← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ إِلَى قَوْلِهِ: " وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِّى يُوسُفَ " وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ. ٢٩٥ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ، فِى صَلاةٍ، شَهْرًا، إِذَا قَالَ: " سَمِعِ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " يَقُولُ فِى قُنُوتِهِ: " اللَّهُمَّ، أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدَ. اللَّهُمَّ، نَجِّ سَلَمَةَ بْن هِشَامٍ. اللَّهُمَّ، نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى ــ رسول الله ﷺ إنما قنت قبل الركوع، وأنكر بعد الركوع " (١). وقال: " إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً " زاد فى البخارى: " ثم تركه " (٢) ولم يذكر مسلم قوله: " بعد الركوع "، وذكره البخارى. وعن البراء أن رسول الله ﷺ كان يقنت فى الصبح والمغرب، وعن خُفافِ الغفارى أنه قنت بعد الركوع، وفى كتاب أبى داود عن ابن عباس أن النبى ﷺ قنت فى الصلوات الخمس وسماها (٣)، وفى الموطأ عن الأعرج: " ما أدركت الناس إِلا وهم يلعنون الكفرة فى رمضان " (٤). قال القاضى: اختلف العلماء فى القنوت فى صلاة الفجر وفى الوتر فى رمضان، وغيره، وما عدا ذلك، فلم يعملوا به إِلا أن ينزل نازلة، كما نزلت بأصحاب بئر معونة أو يحتاج إلى الدعاء فى أمر مهم، فقد أرخص بعضهم أن يقنتوا فى سائر الصلوات ويدعو فى ذلك، وقاله الشافعى والطبرى، وأنكر هذا الطحاوى [وقال: لم يقله أحدٌ قبل الشافعى] (٥)، وروى عن بعض السلف فعله، وأنكر الشعبى القنوت فى الفجر وغيره، واختلف فى فعله عن الخلفاء الأربعة وغيرهم [من الصحابة رضى الله عنهم] (٦)، ورآه بعضهم بدعةً، فروى عن ابن عمر وعنه خلافه، وذهب مالك والشافعى وأحمد وداود فى جماعةٍ إلى العمل بالقنوت [فى الفجر] (٧)، ولم يقل به الكوفيون والليث ويحيى بن يحيى من المالكية.

стр. 1262

رَبِيعَةَ. اللَّهُمَّ، نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ، اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ. اللَّهُمَّ، اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُفَ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ. فَقُلْتُ: أُرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ. قَالَ: فَقِيلَ: وَمَا تَرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا؟ ــ ثم اختلف القائلون فى حكمه، فالمعروف من قول مالك وغيره أنه من المستحبات والمرغب فيها، وذهب الحسن وابن سحنون [والشافعى] (١) أنه سنةٌ، وهو مقتضى رواية على عن مالك بإعادة تاركه الصلاة عمداً، وقد حكى الطبرى الإجماع على أن تركه غيرُ مفسد للصلاة، وعن الحسن فى تركه سجود السهو، ثم اختلفوا فى موضعه فالمشهور عن مالك [استحبابه] (٢) قبل الركوع، وهو قول إسحاق وابن أبى ليلى وعمر بن عبد العزيز، وروى عن عمر وعلىٍّ وابن مسعود [وابن عباس] (٣) وجماعة من الصحابة والتابعين وأصحاب الرأى [وذهبت طائفة إلى التخيير فى ذلك والتوسعة قبل الركوع، وإليه ذهب أحمد، وروى عن أنس، وهو قول مالك، لكنه استحب ما تقدم] (٤) وحكى الخطابى عن مالك بعد الركوع وهو قول ابن حبيب [وابن وهب] (٥) والشافعى وأحمد، وحكى عن إسحاق أيضاً، وروى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم. ثم اختلفوا هل يكبر له؟ وهل يرفع يديه إذا دعى فيه؟ ومالك لا يرى شيئاً من ذلك. ثم اختلف القائلون بالقنوت فى صلاة الفجر، هل يقنت فى الوتر فى رمضان أو غيره؟ فروى عن على وأبى وابن عمر وجماعة من السلف [و] (٦) الفقهاء القنوت فى الوتر فى النصف الآخر من رمضان من ليلة ست عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق، ورواية ابن وهب والمدنيين عن مالك. وقالت طائفة: لا يقنت فى الوتر جملة وروى عن ابن عمر وطاوس، وهى رواية [ابن نافع] (٧) والمصريين عن مالك، وعن أبى حنيفة: أنه لا يقنت إِلا فى وتر رمضان فقط، فيستحب فى جميعها، وقاله النخعى، وحكى عن إسحاق، وقيل: يقنت فى وتر السنة كلها، وهو قول ابن مسعود [والحسن] (٨) والنخعى وإسحاق وأبى ثور، وقال قتادة: يقنت فى السنة كلها إِلا فى النصف الأول من رمضان، وروى - أيضاً - عن الحسن. ثم اتفقوا على أنه لا يتعين فى القنوت دعاء مؤقت، إِلا ما روى عن بعض أهل الحديث فى تخصيصها بقنوت مصحف أبى بن كعب المروى؛ أن جبريل ﵇

стр. 1263

(...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، بَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّى العِشَاءَ إِذْ قَالَ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ: " اللَّهُمَّ، نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الأَوْزَاعِىِّ. إِلَى قَوْلِهِ: " كَسِنِى يُوسُفَ " وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ. ــ علمه النبىَّ ﷺ وهو: " اللهم إنا نستعينك ونستغفرك " إلى آخره (١) وأنه لا يصلى خلف من لا يقنت بذلك، لكنه يستحب عند مالك والكوفيين القنوت بذلك، واستحب الشافعى القنوت بالدعاء المروى عن الحسن بن على عن النبى ﷺ ؛ أنه كان يقنت به: " اللهم اهدنى فيمن هديت " إلى آخره (٢)، وقد اختار بعض شيوخنا البغداديين الجمع بين الدعائين فى القنوت، وذكر ذلك القاضى ابن نصر، وهو قول إسحاق والحسن بن حى. قيل فى معنى قول أنس: " قنت شهراً ثم تركه ": أى ترك الدعاء على هذه القبائل وفى الصلوات الأربع، ولم يتركه فى صلاة الصبح، [ويدل حديث أنس على استدامته ﵇ القنوت فى صلاة الصبح] (٣)، وأن الاختلاف عنه فى قنوته وتركه على هذا، وكذلك الاختلاف عنه فى [ذلك] (٤) قبل الركوع وبعده، لاختلاف القنوتين، فقيل: فى الفجر وبعده فى الدعاء على الكفار. [واختلف فى رفع الأيدى فى القنوت، فقيل: لا يرفع، حكاه ابن سفيان وقاله الأوزاعى ويزيد بن أبى مريم، وهو مشهور مذهبنا، وروى ابن أبى وأنس عن مالك أنهما من المواضع التى رأى رفع الأيدى فيها كما ترفع فى الصلاة] (٥)، وفى دعائه ﵇ على من دعا عليه فى الحديث من الكفار ولعنهم: جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم، وتعيين من تعيَّن منهم، ولا خلاف فى الدعاء على الكفرة. واختلف فى الدعاء على أهل المعاصى، فأجازه بعضهم وأباه آخرون، وقالوا: يُدْعى لهم بالتوبة لا عليهم إِلا أن يكونوا منتهكين لحرمة الدين وأهله، وقيل: إنما يجب الدعاء على أهل الانتهاك فى حين فعلهم ذلك وإقبالهم، وأما فى إدبارهم فيدعى لهم بالتوبة. وحديث زهير بن حرب عن حسين بن محمد: " أن النبى ﷺ قنت بعد الركعة فى صلاته شهراً " لم يقع هذا الحديث عند العذرى ولا عند الفارسى، ولا عند ابن ماهان (٦)، وهو ثابت فى نسخة ابن

стр. 1264

٢٩٦ - (٦٧٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبِدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: وَاللهِ، لأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِى الظُّهْرِ، وَالعِشَاءِ الآخِرَةِ، وَصَلاةِ الصُّبْحِ. وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ الكُفَّارَ. ٢٩٧ - (٦٧٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ، ثَلاثِينَ صَبَاحًا. يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَلِحْيَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ: قَالَ أَنَسٌ: أَنْزَلَ اللهُ فِى الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا قَرَأنَاهُ حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِىَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ. ٢٩٨ - (...) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى صَلاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ. بَعْد الرُّكُوعِ يَسِيرًا. ٢٩٩ - (...) وحدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى - وَاللفْظُ لابْنِ مُعَاذٍ - حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبى مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ فِى صَلاةِ الصُّبْحِ، ــ عيسى وبعض الشيوخ (١) وَحُوِّق عليه فى كتاب الجيانى، ثم جاء السند بعينه بعده فى حديث: " بينا (٢) النبى ﷺ يصلى العشاء " عند جميعهم بغير خلاف، ووقع هنا عند القاضى الصدفى: " يصلى العشى " فإن صح فمعناه إحدى صلاتى العشى. وقوله: " لأُقرِّبَنَّ لكم صلاة رسول الله ﷺ ": أى لأصلى صلاةً تقرب من صفتها، كما قال فى حديثه الآخر: " إنى لأقربكم شبهاً بصلاته "، وقال بعضهم: صوابه لأقتربن أى لأتبعن، وهذا تعسف. وقال مسلم: " حدثنى عبيد الله بن معاذ العنبرى، وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن عبد الأعلى واللفظ لابن معاذ " كذا لجميعهم، وفى كتاب العذرى ومحمد بن

