١٩٤ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّى الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ.
١٩٥ - (٦٢٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَقُتيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِى دَارِه بِالبَصْرَةِ، حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظُّهْرِ، وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ. فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ. قَالَ: فَصَلُّوا الْعَصْرَ. فَقُمْنَا فَصَلَّيْنَا، فَلَما انْصَرَفْنَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " تِلْكَ صَلاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَى الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً ".
ــ
وقوله: " كنا نصلى العصر ثم يخرج الإنسان إلى بنى عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر و [هم] (١) على ثلثى فرسخ من المدينة " وهذا يدل على تعجيل صلاتهم بالمدينة وصلاة أولئك وسط الوقت وقبل خروجه وضيقه، ولولا ذلك لم يكن فيه حجة. ولعلهم لما كانوا عمال حوائطهم كانت صلاتهم حينئذ عند فراغهم من عملهم واجتماعهم للصلاة وتأهبهم لها.
وهذه الأحاديث كلها فى تبكير صلاة العصر مع ما ذكر من غيرها مسلم حجة للجماعة فى أن وقتها القامة، وأن صلاتها لأول وقتها أفضل، وردٌّ على من خالفهم؛ إذ لو كانت القامتان - كما قال أبو حنيفة - لما اتفق أن يجدوا بنى عمرو يصلون إِلا فى الاصفرار، ولا وصلوا إلى قباء والعوالى إِلا بعد سقوط الشمس ونزولها وتغيرها، ولما صح ما جاء فى الحديث الآخر من نحر الجزور وقسمتها والفراغ منها وطبخها وأكلها نضيجاً قبل المغرب، والجزور لا تكون إِلا من الإبل والجزرة من غيرها.
وقوله: " تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان " (٢): الحديث ذم لفاعل هذا أو حجةٌ لمن يرى التأثيم بهذا التأخير، وردٌ على من أجاز تأخيرها لغير عذر إلى ذلك الوقت. ومعنى " قرنى الشيطان " هنا: يحتمل الحقيقة والمجاز، وإلى الحقيقة ذهب الداودى وغيره، ولا بُعد فيه، وقد جاءت آثارٌ مصرِّحةٌ بغروبها على قرنى الشيطان، وأنها تريد عند الغروب السجود لله فيأتى شيطان يصدها فتغرب بين قرنيه
стр. 1192
١٩٦ - (٦٢٣) وحدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِى مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّى الْعَصْرَ. فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِى صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرُ، وهَذِهِ صَلاةُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِى كُنَّا نُصَلِّى مَعَهُ.
١٩٧ - (٦٢٤) حدّثنا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ العَامِرِىُّ وَمُحَمَّد بْن سَلَمَةَ المُرَادِىُّ وَأَحْمَدُ ابْنُ عِيسَى - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ - أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ؛ أَنَّ مُوسَى بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِىَّ حَدَّثَهُ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا، وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا. قَالَ: " نَعَمْ "، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ، فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قُطِّعَتْ، ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا، ثُمَّ أَكَلْنَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ. وَقَالَ الْمُرَادِىُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، فِى هَذَا الْحَدِيث.
ــ
ويحرقه الله تعالى، وقد قيل: إن الشيطان حينئذ يجعلها بين قرنيه ليغالط نفسه فيمن يعبدها، ويسجد لها عند طلوعها وغروبها، وأنهم إنما يسجدون له، وقيل: قرنه: علوه وارتفاعه لهذا، وقيل: معناه المجاز والاتساع، وأن قرنى الشيطان أو قرنه الأمة التى تعبد الشمس وتطيعه فى الكفر بالله، وأنها لما كانت تسجد لها ويصلى من يعبدها من الكفار حينئذ نهى النبى ﷺ عن التشبيه بهم. ويعضد هذا التأول قوله فى بعض طرق الحديث: " فإنها تطلع على قرن الشيطان ويصلى لها الكفار " (١) وفى رواية: " [و] (٢) يسجد لها الكفار " (٣)، [وقيل: قرنه قوته وسلطانه وهو عبادة من عبدها حينئذ ممن أطاعه، وقال الحربى فيه: قرنا الشيطان ناحيتا رأسه، قال: وهذا مثل، أى حين تسلط الشيطان] (٤) وقيل: قرنه مقارنته، قال الخطابى: وقيل: هو تمثيل، أى أن تأخيرها لهم ودفعها عن
стр. 1193
١٩٨ - (٦٢٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ عَنْ أَبِى النَّجَاشِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّى الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ، فَتُقْسَمُ عَشَرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطْبَخُ، فَنَأَكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيب الشَّمْسِ.
١٩٩ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَنْحَرُ الْجَزُورَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَقُلْ: كُنَّا نُصَلِّى مَعَهُ.
ــ
وقتها بتزيين الشيطان كدفع ذوات القرون لما يدفعه.
وقوله: " تلك صلاة المنافقين " (١) ذم لفعلهم وتحذير من التشبه بهم بتأخير الصلاة لغير عذر إلى حينئذ، من اصفرار الشمس، وأن تعجيل الصلاة هو المشروع، وتأخيرها مذموم ممنوع.
وقوله: " فنقر (٢) أربعًا لا يذكر الله فيها إِلا قليلاً ": ذمٌ لمن صلى هذه الصلاة ولم يخشع، ولا اطمأن فيها. وعبّر بنقره لها عن سرعة حركاته فى الصلاة فى ركوعه وسجوده؛ تشبيهًا لنقر الطائر فى الشىء بسرعة دون توان، وقد يكون قلة ذكره فيها بلسانه لسرعتها أو بقلبه لقلة خشوعه. وفى صلاة أنس العصر حين انصرافهم من صلاة الظهر مع عمر بن عبد العزيز ما يدل أن معنى حديث عروة معه تأخير عمر الصلوات إلى آخر أوقاتها المختارة وهى كانت عادة بنى أمية، ويحتمل أن هذا كان منه على غير مداومة إما لما شغله من أمور المسلمين أو غير ذلك، وعليه يدل قوله: " أخّر الصلاة يومًا "، وفيه حجة على توسعة الأمر على هذه الأمة ألا ترى أن أنسًا لم ينكر ذلك الفعل، وإنما احتج على أن المبادرة بأول الوقت أولى وذم من صلى بعد خروجه.
стр. 1194
(٣٥) باب التغليظ فى تفويت صلاة العصر
٢٠٠ - (٦٢٦) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الَّذِى تفُوتُهُ صَلاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ ".
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَفَعَهُ.
٢٠١ - (...) وحدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ - واللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شَهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ
ــ
قال الإمام: وقوله: " الذى تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله ": أى نقص، يقال: وترتُه: أى نقصته، قال أبو بكر: وفيه قول آخر، وهو: أن الوِتر أصله الجناية التى يجنيها الرجل على الرجل من قتل حميمه وأخذ ماله.
قال القاضى: روى عن مالك أن معناه: انُتزعوا منه، وعلى هذا التفسير يكون أهله وماله مرفوعين على ما لم يسم فاعله، وعلى التفاسير الأُخر منصوبين على المفعول الثانِى وهو الذى ضبطناه عن جماعة شيوخنا. قال الخطابى: أى نقص وسلب فبقى وتراً بلا أهل ولا مالٍ فليحذر من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله، وقال أبو عمرو: معناه عند أهل الفقه واللغة: الذى يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وتراً تجمع عليه غم المصايب وغم مقاساة طلب الوتر، وقال الداودى: معناه: يجب عليه من الاسترجاع ما يجب على من وتر أهله وماله؛ لأنه أتى كبيرة يجب عليه الندم والأسف عليها، وهذا يأتى على تركها عامدًا. وقيل: فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف عليه ما يلحق من وتر أهله وماله، قال الباجى: ويحتمل أن يريد وتر دون ثواب يُدَّخَر له، فيكون ما فات هذا من ثواب الصلاة كما فات هذا الموتور.
وقد اختلف فى معنى الفوات فى هذا الحديث، فذهب ابن وهب وغيره إلى أنه لمن لم يصلها فى الوقت المختار، وقاله الداودى، وقيل: فواتها بغروب الشمس، وإليه نحا سحنون، وقاله الأصيلى، وقيل: حتى تصفرَّ، وقد ورد مفسرًا من رواية الأوزاعى فى
стр. 1195
رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ ".
٢٠٢ - (٦٢٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِىٍّ؛ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَاب قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا حَبَسُونَا وَشَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ ".
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
ــ
الحديث، قال فيه: وفواتها أن يدخل الشمسَ صفرةٌ وروى عن مسلم (١): ذلك فى الناسى، وعلى قول الداودى: ذلك فى العامد، قال أبو عمر: يحتمل أن جوابه فيه على سؤال سائل، فعلى هذا يكون حكم من فاتته الصبح حتى طلعت الشمس والعشاء حتى طلع الفجر مثله، وخصّ صلاة العصر لهذه القضية لكونها مشهودة، ومعهدًا لتعاقب ملائكة الليل والنهار، وحض على المثابرة عليها، لأنها فى وقت جهد الناس فى أعمالهم وحرصهم على قضاء أغراضهم وتسويفهم لصلاتها إلى تمام انشغالهم.
