← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وَحَدَّثَنِى بِهَا صَاحِبٌ لِى عَنْهُ. (...) وَحَدَّثَنِى عُبَيْدِ اللهِ بْن معَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: إِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ، وَمَا بَعْدَهُ. ــ قال الإمام: من الناس من قال: إنها ليلة من سائر السنة، لكنه قال: إنما قلت ذلك لئلا يتكل الناس. وقال غيره: بل [هى] (١) فى رمضان جل (٢) قول أهل العلم: إنها فى العشر الأواخر، وإنها فى الأفراد منها، وأحسن ما بنيت عليه الأحاديث المختلفة فى تعيينها أن يقال: إنها تختلف حالها فتكون سنة فى ليلة، وسنة فى ليلة أخرى، وكأنه أجر يكتبه الله للعامل، فيتفضل به فى ليلة وفى غيرها من السنين فى ليال أخر. قال القاضى: وقول أبىٍّ فى أمارتها: " أن تطلع الشمس فى صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها ": يحتمل وجهين: أحدهما: أن هذه الصفة اختصت بعلامة صبيحة الليلة التى أنبأهم النبى ﷺ أنها ليلة القدر، وجعلها دليلاً لهم عليها فى ذلك الوقت، لا أن تلك الصفة مختصة بصبيحة كل ليلة قدر كما أعلمهم أنه يسجد فى صبيحتها فى ماء وطين (٣). والثانى: أنها صفة خاصة لها، وقيل فى ذلك لما حجبها من أشخاص الملائكة الصاعدة إلى السماء الذى أخبر الله بتنزيلهم تلك الليلة حتى يطلع الفجر، والله أعلم. وسيأتى الكلام على أحاديث ليلة القدر فى آخر كتاب الصيام بأشبع مما تقدم، إن شاء الله تعالى.

стр. 1402

(٢٦) باب الدعاء فى صلاة الليل وقيامه ١٨١ - (٧٦٣) حدّثنى عبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كهَيْل، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَتَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَتَى القِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ الوُضُوءَيْنِ، وَلَمْ يُكْثِرْ، وَقَدْ أَبْلَغَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنّى كُنْتُ أَنْتَبِهُ لَهُ، فَتَوَضَّأتُ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِى فَأَدَارَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَامَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ منَ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشَرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَأَتَاهُ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، فَقَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ، وَكَانَ فِى دُعَائِهِ: " اللَّهُمَّ، اجْعَلْ فِى قَلْبِى نُورًا، وَفِى بَصَرِى نُورًا، وَفِى سَمْعِى نُورًا، وَعَنْ يَمِينِى نُورًا، وَعَنْ يَسَارِى نُورًا، وَفَوْقِى نُورًا، وَتَحْتِى نُورًا، وَأَمَامِى نُورًا، وَخَلْفِى نُورًا، وَعَظِّمْ لِى نُورًا ". قَالَ كرَيْبٌ: وَسَبْعًا فِى التَّابُوتِ، فَلَقِيتُ بَعْضَ وَلَدِ العَبَّاسِ فَحَدَّثَنِى بِهِنَّ، فَذَكَرَ عَصَبِى وَلَحْمِى وَدَمِى وَشَعْرِى وَبَشَرِى، وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ. ١٨٢ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَة عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ - وَهىَ خَالَتُهُ - قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِى عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِى طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْل، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيل، ــ حديث صلاة ابن عباس مع النبى ﷺ قوله: " فاضطجعت فى عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﷺ فى طولها ": قيل الوسادة: الفراش، بدليل قوله: " اضطجعت " قاله الباجى وأبو محمد وغيرهما (١)، وقالوا: ويحتمل أن اضطجاع ابن عباس كان فى عرضها عند أرجلهم أو رؤوسهم،

стр. 1403

اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمْ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَان، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ــ والعرض هنا - بالفتح - ضد الطول، وقال الداودى: الوسادة هنا المِرْفقة (١) والعُرض هنا - بالضم - الجانب أى جعلوا رؤوسهم فى طولها وجعل رأسه هو فى الجهة الضيقة منها، والأول أكثر فى الرواية، وأظهر من جهة المعنى. وفيه دليل تقريب القرابة والأصهار وتأنيسهم وبرهم، وإدناء من هو فى هذا السن، وكان حينئذ نحو ابن عشر سنين من ذوى محارمه (٢)، ومنعه من مضاجعتها دون حائل، وفيه جواز اضطجاع الرجال مع زوجاتهم بحضرة غيرهم ممن لا يستحيونه وقد جاء فى بعض روايات هذا الحديث: بت عند خالتى ميمونة فى ليلة كانت فيها حائضاً، وهذه الكلمة - وإن لم يصح طريقها - فهى صحيحة المعنى حسنة جداً، إذا لم يكن ابن عباس يطلب المبيت عند النبى ﷺ فى ليلة خالية ولا يرسله أبوه على ما جاء فى الحديث إلا فى وقت يعلم أنه لا حاجة للنبى ﷺ فيها؛ إذ كان لا يمكنه ذلك مع مبيته معها فى وساد واحد، ولا يتعرض هو لأذاه بمنعه مما يحتاج إليه من ذلك. وفيه طلب علو السند فى الرواية، وطلب اليقين، والقطع فى أحكام الشريعة متى قدر على ذلك، ورفعه درجة المشاهدة على درجة خبر الواحد؛ إذ كان ابن عباس وزيد بن خالد قد يصلان إلى معرفة قيام النبى ﷺ بسؤال ميمونة وغيرها، ولعلهما لم يسألا النبى ﷺ عن ذلك لنهيه عن كثرة السؤال فتلطفا فى مشاهدة ذلك حتى لا يختلجهما ريب ولا يعتريهما شك. وقوله: " قام من الليل فأتى حاجته يريد الحدث ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام ثم قام ": هذا وضوء للتنظيف وزوال الكسل غير مشروع (٣). وقوله: " [ثم قام إلى شن وفى الحديث الآخر] (٤): ثم عمد إلى شجب من ماء "،

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الإمام .... الشن: السقاء الذى (١) قد استشن وأخلق، وقال بعضهم: سقاء شاجب، [أى: يابس. وفى الحديث الآخر: " فقام إلى شن معلق " فبين أن الشجب] (٢) هو الشنَّ، والشنَّ هو السقاء الخلق، وجمعه شنان ويقال للقربة: شنة. وقوله: " فأتى القربة فأطلق شناقها ": قال أبو عبيد (٣): شناق القربة هو الخيط أو الشىء (٤) الذى تُعلَّق به القربة على الوتد، يقال منه: استشنقها استشناقاً وقال غيره: الشناق خيط يشد به فمُ القربة، [قال أبو عبيد: وهو أشبه القولين] (٥). قال القاضى: وقع هذا الحرف من روايتنا عن الخشنى عن الطبرى: " سجب " بالسين مهملة وليس بشىء، والأشجاب - أيضاً - فيما قيل: الأعواد التى عليها قرب الماء. وقوله: " توضأ وضوءاً بين الوضوءين ": قد فسره بقوله: " لم يكثر وقد أبلغ " كما قال فى الرواية الأخرى: " وضوءاً خفيفاً "، وفى الأخرى: " فلم يكثر من الماء ولم يقصر فى الوضوء " (٦) وفى الأخرى: " وضوءاً حسناً بين الوضوءين " وفى الأخرى " فأحسن الوضوء " (٧) وفى الحديث الآخر: " فتوضأ دون وضوء " (٨) مضمون هذا كله [أنه] (٩) أبلغه وأحسنه أى أجاد عمله؛ إذ الإحسان يقع على هذين الوجهين، ثم لم يكثر من الماء فيه ولا من التكرار فيطوله، لكن جاء فى الأم من رواية سعيد بن مسروق عن سلمة بن كهيل: " أنه توضأ وضوءاً بين الوضوءين، ثم أتى فراشه فنام، ثم ذكر أنه قام فتوضأ وضوءاً هو الوضوء " (١٠) ظاهره أنه بالغ فيه، ولم يأت ذكر الوضوءين فى غير هذه الرواية ولا ذكر فيهما فى الثانى أنه صلى به، لكن ظاهره أنه صلى به، وإنما ذكر يومه أولاً، فيحتمل أنه بعد أن صلى كما جاء فى الحديث الآخر من رواية [أم] (١١) سلمة؛ أنه كان يصلى ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلى قدر ما نام، فعلى هذا يحتمل أنه

стр. 1405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أعاد الوضوء، وكما قال فى الرواية الأخرى فعل ذلك ثلاث مرات كل ذلك يستاك ويتوضأ، أو يكون أراد الوضوء الأول قبل نومه على ما جاء فى الرواية الأخرى من حديث سفيان عن سلمة من قوله: " فقام فأتى حاجته - أى من الحدث - ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام "، فهذا القيام للحدث لا للصلاة، وغسله وجهه ويديه تنظفاً ولنفى الكسل، فلعل الراوى اختلط عليه ما جاء فى الحديث الآخر " وضوءاً بين الوضوءين "، فوضعه هذا الموضع (١) أو عبر به عنه. وقوله: " فقمتُ فتمطيت كراهية أن يرى أنى كنت أنتبه له " فيه ما كان عليه - رضى الله عنه - وأمثاله من الحرص على الخير وتعلم العلم، والاقتداء به ﵇ والاقتباس منه، وحفظ أفعاله وأقواله من صغره، وحسن الأدب معه، والحياء منه لكونه بقربه، وهو مع أهله، وقد روى فى هذا أن العباس أرسله لذلك. وتقدم إليه ألا ينام حتى يحفظ فعل رسول الله ﷺ فى صلاته، واختلف فى ضبط هذه اللفظة، فقال هنا: " إنى كنت أنتبه لها وفى كتاب البخارى:" أبقيه " كذا عند الأصيلى وابن السكن والقابسى (٢)، ومعناه: أرقيه، فقال: بقيت الشىء أبقيه ببصرى إذا نظرت إليه. قال الشاعر: ومازلت أبْقِى الظُّعْنَ حتى كأنها ... أواقِى سَدىً تغتالُهُنَّ الحوائكُ ويقال: بقوت أيضاً، وقد جاءت هذه اللفظة بمثله فى كتاب مسلم فى الحديث الآخر كما سنبينه بعد هذا، وروى البرقانى هذه الكلمة: " أرتقيه " نحو رواية القابسى عن البخارى (٣)، وهو معنى أبقيه، وهذه الألفاظ أبين من قوله: " أنتبه "، ويشبه أن أنتبه تصحيف وتغيير، والله أعلم (٤). وقوله: " فتوضأت فقمت عن يساره، فأدارنى عن يمينه ": فسر هذه الإدارة فى حديث محمد بن حاتم بقوله: " فأخذ بيدى من وراء ظهره يعدلنى كذلك إلى الشق الأيمن (٥) وهى سنة مقام المنفرد مع إمامه وإن كان صغيراً، وحكم مناولة ما يحتاج عند المصلى أو يضطر هو إليه، وفيه جواز العمل القليل فى الصلاة واحتج به أصحابنا فى جواز صحة