стр. 1265

يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ، وَيَقُولُ: " عُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ ". ٣٠٠ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ فِى صَلاةِ الفَجْرِ، يَدْعُو عَلَى بَنِى عُصَيَّةَ. ٣٠١ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ القُنُوتِ، قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ. قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَقَالَ: إِنَّمَا قَنَتَ رسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أُنَاسٍ قَتَلُوا أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لَهُم: القُرَّاءُ. ــ عبد الله مكان عبد الأعلى، وهو خطأ، والصواب ابن عبد الأعلى، وهو الصنعانى خرج له النسائى - أيضاً - أحاديث النوم عن الصلاة. قال الإمام: إن قيل: ما معنى قوله فى الحديث [الآخر] (١): " إن عينى تنامان ولا ينام قلبى " (٢) وقد نام [فى حديث الوادى] (٣) حتى طلعت الشمس، [قلنا] (٤): إن من أهل العلم من تأوَّل [أن] (٥) قوله ﵇: " إن عينىَّ تنامان ولا ينام قلبى " على أن ذلك غالب أحواله (٦)، وقد ينام نادراً، بدليل حديث الوادى، ومنهم من تأول [قوله: " ولا ينام قلبى " على] (٧) أنه لا يستغرقه [آفة] (٨) النوم حتى يكون منه الحدث [ولا يشعر] (٩)، والأولى عندى أن يقال: ما بين الحديثين تناقضٌ؛ لأنه ذكر فى الحديث أن عينى تنامان [ولا ينام قلبى] (١٠)، وكذلك كان يوم الوادى إنما نامت عيناه فلم ير طلوع الشمس وطلوعها إنما يدرك بالعين دون (١١) القلب. قال القاضى: قيل: لا ينام قلبه من أجل أنه يُوحى إليه، ويدل أن الاستغراق لا

стр. 1266

٣٠٢ - (...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَجَدَ عَلَى سَرِيَّةٍ مَا وَجَدَ عَلَى السَّبْعِينَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ بَئْرِ مَعُونَةَ، كَانُوا يُدْعَوْنَ القُرَّاءَ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَدعُو عَلَى قَتَلَتِهِمْ. (...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَابْنُ فُضَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الحَدِيثِ. يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. ٣٠٣ - (...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا. يَلْعَنُ رِعْلاً وَذَكْوَانَ. وَعُصَيَّةَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ. (...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بنَحْوِهِ. ٣٠٤ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ شَهرًا، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ. ٣٠٥ - (٦٧٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ــ يجوز عليه جملةً أو غالباً؛ أنه كان محروساً من الحدث كما جاء فى الحديث (١)، وأنه " كان ينام حتى ينفخ " (٢)، " ويسمع غطيطه ثم يصلى ولا يتوضأ " (٣): وقد تكون هذه الغلبة هنا

стр. 1267

حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ فِى الصُّبْحِ وَالمَغْرِبِ. ٣٠٦ - (...) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ. قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى الفَجْرِ وَالمَغْرِبِ. ٣٠٧ - (٦٧٩) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ سَرْحٍ المِصْرِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِى أَنَسٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ خُفَافِ ابْنِ إِيمَاءٍ الغِفَارِىِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فِى صَلاةٍ: " اللَّهُمَّ، الْعَنْ بَنِى لِحْيَانَ وَرِعْلاً وذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ ". ٣٠٨ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ: قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِى مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو - عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ خُفَافٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءٍ: رَكَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالِمَهَا اللهُ وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ. اللَّهُمَّ، الْعَنْ بَنِى لِحْيَانَ، وَالْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ " ثُمَّ وَقَعَ سَاجِدًا. قَالَ خُفَافٌ: فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الكَفَرَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِىِّ بْنِ الأَسْقَعِ، عَنْ خُفَافِ بْنِ إيمَاءٍ، بِمِثْلِهِ، إِلا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الكَفَرَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. ــ للنوم والخروج عن عادته فيه لما أراد الله من بيان سنة النائم عن الصلاة كما قال فى الحديث الآخر: " لو يشاء الله لأيقظنا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم " (١).

стр. 1268

(٥٥) باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها ٣٠٩ - (٦٨٠) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسيِّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الكَرَى عَرَّس، وَقَالَ لِبِلالٍ: " اكْلَأ لَنَا اللَّيْلَ " ــ وقوله فى الحديث من رواية الزهرى عن سعيد عن أبى هريرة: " حين قفل من غزوة خيبر "، قال الأصيلى: هو غلط، وإنما هو: حين قفل من حنين، ولم [يعترض] (١) ذلك النبى ﵇ إِلا مرةً حين قفل من حنين إلى مكة، وقال الباجى وابن عبد البر: إن قول ابن شهاب: " حين قفل من خيبر (٢) " أصح، وهو قول أهل السيرة، وفى حديث ابن مسعود أن نومه ذلك كان عام الحديبية، وذلك فى زمن خيبر (٣). قال الباجى: وعليه يدلُّ حديثُ أبى قتادة، قال غيره: وكذلك قوله بطريق مكة: هو

стр. 1269

فَصَلَّى بِلالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلالٌ ــ طريق لمكة لمن شاء (١)، قال أبو عمر: فى هذه الأخبار ما يدل أَنَّ نومه كان (٢) مرةً واحدةً، ويحتمل أن يكون مرتين، لأن فى حديث ابن مسعود: " أنا أوقظكم " (٣)، وقد يمكن أن النبى ﷺ لم يجبه إلى ذلك وأمر بلالاً. قال القاضى: أما حديث أبى قتادة فلا مريةَ أنه غير حديث أبى هريرة، وكذلك حديثُ عمران بن حصين، يدل أنها فى موطنين ونبين (٤) ذلك (٥) آخر الباب. والكرى: النوم. وقوله: " عرّس رسول الله ﷺ ": التعريس: نزول آخر الليل [للنوم] (٦) والراحة، قاله الخليل وغيره (٧). وقال أبو زيد: التعريس النزول أى وقت كان من ليل أو نهار. وفى الحديث: " [معرسين] (٨) فى نحر الظهيرة " (٩) وهذا حجة له، واستحب أهل العلم أن يكون متنحياً على الطريق متنكِّباً عنه للحديث الوارد فى ذلك، ولقوله: " لأنه مأوى الهوام وطرق الدواب بالليل "؛ ولقوله فى حديث أبى قتادة: " فمال رسول الله ﷺ عن الطريق فوضع رأسه ". وقوله لبلال: " اكلأ لنا الليل " وفى الموطأ: " الصبح " قيل: وفيه دليل على صحة قبول خبر الواحد والعمل به، وقد يعترض على هذا بأن الأمر يرجع فى خبر بلال بعد إلى العمل باليقين من المشاهدة والضرورة برؤية الفجر بعد تنبيه بلال عليه. وفى الحديث دليل على جواز النوم قبل وقت الصلاة وإنه خشى استغراقه حتى يخرج وقتها، [إذ] (١٠) لم يتوجه عليه الخطاب بها بعد؛ ولأن هذا قد يعترى النائم أول الليل، وإن كان الأغلب على النائم آخره الغلبة والاستغراق، لا سيما للمسافر والتعب (١١). وفيه الترفق (١٢) بالمسلمين، وقد جاء فى البخارى أنهم طلبوا التعريس منه فقال:

стр. 1270

إِلَى رَاحلَتِهِ مُوَاجِهَ الفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلالاً عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَا بِلالٌ وَلا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَان رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوَّلَهُمْ اسْتِيْقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " أَىْ بِلالُ ". فَقَالَ بِلالٌ: أَخَذَ بِنَفْسِى ــ " أخاف أن تناموا " فقال بلال: " أنا أوقظكم " (١)، فكأن النبى ﷺ ذهب إلى الأخذ بالاحتياط لهم (٢)، فلما رأى حاجتهم واعتمد على إيقاظ بلال وكلائته أباح ذلك لهم. وفيه استعمال الرجل خادمه فى مثل هذا وراحته بتعبه ما لم يجحف به، فكيف وقد روى أن بلالاً قال ذلك ابتداء كما تقدم. وقوله: " فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس ": أى أصابهم شعاعها وحرها على ما جاء فى الحديث [الآخر] (٣). وقوله: " ففزع رسول الله ﷺ " وفى الحديث [الآخر] (٤): " فقمنا فزعين ": قال الأصيلى: وذلك لأجل عدوهم خوفاً أن يكون اتبعهم فيجدهم بتلك الحال من النوم والغِرَّة، وقال غيره: بل ذلك لما فاتهم من أمر الصلاة، وأنه لم يكن عنده ولا عندهم حكم من نابه ذلك، وحذروا المأثم والمؤاخذة بذلك، حتى أعلمهم النبى ﷺ بأنه لا إثم عليهم، بدليل قولهم فى الحديث الآخر: " ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا؟ " فقال: " أمَا لَكُم فىَّ أسوة؟ " ثم قال: [أما] (٥) إنه " ليس فى النوم تفريط "، وهذا بيِّنٌ فى حقِّهم هم، وقد يكون ذلك حكمها هو، بدليل قوله: " أما لكم فىّ أسوةٌ؟ "، ثم أوحى إليه بزوال الحرج، ألا تراه كيف قال، ثم قال: " إنه ليس فى النوم تفريط " ثم يقتضى المهلة وقد قيل: ففزعهم بمعنى مبادرتهم للصلاة، كما قال: " فافزعوا للصلاة " (٦) أى بادروا إليها، وكأنه من معنى الاستغاثة بها من تخويف الله عباده بذلك، وقد يكون فزع النبى ﷺ (٧) هنا إجابته

стр. 1271

الَّذِى أَخَذَ - بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى يَا رَسُولَ اللهِ - بِنَفْسِكَ. ــ الفزعين من أصحابه وإغاثتهم لما نزل بهم. يقال: فزِعتُ: استغثت، وفزَعْتُ: أغثتُ. وقوله: " أى بلال ": كذا عند الشنتجالى وابن أبى جعفر، وعند العذرى والسمرقندى: [أين بلال] (١). وقول بلال: " أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك " على طريق العذر مما كان قد تكفل بضمانه، لا سيما على ما ذكره البخارى فى حديث أبى قتادة من قول النبى ﷺ : " أخافُ أن تناموا "، فقال بلال: " أنا أوقظكم ". وقد اختلف الناس فى النفس ما هى؟ وفى الروح على مقالات كثيرةٍ، ومذهب أئمتنا: أنهما (٢) بمعنى واحد، وأنها الحياة، ويدل عليه قوله فى الرواية الأخرى: " إن الله قبض أرواحَنا "، وقوله: ﴿اللَّهُ يتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٣)، وقد ذكَّرت العربُ الروح وأنثته بمعنى النفس. وقال أبو القاسم القشيرى (٤): وقيل الروح: أعيان مودعةٌ فى الأجساد لطيفة، أجرى الله العادة بخلق الحياة فى الجسد ما دامت فيه تلك الأجساد اللطيفة، فالإنسان حىٌّ بالحياة والإنسان مجموع الجسد [والروح] (٥)، وجملة ذلك هو المعاقب والمثاب، وعلى هذا تدل الآثار، وأما النفس فذات الشىء ووجوده، وقد يحتمل أن يكون النفس لطيفة مودَعةٌ فى الجسم محلاً للأخلاق المعلولة. كما أن الروح محلٌّ للأخلاق المحمودة، والإنسان ينطلق على ذلك كله، قال غيره: ولها اسم ثالث، وهى النسمة. وقد قيل: إن الروح والنَّفْس هو النَفَس المتردد فى الجسد، وهذا غير صحيح، لا لغةً ولا معنى. وقيل: النفس الدمُ، ولكن لا يصح به تفسير هذا الحديث، وقد يمكن تسميته به. وقيل: هو أمر مجهول لا تعرف ماهيته، كما قال تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٦)، وسيأتى الكلام عليه بعد هذا حيث ذكر منه صاحب المعلم إن شاء الله.

