٢٥١ - (٦٥١) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَدَ نَاسًا فِى بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا، فَآمُرَ بِهِمْ
ــ
وعند غيره: " خمسة " على الوجه المعروف، وعند العذرى فى الحديث الآخر: " خمساً وعشرين درجة "، وعند غيره: " خمسة " والوجه حذف التاء مع الدرجة المؤنثة وإثباتها مع الجزء المذكّر، لكن يحتمل الوجه الآخر، وكل كلمة على تقدير الكلمة الأخرى، والمراد بالدرجة الجزء وبالجزء الدرجة، كما قال: ثلاث شخوص لما كن نساء (١).
وقوله ﵇: " لقد هممت أن آمر رجلاً يصلى بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم فيحرقوا (٢) عليهم [بحزم الحطب] (٣) بيوتهم "، قال الإمام: يحتج به داود على أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان، ويحمل هذا عندنا على أنهم منافقون لقوله ﵇: " لو يعلم أحدهم (٤) أن يجد عظماً سميناً " الحديث، ومعاذ الله أن تكون هذه صفات المؤمنين والصحابة على فضلهم، ومذهب غيره من الفقهاء أنها فرض على الكفاية، وعلى طريقة القاضى فى أنه لو تمالأ أهل بلد على ترك الأذان لقوتلوا، ينبغى أن تكون صلاة الجماعة كذلك ".
قال القاضى: اختلف فى التمالى على ترك ظاهر السنن، هل يقاتل عليها تاركوها إلى أن يجيؤوا لفعلها أم لا؟ والصحيح قتالهم وإكراههم على ذلك؛ لأن فى التمالى عليها إماتتها، بخلاف ما لا يجاهر به منها كالوتر ونحوها، وقد أطلق بعض شيوخنا [القتال] (٥) على المواطأة على ترك السنن من غير تفصيل والأول أبين.
وقد اختلف فى هذه الصلاة التى همّ النبى ﷺ بالمعاقبة فيها، فقيل: العشاء، وقيل: الجمعة، وكلا القولين مفسّر فى أحاديث مسلم، وفى بعض روايات الحديث: هى العشاء والفجر، وداود وأصحابه يقولون: هو فى كل صلاة، على أصلهم.
ويتخرج من جملة الأحاديث أنها فى التخلف عن الجماعة فى جمعة أو غيرها وبوجوب حضور الجماعة قال عطاء وأحمد وأبو ثور، والحديث حجة على داود لا له؛ لأن النبى ﷺ همّ ولم يفعل، ولأنه لم يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته غير مُجزيَة، وهو موضع البيان، لكن فى تغليظه ذلك وتشديده وإبعاده دليل على تأكيد أمر الجماعة.
стр. 1227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد اختلف أئمتنا فى ذلك، فقيل: إنها واجبة على الكفاية من أجل أن إقامة السنن وإحياءها واجب على الكفاية، إذ تركها مؤدٍّ إلى إماتتها، وقاله بعض الشافعية، والأكثر عندنا وعندهم وعند عامة العلماء: أنها سنة مؤكدة، كما جاء فى الحديث، وإذا كان هذا النهى للمتخلف عن الجمعة كما جاء فى حديث عبد الله فى الأم فلا حجة فيه لداود جملة، إذ شهود الجمعة فرض. وقد قيل: إن هذا فى المؤمنين، وأما المنافقون فقد كان النبى ﷺ مُعرضاً عنهم عالماً بطويّاتهم، كما أنه لم يعترضهم فى التخلف، ولا عاقبهم معاقبة كعب وصاحبيه من المؤمنين (١). لكن المعلوم من حال الصحابة التجميع مع النبى ﷺ وعدم التخلف عنه، ويشهد أن المراد به المنافقون قوله فى بعض الأحاديث فى الأم: " ثم أحرق بيوتاً على من فيها " (٢).
قال الإمام: وفى حديث تحريق البيوت إثبات العقوبة فى المال.
قال القاضى: قال الباجى: ويحتمل أن يكون تشبيه عقوبتهم بعقوبة أهل الكفر فى تحريق بيوتهم وتخريب ديارهم (٣). وقد ذكر غيره (٤) الإجماع على منع العقوبة بتحريق البيوت إِلا فى المتخلف عن الصلاة، ومن غلّ فى المغانم ففيه اختلافٌ للعلماء، لكن ظاهر قوله: " ثم يُحرّق بيوتاً على من فيها " أنَّ العقوبة ليست قاصرةً على المال، ففيه دليل على قتل تارك الصلاة متهاوناً، وفيه الإعذار قبل العقوبة بالتهديد بالقول والوعيد، وجواز أخذ أهل الجنايات والجرائم على غرّة، والمخالفة إلى منازلهم وبيوتهم.
ومعنى " أخالف " هنا: أى أتخلف عن الصلاة بعد إقامتها لعقوبتهم، وجاء خالف بمعنى تخلَّف. ومنه: " وخالف عنا علىٌّ والزبير "، أى تخلَّفا (٥)، ويكون - أيضاً - أخالف بمعنى آتيهم من خلفهم وآخذهم على غرة، ويكون " أخالف " يعنى الذى أظهرت من إقامة الصلاة فأتركها وأسير إليهم لأحرقهم وأخالف ظنَّهم، أى فى الصلاة بقصدى إليهم. واستدل البخارى به على إخراج أهل المعاصى من بيوتهم (٦)، وترجم بذلك عليه، يريد أن من اختفى منهم وطُلب أخرِج [من بيته بما يُقدر عليه، كما أراد النبى ﷺ إخراج] (٧) هؤلاء بإلقاء النار عليهم فى بيوتهم، وذلك فيمن عُرِفَ واشتهر بذلك منهم.
(٤٣) باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء
٢٥٥ - (٦٥٣) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ، كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ الفَزَارِىِّ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا الفَزَارِىُّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ الأَصَمِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: أَتَى النَّبِىَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِى قَائِدٌ يَقُودُنِى إِلَى المَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّى فِى بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: " هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ " فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَأَجِبْ ".
ــ
وقوله للأعمى الذى ذكر له أنه لا قائد له وسأله أن يرخص له فيصلى فى بيته، فرخص له ثم قال لما ولَّى: " أتسمع النداء؟ " قال: نعم، قال: " فأجِبْ " تأكيد فى التزام أمر الجماعة، وفيه حجة لعطاء ومن قال بقوله فى وجوبها على من سمع النداء، ولأبى ثور وداود والأوزاعى وجوب حضور الجماعة وحجة للجمهور فى وجوب الجمعة من حيث يسمع النداء، وفى تأكيد حضور الجماعة، وليس فى قوله: " فأجب " بعد ترخيصه له مطلقاً حجة بيّنة على الوجوب، لكن جاء فى رواية: " لا أجد لك رخصة " (١)، فهذا أقوى من رواية مسلم، لكن فى ذلك الحديث: "ولى قائد لا يلائمنى " (٢) فقيل: لعله كان ممن يتصرف فى أمور دنياه دون قائد ككثير من العميان، وقيل: يحتمل أنه كان ذلك فى الجمعة لا فى الجماعة، وقيل: كان فى أول الإسلام، وحين الترغيب على (٣) الجماعة، وسد الباب على المنافقين فى ترك حضورها، للإجماع على سقوط حضور الجماعة عن ذوى الأعذار.
