن عيينة (٦) على جلالته من كبار أصحاب الزهرى وسمع منه

стр. 171

فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ منْ غَيْرِ مُدَلّس، عَلى الوَجْهِ الذِى زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلهُ، فَمَا سَمِعْنَا ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا، وَلمْ نُسَمِّ، مِنَ الأَئِمَةِ. ــ كثيراً، وأخذ عن أصحابه كثيراً مما لم يسمعه عن الزهرى، فربما حدَّث فقال: الزهرى، أو قال: قال الزهرى عن فلان، وقد عُرِف بالتدليس فَسُئِل، فمرة يقول: سمعته منه، ومرة يقول: حدثنى به عنه فلان أو فلان عن فلان عنه، ومن لا يدلس مثل مالك وشعبة لا يقول مثل هذا، بلِ يبين من حدَّثه (١) عنه أو يقول: بلغنى، قال شعبة: لأن أزنى أحبُّ إلىَّ من أن أدلس (٢). ولكن أمثال أولئك الجلة ممن استسهل (٣) [التدليس] (٤) إذا سئلوا أحالوا على الثقات، فحمل حديثهم وقام تدليسهم مقام المرسل (٥). وحجة بعضهم أن يكونوا قد سمعوه من جماعة من الثقات عن هذا الرجل فاستغنوا بذكره عن ذكر أحدهم أو ذكر جميعهم، لتحققهم [صحة الحديث عنه] (٦) كما يُفعل [فى المراسيل] (٧)، ومنهم من أراد ألا ينزل حديثُه، وأن يعلو بذكره الشيخ دون من (٨) دونه، لصحة روايته عنه غير هذا وتحققه أن الثقات حدثت به (٩) عنه (١٠)، وطبقة أخرى جاؤوا إلى رجالٍ مشاهير

стр. 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثقاتٍ أئمة سمعوا حديثهم. وجرت بينهم مباعدةٌ حملتهم على إبهامهم، وألا يصرّحوا بأسمائهم المشهورة. ولم تحملهم ديانتهم على ترك الحديث عنهم، كما صنع البخارى فى حديثه عن محمد بن يحيى الذهلى، لما جرى بينه وبينه، فمرة تجده يقول: حدثنا محمدٌ- لا يزيد- وثانية يقول: ثنا محمد بن خالد [ينسبه إلى الجد الأعلى] (١) ومرة يقول: ثنا محمد بن عبد الله بنسبة إلى جده الأدنى (٢)، وطبقة أخرى رووا الحديث عن ضعيف أو مجهول عن الشيخ، فسكتوا عنه واقتصروا على ذكر الشيخ، إذ عُرِفَ سماعُهم منه لغير (٣) هذا الحديث (٤)، وطبقة أخرى رووا عن ضعفاء لهم أسماء أو كُنى مشهورةٌ عُرِفوا بها فلو صرحوا بأسمائهم المشهورة، أو كناهم المعلومة لم يشتغل بحديثهم، فأتوا بالاسم الخامل مكان الكنية المشهورة أو بالكنية المجهولة عوض الاسم المعلوم ليبهموا (٥) الأمر، ولئلا يُعْرَف ذلك الراوى وضعفه فيزهد فى حديثهم، وطبقة أخرى رووا عن ضعيف له كنية يشاركه فيها رجلٌ مقبول الحديث، وقد حدَّث عنهما جميعاً فيطلق الحديث بالكنية ليدخل الإشكال ويقع على السامع اللبس، ويظن أنه ذلك القوى (٦). وهذه الطرق كلها غير الأوَّليين رديَّة، قد أضرَّت بأصحابها، وسبَّبت الوقوفَ فى كثير من حديثهم، إلا ما صَرَّح به الثقات منهم بالسماع عن (٧) الثقات ونَصُّوا عليه وبينوه، ولهذا ما وقفوا (٨) فيما دلسه الأعمش (٩)، لروايته عن الضعفاء، وفيما دلسه بقيَّةُ