стр. 1272

قَالَ: " اقْتَادُوا " فَاقْتَادُوا رَوَاحِلهُمْ شَيْئًا. ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَمَرَ بِلالاً فَأَقَامَ ــ وقوله: " اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئاً " وفى الحديث الآخر: " ارتحلوا " وفى حديث زيد بن أسلم: " فأمرهم أن يركبوا فركبوا " (١) ومثله فى حديث أبى قتادة، وقيل: " فركبوا " محمله أن بعضهم ركِب وبعضهم اقتاد، وهذا على من جعل الأحاديث فى هذه واحدة (٢) وأما إن كانت فى مواطن فلا تعارض فى ذلك (٣) وسنذكر هذا بعد. وأمره ﵇ لهم بهذا مع وجوب المبادرة للصلاة، قال الإمام: اختلف فى علته، فقيل: لأن الشمس كانت طالعة [حينئذ] (٤)، وإنما أمرهم باقتياد رواحلهم حتى ارتفعت [الشمس] (٥)، وقيل: إنما ذلك لما ذكر بعد من قوله: " إن هذا منزلٌ حضرنا فيه شيطان " وهذا هو الأظهر (٦)، ومذهب أبى حنيفة أن المنسياتِ لا تقضى عند (٧) طلوع الشمس، ويحتج بتأخير النبى ﷺ الصلاة حتى خرج من الوادى. وهذا لا حجة له به (٨)؛ لأنه كان فى صلاة ذلك اليوم وهو يوافق على أن صلاة ذلك اليوم تقضى عند طلوع الشمس، والحجة عليه - أيضاً - قوله ﵇: " فليصلها إذا ذكرها "، فعمَّ سائر الأوقات. قال القاضى: لا حجة لأبى حنيفة كما قال من الحديث؛ لما ورد فى الحديث الآخر نفسه: " فما أيقظنا إِلا حرُّ الشمس "، وقوله فى [الحديث الآخر] (٩): " فضربتنا الشمس "، وهذا [كله] (١٠) لا يكون إِلا بعد ارتفاعها، وجواز الصلاة حينئذ، وقد قيل فى أمر النبى ﷺ بالاقتياد وجوه أُخر، منها: أن أمره بذلك ليقوم جميع الناس بحركة الرحيل ويتنبَّه لذلك من غمره النوم وينبه غيره ممن قاربه ويأخذ من قام أهبة الصلاة أثناء ذلك، وقيل: بل كراهة للموضع الذى أصابتهم فيه الغفلة وتشاؤمًا به كما نهى عن الوضوء من ماء ثمود لعصيانهم ونزول العذاب بمكانهم، وكما قال أبو لبابة: " لا أرى فى بلد خنت الله فيه ورسوله " وكما قال: " أهجرُ دار قومى التى أصبت فيها الذنب "،

стр. 1273

الصَّلاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ. فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: " مَنْ نَسِى الصَّلاةَ فَليُصَلَّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ " (١). قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤهُا: لِلذِّكْرَى. ــ ولنهيه عن الصلاة بأرض بابل لأنها ملعونة، وقيل: بل الأمر بذلك منسوخ بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وقوله ﵇: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "، لكن قد اعترض على هذا بأن الآية مكية وهذه القصة بعد الهجرة بأعوام، ولا يصح النسخ قبل وروده والأمر به بغير خلاف. وأما الحديث فإنه مستند إلى الآية مأخوذ منها لقوله ﵇ فإن الله تعالى يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾، وأيضاً النسخ يحتاج إلى توقيف أو عند عدم الجمع. وقوله: " فأمر بلالاً فأقام الصلاة " وفى حديث أبى قتادة: " ثم أذن بلال بالصلاة " وأكثر رواة الموطأ فى هذا الحديث على " أقام " وبعضهم قال: " فأذن " أو أقام الصلاة، وكذلك جاء على الشك فى حديث زيد بن أسلم فى الموطأ ورواية اليقين بالإقامة حجةٌ أنه لا يؤذن للفوائت ويقام لها، وهو مذهب مالك، ويحمل قوله: " فأذن بلال " أى أعلم الناس، وقد يختص هذا الموضع بالأذان لتنبيه الناس، وإيقاظ النيام أو لطرد الشيطان الذى أعلم ﵇ أنه بالوادى، وعلى هذا يجمع بين الأحاديث الواردة فى ذلك، ولا يتخالف. وقد اختلف العلماء فى الأذان والإقامة للفوائت، فذهب الأوزاعى والشافعى كقول مالك المتقدم، وذهب أهل الرأى [وأحمد وأبو ثور] (٢) إلى أنه يؤذِّن لها ويقيم، وقاله الشافعى مرة، وذهب الثورى إلى أنه لا يؤذن ولا يقيم. وقوله: " فصلى بهم الصبح " حجة للتجميع للفوائت. وقوله: " من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها "، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾، وكان ابن شهاب يقرؤها: " للذكرى ". وفى الحديث الآخر: " من نسى صلاة أو نام عنها " وفى الآخر: " أو غفل " قال بعضهم: فيه تنبيه على ثبوت هذا الحكم، وأخذه من الآية التى تضمنت الأمر لموسى ﵇ وأنه مما يلزمنا اتباعه. وقد يحتج به من يقول بأن شرع من قبلنا لازم لنا، قيل: وفيه تنبيه أن هذا حكم من نزلت به هذه النازلة وأن الشغل بالرحيل وغيره دونها غير مباح، ولا يقاس على ما جرى فى قصته -

стр. 1274

٣١٠ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، كِلاهُمَا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْن حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ــ ﵇ إذ كان ذلك خاصة للعلل المذكورة فى الحديث والمستفادة منه الموجبة للانتقال عن الوادى، كما لو تذكر الصلاة وهو فى أرض نجسة لوجب عليه الانتقال إلى موضع طاهر. واختلف فى معنى قوله: ﴿لِذِكْرِي﴾ فقيل: لتذكرنى فيها، وقيل: لأذكرك بالمدح، وقيل: إذا ذكرتنى، وقيل: إذا ذكرتها، أى لتذكيرى لك إياها، وهو أولى بسياق الحديث والاحتجاج بها، ويعضده قراءة: " للذكرى " وهو قول أكثر العلماء والمفسرين. وقوله: " لا كفارة لها إِلا ذلك ": فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يُكفِّرُها غير قضائها، ولا يجوز تركها إلى بدل آخر، والثانى: أنه لا يلزمه فى نسيانه شىء ولا كفارة لها من مال ولا غيره وإنما يلزمه أداؤها. قال الإمام: الاتفاق على [أن] (١) الناسى يقضى، وقد شذ بعض الناس فقال: من زاد على خمس صلوات لم يلزمه قضاؤها، ويصح أن يكون وجه هذا القول أن القضاءَ يسقط فى الكثير للمشقة ولا يسقط فيما لا يشق، كما أن الحائض يسقط عنها قضاء الصلاة، وعلله بعض أهل العلم بالمشقة لكثرة ذلك وتكرر الحيض ولم يسقط الصوم، إذ ليس ذلك موجوداً فيه، وأما من ترك الصلاة متعمداً حتى خرجت أوقاتها، فالمعروف من مذهب الفقهاء أنه يقضى، وشذ بعض الناس فقال: لا يقضى، ويحتج له بدليل الخطاب فى قوله: " من نسى صلاة أو نام عنها فليصلها " (٢)، ودليله أن العامد بخلاف ذلك، فإن لم نقل بدليل الخطاب سقط احتجاجه. وإن قلنا بإثباته قلنا: ليس هذا هاهنا فى الحديث من دليل الخطاب، باى هو من التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا وجب القضاء على الناسى مع سقوط الإثم فأحرى أن يجب على العامد، فالخلاف فى القضاء فى العمد كالخلاف فى الكفارة فى قتل العمد، والخلاف فيها انبنى على الخلاف على ما فى هذا الحديث المتقدم، والآية المتقدمة من دليل الخطاب أو من مفهوم الخطاب. قال القاضى: سمعت بعض شيوخنا يحكى أنه بلغه عن مالك قولةٌ شاذةٌ فى المفرط كقول داود، ولا يصح عنه ولا عن أحد من الأئمة [ولا] (٣) من يعتزى إلى علم سوى داود وأبى عبد الرحمن والشافعى، وقد اختلف الأصوليون فى الأمر بالشىء المؤقت، هل