وحديث عتبان (٤) حجة لذوى الأعذار. وقد ذكر أبو داود وأبو الحسن والدارقطنى هذا الحديث، وسمى الأعمى فيه أنه ابن أم مكتوم (٥).
стр. 1230
(٤٤) باب صلاة الجماعة من سنن الهدى
٢٥٦ - (٦٥٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِياءُ بْنُ أَبِى زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الصَّلاةِ إِلا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ. إِنْ كَانَ المَرِيضُ لَيَمْشِى بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يَأتِىَ الصَّلاةَ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَّمنَا سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَ مِنْ سُنَنِ الهُدَى الصَّلاةَ فِى المَسْجِدِ الَّذِى يُؤَذَّنُ فِيهِ.
٢٥٧ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَن أَبِى العُمَيْسِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّى هَذَا المُتَخَلِّفُ فِى بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَّهَرُ
ــ
وقول عبد الله بن مسعود: " لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إِلا منافق أو مريض " (١): دليل على أن الحديث المتقدم فى المنافقين.
وقوله: " إن (٢) كان الرجل ليمشى بين الرجلين حتى يأتى الصلاة ": هو تفسير لقوله: " يُهَادى بين الرجلين " فى الرواية الأخرى، أى يحملانه بينهما ويمسكانه بعضديه عوناً له على المشى؛ لضعفه ومرضه، وكله [دليل] (٣) [على تأكيد] (٤) أمر الجماعة. وسَنن الهُدى: طريقه ومنهجه، بفتح السين، وقد روينا سُنن - أيضاً - جمع سنة، وهى الطريقة بمعنى متقارب.
وقوله: " إنكم لو صليتم (٥) فى بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف فى بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم " وفى بعض الروايات: " لكفرتم " تحذير وتنبيه على إقامة الجماعة والاحتفال بها لئلا يتطرق المتخلف عنها إلى تركها وتشديد فى ترك السنن.
стр. 1231
فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ المَسَاجِدِ إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكِلِّ خَطْوَةٍ يَخْطوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلا مُنَافِقٌ، مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِى الصَّفِّ.
ــ
وقوله: " لضللتم ": لكفرتم، أى أن تركها داع إلى التهاون بالشريعة حتى يضل عنها وينسى مؤكدات السنن ويجهل، أو داع إلى ترك غيرها حتى ينسلخ من شرائع الإيمان [والإسلام] (١)، ويتساهل فى قواعده، فيؤول إلى الضلال البين والكفر.
стр. 1232
(٤٥) باب النهى عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن
٢٥٨ - (٦٥٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُهَاجِرِ، عَنْ أَبِى الشَّعْثَاءِ؛ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا فِى المَسْجِدِ مَعِ أَبِى هُرَيْرَةَ، فَأَذَّنَ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ المَسْجِدِ يَمْشِى، فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ .
٢٥٩ - (...) وحدّثنا ابْنُ عُمَرَ المَكَىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَان - هَوَ ابْنُ عيَيْنَةَ - عَنْ عُمَرَ ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِى الشَّعْثَاءِ المُحَارِبِىِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَرَأَى رَجلاً يَجْتَازُ المَسْجِدَ خَارِجًا، بَعْدَ الأَذَانِ، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ .
ــ
وقوله للذى خرج بعد النداء: " أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم " تشديد فى الخروج من المسجد بعد النداء لغير ضرورة من تجديد طهر أو غيره.
стр. 1233
(٤٦) باب فضل صلاة العشاء والصبح فى جماعة
٢٦٠ - (٦٥٦) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ المَخْزُومِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ - وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن أَبِى عَمْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ المَسْجِدَ بَعْدَ صَلاةِ المَغْرِبِ، فَقَعَدَ وَحْدَهُ، فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِى، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ صَلَّى العِشَاءَ فِى جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِى جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسَدِىُّ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِىَ سَهْلٍ عُثْمَانُ بْنِ حَكِيمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٢٦١ - (٦٥٧) وحدّثنى نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُفَضَّلٍ - عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " منْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِى ذِمَّةِ الله، فَلا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَىْءٍ فَيدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ".
ــ
وقوله: " من صلى العشاء (١) فى جماعَة فكأنما قام نصف ليلةٍ (٢)، ومن صلى الصبح فى جماعة، فكأنما صلى الليل كله " بيان اختصاص بعض الصلوات من الفضل بما لا يختص [به] (٣) غيرها، ومعنى هذا: فكأنما قامَ نصفَ ليلة أو ليلةٍ لم يصل فيها العتمة أو الصبح [فى جماعة] (٤)، إذ لو صلى ذلك فى جماعة لحصل له فضلها وفضل القيام ذلك عليه.
وقوله: " سمعت جندباً القَسْرى [يقول] (٥) " كذا للجلودى، وسقط لغيره، وهو غير معروف فى نسبه، وإنما هو بجلى علقى (٦) [وعلق] (٧) بطن من بجيلة له. كذا قال
стр. 1234
٢٦٢ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ. سَمِعْتُ جُنْدَبًا القَسْرِىَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ فَهوَ فِى ذِمَّةِ اللهِ، فَلا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَىْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَىْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ".
(...) وحدّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَن دَاوُدَ بْنِ أبى هِنْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا. وَلَمْ يَذْكُر: " فَيَكُبَّهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ".
ــ
البخارى (١)، وقال أبو نصر الحافظ: هو علقة بن عبقر بن بجيلة، وقسر بن عبقر من بجيلة (٢).
قال القاضى: ولعل لجندب حِلفًا فى قَسْر أو سكن وجوار فنسب إليها لذلك، أو لعل بنى علقة ينسبون إلى عمهم قسر كغير واحد من القبائل نسبت بأخوة [أبيها] (٣)، إما لكثرتهم أو شهرتهم (٤).
وقوله: " من صلى الصُّبْحَ فهو فى ذمة الله ": الذمة: الضمان، وقيل: الأمان (٥).
стр. 1235
(٤٧) باب الرخصة فى التخلف عن الجماعة بعذر
٢٦٣ - (٣٣) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُس عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِىَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، منْ الأَنْصَارِ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِى، وَأَنَا أُصَلِّى لِقَوْمِى. وَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الوَادِى الَّذِى بَيْنِى وبَيْنَهُمْ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِىَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّى لَهُمْ. وَدِدْتُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَأْتِى فَتُصَلِّى فِى مُصَلَّى، فَأتخذهُ مُصَلى قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " سَأَفْعَلُ، إِنْ شَاءَ اللهُ ". قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: " أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّىَ مِنْ بَيْتِكَ؟ " قَالَ: فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ البَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَبَّرَ،
ــ
وقوله فى حديث عتبان بن مالك: " فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت ". كما رويناه - ثم قال: " أين تُحبُّ أن أصلى فى بيتك؟ ": كذا عند جماعة شيوخنا وفى سائر النسخ قال بعضهم: [صوابه] (١): " فلم يجلس حين دخل البيت ".