стр. 1406

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأسِى، وَأَخَذَ بِأُذنِى اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى ــ صلاة المأموم لمن لم ينو أن يأتم به، وهو قول مالك والشافعى وجماعة من العلماء، خلافاً لإسحاق وأحمد والثورى وأحد قولى الشافعى فى منعهم ذلك على الجملة ولغيرهم فى منعه لغير الإمام والمؤذن الداعى إلى الصلاة ولأبى حنيفة فى منعه ذلك للنساء دون الرجال، وقد ينفصل المخالف بأن فى الحديث: " فأيقظنى " وفى رواية: " فحركنى " يعنى النبى ﷺ ، فحين أيقظه للصلاة معه فى كلتيها النية للائتمام به. وفيه صحة صلاة من يعقل من الصبيان، وأنه مما يحضون عليه ويُرغَّبُون فيه (١) لإقرار النبى ﷺ له، ولإيقاظه إياه لذلك على ما جاء فى الرواية [الأخرى] (٢). وقوله: " فأخذ بأذنى [اليمنى] (٣) يفتلها "، قال الإمام: قيل وجهه أنه أراد أن يذكر القصة بعد ذلك لصغر سنه، وقيل: لينفى عنه النوم (٤) لما أعجبه قيامُه معه، وقيل: فى فتل الأذن تنبيه للفهم، وفى بعض طرق حديثه (٥): " فكنت إذا أغفيت يأخذ شحمة أذنى " [يفتلها] (٦)، فقد تبين بهذا [الحديث] (٧) أنه إنما فعله لينبهه من النوم. قال القاضى: وفى قوله: " فمسح النوم عن وجهه، وقرأ العشر الآيات من خواتم سورة آل عمران " (٨): دليل على جواز قراءة القرآن ظاهراً على غير وضوء وهذا لا خلاف فيه. وقوله: " صلى ركعتين ثم ركعتين ": الحديث ظاهره فصله بين كل ركعتين، بدليل الأحاديث الأخر. وفى قوله فى رواية واصل بن عبد الأعلى بعده: " فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، ثم أوتر بثلاث "، وقد جاء فى غير هدا الطريق من أكثر الروايات " أن صلاته كانت معه ثلاث عشرة ركعة "، وفى حديث ابن رافع: " إحدى عشرة ركعة "، وفى حديث مالك: " فصلى ركعتين ثم ركعتين وعدّ ستاً، ثم أوتر " وهذا يدل أن وتره واحدة ويحتمل أنه لم يعد فى هذه الركعتين الأوليين على ما بين فى حديث زيد بن خالد (٩)، فيكون العدد بهما ثلاث عشرة، وبترك حسابهما إحدى عشرة، وعليه - إن شاء الله - يحمل حديث واصل الذى ذكر فيه أنه صلى ركعتين وذكر من طولهما، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، تحمل على غير الركعتين الأوليين فيكون العدد ثمانياً، ثم الوتر ثلاث، فهذه

стр. 1407

رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى جَاءَ المُؤَذِّنُ فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. ١٨٣ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَيَّاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الفِهْرِىِّ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: ثُمَّ عَمَدَ إِلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، وَأَسْبَغَ الوُضُوءَ وَلَمْ يُهْرِقْ مِنْ الْمَاءِ إِلا قَلِيلاً، ثُمَّ حَرَّكَنِى فَقُمْتُ. وَسَائِرُ الحَدِيثِ نَحْوُ حَدِيثِ مَالِكٍ. ١٨٤ - (...) حدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، ــ إحدى عشرة، ثم يعد ركعتى الاستفتاح الخفيفتين [ليست فى هذا العدّ خفيفة، إذ قدر أنه يشمل الركعتين الأولتين] (١) [فهنا، فدلّ أنهما غير الخفيفتين] (٢) فيتم العدد ثلاث عشرة، وتتفق الأحاديث ولا تختلف - إن شاء الله - على أن حديث واصل الذى خالف الجمهور وقد اختلف عليه فيه عن حبيب بن أبى ثابت واضطرب فيه كثيراً، فعنه [فيه] (٣) - فيما ذكر الدارقطنى - سبعة أقاويل، وقد غمزه بذلك، وهو مما استدركه على مسلم لاضطراب قوله واختلاف روايته (٤). وقوله: " حين انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ": دليل على ما يلزم من تحرى القول فى الرواية وترك المسامحة، وهكذا كان وقت قيام رسول الله ﷺ إنما كان فى الشطر الآخر من الليل، وتحقيق ذلك يخفى على كثير من الناس، لا سيما على صبى ابن عشر سنين، وأما فى حق النبى ﵇ فوقت معلوم كما تقدَّم. وقوله: " ثم أوتر ثم اضطجع ": تقدم الكلام عليه، وأن هذه الضجعة كالضجعة المذكورة بعد ركعتى الفجر، لكن جاء فى بعض روايات مسلم: " ثم احتبى حتى إنى لأسمع نَفَسه " يحتمل أن احتباءه قبل اضطجاعه، فخبَّر مَرَّةً عن حاله [ومرة] (٥) أخرى عن أخرى. وقوله: " فنام رسول الله ﷺ حتى نفخ " ثم ذكر أنه " خرج ولم يتوضأ " يفسره ما قال سفيان: هذا للنبى ﷺ خاصة؛ لأنه كان تنام عينه ولا ينام قلبه. وقد تقدم الكلام عن

стр. 1408

عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِى فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى فِى تِلْكَ الَلَّيْلَةِ ثَلاِثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُؤَذِّنُ فَخَرَجَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأ. قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنِى كُرَيْبٌ بِذَلِكَ. ١٨٥ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ، فَقُلْتُ لَهَا: إِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَيْقِظِينِى. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ، فَأَخَذَ بِيَدِى، فَجَعَلَنِى مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِى. قَالَ: فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ احْتَبَى، حَتَّى إِنِّى لأَسْمَعُ نَفسَهُ، رَاقِدًا، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. ١٨٦ - (...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّق وُضُوءًا خَفِيفًا - قَالَ: وَصَفَ وُضُوءَهُ وَجَعَلَ يُخَفِّفهُ وَيُقَلِّلَهُ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ النَّبِىُّ ﷺ ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخْلَفَنِى، فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ وَلَمْ يَتَوَضَّأ. ــ نومه ﵇ قبل، والخلاف فى النوم، أهو حدثٌ؟ أم سبب للحدث؟ ويكون الفرق بين حاليه فى النوم ووضوئه أولاً ما بين الصلاتين زيادة اضطجاعه مع أهله بين صلاتيه وعدمها أخرى. وقوله: فى الرواية الأخرى: " فأخلفنى فجعلنى عن يمينه ": قال ابن دريد: أخلف الرجل يده إلى سيفه عطفها ليستله وعندى: أن معناه: أدارنى من خلفه كما جاء مفسراً فى الرواية المتقدمة.

стр. 1409

قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا لِلنَّبِىِّ ﷺ خَاصَّةً؛ لأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ. ١٨٧ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ، فَبَقِيتُ كَيْفَ يُصَلِّى رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَقَامَ فَبَالَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى القِرْبَةِ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ فِى الجَفْنَةِ أَوِ القَصْعَةِ، فَأَكَبَّهُ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الوُضُوءَيْنِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّى، فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: فَأَخَذَنِى فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَتَكَامَلَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكُنَّا نَعْرِفُهُ إِذَا نَامَ بِنَفْخِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ فَصَلَّى، فَجَعَلَ يَقُولُ فِى صَلاتِهِ أَوْ فِى سُجُودِهِ: " اللَّهُمَّ، اجْعَلْ فِى قَلْبِى نُورًا، وَفِى سَمْعِى نُورًا، وَفِى بَصَرِى نُورًا، وَعَنْ يَمِينِى نُورًا، وَعَنْ شِمَالِى نُورًا، وَأَمَامِى نُورًا، وَخَلْفِى نُورًا، وَفَوْقِى نُورًا، وَتَحْتِى نُورًا، وَاجْعَلْ لِى نُورًا - أَوْ قَالَ: وَاجْعَلْنِى نُورًا ". ــ وقوله فى الرواية الأخرى: " فترقبت كيف يصلى " (١): كذا رواه أبو الفتح الشاشى، ورواه العذرى: " فَبغيت " أى طلبت، ورواه الطبرى والهوزنى: " فبقيت " بالقاف، ورواه البرقانى فى صحيحه: " فرمقت " أى نظرت. قال بعض شيوخنا وأصحها: " فبقيت " وهو بمعنى ترقبت، على ما تقدم فى الحديث الآخر فى صحيح البخاري (٢). وقوله فى دعائه: " اللهم أجعل لى فى قلبى نوراً، وفى بصرى نوراً " إلى قول كريب: وذكر (٣): " سبعاً فى التابوت " بمعنى: أنه دعا بسبع فى أشياء أنسيها. قال بعضهم: فمعنى " فى التابوت " فنسيتها، كما قص عليه فى الحديث الآخر، وقائل هذا عن كريب عو مسلمة بن كهيل وهو القائل بعد: " فلقيت بعض ولد العباس فحدثنى بهن، وذكر عصبى ولحمِى ودمى وشعرى (٤) " الحديث. وبهذا يحتمل أنه أشار بالتابوت إلى ما