стр. 1275

فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " لِيَأخُذْ كُلُّ رَجُل بِرَأسِ رَاحِلتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ " قَالَ: فَفَعَلْنَا. ثُمَّ دَعَا بِالمَاءِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ - وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ - ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى الغَدَاةَ. ــ يتناول قضاؤه إذا خرج وقته أو يحتاج إلى أمر ثان؟ وقال بعض المشايخ: إن قضاء العامد مستفاد من قوله ﵇: " فليصلها إذا ذكرها "؛ لأنه بغفلته عنها بجهله وعمده كالناسى، ومتى ذكر تركه لها لزمه قضاؤها، واحتج - أيضاً - بعضهم بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) على أحد التأويلين، وبقوله فى الحديث: " لا كفارة لها إِلا ذلك "، والكفارة إنما تكون من الذنب، والنائم والناسى لا ذنب له، وإنما الذنب للعامد. وقوله فى رواية أبى حازم عن أبى هريرة: " ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة " وكذلك فى حديث أبى قتادة: " فصلى ركعتين ثم صلى الغداة " ولم يذكر ذلك فى حديث ابن شهاب ولا فى حديث عمران بن حصين. وقد اختلف العلماء فيمن فاتته صلاة الصبح، هل يصلى قبلها ركعتى الفجر؟ فذهب أبو حنيفة والشافعى وأحمد وداود إلى الأخذ بزيادة من زاد صلاة ركعتى الفجر فى هذه الأحاديث. وهو قول أشهب، وعلى بن زياد من أصحابنا. ومشهور مذهب مالك: أنه لا يصليها قبل الصبح الفائتة، وهو قول الثورى والليث " أخذاً بحديث ابن شهاب ومن وافقه؛ ولأنها تزاد بصلاة ما ليس بفرض فواتاً، واختلف بعد فيمن نابَه مثل هذا فى وادٍ، وأدركته فيه الصلاة، فذهب بعض العلماء إلى الأخذ بظاهر الحديث، وأنَّ على كل منتبه فى سفرٍ من نوم عن صلاة فاتته بسبب نومه أن يزول عن موضعه، وإن كان واديًا خرج عنه، لأنه موضع مشؤوم ملعون، ولنهيه ﵇ عن الصلاة بأرض بابل فإنها ملعونة (٢).

стр. 1276

٣١١ - (٦٨١) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ المُغِيرَة - حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ؛ قَال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأتُونَ المَاءَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، غَدًا "، فَانْطَلَقَ النَّاس لا يَلْوِى أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ. قَالَ: فَنَعَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ. قَالَ: فَدَعَمْتُهُ مِنْ غيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّىَ اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً، هِىَ أَشَدُّ منَ المَيْلَتَيْنِ الأُوَلَيَيْنِ، حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " مَنْ هَذَا؟ " قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ. قَالَ: " مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّى؟ " قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِى مُنْذُ اللَّيْلَةِ. قَال: " حَفِظَكَ اللهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ " ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ؟ " ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ " قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ. ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ ــ وقوله فى وادى ثمود: " ملعون " (١)، وقال آخرون: إنما يلزم هذا فى ذلك الوادى بعينه إن علم ونزلت فيه تلك النازلة، فيجب الخروج منه، كما فعل ﵇ وقال الجمهور وهو الصواب: إن هذا غير مراعى، وعلى من استيقظ عن صلاة ويذكرها أن يصليها بموضعه، بطن وادٍ كان أو غيره؛ لقوله ﵇: " فأينما أدركتنى الصلاة صليت " (٢). ثم اختلفوا لو علم ذلك الوادى وتعيَّن؟ فقال بعضهم: لا يصلى فيه، لقوله ﵇: " إن هذا وادٍ به شيطان " وإليه ذهب الداودى من شيوخنا، وغيره يرى جوازها فيه؛ لأنا لا ندرى أبقى فيه ذلك الشيطان أم لا؟ وأيضاً فإنه ﵇ قال فى الرواية الأخرى: " حضرنا به شيطان " وليس يدل هذا أنه فيه لازم، وأيضاً لا نقطع أن الاقتياد لأجل الشيطان، لاحتمال المعانى الأخر التى ذكرناها، وأن قوله هذا ذمٌّ للموضع والحال لا علة لترك الصلاة فيه. وفى حديث أبى قتادة من الفقه زائداً: سنة تخفيف الوضوء لقوله: " فتوضأ وضوءاً دون وضوئه "، وهذا معناه [عندى، ووجدت فى كتب بعض شيوخى أن معناه] (٣): وضوءاً دون استنجاء، وأنه اكتفى بالاستجمار، وهو محتمل، والأول عندى أظهر.

стр. 1277

آخَرُ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ. قَالَ: فَمَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: " احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا ". فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالشَّمْسُ فِى ظَهْرِهِ. قَالَ: فَقُمْنَا فَزِعِينَ، ثُمَّ قَالَ: " ارْكَبُوا " فَرَكِبْنَا، فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيْضَأَةٍ كَانَتْ مَعِى فِيهَا شَىْءٌ مِنْ مَاءٍ. قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ. قَالَ: وَبَقى فِيهَا شَىْءٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لأَبِى قَتَادَةَ: " احْفَظَ عَلَيْنَا مِيْضَأَتَكَ. فَسَيَكُونُ لَهَا نَبأ " ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: وَرَكبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَكِبْنَا مَعهُ. قَال: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ: مَا كفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِى صَلاتِنَا؟ ثُمَّ قَال: " أَمَا لَكُمْ فِىَّ أُسْوَةٌ؟ " ثُمَّ قَالَ: " أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِى النَّوْمِ تَفْرِيَط، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلاةَ حَتَّى يَجِىءَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَليُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا ــ وفيه من الفقه: النوم على الدابة، وفيه أن ساقى القوم آخرهم شرباً، كما قال ﵇ فى هذا الحديث. وقوله: " إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجىء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلِّها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها ": [قال الخطابى: لا أعلم أحداً قال بهذا وجوباً، ويشبه أن يكون الأمر به استحباباً ليُحْرِزَ فضيلةَ الوقت] (١) فى القضاء ثانياً. قال الإمام: يحتمل أن يكون ﵇ لم يرد إعادة تلك الصلاة المنسية حتى يصليها مرتين، وإنما أراد أن هذه الصلاة وإن انتقل وقتها بالنسيان إلى وقت الذكر، فإنها باقية على وقتها فيما بعد مع الذكر، لئلا يظن ظان أن وقتها تغيَّر. قال القاضى: قد جاء فى كتاب أبى داود وغيره: " من أدرك منكم صلاة الغداة من غدٍ فليقض معها مثلها " (٢). وهذا يدفع الاحتمال المتقدم، ويعضد توجيه الخطابى، ولكن يعارض هذا كله الحديث الآخر أنه لما صلاها بهم قالوا: ألا نقضها لوقتها من الغد؟ قال: " أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم " (٣)، وقد يحتج على داود بظاهر الحديث على قضاء الصلاة لمن تركها عامداً ومفرِّطاً، وهو أظهر فيه، لمساقه بإثر كلامه فى المُفَرِّط.

стр. 1278

كَانَ الغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا " ثُمَّ قَالَ: " مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا؟ ". قَالَ: ثُمَّ قَالَ: " أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدُكُمْ، لَمْ يَكُنْ لِيُخلِّفَكُمْ. وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا ". ــ وقوله: " فمن فعل ذلك " ولا يقال مثل هذا فيمن نام عن صلاته بغير تفريط، ويكون على هذا معنى قوله: " فليصلها حين يتنبه لها " أى ينتبه لما عليه فى ذلك. قال الإمام: وقوله (١): " احفظ علينا مِيضأتك (٢)، فسيكون لها نبأ "، ثم ذكر بعد ذلك أنهم عطشوا وذكر سقيهم منها حتى رووا كلهم. فيه للنبى ﵇ معجزتان؛ قولية وفعلية، فالقولية إخباره بالغيب، وأنه سيكون لها نبأ، والفعلية تكثير الماء القليل. قال القاضى: فى حديث أبى قتادة ثلاث معجزات غيبية أخرى غير هذه: أولها: قوله فى أول الحديث: " إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء إن شاء الله غداً " وذكر آخر الحديث: أنه كان ذلك، ويدل أنه لم يكن عند أحدٍ من ذلك علم. وقوله: " فانطلق الناسُ لا يلوى أحد على أحد ": أى لا يعطف عليه، ولا ينتظره، ولو كان عندهم أو عند أحد منهم علم لبادروا إليه قبل إعلام النبى ﷺ لهم بذلك. والثانية: قوله: " ما ترى الناس صنعوا " (٣)، ثم قال: " أصبح الناس فقدوا نبيَّهم "، فقال أبو بكر وعمر: رسول الله ﷺ بعدكم لم يكن ليُخَلِّفكم، وقال الناس: " رسول بين أيديكم " (٤) فأخبر عما قاله الناس فى مغيبه عنهم، كذا صحيح الرواية: " لِيُخَلِّفَكُمْ " وعند بعض الرواة فيه تغيير لا معنى له. والثالثة: قوله: إذا قالوا هلكنا: " لا هلك عليكم ". وقوله: " كلكم سيروى " [فكان كذلك] (٥). وقوله: " حتى ابهارَّ الليل " تقدم شرحه.

стр. 1279

قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِىَ كُلُّ شَىْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكنَا، عَطِشْنَا. فَقَالَ: " لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ " ثُمَّ قَالَ: " أَطْلِقُوا لِى غُمَرِى " قَالَ: وَدَعَا بِالمِيَضَأَةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِى المِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَحْسِنُوا المَلأَ، كُلُّكُمْ سَيَرْوَى " قَالَ: فَفَعَلُوا. فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِىَ غَيْرِى وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : ثُمَّ صَبَّ رسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِى: " اشْربْ " فَقُلْتُ: لا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " إِنَّ سَاقِىَ القَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا ". قَالَ: فَشَرِبْتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ المَاءَ جَامِّينَ رِوَاءٍ. ــ وقوله: " [سار] (١) حتى تهوّر الليل "، قال الإمام: قال الهروى: معناه: حتى ذهب أكثره وانهدم كما يتهوَّرُ البناءُ، يقال: تهوَّر الليل وتوهَّر. وقوله: " حتى كاد ينجفلُ ": أى ينقلبُ. وقوله ﵇ " أطلقوا (٢) لى غُمَرِى ": قال أبو عبيد: يقال للقعب الصغير: غُمَر، وتغمَّرتْ، أى شربت قليلاً قليلاً، قال [أعشى] (٣) باهلة [يرثى أخاه المنتشر بن وهب الباهلى] (٤): يكفيه حُزَّة فلذٍ إن ألمَّ بها ... من الشِّواءِ ويُرْوى شُرْبَه الغُمَرُ وقوله ﵇: " أحسنوا الملأ " أى الخلق، قال الفراء: [يقال] (٥): أحسنوا ملأكم، أى عونكم من قولك: ملأت فلاناً، أى أعنته. قال القاضى: وفى حديث أبى قتادة من الغريب غير ما ذكر قوله: " فدعمته حتى اعتدل " أى أقمت ميله من النوم، وصرت تحته كالدِّعَامة لما فوقها، وتقدم تفسير الميضأة. وقوله: " فجعل بعضنا يهمس [إلى بعض] (٦) ": هو الكلام الخفى. وقوله: " فأتى الناسُ الماء جَامِّينَ رواءً " معناه: نشاطاً، والجمام: ذهاب الإعياء، والإجمام: ترفيه النفس لمدة حتى يذهب عنها التعب وتنشط، وكذلك فى الدابة. ورواء ضد عطاش.