قال القاضى: هذا عندى تَعسُّف، بل صواب الكلام حتى دخل البيت، كما رويناه، أى لم يجلس فى الدار حتى [بادر إلى قضاء حاجته] (٢) التى جاء لها من الصلاة فى بيته، فدخل وسأله: أين نُصلى منه؟
فيه التبرك بالفضلاء، ومشاهد الأنبياء وأهل الخير ومواطنهم، ومواضع صلاتهم، وإجابة أهل الفضل لما رغب إليهم فيه من ذلك، تعاوناً على طاعة الله، وتنشيطاً على عبادته، وفيه إباحة التخلف عن الجماعة لضعف البصر والمطر وشبهه، وقال بعضهم: وفيه جواز صلاة الزائر برب البيت، إذا كان عن إذنه، فلا يعارض بالحديث الآخر بالنهى عن ذلك (٣). وعندى أن هذا لا حجة فيه؛ لأن النبى ﷺ أحق بالإمامة حيث كان، وقد قال علماؤنا: إن الأمير إذا حضر أحق بالصلاة، فكيف بالنبى ﵇ والأمر كله إليه، لكنه حق لصاحب المنزل مع غير النبى ﷺ ، فإذا قدر غيره جاز.
стр. 1236
فَقُمْنَا وَرَاءَهُ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ. قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْنَاهُ لَهُ. قَالَ: فَثَابَ رِجِالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ حَوْلَنَا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِى البَيْتِ رِجَالٌ ذَوُو عَدَدٍ. فَقَالَ قائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟ " قَالَ: قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، يَبْتَغِى بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ ".
ــ
وفيه اتخاذ المساجد فى البيوت، وفيه جواز إمامة الأعمى لقوله: " أنكرت بصرى وأنا أصلى لقومى "، وفى الموطأ كان يؤم قومه وهو أعمى (١)، وهو مذهب كافة السلف وعامة العلماء، إِلا شيئاً روى عن ابن عباس وجابر، وقد تقدم الكلام أول الكتاب عليه.
وقوله: " فحبسناه على خزيرٍ صنعناه له " وفى رواية: " خزيرة " (٢) بهاء آخره، قال الإمام: قال ابن قتيبة: الخزيرة: لحم يقطع صغاراً ثم يصب عليه ماءٌ كثير، فإذا نضج ذر عليه الدقيق فإن لم يكن فيه لحم فعصيدة، وقال أبو الهيثم: إذا كان من دقيق فهى حريرة (٣)، وإذا كان من نخالة فهى خزيرة (٤). قال يعقوب بن السكيت: الخريرة (٥) اللفيتة (٦) من لبن أو ماء أو دقيق بتوسع به.
قال القاضى: وقد جاء فى هذا الحديث نفسه: " على جشيشة صنعناها له "، وهى بمعناها، قال شمَر: هو أدق تطحن الحنطة جليلاً، ثم يلقى فيها لحم أو تمر فيطبخ فيه، وفى كتاب البخارى: قال النضر: الخزيرة من النخالة والحريرة من اللبن.
وقوله: " فثاب رجال ": أى اجتمعوا، المثابة: المجمع، والمثابة: المرجع، وسرواتهم ساداتهم. وبقية خبر ابن الدخشم تقدم الكلام عليه صدر الكتاب فى الإيمان، وكذلك [على] (٧) قوله: " إن الله حرم على النار من قال: لا إله إِلا الله ".
стр. 1237
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِىَّ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِى سَالِمٍ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ، عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ. فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ.
٢٦٤ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ. قَالَ: حَدَّثَنِى مَحْمُودُ بْنُ رَبِيِعٍ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ أَوِ الدُّخِيْشِنِ؟ وَزَادَ فِى الحَدِيثِ: قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الحَدِيثِ نَفَرًا، فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِىُّ، فَقَالَ: مَا أَظُنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَا قُلْتَ. قَالَ: فَحَلَفْتُ، إِنْ رَجَعْتُ إِلَى عِتْبَانَ، أَنْ أَسْأَلَهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ إِمَامُ قَوْمِهِ. فَجَلسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أوَلَ مَرَّةٍ.
قَالَ الزُّهْرِىُّ: ثُمَّ نَزَلتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ نُرَى أَنَّ الأَمْرَ انْتَهَى إِليْهَا، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلا يَغْتَرَّ فَلا يَغْتَرَّ.
٢٦٥ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، قَالَ: حَدَّثَنِى الزُّهْرِىُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ. قَالَ: إِنِّى لأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ دَلْوٍ فِى دَارِنَا قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثَنِى عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ
ــ
وقول ابن شهاب آخر الحديث: " ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور نُرى [أن] (١) الأمر انتهى إليها، فمن استطاع ألا يغتر فلا يغتر "، بيّنا مذهبه فى نسخ هذا الحكم ومذهب غيره والصواب من ذلك هناك.
والمجُّ: طرحُ الماء من الفم، وفى مج النبى ﷺ الماء فى وجه محمود بن الربيع جوازه على طريق المباسطة والتأنيس وممازحة الصغار وبرِّ آبائهم بذلك، وجواز المزح، وفيه ما كان ﵇ من حسن العشرة، كما مازح ﵇ أبا عمير (٢)، ولعل قوله هذا به ليعقل هذا الفعل منه لصغره فيحصل له بذلك [تأكيد فى فضيلة] (٣) الصحبة،
стр. 1238
بَصَرِي قَدْ سَاءَ، وَسَاقَ الحَديث إلَى قَوْلِهِ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، وَحَبَسْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى جَشِيشَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ، مِنْ زِيَادَةِ يُونُسَ وَمَعَمَرٍ.
ــ
ونقل شيء عن النبي ﷺ كما كان، وكان محمودٌ إذ ذاك ابن أربع سنين، وقيل: ابن خمس، وبخبر محمود هذا احتج على جواز سماع الصغير إذا عقل، وجعل بعضهم هذا السن حجة في صحة السماع، وليس كما قال، بل لا يصح ذلك إلا بما عقله من سماعه كما عقل محمود مجة النبي ﷺ في وجهه.
стр. 1239
(٤٨) باب جواز الجماعة فى النافلة، والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات
٢٦٦ - (٦٥٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ؛ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: " قُومُوا فَأُصَلِّى لَكُمْ ". قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ. فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَاليَتِيمُ
ــ
وقوله فى حديث إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس: " أن جدته مليكة ": الضمير فى " جدته " عائدٌ على إسحاق بن عبد الله، وهى أم أبيه عبد الله بن أبى طلحة ومالك هو القائل: " أن جدته "، قاله أبو عمر، وغلَّط غيره هذا القول وقال: بل مليكة جدة أنس أم أمه، وعليه يعود الضمير وهو القائل: " أن جدته وهى مُليكة " بضم الميم وفتح اللام، كذا ضبطناها فى الأم وغيره، وكذا ذكره الناس، وحكى ابن عتاب عن الأصيلى: أنها مليكة بفتح الميم وكسر اللام.