وفى حديث البخارى: " من ترك صلاة العصر حبط عمله " (٢). قال محمد بن أبى صفرة: ذكره لصلاة العصر بما تقدم فى الحديث يتناول (٣) من فاتته صلاة الفجر لكونها مشهودتين، ولحض النبى ﵇ عليهما خصوصًا. وقال الداودى: نصه بالحبط لعمل تارك العصر غير تخصيص لها بل ذلك بحُكم غيرها من الصلوات، ويأتى الكلام على معنى " حبط " إن شاء اللَّه.
стр. 1196
(٣٦) باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هى صلاة العصر
٢٠٣ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى حَسَّانَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِىِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يَوْمَ الأَحْزَابِ: " شَغَلُونَا عَنْ صَلاةِ الْوُسْطَى حَتَّى آبَتِ الشَّمْسُ، مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ نَارًا - أَوْ بَيُوتَهُمْ أَوْ بُطُونَهُمْ " شَكَّ شُعْبَةُ فِى الْبُيُوتِ وَالْبُطُونِ.
ــ
وقوله ﷺ : " شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس " وفى الرواية الأخرى: " حتى غابت " ومعناه: سارت للغروب، والتأويب سير النهار، ويكون " آبت " بمعنى بعدت، وهو فى هذا الموضع رجوع إلى مكانها بالليل، قاله الحربى.
قال الإمام: هذا فيه حجةٌ لمن يقول: إنها العصر، وقد اختلف الناس فى قوله تعالى: ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) ما المراد به؟ فقيل: الجمعة، وقيل: بل الصلوات الخمس كلها، وقال آخرون: بل الوسطى صلاة من الخمس. واختلفوا فى عينها، فقال مالك: هى الصبح، ووافقه ابن عباس (٢) وقال زيد بن ثابت: هى الظهر، وقال أبو حنيفة والشافعى: هى العصر، ووافقهما على بن أبى طالب (٣) - رضى الله عنه - وقال قبيصة ابن ذؤيب: هى المغرب، وقال غيره: هى العتمة.
وأما من قال: هى الجمعة، فإنه ضعيف؛ لأن المفهوم أن الإيصاء المحافظة عليها للمشقة، والجمعة صلاة واحدة فى سبعة أيام فلا يلحق فى حضورها مشقة فى الغالب، وكذلك يضعف قول من قال: إن ذلك جميع الصلوات؛ لأن أهل الفصاحة لا يذكرون شيئاً مفصلاً ثم يشيرون إليه مجملاً، وقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ فصرح بذكرها، وإنما يجمل الفصحاء الشىء ثم يصرحون به بعد ذلك. وأما وجه الأقوال الأخر فإنا نقول: ذِكْر الوسطى إما أن يراد به التوسط فى الركوع والسجود، أو فى العدد، أو فى الزمان، فأما الركوع والسجود فإن حكم الصلوات فيهما واحد، فهذا القسم لا يراعى الاتفاق عليه، وأما القسمان الآخران فإن راعينا منهما العدد أدى إلى مذهب قبيصة بن ذؤيب، فى أنها المغرب؛ لأن (٤) أكثر أعداد الصلوات أربع ركعات وأقلها اثنتان وأوسطها
стр. 1197
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَاَدَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ " وَلَمْ يَشُكَّ.
ــ
ثلاثه، فهى المغرب التى قال، وإن راعينا (١) الأوسط من الأزمان كان الأبين [أن الصحيح أحد القولين إما الصبح أو العصر، فأما الصبح فإنا إذا قلنا] (٢): إن ما بين الفجر إلى طلوع الشمس ليس من النهار ولا من الليل كانت هى الوسطى؛ لأن الظهر والعصر من النهار قطعًا، والمغرب والعشاء من الليل قطعًا، وبقى وقت الصبح مشتركًا، فهو وسط بين الوقتين.
وعلى القول بأن ذلك الزمان من النهار يكون الأظهر أن الوسطى العصر؛ لأن الصبح والظهر سابقتان للعصر والمغرب والعشاء متأخران عن العصر، فهى إذاً وسط بينهما، وقد احتج أصحابنا للقول بأنها الصبح بالمشقة اللاحقة إتيانها، وأنه زمن يصعب على الإنسان القيام فيه من النوم فى الشتاء بالدِّثار، والصيف من طيب الهواء، وقال من ذهب إلى أنها العصر: فإنها كانت أيضاً تأتى فى وقت أسواقهم واشتغالهم بمعايشهم، وكان إتيانها أيضًا يشق عليهم، وكذا أمرها لئلا يشتغل عنها، وقد نبه الله سبحانه على أن البيع من أعظم ما يشغل عن الصلاة فقال جل وعز: ﴿وَذَرُوا الْبَيْع﴾ (٣)، واحتجوا أيضًا لكونها العصر بالحديث [المبدوء به] (٤) وهو قوله ﵇: " شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس "، وهذا يدل أنها العصر.
فإن قيل: ففى الكتاب فى حديث شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال: نزلت هذا الآية: " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله ، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾، فقال رجل: هى إذن صلاة العصرِ، فقال له البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله سبحانه والله أعلم. فهذا القول قد أخبر فيه بنسخ أنها العصر، فإنما يحتمل أن يكون إنما نسخ النطق بلفظة العصر، ألا ترى إشارة البراء إلى الاحتمال قوله: " والله أعلم "، ويؤيد ما قلناه - من أن أرجح الأقوال قول من زعم أنها الصبح أو العصر - قوله ﷺ فى الحديث الآخر: " من صلى البَرْدَين دخل الجنة " (٥) قيل: المراد بهما الصبح والعصر قال يعقوب: البردان الغذاة والعشى، وهما الأبردان والقرتان، والكرَّتان والعَصْران، والصَّرعان، والرِدفان والفيتَّان (٦).
قال القاضى: القرتان بفتح القاف كذا ضبطنا هذا فى كتاب يعقوب عن مشايخنا فى هذا الباب وزاد البردان أيضًا، وسُمِّيا بذلك لبرد هوائهما، بخلاف ما بينهما من النهار،
стр. 1198
٢٠٤ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِىٍّ. ح وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى، سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، يَوْمَ الأَحْزَابِ، وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فُرْضَةٍ مِنْ فُرَضِ الْخَنْدَقِ: " شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ قَالَ: قُبُورَهُمْ
ــ
وجاء فى كتاب مسلم فى حديث مُرَّة عن عبد الله: " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " مُبَيَّنًا، وأما ما جاء فى رواية البراء فلم يروه إِلا " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " بإثبات الواو. قال الإمام أبو القاسم الطبرى قوله: " الصلوات " يدل على المعهودات وذكره الوسطى يدل على تأكيدها ولا تبين [الوسطى] (١) إِلا إذا بانت الأولى والأخرى، قال: وذكره هنا الوسطى يقتضى إخراج الوتر من الواجبات، فإن الوسطى إنما تدور (٢) فى عدد الوتر فإذا أخذتها بقيت أربعة، اثنان قبل واثنان بعد، ولو كانت الوتر واجبة كانت ستًا ولا تكون واحدة منها وسطى فى الإيجاب (٣).
وقوله فى الحديث: " على فُرْضةٍ من فُرَض الخندق " بضم الفاء، وهى الداخل إليه وأصلها المشارع إلى المياه.
وقوله فى رواية أبى حسان: عن عَبيدة بفتح العين (٤) عن علىٍّ: " شغلونا عن صلاة الوسطى " على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه: أى عن صلاة الصلاة الوسطى، فصلاة هنا مصدر أو تكون اسمًا مضافة إلى نفسها (٥) على رأى الكوفيين من النحاة، وفى سنده: حدثنا ابن أبى شيبة، ثنا أبو أسامة عن هشام، عن محمد عن عبيدة، كذا لهم. ومحمد هو ابن سيرين وعند ابن أبى جعفر عن محمد بن عُبيدة وهو وَهْم، وهو عَبيدة السليمانى بفتح العين. وقوله فى حديث النبى ﷺ هنا: " حتى غابت الشمس " وفى حديث عمر (٦): " ما كدت أن أصلى العصر حتى كاد أن تغرب الشمس " (٧) ليس فيه
стр. 1199
وَبُطُونَهُمْ - نَارًا ".
٢٠٥ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ، عَنْ عَلِىٍّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: " شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى صَلاةِ الْعَصْرِ، مَلأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا " ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
٢٠٦ - (٦٢٨) وحدّثنا عَوْنُ بْنُ سَلامٍ الْكُوفِىُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ الْيَامِىُّ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلاةِ الْعَصْرِ،
ــ
خلاف؛ لأن النبى ﷺ قال له حينئذ: " فوالله إن صليتها " ثم ذكر أنه توضأ وصلى [بعد ما] (١) غربت فجاء أن صلاة عمر كانت قبل المغيب وقد كادت، وظاهر إعلامه النبى ﷺ أنه بعد المغيب؛ لأنه أخبره عن حال القضاء بقوله: " حتى كادت "، وحينئذ تذكرها النبى ﵇ فصلاها بعد الغروب كما جاء مفسراً، وقسمه هنا ﵇ أنه ما صلاها قيل: لِفَرَطِ أَسَفِه على تركها حينئذ.