стр. 1410

(...) وحدَّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةَ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ سَلَمَةُ: فَلَقِيتُ كُرَيْبًا فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ: وَقَالَ: " وَاجْعَلْنِى نُورًا " وَلَمْ يَشُكَّ. ١٨٨ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنُ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى رِشْدِين مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ، وَاقْتَصَّ الحَدِيثَ. وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ أَتَى القِرْبَةَ فَحَلَّ شِنَاقَهَا، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ الوُضُوءَيْنِ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ فَنَامَ، ثُمَّ قَامَ قَوْمَةً أُخْرَى، فَأَتَى القِرْبَةَ فَحَلَّ شِنَاقَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا هُوَ الوُضُوءُ، وَقَالَ: " أَعْظِمْ لِى نُورًا " وَلَمْ يَذْكُرْ: " وَاجْعَلَنِى نُورًا ". ١٨٩ - (...) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلْمَانَ الحَجْرِىِّ، عن عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ؛ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ كُرَيْبًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى القِرْبَةِ فَسَكَبَ مِنْهَا، فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُكْثِرْ مِنَ الْمَاءِ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِى الوُضُوءِ، وَسَاقَ اَلحَدِيثَ. وَفِيهِ: قَالَ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَتَئِذٍ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً. ــ انطوى عليه الجسد من أجزائه، والله أعلم. وبيان ما قلناه بعد هذا فى الحديث [الآخر] (١). وقوله: " ودعا رسول الله ﷺ ليلتئذ تسع (٢) عشرة كلمة. قال سلمة: حدثنيها كريب (٣) فحفظت منها ثنتى عشرة، ونسيت ما بقى " وفى هذا الحديث الأول على التقسيم الأول أن النسيان من كريب، ومعنى ما دعا به هنا: أن يجعل من النور فى نفسه وسمعه وبصره وما سمى من أعضائه وفوقه وتحته ويمينه وشماله وأمامه وخلفه. وقوله: " واجعلنى نوراً، واجعل لى نوراً، وأعظم لى نوراً، وأعطنى نوراً "، معنى النور هنا: بيان الحق والهداية إليه، ودعا أن تستعمل جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وجميع حالاته وجملته فى جهاته الست فى الحق، وضياء الهدى حتى لا يزيغ شىء

стр. 1411

قَالَ سَلَمَةُ: حَدَّثَنِيهَا كُرَيْبٌ، فَحَفِظْتُ مِنْهَا ثِنَتَىْ عَشْرَةَ، وَنَسِيتُ مَا بَقِىَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ، اجْعَلْ لِى فِى قَلْبِى نُورًا، وَفِى لِسَانِى نُورًا، وَفِى سَمْعِى نُورًا، وَفِى بَصَرِى نُورًا، وَمِنْ فَوْقِى نُورًا، وَمِنْ تَحْتِى نُورًا، وَعَنْ يَمِينِى نُورًا، وَعَنْ شِمَالِى نُورًا، وَمِنْ بَيْنِ يَدَىَّ نُورًا، وَمِنْ خَلْفِى نُورًا، واجْعَلْ فِى نَفْسِى نُورًا، وَأَعْظِمْ لِى نُورًا ". ١٩٠ - (...) وحدَّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِى شَرِيْكُ بْنُ أَبِى نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَقَدْتُ فِى بَيْتِ مَيْمُونَةَ لَيْلَةَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ عِنْدَهَا؛ لأَنْظُرَ كَيْفَ صَلاةُ النَّبِىِّ ﷺ بِاللَّيْلِ. قَالَ: فَتَحَدَّثَ النَّبِىُّ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَفِيهِ: ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ. ١٩١ - (...) حدّثنا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصيْنِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنِ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ــ منها عنه ولا يطغى، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالنور هنا فى أعضائه: قوتها بالحلال الذى منه قوامها، وأن القلب يصلح بأكل الحلال، وتحسن معه الأخلاق، وينشرح له الصدر، ويصفو الخاطر، وينصقل الفهم، وأكل الحرام ضد هذا. وفى قوله فى بعض روايات هذا الحديث: " فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة، ثم رقد " دليل على جواز هذا (١) مع الأهل، وفيما يحتاج إليه، وفى العلم، وللمسافر، والعروس، ومع الضيف والنهى الوارد فيه إنما هو من أجل التغرير بتطويله حتى يضرب النوم على الإنسان فتفوته صلاة الصبح أو القيام لحزبه إن كان من أهله، ومخافة ما يعتريه من الكسل بالنهار عن عمل البر وسبل الخير بسبب سهر الليل؛ ولأن عادة العرب إنما كان جل حديثها فى أبنيتها بالليل لبرد الهواء وحرِّ بلادها بالنهار، وشغلها فى طرفيه بالعادات والضيفان وقد تقدم من هذا وحديث زيد بن خالد فى قيام النبى ﷺ ثلاث عشرة ركعة من نحو حديث ابن عباس، وفى ارتقابه صلاته ﵇ وقوله فى غير الأم: " فتوسدت عتبته ": يحتمل أن هذا كان فى حين سمعه قام يصلى لا قبل ذلك لقربه منه، بحيث كان يمكن سماعه لغير ذلك من أمور ما ينهى عن التحسس والتجسس فيه، ويكره الاطلاع عليه، وأما ترقبه لصلاته وشبيهها فهو من التجسس المحمود الذى لا حرج فيه.

стр. 1412

عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَيْقَظ، فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَاب﴾ (١)، فَقَرأَ هَؤُلاءِ الآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ. ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَطَالَ فِيهِمَا القِيَامَ والرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، سِتَّ رَكَعَاتٍ. كُلَّ ذَلكِ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلاءِ الآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلاثٍ، فَأَذَّنَ المُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ، وَهُوَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ، اجْعَلْ فِىَ قَلْبِى نُورًا، وَفِى لِسَانِى نُورًا، وَاجْعَلْ فِى سَمْعِى نُورًا، وَاجْعَلْ فِى بَصَرِى نُورًا، وَاجْعَلْ مِن خَلْفِى نُورًا، وَمِنْ أَمَامِى نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِى نُورًا، وَمِنْ تَحْتِى نُورًا. اللَّهُمَّ، أَعْطِنِى نُورًا ". ١٩٢ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بِتُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى مُتَطَوِّعًا مِنَ اللَّيْلِ، فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى القِرْبَةِ فَتَوَضَّأَ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ، لَمَّا رَأَيْتُهُ صَنَعَ ذَلِكَ، فَتَوَضَّأَتُ مِنَ القِرْبَةِ، ثُمَّ قُمْتُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ، فَأَخَذَ بِيَدِى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، يَعْدِلُنِى كَذلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إِلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ. قُلْتُ: أَفِى التَّطَوُّعِ كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. ١٩٣ - (...) وحدَّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بَعَثَنِى الْعَبَّاسُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، وَهُوَ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ، فَبِتُّ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَقَامَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَتَنَاوَلَنِى مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ، فَجَعَلَنِى عَلَى يَمِينِهِ. (...) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ. نَحْوَ حَدِيثَ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ. ١٩٤ - (٧٦٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. حِ وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ، قَالَ: ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1413

سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكعَةً. ١٩٥ - (٧٦٥) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: لأَرْمُقَنَّ صَلاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الليْلَةَ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيَلَتَيْنِ، طَوِيلَتَيْنِ، طَوِيلَتَيْنِ. ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا. ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا. ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا. ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكعَةً. ١٩٦ - (٧٦٦) وحدَّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ المَدَائِنِىُّ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَشْرَعَةٍ، فَقَالَ: " أَلا تُشْرِعُ يَا جَابِرُ؟ " قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَشْرَعْتُ. قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، وَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا. قَالَ: فَجَاءَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأُذُنِى فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ. ــ وقوله فى ابتدائه: " فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين ": هاتان الركعتان كان يستفتح بهما ﷺ قيامه ليله، وقد ذكره مسلم فى الباب من حديث عائشة وذكر فى حديث أبى هريرة أمر النبى ﷺ : " من قام من الليل أن يستفتح صلاته بركعتين خفيفتين " بمعنى هذا، والله أعلم. وبهاتين الركعتين ثم عدد زيد بن خالد ثلاث عشرة فهو بينة على ما ذكرناه فى تلفيق الروايات، وفيه أن الوتر واحدة؛ لأن تمام عددها اثنتا عشرة، ثم قال: " ثم أوتر " فتلك ثلاث عشرة. وقوله: " فانتهينا إلى مَشْرعةٍ فقال: ألا تُشرع؟ " بضم التاء، رباعى ويروى بفتحها. وقوله: " فأشرعت " المشرعة والشريعة الطريق إلى ورود الماء من حافة نهر أو بحر، يقول: ألا تأتى للمشرعة فتقضى من الماء حاجتك وتشرب منها بفيك بغير آلة؟ والمعروف فى هذا شرعت، ثلاثى إذا فعلت ذلك، وأشرع ناقته، يحتمل ما جاء رباعياً على هذا. وقوله: " فقمت خلفه، فأخذ بأذنى فجعلنى عن يمينه " معنى ما جاء فى حديث ابن عباس من الفوائد والمعانى.