فى هذا الحديث وما قبله ما كان ﵇ عليه من حسن الخلق [وحسن العشرة] (١) والتواضع، وإجابة المحتاجين والانبساط مع الضعفاء، وحسن العشرة مع [الصغير والكبير] (٢)، وفيه إجابة أهل الفضل للطعام لغير الوليمة، وذلك إذا كان لوجه حسن من تطيب نفس، أو لمن يختص بالرجل، أو يتَبرَّك به، وكره مالك ﵀ إجابة أهل الفضل لكل من دعاهم إِلا فى الوليمة، وفيه إجابة المرأة الصالحة والمرأة المتجالَّة (٣).
وقوله: " قوموا [فلأصلى بكم] (٤) ": فيه حض الرجل الصالح الناس على الخير والتجميع للنوافل وصلاة الضحى، وفى بابها أدخله مالك قى الموطأ، قيل: يحتمل أن النبى ﷺ أراد بذلك لتنالهم بركة الصلاة معه أو لتشاهد المرأة صلاته وتتعلمها منه وتقتدى به فى ذلك معاينة ودون واسطة.
وقوله: " فقمنا إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس، فنضحْتُه بماء، فقام عليه
стр. 1240
وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
٢٦٧ - (٦٥٩) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو الرَّبِيعِ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الوَارِثِ،
ــ
رسول الله ﷺ : فيه جواز الصلاة على الحصير وعلى ما تُنبِت الأرض، ولا خلاف فى هذا، وما روى عن عمر بن عبد العزيز من خلاف هذا إنما هو؛ لأن مباشرة الأرض أبلغ فى التواضع، وقد بين فى الحديث الآخر أنه كان من جريد، وفيه حجة أن الافتراش لبسٌ وأن المفترش والمتوطأ والمتكأ عليه كله ملبوس، وأن من حلف ألا يلبس ثوباً ولم يكن له نيةٌ معينة فافترشه أنه حانث، وفيه حجة أن افتراش الحرير حرام؛ إذ هو من جملة اللباس المنهى عنه، على أن فى الحديث الصحيح النص على النهى عن الجلوس عليه (١)، وهو مشهور مذهب مالك وكافة العلماء، خلافاً لعبد الملك بن الماجشون ومن قال بقوله فى إجازة الافتراش على ما نذكره بعد فى موضعه. واسوداد الحصير إما لقدمه أو لما يناله من وضَرِ الدوس والأقدام والاستعمال.
ونضحه له، قال إسماعيل القاضى (٢) وغيره: إنما نضحه ليلين ويتوطأ للصلاة، والأظهر قول غيره: أن ذلك إما لنجاسة متيقنة فيكون النضح هنا غسلٌ أو متوقعة لامتهانه بطول افتراشه فيكون رشاً لزوال الشك، وتطييب النفس، لا سيما وكان عندهم أبو عمير أخو أنس طفلاً صغيراً حينئذ. وقد جاء فى غير مسلم هذا الحديث مبيناً ذكر أبى عمير فيه، فيكون نضحه لأجل جلوس الطفل الذى لا يتوقى النجاسة ولا يبعد منه وتصرفه عليه. وقوله: " فصففتُ أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا ": حجة لكافة أهل العلم فى أن هذا حكم الاثنين خلف الإمام، خلافاً لأبى حنيفة والكوفيين فى قولهم: يكونان عن يمينه ويساره، وقد تقدم هذا.
وقوله: " والعجوز من ورائنا " حكم قيام المرأة خلف الإمام، ولا خلاف فى هذا، وفيه حجة على أن المرأة لا تؤم الرجال؛ لأنه إذا كان مقامها فى الأيتام غير مساوٍ للرجل فتتأخر عنه، فاحرى ألا تتقدمه، وهو قول الجمهور، خلافاً للطبرى وأبى ثور فى إجازتهما إمامة الرجال والنساء جملة، وحكى عنهما إجازة ذلك لها فى التراويح إذا لم يوجد قارئ غيرها. واختلف فى إمامتها النساء، فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة من
стр. 1241
قَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ عَن أَبِى التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلاةُ وَهُوَ فِى بَيْتنَا فَيَأَمُرُ بِالبِسَاطِ الَّذِى تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ، ثُمَّ يُنْضَحُ، ثُمَّ يَؤُمُّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّى بِنَا، وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِن جَرِيد النَّخْلِ.
٢٦٨ - (٦٦٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِم، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: دَخَلَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلا أَنَا وَأُمِّى وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِى، فَقَالَ: " قُومُوا فَلأُصَلِّى بِكُمْ " - فِى غَيْرِ وَقْتِ صَلاةٍ - فَصَلَّى بِنَا. فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ. ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ البَيْتِ، بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَقَالَتْ أُمِّى: يَا رَسُولَ اللهِ، خُويْدِمُكَ، ادْعُ اللهَ لَهُ. قَالَ: فَدَعَا لِى بِكُلِّ خَيْرٍ. وكَانَ فِى آخِرِ مَا دَعَا لِى بِهِ أَنْ قَالَ: " اللَّهُمَّ، أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ ".
٢٦٩ - (...) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
ــ
العلماء إلى منع إمامتها للنساء أيضاً، وأجاز ذلك الشافعى، وفيه رواية شاذة عن مالك مثله (١)، واختاره بعض شيوخنا. وقد احتج بعضهم على أحمد وأبى ثور ومن قال بقولهم فى أنَّ صلاة المنفرد خلف الصف لا تجزى. ولا حجة عليهم فيه؛ إذ يوافقونا فى المرأة.
وفيه حجة على أن من يعقل [الصلاة] (٢) من الصبيان حكمهم فى القيام خلف الإمام فى حضور الجماعات حكم الرجال، وهو مذهب الجمهور، وقد روى عن أحمد كراهة ذلك فى الفرائض والمساجد، وقال: لا يقوم مع الناس إِلا من احتلم أو أنبت أو بلغ خمس عشرة سنة، وروى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أنه كان إذا أبصر صبياً فى الصف أخرجه، ونحوه عن بعض السلف، وتأول بعضهم هذا على من لا يعقل الصلاة ولا يكف عن العبث فيها، وهو قول الكافة. وفى الحديث الآخر عن أنس: صلاته ﵇ به وبأمه وخالته، وجعله أنساً عن يمينه، وهذه سنة هذه الصورة، وقد تقدم الكلام عليها، وفيه دعاء النبى ﷺ لهم، وظهور استجابة دعائه لأنس فى تكثير ماله وولده، والترغيب فى دعاء أهل الخير، وإجابة الله هذه الدعوة فيه.
وقوله: " اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه ": والبركة، تمت الدعوة وخلصه الله
٢٨١ - (...) حدّثنا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّمِيمِىُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ كَهْمَسًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ. قَالَ: وَالبِقَاعُ خَالِيَةٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: " يَا بَنِى سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ ". فَقَالُوا: مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا.
ــ
تعرى المدينة (١)، فهذه علة أخرى فى حضهم على المقام لئلا يخلو ما حول المدينة فتترك عراءً، وهو الفضاء من الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَنَبذْنَاهُ بِالْعَرَاء﴾ (٢)، قيل: ذلك لئلا تخلو ناحيتهم من حُراسها والله أعلم (٣).