стр. 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابن الوليد، لخلطه الأسماء والكنى، ولم يستريبوا فيما دلسه ابن عيينة والثورى، وضرباؤهما (١) ممن لا يروى إلا عن ثقة. [و] (٢) اختلف أئمة الحديث فى قبول [حديث] (٣) من عُرِف بالتدليس إذا لم ينص على سماعه، فجمهورهم على قبول حديث من عرف منهم أنه لا يروى إلا عن ثقة [كما قالوا

стр. 174

فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِىَّ، وَقَدْ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ ، قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ وَعَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ إِلى النَّبِىِّ ﷺ . وَليْسَ فِى ــ فى حديث من عُلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة] (١)، وعلى (٢) ترك حديث المسامحين فى الأخذ وترك الحجة [به] (٣) حتى يَنصَّ على سماعه (٤)، وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم الاختلاف فى ذلك كما قدمناه (٥). ذكر مسلم فى حجته فى صحة إسناد حديث المتعاصرين آخر صدر كتابه رواية قوم من الصحابة والمخضرمين وأئمة التابعين عن أصحاب النبى ﷺ لأحاديث عدَّها ولم يُعيِّنها، ومن حق الباحث المفتش لفوائد كتابه- والحق عليه- أن يُجِدَّ فى البحث ويجيد النظر حتى يتعين له مجهولها، ويتفسَّر مبهمها، وتتعرف نكرتُها، وقد بحثنا عن ذلك حتى وقفنا على حقيقة منها، ورحم الله شيخنا القاضى الشهيد، فقد كفانا فى ذلك تعباً طويلاً، أوضح لنا هنالك سبيلاً، وقد رأينا أن نبيّن هذه الأحاديث بذكر أطرافها ليعلم أعيانَها من لم يمهرُ فى هذه الصنعة ولا جعل شغله حفظ أصولها. قال مسلم: " فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصارى، وقد رأى النبىَّ ﷺ ، قد روى عن حذيفة وأبى مسعود الأنصارى (٦) وعن كل واحد منهما حديثاً بسنده (٧) إلى النبى ﷺ " ولم يفسّر مسلم الحديثين. قال القاضى: أما حديثه عن أبى مسعود فهو حديث

стр. 175

رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا، وَلا حَفِظْنَا فِى شَىْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ شَافَهَ حُذَيْفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُّ، وَلا وَجَدْنَا ذِكْرَ رؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِى رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا. وَلمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِمّنْ مَضَى، وَلا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا، أَنَّهُ طَعَنَ فِى هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ، اللذَيْنِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِى مَسْعُودٍ، بِضَعْفٍ فِيهِمَا، بَلْ هُمَا وَمَا أَشْبَهَهُمَا، عِنْدَ مَنْ لاقَيْنَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ، مِنْ صَحَاحِ الأَسَانِيدِ وَقَويَّهَا، يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا، وَالاحْتِجَاجَ بِمَا أَتَتْ مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ. وَهِىَ فِى زُعْمِ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلهُ، مِنْ قَبْلُ، وَاهِيَةٌ مُهْمَلةٌ، حَتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوِى عَمَّنْ رَوَى. وَلوْ ذَهَبْنَا نُعَدَّدُ الأَخْبَارَ الصِحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِمَّنْ يَهِنُ بِزَعْمِ هَذَا القَائِلِ، وَنُحْصِيهَا - لعَجزْنَا عَنْ تَقَصِّى ذِكْرِهَا وَإِحصَائِهَا كُلهَا. ولكِنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نَنْصِبَ مِنْهَا عَدَدًا يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا. وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِىُّ وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ، وَهُمَا مِمَّنْ أَدْرَكَ الجَاهِلِيَّةَ وَصَحِبَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ البَدْرِيِّينَ هَلم جَرا. وَنَقْلا عَنْهُمُ الأَخْبَارَ حَتَّى نَزَلا إِلى مِثْلِ أَبِى هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِيِهِمَا، قَدْ أَسْنَدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِىِّ ــ نفقة الرجل على أهله، وقد خرَّجه الإمامان فى صحيحيهما (١)، وأما حديثه عن حذيفة فهو قوله: " أخبرنى النبى ﷺ بما هو كائن " (٢) الحديث أخرجه مسلم. وذكر مسلم أن أبا عثمان النهدى وأبا رافع الصايغ وأنهما ممن أدرك الجاهلية وصحب أصحاب النبى ﷺ من البدرين هلم جرا، وذكر أن كل واحد منهما أسند عن أبى هريرة وأبى بن كعب عن النبى ﷺ حديثاً، فأما حديث أبى عثمان عن أُبىِّ فقوله: " [قال رجل] (٣): لا أعلم أحداً أبعدَ بيتًا من المسجد منه ... " الحديث، وفيه قول النبى ﷺ له:

