← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وحدثنى به أيضاً قراءة لبعضه وسماعاً وإجازةً لما فاتنى منه الفقه القاضى أبو عبد الله [محمد] (١) بن عيسى التميمى، عن أبى العباس الدلائى [إجازة له وعن الشيخ الحافظ أبى على الحسين أبى محمد الجيانى سماعاً عن الدلائى، (٢). وقال الجيانى: وحدَّثنى به أيضاً أبو القاسم حاتم به محمد الطرابلسى، عن أبى سعيد السجزى، قال هو والرازى والفارسى: ثنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودى ثنا إبراهيم بن سفيان المروزى ثنا مسلم بن الحجاج. وكتب إلى [الشيخ] (٣) الحافظ أبو على الحسين بن محمد الجيانى: حدثنى بهذا الكتاب بسنده المتقدم، قال: وحدثنى به أيضاً حاتم بن محمد عن عبد الملك بن الحسن الصقلى عن أبى بكر محمد بن إبراهيم الكسائى عن ابن سفيان. وأمَّا رواية القلانسى فيه فحدَّثنى بها قراءةً وسماعاً وإجازةً القاضى أبو (٤) عبد الله التميمى عن أبى على الجيانى عن القاضى أبى عمر أحمد بن محمد بن الحذاء معاً (٥). وهو لى من الجيَّانى وابن عتَّاب (٦) وغيرهما إجازةً عن ابن الحذاء عن أبيه عن أبى العلاء بن ماهان عن أبى بكر محمد بن يحيى بن الأشقر عن أبى محمد أحمد بن محمد على القلانسى (٧) عن مسلم. وحدثنى به [أيضاً] (٨) قراءةً عليه الفقيه أبو محمد (٩) بن أبى جعفر عن أبيه عن أبى حفص عمر بن الحسن (١٠) الهوزلى (١١) عن القاضى أبى (١٢) عبد الله محمد بن أحمد الباجى عن ابن ماهان. وبهذين الطريقين وصل إلينا كتاب مسلم ﵀. وها أنذا أبتدئ بنقل ما تقدم فى المعلم ثم أتبعه بما تضمَّنتُ إن شاء الله. قال الإمام أبو عبد الله محمد بن على بن إبراهيم المازرى ﵀ (١٣):

стр. 72

كتاب مسلم من (١) أصح كتب الحديث، قال مؤلفه: انتقيتُه من نحو ثلاثمائة ألف حديث، وقال بعض الناس: ما تحت أديم السماء أصح منه - يريدُ فى كتب الحديث - وكان مسلم من جملة أصحاب البخارى لما ورد البخارى نيسابور، ولما امتحِنَ فيها البخارى بالمسألة المشهورة [عنه] (٢) نفر عنه أصحابه إلا مسلماً فإنه لزمه (٣). وتوفى الإمام مسلم ﵀ فى العشر الأخير من رجب سنة مائتين وإحدى وستين (٤). قال الفقيه القاضى [عياض بن موسى بن عياض] (٥) ﵀: وإذ قد ذكر الإمام أبو عبد الله - رضى الله عنه - من أخبار مسلم - رضى الله عنه - طرفاً فسنذكُرُ من ذلك ما حضر، ونُضيف إلى ذلك مقصد مسلم ﵀ فى تأليف هذا الكتاب، [ونَضْطَّر] (٦) إلى تفسير الصحيح والسقيم، وفصول من علوم (٧) الحديث نبسُطُ من الكلام فيها طَرفاً ونتكلم على كل فصل من ذلك، حيث يأتى من [إشارة] (٨) مسلم، ونعرّف بمذهبه فى ذلك، ونُبينُ غرضه فيما (٩) يهدى الله إليه، ويعين عليه، إن شاء الله تعالى، فأقول:

стр. 73

هو مسلم بن الحجاج بن مسلم (١) القشيرى النسب النيسابورى الدار، يُكنَّى بأبى الحُسين، أحد أئمة السلمين، وحفاظ المحدثين، ومتقن المصنفين، أثنى عليه غير واحد من الأئمة المتقدمين، وأجمعوا على إمامته، وتقديمه وصحة حديثه، [وميزه ومعرفته] (٢) وثقته، وقبول كتابه. قال أبو بكر أحمد بن ثابت [الخطيب البغدادى الحافظ] (٣): كان أبو زرعة وأبو حاتم (٤) يُقدّمانه فى معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. أهـ. وقال أبو عبد الله الحاكم (٥): إِنَّ إسحاق بن إبراهيم بن راهويه (٦) نظر إلى مسلم

стр. 74

يعنى فى شيبته -فقال بالفارسية كلاماً ترجمتهُ: أىُّ رجُلٍ يكون هذا (١). قال الحاكم: رحم الله إسحاق، لقد صدقت فراسته الذهنية (٢). وبعض الناس - الذى كنَّى عنه الإمام أبو عبد الله - هو أبو على الحسين بن على النيسابورى، ولفظه: ما تحت أديم السماء أصَح من كتاب مسلمٍ فى الحديث. كذا ذكره عنه أبو بكر بن ثابت الخطيب (٣). وقال الشيخ المحدّث أبو مروان الطبنى (٤): كان من شيوخى من يفضل كتاب مسلم على كتاب البخارى. وقال مسلمة بن قاسم (٥) فى تاريخه: مسلمُ جليلُ القدر، ثقة من أئمة المحدثين. وذكر كتابه فى الصحيح فقال: لم يَضعْ أحدٌ مثله. وقال أبو عبد الله بن البيَّع: أهل الحجاز والعراق والشام يشهدون لأهل خراسان (٦) بالتقدُّم فى معرفة الحديث، لسبق الإمامين البخارى ومسلم إليه، وتفرُّدِهِما بهذا النوع. وقال أبو حامد الشرقى (٧): سمعتُ مسلماً يقول: ما وضعتُ شيئاً فى هذا المسند

стр. 75

إلا بحجة وما أسقطتُ منه شيئاً إلا بحُجَّة. وقال ابن سفيان (١): قلت لمسلم: حديث ابن عجلان (٢) عن زيد بن أسلم: " إذا قرأ الإمامُ فأنصتوا "؟ قال: صحيح. قُلْتُ: لِمَ لم تضعْهُ فى كتابك؟ قال: ليس كلُّ صحيح وضعت هاهنا، إنما وضعتُ ما أجمعوا عليه. قال الفقيه القاضى أبو الفضل بن عياض ﵀: وقد وقع هذا الكلامُ فى الأم فى بعض الروايات عن ابن سفيان. وقال محمد بن الحُسين (٣) أراد شيخ من مشايخ نيسابور - يعنى محمد بن إسحاق [بن خزيمة] (٤) - أن يُخَرّج على كتاب مسلم، فقال له عبد الملك بن الرازى (٥): لا تفضح

стр. 76

نفسك. وقال مسلم: لو أَنَّ أهل - الحديث يكتبون الحديث مائتى سنة فمدارهُم على هذا المسند، ولقد عرضت كتابى على أبى زُرْعَةَ الرازى، فكل ما أشار أَنَّ له عِلَّةً تركتهُ وما قال: هو صحيح ليس له علَّةٌ، أخرجتْهُ. ولمسلم ﵀ تواليفُ أخَر رويناها عن شيوخنا، منها: كتاب " تمييز الكنى والأسماء (١)، وكتاب " الطبقات " (٢)، وكتاب " الوُحْدَان " (٣)، وكتاب " العلل " (٤)، وكتاب " شيوخ مالك وسفيان وشعبة "، وكتاب " رجال عروة بن الزبير ". قال ابن سفيان: كان مسلم أخرج ثلاثة كُتب من المسندات واحدها (٥) هذا الذى