واختلف السلف على هذا فى التخطى إلى الأبعد عن الأقرب لكثرة الخُطى فروى عن أنس أنه كان يجاوز المساجد المحدثة إلى القديمة، وروى نحوه عن غيره، وروى عن إبراهيم أن النبى ﷺ قال: " الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً " (٤) وكره الحسن وغيره هذا، وقال: لا يدع مسجد قومه ويأتى غيره، وهو مذهبنا، وفى المذهب عندنا فى تخطى مسجده إلى الجامع الأعظم قولان (٥).
٢٨٥ - (٦٦٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : " مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ أو رَاحَ، اعَدَّ اللهُ لَهُ فِى الجَنَّةِ نُزُلاً، كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ ".
ــ
وقوله: " هل يبقى من دَرَنه " على معنى التقدير لا على الاستفهام. والدرن: الوسخ، ضربه مثلاً لمحو الصلوات الخطايا كما نصَّه فى الحديث نفسه.
стр. 1250
(٥٢) باب فضل الجلوس فى مصلاه بعد الصبح، وفضل المساجد
٢٨٦ - (٦٧٠) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. كَثِيرًا، كَانَ لا يَقُومُ مِنْ مُصَلاهُ الَّذِى يُصَلِّى فِيهِ الصُّبْحَ أَوِ الغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأخُذُونَ فِى أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ.
٢٨٧ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ، كِلاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَن النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الفَجْرَ جَلَسَ فِى مُصَلاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا.
(...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى وابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلاهُمَا عَنْ سِمَاك، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَقولا: حَسَنًا.
٢٨٨ - (٦٧١) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ قالا:
ــ
وقوله: " كان لا يقوم من مصلاه الذى يصلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس " (١)، وفى الحديث الآخر: " حَسَنًا ": أى ترتفع ويظهر طلوعها وتتمكن وتباح الصلاة، وعند بعضهم: " حيناً " ومعناه - إن صحت - قريب من الأول، أى تبقى بعد طلوعها وقتاً من الزمان حتى تتمكن وترتفع، وهذا من المستحبات والفضائل لزوم موضع صلاة الفجر والإقبال على الذكر والدعاء إلى وقت إباحة الصلاة وكراهية الحديث حينئذٍ.
وقوله: " وكانوا يتحدثون فيأخذون فى أمر الجاهلية ": دليلٌ على جواز التحدث بأخبار الزمان وأمور الأمم، وليس المعنى أنهم كانوا يتحدثون فى ذلك الوقت فإنه وقت الذكر والدعاء، وإنما هو فصل آخر وسيرة أخرى فى وقت آخر وصلهما بالحديث الأول.
стр. 1251
حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ - حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى ذُبَابٍ، فِى رِوَايَةِ هَارُونَ - وَفِى حَدِيثِ الأَنْصَارِىِّ، حَدَّثَنِى الحَارِثُ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ مَوْلَى أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَحَبُّ البِلادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا ".
ــ
وقوله: " أحب البلاد (١) إلى الله مساجِدُها "؛ لأنها بيوت خصت بالذكر، وبقع أسست للتقوى (٢) والعمل الصالح.
وقوله: " وأبغض البلاد إلى الله أسواقها "؛ لأنها مخصوصة بطلب الدنيا ومخادعة العباد والإعراض عن ذكر الله، ومظانِّ الأيمان الفاجرة، وإذا كان معنى الحبِّ من الله والبغض عائداً إلى إرادته الخير أو الشر أو فعله دلك بمن أسعده الله وأشقاه، استبان لك أن المساجد مواضع نزول رحمة الله وفضله، والأسواق على الضد منها.
ابْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ وَأَقْدَمُهُمْ قرَاءَةً فَإِنْ كَانَت قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمَهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِى الهِجْرَةَ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمُ أَكْبَرَهُمْ سِنًّا، وَلا تَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ فِى أَهْلِهِ وَلا فِى سُلْطَانِهِ، وَلا تَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ، فِى بَيْتِهِ إِلا أَنْ يَأَذَنَ لَكَ - أَوْ بِإِذْنِهِ ".
٢٩٢ - (٦٧٤) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ؛ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَنْ مَنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ. فَقَالَ: " ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهُمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ ليَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ".
ــ
قال الإمام: قوله: " وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " (١): دلالة على أن الجماعة مأمورون بالأذان وإن لم يكونوا فى مسجد.
قال القاضى: واستدل بعضهم فيه على استحباب الأذان فى السفر، وقد يحتمل أنه أراد فعل ذلك فى قومهم؛ لقوله: " ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم "، ثم قال: " فإذا حضرت الصلاة " وهذا أظهر، والأول يحتمل أن يريد إذا حضرت من فراقكم لى.
قال الإمام: وفيه دلالة على أن ليس الأذان ليس بمستحق للأفضل، ويحتمل أن يكون الفرق بين الأذان والإمامة أن القصد من الأذان الإسماع، وذلك مُتَأتٍّ من غير الأفضل كتأتيه من الأفضل، بل ربما كان الأنقص فضلاً أرفع صوتاً، وقد قال ﵇ فى حديث آخر: " فاطلبوا لى أنداكم صوتاً " وهو هنا [بمعنى] (٢) أبلغ فى الإسماع، قال الشاعر:
فقلت أدعى وأدعو إنَّ أندى ... لصوت أن يُنادى داعيان
قال القاضى: وقد يكون " أندى " من باب ألين وأسلس، ويدل عليه قوله فى بعض الروايات لعبد الله بن زيد - وقد أراد أن يؤذن -: " إنك فظيع الصوت، فألقه على بلال
стр. 1254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنه أندى منك صوتاً "، فمقابلة أندى بفظيع تشعر بما ذكرناه، مع قول عمر بن عبد العزيز: " أذن أذاناً سمحاً [أو اعتزلنا] (١) ".
وقوله: " وليؤمكم أكبركم " (٢)، وفى الحديث الآخر: " وأحقهم بالإمامة أقرؤهم "، وفى الحديث الآخر: " أكبرهم "، قال الإمام: [وأما] (٣) أمره بأن يؤم الأكبر، فحمله على [تساويهم فيما عدا] (٤) السن من الفضائل المعتبرة فى الإمامة، بدليل قوله فى الحديث الآخر: " يؤمُّ القوم أفقههم " (٥)، وتقديم [الأفضل] (٦) عندنا هو [الأفقه] (٧). ثم القارئ بعده ثم بعد ذلك فضيلة السن (٨)، وعند أبى حنيفة: القارئ أولى من الأفقه (٩)، وحجتنا عليه قول النبى ﷺ : " أفقههم " (١٠)؛ ولأن الحاجة تمس إلى الفقه فى الصلاة أكثر من الحاجة إلى معرفة وجوه القراءة، فإن احتج بقوله ﵇[فى حديث
стр. 1255
(...) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(...) وحدّثناه ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ لِى أَبُو قِلابَةَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى نَاسٍ، وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، وَاقْتَصَّا جَمِيعًا الحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.
٢٩٣ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ؛ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَنَا وَصَاحِبٌ
ــ
آخر] (١): " يؤم القومَ أقرؤهم " (٢)، قلنا: فإن أصحابنا تأوّلُوه (٣) عن أن الأقرأ هاهنا هو الأفقه؛ لأن الصحابة - رضى الله عنهم - كانوا يتفقهون فى القرآن فأكثرهم قرآناً أكثرهم فقهاً (٤).