وقوله: " شغلونا ": ظاهره أنه أُنسيها لشغله بالعدو، أو يكون أخَّرها للشغل بذلك قصداً، وأن صلاة الخوف ناسخٌ لهذا (٢)، وقيل: إن الذى أخر أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء (٣)، وفى الموطأ: الظهر والعصر (٤)، وأنه أُنسى ذكرها بالتحرر عن العدو والشغل به، وظاهره أن صلاة الخوف لم تكن شُرعت بعد على ظاهر هذا الحديث وإنما أمر بها وشُرعت فى غزوة ذات الرقاع على ما نذكره، وذهب مكحول والشاميون إلى تأخير صلاة الخوف إذا لم يتمكن أداؤها معه إلى وقت الأمن (٥)،
стр. 1200
حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ أَوِ اصْفَرَّت، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى صَلاةِ الْعَصْرِ، مَلأَ اللهُ أَجْوَافَهُمْ وَقبُورَهُمْ نَارًا " أَوْ قَالَ: " حَشَا اللهُ أَجْوَافَهُمْ وَقبُورَهُمْ نَارًا ".
٢٠٧ - (٦٢٩) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلِى مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِى يُوُنسَ مَوْلَى عَائِشَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنْ أُكْتبَ لَهَا مُصْحَفًا. وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فآذِنِّى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) فَلَمَّا بَلغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ عَلَىَّ: " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاةِ الْعَصْرِ، وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ " قَالتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٢٠٨ - (٦٣٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْن مَرْزُوقٍ عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِه الآيَةُ: " حَافِظُوا عَلِى الصَّلَوَاتِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ "، فَقَرَأنَاهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ: هِىَ إِذَنْ صَلاةُ الْعَصْرِ. فَقَالَ الْبَرَاءُ: قُدْ أَخْبَرْتكَ كَيْفَ نَزَلَتْ وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَاهُ الأَشْجَعِىُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ شَقِيقِ ابْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. قَالَ: قَرَأنَاهَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ زَمَانًا. بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلِ ابْنِ مَرْزُوقٍ.
ــ
والصحيح والذى عليه الجمهور: صلاتها على سنتها إذا أمكن، فإن لم يستطع فبحسب قدرته، ولا يؤخرها، وسيأتى بيان ذلك والخلاف فيه فى بابه. وقيل: فيه وجه آخر: أن يكونوا على غير وضوء فلم يمكنهم ترك ما هم فيه للوضوء أو التيمم، ولا الصلاة دون طهارة وقد مرت هذه المسألة فى الوضوء. وظاهر قوله: " فتوضأنا وصلى رسول الله ﷺ " (٢) أنه صلاها فى جماعة ولا خلاف بين العلماء فى جواز التجميع للفوائت، إِلا ما روى عن الليث من منع ذلك.
وقوله: " ثم صلى بعدها المغرب ": أصل فى هذا الباب، وأجمع العلماء على الاستدلال به فيمن فاتته صلوات وأيقن أنه يقضيها ويُصلى التى حضرت قبل فوات وقتها، أنه يبدأ بالمنسيّة، واختلفوا إذا خشى فواتها، فذهب الحسن وابن المسيب وفقهاء أصحاب الحديث وأصحاب الرأى والشافعى إلى أنه يبدأ بما حضر، وقال مالك والليث والزهرى
стр. 1201
٢٠٩ - (٦٣١) وحدّثنى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، قَالَ: حَدثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَوْمَ الْخَنْدَقِ، جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّىَ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَوَاللهِ، إِنْ صَلَّيْتُهَا " فَنَزَلْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَوَضَّأنَا. فَصَلَّىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ - عَنْ عَلِىِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ.
ــ
فى آخرين: يبدأ بما ذكر، ولا خلاف عند جميعهم فيما كثر جداً أنه يبدأ بما حضر، واختلف هؤلاء فى خمس صلوات ونحوها، هل حكمها حكم الصلاة الواحدة والاثنتين؟ أم حكم الكثير؟ ومالك يرى ما دون الخمس قليل (١)، وما فوق الخمس كثيرٌ (٢)، واختلف عنه فى الخمس لكونها صلاة يوم، هل هى من القليل أو الكثير؟ وفى حديث محمد بن المثنى: ثنا ابن أبى عدى، عن سعيد عن قتادة كذا ضبطناه عن الصدفى والأسدى، وكذا فى أكثر النسخ، وضبطناه عن ابن أبى جعفر عن شعبة عن قتادة ووقعا معًا فى كثير من الأصول، وكلاهما إن شاء الله صحيح، أما شعبة عن قتادة فقد ذكره مسلم قبل هذا فى الحديث نفسه، وأما سعيد فهو ابن أبى عروبة، وكلاهما من أصحاب قتادة، وجاء من المشكل فى هذا الموضع يحيى بن الجزار بالجيم وتقديم الزاى (٣) وشُتير بضم الشين المعجمة وفتح التاء، باثنتين من فوقها ابن شكل، بفتح الشين المعجمة وفتح الكاف، ومسلم بن صُبَيح، بضم الصاد، وبُطحان، بضم الباء وسكون الطاء، كذا ضبطناه فى الأم، وهو واد بالمدينة. وكذا يقوله المحدثون، وقيدوه فى التاريخ بطحان، بفتح الباء وكسر الطاء، وهو صوابه عند أهل اللغة، قال البكرى: ولا يجوز غيره.
стр. 1202
(٣٧) باب فضل صلاتى الصبح والعصر والمحافظة عليهما
٢١٠ - (٦٣٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ باللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِى صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِى؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ".
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " وَالْمَلائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ " بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى الزِّنَادِ.
٢١١ - (٦٣٣) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ، أَخْبَرَنَا
ــ
وقوله: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار ": الحديث، فيه حجة لمن صحح إظهار ضمير الجمع والتثنية من النحاة فى الفعل إذا تقدم، وحكوا فيها قول من قال من العرب - وهم بنو الحارث: أكلونى البراغيث، وعليه حمل الأخفش قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِين ظَلَمُوا﴾ (١)، وأكثر النحاة يأتون هذا من إظهار الضمير وهو مذهب سيبويه، ويتأولون هذا ومثله، ويجعلون الاسم بعد بدلاً من الضمير ولا يرفعونه بالفعل كأنه لما [قال] (٢): ﴿وَأَسَرُّوا﴾: قال: من هم؟ قال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ومعنى " يتعاقبون ": أى يأتى طائفة بعد أخرى، ومنه: تعقيب الجيوش، وهو أن يُبعثَ قومٌ ويأتى آخرون، وسؤال الله لهم على ظاهره، والله أعلم بهم، تعبد منه تعالى للملائكة، كما أمرهم أن يكتبوا أعمالهم وهو أعلم بالجميع، ويحتمل أن يكون هؤلاء [هم] (٣) الحفظة الكُتّاب، وأن ذلك مما يخص كل إنسان، وعليه حمله الأكثرون، وهو الأظهر، وقيل: يحتمل أن يكون من جملة الملائكة لجملة الناس.
стр. 1203
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبى حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ وَهُوَ يَقُولُ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيَلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: " أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لا تُضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ ألا تُغْلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا " يَعْنِى الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ. ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ: ﴿وَسَبِّح بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُروُبِهَا﴾ (١).
٢١٢ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ وَوَكِيعٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: " أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ فَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ " وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ. وَلَمْ يَقُلْ: جَرِيرٌ.
٢١٣ - (٦٣٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِى خَالِدٍ ومِسْعَرٍ وَالْبَخْتَرِىِّ بْنِ الْمُخْتَارِ، سَمِعُوهُ منْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ
ــ
وقوله: " يجتمعون (٢) فى صلاة الفجر وصلاة العصر " لطف من الله تعالى بعباده المؤمنين وتكرمة لهم، أن جعل اجتماعهم عندهم وورودهم عليهم ومفارقتهم لهم فى أوقات عباداتهم، ليكون شهادتهُم لهم بأحسن الشهادة (٣) وثناؤهم عليهم أطيب ثناء، وقد زاد هؤلاء فى هذا الحديث على من روى الاجتماع فى صلاة الصبح فقط، وعضده بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٤)، فقد تبين فى هذا الحديث أن الاجتماع فى وقتين واختصاصهم بالشهادة لهم بالصلاة التى وجدوهم عليها من دون سائر أعمال الإيمان دليل على فضل الصلاة على سائر الأعمال والقُرب.
وقوله: " لا تُضامُّونَ فى رؤيته " تقدم الكلام عليه.
وقوله: " فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ": يعنى العصر والفجر ثم قرأ (٥): ﴿وَسبّح بِحمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُروُبِهَا﴾ كذا
стр. 1204
يَقُولُ: " لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا " يَعْنِى الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِّى سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى.