стр. 77

قرأ على الناس، والثانى يدخُل فيه عكرمة وابن إسحاق صاحب المغازى وأمثالهما، والثالث يدخل فيه من يدخل فيه من الضعفاء. وتُوفى مسلم فى التاريخ الذى تقدَّم، وذلك عشية الأحد لست بقين من رجب المذكور ودفن يوم الإثنين بعده. قال أبو عبد الله الحاكم: وهو بَعْدُ فى حدّ الكهولة [﵀ ورضى عنه بمنه وكرمه] (١): ذكر مقصده فيما جمع فى هذا الكتاب من الصحيح قال أبو عبد الله محمد بن عُبيد الله بن البيّع: إِنَّ مسلماً ﵀ أراد أن يُخرّج الصحيح على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الرواة، وقد ذكر مسلمٌ هذا فى صدر خُطبته - حيث (٢) ننبه عليه بعد هذا إن شاء الله -[قال ابن البيّع] (٣): فلم يُقدَّر له ﵀ إلا الفراغ من طبقته الأولى، واخترمته المنيّةُ قبل أن يُتمَّ غَرَضه إلا من القسم الأول المتفق عليه من الصحيح - وهو شرط محمد بن إسماعيل البخارى أيضاً (٤) وهو ألا يذكر من الحديث إلا ما رواه (٥) صحابى مشهور عن رسول الله ﷺ ، له راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه تابعىٌّ مشهور بالرواية عن الصحابة، له هو أيضاً راويان [ثقتان] (٦) فأكثر، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط ثم كذلك من بعدهم. وقال أبو على الجيانى: وليس مراده أن يكون كلُّ خبَرٍ روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه وتابعيه (٧) ومن بعده، فإن ذلك يعزُّ وجودُه، وإنما المراد أَنَّ هذا الصحابى وهذا التابعى قد روى عنه رجلان خرَج بهما عن حدّ الجهالة برواية الواحد. قال القاضى أبو الفضل بن عياض ﵀: وقد شنَّ على البخارى ومسلم الشىء اليسير من هذا النوع الذى شرطاه، وألزمهما أهل الصنعة ذكر ذلك على

стр. 78

شرطهما، وألف عليهما فى ذلك أبو الحسن (١) الدارقطنى (٢) وأبو ذر الهروى (٣) وألزماهما (٤) ذكر ذلك، وكذلك ألَّف فى الصحيح بعدهما غير واحد من الأئمة [و] (٥) الحفَّاظ كأبى بكر الإسماعيلى (٦) الجرجانى (٧) وأبى شيخ بن حيَّانٍ الأصبهانى (٨) وأبى بكر البرقانى الخوارزمى وأبى عبد الله بن البيَّع النيسابورى وإبراهيم بن حمزة الحافظ (٩)

стр. 79

وأبى نعيم الأصبهانى (١) و [أبى] (٢) الحسن العتيقى (٣) وأبى بكر بن خزيمة وأبى عُمران الجونى (٤) وأبى ذر الهروى وخلف الواسطى (٥) وغيرهم.

стр. 80

كما أن البخارى ومسلماً قد أخلا أيضاً بشرطهما فى أشياء نزلت عن درجة ما التزماه إلى ما دونها استُدركت عليهما، وفيها ألف أبو الحُسين الدارقطنى كتابه المُسمّى بـ " الاستدراكات والتتبُّع " وذلك فى مائتى حديث، مما فى كتابيهما. ولأبى مسعود الدمشقى عليهما أيضاً استدراك فى ذلك، ولأبى على الجيانى بأخَرةٍ فى كتابه المسمى بـ " تقييد المهمل " فى جزء العلل منه استدراك أكثره على الرواة عنهما وفيه ما يلزمهما، فهذا هو النوع الأول من الصحيح الذى اقتصر عليه كتاب هذين الإمامين، وهو أرفع أنواع [الحديث] (١) الصحيح وأوَّل أقسامه المتفق عليه، وليس هو جملة الصحيح وكُله، وسنذكر أنواع الصحيح ونُنبّه على رتبته عند أئمة هذا الشأن فى موضعه من تنبيه مسلم عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. قال عياض ﵀: هذا الذى تأوَّله أبو عبد الله الحاكم على مسلم من اخترام المنيَّة له قبل استيفاء غرضه مما قبله الشيوخ وتابعه عليه الناس، فى أنَّه لم يُكمّل غَرَضَه إلا من الطبقة الأولى، ولا أدخل فى تأليفه سواها. وأنا أقولُ: إن هذا غير مُسلَّم لمن حقق نظرَه، ولم يتقيَّد بتقليد ما سمعه، فإنَّك إذا نظرت تقسيم مسلم فى كتابه الحديث - كما قال - على ثلاث طبقات من الناس، فذكر أن القسم الأوّل حديثُ الحفاظ، ثم قال بأنَّه (٢) إذا تقصَّى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان، مع كونهم من أهل الستر (٣) والصدق وتعاطى العلم، وذكر أنهم لا يلحقون بالطبقة الأولى، وسمَّى أسماء من كل طبقة من الطبقتين المذكورتين، ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع أو اتفق الأكثَرُ على تهمته، وبقى من اتهمه بعضهُم وصحَّحهُ بعضُهم فلم يذكره هنا، ووجدتُه ﵀ قد ذكر فى أبواب كتابه وتصنيف أحاديثه حديث الطبقتين الأوليين التى ذكر فى أبوابه، وجاء بأسانيد الطبقة الثانية التى سمَّاها، وحديثها، كما جاء بالأولى على طريق الاتباع لحديث الأولى والاستشهاد بها، أو حيث لم يجد فى الكتاب للأولى شيئاً، وذكر أقواماً تكلَّم قوم فيهم وزكاهم آخرون، وخرج حديثهم بمن ضُعّف أو اتُّهِم ببدعة، وكذلك فعل البخارى ﵀ فعندى أنَّه ﵀ قد أتى بطبقاته الثلاث فى كتابه على ما ذكر، ورأيت فى كتابه وتبينت فى تقسيمه، وطَرَح الرابعةَ كما نصَّ عليه، فتأوَّل الحاكمُ أنه إنما أراد أن يُفرد (٤) لكُل طبقة كتاباً ويأتى بأحاديثها خاصَّة

стр. 81

مفردَة، وليس ذلك مراده، بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه وبان من عرضه أن يجمع ذلك فى الأبواب، ويأتى بأحاديث الطبقتين [من غير تكرار كما ذكر فى كلامه] (١)، فيبدأ بالأولى ثم يأتى بالثانية، على طريق الاستشهاد والاتباع، حتى استوفى جميع الأقسام الثلاثة، ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث من الناس الحفاظ، ثم الذين يلونهم، والثالثة الذى طرَح، والله أعلم بمراده. وكذلك أيضاً [علل] (٢) الحديث التى ذكر ووَعَد أنه يأتى بها، قد جاء بها فى مواضعها من الأبواب من اختلافهم فى الأسانيد والإرسال والإسناد والزيادة والنقص، وذكر تصاحيف المصحفين، وهذا يدل على استيفاء غرضه فى تأليفه وإدخاله (٣) فى كتابه كلما وعد به، وقد فاوضْتُ فى تأويلى هذا ورأيى فيه من يفهمُ هذا الكتاب، فما وجَدْتُ منصفاً إلا صوَّبه وبان له ما ذكرتُ، وهو ظاهر لمن تأمَّل الكتابَ وطالع مجموع الأبواب، والله الموفق للصواب. ولا يُعتَرض على هذا بما تقدَّم عن ابن سفيان من أَنَّ مسلماً خرَّج ثلاثةَ كتب، فإنَّك إذا تأمَّلتَ ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرَض الذى أشار إليه الحاكم مما ذكره (٤) مسلم فى صدر كتابه (٥)، فتأمّلهُ تجده كذلك إن شاء الله.