قال القاضى: [وقال بعض علمائنا: إنما هذا الترجيح إذا تشاحوا، وإلا فمتى كان كل واحد منهم يصلح للأمة فلا يحتاج إلى هذا، فمن تقدم منهم لم يكره فى حقه وجاز له ذلك ولم يكن مسيئاً] (٥).
وقوله: " شببةٌ ": أى أحداثٌ، جمع شاب.
وقوله: " متقاربون ": أى فى الأسنان، وقيل: فى العلم والقراءة.
وقوله فى حديث أبى مسعود من رواية الأعمش: " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا فى القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة " يُقَوِّى قول المخالف، فإنه قد فصَل القراءة من السنة، ولم تأت هذه الزيادة فى رواية غير الأعمش، ومجملها عندنا وعند الشافعى - والله أعلم - فيمن كان فى أول الإسلام، وعند عدم الثقة، وكان المقدم القارئ، حتى وإن كان صبيّا على ما جاء فى حديث عمرو بن سلمة (٦)، فلما تفقه الناس فى القرآن والسنة قُدِّم
стр. 1256
لِى، فَلَمَّا أَرَدْنَا الإقْفَالَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَنَا: " إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا ".
(...) وحدّثناه أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ - حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: قَالَ الحَذَّاءُ: وَكَانَا مُتَقَارِبَيْنِ فِى القِرَاءَةِ.
ــ
الفقيه؛ بدليل تقديم النبى ﷺ أبا بكر لخلافته فى الصلاة (١)، وقد نص ﵇ أن غيره أقرأ منه (٢)، وقيل: قدم التفقه فى كتاب الله؛ لأنه أصل الفقه والعلم أولاً، ثم الزيادة بعلم سنة رسوله من باب تقديم الأفقه على من دونه فى الفقه.
وفى قوله: " يؤم القوم أقرؤهم " حجة لنا فى منع إمامة المرأة؛ لأن القوم ينطلق على الذكور دون الإناث، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْم﴾، ثم قال: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاء﴾ (٣)، قال الشاعر:
أقوم آل حصن أم نساء
ففصل بين النساء والقوم. وهذا فى إمامتها بالرجال، وقد تقدم الكلام فى ذلك.
وقوله: " فإن كانوا فى السُنَّة سواءً فأقدمهم هجرة " لزيادة فضلها.
وقوله: " فإن استووا فى الهجرة فأقدمهم سِلماً (٤) " وفى الرواية الأخرى: " سنًّا " وفى الحديث الآخر: " فأكبرهم سنًّا " والسلم هنا: الإسلام، وقد روى " إسلاماً " (٥).
وقِدَمُ الإسلام زيادة فضيلة لا شك مع الاستواء فيما دونها، كما أن كبر السن زيادة فضيلة مع الاستواء فيما دونها، وقد روى عن الزهرى فى هذا الحديث: فإن استووا فى القراءة
стр. 1257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأفقههم فى دين الله فإن كانوا فى الفقه سواءً فأكبرهم سناً، فإن كانوا فى السن سواء فأصبحهم وأحسنهم وجهاً، فإن كانوا فى الصباحةِ والحُسن سواء فأكبرهم حسباً. قال الخطابى: وإن كانت الهجرة اليوم قد انقطعت مراعاتها ففضيلتها باقية على أبنائهم، فمن كان من أبناء المهاجرين أو كان فى آبائه وأسلافه من له سابقة وقدَمٌ فى الإسلام فهو مقدّم على غيره، ممن ليس له مثل ذلك، أو هو حديث عهد بإسلامٍ؛ ولهذا قُدِّم ذو السنِّ؛ لأنه أقدم إسلاماً، فصار بمنزلة القديم الهجرة.
قال بعض المتكلمين: رتب النبى ﷺ الأئمة هذا الترتيب؛ لأنها خلافة النبى ﷺ ، إذ هو إمام الناس فى الدنيا والآخرة، فهى بعده للأقرب إليه منزلة، والأشبه به مرتبة، ثم بسط الكلام فى أن هذه الصفات والأخلاق من العلم بالقرآن والسنة وقدم الإسلام وحصافة العقل وهيبة (١) القدر - الذى هى معنى السن وجلالة النسب وحسن الصورة وحسن الأخلاق - هى صفات النبى ﵇ وهو المتصف بها حقيقة على الكمال، فمن اتصف بها كان أشبه بالنبى ﷺ وأولى بخلافته، ومن اتصف ببعضها كان من اتصف بجميعها أولى منه، وكان ﵇ خلقه القرآن (٢)، وقال: " من قرأ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه " (٣)، وكان علمه وعلم السنن إليه ومنه أقتبس، وكان من جمال الصورة وحسن الخلق على ما عُرِف، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٤).
قيل: [قد] (٥) تكون العبارة بصباحة الوجه وحسنه هنا عن بشره وطلاقته فيه، والقلوب إلى الصفات الحسنة أحب والنفوس (٦) إلى الأخلاق الحسنة (٧) والوجوه البسيطة أميل، وبالتقديم لها فى أمورها وحوائجها أرضى، وقد قال ﵇: " أقربكم منى مجلساً أحاسنكم أخلاقاً " (٨) وكذلك الحسيب يقرب إليه بمشاركة شرف حسبه وكرم
стр. 1258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فخاره، مع أن أهل الحسب (١) أنزه بهممهم عما يشين، وكذلك الكبير السن أتم عقلاً، وأقدم إيماناً، وقد قال ﵇: " لِيَلينِّى منكم أولو الأحلام والنهى " (٢) فمن جمع هذه الخصال صلح لخلافته الكبرى فكيف الصغرى؟
وأما قوله فى الحديث الآخر: " وليؤمكم (٣) أكبركُمُ " فذلك - والله أعلم - فيما قيل لعلمه باستوائهم فى القراءة والفقه، لوفودهم معاً وتعلمهم عنده عشرين يوماً معاً وقد جاء مفسراً فى الحديث نفسه من الرواية الأخرى. قال: وكانوا متقاربين فى القراءة كذلك.
وأما قوله فى الحديث الآخر: " وليؤمكم أكبركُم " ووجه الجمع بين هاتين الروايتين من قول مالك بن الحويرث فى الحديث الأول: " وفدنا على رسول الله ﷺ فى ناس [ونحن] (٤) شببة متقاربون " وفى الآخر: " وفدت على رسول الله ﷺ أنا وصاحب لى " أن يكونا حديثين فى وفادتين - والله أعلم.
وقوله: " ولا يؤمن الرجل فى سلطانه ولا يقعد على تكرمته إِلا بإذنه " جاء فى الحديث تفسير " تكرمته ": فراشه. وفيه حجة على أن الإمام من السلطان أو من جُعل له الصلاة أحق بالتقدم حيث كان من غيره. قال الخطابى: وهذا فى الجمعات والأعياد، لتعلقها بالسلاطين، فأما فى الصلوات المكتوبات فأعلمهم أولاهم.