стр. 1414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الإمام: وقوله: " لك الحمد أنت نور السماوات والأرض " وقول الله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ (١) قيل: معناه: مُنوِّرُ السماوات والأرض أى خالق نورهما. قال القاضى: قال أبو عبيد: معناه: بنورك يهتدى أهل السماوات والأرض، قال الخطابى فى تفسير اسمه النور: معناه الذى بنوره يبصر ذو العماية وبهدايته يرشد ذو الغواية، قال: ومنه قول تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ أى منه نورهما، قال: ويحتمل أن يكون معناه ذو النور ولا يصح أن يكون النور صفة ذات له وإنما يكون صفة فعل؛ إذ هو خالقه وموجده. وحكى غيره عن مجاهد وابن عباس معناه: مدبر شمسهما وقمرهما ونجومهما، قال أبو القاسم القشيرى: وهو منور الآفاق بالنجوم والأنوار، ومنور القلوب بالدلائل، وقيل: المراد بنور السماوات والأرض هنا: القرآن، وقيل: محمد ﷺ ، وروى عن ابن عباس معناه: هادى أهل السماوات والأرض. قال القاضى: حقيقة النور أنه الذى به تنكشف الأمور وتظهر المخبآت وتنكشف (٢) الحجب والسواتر به، وهو معنى يقوم بالأجسام، وربما سميت الأجسام الملازمة [بالوصف] (٣) بهذه الأوصاف أنوارًا، إذ لا تخلو منها فهو كله خَلْق من خلق الله وفعل من أفعاله فهو منوِّر الآفاق بهذه الأنوار، فيزيل عنها الظلام، ويكشف اللبس والعشا (٤) من الأبصار، فيسلكون به سبلهم ويهتدون به إلى شؤونهم، فيُهتدى بها فى ظلمات البر والبحر، وسمى القرآن بذلك؛ لهداية قلوب المؤمنين، وكشف الريب والشك، وإيضاح. سبل الحق وطرق الهدى والرشد، وسمى النبى ﷺ بذلك؛ إذ به هداية جميع المؤمنين، وهو المبين لهم عن الله والموضح لهم شريعته (٥) ومخرجهم من ظلمات الكفر، والله - تعالى - فاعل ذلك كله، فهو النور وذو النور، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ (٦) وليست ذاته بنور ولا هو صفة على هذا المعنى الذى ذكرناه خلافاً لمن قال ذلك من المُجسِّمةِ (٧) بل هو تعالى نور من حيث هو خالق النور، وجاعله أو مدبر خلقه بذلك، فيكون صفة فعل أو من حيث هو مبينٌ وهادٍ بإرادته وقدره بذلك وقدرته، فيكون صفة ذات، أو على لسان أنبيائه وجعل ذلك فى قلوب أوليائه فيكون صفة فعل، وقد مرّ من هذا أول الكتاب.

стр. 1415

١٩٧ - (٧٦٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُرَّةَ، عَن الحَسَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّى، افْتَتَحَ صَلاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. ١٩٨ - (٧٦٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَفْتَتِحْ صَلاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ". ١٩٩ - (٧٦٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ -: " اللهُمَّ، لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ ــ وقوله: " أنت قَيَّامُ السماوات والأرض " فى أسمائه قَيَّامٌ وقيوم وقد قرئ بهما " قيام " فيْعال " وقَيُّومٌ " فيعول من القيام بالأمور على المبالغة، وقائم - أيضاً - وقد جاء [فى القرآن] (١) وقيِّمُ أيضاً، وقد جاء فى هذا الحديث فى الأم أيضاً، ويقال: قَيّم أيضاً، قال الهروى: ويقال فى هذا: قوّام أيضاً، وقد جاء عند بعض رواة الموطأ من شيوخنا " قيَّام " (٢) قيل: أما قيَّام وَقوَّام فجمعٌ، قال ابن عباس: القيُّوم الذى لا يزول، وقال غيره: القائم على كل شىء، ومعناه: مدبر أمر الخلق فمعنى هذا على القول الأول راجع إلى صفة البقاء والدوام، وعلى الثانى راجع إلى معنى الحفظ والتدبير، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَت﴾ (٣) وقال: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (٤)، وهذان المعنيان صحيحان فى تفسير الآية والحديث. وقوله: " أنت رب السماوات والأرض " للرب ثلاثة معانٍ، السيد المطاع والمالك والمصلح لكن إذا كان بمعنى السيد المطاع فقد قال بعضهم: إنه لا يقع إلا على من يعقل ولا يصلح هذا التأويل إلا أن يجعل " العالمين " فى قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِين﴾ على الجن والإنس، وإلى هذا نحا أبو سليمان، إذ قال: لا يصح أن يقال: سيد الجبال والشجر.

стр. 1416

الحَقّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ. اللَّهُمَّ، لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ ــ قال القاضى: لا معنى لهذا، والكل له طائع منيب، قال الله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين﴾ (١). وقوله: " أنت الحق ": الحق من أسماء الله تعالى، قيل: معناه: المتحقق وجوده وكل شىء صحّ كونه ووجوده فهو حقٌّ، ومنه ﴿الْحَاقةُ﴾ (٢) أى الكائنة حقاً بغير شك، ومنه قوله بعد هذا: " لقاؤك حق، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ " وقد يحتمل أن يكون المراد أن الخبر عنه حقٌّ أى صدق وقيل: يكون بمعنى ذى الحق، وقيل: بمعنى محق الحق وقيل: يحتمل فى هذا الحديث أن يكون معناه: أنت الحق دون غيرك ممَّن يدعى المشركون (٣) إلهيته، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل﴾ (٤)، ويعود هذا المعنى إلى أن القول بأنك إلهٌ حق، أى صدق، وفى غيرك باطل وكذب. وقوله: " ووعدك حق ": يحتمل أنه راجع إلى ما جاء بعده وقوله: " ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق " فهو من وعد الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَق﴾ (٥)، ويكون هنا بمعنى كائن ولازم، ويصح أن يكون بمعنى أن الخبر عنه صدق، [وقد] (٦) يحتمل أن يكون الوعد هنا ما وعد به أولياءه من الثواب وحسن الجزاء، وما أعده من العقاب والشقاء، كما قال: ﴿جَنَّات عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾ (٧)، ويكون حق بمعنى صدق كما قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (٨) و ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ (٩)، إلا أن يتفضل بالعفو عن من شاء. وقوله: " ولقاؤك حقٌّ ": يعنى الموت، ويحتمل أنه البعث. وقوله: " اللهم لك أسلمت ": أى استسلمت وانقدتُ لأمرك ونهيك " وبك آمنت ": أى صدقت وجاء هنا التفريق بين الإيمان والإسلام، وقد تقدم الكلام عليه أول الكتاب. وقوله: " وإليك أنبت ": أى أطعتُ ورجعت إلى عبادتك، والإقبال على ما يقرب إليك، والإنابة: الرجوع، وقيل: إليك رجعت فى أمرى بمعنى توكلت واستعنت.

стр. 1417

خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِى لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ ". (...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، كِلاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَاتَّفَقَ لَفْظُهُ مع حَدِيثِ مَالِكٍ، لَمْ يَخْتَلفَا إِلا فِى حَرْفَيْنِ. قَالَ: ابْنِ جُرَيْجٍ: مَكَانَ " قَيَّامُ " قَيِّمُ. وَقَالَ: وَمَا أَسْرَرْتُ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ، وَيُخَالِفُ مَالِكًا وَابْنَ جُرَيْجٍ فِى أَحْرُفٍ. (...) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا مَهْدِىٌّ وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ القَصِيرُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الحَدِيثِ - وَاللَّفْظُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ. ــ وقوله: " وبك خاصمت ": أى بما آتيتنى من الحجج والبراهين خاصمت من عاندك وكفر بك، وخاصم فيك بسيفٍ أو لسان. وقوله: " وإليك حاكمت ": أى كل من أبى قبول الحق إليكَ أُحاكِمُهم بالحجج والسيف دون غيرك، ممن كان تحاكم إليه الجاهلية من الكهان والأصنام والنيران والشياطين لا أرضى إلا بحكمك ولا أتوكل إلا عليك كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين﴾ (١) و ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ (٢) وكما قال فى الحديث بعده ودعائه بهذه الآية نفسها. وقوله: " فاغفر لى ما قدمت وما أخرت ": يحتمل فيما مضى، ويحتمل فيما مضى ويأتى، ودعاء النبى ﷺ بمثل هذا من المغفرة وشبهها مع إعلام الله تعالى أنه مغفور له، ومع ما قدمناه وصححناه من أصح القولين بعض من جميع الذنوب، على طريق الإشفاق والاعتراف والاستسلام وخوف المكر، إنه ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُون﴾ (٣) ولتقتدى به أمته، ويشتد إشفاقهم بحسب حالهم من حاله ومقامهم من مقامه وقد بسطنا هذا الباب فى كتاب الشفاعة بما فيه كفاية. وفى هذا وغيره - من الأحاديث التى ذكر مسلم - مواظبة النبى ﷺ على الذكر