стр. 1280

قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحٍ: إِنَّى لأُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثَ فِى مَسْجِدِ الجَامِعِ، إِذْ قَالَ عمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: انْظُرْ أَيُّهَا الفَتَى كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّى أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالحَدِيثِ. فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قلتُ: مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: حَدِّثْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ. قَالَ: فَحَدَّثْتُ القَوْمَ. فَقَالَ عِمْرَانُ: لَقَدْ شَهِدْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ. ٣١٢ - (٦٨٢) وحدّثنى أَحْمَدُ بْنْ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ العُطَارِدِىُّ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ العُطَارِدِىَّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ فِى مَسِيرٍ لَهُ، فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتَنَا، حَتَّى إِذَا كَانَ فِى وَجْهِ الصُّبْحِ عَرَّسْنَا، فَغَلَبَتْنَا أَعْيُنُنَا حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ. قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَّا أَبُو بَكْرٍ، وَكُنَّا لا نُوقِظ نَبِىَّ اللهِ ﷺ مِنْ مَنَامِهِ إِذَا نَامَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، فَقَامَ عِنْدَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ رسُولُ اللهِ ﷺ . ــ وقوله: " لا ضير ": أى لا يضركم ذلك عند الله، ولا يؤاخذكم به الضُرَّ، والضَر، والضِّرار، والضرر والضير، بمعنى. وقوله فى حديث عمران بن حصين: " [فسار] (١) حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى "، [وفى الحديث الآخر: " فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل ثم صلى] (٢) ": مما يحتج به الحنفى أن رحيله إنما كان لكون الشمس طالعة، وأنه ليس بوقت صلاة الفوائت، ويدل أنه قد تبين تأثير العلة بزوال الحكم بارتفاعها بابيضاض الشمس، ولا حجة له لما قدمناه من العلل الأخر، أو لأن الغاية (٣) بالابيضاض والارتفاع إنما كان لتمام رحيلهم من الوادى وفراغهم من أخذ أهبتهم للصلاة، وطهورهم لها، كما جاء عند البخارى فى هذا الحديث: " فقضوا حوائجهم وتوضؤوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت، فقام ثم صلى " (٤). وقد جاء من رواية عطاء أن النبى ﷺ " ركع ركعتين فى معرسهم ثم سار، ثم صلى

стр. 1281

فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ بَزَغَتْ قَالَ: " ارْتَحِلُوا " فَسَارَ بِنَا. حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتِ ــ الصبح " (١) ففيه دليل واضح (٢) أنَّ حركته عن الموضع لم تكن لامتناع الصلاة لطلوع الشمس، لصلاته هو الركعتين، وقد تقدم قول من قال من العلماء: إِنَّ نومه ﵇ إنما كان مرة، وطلبة تلفيق الأحاديث [وتحميل من حملها] (٣) مرتين، ولا مرية عندى أنها فى مواطن بدليل الآثار المعتبرة التى ذكر مسلم وغيره، فأما حديث أبى قتادة فغير حديث أبى هريرة فى قصة بلال؛ لأنه ذكر فى خبر أبى هريرة أن رسول الله ﷺ [أخبر أبا بكر] (٤) كان أولهم استيقاظاً، وفى حديث الموطأ: أن النبى ﷺ أخبر أبا بكر بحال بلال فى نومه وسؤال أبى بكر بلالاً عن (٥) ذلك (٦)، وفى خبر أبى قتادة أن القصة لم يحضرها أبو بكر ولا عمر، ولا عامة الجيش، وإنما اقتُطِع النبى ﷺ فى سبعة من الناس مع أبى قتادة كما قال: وإنهم هم الذين نزلت بهم النازلة دون أهل الجيش وأن النبى ﷺ أخبرهم حينئذ عن مقال أبى بكر وعمر فى مغيب النبى ﷺ عنهم، وأنهم اجتمعوا بهم من الغد، فهو حديث آخر لا شك فيه وافقه حديث عمران بن حصين من رواية عبد الله بن رباح (٧) عنه. وأما حديث عمران بن حصين من رواية أبى رجاء العطاردى فهو غير حديثه من رواية عبد الله بن رباح الأول، فإن فى هذا حضور أبى بكر بنحو ما فى حديث أبى هريرة، وإن أول مستيقظ أبو بكر ثم عمر، وانه رفع صوته بالتكبير (٨) حتى استيقظ النبى ﷺ ، وليس فيه خبر الميضأة، وفيه قصة المزادتين، فهو أوفق لحديث أبى هريرة، فيحتمل أن عمران روى الحديثين والقصتين، وروى كل واحد منهما عنه قصةً دون الأخرى، أو تكون هذه القصة غير قصة أبى قتادة، وغير قصة أبى هريرة وبلال؛ لقوله: " ونحن أربعون "، وظاهر الخبر أنهم كانوا جملة من حضر القصة، على أنه لا يعلم مخرجاً للنبى ﷺ خرج فيه فى هذا العدد، فلعل قوله فى الحديث: فشربنا (٩) ونحن أربعون رجلاً عطاشاً (١٠) يعنى الركب الذين عجَّلهم النبى ﷺ بين يديه لطلب الماء الذين وجدوا المرأة، وأنهم استسقوا النبى ﷺ قبل الناس فشربوا، ثم شرب الناس بعدهم.

стр. 1282

الشَّمْسُ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الغَدَاةَ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا فُلانُ، مَا مَنعَكَ أَنْ تُصَلىَ مَعَنَا؟ " قَالَ: يَا نَبِىَ اللهِ، أَصَابَتنِى جَنَابَةٌ، فَأَمَرُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ، فَصَلَّى، ثُمَّ عَجَّلَنِى، فِى رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، نَطْلُبُ المَاءَ، وَقَدْ عَطشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا. فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ. فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ المَاءُ؟ قَالَتْ: أَيْهَاهْ، أَيْهَاهْ، لا مَاءَ لَكُمْ. قُلْنَا: فَكَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ المَاءِ؟ قَالَتْ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قُلْنَا: انْطَلِقِى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَتْ: ــ وقوله فى حديث عمران: " أدلجنا ليلتنا " (١): هو سير الليل كله بسكون الدال، والإدِّلاج بكسره وتشديده: سير آخره. وقد تقدم الخلاف فيه وتسوية من سوى بينهما، وتفرقة من فرَّق. وقوله: " حين بزغت الشمس " (٢): أى حين طلعت، وبزوغها ابتداء طلوعها ومثله بزغت (*) أيضاً. وقوله: " وكنا لا نوقظ رسول الله ﷺ من نومه (٣) " وذلك لأنه كان يوحى إليه فيه. وفى حديثه تيمم الجنب بالصعيد عند عدم الماء، وقد تقدم الكلام عليه، وقد جاء فى حديث أبى هريرة وأبى قتادة أن النبى ﷺ توضأ، وفى غيره: " وأنهم توضؤوا " (٤) فإن كان هذا فى ذلك الموطن فلعله لم يبق لهم من الماء ما يغسلوا هذا به، ألا ترى كيف أمر برفع ما بقى من الميضأة، ووصفه بالقلة؟ وإن كان حديث عمران بن حصين هذا غير حديث أبى قتادة، أو لم يكن عندهم من الماء فى هذا الموطن إِلا ما توضأ به النبى ﷺ ، وتيمم غيره، أو لم يكن عندهم ماء جملة إذ لم يذكر فى حديث عمران هذا من رواية العطاردى وضوءاً جملة. وقوله: " فإذا نحن (٥) بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين " كذا عندهم، أى مرسلة مدلية رجليها بينهما، وللعذرى: " سابلةً " والأول الصواب؛ لأنه لا يقال: سبلت إنما يقال: أسبلت (٦)، والمزادتان القربتان، وقيل: المزادة القربة الكبيرة التى تُحملُ على الدابة، سميت بذلك لأنه يزاد فيها جلد من غيرها لتكبر به، مفعلة من ذلك.