قال القاضى: هذا ما لا يوافق عليه، والصلاة لصاحب السلطنة حقٌّ من حقه وإن حضر [من هو] (٥) أفضلُ منه وأفقه (٦)، وقد تقدم الأمر من عهد النبى ﷺ ، فمن بعدهم على من تحت أيديهم وفيهم الأفضل. وقد ذكر شيوخنا: أن الإمام على الجملة أولى بالصلاة دون تفضيلٍ فى وجهٍ، وحكى الماوردى قولين فى الأحق هو أو رب المنزل إذا اجتمعا؟ ثم صاحب المنزل أحق من زائره؛ لأنه سلطانه، وموضع تدبيره، ولا خلاف يُعلمُ فى هذا، مع نص الحديث فيه، إِلا أن يأذن صاحب المنزل للزائر. ويستحب له إن حضر من هو أفضل منه أن يُقَدِّمه. قال الخطابى: وكذلك إمام مسجد قومه وقبيلته.
стр. 1259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: " إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما (١) " فى رواية الترمذى: " إذا سافرتما فأذِّنا وأقيما " (٢) فيه حجة الأذان فى السفر، ومذهب مالك وأئمة الفتوى وأكثر العلماء على استحبابه وجوازه، وترك وجوبه، إِلا ما روى عن عطاء: أنه يعيد إذا لم يؤذِّن ويقم، احتمالاً على ظاهر الأمر فى الحديث، ومثله فى الإمامة عن مجاهد، وبوجوبه قال داود وأصحابه، ومحمول الحديث عندنا وعند الجمهور على الندب والفضل. وحكى الطبرى عن مالك: إن ترك المسافر الأذان عمداً فعليه إعادة الصلاة، وهذا نحو قول المخالف.
وقوله: " فلما أردنا الإقفال " أى الرجوع، يقال: قفل الجيش إذا رجع، وأقفلهم الأميرُ، ويقال: قفلهم - أيضاً - كأنه قال: فلما أردنا أن يؤذن لنا فى الرجوع.
стр. 1260
(٥٤) باب استحباب القنوت فى جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة
٢٩٤ - (٦٧٥) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلاةِ الفَجْرِ مِنَ القِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ " ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَاَئِمٌ: " اللَّهُمَّ، أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ، وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ، اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِى يُوسُفَ. اللَّهُمَّ، الْعَنْ لْحْيَانَ وَرِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ " ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا أُنزِلَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنِّهُمْ ظَالِمُون﴾ (١).
ــ
أحاديث القنوت
ذكر مسلم عن أبى هريرة قنوت النبى ﷺ فى صلاة الفجر بعد الركوع ودعائه لقوم وعلى آخرين ثم ترك ذلك، وفى رواية عنه: " بينا هو يصلى العشاء " وعند العذرى: " العشىّ " وفى رواية عنه: " أنه قنت فى الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح " (٢)، وعن أنس أنه: " دعا على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحاً "، وعنه: " قنت رسول الله ﷺ فى صلاة الصبح بعد الركوع يسيراً " (٣) كذا لهم، وكذا فى البخارى (٤) وعند بعضهم: " شهراً " (٥). قيل: هو أصوب كما جاء فى الحديث الآخر ثلاثين ليلة، ولعل " يسيراً " تصحيف منه، وقد يكون صواباً [كما جاء] (٦) لتقليل المدة، وعنه: " أن
стр. 1261
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ إِلَى قَوْلِهِ: " وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِّى يُوسُفَ " وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٢٩٥ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ، فِى صَلاةٍ، شَهْرًا، إِذَا قَالَ: " سَمِعِ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " يَقُولُ فِى قُنُوتِهِ: " اللَّهُمَّ، أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدَ. اللَّهُمَّ، نَجِّ سَلَمَةَ بْن هِشَامٍ. اللَّهُمَّ، نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى
ــ
رسول الله ﷺ إنما قنت قبل الركوع، وأنكر بعد الركوع " (١). وقال: " إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً " زاد فى البخارى: " ثم تركه " (٢) ولم يذكر مسلم قوله: " بعد الركوع "، وذكره البخارى. وعن البراء أن رسول الله ﷺ كان يقنت فى الصبح والمغرب، وعن خُفافِ الغفارى أنه قنت بعد الركوع، وفى كتاب أبى داود عن ابن عباس أن النبى ﷺ قنت فى الصلوات الخمس وسماها (٣)، وفى الموطأ عن الأعرج: " ما أدركت الناس إِلا وهم يلعنون الكفرة فى رمضان " (٤).
قال القاضى: اختلف العلماء فى القنوت فى صلاة الفجر وفى الوتر فى رمضان، وغيره، وما عدا ذلك، فلم يعملوا به إِلا أن ينزل نازلة، كما نزلت بأصحاب بئر معونة أو يحتاج إلى الدعاء فى أمر مهم، فقد أرخص بعضهم أن يقنتوا فى سائر الصلوات ويدعو فى ذلك، وقاله الشافعى والطبرى، وأنكر هذا الطحاوى [وقال: لم يقله أحدٌ قبل الشافعى] (٥)، وروى عن بعض السلف فعله، وأنكر الشعبى القنوت فى الفجر وغيره، واختلف فى فعله عن الخلفاء الأربعة وغيرهم [من الصحابة رضى الله عنهم] (٦)، ورآه بعضهم بدعةً، فروى عن ابن عمر وعنه خلافه، وذهب مالك والشافعى وأحمد وداود فى جماعةٍ إلى العمل بالقنوت [فى الفجر] (٧)، ولم يقل به الكوفيون والليث ويحيى بن يحيى من المالكية.
стр. 1262
رَبِيعَةَ. اللَّهُمَّ، نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ، اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ. اللَّهُمَّ، اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُفَ ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ. فَقُلْتُ: أُرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ. قَالَ: فَقِيلَ: وَمَا تَرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا؟
ــ
ثم اختلف القائلون فى حكمه، فالمعروف من قول مالك وغيره أنه من المستحبات والمرغب فيها، وذهب الحسن وابن سحنون [والشافعى] (١) أنه سنةٌ، وهو مقتضى رواية على عن مالك بإعادة تاركه الصلاة عمداً، وقد حكى الطبرى الإجماع على أن تركه غيرُ مفسد للصلاة، وعن الحسن فى تركه سجود السهو، ثم اختلفوا فى موضعه فالمشهور عن مالك [استحبابه] (٢) قبل الركوع، وهو قول إسحاق وابن أبى ليلى وعمر بن عبد العزيز، وروى عن عمر وعلىٍّ وابن مسعود [وابن عباس] (٣) وجماعة من الصحابة والتابعين وأصحاب الرأى [وذهبت طائفة إلى التخيير فى ذلك والتوسعة قبل الركوع، وإليه ذهب أحمد، وروى عن أنس، وهو قول مالك، لكنه استحب ما تقدم] (٤) وحكى الخطابى عن مالك بعد الركوع وهو قول ابن حبيب [وابن وهب] (٥) والشافعى وأحمد، وحكى عن إسحاق أيضاً، وروى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم. ثم اختلفوا هل يكبر له؟ وهل يرفع يديه إذا دعى فيه؟ ومالك لا يرى شيئاً من ذلك.