٢١٤ - (...) وحدّثنى يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، عَنْ أبيهِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَلِجُ النَّارَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا " وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البصْرَةِ، فَقَالَ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا منَ النَّبِىِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. أَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ، لَقَدْ سَمِعْت النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُهُ بِالْمَكَانِ الَّذِى سَمِعْتَهُ مِنْهُ.
٢١٥ - (٦٣٥) وحدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِى أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِىُّ عَنْ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ".
(...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِىِّ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَنَسَبَا أَبَا بَكْرٍ فَقَالا: ابْنُ أَبِى مُوسَى.
ــ
وقعت مفسرة فى هذا الحديث من رواية جرير بن عبد الله وكذلك ذكر أيضاً (١) معناه من رواية عمارة بن رؤيبة وقال: " لَنْ يلجَ النارَ من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " (٢) يعنى: الفجر والعصر، وهو معنى الحديث الآخر عنه: " من صلى البَرْدين دخل الجنة " قال المُهَلِّبُ (٣): "ومعنى لا تُغلبوا ": أى على شهودها فى الجماعة.
стр. 1205
(٣٨) باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس
٢١٦ - (٦٣٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ.
٢١٧ - (٦٣٧) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى أَبُو النَّجَاشِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَديجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلى الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.
(...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِىُّ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى أَبُو النَّجَاشِىِّ، حَدَّثَنِى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّى الْمَغْرِبَ، بِنَحْوِهِ.
ــ
وقوله فى صلاة المغرب: " إذا توارت بالحجاب " (١) الحجاب الستر، وكل ما ستر فهو حجاب. وقيل: حجاب الشمس: ضوؤها، فيكون على هذا تواريها بجملة قرصها وشعاعها، وهذا وما ذكره من الآثار تدل على مثابرته ﵇ وأمره بالمبادرة إليها، وقد تقدم الكلام في هذا، وما ذكره من تأخير رسول الله ﷺ للعشاء فيه حجة للحنفية ولأحد القولين فى أَنَّ الأفضل تأخيرها، وإنما يُحمل على أنه كان فى بعض الأوقات، وهو ظاهر الحديث، لقوله: " ليلة من الليالى [أو] (٢) ذات ليلة، فدل أنها لم تكن عادته، بل لأمرٍ، كما قال ابن عمر فى الحديث: " ولا أدرى أشىء شغله فى أهله أو غير ذلك "، وقول أبى موسى: " وله بعض الشغل فى أمره " وفى بعض الحديث: " أنه جهز جيشاً " (٣)، وفى مسلم: " فخرج ورأسه يقطر ماء " ولعله ﵇ أخَّرَها قصدًا ليبين لهم بالفعل جواز ذلك " لأنه (٤) الأفضل أو لنوم غلبه، أو لشغل من شغل المسلمين، وكان الغسل قد لزمه قبل ذلك أو قبل دخول وقتها لا أنه أخرها بسبب موجبه مجرداً، وإنما كان تأخيره لها المعهود ما قال فى حديث جابر: " وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئاً " (٧).
стр. 1206
(٣٩) باب وقت العشاء وتأخيرها
٢١٨ - (٦٣٨) وحدّثنا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِىُّ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى بِصَلاةِ الْعِشَاءِ، وَهِىَ الَّتِى تُدْعَى الْعَتَمَةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لأَهلِ الْمَسْجِدِ حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: " مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ "، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلامُ فِى النَّاسِ. زَادَ حَرْمَلَةُ فِى رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَذُكِرَ لِى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تَنْزُرُوا رَسُول اللهِ ﷺ عَلَى الصَّلاةِ " وَذَاكَ حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
(...) وحدّثنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الزُّهْرِىِّ: وَذُكِرَ لِى، وَمَا بَعْدهُ.
٢١٩ - (...) حدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كِلاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَرٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالُوا
ــ
وقوله: "وما كان لكم أن تبرزوا رسول الله ﷺ للصلاة (١) " كذا للرازى بالباء وتقديم الراء وضم الباء أولاً (٢)، وعند ابن سعيد وابن الحذاء والطبرى: " تنزروا " بالنون وتقديم الزاى وفتح التَاء أولاً، وهو الصحيح إن شاء الله، ومعناه: الإلحاح عليه فى الخروج: للصلاة ويدل عليه قوله فى الحديث بعد هذا: " وذلك (٣) حين صاح عمر ابن الخطاب " وفى الحديث الآخر: " فقال عمر: الصلاة "، وتذكير عمر له ظن أنه بما شُغل به سها عن وقتها ولم يعذره لشغله فذكَّره به، ويدل أنه لم يؤخرها عن وقت الاختيار قوله فى الحديث من رواية أنس: " إلى شطر الليل أو كاد يذهب شطر الليل "، هو مثل قول ابن عمر فى الحديث: "حين ذهب ثلث الليل " (٤)، وهو تفسير قول عائشة فى حديثها: " حتى ذهب عامة الليل ".
стр. 1207
جَمِيعًا: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِىُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ: " إِنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى " وَفِى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: " لَوْلا أَنَّ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى ".
٢٢٠ - (٦٣٩) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لصَلاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلا نَدْرِى أَشَىْءٌ شَغَلَهُ فِى أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: " إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِى لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ "، ثمَّ أَمَرَ المُؤَّذنَ فَأَقَامَ الصَّلاةَ وَصَلَّى.
٢٢١ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى نَافِعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ؛ أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا، حَتَّى رَقَدْنَا فِى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
ــ
وقوله: " إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتى ": دليل على جواز صلاتها قبل ذلك، وأن صلاته ﵇ فى الغالب كانت على خلاف هذا من أنه لا يؤخرها، كما قال فى الباب فى حديث جابر بن سمرة: " وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئاً ". قال الخطابى: إنما اختار لهم التأخير ليقل حظُّ النوم وتطول مدة انتظار الصلاة، فيكثر أجرهم لقوله: " إنَّ أَحدَكم فى صلاة ما دام ينتظر الصلاة " (١) قال غيره من الحكماء: إن أكثر النوم المحمود مقدار ثمانى ساعات بين اليوم والليلة.
رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: " عَلَى رِسْلِكمْ، أُعْلِمُكُمْ، وَأَبْشِرُوا، أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ، يُصَلِّى هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ " أَوْ قَالَ: " مَا صَلَّى، هَذِهِ السَّاعَةَ، أَحَدٌ غَيْرُكُمْ " - لا نَدْرِى أَىَّ الْكَلِمَتَيْنَ قَالَ - قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَرحِينَ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٢٢٥ - (٦٤٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَىُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أُصَلِّىَ الْعِشَاءَ، الَّتِى يَقُولُهَا النَّاسُ الْعَتَمَةَ، إِمَامًا وَخِلْوًا؟ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَعْتَمَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ الْعِشَاءَ. قَالَ: حَتَّى رَقَدَ نَاسٌ وَاسْتَيْقَظوا، وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا. فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: الصَّلاةَ.
ــ
وقوله: " من فضة ": دليل على جواز اتخاذ الرجل خواتم الفضة، وسيأتى الكلام على هذا فى موضعه.
وقوله: " كان يتناوب رسول الله ﷺ فرقة منهم كل ليلة " (١): أى يأتون عن بُعد إليه نوباً وأوقاتاً متفرقين غير مجتمعين وأصل النوْب: البعد ليس بالكثير، والانتياب مثله، وذلك فيما يكون على فرسخين أو ثلاثة، وقيل: يتناوب: يتداول، وفى الباب: ثنا (٢) عبد الله بن الصباح العطار، وحدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفى كذا لهم، وعند ابن أبى جعفر لابن ماهان ابن عبد الحميد، وهو وَهْم والأول الصواب، وهو مشهور، بصرى، كنيته أبو على (٣).
قال الإمام: وقوله: " ابهارّ الليل ": أى انتصف، وبُهرة كل شىء، وسطه. قال أبو سعيد الضرير: ابهرار الليل: أى (٤) نجومه إذا تتامت؛ لأن الليل إذا أقبل أقبلت فحمته، وإذا استنارت النجوم ذهبت تلك الفحمة.
قال القاضى: وقيل: ابهار الليل: ذهب عامته، وبقى نحوٌ من ثلثه. وابهَّار الليل: طال، وقال أبو سعيد الضرير: وذلك قبل أن ينتصف، والباهر الممتلئ نوراً، قال سيبويه: ولا يتكلم بإبهار إِلا مزيداً، وقد صحفه بعض الشارحين تصحيفًا قبيحًا فقاله بالنون، قال: ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (٥) عصمنا الله برحمته وتوفيقه.
стр. 1210
فَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنَ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى شِقِّ رَأسِهِ، قَالَ: " لَولا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا كَذَلِكَ ".