стр. 1418

٢٠٠ - (٧٧٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمِيْدٍ وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِىُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ: بَأَىِّ شَىْءٍ كَانَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ منَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ: " اللَّهُمَّ، رَبَّ جبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صَرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ". ٢٠١ - (٧٧١) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرِ المُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ المَاجِشُونُ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ قَالَ: " وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ، أَنْتَ المَلِكُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِى وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِى فَاغْفِرْ لِى ذنُوبِى جَمِيعًا، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ، وَاهْدِنِى لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ، لا يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا، لا يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ كُلَّهُ فِى ــ بالليل والدعاء والاعتراف لله بحقوقه والإقرار بوعده ووعيده والخضوع له والضراعة إليه ما يقتدى به فيه ﵇. وقوله فى الآية فى الحديث الأول: " وأنا من المسلمين " وروى " أول المسلمين " على ما فى التلاوة وعلى ما فى الحديث الآخر، وجه قوله من أنه لم يرد تلاوة الآية هنا، بل الإخبار بالاعتراف بحاله. وقوله فى الحديث الآخر: " رب جبريل وإسرافيل وميكائيل " وتخصيصهم بربوبيته وهو رب كل شىء، وجاء مثل هذا كثير من إضافة كل عظيم الشأن له دون ما يستحضر عند الثناء والدعاء، مبالغة فى التعظيم، ودليلاً على القدرة والملك فيقال: رب السماوات والأرض، ورب النبيين والمرسلين ورب المشرق والمغرب ورب العالمين ورب الجبال والرياح ورب البحار ورب الناس، ومثله مما جاء فى القرآن وفى الحديث خصوصاً ولم يأت ذلك

стр. 1419

يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ". وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: " اللَّهُمَّ، لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِى وَبَصَرِى، وَمُخِّى وَعَظْمِى وَعَصَبِى ". وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: " اللَّهُمَّ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ ــ خصوصاً فيما يستحقر ويستصغر ويستقذر كالحشرات والكلاب والقردة إلا بسبيل العموم. وقوله: " اهدنى لما اختلف فيه من الحق ": أى ثَبتنى مِثلُ قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم﴾ (١)، وتقدم الكلام على معنى لبيك وسعديك (٢). وأما قوله: " والخير كله فى يديك، والشر ليس إليك ": قال الخطابى: معنى هذا الكلام: الإرشاد إلى استعمال الأدب فى الثناء على الله والمدح له بأن تضاف محاسن الأمور إليه دون مساوئها ومذامها. قال الإمام: تتعلق به المعتزلة فى أن الله لا يخلق الشر ونحمله نحن على أن معناه: لا يتقرب إليك بالشر. قال القاضى: وقوله: " أَنا بك وإليك " اعتراف بالعبودية واللَّجأ. وقوله: " لك الحمد ملء السماوات والأرض وما بينهما " (٣): قيل هو محتمل لطريق الاستعارة؛ إذ الحمد ليس بجسم فيُقَدَّر بالمكاييل وَتَسعُه الأمكنة والأوعية، فالمراد تكثير العدد، كما لو كان مما يُقَدَّر بمكيال أو ما يملأ الأماكن لكان بهذا المقدار، وقيل: يحتمل أن يعود ذلك التقدير لأجورهما وقيل: يحتمل التعظيم والتفخيم لشأنهما، وقد (٤) جاء " أن الميزان له كفتان، كل كفة طباق السماوات والأرض " وجاء فى الحديث الآخر أن " الحمد يملأ الميزان " (٥)، فعلى جمع الحديثين جاء الحمد ملء السماوات والأرض والتأويل الأول أظهر لما جاء فى الحديث الآخر: " سبحان الله عدد خلقه وزنة عرشه " (٦) الحديث، فظاهره تكثير العدد وكذلك هنا، والمِلء - بكسر الميم -[الاسم] (٧) وبفتحها المصدر.

стр. 1420

السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ ". وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: " اللَّهُمَّ، لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِى لِلَّذِى خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ "، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَسْلِيمِ: " اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُوَخِّرُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ ". ٢٠٢ - (...) وحدَّثنا زهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ، قَالا: حَدَّثَنَا عبدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَمِّهِ المَاجِشُونِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: " وَجَّهْتُ وَجْهِى "، وَقَالَ: " وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ "، وَقَالَ: وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ "، وَقَالَ: " وَصَوَّرَهُ فَأَحْسَنَ صوَرَهُ "، وَقَالَ: وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: " اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ " إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ وَلَمْ يَقُلْ: بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ. ــ وقوله: " سجد وجهى للذى خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ". قال الإمام: يحتج به من يقول أن الأذنين من الوجه يغسلان؛ لأنه ﵇ أضاف السمع إلى الوجه واختلف فى حكمهما، فقيل: يُمسحانِ لأنهما من الرأس، وقيل: يغسلان كما ذكرنا، وقيل: أما باطنهما فيغسل مع الوجه، وأما ظاهرهما فيمسح مع الرأس (١). قال القاضى: وقوله: " أنت المقدم وأنت المؤخر ": قيل: المنزل للأشياء منازلها يقدم ما شاء ويؤخر ما شاء ويعز من يشاء ويذلُّ من يشاء وجعل عباده بعضهم فوق بعض درجات، وقيل: هو بمعنى الأول والآخر؛ لأنه إذا كان مقدم كل شىء متقدم فهو قبله ومؤخر كل متأخر فهو بعده، ويكون المقدم والمؤخر بمعنى الهادى والمضل قدم من شاء لطاعته لكرامته وأخَّر من شاء بقضائه لشقاوته وقد تقدم الكلام على التوجيه وعلى الذكر فى الركوع والسجود والدعاء فيهما والدعاء فى الصلاة (٢). وفى هذه الأحاديث حجة للقائلين بذلك.

стр. 1421

(٢٧) باب استحباب تطويل القراءة فى صلاة الليل ٢٠٣ - (٧٧٢) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ المُسْتَوْرِدِ بْنِ الأَحْنَفِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ البَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المَائَةِ، ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّى بِهَا فِى رَكْعَةٍ، فَمَضَى. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: " سُبْحَانَ رَبِّىَ العَظِيمِ "، فَكَانَ رَكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ "، ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً، قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: " سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى "، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ. (قَالَ): وَفِى حَدِيثِ جَرِيرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: فَقَالَ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ ". ٢٠٤ - (٧٧٣) وحدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَطَالَ حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ، قَالَ: قِيلَ: ومَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: ــ قول ابن مسعود حين طوَّل النبى ﷺ فى صلاة الليل: " هممت بأمر سوء " وفسره للسائل: " أن أجلس وأدعه " هذا لما ناله من المشقة والضرر (١) لطول القيام، وسمَّاه مع ذلك سوءاً، ففيه أنَّ الخلاف على الأئمة ومناقضتهم سوء وقد قال ﵇: " إنما جعل الإمام ليؤتم به " (٢) لكن لم يختلف لمن نابه مثل هذا فى النافلة أو الفريضة خلف الإمام، وشق عليه القيام أن يجلس، لكنه فى حق النبى ﷺ وتغيير أمره شديد.

стр. 1422

هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ. (...) وحدَّثناه إِسْمَاعِيلُ بْنُ الخَلِيلِ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ــ وفى هذا الحديث: ما كان من تطويل النبى ﵇ صلاة النافلة بالليل، وحجةُ لمن يرى طول القيام أفضل (١). وقوله: " يقرأ مُتَرسِّلاً، إذا مرَّ بآية تسبيح (٢) سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل " الحديث، فيه حكم آداب القرآن فى الصلاة وغيرها، واستعمال حدود كتاب الله وتقديمه هنا النساء على آل عمران حجة لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف لم يكن ذلك من تحديد النبى ﵇ وإنما وكله إلى أمته بعده وهو قول جمهور العلماء، وهو قول مالك واختيار القاضى أبى بكر الباقلانى وأصح القولين عنده، مع احتمالها. قال: والذى نقوله: إن تأليف السور ليس بواجبٍ فى الكتابة ولا فى الصلاة، ولا فى الدرس ولا فى التلقين والتعليم، وإنه لم يكن من الرسول فى ذلك نص واحد لا يحل تجاوزه، فلذلك اختلفت تأليفات المصاحف قبل مصحف عثمان، واستجاز النبى ﷺ والأمة بعده فى سائر الأعصار ترك الترتيب للسور فى الصلاة والدرس والتلقين والتعليم، وعلى قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك توقيف من رسول الله ﷺ ، وعلى ما حده ورسمه لهم حسب ما استقر فى مصحف عثمان، وأن موجب اختلاف المصاحف قيل فى الترتيب، إنما كان قبل التوقيف وعلى ما جاء هنا كانت هاتان السورتان فى مصحف أبىّ، ولا خلاف أنه يجور للمصلى فى الركعة الثانية أن يقرأ بسورة قبل التى صلى بها فى الأولى، أو إنما يقع الكراهة بذلك فى ذلك فى ركعة واحدة أو لمن يتلو القرآن وقد أجاز هذا بعضهم وتأول نهى من نهى من السلف عن قراءة القرآن، مُنَكِّسًا أن يقرأ من آخر السورة آية بعد آية إلى أولها كما يفعل من يُظهر قوة الحفظ، ولا خلاف أن تأليف كل سورة وترتيب آياتها توقف من الله تعالى على ما هى عليه الآن فى المصحف، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها ﵇. وقوله: " فجعل يقول فى ركوعه: سبحان ربى العظيم، وفى سجوده: سبحان ربى الأعلى ": يحتج به الكوفيون والأوزاعى والشافعى، ومن قال بقولهم فى اختيار هذا القول فى الركوع والسجود للأثر الوارد فى الأمر بذلك ولم يوجبوه، ومالك لم يحد فى الذكر

стр. 1423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيهما حدّا، إلا أنه كره القراءة فى الركوع، وقد مضى ذلك (١). وقوله: " إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين " وفى الحديث الآخر: " أمره بذلك لمن قام به " ووجه الحكمة فيه رياضة النفس والجسد بهما، وذهاب الكسل عنه فيهما ليستقبل قيام ليله بنشاط واجتماع نفس، وعلى أتم وجوه الخشوع والكمال.