стр. 1283

وَمَا رَسُولُ اللهِ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا حَتَّى انْطَلَقْنَا بِهَا، فَاسْتَقْبَلْنَا بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ مِثْلَ الَّذِى أَخْبَرَتْنَا، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مُوتَمِةٌ، لَهَا صِبْيَانٌ أَيْتَامٌ، فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا، فَأُنِيخَتْ، فَمَجَّ فِى العَزلاوَيْنِ العُلْيَاوَيْنِ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَاوِيتِهَا، فَشَرِبْنَا، وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلاً عِطَاشٌ، حَتَّى رَوِينَا، وَمَلأنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ، وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا. غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا، وَهِىَ تَكَادُ تَنْضَرِجُ مِنْ المَاءِ - يَعْنِى المَزَادَتَيْنِ - ثُمَّ قَالَ: " هَاتُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ " فَجَمَعْنَا لَهَا ــ وقولها لما سألوها عن الماء: " أيْهَاه (١) أيْهَاه " كذا رويناه (٢) هنا بالهمز وبالهاء آخره وبالتاء آخره أيضاً، وفى غير هذا الكتاب بالهاء فى أوله، قال الله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُون﴾ (٣)، يقال: هيهات، بالكسر والضم والفتح والسكون، وأيهات وأيهات، ومن وقف وقف عليها بالهاء، ومن الناس من يكسر تاءها فى الوصل (٤)، ويقف عليها بالتاء من فتحها فى الوصل، ومعناه: البعد للمطلوب واليأس منه، كما قانت بإثر هذا الكلام: " لا ماء لكم " أى حاضر قريب. وقوله: " وأخبرته أنها مؤتِمة " بكسر التاء، أى ذات أيتام، فسّره فى الحديث. وقوله: " فأمر براويتها فأنيخت " أى الجمل الذى كانت عليه، وعند السمرقندى: " رَاوِيَتْهَا " فها هنا هى المزادتان اللتان للماء، والراوية: القربة الكبيرة التى تروى. قال أبو عبيد: وهى المزادة، وقال يعقوب: لا يقال: راوية إِلا للجمل الذى يستقى عليه، وإنما يقال: مزادة. وقوله: " أنيخت " معناها على هذه الرواية - إن صحت -: أى الراحلة بهما، وسميا بذلك؛ لأن الذى يكون عما تحمله هذه عليها وهذه فيها. وقوله: " فمجَّ فى العزلاوين " [أى طرح من فيه ماءً فيهما. قال الإمام: قوله: " فى العزلاوين العلْياوين "] (٥) قال ابن ولَّاد: العزلاء بالمدِّ [عزلا] (٦) المزادة، وهو موضع يخرج الماء منه، وقال الهروى: هو فمها الأسفل، والذى فى كتاب مسلم ما ذكره ابن ولاد. قال القاضى: وقوله: " فشربنا ونحن أربعون وغسَّلنا صاحبنا " بالتشديد، أى أعطيناه غَسْلاً. وقوله: " وملأنا كل قربة وإداوة وهى تكاد تَنْضَجُ بالماء "، [وعند ابن ماهان: " من

стр. 1284

مِنْ كِسَرٍ وَتَمْرٍ، وَصَرَّ لَهَا صُرَّةً، فَقَالَ لَهَا: " اذْهَبِى فَأَطْعِمِى هَذَا عِيَالَكِ، وَاعْلَمِى أَنَّا لَمْ نَزْرَأ مِنْ مَائِكِ "، فَلَمَّا أَتَتْ أَهْلَهَا قَالَتْ: لَقَدْ لَقِيتُ أَسْحَرَ البَشَرِ، أَوْ إِنَّهُ لَنَبِىٌّ كَمَا زَعَمَ. كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ، فَهَدَى اللهُ ذَاكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ المَرْأَةِ، فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا. (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَوْفُ ابْنُ أَبِى جَمِيلَةَ الأَعْرَابِىُّ عَنْ أَبِى رَجَاءٍ العُطَارِدِىِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَسَرَيْنَا لَيْلَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قُبَيْلَ الصُّبْحِ، وَقَعْنَا تلْكَ الوَقْعَةَ الَّتِى لا وَقْعَةَ عِنْدَ المُسَافِرِ أَحْلَى مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلا حَرُّ الشَّمْسِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ. وَزَادَ وَنَقَصَ. وَقَالَ فِى الحَدِيثِ: فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ ابْنُ الخَطَّابِ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ أَجْوَفَ جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِير، حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لِشِدَّةِ صَوْتِهِ، بِالتَّكْبِيرِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رسُولُ اللهِ ﷺ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِى أَصَابَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا ضَيْرَ، ارْتَحِلُوا " وَاقْتَصَّ الحَدِيثَ. ــ الملاء "، وهما راجعان إلى معنى واحد؛ لأن امتلاءها من الماء] (١)، كذا لعامة شيوخنا بالنون، وعند ابن أبى جعفر: تضرُج، وكلاهما صحيح، ومعناه: تنشق من الماء والامتلاء منه، ووقع بين رواة البخارى فيه اختلاف (٢)، وكله خطأ، وكذلك من رواه فى مسلم بالحاء خطأ. قال الإمام: قوله: " فهدى الله ذلك الصرم (٣) ". قال يعقوب: الصِّرم، هو بكسر الصاد، أبيات مجتمعة. قال القاضى: فى هذا الحديث معجزة عظيمة فى تكثير القليل من الماء من نحو معجزة الميضأة. وقوله عن عمر: " وكان أجوف جليداً " أى بعيد الصوت، [كان] (٤) إذا صاح

стр. 1285

٣١٣ - (٦٨٣) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِى سَفَرٍ، فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ، اضْطَجَعَ عَلَى يَمينِهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ. ٣١٤ - (٦٨٤) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ نَسِىَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ ". قَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١). (...) وحَدَّثناهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَلَمْ يَذْكُرْ: " لا كفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ ". ٣١٥ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قُتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " مَنْ نَسِىَ صَلاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيهَا إِذَا ذَكَرَهَا ". ٣١٦ - (...) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا المُثَنَّى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ". ــ خرج صوته من جوفه، وجوف كل شىء داخله، والجليد: القوى. وقوله: " وكان من أمره ذيت وذيت ": أى كذا وكذا.

стр. 1286

شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض المُسَمَّى إِكمَالُ المعلِم بفَوَائِدِ مُسْلِم لِلإِمَام الحَافظ أبى الفضل عِيَاض بن مُوسَى بن عِيَاض اليَحْصَبِى ت ٥٤٤ هـ تحْقِيق الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل الجزءُ الثّالِث

стр. 1287

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1288

شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض المُسَمَّى إِكمَالُ المعلِم بفَوَائِدِ مُسْلِم

стр. 1289

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - ج. م. ع - المنصورة الإدارة: ش الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب ص. ب. ٢٣٠ ت: ٣٤٢٧٢١/ ٣٥٦٢٢٠/ ٣٥٦٢٣٠ فاكس ٣٥٩٧٧٨ المكتبة: أمام كلية الطب ت ٣٤٧٤٢٣

стр. 1290

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها (١) باب صلاة المسافرين وقصرها ١ - (٦٨٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْنِ، فِى الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِى صَلاةِ الْحَضَرِ. ٢ - (...) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قال: حَدَّثَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: فَرَضَ اللهُ الصَّلاةَ، حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِى الحَضَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ ــ أحاديث قصر الصلاة قال الإمام: قول عائشة - رضى الله عنها -: " فرضت الصلاة ركعتين " الحديث، اختلف فى القصر فى السفر، فقال إسماعيل القاضى: هو فرض، وقال ابن سحنون: القياس فيمن أتم فى السفر أن يعيد أبداً، وقال غيرهما من الفقهاء: الغرض التخيير بين القصر والإتمام، واختلف هؤلاء أيهما أفضل؟ فقال بعضهم: القصر أفضل، وهو قول الأَبْهرِىَّ من أصحابنا (١)، وبلَّغَه غيره من أصحابنا فى الفضل إلى رتبة السنن. وقال الشافعى: الإتمام أفضل، ويحتج من قال: إن القصر فرض (٢)، بحديث عائشة المتقدم، ويصح الانفصال عنه بأن يقال: يحتمل أن [يريد] (٣) بقولها: " فرضت الصلاة ركعتين " أى: قدرت، ثم تركت صلاة السفر على هيئتها فى المقدار لا فى الإيجاب. والفرض فى اللغة يكون بمعنى التقدير، ويحتج من قال إنه ليس بفرض: بقول الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ (٤). [ولا] (٥) يقال فى الواجب (٦): لا جناح عليكم أن تفعلوا ذلك. قال القاضى: ذكر مسلم حديث إتمام عائشة، وإتمام عثمان، واختلف الناس فى تأويل فعلهما، وقد قال عروة: تأولت عائشة [ما] (٧) تأوَّل عثمان، وأشبه ما يقال فى

стр. 1291

عَلَى الفَرِيضَةِ الأُولَى. ــ فعل عثمان وفى فعلها أنهما تأولا أن القصر رخصةٌ غير واجبة، وأخذا بالأتم والأكمل، ومن تأول أنها اعتقدت أنها أم المؤمنين وعثمان أنه إمامهم، فحيث حلَّا فكأنهما فى منازلهما، يردُّه أن النبى ﷺ كان أولى بذلك ولم يتم، وما روى عن عثمان أنه تأهل بمكة (١) يرده سفر النبى ﷺ بزوجاته، وقد قصر، وما روى أنه فعل ذلك لأجل الأعراب وخوفاً أن يظنوا أن فرض الصلاة أبداً ركعتين (٢)، يرده أيضاً صلاةُ النبى ﷺ لهم ركعتين وهو القدوة للأعراب وغيرهم، وأمر الصلاة حينئذ أشهر من أن يخفى عددها، وقد كان فى زمن النبى ﵇ الأعراب، وما روى أن عثمان أزمع على المقام بمكة بعد الحج (٣) يرده تحريم المقام للمهاجر بمكة أكثر من ثلاث (٤)، وقيل: بل كان لعثمان بمنى أرض ومال، فرأى أنه كالمقيم، وذكر فى إتمام عائشة أيضاً أنها كانت لا ترى القصر فى السفر إلا فى الخوف، والتأويل الآخر فى سفر عائشة (٥) أبعد فهى أتقى لله أن تخرج فى سفر لا يرضاه، وإنما خرجت مجتهدة [فى سفرها] (٦) محتسبة فى خروجها للدين، أصابت أو أخطأت، وأولى ما يتأول فى ذلك ما قدَّمناه (٧). وقد ذكر الطحاوى وابن عبد البر وغيرهم عن النبى ﷺ أنه قصر وأتم (٨)، وروى