قَالَ: فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً كَيْفَ وَضَعَ النَّبِىُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لِى عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطرَافَ أَصَابِعِهِ عَلى قَرْنِ الرَّأسِ. ثُمَّ صَبَّهَا، يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأسِ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِى الْوَجْهَ، ثُمَّ عَلَى الصُّدْغِ وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لا يُقَصرُ وَلا يَبْطِشُ بشَىءٍ إِلا كَذَلِكَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ ذُكِرَ لَكَ أَخَّرَهَا النَّبِىُّ ﷺ لَيْلَتَئِذٍ؟ قَالَ: لا أَدْرِى. قَالَ عَطَاءٌ: أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ أُصَلَّيَهَا، إمَامًا وَخِلْوًا، مُؤَخَّرَةً، كَمَا صَلاهَا النَّبِىُّ ﷺ لَيْلَتَئِذٍ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ خِلْوًا أَوْ عَلَى النَّاسِ فِى الْجَمَاعَةِ، وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ فَصَلِّهَا وَسَطًا، لا مُعَجَّلَةً وَلا مُؤَخَّرَةً.
٢٢٦ - (٦٤٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ
ــ
وقوله: " أعتم بالصلاة " (١): أى أبطأ وأخَّرها حتى كانت عتمة الليل، وهى ظلمته، وبه سُميت العشاء الآخرة عتمة.
وقوله: " على رِسْلكم " بكسر الراء، ويقال: بفتحها، أى على لين من قولكم وتمهل وقلة عجلة، والرِسل الترسل والترسيل اللين من القول.
وقوله: " فخرج رسول الله ﷺ كأنى أنظر إليه يقطر رأسه [ماء] (٢) " بيّن أنه إنما أخرَّها لعذر طرأ عليه، ووصفه وضع أطراف أصابعه على قرن رأسه فقال: " ثم صبَّها [يمرها كذلك على الرأس] (٣) " الحديث صفة عصر الماء من الشعر باليد، كذا روايتنا هنا فيه لكافتهم وعند العُذرى: [ثم] (٤) قلبها، ورواه البخارى (٥) ضمها، والأول الصواب بدليل لفظ الحديث.
وقوله: " ثُمَّ على الصُّدْغِ وناحية اللحية لا يُعصر ولا يَبْطُش "، وفى البخارى: " لا يعْصِرُ ولا يبطش " (٦)، فقوله: " لا يعصر " لا يُضادِ ما تقدم، ولعله أراد لا يعصرُه، أى يجمع شعره فى يده بل يشد أصابعه عليه لا غير، وقال بعضهم: معناه: " لا يبطئ " مقابلة لقوله: " ولا يبطش "، وقول مسلم: " لا يُقَصِّر ": أى عن فعله ذلك من إمرار
стр. 1211
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ - عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤَخِّرُ صَلاةَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ.
٢٢٧ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِر بْنِ سَمُرَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلاتِكُمْ. وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلاةَ. وَفِى رِوَايَةِ أَبِى كَامِلٍ: يُخَفِّفُ.
٢٢٨ - (٦٤٤) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَ زهُيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِى لَبِيد، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا تَغْلبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاتِكُمْ، أَلا إِنَّها الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِبِلِ ".
ــ
أصابعه عليه ممهلاً دون بطش، وقد يصح رواية: " ثم قلبها ": أى أمالها إلى جهة الوجه واللحية بمعنى صبها، لا (١) أنه قلب ظهرها لبطنها. واحتجاج عطاء بالحديث فى استحباب صلاتها إماماً وخلْواً مؤخرة ما لم يشق أخذاً بظاهر الحديث، ولكن أمره ﵇ الأمة بالتخفيف يقضى على هذا الاختيار، وإن كان عطاء علقه بالمشقة، ولما حكى فى هذا الحديث من رواية الطبرى: " لولا ضعف الضعيف وبكاء الصغير " ومعنى " خِلْواً ": منفرداً بكسر الخاء، ونهى النبى ﷺ عن اتباع الأعراب فى تسمية العشاء العتمة لما بينه فى الحديث بقوله: " فإنها فى كتاب الله العشاء " فتسميتها بما سماها الله فى قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاء﴾ (٢) أحسن وأولى مما تسميها به جهلة الأعراب، وقد جاء فى الحديث الآخر: " لو يعلمون ما فى العتمة والصبح [لأتوهما ولو حبواً] (٣) " فقوله هذا يدل أن نهيه ليس نهى تحريم، وإنما هو نهى أدب وفضيلة، ويحتمل أن تسميته لها ﵇ بهذا ليعم بفهمه من يسميها عتمة وغيرهم، إذ مقصده البيان والعموم، فلذلك عدل هنا عن اللفظ الأفضل والأولى عنده.
وقد اختلف السلف فى هذا فأباح تسميتها بذلك أبو بكر الصديق وابن عباس وقد مرّ فى باب الأذان من هذا وفى تسمية المغرب عشاء وما فيه.
стр. 1212
٢٢٩ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِى لَبِيدٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . " لا تَغْلِبَنكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاتِكُمُ الْعِشَاءِ فَإِنَّهَا فِى كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ، وِإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلابِ الإِبِلِ ".
ــ
وقوله: " ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم " وفى الرواية الأخرى: " يصلى هذه الساعة " وفى البخارى: " هذه الصلاة " (١) يفسر هذا كله قوله فى الحديث الآخر فى الأم: " ما ينتظرها أهل دين غيركم " وقوله فى البخارى: " ولا يصلى يومئذ إِلا بالمدينة " (٢) وهذا يرد قول من قال: إنما أراد من يصليها جماعة غيركم.
وقوله: " إنكم فى صلاة ما انتظرتموها " (٣): أى فى عمل تثابون عليه كما يثاب المصلى؛ لأن انتظارها والنيَّة لعملها وترك ملاذ النفوس لذلك كمن هو فى صلاة.
وقوله: " نام النساء والصبيان " يحتمل ممن حضر المسجد لانتظار الصلاة فغلبه النوم، ويحتمل أنه يريد: ناموا فى منازلهم ولم يمكنهم انتظار رجالهم لبطئهم، ولعلهم ناموا دون عشاءٍ لذلك.
стр. 1213
(٤٠) باب استحباب التبكير بالصبح فى أول وقتها وهو التغليس. وبيان قدر القراءة فيها
٢٣٠ - (٦٤٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُييْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، لا يَعْرِفِهُنَّ أَحَدٌ.
ــ
وقوله: " أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح ": الحديث على إضافة الشىء إلى نفسه (١)، وقيل: إن " نساء " هنا بمعنى فاضلات النساء المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أى مقدموهم وفضلاؤهم، وقيل: معناه: نساء الأنفس المؤمنات، وقيل: نساء الجماعات المؤمنات، وكله بمعنى.
وقوله: " متلفعاتٍ بمروطهن "، قال الإمام: معناه: مُتَجَلّلاتٍ بأكسيتهن، واحد المروط، مِرط بكسر الميم (٢).
قال القاضى: ذكر مسلم من رواية الأنصارى عن معن (٣) عن مالك، وقد وقع لبعض رواة الموطأ يحيى وغيره: " متلففات " (٤) بفائين وأكثرهم بالفاء والعين، والمعنى متقارب، إِلا أن التلفع مختص بتغطية الرأس، وكذا ذكره مسلم من رواية الجهضمى عن معن، ومن رواية غير مالك عن الزهرى. واستدل بعضهم فيه على جواز صلاة المرأة مخمرة فمها وأنفها، ولا حجة فيه؛ لأنه مما أخبر بتلفعهن فى الانصراف لا فِى الصلاة.
стр. 1214
٢٣١ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُس؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ نِسَاءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ الفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ وَمَا يُعْرَفْنَ مِنْ تَغْلِيسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالصَّلاةِ.
٢٣٢ - (...) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الجَهْضَمِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا مَعْنٌ عَن مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُصَلِّى الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ. وَقَالَ الأَنْصَارِىُّ فِى رِوَايَتِهِ: مُتَلَفِّفاتٍ.
ــ
وقوله: " يُعرفن من تغليس (١) ": هو بقايا ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، قاله الأزهرى، والخطابى قال: فالغبش بالباء والشين المعجمة، قبل (٢) الغبس، بالسين المهملة، وبعد الغلس، باللام، وهى كلها فى آخر الليل ويكون الغبش أول الليل.
وقوله: " ما يعرفن ": قال الداودى: ما يُعرفن أنهن نساء أم رجال، وقال غيره: يحتمل أنه لا تعرف أعيانهن وإن عُرفن أنهن نساء وإن كن مكشفات الوجوه.
وفى حديث أبى برزة بعد هذا فى صلاته ﵇: " فينصرِف فينظر الرجلُ إلى وجه جليسه الذى يعرف فيعْرفه "، ولعل هذا مع التأمل له والله أعلم، أو فى حالٍ دون حال، ولا يعارض قوله فى النساء: " ما يُعرفن من الغلس " إذا قيل: وُجوههن وإن كانت بادية لتغطية رؤوسهن وبُعدهن عند الرجال وقال: هذا يعرف وجه جليسه الذى يعرف، وهذا كله للتبكير بصلاة الصبح. وقيل: فيه دليل على خروج النساء للمساجد، ومبادرة خروجهن قبل الرجال عند تمام الصلاة لئلا يزاحمن الرجال أو ليستترن منهم، ولاغتنام ظلمة الغلس، أو لمبادرتهن لمراعاة بيوتهن، ويدل عليه فاء التعقيب التى لا تقتضى المهلة فى قوله: " فينصرف النساء " وفيه وفى الأحاديث غيره فى الباب أن أكثر شأن النبى ﷺ وصلاته للصبح التغليس بها وصلاتها أول وقتها، وهذا يدل على أن ذلك أفضل إذا كان ﵇ يثابر على الأفضل والأولى وإلى [هذا] (٣) ذهب مالك
стр. 1215
٢٣٣ - (٦٤٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ؛ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ أَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ، كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ، كَانُوا - أَوْ قَالَ -: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.