стр. 82

مقدمة الإمام مسلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. أَمَّا بَعدُ: فَإِنَّكَ - يَرْحَمُكَ اللهُ بِتَوْفيِقِ خَالِقكَ - ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالْفَحْصِ عَنْ تعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ الْمَأثُورَةِ عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ فِى سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِى الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ صُنُوفِ الأشْيَاءِ، بِالأَسَانِيدِ الَّتِى بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنهُمْ، فَأَرَدْتَ - أَرْشَدَكَ اللهُ - أَنْ تُوَقَّفَ عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِى أَنْ ألَخِّصَها لَكَ فِى التَّألِيفِ بِلا تَكْرَارٍ، فَإِنَّ ذلِكَ - زَعَمْتَ - مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ مِنَ التَّفَهُّمِ فِيهَا، وَالاِسْتِنْبَاطِ مِنْهَا، وَلِلَّذِى سَأَلْتَ - أَكْرَمَكَ اللهُ - حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَؤولُ بِهِ الْحَالُ إِنْ شَاءَ اللهُ، عَاقِبةٌ مَحْمُودَةٌ، وَمَنْفَعةٌ مَحْمُودَةٌ. وَظَننْتُ، حِينَ سَأَلْتَنِى تَجَشُّمَ ذلِكَ أَنْ لَوْ عُزِم لِى عَلَيْهِ، وَقُضِىَ لِى ــ قال مسلم ﵀ فى افتتاح كتابه: " أما بعد فإنَّك- يرحمك الله- بتوفيق خالقك ذكَرْتَ أنَّك هممتَ بالفحص عن تعرُّف جملة الأخبار ": قال القاضى: يحتمل أن يكون دعا له بأن يرحمه الله بتوفيقه وهدايته، فإنها من جملة رحمة الله وفضله، ويحتمل أن يُعلقَ قوله: " بتوفيق خالقك " إمَّا إلى ما ذَكره، أو هم به من الفحص، والله أعلم. وقد سقط هذا الدعاء (١) عندنا فى رواية [شيخنا] (٢) الخشنى. قال مسلم: " لو عُزِم لى عليه "، قال الإمام: لا يُظَنَّ بمُسلِمٍ أنَّه أراد: لو عَزَم اللهُ لى عليه؛ لأن إرادة الله لا تُسَمَّى عَزْماً، ولعلَّه أراد [لو] (٣) سُهَّل لى سَبيلُ العَزْم أو خُلق فىَّ قدرةٌ عليه (٤).

стр. 83

تَمَامُهُ، كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّاىَ خَاصَّةً، قَبْلَ غَيْرِى مِنَ النَّاسِ، لأسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوصْفُ، إلا أَنَّ جُمْلَةَ ذلِكَ أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأنِ وَإِتْقَانَهُ، أَيْسَرُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَلا سِيَّمَا عند مَنْ لا تمييز عِنْدَهُ مِنَ الْعَوَامِّ، إِلا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ عَلَىَ التَّمْيِيزِ غَيْرُهُ، فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ فِى هَذَا كَمَا وَصَفْنَا، فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ، أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقيِم. وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ الْمنْفَعةِ فِى الاسْتِكْثَارِ مِنْ هذَا الشَّأنِ وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ مِنْهُ لِخَاصَّةٍ مِنَ النَّاسِ، مِمَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضَ التَّيَقُّظِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِأَسْبَابِهِ وَعِلَلِهِ، فَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللهُ، يَهجُمُ بِمَا أُوتِىَ مِنْ ذلِكَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِى الاسْتِكْثَارِ منْ جَمْعِهِ، فَأَمَّا عَوَامُّ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِخِلافِ مَعَانِى الْخَاصِّ، مِنْ أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَلا مَعْنَى لَهُمْ فِى طَلَبِ ــ قال القاضى: قد جاء هذا اللفظ فى الكتاب من كلام أمّ سلمة فى كتاب الجنائز قالت: " ثُمَّ عَزَم الله لى فقلتُها " (١). أصل العزم: القُوَّة، ويكون بمعنى [الصبر] (٢)، وتوطين النفس وحملها على الشىء، والمعنى متقارب، ومنه قوله [ ] (٣): ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٤) وقوله قبل: " سألتنى تَجشُّمَ ذلك " أى: تكَلَّفَه والتزم مشقته. وقوله: " وذلك إن شاء الله ينهجمُ بما أوتى من ذلك على الفائدة " ويروى تَهجُمُ (٥) ومعناها: يقع عليها ويبلُغُ إليها، [وينال بغيته منها] (٦)، يقال: هجمت على القوم: إذا دخلت عليهم. قال ابن دريد (٧): [يقال] (٨): انهجم الخباء إذا وقع [عليهم] (٩) وهجمت ما فى خِلفِ الناقة: إذا استقصيت حلبه.

стр. 84

الْكَثِيرِ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ. ثُمَّ إِنَّا - إِنْ شَاءَ اللهُ - مُبْتَدِئُونَ فِى تَخْرِيجِ مَا سَأَلْتَ وَتَألِيفِهِ، عَلَى شَرِيطَةٍ سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ وَهُوَ: إِنِّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلاثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ، عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ، إِلا أَنْ يَأتِىَ مَوْضِعٌ لا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ، لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ، لأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِى الْحَدِيثِ، الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ، يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍ. فَلا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِى فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ. ــ قال مسلم- ﵀: إنه يُقسّمُ الأحاديثَ على " ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس " إلى آخر كلامه. قد قدمنا قول من قال: إنَّه لم يتسع عُمْرُه إلا لذكر الطبقة الأولى كما ذكرنا، وذكرنا رأيه فى خلافه مما ألهَمَ الله إليه له الحمدُ، ونحن نذكُرُ الآن أقسام الصحيح على ما رتَّبَه أئمةُ أهل الصنعة. [فذكر] (١) أبو عبد الله محمد بن عُبَيْد الله الحاكم النيسابورى فى " المدخل إلى كتاب الإكليل " أَنَّ الصحيحَ من الحديث على عشرة أقسام، خمسةٌ متفق عليها، وخمسةٌ مختلفٌ فيها. فالقسم الأوَّل من المتفق عليه اختيار البخارى ومسلم، قال: وهو الدرجةُ الأولى من الصحيح، وفسَّره بما قدمناه قبل، قالَ: والأحاديث المروية بهذه [الشريطة] (٢) لا يبلُغُ عَددُها عشرة آلاف حديث. القسم الثانى: مثل الأول، لكن ليس لراويه من الصحابة إلا راوٍ واحد. القسم الثالث: مثل الأول، إلا أن راويه من التابعين ليس له إلا راوٍ واحد. [القسم] (٣) الرابع: الأحاديث الأفراد الغرائب التى رواها الثقات العدول. [القسم] (٤) الخامس: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم [بها] (٥) إلا (٦) عنهم كصحيفة عمرو بن

стр. 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شعيب (١) عن أبيه عن جدّه، وبهز بن حكيم (٢) عن أبيه عن جدّه، وإياس (٣) بن معاوية ابن قُرَّة عن أبيه عن جدّه، وأجدادُهم صحابيون وأحفادهم ثقات (٤). قال الحاكم: فهذه الخمسةُ الأقسام مخرجة فى كتب الأئمة محتجٌّ بها، وإن لم يُخَرَّج منها فى الصحيحين حديث. قال القاضى: يريد غير القسم الأول الذى [ذكر] (٥) أنهما شرطاه، وقد وقع لهما أشياء من هذه الأقسام يوقف عليهما فى كتابيهما. قال الحاكم: [و] (٦) الخمسة المختلف فيها المراسيل، وأحاديث المدلسين إذا لم

стр. 86

. . . . . . . . . . . . . ــ يذكروا إسماعهم، وما أسنده ثقةٌ وأرسله جماعة من الثقات غيرهُ، وروايات الثقات غير الحفاظ العارفين، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين. قال القاضى: [فهذه] (١) الأقسام الخمسة كما قال مما اختُلِفَ فى قبولها، والحجة بها الفقهاء والمحدثون (٢)، ووقع فى الصحيحين منها [شىء] (٣) هو مما استُدرك مما ذكرنا وقد ترك الحاكم [منها] (٤)، مما اختلف فيه رواية المجهولين. وقال أبو سليمان الخطابى (٥): الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: صحيحٌ، وحسنٌ، وسقيمٌ، فالصحيح: ما اتصل سنده وعُدّلت نقلتهُ، والحسن: ما عُرِف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذى يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، والسقيم على طبقات، شرُّها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول. وقال أبو عيسى الترمذى: الحسن من الحديث ما ليس فى إسناده من يتَّهم، وليس بشاذٍ، ورُوى من غير وجه (٦). وقال أبو على الغسانى: الناقلون سبع طبقات: ثلاث مقبولة، وثلاث متروكة، والسابعة مختلف فيها، فالأولى: أئمة الحديث وحفاظه، وهم الحجة على من خالفهم، ويقبلُ انفرادُهم. الثانية: دونهم فى الحفظ والضبط، لَحِقَهمْ فى بعض روايتهم وهمٌ وغلطٌ، والغالبُ على حديثهم الصحَّةُ، ويُصَحَّحُ ما وَهموا فيه من رواية الطبقة الأولى وهم لاحقون بهم. الثالثة: جنحت إلى مذاهب من الأهواء غيرُ غاليةٍ ولا داعية، وصحَّ حديثها، وثبَتَ صدقُها، وقلَّ وهْمُها، فهذه الطبقة احتمل أهلُ الحديث الرواية عنهم، وعلى هذه الطبقات الثلاث يدور نقل الحديث، وإليها أشار مسلم، فى صدر كتابه إلى قسمة الحديث