стр. 1292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوجهان عن جماعة من الصحابة والسلف، وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض، وهو قول الكوفيين، وعمر بن عبد العزيز والمشهور من مذهب مالك وأكثر أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة، وهى رواية أبى مصعب (١) عنه ومقتضى رواية ابن القاسم عنه بإعادته إذا أتم فى الوقت (٢)، وهو قول الشافعى (٣) ومذهب عامة البغداديين من أصحابنا أَنَّ الفرض التخيير، وهو قول أصحاب الشافعى، وقد أجمع العلماء مع هذا الخلاف على جواز التقصير فى سفر الحج والعمرة والغزو، إلا شيئاً روى عن عائشة أيضًا، وبعضهم أن لا قصر إلا فى الخوف، واختلفوا فى غير ذلك: فذهبت عامتهم إلى جوازه فى كل سفر مباح، ومنعه فى سفر المعصية، وهو قول مالك والشافعى والطبرى وأصحابهم، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثورى إلى جوازه فى كل سفرٍ، طاعة كان أو معصية، وفيه رواية شاذة عن مالك أخذاً بعموم الآية، وذهب داود إلى أنه لا يجوز إلا فى الحج والعمرة والغزو لا فى غيرهما (٤)، وروى مثله عن ابن مسعود، واختلف أصحاب داود، فمنهم من قال بقوله، ومنهم من قال بقول الكوفيين، واختلف عن ابن حنبل، فمرة قال بقول مالك، ومرة قال: لا يقصر إلا فى حج أو عمرة. وقال عطاء: لا يقصر إلا فى سبيل من سبل الله، وكره مالك [التقصير] (٥) للمتصيد للهو، وحكى الإمام أبو القاسم الكيا عنه المنع فيه وفى سفر النزهة. ثم اختلفوا فى مدة السفر الذى يقصر فيه. قال الإمام: [فبعض] (٦) الناس لم يحدده (٧)، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض﴾ (٨) [الآية] (٩) وأكثر الناس على تحديده، وكأنهم فهموا إنما خفف عن المسافر للمشقة، ولم يكن عندهم القصر إلا فى سفر تلحق فيه المشقةُ، واختلفوا فى تقديره، واختلافهم مذكور فى كتب الفقهاء. قال القاضى: اختلفت الآثار واختلف السلف وأئمة الفتوى فى ذلك، فمذهب مالك والشافعى وأصحابهما والليث والأوزاعى وفقهاء أصحاب الحديث: أنها لا تقصر إلا فى اليوم التام، [وقد قال بعضهم: يوماً وليلة، وروى عن مالك، وهو راجع معى إلى اليوم التام] (١٠)، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وقدره مالك بأربعة برد وثمانية وأربعون ميلاً، وقال

стр. 1293

٣ - (...) وحدَّثنى عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ الصَّلاةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلاةُ الْحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِىُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِى السَّفَرِ؟ قَالَ إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. ٤ - (٦٨٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ - عَنِ ابْنِ ــ الشافعى والطبرى: ستة وأربعون ميلاً، وهو أمر متقارب. والتفت هؤلاء إلى ما يسمى سفراً، وقد سمى النبى ﷺ هذا سفراً فقال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة " (١)؛ ولأن مسيرة يوم وليلة أو مسيرة اليوم التام لا يمكن لخارج من منزله الرجوع إليه ويبيت ضرورة عنه فخرج عن القرار إلى السفر وهو قول ابن عمر وابن عباس، وقال الكوفيون: لا يقصر فى أقل من مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول عثمان وابن مسعود وحذيفة، وقال الحسن وابن شهاب: يقصر فى مسيرة يومين، وحكاه الخطابى، وتأوله على مالك والشافعى وأحمد وإسحاق، وهذا قريب من القول الأول باليوم التام، وباليوم والليلة، وقالت طائفة من أهل الظاهر: يقصر فى كل سفر قصير أو طويل، ولو كان ثلاثة أميال، وهو قول داود فى سفر الطاعة. وقول عائشة: " فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر ". فقد خالف عائشة غيرها من الصحابة فى هذا اللفظ منهم عمر، وابن عباس، وجبير بن مطعم. وأن الفرض فى الحضر أربع وفى السفر ركعتان، وقد ذكره [مسلم] (٢) عن ابن عباس، وقد يجمع بين الحديثين على أن هذا الذى استقر عليه الفرضان، وحديث عائشة على أول الأمر. وقولها: " فأتمت صلاة الحضر " وفى الرواية الأخرى: " وزيد فى صلاة الحضر " قال الطبرى: يحتمل قول عائشة أن المسافر إن اختار القصر فهو فرضه، وإن اختار التمام فهو فرضه. قال الباجى: يحتمل النسخ؛ لأن زيادة الركعتين فيها يمنع إجزاء الركعتين. وقولها: " فأقرت صلاة السفر ": أى بقيت على ما كانت قبل النسخ من وجوبها ركعتين وهذا على قول من يقول: إن القصر هو الفرض، وأما من جعله سنة فمعناه: أنها أقل ما يجزئ، لا بمعنى الوجوب، فيكون الوجوب قط فى السفر منسوخ، والقصر فى الحضر منسوخاً وجوبه وجوازه، وهذا على قول من يرى أن الوجوب إذا نسخ بقى الأمرُ على الجواز.

стр. 1294

جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَابَيْه، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ؛ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَال: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْه، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِك، فَقَالَ: " صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ". (...) وحدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ؛ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ. ــ قال القاضى: وهذه مسألة اختلف فيها أهل الأصول، وكذا اختلفوا فى الزيادة على النص هل هو نسخ أم لا؟ وقوله فى حديث عمر فى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة﴾ (٢): وسألت (٣) رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: " صدقة تصدَّق الله بها عليكم " [تفسير من النبى ﷺ ، وتوقيف أن الآية متضمنة لقصر الصلاة فى السفر مع الخوف، ومع غير (٤) الخوف، ورخصة من الله، وتوسعة، وأن المراد القصر فى الركعات لا فى الصفات، ومعارض لقول عائشة وأقوى فى الحجة منه؛ لأنه أخبر به نصاً عن النبى ﷺ ، [وقد] (٥) ويحتمل قول عائشة أنه من استنباطها وفقهها وتأويلها، لاسيما وقد خالفت ظاهره بما روى عنها من الإتمام، ومثله فى حديث على أنها نزلت، فيمن سأل النبى عن الصلاة فى السفر إلى قوله: ﴿أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة﴾، فلما كان بعد حول وغزا النبى ﷺ المشركين وطلبوا غرته وقت الصلاة أنزل الله ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ (٦) فالآية فى قصتين وحكمين، قال بعضهم: وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ ابتداء كلام للقصة الأخرى. وقوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاة﴾ (٧) وروى عن ابن عباس [وغيره] (٨) أنها فى صلاة الخوف فقط بظاهر مساق الآية وتعليق الكلام بعضه على بعض (٩)، وأن التقصير المذكور

стр. 1295

٥ - (٦٨٧) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ - عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: فَرَضَ اللهُ الصَّلاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُّمْ ﷺ فِى الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِى السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِى الْخَوْفِ رَكْعَةً. ٦ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِىُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عَائِذٍ الطَّائِىُّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ ــ فى الصفات وحدود الصلاة ونقلها إلى الإتمام لأجل الخوف، وقيل: بل [فى] (١) تخفيفها وترك التطويل فيها لأجل الخوف، وقيل: بل قصرها إلى ركعة أو ركعتين لأجل الخوف، وقيل: بل المراد قصرها إلى ركعتين للمأمومين، وصلاة الإمام أربعاً، ركعتان لكل طائفة على ما جاء فى الحديث (٢)، وإليه ذهب الطبرى واختاره أبو بكر الرازى ورجَّحه لأنه قال: ﴿لا جُنَاح﴾، وفريضة المسافر ركعتين، ولا يقال فى الفرض: لا جناح، وقد يُتَخَلَّصُ عن هذا بشرع فرض الإتمام للحاضر أو عمومه فيها على القول الآخر، ويبقى القصر رخصة. وقول عمر: " فقد أمن الناس " (٣): دليل على أنها القصر فى الركعات. وقوله: " وفى الخوف ركعة ": يحتمل أنه يعنى فى الشدة هو مذهب جماعة من السلف أن تجزى فى صلاة الخوف ركعة واحدة يومئ بها إيماء، وهو قول إسحاق، قال: أما عند الشدة فركعة، فإن لم يقدر فسجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة. وقال الضحاك: إن لم يقدر على ركعة فتكبيرتان. وقال الأوزاعى: لا تجزيه التكبيرة، ويحتمل أنه زيد فى حكم المأمومين على ما جاء فى بعض الروايات فى صلاة الخوف، وكانت لرسول الله ﷺ ركعتان وللقوم ركعة (٤)، وبهذا أخذ إسحاق - أيضًا - فى صلاة الخوف مع الإمام، وأما قوله فى هذا الحديث: " إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعاً، والخوف ركعة (٥) " مما يحتج به من يقول: إن ركعتين فرض المسافر،

стр. 1296

الأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: إِنَّ اللهَ فَرَضَ الصَّلاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ ، عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ، وَعَلى الْمُقِيمِ أَرْبَعًا، وفِى الْخَوْفِ رَكْعَةً. ٧ - (٦٨٨) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِى؛ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّىِ إِذَا كُنْتُ بِمَكَّة، إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ؛ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِى الْقَاسِمِ ﷺ . (...) وحدَّثناه مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عُرُوَبةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ــ ويكون هذا الترتيب على ما استقرت عليه أحكام هذه الصلوات لا فى ابتداء الأمر وورود فرض الصلاة، ولقول عائشة: " فرضت الصلاة ركعتين فزيد فى صلاة الحضر "، وإنما بين ذلك كله ﵇ ولعل قوله أيضاً: " وفى الخوف ركعة " يعنى مع الإمام، فلا يكون مخالفاً لغيره من الأحاديث الصحيحة، وسيأتى الكلام على هذا الباب فى صلاة الخوف إن شاء الله تعالى. وقوله: " كيف أصلى إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ قال (١): ركعتين سنة أبى القاسم ": مفهومه أن الإمام إذا أتم أنه يتم معه، وقد جاء فى الأم بعده مبينًا (٢) وهو قول كافة العلماء. واختلفوا بما يلزمه الإتمام معه؟ فمالك يراه يعقد ركعة تامة معه، وأبو حنيفة وصاحباه والشافعى لا يراعون الركعة ويلزمه التمام بالدخول معه. واختلف بالقولين على الأوزاعى، وذكر أبو القاسم الطبرى الشافعى عن مذهبهم أنه ينظر إلى نية الداخل، فإن نوى الإتمام وراءه لزمه، وفى هذا كله حجة أن الركعتين ليستا فرضاً على المسافر، إذ لو كان ذلك لم يصح اتباعُ إمامه فى غير فرضه كما لا يصح له اتباعه لو صلى الظهر خمساً. وعبد الله بن بابيه: كذا ضبطناه هنا، ويقال فيه: باباه، ويقال فيه: ابن بابا، قاله: ابن عبد البر (٣)، وقال يحيى بن معين: عبد الله بن بابى يروى عنه ابن إسحاق،