стр. 176

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا، وَلمْ تَسْمَعْ فِى رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئًا. وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِىُّ، وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِى زَمَنِ النَّبِىِّ ﷺ رَجُلاً، وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، خَبَرَيْنِ. ــ " أعطاك الله ما احتسبت " أخرجه مسلم (١). وأما حديث أبى رافع عنه فهو أن النبى ﷺ كان يعتكف فى العشر الآخر فسافَر عاماً، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يوماً خرَّجه ابن أبى شيبة فى مسنده (٢). وقول مسلم: " هلم جرا " (٣) ليس موضعه لأنها أنما تستعمل فيما اتصل إلى زمان المتكلم بها، وإنما أراد بها مسلم فمن بعدهم من الصحابة. وذكر مسلم أن أبا عمرو الشيبانى وأبا معمر عبد الله بن سخبرة أسند كل واحد منهما عن أبى مسعود الأنصارى عن النبى ﷺ خبرين. أما خبر الشيبانى فأحدهما حديث: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: " إنه أُبدع بى " (٤). والآخر: جاء رجُل إلى النبى ﷺ بناقة مخطومة فقال: " لك بها يوم القيامة سبعمائة

стр. 177

وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ حَدِيثًا. وَعُبَيْدُ ابْنُ عُمَيْرٍ وُلِدَ فِى زَمَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِىِّ ﷺ عَن أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، ثَلاثَةَ أَخْبَارٍ. ــ [ناقة] (١) " انفرد بها مسلم فى صحيحه (٢). وأما حديثا (٣) أبى معمر فأحدهما: " كان النبى ﷺ يمسح مناكبنا فى الصلاة " خرجه مسلم (٤)، والآخر: " لا تجزى صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها فى الركوع " خرجه ابن أبى شيبة. قال مسلم: وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبى ﷺ حديثاً هو قولها: " لما مات أبو سلمة قلت: غريبةٌ فى أرض غربة لأبكينه بكاءً يتحدث به " خرَّجه مسلم (٥). قال [مسلم] (٦): " وأسند قيس بن أبى حازم عن أبى مسعود الأنصارى ثلاثة أخبار " هى حديث: " الإيمان ها هنا (٧) " وحديث: " إن الشمس والقمر لا يكسفان " وحديث:

стр. 178

وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبى ليْلى، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَصَحِبَ عَلِيًّا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، حَدِيثًا. وَأَسَنْدَ رِبْعِىُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ حَدِيثَيْنِ. وَعَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، حَدِيثًا. وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِىٌّ مِنْ عَلِى بْنِ أَبِى طَالِبٍ، وَرَوى عَنْهُ. ــ " لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوّل بنا فلان ... " (١) [أخرجها ثلاثتها] (٢) الإمامان. قال مسلم: " وأسند عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أنس بن مالك عن النبى ﷺ حديثاً " هو -حديث-: " أَمَرَ أبو طلحة أم سُليمٍ: اصنعى طعاماً للنبى ﷺ " خرَّجه مسلم (٣). قال: وأسند ربعى بن حراش عن عمران بن حُصين عن النبى ﷺ حديثين، أحدهما فى إسلام حُصين أبى عمران، والآخر قوله: " كان عبد المطلب خيراً لقومك منك "، ذكره ابن أبى شيبة. وذكر له عن أبى بكرة عن النبى ﷺ حديثًا هو: " إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما (٤) على جُرف جهنم " رواه مسلم، وأشار إليه البخارى فى الإيمان. قال: وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبى شريح الخزاعى عن النبى ﷺ حديثاً هو قوله: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره "، خرَّجه مسلم.