ــ
والشافعى وعامة العلماء، وذهب الكوفيون إلى أن آخر وقتها أفضل وقد تقدم هذا.
وقراءته فيها بالستين إلى المائة دليل على تبكيرها مع قوله: " وينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض ": كله دليل على (١) التغليس بها؛ لأن هذا لا يكون بعد طول القراءة إِلا مع التغليس. ومثابرته ﵇ وفعل الخلفاء بذلك يقتضى على تأويلهم فى حديثهم: " أسفروا بالفجر " (٢) ومعناه: عند الكافة: صلوها بعد تبيين وقتها وظهور الفجر الصادق.
وقوله: " كان يصلى الظهر بالهاجرة ": هى شدة الحر على ما تقدم من صلاته ﵇ (٣) - لها أول وقتها، وحجةٌ لنا فى المبادرة بالصلاة أول الأوقات. إِلا ما جاء فى الإبراد، وقد تقدم الكلام على هذا. قال صاحب العين: الهجر والهجير والهاجرة نصف النهار، قيل: سُميت هاجرة من الهجْر، وهو الانقطاع والزوال؛ لأن كل شىء يفر من حرّها ويزول.
وقوله: " والمغرب إذا وجبت ": أى سقطت الشمس للمغيب، ولم يذكر الشمس للعلم بالمراد، والوجوب: السقوط.
وقوله فى حديث أبى برزة: " والعشاء أحياناً يؤخرها وأحياناً يعجل، كان إذا اجتمعوا عجل وإذا أبطؤوا أخّر " (٤): دليل على أن الفضل لأول الوقت على ما تقدم، وإنما أخَّر لعلة تأخير اجتماع القوم، وفيه مراعاة فضل الجماعة، وترجيحها على فضل أول الوقت، وهو أصل مختلف فيه أيهما يرجح على صاحبه.
стр. 1216
٢٣٤ - (...) وحدّثناه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الصَّلَوَاتِ، فَسَأَلْنَا جَابِر بْنَ عَبْدِ اللهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ.
٢٣٥ - (٦٤٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى سَيَّارُ بْنُ سَلامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: قُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ: كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يَسْأَلُهُ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ لا يُبَالِى بَعْضَ تَأخِيرِهَا - قَالَ: يَعْنِى العِشَاءَ - إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَلا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا. قَالَ: شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ، بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّى الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ، يَذْهَبَ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى المَدِينَةِ؛ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. قَالَ: وَالمَغْرِبَ، لا أَدْرِى أَىَّ حِينٍ ذَكَرَ. قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّى الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِى يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ، قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بَالسِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ.
٢٣٦ - (...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَيَّارِ بْنِ
ــ
وقوله: " وكان لا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها ": قيل كراهة النوم قبلها لئلا يذهب بصاحبه ويستغرق نوماً (١) فتفوته أو يفوته فضل وقتها المستحب، أو يترخّص فى ذلك الناس فيناموا (٢) عن إقامة جماعتها. وكرهه جماعة من السلف وأغلظوا فيه، منهم ابن عمر وعمر وابن عباسٍ وغيرهم، وهو مذهب مالك، ورخص فيه بعضهم منهم: علىّ وأبو موسى وغيرهما، وهو مذهب الكوفيين، وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه لصلاتها (٣) وروى عن ابن عمر مثله. وإليه ذهب الطحاوى، وأما كراهة الحديث بعدها فلما يؤدى إلى السهر ومخافة غلبة النوم؛ لذلك أخر الليل، وفوت (٤) صلاة الصبح فى الجماعة أو فى وقتها، أو النوم عن قيام الليل وذكر الله فيه؛ ولأن الحديث والسهر بالليل يوجب الكسل بالنهار عما تجب الحقوق فيه من الطاعات ومصالح الدنيا والدين، وقد جعل
стр. 1217
سَلامَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يُبَالِى بَعْضَ تَأخِيرِ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَكَانَ لا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الحَدِيثَ بَعْدَهَا. قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَةً أُخْرَى فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.
٢٣٧ - (...) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرو الكَلبِىُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ أَبِى المِنْهَالِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ الأَسْلَمِىَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤَخِّرُ العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِى صَلاةِ الفَجْرِ مِنَ المِائَةِ إِلَى السِّتِّين، وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ.
ــ
الله الليل سكناً كما قال تعالى: ﴿لِبَاسًا﴾ (١) أى سكناً، وكما قال: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيه﴾ (٢) وأبيح الحديث والسهر فيه لما فيه مصلحة، أو طريق مبرة وخير كالمسافر والعروس، ومع الضيف ومدارسة العلم، ونحو هذا من سُبُل الخير.
стр. 1218
(٤١) باب كراهيته تأخير الصلاة عن وقتها المختار، وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام
٢٣٨ - (٦٤٨) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِى أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ وَأَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الجَوْنِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلاةَ عَن وَقْتِهَا؟ " قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأمُرُنِى؟ قَالَ: " صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ ". وَلَمْ يَذْكُرْ خَلَفٌ: عَنْ وَقْتِهَا.
٢٣٩ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَن أَبِى ذَرٍّ؛ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِى أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلاةَ، فَصَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ صَلَيْتَ لِوَقْتِهَا كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً، وَإِلا كُنْتَ قَدْ أَحرَزْتَ صَلاتَكَ ".
ــ
وقوله: " يكون (١) بعدى أمراء يميتون الصلاة ": أى يصلونها بعد خروج وقتها فكانت كالميت الذى تخرج روحه، وأمره ﵇ أبا ذرٍّ بالصلاة لوقتها، ثم الصلاة معهم، احتياط لوقت الصلاة ومراعاة لفضل الألفة ولزوم الجماعات، وترك الخلاف، وافتراق الكلمة؛ لأن أمر الأئمة هو الذى يجمعها ويفرقها، وقد قال فى الحديث نفسه: " أوصانى أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدَّع (٢) الأطراف "، والمجدع: المقطع ولا يكون بهذه الصفة من العبيد إِلا أدناهم وأكثرهم امتهاناً فى شأن الخدمة حتى تنال ذلك أطرافه من كثرة الشقاء والنصب، وقيل: هى إشارة إلى ما علمه ﵇ من الغيب، وحال أبى ذرٍّ بعده، فقد قيل: إنه حين خرج إلى الربذة كان عاملاً عليها عبد (٣) حبشى.
وقوله: " قد أحرزت صلاتك ": أى صحت لك فى وقتها، وعلى ما يجب أداؤها. وفيه جواز الصلاة مرتين [إذا كان ذلك لسبب، وإنما جاء النهى عن أن يصلى صلاة
٢٤٤ - (...) وحدّثنى أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ مَطَرٍ، عَنْ أَبِى العَالِيَةِ البَرَّاءِ؛ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ: نُصَلِّى يَوْمَ الجُمْعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ، فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ: قَالَ: فَضَرَبَ فَخِذِى ضَرْبَةً أَوْجَعَتْنِى، وَقَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ، فَضَرَبَ فَخِذِى، وَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: " صَلُّوا الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً ".
قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ: ذُكِرَ لِى أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ ضَرَبَ فَخِذِ أَبِى ذَرٍّ.
ــ
يجعل الفرض الأولى، وظاهر مذهبنا أن الفرض الآخِرَة، وعلى هذا أتينا بالخلاف فى إعادة الصبح والعصر إذ لا تنفل بعدهما، وضربه على فخذه على طريق التنبيه.
стр. 1221
(٤٢) باب فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد فى التخلف عنها
٢٤٥ - (٦٤٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " صَلاةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ".
٢٤٦ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " تَفْضُلُ صَلاةٌ فِى الجَمِيعِ عَلَى صَلاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً " قَالَ: " وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِى صَلاةِ الفَجْرِ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١).
(...) وحدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ. بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: " بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ".
ــ
وقوله ﵇: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمسة وعشرين جزءًا (٢) " وفى حديث آخر أنها تفضلها " بسبع وعشرين درجة (٣) "، قال الإمام: اختلف فى بناء هذه الأحاديث، فقيل: الدرجة أصغر من الجزء فكان الخمسة وعشرين جزءاً إذا جُزئت درجات كانت سبعاً وعشرين درجة، وقيل: بل يُحمل على أن البارى ﵎ كتب فيها أنها أفضل بخمسة وعشرين، ثم تفضل بزيادة درجتين، ويؤيد هذا التأويل [أنَّ] (٤)
стр. 1222
٢٤٧ - (...) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ سَلْمَانَ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلاةِ الفَذِّ ".