стр. 1297

٨ - (٦٨٩) وحدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِى طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ. حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ، وَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا. فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ. قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لأَتْمَمْتُ صَلاتِى. يَا ابْنَ أَخِى، إِنِّى صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى السَّفَرِ، ــ وعبد الله بن بابيه يروى عنه ابن أبى عمار، وعبد الله بن باباه يروى عنه حبيب بن أبى ثابت، قال: فهؤلاء ثلاثة مختلفون. قال الإمام: وقول ابن عمر: " لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتى ": يحتمل أن يكون لأن الصلاة إنما قصرت للتخفيف، فإذا عاد هؤلاء يتنفلون فإن الإتمام كان أولى، [ومعنى قوله: " مسبحاً متنفلاً "] (١) والمسبح: المتنفِّل، والسُّبحة: صلاة النافلة، وجاء فى الحديث الآخر: " أن رسول الله ﷺ كان يسبح على الراحلة ويوتر عليها ولا يصلى عليها المكتوبة " (٢). قال الهروى: تسمى الصلاة تسبيحًا، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٣) أى من المصلين. قال القاضى: اختلف العلماء فى التنفل فى السفر، فمذهب ابن عمر منعه بالنهار جملة، وجوازه بالليل فى الأرض وعلى الراحلة، ومذهب عامة السلف وأئمة الفتوى على جوازه بالليل والنهار على الراحلة وبالأرض، وهذا المروى من فعل النبى ﵇ فى السفر فى آثار كثيرة خلاف ما جاء فى حديث ابن عمر، فظاهر مذهب ابن عمر وتعليله إنما منع التنفل بالنهار وبالليل قبل الصلاة وبعدها إلا لمن يصلى صلاة الليل فى جوفه لقوة أمرها، وكونها أولاً فرضًا وهكذا نقل أهل [الخلاف] (٤) مذهبه، وعلى هذا يدل فعله بعد هذا فى الحديث الآخر: " أنه كان يصلى بمنى ركعتين ثم يأتى فراشه " (٥). وقول حفص بن عاصم له: " أى عمى: لو صليت بعدها ركعتين، قال: لو فعلت لأتممت صلاتى " (٦). فقد فرق بين الصلاة بإثرها وبين الصلاة جوف الليل، لأن الفراش غالباً إنما هو بالليل، وعلى هذا التنزيل من فعل ابن عمر وروايته عن النبى ﷺ مع روايته تنفله على راحلته تجتمع الأخبار ولا تتضاد، وقد تأول بعضهم أن كراهة ابن عمر إنما هو التنفل بالنهار على الأرض.

стр. 1298

فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، وَقَدْ قَالَ اللهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). ٩ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَفْص بْنِ عَاصِمٍ؛ قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَجَاءُ ابْنُ عُمَرَ يَعُودُنِى. قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ السُّبْحَةِ فِى السَّفَرِ؛ فَقَال: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى السَّفَرِ، فَمَا رَأَيْتُهُ يُسَبِّح، وَلَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لأَتْمَمْت، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَىَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾. ــ قال القاضى: وقوله: " ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله "، وقد جاء عنه فى الحديث الآخر: " مع عثمان صدراً من خلافته ثم أتمها " (٢)، وقوله فى الآخر: " ثمانى سنين أو ست سنين " (٣)، وهذا هو المعروف عنه، وإن عثمان أتم بعد سبع من خلافته، فلعل ابن عمر فى هذه الرواية أراد إتمام عثمان فى سائر [أسفاره فى غير منى؛ لأن إتمام عثمان إنما كان بمنى على ما فسره عمران بن حصين فى حديثه وهو ظاهر سائر] (٤) الأحاديث، وكذا قال ابن حبيب: إتمام عثمان بمنى خاصة، ويكون قول ابن عمر فى [غير] (٥) هذا الحديث صدراً من خلافته، وقول غيره راجع إلى الإتمام بمنى. وقد ذكر مسلم فى حديث حرملة عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن عمر؛ أن النبى ﷺ صلى ركعتين بمنى وغيره، ثم ذكر عن عثمان فى الحديث أنه أتمها أربعاً، فليس فيه بيان إتمام عثمان فى غير منى، ولم يتابع حرملة على قوله وغيره، وهذا يدل على أنه اجتهاد من عثمان، وأخذ بالأفضل، لا أنه اعتقده (٦) واجباً وفرضاً. قال عمران ابن حصين: حججت مع عثمان سبعاً من إمارته لا يصلى إلا ركعتين ثم صلى بمنى أربعاً (٧) ولا خلاف أن هذا حكم الحاج من غير أهل مكة بمنى وعرفة، يقصرون. وكذلك عند مالك حكم الحاج من أهل مكة، يقصرون بعرفة وبمنى كتقصيرهم مع النبى ﷺ ، وكذلك أهل عرفة ومنى بمكة، ولخطبة عمر أهل مكة بالتمام دونهم، وذهب أبو حنيفة

стр. 1299

١٠ - (٦٩٠) حدَّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَاِنِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ويَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. ١١ - (...) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَان، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْعَصْرَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. ١٢ - (٦٩١) وحدَّثناه أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، كِلاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الهُنَائِىِّ؛ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قَصْرِ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ، مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ - شُعْبَةُ الشَّاكُّ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ــ والشافعى وجماعة من العلماء إلى أن أهل مكة بمنى وعرفة وأهل عرفة ومنى بمكة يتمون كغير الحاج منهم، إذ ليس فى المسافة مدة قصر الصلاة، وحجتنا ما تقدم من السنة والاتباع؛ ولأن فى تكراره بمشاعر الحج ومناسكه مقدار المسافة التى يجوز فيها قصر الصلاة عند الجميع. وقوله: " صلى الظهر بالمدينة أربعاً، وبذى الحليفة ركعتين ": بين ذى الحليفة والمدينة ستة أميال، ويقال: سبعة، احتج بظاهره بعض من لم يحصل من الظاهرية ممن يرى التقصير فى قصير السفر وطويله، ولا حجة فيه؛ لأن هذا إنما كان فى حجته ﵇ وهو مفسر فى الأحاديث الصحيحة فى تمام هذا الحديث عن أنس وغيره، فإنما قصر فى سفر طويل. وقوله فى الحديث الآخر: " كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين " (١) هذا - أيضاً - مما قد يحتج به أولئك، ولكن التَنَفُّلَ فيه يضعف الحجة به، ولعله أراد ابتداء القصر فى السفر الطويل وعليه يحمل قوله فى الأم عن ابن عمر: " أنه صلى بذى الحليفة ركعتين "، وعن شرحبيل بن السِّمط - ويقال ابن السَّمط -: " أنه قصر على سبعة عشر ميلاً أو ثمانية عشر " (٢)، وقد اختلف العلماء متى يبدأ المسافر الذى، يباح له القصر بالتقصير؛ فذهب جمهور السلف والعلماء: أنه إذا خرج من بيوت المدينة

стр. 1300

١٣ - (٦٩٢) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِىٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ جُبَيْرٍ بْنِ نُفَيْرٍ؛ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إِلَى قَرْيَةٍ، عَلَى رَأسِ سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيةَ عَشَرَ مِيلاً. فَصلَّى رَكْعَتَيْنِ. فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ صَلَّى بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ. ١٤ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: عَنِ ابْنِ السِّمْطِ، وَلَمْ يُسَمِّ شُرَحْبِيلَ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَتَى أَرْضًا يُقَالُ لَهَا: دُوْمِين مِنْ حِمْص، عَلَى رَأسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلاً. ١٥ - (٦٩٣) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى إِسْحَاقَ، ــ قصر، وإذا دخلها راجعاً من سفره أتم، وهو قول أئمة الفتوى، ومحصول مذهب مالك ومشهوره، وروى عنه أنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال إن كانت القرية مما يجمع فيها، فإذا انصرف أتم من هناك، وروى عن عطاء وغيره وجماعة من أصحاب عبد الله: إذا أراد السفر قصر قبل خروجه، وروى عن مجاهد: لا تقصر إذا خرجت يومك إلى الليل، فلم يوافقه أحد على هذا. وقوله فى هذا الحديث عن شرحبيل: " رأيت ابن عمر صلى بذى الحليفة ركعتين "، قال الإمام: كذا فى نسخة ابن الحذاء: ابن عمر، والصواب: رأيت. عمر، كذا رواه الجلودى: رأيت عمر، وهو محفوظ لعمر، وكذا (١) خرَّجه ابن أبى شيبة والبزار وغيرهما عن عمر (٢). قال القاضى: وقع فى أول هذا الكلام فى بعض النسخ: " فقلت له فقال: لعله [قال] (٣): رأيت عمر "، وفى بعضها: " لعله قال: رأيت عمر " وسقط هذا الحرف عند أكثر شيوخنا، [وعندى أنه لفظ ألحقه بعض الشيوخ لإصلاح وهم الرواية فى ابن عمر، فقال: لعله قال: رأيت عمر] (٤)، ولم يفهم الكلام لبعضهم فضبطه لعلة، وليس بشىء. وقوله: " أرضاً يقال لها دُومِين " (٥) ضبطناه عن الشهيد وغيره بالضم، وعن الأسدى والطبرى بالفتح فى الدال، وكذا رويناه عن البزار.
следующие страницы →