стр. 1424

(٢٨) باب ما روى فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح ٢٠٥ - (٧٧٤) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: " ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِى أُذُنَيْهِ " أَوْ قَالَ: " فِى أُذُنِهِ ". ــ وقول النبى ﷺ للذى نام حتى أصبح: " بال الشيطان فى أذنيه " قال المُهَلِّبُ: هذا على سبيل الإغياء (١) بتحكم الشيطان فى العقد على رأسه بالنوم الطويل، وقال ابن قتيبة: يقال: بال فى كذا إذا أفسده. وأنشد: كساعٍ إلى أُسْد الشَرِّ يستبيلها (٢) أى يطلب مفسدتها. قال القاضى: وللناس فى معنى هذا البيت غير هذا، ليس هذا مكانه (٣)، قال أبو بكر ابن أبى إسحاق (٤): يكون معناه: استخَفَّ به واستحقره واستعلى عليه، كما قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّه﴾ (٥)، وقد يقال لمن استخف بالإنسان وخدعه: بال فى أذنه، وأصل ذلك دابة يهابها الأسد فَيَفعل ذلك به. قال القاضى: ذكر صاحب كتاب الحيوان من اليونانيين أنه النمر، وأنه يستطيل على الأسد فى بعض البلاد حتى يفعل ذلك به لِيُذلَّه، وقال أبو بكر: ويجوز أن يكون معناه: أَخَذَ بسمعه عن نداء الملك ثلث الليل: " هل من داعٍ فيستجاب له " الحديث، وشغله له بوسوسته وتزيينه له النوم وبحديثه بذلك فى أذنه كالبول فيهما، لأنه قذَرٌ نَجسٌ خبيثٌ وأفعاله كلها قذرة خبيثة. وقال الحربى: بال هنا معناه: ظهر عليه وسخِر منه. قال الطحاوى: هو استعارة لا على الحقيقة وعبارة عن الطوع وفعل أقبح الفعل بالنوَّام ومن يذله ويقهره. قال القاضى: ولا يبعد أن يكون على وجهه وقصد الشيطان بذلك إذلاله ونهاية طاعته له، وتَأتَى ما أراد منه من استغراق فى نومه حتى فعل به ذلك، وقد يكون " بال فى أذنه " كناية عن ضرب النوم واستغراقه، وخص ذلك بالأذن كما خصها فى قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا

стр. 1425

٢٠٦ - (٧٧٥) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهَرِىِّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ؛ أَنَّ الحُسَيْنَ بْنِ عَلِىٍّ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: " أَلا تُصَلُّونَ؟ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَنفُسُنَا بِيَدِ اللهِ، فَإِذَا ــ عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْف﴾ (١) والله أعلم؛ ولأن الأذن حاسة المنتبه بكل حال، وموقظة النائم بما يطرأ عليه من الأصوات. قال الإمام: خرَّج مسلم فى باب الحض على صلاة الليل حدثنا قتيبة بن سعيد عن الليث عن عقيل عن الزهرى، عن على بن حسين [عن الحسن] (٢) بن على، حدَّثه عن على؛ أن النبى ﷺ طرقه وفاطمة [ليلاً] (٣) فقال: " ألا تصليان؟ " الحديث. قال الدارقطنى: كذا رواه مسلم عن قتيبة: أن الحسن بن على، وقد تابعه على ذلك إبراهيم بن نصر النهاوندى والحنينى (٤)، وخالفهم النسائى والسراج وموسى بن هارون عن قتيبة قالوا: " أن الحسن بن على " (٥) وكذا قال أصحاب الزهرى، منهم صالح بن كيسان وابن جريج وإسحاق بن راشد، وابن أبى أنيسة وابن أبى عتيق وغيرهم عن الزهرى عن على بن حسين ابن على عن أبيه عن على، [وكذا وقع فى نسخة الجلودى: الزهرى عن على بن حسن ابن الحسن بن على] (٦) حدثه، وفى نسخة ابن ماهان: عُقيلٌ عن الزهرى عن على بن حسين بن على بن أبى طالب، هكذا روى عنه، وأسقط من الإسناد رجلاً قاله عنه أبو زكريا الأشعرى، وابن الحذاء، والصواب ما تقدم. قال القاضى فى كتاب ابن الحذاء: " الحسن " وذكر أبو الحسن الدارقطنى (٧) أن معمراً أرسله عن الزهرى عن على بن حسين قال: وكذلك قال مسعد عن عقبة بن قيس عن على بن حسين مرسلاً وصَوَّب قول من قال: عن على بن حسين عن أبيه عن على. قال: وكان فى كتاب الليث: الحسن، فقيل له: إنما هو الحسين فرجع إليه، وقال موسى بن هارون: وكان فى كتاب قتيبة: الحسن. وفى الحديث فضل الصلاة بالليل والحض عليها. قال أبو جعفر الطبرى: وإيقاظ النبى ﷺ من نومها فى وقت جعله الله سكوناً وَدِعةً لما علم من ثواب الله فى ذلك، وفيه

стр. 1426

شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ (١). ٢٠٧ - (٧٧٦) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ : " يَعْقِدُ ــ أمر قيم يقوم لمن يقوم عليهم بفعل الخيرات ووجوه البرِّ وحضهم على الرغائب وما ليس بواجب، قال غيره: وعنه أنه ليس للإمام أن يشتد فى النوافل، وإنما يحض ويحث عليها إذ ليست بواجبة لانصراف النبى ﷺ عنهما ولم يرجع شيئاً (٢)، كما جاء فى الحديث. وقول على: " أنفسنا بيد الله " من قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية (٣)، وضرب النبى ﷺ فخذه، وقوله: ﴿وكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ (٤) استشهاد بقول الله تعالى وتسليم لحجتهما وحجةٌ فى صحة الجدل بالحق قال الله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ (٥). وقال المُهلِّب: فعل النبى ﷺ ذلك يدل أنه فهم أنه أحرجهما بإيقاظهما من نومهما. قال القاضى: وهذا عندى غير بين، بل لا دليل على الحرج، بل إنما استدل بالآية علىٌّ، عذراً بذلك، وانقبضا استحياءً منه لطروقه إياهما فى حال اضطجاعهما، ويكون فعل النبى ﷺ لما فعل وقال تعجباً من سرعة حجته وإصابة عذره. وفيه حجة لجواز الضرب على الفخذ عند الأمر ينكر. ومعنى " طرقه ": أى أتاه ليلاً، والطروق ما جاء بالليل. وقوله: " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عُقَدٍ إذا نام، بكل عقدة: عليك ليل طويل فارقد " (٦): القافية: مؤخر الرأس، وقيل: القفا وآخر كلِّ شىء قافيته ومنه: قافية الشعر، وقيل فى عقده هذا أنه حقيقة وأنه بمعنى عقد السحر للإنسان ومنعه من القيام، قال الله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾ (٧) وأنه قول يقوله فيؤثر فيه كما يقول الساحر، ويحتمل أن يكون فعلاً يفعله، مثل النفاثات فى العقد.

стр. 1427

الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أَحَدِكُمْ ثَلاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ، بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ، انْحَلَّتْ عُقدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ العُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ ". ــ وقوله: " يقول: عليك ليل طويل فارقد " أى أن ذلك مقصود ذلك العقد، وقيل: هو من عقد القلب وتصميمه وقد فسَّر هذا العقد بقوله: " عليك ليل طويل " كأنه يقولها إذا أراد النائم القيام لحزبه، فيؤثر ذلك فى نفسه، ويعقد صرفه (١) حتى يصبح، ويفوته حزبه، وقيل: هو مجاز كنى به عن حبس الشيطان وتثبيطه عن قيام الليل، وقال بعضهم: هذه العقد الثلاث هى الأكل والشرب والنوم؛ لأن من أكثر الأكل والشرب كثر نومه، وهذا عندى بعيد لقوله فى الحديث: " إذا نام " فإنما جعل العقد حينئذ. وفى رواية أكثرهِم عن مسلم: " عليك ليلاً طويلاً " على الإغراء بنومه، ومن رفع فعلى الابتداء، أو على الفاعل بإضمار فعل أى بقى عليك. وقوله: " فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدةٌ " ثم ذكر مثل ذلك إذا توضأ، ثم مثله إذا صلى على ما تقدم إمَّا حل عقدة السحر، أو اعتقاد طول الليل أو انحلال ما نزع له به الشيطان وكفايته إياه. وقد اختلفت الرواية فى الحرف الآخر بعد قوله: " فإذا صلى انحلت عقدةٌ " هل على الإفراد كالذى قبله أو " عُقَدَه " على الجمع، ومعناهما واحد؛ لأن بانحلال العقدة الآخرة انحلت جميع العقد كما رواه مسلم: " انحلت العُقدُ ". وقوله: " [فأصبح] (٢) نشيطاً طيب النفس " لسروره بما [قدَّمه] (٣) ورجائه فى ثواب عمله ونشاطه بزوال آخر (٤) سحر الشيطان عنه وكفايته إياه، ورجوعه خاسئاً [عنه] (٥) خائباً من كيده. وقوله: " وإلا أصبَح خبيثَ النفس كسلان " بتأثير سحر الشيطان وبلوغه غرضه فيه وهمه بما فاته من حزبه، وجاز عليه من كيد عدوهِ. وليس قوله هذا مما يعارض به قوله: " بئس ما لأحدكم أن يقول خبثت نفسى " (٦) فإن ذلك النهى عن أن يقوله الإنسان عن

стр. 1428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نفسه لاشتراك لفظة الخبث الذى هو تغيير النفس وكسلها بالخبث الذى هو فساد الدين والكفر، قال الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب﴾ الآية (١) والنبى ﷺ إنما أخبر بذلك عن صفة غيره فلا تعارض بينهما. قال الإمام: بوب البخارى (٢) عليه عقد الشيطان على رأس من لم يصل. وفى الحديث أنه يعقد على قافية رأس أحدكم وإن كانت منه الصلاة بعد ذلك. وإنما تنحل عقده بالذكر والصلاة، والذى يفهم من تبويب البخارى أن العقد [إنما يكون] (٣) على رأس من لم يصل فقط، وقد يعتذر عنه بأنه إنما قصد من يُستدام العقد على رأسه بترك الصلاة. وقدر من انحلت عقده كأنه لم يعقد عليه.