стр. 87

. . . . . . . . . . . . . . . . ــ على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات، فلم يُقدَّر له [إلا] (١) الفراغ من الطبقة الأولى واخترمته المنيَّةُ. وثلاث طبقات أسقَطَهُم أهلُ المعرفة: الأولى: من وُسِم (٢) بالكذب، [ووضع الحديث] (٣). الثانية: من غلب عليه الوهمُ والغلط حتى استغرق روايته. الثالثة: من غلت (٤) فى البدعة، ودعَتْ إليها، وحَرَّفتِ الروايات، وزادت فيها ليحتجُّوا بها. والسابعة: قوم

стр. 88

أَوْ أَنْ يُفَصَّل ذلِكَ المَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ، وَلكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ، إِذَا ضَاقَ ذلِكَ، أَسْلَمُ. فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِن إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلا نَتَولَّى فِعْلَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. فَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ، فَإِنَّا نتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ الَّتِى هِىَ أَسْلَمُ مِنَ العُيُوبِ مِنْ غَيْرِهَا وَأَنْقَى، مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِى الحَدِيثِ، وَإِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لَمْ يُوجَدْ فِى ــ مجهولون انفردوا بروايات لم يُتابعَوا عليها، فقبلهم قوم وأوقفهم (١) آخرون. قال القاضى: وتفسير شيخنا أبى على، لغرض مسلم وتقسيمه أسْعَدُ لكلام (٢) مسلم من شرح الحاكم، وإن كُنَّا خالفناهما فى التأويل على مسلم كما قدمناه. وأمَّا قولُ الحافظ أبى على: إِنَّ حديث أهل البدع الأثبات الذين لا يَدعْون إلى بدعتهم متفقٌ عليه، فلا يُسَلَّمُ له، بل قد اختلف فى ذلك المحدثون والفقهاء والأصوليون، وسنبين ذلك عند تنبيه مسلم عليه. قال مسلم: " [أو أَنْ] (٣) يُفصَّل [ذلك] (٤) المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن ". وهذا الفصل الذى ذكره- أيضاً- اختلف [فيه] (٥) المحدثون والفقهاء والأصوليون فى اختصار الحديث والتحديث به على المعنى، وفى الحديث بفصل منه دون كماله، فأجاز هذا كُلَّه على الجملة قوم- وهو مذهب مسلم- ومنعه على الجملة آخرون- وهو تَحرى البخارى- ورخص قوم فيما يقع من الكلمات موقع أمثالها كالجلوس عوض القعود والقيام عوض الوقوف (٦) وشبهه، دون ما يمكن أن يختلف اختلافاً ما، وخفَّفَ آخرون الحديث على المعنى فى غير لفظ الرسول ﷺ ، ومنعه فى لَفْظِه- ﵇ وذُكِرَ هذا عن مالك. وذهب المحققون إلى أن الراوى إذا كان ممن يَسْتَقلُّ بِفَهم الكلام ومعانيه، ويعرف مقاصده، ويُفرق بين الظاهر والأظهر والمحتمل والنَّصّ، فجائز لهذا الحديث على المعنى، إذا لم يحتمل عندَه سواه، وانفهم له فهماً جلياً معناه. وحكى غيرُ واحد معنى هذا عن مالك وأبى حنيفةَ والشافعى، وكذلك جوزوا الحديث ببعض الحديث إذا لم يكن مُرتبطاً بشىء قبله ولا بعده ارتباطاً يخلُّ بمعناه، وكذلك إن جمع الحديث حكمين أو أمرينِ كلَّ واحد مستقلٍ بنفسه غير مرتبط بصاحبه فله الحديث بأحدِهما، وعلى هذا كافَّةُ الناس ومذاهب الأئِمة، وعليه صنَّفَ المصنفون كُتُبَهمْ فى الحَدِيث على [الأبواب] (٧)، وفصلوا الحديث الواحد أجزاءً بحكمها، واستخرجوا النكت والسنن من الأحاديث الطوال، وهو معنى قول مسلم فى هذا الفصل إلى آخر كلامه، [وعمله البخارى كثيراً فى صحيحه] (٨)؛

стр. 89

رِوَايَتِهِم اخْتِلافٌ شَدِيدٌ، وَلا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ. كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ، وَبَانَ ذَلِكَ فِى حَدِيثِهِمْ. فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا ــ ولهذا رُوى الحديثُ الواحدُ عن النبى ﷺ بألفاظٍ مختلفة فى القصة الواحدة، والمقالة الفَذَّةِ، والقضيَّةِ المشهورة من عهد الصحابة فمن بعدهم، لكن لحماية الباب من تَسَلُّطِ من لا يُحْسِنُ، وغَلطِ الجهلة فى نفوسهم، وظنّهم المعرفة مع القصور (١)، يجبُّ سَدُّ هذا الباب؛ إذ فِعْلُ هذا على من لم يبلُغُ درجة الكمال فى معرفة المعانى حرامٌ، باتفاق (٢). وقوله: " [فإنَّا] (٣) نتوخى الأخبار ": أى نتحرَّى ونقصد، قال الهروى: فلان يتوخَّى الحق ويتأخاه، أى يقصده ويتحراه، وتقول العربُ: خُذْ على هذا الوخى، أى: [على] (٤) هذا القصدُ والصَّواب. وقوله: " كما قد عُثِرَ فيه " كذا فى الأصل وهو الصحيح ومسَاقُ الكلام، ووقع فى المُعْلِم: " فإن عُثِرَ ".

стр. 90

يَقَعُ فِى أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالمَوْصُوفِ بِالحِفْظِ وَالإِتْقَانِ، كَالصِّنْفِ المُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ، فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ وَالصِّدِقِ وَتَعَاطِى العِلْمِ يَشْمَلُهُمْ، كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، وَلَيْثُ بْنِ أَبِى سُلَيْمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ، مِنْ حُمَّالِ الآثَارِ وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ. فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ العِلْمِ وَالسَّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مَعْرُوفِينَ، فَغَيْرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الإِتْقَانِ وَالاسْتِقَامَةِ فِى الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِى الحَالِ، وَالمَرْتَبَةِ، لأَنَّ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ. أَلا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَة الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، عَطَاءً وَيَزِيدَ وَليْثًا، بِمَنْصُورٍ ابْنِ المُعْتَمِرِ وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، فِى إِتْقَانِ الحَدِيثِ وَالاِسْتِقَامَةِ ــ قال الإمام أبو عبد الله: معناه: اطَّلَع، من قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ (١)، يقال: عَثُرْتُ منه على خيانة، أى اطلعتُ، وأعْثَرتُ غَيْرِى، أى: أطلعته، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِم﴾ (٢)، أى أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمن. قال: وذكر مسلم قوماً مشهورين بالعدل والضبط كمالك وابن عيينة وذكر [أن] (٣) قوماً لا يبلغون إلى رتبتهم فى ذلك [وإن] (٤) لم يخرجوا عن كونهم عدولاً مثل عطاء بن السائب ويزيد بن أبى زياد وليث بن أبى سليم (٥). قال القاضى: رأيت بعض المعقبين قد تتبَّع عليه ما حكاه عن مسلم [هذا] (٦) مما ليس قول مسلم، فإن مسلماً لم يذكر فى هذا الفصل مالكاً ولا ابن عُيينة، وإنما ذكر فى القسم الأول أهل الإتقان والاستقامة، وذكر بعدهم صنفاً آخر ذكر أنهم ليسوا موصوفين بالحفظ والإتقان كالصنف الأول، قال: وإن [كانت ذواتُهم] (٧) فيما وصفنا، فاسم الستر [والصدق] (٨) وتعاطى العلم يشملهم (٩) كعطاء بن السائب (١٠) ويزيد بن أبى