ــ
فى بعض الأحاديث: " خمساً وعشرين درجة ". قال: والأشبه عندى أن يكون محمل قوله: " بخمسة وعشرين ". و " سبع وعشرين " راجعاً لأحوال المصلى وحال الجماعة، فإذا كانت جماعة متوافرة وكان المصلى على غاية من الحفظ وإكمال الطهارة، كان هو الموعود بسبع وعشرين، وإذا كان على دون تلك الحال، كان هو الموعود بخمسة وعشرين، والله أعلم.
قال فى بعض طرق هذه الأحاديث: " تفضل صلاة أحدكم فى سوقه " (١) وحمله بعض شيوخنا على أنه لو كانت جماعة فى السوق لكانت كالفذ فى غير السوق، وعلى هذا يكون فى ذكر السوق زيادة فائدة على ذكر الصلاة فى البيت، ويصح أن تكون [الصلاة] (٢) فى السوق أخفض منزلة؛ لأن فى بعض الأحاديث: أنها مواضع الشياطين، وقد ترك ﷺ الصلاة فى الوادى الذى ناموا فيه وقال: " إِنَّ به شيطاناً " (٣)، وقد يؤخذ من هذا الحديث الرد على داود فى قوله: إن من صلى فذاً وترك الجماعة أنها لا تجزيه تلك الصلاة؛ لأن النبى ﷺ قال فى بعض هذه الأحاديث: " أفضل من صلاة أحدكم وحده " فأتى بلفظة المبالغة والتفضيل بين صلاة الفذ والجماعة، وأثبت فيها فضلاً، ولو لم تكن مجزية لم تكن جزءاً من الفرض الكامل ولا يتوجه هاهنا له أن يقول: إن لفظة " أفضل " قد ترد لإثبات صفةٍ فى أحد الجهتين ونفيهما عن الأخرى، ولعل صلاة الفذ كذلك لا فضل فيها؛ لأن ذلك إنما يرد فيما أتى مطلقاً؛ لقوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِين﴾ (٤) وشبه ذلك، وهو هاهنا قد خصَّ ذلك بعددٍ فجعلها جزءاً من الفرض الكامل الفضل، وحقيقة التجزئة: أن يكون فى الجزء جزء من الفضل الذى فى الكل.
стр. 1223
٢٤٨ - (...) حدّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِى الخُوَارِ؛ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ نَافِعِ بْنِ جُبَيْر بْنِ مُطْعِمٍ، إِذْ مَرَّ بِهِمْ أَبُو عَبْدِ اللهِ، خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّانٍ، مَوْلَى الجُهَنِيِّينَ، فَدَعَاهُ نَافِعٌ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " صَلاةٌ مَعَ الإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلاةً يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ ".
ــ
قال القاضى: مقتضى الأحاديث: أن صلاة المصلى فى جماعة تعدل ثمانية وعشرين أو ستة وعشرين صلاة من صلاة الفذ؛ لأنها تفضلها بسبع وعشرين أو خمس وعشرين، وتساويها فى درجة، لكن جاء فى رواية سلمان الأغر: " تعدل خمساً وعشرين " فيكون التأويل فى هذا كالتأويل فيما بين خمس وعشرين وسبع وعشرين المتقدم (١).
وفيه حجة ظاهرة على صحة صلاة الفذ وإجزائها، لا سيما على نص حديث ابن عمر بقوله: " تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين " والزيادة إنما تكون على شىء ثابت، وكذلك فى بعض طرق أبى هريرة: " يضاعف على صلاته فى بيته " (٢)، وهو مذهب عامة الفقهاء، خلافاً لداود فى قوله بعدم إجزاء صلاة الفذ إذا ترك الجماعة من غير عذر.
وفيه جواز الصلاة فى السوق، وقد استدل قوم من أهل العلم بظاهر هذه الأحاديث على أنه لا فضل لكثرة الجماعة يتضاعف بتكثيرها وإذ لا مدخل للقياس فى الفضائل، ولما عليه عامة العلماء من أنه من صلى مع آخر أو فى جماعة قليلة فلا يُعيد فى جماعة أكثر منها، إِلا ما روى لمالك وغيره (٣) من إعادتها فى المساجد الثلاثة فى جماعة (٤)، وقد جاءت آثار بتضعيف الأجر بقدر العدد فى الجماعة وليست بالثابتة (٥)، وإلى ذلك ذهب ابن حبيب من أصحابنا، وبإعادتها فى جماعة أكثر من الأولى، قال أبو حنيفة والشافعى، وقد جاء بعد هذا فى حديث أبى بكر بن أبى شيبة قال فيه: قال رسول الله ﷺ : " صلاة الرجل
стр. 1224
٢٤٩ - (٦٥٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَن نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " صَلاةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ".
ــ
فى جماعة تزيد على صلاته فى بيته، وصلاته فى سوقه بضعاً وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه إِلا الصلاة - أو لا يريد إِلا الصلاة - لم يخط خطوة إِلا رُفعت له بها درجة وحُطت عنه بها خطيئة، حتى إذا دخل المسجد كان فى الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام فى مجلسه الذى صلى فيه " الحديث (١)، ظاهر هذا المساق الإشارة إلى أن هذه المعانى أسباب الدرجات وتضعيف عدد هذه الصلوات، قال بعضهم: فهذه أربع درجات فى حديث أبى هريرة مفسرة، منها قوله: " ثم يخرج إلى المسجد لا تُخرجه إِلا الصلاة " فهذه درجة، وقوله: " لم يخط خطوة إِلا رُفعت له بها درجة وحُطت عنه سيئة " فهذه ثانية، وقال الداودى: إن كانت له ذنوب حُطت عنه وإلا رُفعت درجات.
قال القاضى: والأظهر عندى فى هذا أنها درجتان لا واحدة وهو بين؛ لأن حط السيئة فضل، ورفع الدرجة فضل آخر، محتمل أن يكون بالباء لقوله فى الحديث الآخر: " كتب الله بكل خطوة حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة "، قال: وصلاة الملائكة عليه فى مصلاه درجة، وكونه فى الصلاة ما انتظر الصلاة درجة، فهذه خمسة فى حديث أبى هريرة، ثم إذا كثُرت الخُطا حصل بكل خطوة ثلاث درجات، ثم حضوره لفضل العتمة والصبح وتنبيه النبى ﷺ على ما فى ذلك من أجر درجة، وشهادة الملائكة له بذلك درجة، وكذلك إجابته الداعى درجة، وما ورد من الفضل فى الدعاء فى طريقه إلى المسجد [فدرجة، وأجره ﵇ على النبى ﷺ والدعاء المأثور عند الدخول فى المسجد] (٢)، وعند خروجه درجتان، وسلامه على أهل المسجد أو على عباد الله الصالحين إن لم يجد فيه أحدًا وتحية المسجد درجة، وإقامة الصفوف درجة، والإنصات للإمام درجة، وإجابته: " ربنا ولك الحمد " درجة، وامتثال أمر النبى ﷺ فى اتباع الإمام درجة، وتسليمه على الإمام [درجة] (٣)، وعلى من يليه درجة، وقيل: يحتمل أن التضعيف بمجرد الجماعة، وهذه كلها زيادة على الدرجات.
وقد قيل: [إنه] (٤) يحتمل أن يختص بهذه الأعداد بعض الصلوات دون بعض،
стр. 1225
٢٥٠ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " صَلاةُ الرَّجُلِ فِى الجَمَاَعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ وَحْدَه سَبْعًا وَعِشْرِينَ ".
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ: " بِضْعًا وَعِشْرِينَ " وَقَالَ أَبُو بَكْر فِى رِوَايَتِهِ: " سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَة ".
(...) وحدّثناه ابْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " بِضْعًا وَعِشْرِينَ ".
ــ
فذكر بعضهم أن السبعة [والعشرين] (١) لصلاة العصر والصبح، والخمسة والعشرين لما عداهما، واستدل بقوله فى حديث أبى هريرة بعد ذكره " خمساً وعشرين درجة " قال: " ويجتمع ملائكة الليل والنهار فى صلاة الفجر "، فجاء بفضل مستأنف لصلاة الصبح، وقد جاء مثله فى صلاة العصر، وقيل: بل يكون السبعة والعشرون لصلاة العشاء أو الصبح؛ لما جاء أن " من صلى العشاء فى جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى الصبح فى جماعة فكأنما قام ليلة " (٢) ولقوله ﵇: " ولو (٣) يعلمون ما فى العتمة والصبح " فتحمل الزيادة لهذه الصلوات المخصوصة، قيل: ويحتمل أن يكون بتضعيف سبعة وعشرين للجماعة فى المسجد على الفذ فى غيره، وبخمسة وعشرين على الفذ فى المسجد.
وابن أبى الخوار (٤)، بضم الخاء المعجمة، وأبو عبد الله ختن زيد بن زيان (٥) مولى الجُهنيين هو أبو عبد الله الأغر (٦).