стр. 1429

(٢٩) باب استحباب صلاة النافلة فى بيته وجوازها فى المسجد ٢٠٨ - (٧٧٧) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِى نَافُعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " اجْعَلُوا مِنْ صَلاتِكُمْ فِى بُيُوتِكُمْ وَلا تَتَّخِذُوهَا قبُورًا ". ٢٠٩ - (...) وحدَّثنا ابْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " صَلُّوا فِى بُيُوتِكُمْ، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا ". ــ قال القاضى: قوله ﵇: " اجعلوا من صلاتكم فى بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً " (١): هذا من التمثيل البديع حين شَبَّه البيت الذى لا يُصلى فيه بالقبر الذى لا يتأتى فيه من ساكنه عبادة، وشبه النائم ليله كله بالميت فى قبره وكذلك تمثيله بالحى والميت؛ لأن العمل إنما يتأتى من الحىّ وقد يرجع التمثيل إلى صاحب البيت. وللعلماء فى معنى الحديث قولان: فقال بعضهم: هذا فى الفريضة ومن للتبعيض، أمروا بذلك ليقتدى بهم فى صلاتهم من لا يخرج من عيالهم ونسوانهم، قالوا: ولأن المتخلف عن الجماعة للصلاة فى جماعة دونها غير متخلف، وقيل: بل هو فى النافلة للتستر بها وللحديث: " أفضل الصلاة صلاة أحدكم فى بيته إلا المكتوبة " (٢)، وقد تكون على هذا " من " عندهم زائدة، كقوله: ما جاءنى من أحد، ولهذا كان حذيفة وبعض السلف لا يتطوعون فى المسجد، وهذا مذهب الجمهور، وعليه يدل حديث مسلم فى الباب فى سبب ذلك فى قيامه الليل بالناس بقوله: " ظننت أن تكتب عليكم، فعليكم بالصلاة فى بيوتكم " الحديث (٣)، وقد يصح أن تكون للتبعيض على أصلها، وأن من النافلة ما يصلى فى المساجد كتحية المسجد، ورواتب الصلوات وغير ذلك، ومنها ما يصلى فى البيوت. قالوا: ولأن النبى ﷺ قد أنكر التخلف عن صلاة الجماعة، وكن النساءُ يخرجن، وفى التعليم بالقول مقنع، ويصحح هذا قوله فى الحديث الآخر: " صلوا فى بيوتكم ". وهذا يدل أنها النافلة [ولقوله] (٤): " إذا قضى أحدكم الصلاة فى مسجده فليجعل ني بيته نصيباً من صلاته " هذا يدل أنها النافلة.

стр. 1430

٢١٠ - (٧٧٨) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ فِى مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلاتِهِ، فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ فِى بَيْتِهِ مِنْ صَلاتِهِ خَيْرًا ". ٢١١ - (٧٧٩) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنَّ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَثَلُ البَيْتِ الَّذِى يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، وَالبَيْتِ الَّذِى لا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، مَثَلُ الحَىِّ وَالمَيِّتِ ". ٢١٢ - (٧٨٠) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَارِىُّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِى تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ". ٢١٣ - (٧٨١) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ أَوْ حَصِيرٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى فِيهَا. قَالَ: فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاؤُوا يُصَلُّونَ بِصَلاِتهِ. قَالَ: ثُمَّ جَاؤُوا لَيْلَةً ــ وقوله: " إن الله (١) جاعلٌ [فى بيته] (٢) من صلاته خيراً ": فسر هذا الخبر فى أحاديث أخر بأنها تحضره الملائكة وتنفر منه الشياطين، ويتسع على أهله، وترجم البخارى على هذا الحديث كراهية الصلاة فى المقابر (٣)، كأنه استدل من قوله: " ولا تجعلوها قبوراً " لأنها لا تجوز فيها الصلاة. وهذه استثارة (٤) فى الفقه بعيدة، والذى عليه الناس فى تأويل الحديث ما قدَّمناه، وأن مراده: لا تجعلوها كالقبور التى لا يصلى من فيها ولم يُرد [زائداً] (٥) عليها. وقوله: " احتجر النبى ﷺ حُجَيَرةً بِخَصَفَةٍ أَو حصِيرٍ " أى اقتطع موضعاً حجَره عن

стр. 1431

فَحَضَرُوا، وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهُمْ. قَالَ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا البَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُغْضَبًا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاةِ فِى بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلاةِ المَرْءِ فِى بَيْتِهِ، إِلا الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ ". ٢١٤ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى ابْنُ عُقْبَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِى المَسْجَدِ مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا لَيَالِىَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَزَادَ فِيهِ: " وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ ". ــ غيره، أو لهذه العبادة عن غيرها، والحجرُ: المنع، ومنه سميت الحجرة، وحجيرة بتصغيرها، والخصفة والحصير بمعنى، والخصف: ما صنع من خوص المُقْل والنخل (١).

стр. 1432

(٣٠) باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره ٢١٥ - (٧٨٢) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ - يَعْنِى الثَّقَفِىُّ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّى فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاتهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ. فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُوَنَ فَإِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ ". وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلاً أَثْبَتُوهُ. ٢١٦ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ــ وقوله: " عليكم من الأعمال ما تطيقون ": أى ما لكم بالمداومة عليه طاقة، ويحتمل الندب [لنا] (١) إلى تكلف ما لنا به طاقة من العمل، ويحتمل النهى عن تكلف ما لا نطيق والأمر بالاقتصار على ما نطيق، وهو اللائق بنسق (٢) الحديث ويحتمل أن المراد بالعمل صلاة الليل؛ إذ هى من عمل البرِّ (٣)، إذ ورد بسببه، ويحتمل أن يحمل على جميع الأعمال الشرعية، قاله الباجى (٤). وقوله: " فإن الله لا يمل حتى تملوا " وفى الرواية الأخرى: " لا يسأم حتى تسأموا " وهما بمعنى السآمة والملال. قال الإمام: الملالة التى بمعنى السآمة لا تجوز على الله وقد اختلف فى تأويل هذا الحديث، فقيل: إنما ذلك على معنى المقابلة أى لا يدع الجزاءَ حتى تدعوا العمل، وقيل: " حتى " هاهنا بمعنى، الواو، فيكون قد نفى عنه جلَّت قدرته الملل، فيكونُ التقدير (٥) لا يمل وتملون، وقيل: " حتى " بمعنى حين. قال القاضى: وقوله فى الحديث: " فثابوا ": أى رجعوا إلى الصلاة مبادرين كذلك، وتقدم الكلام على " أحب العمل ما دوِّم عليه وإن قل ".

стр. 1433

سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَىُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: " أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ ". ٢١٧ - (٧٨٣) وحدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيَمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَيَسْتَطِيعُ؟ ٢١٨ - (...) وحدَّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِى القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ". قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ العَمَلَ لَزِمَتْهُ. ــ وقولها: " كان عمله دِيمةً " أى دائم غير منقطع، ومنه سمى المطر المتوالى ديمةً، يعنى أن ما عمل من خير لم يكن يقطعه، ويتركه بل يداوِمُ عليه، وقلنا: إن فضل ذلك للتخفيف فى العبادة، ولأن فى اتصال النية بالمداومة على عمله ما يربى على الإكثار من عمله مدة ثم يقطع، ولذلك ذكر مسلم الحديث: " كان آل محمد إذا عملوا عملاً أثبتوه " أى لازموه، وداموا عليه. والآل هنا أظهر فى القرابة، وآل البيت ألا تراه كيف حكاه بعد عن غائب. ويحتمل أن المراد به من يختص به من فضلاء أصحابه وأتباعه وقد يراد به النبى ﷺ نفسه، ويدل عليه قوله فى الحديث الآخر: " وكان النبى ﷺ إذا صلى صلاة أثبتها " (١). والآل قد يقع على ذات الشىء، وعلى ما يضاف إليه، كما قال: " لقد أوتى مزماراً من مزامير آل داود " (٢) وكما جاء فى الحديث: " آل حم " (٣) وهذا (٤) نهى عن التكلف لما يشق لئلا يعجز عنه. فينقطع ثوابه وثواب النية فيه. وقوله: " وكان يحتجزه (٥) بالليل ويبسطه بالنهار " يعنى الحصير، دليل على ما كان عليه من التقلل من الدنيا ومتاعها، وزهده ﷺ .

стр. 1434

(٣١) باب أمر من نعس فى صلاته، أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك ٢١٩ - (٧٨٤) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسْجِدَ، وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ " قَالُوا: لِزَيْنَبَ، تُصَلِّى، فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَال: " حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ قَعَدَ ". وَفِى حَدِيثِ زُهَيْرٍ: " فَلْيَقْعُدْ ". (...) وحدَّثناه شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَهُ. ٢٢٠ - (٧٨٥) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ ــ وقوله: دخل النبى ﷺ المسجد - وحبل ممدود بين ساريتين، قال: " ما هذا؟ " قالوا: لزينب تصلى، فإذا كسلت - أو فترت استمسكت (١) به فقال: " حلوه، ليصلِّ أحدُكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد " مما تقدم من كراهيته التكلفَ لما فيه المشقة من العبادة، وقد اختلف السلف فى جواز مثل كذا من التعلق بالحبال وشبهها فى الصلاة لطول النوافل وتكلف القيام، فنهى عن ذلك أبو بكر وكرهه وقطعها لمن فعلها. وقال حذيفةُ: إنما يفعل ذلك اليهود، ورخص فى ذلك آخرون، وأما الاتكاء على العصىّ لطول القيام فى النوافل فما أعلم أنه اختلف فى جوازه والعمل به، إلا ما روى عن ابن سيرين فى كراهة ذلك، وقول مجاهد: ينقص من أجره بقدر ذلك، هو من باب قوله: " صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم "، واختلف فيه فى الفرائض لغير ضرورة، فمذهب مالك وجمهور العلماء: أنه لا يجوز، وأنه لا يجزى من القيام ومن اعتمد على عصىّ أو حائط اعتمادًا لَوْ زَالَ سَقَط فسدت صلاته وكأنه لم يقم فيها. وأجاز ذلك جماعةٌ من الصحابة والسلف منهم أبو سعيد الخدرى وأبو ذر، وغيرهم، وأما لضرورةٍ وعند العجز عن القيام فيجوز، وهو أولى من الصلاة جالساً، قاله مالك وغيره.