стр. 91

فِيهِ، وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ، لا يُدَانُونَهُمْ لا شَكَ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ فِى ذَلِكَ، الَّذِى اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ. وَأَنَّهُمْ لمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ وَيَزِيدَ وَليْثٍ. ــ زياد (١)، وليث (٢) بن أبى سليم (٣) وأضرابهم من حمَّال الآثار. هذا لفظه (٤). ثم قال آخرَ الفصل: ألا ترى أنَّكَ إذا وازنت هؤلاء الثلاثة (٥) بمنصور بن المعتمر (٦) وسليمان

стр. 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأعمش (١) وإسماعيل بن أبى خالد (٢) فى إتقان الحديث والاستقامة فيه، وجدتهُم متباينين، ثم ذكر أسماءً أخَر من الطبقتين، ولم يجر لمالك ولا ابن عيينة هنا ذكر، وإنما ذكرهما بعد هذا مع أقرانهم فى فصل آخر فى ذمّهم. الرواية عن الضعفاء. والعذر عن هذا للإمام (٣) ﵀ أحدُ وجهين: إما أن يقال: إن المُعَلق عنه اقتصر على المعنى والمطلوب، ومن الكلام على النكتة، إذ كان المطلوب منهما (٤) سؤال الشيخ بعد كيف يُستجاز هذا التفصيلُ والتمييز ولا يُعدُّ غيبة، والجوابُ عنه على مَا سنَذْكُرهُ من قوله بَعْدُ ونزيدُه وضوحاً إن شاء الله تعالى، أو يكون هو نفسه- ﵀ قصد ذلك تمثيلاً لا حكايةَ للفظ مسلم، إذ لا فرق بين الكلام على الوضع إذا لم يقصد حكاية اللفظ مع اتفاق المعنى، إذ مالك وابن عُيينة من تلك الطبقة الرفيعة المتقنةِ الحافظةِ بغير خلاف، ومثل هذا مما يتَّضِحُ العذرُ فيه، إذ هو كتاب شرح لا كتاب رواية لفظ. قال الإمام- ﵀ (٥) -: إن قيل: كيف استجاز هنا: أن يُقالَ: فلانٌ أَعْدلُ من فلان مع أنه ﷺ قالَ فى الطبيبين: " لولا غيبَتُهُما لأعلمتُكم أيُهما أطبُّ " (٦) قيل: دعت الضرورة [ها هنا] (٧) لذكر [هذا] (٨) لأنه موضع تعليم، والحاجةُ ماسَّةٌ إليه، لأن العلماء إذا تعارضت الأخبار (٩) قدَّموا خبَرَ من كان أعدل وعوَّلوا عليه، وأفتوا [الناس] (١٠) به

стр. 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم تدعْ ضرورةٌ إلى ذكر الأطبّ من [هذين] (١) الطبيبين كما دعت مسلماً ها هنا (٢)، وقد يجوز استرشاد الطبيب الموثوق (٣) بعلمه، المرجوَّ النفع بمداواته، وإن كان هناك أوسَعُ منه علماً بالطب، ولا يجوز الأخذ برواية الناقص فى العدالة وأن يُقَدَّمَ على رواية الأعدَلِ منه، وقد أجيز التجريحُ للشهود (٤) للضرورة إليه ولم يمنع لكونه غيبةٌ وقال ﷺ . فيمن استُشير فى نكاحه: " إنَّه صُعلوك "، وقال فى الآخر: " [إنه] (٥) لا يضع عصاه عن عاتقه " (٦). ولم ير ذلك غيبة لمَّا كان مستشاراً [فى] (٧) النكاح، ودعَتِ الضرورةُ إليه، وقد اعتذر صاحب الكتاب عن نفسه فى ذلك أَنَّ القصدَ بيانُ منازلهم اتباعاً لقول النبى ﷺ : " أنزلوا الناس منازِلهم " والذى قلناه أبْسَط. قال القاضى- ﵀: حديث: " أنزلوا الناس منازلهم " الذى ذكره مسلم عن عائشة عن النبى ﷺ ولم يسنده، أسنده أبو بكر البزَّار فى مسنده، عن ميمون بن أبى شبيب عن عائشة، عن النبى ﷺ ، وذكره أبو داود فى مصنَّفه عن ميمون بن أبى شبيب أيضاً: أن عائشة مَرَّ بها سائلٌ فأعطته كسرةٌ ومر بها رجل [آخر] (٨) عليه ثيابٌ فأقعدته فأكل، فقيل لها فى ذلك، فقالت: قال رسول الله ﷺ : " أنْزِلوا الناسَ منازِلهم ". قال البزَّار: وهذا الحديثُ لا يُعْلمُ عن النبى ﷺ إلا من هذا الوجه، وقد رُوى عن عائشةَ من غير هذا الوجه موقوفاً (٩). ومعنى الحديث بيّنٌ فى إيتاء كل ذى حقٍّ حقَّه، وتبليغه منزلته فى كل باب، كما احتجَّ به مسلم فى تطبيق الرواة وتعريف مراتبهم، ومزية بعضهم على بعض إلا ما ساوى الله بينهم فيه من الحدود والحقوق.

стр. 94

وَفِى مثْلِ مَجْرَى هَؤُلاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ، كَابْنِ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ، مَعَ عَوْفِ بْنِ أَبِى جَمِيلَةَ وَأَشْعَثَ الحُمْرَانِىِّ وَهُمَا صَاحِبَا الحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ. كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا، إِلا أَنَّ البَوْنَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيدٌ فِى كَمَالِ الفَضْلِ وَصِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلكِنَّ الحَالَ مَا وَصَفْنَا مِنَ المَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلاءِ فِى التَّسْمِيَةِ، لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِىَ عَلَيْه طَرِيقُ أَهْلِ العِلْمِ فِى تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ، فَلا يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ العَالِى القَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ القَدْرِ فِى العِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ. وَيُعْطَى كُلُّ ذِى حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ. وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ. ــ وقول مسلم فى هذا الفصل: " إلا أن البَوْنَ بينهما وبين هذين (١) بعيد ": أى الفرق، وأنهما لا يُقَارَنان بهما فى علمهما وفضلهما. قال صاحب العيْن: البَون مسافة ما بين الشيئين، وهذا مثل قول مسلم فى الفصل نفسه: " وجدتَهم متباينين لا يُدانوهم ". وفى هذا الفصل من قول مسلم " وأضرابهم من (٢) حُمَّال الآثار ". وجه العربِيَّةِ فيه وضربائهم، إذ لم يأت جمع فعيل على أفعال فى الصحيح إلا [فى] (٣) كلمات قليلة. وقوله: " وازيتَ هؤلاء " ويروى: " وازنتَ " بالنون ومعناهما قارنتَ ومَثَّلتَ. وقوله: " غبى عليه طريق العلم " أى خفى، قال ابن القوطية (٤): غبى خفى، وأيضاً قلت فطنته. قال ابن دريد: [فى] (٥) فلان غبوة وغباوة، أى غفلة وحماقة، وقال الخليل (٦): غبى فهو غبٌّ إذا لم يفطن.