واختلفت الرواية عندنا فى حديث أبى هريرة، فعند العُذرى: " خمس وعشرون جزءًا "،
стр. 1226
٢٥١ - (٦٥١) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَدَ نَاسًا فِى بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا، فَآمُرَ بِهِمْ
ــ
وعند غيره: " خمسة " على الوجه المعروف، وعند العذرى فى الحديث الآخر: " خمساً وعشرين درجة "، وعند غيره: " خمسة " والوجه حذف التاء مع الدرجة المؤنثة وإثباتها مع الجزء المذكّر، لكن يحتمل الوجه الآخر، وكل كلمة على تقدير الكلمة الأخرى، والمراد بالدرجة الجزء وبالجزء الدرجة، كما قال: ثلاث شخوص لما كن نساء (١).
وقوله ﵇: " لقد هممت أن آمر رجلاً يصلى بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم فيحرقوا (٢) عليهم [بحزم الحطب] (٣) بيوتهم "، قال الإمام: يحتج به داود على أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان، ويحمل هذا عندنا على أنهم منافقون لقوله ﵇: " لو يعلم أحدهم (٤) أن يجد عظماً سميناً " الحديث، ومعاذ الله أن تكون هذه صفات المؤمنين والصحابة على فضلهم، ومذهب غيره من الفقهاء أنها فرض على الكفاية، وعلى طريقة القاضى فى أنه لو تمالأ أهل بلد على ترك الأذان لقوتلوا، ينبغى أن تكون صلاة الجماعة كذلك ".
قال القاضى: اختلف فى التمالى على ترك ظاهر السنن، هل يقاتل عليها تاركوها إلى أن يجيؤوا لفعلها أم لا؟ والصحيح قتالهم وإكراههم على ذلك؛ لأن فى التمالى عليها إماتتها، بخلاف ما لا يجاهر به منها كالوتر ونحوها، وقد أطلق بعض شيوخنا [القتال] (٥) على المواطأة على ترك السنن من غير تفصيل والأول أبين.
وقد اختلف فى هذه الصلاة التى همّ النبى ﷺ بالمعاقبة فيها، فقيل: العشاء، وقيل: الجمعة، وكلا القولين مفسّر فى أحاديث مسلم، وفى بعض روايات الحديث: هى العشاء والفجر، وداود وأصحابه يقولون: هو فى كل صلاة، على أصلهم.
ويتخرج من جملة الأحاديث أنها فى التخلف عن الجماعة فى جمعة أو غيرها وبوجوب حضور الجماعة قال عطاء وأحمد وأبو ثور، والحديث حجة على داود لا له؛ لأن النبى ﷺ همّ ولم يفعل، ولأنه لم يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته غير مُجزيَة، وهو موضع البيان، لكن فى تغليظه ذلك وتشديده وإبعاده دليل على تأكيد أمر الجماعة.
стр. 1227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد اختلف أئمتنا فى ذلك، فقيل: إنها واجبة على الكفاية من أجل أن إقامة السنن وإحياءها واجب على الكفاية، إذ تركها مؤدٍّ إلى إماتتها، وقاله بعض الشافعية، والأكثر عندنا وعندهم وعند عامة العلماء: أنها سنة مؤكدة، كما جاء فى الحديث، وإذا كان هذا النهى للمتخلف عن الجمعة كما جاء فى حديث عبد الله فى الأم فلا حجة فيه لداود جملة، إذ شهود الجمعة فرض. وقد قيل: إن هذا فى المؤمنين، وأما المنافقون فقد كان النبى ﷺ مُعرضاً عنهم عالماً بطويّاتهم، كما أنه لم يعترضهم فى التخلف، ولا عاقبهم معاقبة كعب وصاحبيه من المؤمنين (١). لكن المعلوم من حال الصحابة التجميع مع النبى ﷺ وعدم التخلف عنه، ويشهد أن المراد به المنافقون قوله فى بعض الأحاديث فى الأم: " ثم أحرق بيوتاً على من فيها " (٢).
قال الإمام: وفى حديث تحريق البيوت إثبات العقوبة فى المال.
قال القاضى: قال الباجى: ويحتمل أن يكون تشبيه عقوبتهم بعقوبة أهل الكفر فى تحريق بيوتهم وتخريب ديارهم (٣). وقد ذكر غيره (٤) الإجماع على منع العقوبة بتحريق البيوت إِلا فى المتخلف عن الصلاة، ومن غلّ فى المغانم ففيه اختلافٌ للعلماء، لكن ظاهر قوله: " ثم يُحرّق بيوتاً على من فيها " أنَّ العقوبة ليست قاصرةً على المال، ففيه دليل على قتل تارك الصلاة متهاوناً، وفيه الإعذار قبل العقوبة بالتهديد بالقول والوعيد، وجواز أخذ أهل الجنايات والجرائم على غرّة، والمخالفة إلى منازلهم وبيوتهم.
ومعنى " أخالف " هنا: أى أتخلف عن الصلاة بعد إقامتها لعقوبتهم، وجاء خالف بمعنى تخلَّف. ومنه: " وخالف عنا علىٌّ والزبير "، أى تخلَّفا (٥)، ويكون - أيضاً - أخالف بمعنى آتيهم من خلفهم وآخذهم على غرة، ويكون " أخالف " يعنى الذى أظهرت من إقامة الصلاة فأتركها وأسير إليهم لأحرقهم وأخالف ظنَّهم، أى فى الصلاة بقصدى إليهم. واستدل البخارى به على إخراج أهل المعاصى من بيوتهم (٦)، وترجم بذلك عليه، يريد أن من اختفى منهم وطُلب أخرِج [من بيته بما يُقدر عليه، كما أراد النبى ﷺ إخراج] (٧) هؤلاء بإلقاء النار عليهم فى بيوتهم، وذلك فيمن عُرِفَ واشتهر بذلك منهم.
(٤٣) باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء
٢٥٥ - (٦٥٣) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ، كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ الفَزَارِىِّ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا الفَزَارِىُّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ الأَصَمِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: أَتَى النَّبِىَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِى قَائِدٌ يَقُودُنِى إِلَى المَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّى فِى بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: " هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ " فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَأَجِبْ ".
ــ
وقوله للأعمى الذى ذكر له أنه لا قائد له وسأله أن يرخص له فيصلى فى بيته، فرخص له ثم قال لما ولَّى: " أتسمع النداء؟ " قال: نعم، قال: " فأجِبْ " تأكيد فى التزام أمر الجماعة، وفيه حجة لعطاء ومن قال بقوله فى وجوبها على من سمع النداء، ولأبى ثور وداود والأوزاعى وجوب حضور الجماعة وحجة للجمهور فى وجوب الجمعة من حيث يسمع النداء، وفى تأكيد حضور الجماعة، وليس فى قوله: " فأجب " بعد ترخيصه له مطلقاً حجة بيّنة على الوجوب، لكن جاء فى رواية: " لا أجد لك رخصة " (١)، فهذا أقوى من رواية مسلم، لكن فى ذلك الحديث: "ولى قائد لا يلائمنى " (٢) فقيل: لعله كان ممن يتصرف فى أمور دنياه دون قائد ككثير من العميان، وقيل: يحتمل أنه كان ذلك فى الجمعة لا فى الجماعة، وقيل: كان فى أول الإسلام، وحين الترغيب على (٣) الجماعة، وسد الباب على المنافقين فى ترك حضورها، للإجماع على سقوط حضور الجماعة عن ذوى الأعذار.
وحديث عتبان (٤) حجة لذوى الأعذار. وقد ذكر أبو داود وأبو الحسن والدارقطنى هذا الحديث، وسمى الأعمى فيه أنه ابن أم مكتوم (٥).
стр. 1230
(٤٤) باب صلاة الجماعة من سنن الهدى
٢٥٦ - (٦٥٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِياءُ بْنُ أَبِى زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الصَّلاةِ إِلا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ. إِنْ كَانَ المَرِيضُ لَيَمْشِى بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يَأتِىَ الصَّلاةَ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَّمنَا سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَ مِنْ سُنَنِ الهُدَى الصَّلاةَ فِى المَسْجِدِ الَّذِى يُؤَذَّنُ فِيهِ.
٢٥٧ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَن أَبِى العُمَيْسِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّى هَذَا المُتَخَلِّفُ فِى بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَّهَرُ
ــ
وقول عبد الله بن مسعود: " لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إِلا منافق أو مريض " (١): دليل على أن الحديث المتقدم فى المنافقين.
وقوله: " إن (٢) كان الرجل ليمشى بين الرجلين حتى يأتى الصلاة ": هو تفسير لقوله: " يُهَادى بين الرجلين " فى الرواية الأخرى، أى يحملانه بينهما ويمسكانه بعضديه عوناً له على المشى؛ لضعفه ومرضه، وكله [دليل] (٣) [على تأكيد] (٤) أمر الجماعة. وسَنن الهُدى: طريقه ومنهجه، بفتح السين، وقد روينا سُنن - أيضاً - جمع سنة، وهى الطريقة بمعنى متقارب.
وقوله: " إنكم لو صليتم (٥) فى بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف فى بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم " وفى بعض الروايات: " لكفرتم " تحذير وتنبيه على إقامة الجماعة والاحتفال بها لئلا يتطرق المتخلف عنها إلى تركها وتشديد فى ترك السنن.