стр. 179

وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الخُزَاعِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، حَدِيثًا. وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِى عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، ثَلاثَةَ أَحَادِيثَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ــ قال: وأسند النعمان بن أبى عياش (١)، عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى ﷺ ثلاثة أحاديث، هى قوله ﷺ : " من صام يوماً فى سبيل الله باعد الله وجهه من النار سبعين خريفاً "، والثانى: " إِنَّ فى الجنة شجرةً يسير الراكب فى ظلها ... " خرَّجهما معاً الإمامان، والثالث: " إن أدنى أهل الجنة منزلةً من صرَف الله وجهه عن النار " الحديث خرجه مسلم (٢). قال: وأسند سليمان بن يسار (٣)، عن رافع بن خديج عن النبى ﷺ حديثاً، هو حديثه فى المحاقلة. خرجه مسلم (٤). قال: وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميرى (٥) عن أبى هريرة أحاديث ولم يعدها مسلم.

стр. 180

وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الليْثِىُّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ حَدِيثًا. وَأَسْنَدَ سُليْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، حَدِيثًا. ــ قال القاضى: منها فى هذا الكتاب: " أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم "، هذه جملة الأحاديث التى نبَّه عليها مسلم ولم يعينها، وقد نبهنا على أطرافها، ليتنبه بها من طالع شيئاً من علم الحديث، واشتغل به، وعرف الأحاديث على الجملة فيعلم بالطرف بقيَّة الحديث، وليهتدى بما ذكرناه من لا علم عنده وهو مذهب البخارى فيطلبها فى مظانها من هذه الكتب، وإنما اقتصرنا على ذكرها فى المواضع التى عليها من هذه الكتب، وإن كانت موجودة فيها وفى غيرها من التصانيف، لكن بأسانيد غير التى أشار إليها مسلم، وسيأتى الكلام على ما خرج منها مسلم فى مواضعه، إن شاء الله تعالى. ذكر مذهب مسلم فى كتابه فى أداء الحديث والفرق بين حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وذهب معظم الحجازيين والكوفيين إلى أن حدثنا وأخبرنا واحدٌ، وأن القراءة على الشيخ كالسماع من لفظه يجوز فى ذلك حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وهو قول مالك، والزهرى وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان، ومنصور، وأيوب، ومعمر، والحسن، وعطاء بن أبى رباح، واختُلف فيه على أبى حنيفة، وابن جُريج، والثورى، وهو مذهب البخارى وجماعة من المحدثين، والمحققين، وهو قول الحسن فى القراءة، وذكر مالك أنه مذهب متقدمى أئمة المدينة، وروى عن على وابن عباس: القراءة على العالم كقراءته عليك ولم يعِدَّها مسلم. وأجاز بعضهم فى القراءة: سمعت فلاناً، وهو قول الثورى، وروى عن مالك أن القراءة على العالم أحبُّ إليه من السماع منه؛ لأنه أثبت للراوى، وعلل ذلك بأن الشيخ قد يهم فلا يرد عليه إذ لا يُعلم وهمهُ، وقد يُعلم فَيُوَقَّر، ومثل هذا لا يُتَخَيَّل من الشيخ بحمل للقارئ، فهو يعلم ما أخطأ القارئ فيه من حديثه ويرده عليه، واحتج لذلك بقراءة الصكوك على من عليه الحق، وأن إقراره بذلك يلزمه (١).
следующие страницы →