стр. 95

وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُم، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ القُرآنُ مِنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١). فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الوُجُوهِ، نُؤَلفُ مَا سَأَلتَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ، أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ، فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ مِسْوَرٍ أَبِى جَعْفَرِ المَدَائِنِىِّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ القُدُّوسِ الشَّامِىِّ، وَمُحَمَّدٍ بْنِ سَعِيدٍ المَصْلوبِ، وَغَياثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُليْمَانَ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِى دَاوُدَ النَّخَعِىِّ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدَ الأَخْبَارِ. ــ وذكر مسلم فى أسماء المتَّهمين عبد القدوس الشامى (٢) رواه العُذْرى بالسين المهملة، وهو خطأ وصوابُه بالمعجمة، وهى رواية الجماعة، وذكر فيهم عبد الله بن مُحْرِزٍ، كذا سمعناه من جماعة شيوخنا عن شيوخهم الرواة للكتاب بحاء ساكنة مهملة وكسر الراء وآخِره زاى، وهو غلط، وصوابهُ مُحَرَّر (٣) بفتح الحاء المهملة ورائين مهملتين أولاهما مفتوحةٌ مشدَّدة، وكذا البخارى فى " تاريخه "، وقَيَّده الأمير أبو نصر بن ماكولا والحافظ الجيانى فى كتابيهما، وكذا وقع فى روايتنا على الصواب هنا عن الفارسى، وجَده فيما سَمِعْتهُ على

стр. 96

وَكَذَلِكَ، مَنِ الغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ المُنْكَرُ أَوِ الغَلطُ، أَمْسَكْنَا أَيْضًا عَنْ حَدِيثِهِمْ. وَعَلامَةُ المُنْكَرِ فِى حَدِيثِ المُحَدِّثِ، إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ للحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَا، خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا. فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ، كَانَ مَهْجُورَ الحَدِيثِ، غَيْرَ مَقْبُولِهِ وَلا مُسْتَعْمَلِهِ. فَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ المُحَدِّثِينَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِى أُنَيْسَةَ، وَالجَرَّاحُ ابْنُ المِنْهَالِ أَبُو العَطُوفِ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدُ اللهِ بْن ضُمَيْرَةَ، وَعُمَرُ بْنِ صُهْبَانَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِى رِوَايَةِ المُنْكَرِ مِنَ الحَدِيثِ، فَلسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ. وَلا ــ سفيان بن العاصى عن الشاشى (١) عنه، وكذا سمعناه من جماعة شيوخنا فى كتاب مسلم بعد هذا بيسير فى حديث [عبد الله بن المبارك] (٢) وذكره له فى " الضعفاء " إلا فيما حدثنا به القاضى الشهيد أبو على [عن العبدى] (٣) فإنه قال فيه: محرّز كما رووه هنا. وذكر [مسلم] (٤) رواية المنكر من الحديث ومن تقبل روايته (٥) ومن يطرح. اختلف الناس فى الراوى الثقة إذا انفرد بزيادة فى الحديث عن سائر رواة شيخه، فذهب مُعظم الفقهاء [والأصوليين] (٦) والمحدثين إلى قبول زيادته (٧) وذهب بعض أصحاب الحديث إلى ردّها، وهو مذهب معظم أصحاب أبى حنيفة (٨)، وكذلك (٩) جاء اختلافُهم متى أسنَدَ الحديث واحد وأرسله الباقون، وأكثر المحدثين على ردّ هذا الوجه، والصواب فى ذلك كله ما ذهب

стр. 97

نَتَشَاغَلُ بِه. لأنَّ حُكْمَ أَهْلِ العِلْمِ، وَالذِى نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِى قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ المُحَدِّثُ مِنَ الحَدِيثِ، أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالحِفْظِ فِى بَعْضِ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِى ذَلِكَ عَلَى المُوَافَقَةِ لهُمْ، فَإِذَا وُجِدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا ليْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، قُبِلتْ زِيَادَتُهُ. ــ إليه أهل التحقيق من الفريقين، وأشار إليه مسلم فى هذا الفصل من جواز قبوله إذا كان الراوى شارك الثقات فى الحفظ والرواية، بخلاف إذا لم يُشاركهم ولا وافقهم فيما رووه، ثم انفرد هو برواية الكثير مما لم يرووه عن أشياخهم ولا عرفه أولئك المشاهير من حديثهم فهذا ينكر ولا يقبل (١)، وتُسْترابُ جملة حديثه ويترك، لتهمتنا [له، إ] (٢) ما لسوء (٣) الحفظ والوهم، أو التساهل، بخلاف الزيادة فى الحديث نفسه أو رواية الحديث الواحد من هذا الفن، فإن مثل هذا يُقبَل منه، لثقته، فإن ظهر فيها وهم (٤) لم يقدح فى عدالته (٥) واحتمل لصحة حديثه واستقامة روايته لغيره، وقد بين مسلم الغرض فيه وأجاد (٦)، وحملنا زيادته هذه التى لم نر ما (٧) يُبطلها ويُعارضُها على أنه حفظ ما لم يحفظ غيرُه وضبط ما لم يضبط أصحابُه (٨)، وعلى هذا ثبت زيادةُ الشاهد على غيره من

стр. 98

فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهُرِىِّ فِى جَلالتِهِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الحُفَّاظِ المُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ، قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الإِتَّفَاقِ مِنْهُمْ فِى أَكْثَرِهِ، فيَرْوِى عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا العَدَدَ مِنَ الحَدِيثِ، مِمَّا لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابهِمَا، وَليْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِى الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. ــ الشهداء معه ما لم تكن الشهادتان فى صورة المعارضة. وعلى هذا ما ألفَ أئمة الحديث الغرائبَ والأفراد من الحديث وعدُّوه فى الصحيح. فأما متى جاء ما يعارضه وروت الجماعةُ خلافَه فالرجوع إلى قول الجماعة والحفَّاظ أولى من باب الترجيح، وهذا أيضاً أصل فى الشهادة المتعارضةِ فى مُراعاة الأعدل على المشهور. واختلف المذهب (١) [فى الترجيح] (٢) فيها بالكثرة.

стр. 99

قَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الحَدِيثِ وَأَهْلِهِ بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِه مَنْ أَرَادَ سَبِيلَ القَوْمِ، وَوًفِّقَ لهَا. وَسَنَزِيدُ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، شَرْحاً وَإِيضَاحاً فِى مَوَاضِعَ مِنَ الكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ الأَخْبَارِ المُعَلَّلةِ، إِذَا أَتَيْنَا عَليْهَا فِى الأَمَاكِنِ التِى يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيضَاحُ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى. وَبَعْدُ - يَرْحَمُكَ اللهُ - فَلوْلا الذِى رَأَيْنَا منْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثاً، فِيمَا يَلزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ المُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمْ الاِقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَشهُوَرَةِ، مِمَّا نَقَلهُ الثِّقَاتُ المَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِم وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلَسِنَتِهِمْ، أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلى الأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الحَدِيثِ، مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِىٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ - لِمَا سَهُلَ عَليْنَا الاِنْتِصَابُ لِمَا سَأَلتَ مِنَ التَمْيِيزِ وَالتَحْصِيلِ. ــ وقوله: " بما يتوجه به من أراد سبيل القوم ": أى يقصد طريقهم ويسلك مذهبَهم قال الله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ (١). وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (٢): أى قصدك. وقوله: " وسنزيد- إن شاء الله- شرحاً وإيضاحاً عند الأخبار المعللة ": قيل: هذا الكلام الذى وعد به ليس منه شىء فى الكتاب، وأنَّه مما أخترمَته المنيَّةُ قبل جمعه، إذ ما أدخله فى كتابه من الصحيح المتفق عليه ليس يحتاج إلى شىء من الكلام [عليه] (٣) لعلو رتبته، وقلة غلط رواته، وحفظهم وإتقانهم، وقد قدمنا الكلام عليه، وأنه قد ذكره فى أبوابه. وقوله: " يقذفون به إلى الأغبياء ": أى يلقون ذلك إليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ (٤)، وقد يكون " يقذفون " بمعنى: يقولون ما لا يعلمون، كما

стр. 100

وَلكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ القَوْمِ الأَخْبَارَ المُنْكَرَةَ، بِالأَسَانِيدِ الضِّعَافِ المَجْهُولةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلى العَوَامِّ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلتَ ــ قال تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (١). واختلفت روايات شيوخنا فى هذا الحرف الآخر، وصوابه: الأغبياء بالغين المعجَمة والباء بواحدة تحتها، وهى روايتنا من طريق السمرقندى، ومعناه: الجهلة الأغفال، ويدل عليه قوله آخر الفصل: " وقذفهم بها إلى العوام ".