ثم اختلف القائلون بالقنوت فى صلاة الفجر، هل يقنت فى الوتر فى رمضان أو غيره؟ فروى عن على وأبى وابن عمر وجماعة من السلف [و] (٦) الفقهاء القنوت فى الوتر فى النصف الآخر من رمضان من ليلة ست عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق، ورواية ابن وهب والمدنيين عن مالك. وقالت طائفة: لا يقنت فى الوتر جملة وروى عن ابن عمر وطاوس، وهى رواية [ابن نافع] (٧) والمصريين عن مالك، وعن أبى حنيفة: أنه لا يقنت إِلا فى وتر رمضان فقط، فيستحب فى جميعها، وقاله النخعى، وحكى عن إسحاق، وقيل: يقنت فى وتر السنة كلها، وهو قول ابن مسعود [والحسن] (٨) والنخعى وإسحاق وأبى ثور، وقال قتادة: يقنت فى السنة كلها إِلا فى النصف الأول من رمضان، وروى - أيضاً - عن الحسن.
ثم اتفقوا على أنه لا يتعين فى القنوت دعاء مؤقت، إِلا ما روى عن بعض أهل الحديث فى تخصيصها بقنوت مصحف أبى بن كعب المروى؛ أن جبريل ﵇
стр. 1263
(...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، بَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّى العِشَاءَ إِذْ قَالَ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ: " اللَّهُمَّ، نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الأَوْزَاعِىِّ. إِلَى قَوْلِهِ: " كَسِنِى يُوسُفَ " وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
ــ
علمه النبىَّ ﷺ وهو: " اللهم إنا نستعينك ونستغفرك " إلى آخره (١) وأنه لا يصلى خلف من لا يقنت بذلك، لكنه يستحب عند مالك والكوفيين القنوت بذلك، واستحب الشافعى القنوت بالدعاء المروى عن الحسن بن على عن النبى ﷺ ؛ أنه كان يقنت به: " اللهم اهدنى فيمن هديت " إلى آخره (٢)، وقد اختار بعض شيوخنا البغداديين الجمع بين الدعائين فى القنوت، وذكر ذلك القاضى ابن نصر، وهو قول إسحاق والحسن بن حى.
قيل فى معنى قول أنس: " قنت شهراً ثم تركه ": أى ترك الدعاء على هذه القبائل وفى الصلوات الأربع، ولم يتركه فى صلاة الصبح، [ويدل حديث أنس على استدامته ﵇ القنوت فى صلاة الصبح] (٣)، وأن الاختلاف عنه فى قنوته وتركه على هذا، وكذلك الاختلاف عنه فى [ذلك] (٤) قبل الركوع وبعده، لاختلاف القنوتين، فقيل: فى الفجر وبعده فى الدعاء على الكفار.
[واختلف فى رفع الأيدى فى القنوت، فقيل: لا يرفع، حكاه ابن سفيان وقاله الأوزاعى ويزيد بن أبى مريم، وهو مشهور مذهبنا، وروى ابن أبى وأنس عن مالك أنهما من المواضع التى رأى رفع الأيدى فيها كما ترفع فى الصلاة] (٥)، وفى دعائه ﵇ على من دعا عليه فى الحديث من الكفار ولعنهم: جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم، وتعيين من تعيَّن منهم، ولا خلاف فى الدعاء على الكفرة. واختلف فى الدعاء على أهل المعاصى، فأجازه بعضهم وأباه آخرون، وقالوا: يُدْعى لهم بالتوبة لا عليهم إِلا أن يكونوا منتهكين لحرمة الدين وأهله، وقيل: إنما يجب الدعاء على أهل الانتهاك فى حين فعلهم ذلك وإقبالهم، وأما فى إدبارهم فيدعى لهم بالتوبة. وحديث زهير بن حرب عن حسين بن محمد: " أن النبى ﷺ قنت بعد الركعة فى صلاته شهراً " لم يقع هذا الحديث عند العذرى ولا عند الفارسى، ولا عند ابن ماهان (٦)، وهو ثابت فى نسخة ابن
стр. 1264
٢٩٦ - (٦٧٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبِدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: وَاللهِ، لأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِى الظُّهْرِ، وَالعِشَاءِ الآخِرَةِ، وَصَلاةِ الصُّبْحِ. وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ الكُفَّارَ.
٢٩٧ - (٦٧٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ، ثَلاثِينَ صَبَاحًا. يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَلِحْيَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ: قَالَ أَنَسٌ: أَنْزَلَ اللهُ فِى الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا قَرَأنَاهُ حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِىَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ.
٢٩٨ - (...) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى صَلاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ. بَعْد الرُّكُوعِ يَسِيرًا.
٢٩٩ - (...) وحدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى - وَاللفْظُ لابْنِ مُعَاذٍ - حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبى مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ فِى صَلاةِ الصُّبْحِ،
ــ
عيسى وبعض الشيوخ (١) وَحُوِّق عليه فى كتاب الجيانى، ثم جاء السند بعينه بعده فى حديث: " بينا (٢) النبى ﷺ يصلى العشاء " عند جميعهم بغير خلاف، ووقع هنا عند القاضى الصدفى: " يصلى العشى " فإن صح فمعناه إحدى صلاتى العشى.
وقوله: " لأُقرِّبَنَّ لكم صلاة رسول الله ﷺ ": أى لأصلى صلاةً تقرب من صفتها، كما قال فى حديثه الآخر: " إنى لأقربكم شبهاً بصلاته "، وقال بعضهم: صوابه لأقتربن أى لأتبعن، وهذا تعسف.
وقال مسلم: " حدثنى عبيد الله بن معاذ العنبرى، وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن عبد الأعلى واللفظ لابن معاذ " كذا لجميعهم، وفى كتاب العذرى ومحمد بن
стр. 1265
يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ، وَيَقُولُ: " عُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ ".
٣٠٠ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ فِى صَلاةِ الفَجْرِ، يَدْعُو عَلَى بَنِى عُصَيَّةَ.
٣٠١ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ القُنُوتِ، قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ. قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَقَالَ: إِنَّمَا قَنَتَ رسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أُنَاسٍ قَتَلُوا أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لَهُم: القُرَّاءُ.
ــ
عبد الله مكان عبد الأعلى، وهو خطأ، والصواب ابن عبد الأعلى، وهو الصنعانى خرج له النسائى - أيضاً - أحاديث النوم عن الصلاة.
قال الإمام: إن قيل: ما معنى قوله فى الحديث [الآخر] (١): " إن عينى تنامان ولا ينام قلبى " (٢) وقد نام [فى حديث الوادى] (٣) حتى طلعت الشمس، [قلنا] (٤): إن من أهل العلم من تأوَّل [أن] (٥) قوله ﵇: " إن عينىَّ تنامان ولا ينام قلبى " على أن ذلك غالب أحواله (٦)، وقد ينام نادراً، بدليل حديث الوادى، ومنهم من تأول [قوله: " ولا ينام قلبى " على] (٧) أنه لا يستغرقه [آفة] (٨) النوم حتى يكون منه الحدث [ولا يشعر] (٩)، والأولى عندى أن يقال: ما بين الحديثين تناقضٌ؛ لأنه ذكر فى الحديث أن عينى تنامان [ولا ينام قلبى] (١٠)، وكذلك كان يوم الوادى إنما نامت عيناه فلم ير طلوع الشمس وطلوعها إنما يدرك بالعين دون (١١) القلب.
قال القاضى: قيل: لا ينام قلبه من أجل أنه يُوحى إليه، ويدل أن الاستغراق لا