стр. 101

(١) باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين، والتحذير من الكذب على رسول الله ﷺ وَاعْلَم - وَفَقَكَ اللهُ تَعَالى - أَنَّ الوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وسَقِيمِهَا، وَثِقَات النَّاقِلينَ لهَا مِنَ المُتَّهَمِينَ، ألا يَرْوِىَ مِنْهَا إِلا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ، وَالسَّتَارَةَ فِى نَاقِلِيَهِ، وَأَنْ يَتَقِىَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ أَهْلَ التُّهَمِ وَالمُعَانِدِينَ، مِنْ أَهْلِ البِدَع. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الذِى قُلْنَا مِنْ هَذَا هُوَ اللازِمُ دُونَ مَا خَالَفَهُ قَوْلُ اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١)، وَقَالَ جَل ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢)، وَقَالَ : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (٣). فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الآى أَنَّ خَبَرَ الفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ العَدْلِ مَرْدُودَةٌ. وَالخَبَرُ، وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَهَادَةِ فِى بَعْضِ الوُجُوهِ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِى أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا، إِذْ كَانَ خَبَرُ الفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ ــ وقول مسلم- ﵀: " والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة فى بعض الوجوه، فقد يجتمعان فى أكثر معانيها ": ما أحسن قول مسلم هذا وأبينه فى الدلالة على كثرة علمه وقوة فقهه (٤)، فاعلم أَنَّ الشهادة والخَبَر يجتمعان عندنا فى خمسة أحوال ويفترقان فى خمسة أحوال. فالخمسة الجامعة لها: العقل، والبلوغ، والإسلام، والعدالة، وضبط الخبر أو الشهادة حين السماع، والأداء، فمتى اختل وصف من [هذه] (٥) الأوصاف فى أحد لم يقبل خبره ولا شهادته. وأما الخمسة التى يفترقان فيها: فالحريَّة، والذكورية، والعدد، ومراعاة الأهلية، والعداوة. فخبر العبد مقبول [وإن لم تقبل] (٦) شهادته عندنا، وكذلك خبر الواحد والمرأة مقبول، ولا تقبل شهادتُهما مجردةٌ إلا فى مواضع مستثناة وشرائط معلومة. وخبَرُ الرجل وروايته فيما ينتفعُ به خاصُ أهله أو يضر به عدوهُ مقبول (٧)؛ ولهذا لا يُعذَّر فى مكشفى

стр. 102

جَمِيعِهِمْ. وَدَلتِ السُّنَةُ عَلَى نَفْىِ رِوَايَةِ المُنْكَرِ مِنَ الأَخْبَارِ، كَنَحْوِ دَلالةِ القُرْآنِ عَلَى نَفْىِ خَبَرِ الفَاسِقِ، وَهُوَ الأَثَرُ المَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : " مَنْ حَدَّثَ عِنِّى بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ ". حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى ليْلى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ أَيْضًا، ــ القضاة ومجرحى (١) السّر (٢) وكذلك تجوز (٣) رواية الابن عن أبيه وأمّه وروايتهما عنه وإن لم يُجِزهُ بعض العلماء فى نقل الشهادة، وفى مذهبنا فيها وجهان، ولأن الرواية والخبر يعم ولا يخص شخصًا دون شخص والشهادة خاصة، ولهذا نُعْمِلُ الشهادة العامة كيف كانت ولا نردها (٤) بظنة منفعة ولا عداوةٍ كالشهادة على العدوّ من أهل الكفر وعلى الأمور العامة للمسلمين فى سككهم ومرافقهم وإن كان الشاهدُ واحداً منهم. وشرط الشافعىُّ البصَرَ فى الشهادة دون الخبَرَ، ولا حُجَّة له فى ذلك قائمة (٥)، وشرط بعض الأصوليين البلوغَ حين السماع (٦) والإجماع بخلافه، وشرط الجُبَّائى وبعض القدرية العدد فلا بد عنده (٧)

стр. 103

حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِى شَبِيبٍ، عَنِ المُغِيرة بْنِ شُعْبَةَ، قَالا. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ. ــ من اثنين عن اثنين فى الخبر كالشهادة، وعند الآخرين أربع عن أربع فى كل خبرٍ، وهذا مما يتعذَّر ولا يفيد معنى فى باب النقل (١)، وأسقط أبو حنيفة شرط العدالة ورأى أن مجرد الإسلام عدالة فى الشهادة، والخبر لمن لم يُعلم فسقهُ وجهلُ أمره (٢) ورأى بعض أهل الحديث أن رواية رجُلين عمن رُوى عنه يُخرجُه عن حدّ الجهالة وإن لم تُعْرَف حالهُ، والصوابُ أن الجهالةَ لا ترتفع عنه بروايتهما حتى يعرف حاله وتتحقق عدالتهُ وإن جهُل نسبهُ (٣).

стр. 104

(٢) باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ١ - (١) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعىِّ بْنِ حِرَاشٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا رَضِىَ اللهُ عَنْهُ يَخْطُبُ. قَال: قَال رَسُول الله ﷺ : " لا تَكْذِبُوا عَلَىَّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَىَّ يَلج النَّارَ ". ٢ - (٢) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِى ابْنِ عُليَّةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالكٍ، أَنَّهُ قَال: إِنَّهُ ليَمْنَعَنِى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: " مَنْ تَعَمَّدَ عَلَىَّ كَذِبًا فَليَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ". ٣ - (٣) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الغُبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ". ــ قوله- ﵇: " من كذب على مُتَعمِّدًا [فليتبوأ مقعده من النار] (١)، قال الإمام: الكذبُ عند الأشعرية الإخبار عن الأمر على ما ليس هو به. هذا حد الكذب عندهم، لا يشترطون فى كونه كذباً العمدَ والقصد [إليه] (٢)، خلافاً للمعتزلة فى اشتراطهم ذلك، ودليل هذا الخطاب يردُّ عليهم، لأنه يدلُّ على أنَّ ما لم يُتَعمَّد يقع عليه اسم الكذب (٣). وأما قوله: " فليتبوَّأ مقعده من النار ": فإن الهروى قال فى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّار﴾ (٤) [أى] (٥) اتخذوها منازل، وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء﴾ (٦) أى: نتخذ (٧)

стр. 105

٤ - (٤) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْر، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْد، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ؛ قَالَ: أَتَيْتُ المَسْجِدَ، وَالمُغِيرَةُ أَمِيرُ الكُوفَةِ. قَالَ: فَقَالَ المُغيِرَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ ليْسَ كَكَذِبٍ عَلى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذِبَ عَلىَّ مُتَعمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ". وَحَدَّثَنِى عَلىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الأَسَدِىُّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ رَبِيعَةَ الأَسَدِىّ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِهِ وَلمْ يَذْكُرْ " إِنَّ كَذِبًا عَلىَّ ليْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ ". ــ منها منازل، ومنه الحديث: " فيتبوأ مقعده من النار " أى: لينزل منزله (١) منها. قال القاضى: اختُلف فى المراد بهذا القول. فقيل: ورد مورد الدعاء منه- ﵇، أى فبوأه الله ذلك، وأخرج الدعاء عليه مخرج الأمر، وعلى هذا يُحمل معنى الحديث الآخر من رواية البخارى عن علىّ: " من كذَب على فليَلج النار " (٢). قيل: هو على الخبر، أى: فقد استوجَب ذلك واستحقَّه، فليوُطِّن نفسه عليه، ويَدل عليه رواية مسلم فى الحديث الآخر: " يلج (٣) النار "، وفى رواية غيره: " بنى له بيتٌ فى النار ". وقد اختلف فى معنى هذا الحديث السلفُ والخلف، فذهب بعضُهم إلى أنَّه عام فى كل شىء، كان من (٤) الدين أو غيره، وذهب آخرون إلى أن ذلك خاص فى الكذب عليه فى الدين وتعمُّده الخبر عنه بتحليل حرامٍ أو تحريم حلالٍ، أو إثبات شريعةٍ أو نفيها (٥)،

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد روى فى هذا الحديث زيادة: " ليُضِلَّ الناسَ "، ولكنها منكرة غير صحيحة. قال الطحاوى: ولو صحَّت لكان معناها التأكيد كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ليضِلَّ النَّاسَ﴾ (١) قال ابن البيّع: وهذا حديثُ واهٍ. وقد روى قوم أيضاً تفسير الكذب عليه فى حديث [آخر] (٢) أنَّه إنما هو فيمن كذب عليه فى غيبه (٣) وشين (٤) الإسلام، قال: وهو حديث باطل أيضاً فى [رواية] (٥) جماعة لا يُحْتَج [بحديثهم] (٦). وذهب آخرون إلى أَنَّ الحديث ورد فى رجُلٍ بعينه كذب عليه (٧) فى حياته، وادَّعى لقوم أنَّه رسولُه- إليهم يحكم فى أموالهم ودمائهم، فأمر ﵇ بقتله إن وُجِد حياً وإحراقه إن وُجِد ميّتاً (٨). وحُجَّةُ أصحاب القول الأول تَهيُّبُ عُمَرَ والزبير وغيرهما الحديث عنه ﵇ [واحتجاجهم بهذا الحديث، ولو كان الوعيد فى رجُلٍ] (٩) بعينه أو مقصوراً على سبَبٍ أو فى فن مفردٍ لما حذروا ذلك، والصوابُ عُمومه فى كل خبَر تُعُمد به الكذب عليه ﷺ ؛ ولهذا قال فى الحديث الآخَر: " إِنَّ كذباً علىَّ ليس كَكذِبٍ (١٠) على أحدٍ " (١١) وقوله:

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ " لا تكذبوا علىَّ "، وقوله: " من قال علىَّ ما لم أقُل " (١)، وهذه الألفاظ كلها فى الصحيحين، وإذا كان الكذبُ ممنوعاً- فى الشرع جملةً فهو على النبى- ﵇ أشد؛ لأن حقَّه أعظم، وحق الشريعةِ آكد، وإباحةُ الكذب عليه ذريعةٌ إلى إبطال شرعه، وتحريف دينه، ومن أجل حديث علىّ والزبير هاب من سمع الحديث أن يُحدّثَ بكل (٢) ما سمع، وقد اعتذر الزبير لأنهما لم يذكرا فى حديثهما " متعمداً " ونحوه فى حديث سلمة بن الأكوع، وترخَّص (٣) من ترخَّص فى الرواية بذكره العمد فى حديث أبى هريرة وأنس والمغيرة بن شعبة، وكرهوا الإكثار توقياً وحذراً من الوقوع فى ذلك بغير قصد، وإن كان الخطأ والنسيان مما لا تُؤاخذ به هذه الأمة، لكن لشدة الأمر، وأنه ليس كغيره من الكذب كما قال- ﵇، وتحرّزاً أن يكون فى الإكثار ضرْبٌ من التفريط، والتكلف، وقلة التوقى، فيشبه العمد والقصد، ويقع فى حمى النهى فلا (٤) يُعذَر بالوهم، ولهذا ذمَّ الأئمةُ الإكثار ونَهوا عنه (٥)، وقل ما سلم مكثر من الطعن عليه مع ما فيه من التغرير بمن لا يميز الصحيح من السقيم، كما أشار إليه مسلم- ﵀ قبل هذا، مما يبين ما قلناه. قال الطحاوى: واختلاف هذه الأحاديث بزيادة لفظة الكذب أو نقصها لا يوجب اختلافاً (٦) فى معناها، وإنما هو على التأكيد كما يقال: رأيتُ ذلك بعينى وسمعتهُ بأذنى (٧).

стр. 108

(٣) باب النهى عن الحديث بكل ما سمع ٥ - (٥) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ". وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سُليْمانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ؛ قَال: قَال عُمَرُ بْنُ الخَطَابِ - رَضِىَ اللهُ تَعَالى عَنْهُ -: بِحَسْبِ المَرْءِ مِنَ الكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. ــ وقوله ﵇: " كفى بالمرء إثماً (١) أن يُحدّث بكل ما سمع " (٢)، قال الإمام: رواه شُعبة، عن خُبيب (٣) بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم؛ أن رسول الله ﷺ ... فأتى به مرْسلاً لم يذكر فيه أبا هريرة. هكذا روى من حديث معاذ [بن معاذ] (٤). وغندر وعبد الرحمن بن مهدى عن شعبة، وفى نسخة أبى العباس الرازى وحده فى هذا الإسناد عن شُعبة، عن خبيب، عن حفصٍ، عن أبى هريرة مسنداً ولا يثبت هذا، وقد أسنده مسلم بعد هذا من طريق على بن [حفص] (٥) المدائنى عن شعبة. قال على بن عمر الدارقطنى: والصواب مرسل عن شعبة، كما رواه معاذ وغندر وابن مهدى. قال القاضى: معناه: أن من حدَّث بكل ما سمع وفيه الحقُّ والباطل والصدق والكذب، نُقل عنه هو أيضاً ما حدَّث به من ذلك، فكان من جملة من يروى الكذب، وصار كاذباً

стр. 109

وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ سَرْحٍ قَال: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ؛ قَال: قَال لِى مَالِكٌ: اعْلمْ أَنَّهُ ليْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلا يَكُون إِمَامًا أَبَدًا، وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَال: بِحَسْبِ المَرْءِ مِنَ الكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِىٍّ يَقُولُ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ. ــ لروايته إيَّاه، وإن لم يتعمَّدُه، ولا عرف أنه كذب. وهو أقوى فى الحجة للأشعرية فى أنه لا يشترط فى الكذب العمدُ، من دليل خطاب الحديث المتقدَّم. وأما حديثه الآخر الذى ذكر مسلم أوَّل الفصل من حديث سمرة والمغيرة: " من حَدَّث عنى حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " فَبيّنُ المعنى، لأنه مُحدّثٌ عنه- ﵇ بما يقطع أو يغلبُ على ظنه باطله، والمحدّثُ بمثل هذا عنه مُفْتَرٍ عليه، وكمتعمد الكذب عليه، مرتكب لما نهى عنه فهو أحدُ الكاذبين. قال أبو جعفر الطحاوى: هو داخل فى وعيد الحديث فيمن كذب على النبى ﷺ (١). قال أبو عبد الله الحاكم: هذا وعيد للمحدّث إذا حدّثَ بما يعلم أنه كذبٌ وإن لم يكن هو الكاذب. قال القاضى: وكيف لا يكون كاذباً وهو داخل تحت حدّ الكاذب. وكلامه داخل تحت حدّ الكَذِب، والرواية فيه عندنا: " الكاذِبين " على الجمع.

стр. 110

وحدّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ؛ قَال: سَأَلنِى إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: إِنِّى أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ القُرْآنِ، فَاقْرَأْ عَلىَّ سُورَةً، وَفَسِّرْ حَتَّى انْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ. قَال فَفَعَلتُ. فَقَالَ لِىَ: احْفَظْ عَلىَّ مَا أَقُول لَكَ، إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِى الحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَلمَا حَمَلهَا أَحَدٌ إِلا ذَلَّ فِى نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِى حَدِيثِهِ. وَحَدّثَنِى أَبُو الطِّاهِرِ وَحَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِى يُونسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عبد الله بْنِ عُتْبَةَ؛ أَنَّ عَبدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَال: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلغُهُ عُقُولهُمْ، إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً. ــ وذكر قول إياس بن معاوية: " إنى أراكَ كلفْتَ (١) بهدا العلم "، ورويناه من طريق الطبرى: " عَلِقْتَ " لكن وقع عند الخشنى عنه بضم اللام، وهو وهم، وصوابه كسر اللام فى الحرفين، ومعنى " كَلِفْتَ " أى: ولِعت به (٢). حكاه صاحب العين. قال ابن دريد: كلِفَ بالشىء أحبَّه، وهو معنى علقْتَ أيضاً، والعلاقة الحبُّ، قال صاحب الأفعال: علق الشىء بالشىء والحبّ بالقلب، وعلقت أفعل كذا، أى: أدمته، كله بكسر اللام. وقوله: " إياك والشناعةَ فى الحديث " معناه: أن يأتى منه بما يُنكَرُ ويقبح (٣) الحديث عنه، يقال: شنَعتُ بالشىء، أى أنكرتُه- بكسر النون- وشَنُع الشىء- بضمها- قبُحَ وشَنَّعْتُ على الرجُلِ إذا ذكرت عنه قبيحاً (٤). حذَّره بهذا أن يُحدث بالأحاديث. المنكرة التى يشنع بها الحديث [وينكر ويقبح] (٥) على صاحبه فيُكذَّبُ ويُسْترابُ (٦) فتسقط منزلتُه، ويذل فى نفسه، كما قال فى آخر الخبر.
следующие страницы →