стр. 1435

زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ الحَوْلاءَ بِنْتَ تُوَيْتٍ بِنْ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْن عَبْدِ العُزَّى مَرَّت بِهَا - وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: هَذِهِ الحَوْلاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لا تَنَامُ اللَّيْلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَنَامُ اللَّيْلَ! خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ. فَوَاللهِ، لا يَسْأَمُ اللهُ حَتَّى تَسْأَمُوا ". ٢٢١ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظ لَهُ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِى امْرَأَةٌ، فَقَالَ: " مَنْ هَذِهِ؟ " فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ. لا تَنَامُ، تُصَلِّى. قَالَ: " عَلَيْكُمْ مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ. فَوَاللهِ، لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا " وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إلِيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ: أَنَّهَا امْرَأَةٌ مِنْ بَنِى أَسَدٍ. ٢٢٢ - (٧٨٦) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - واللَّفْظُ لَهُ - عَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِى الصَّلاةِ، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغَفِرُ فيَسُبَّ نَفْسَهُ ". ــ وقوله: فى حديث الحولاء حين أُخبِرَ أنها لا تنام الليل فقال: " لا تنام الليل! " ظاهره الإنكارُ لما تقدم من تكَلَّفِ ما لا يطاق ويشق من العبادة، وقد جاء المعنى مفسراً فى حديث مالك فى الموطأ (١) قال. " فكره ذلك حتى عرفت الكراهية فى وجهه " وقد اختلف اختيار العلماء فى إحياء الليل كله بالصلاة، واختلف فيه قول مالك، فمرة كرهه وقال: لعله يُصبح مغلوباً، وفى رسول الله ﷺ أسوة ثم قال: لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح، وقال: إن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا، وإن كان وهو به فتور أو كسلٌ فلا بأس به. وقوله: " إذا نعس أحدُكم فى الصلاة فليرقُد حتى يذهب عنه النوم، [فإن أحدكم إذا صلَّى وهو ناعسٌ لعله يذهب يستغفِرُ فيسب نفسه "] (٢): دليل على أنه لا يجب أن

стр. 1436

٢٢٣ - (٧٨٧) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ ــ يقرَبَ الصلاة من لا يعقلها، ويؤديها على حقها، وأن يتفرغ من كل ما يشغل عن الخشوع فيها، وقيل فى قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ (١) أنه من النوم، والحديث عام فى كل صلاة من الفرض والنفل، وحمله مالك على صلاة الليل، وفى هذا الباب أدخله، وعليه جملة جماعة من العلماء، لأنه غالب غلبة النوم إنما هى فى الليل، ومن اعتراه ذلك فى الفريضة وكان فى الوقت سعة، لزمه أن يفعل مثل ذلك وينام، حتى يتفرغ للصلاة، وإن ضاق الوقت عن ذلك صلى على ما أمكنه وجاهد نفسه ودافع النوم عنه جهده، ثم إن تحقق أنه أداها [وعقلها] (٢) أجزأته وإلا أعادها (٣). قال الإمام: يحتج بهذا الحديث على من يرى أن [نعس] (٤) النوم ينقض الطهارة كالحدث؛ لأنه لم يعلل بانتقاض الطهارة وإنما علل (٥) بأنه يسب نفسه، وقد اختلف الناس فى هذه المسألة، فقال المزنى: النوم ينقض الطهارة، قلَّ أو كثُر وذكر عن بعض الصحابة أنه لا ينقض الطهارةَ على أى حال كان، وغير هذين من العلماء (٦) يقول: ينقض على صفةٍ وما هذه الصفة؟ أبو حنيفة يراعى الاضطجاع، ومالك يراعى حالةً يغلب على الظن خروجُ الحدث فيها ولا يشعر، وما وقع بين أصحابه من مراعاة ركوع أو سجود أو استثقال أو غير ذلك فإنما هو خلاف فى حالٍ، فبعضهم رأى تلك الحالة لا تُشعر بالحدث معها، وبعضهم لم يرها، وأصل الفقه ما قلناه. قال القاضى: قوله: " نعس ": النعاس هو خفيف النوم، قال الشاعر: وسنانُ أقصَدَه النعاسُ فرنَّقتْ ... فى عينِه سنةٌ وليس بنائمٍ استدل بعضهم بقوله: " لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه "، ومعنى " يسب نفسه " عندى هنا: الدعاءُ عليها؛ لأنه إذا ذهب يستغفر ويدعو لنفسه وهو لا يعقل ربما قلب الدعاء فدعا على نفسه.

стр. 1437

مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ القُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَلْيَضْطَجِعْ ". ــ وقوله فى الحديث الآخر: " إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول؛ فليضطجع " من معنى الحديث الأول، لئلا يغير كلام الله، ويبدِّلَه ولعله يأتى فى ذلك بما لا يجوز، من قلب معانيه، وتحريف كلماته، وهذا أشد من الأول. ومعنى " استعجم عليه القرآن ": أى لم يفصحُ به لسانه، ولا انطلق به لغلبة النوم عليه، وعقلته إياه.

стр. 1438

(٣٢) باب فضائل القرآن وما يتعلق به (٣٣) باب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا وجواز قول أنسيتها ٢٢٤ - (٧٨٨) حدَّثنا أَبُو بَكر بْنُ أبى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: " يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِى كَذَا وَكَذَا، آيَةً كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا ". ٢٢٥ - (...) وحدثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِى المَسْجِدِ، فَقَالَ: " ﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِى آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا ". ٢٢٦ - (٧٨٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ كَمَثَلِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، ــ وقوله ﵇ فى الذى سمعه يقرأ: " لقد أذكرنى آية كذا " (١) وفى الحديث الآخر: " كنت أنسيتها " قد تقدم الكلام فيما يجوز على النبى ﵇ من النسيان وجواز ذلك عليه ابتداءً عند جمهور المحققين فيما ليس طريقه البلاغ، واختلافهم فيما طريقه البلاغ والتعليم، لكنه لا يستديم ذلك عند من أجازه فيما كان طريقه البلاغ، بل يستذكره أو يُذكرُ به على كل حال، على خلاف بين أئمتنا، هل من شرط ذلك الفورُ؟ أو يصح على التراخى قبل انخرام مدته؟ وأما نسيان ما قد بلَّغه كمسألتنا فجائز، ولا مطعن فيه، وقد قال ﵇: " إنى لأنسى أو أُنَسَّى لأسُن " (٢)، وقد روى سهوه فى الصلاة وغير ذلك، وقد تقدم من هذا، وتقصينا هذا فى كتاب الشفاء. وقول من ذهب من المتصوفة ومن توهم إلى أن النسيان لا يجوز عليه جملة، لا فيما طريقه البلاغ ولا فيما ليس طريقه البلاغ، وإنما يقع منه صورته عمداً ليَسُن، وهذا تناقضٌ وصورةٌ لا تتصور، وهو قول مردود، ولا أعلم مُقتدى به وملتفتاً إلى معرفته، استحسنه وأشار إلى تصويبه إلا الأستاذ أبا المظفر الإسفرايينى من شيوخنا، فإنه على تحقيقه وتدقيقه مال إلى هذا القول ورجَّحه على تناقضه وتباغضه.

стр. 1439

إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ ". ٢٢٧ - (...) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ القَطَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ المُسَيَّبِىُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ - يَعْنِى ابْنَ عِيَاضٍ - جَمِيعًا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، كلُّ هَؤُلاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: " وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ القُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ ". ٢٢٨ - (٧٩٠) وحدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَان بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بِئْسَمَا لأَحْدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ ــ وقوله بعد فى الحديث [الآخر] (١): " بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، ولكنه نُسِّى ": لا يعارض قوله ﵇ فى الحديث المتقدم: " كنت أنُسيتها " وقد أضاف هنا النسيان إلى نفسه الذى نهى عن قوله فى الحديث الآخر ونفاه، قيل: إنما أمر بذلك النبى ﷺ لتضاف الأمور إلى خالِقها ومقدِّرها إقراراً بالعبودية، ولا يضَيفُها العبد أبداً إلى نفسه. والنبى ﵇ وأمثاله، ممن ذكر الله عنه ذلك فى كتابه، ممن إذا أطلق اللفظ فهو على بينة من ربه ويقين من تسليمه، وقيل: لأن المَنْسىَّ المنهىَّ عن قوله وإضافةِ الإنسان له إلى نفسه، يحتمل أنه ما نسخه الله من القرآن بالنسيان لجميع الناس، فلا يبقى فى حفظ أحد، والآخر الذى أضافه النبى ﷺ إلى نفسه هو النسيان المعهود. وقد يقال: إنه كره قول هذا اللفظ لاشتراكه ولما فى هذا من الإعراض والغفلة والتهاون. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (٢) ثم قال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ (٣)، وهذا مثل ما نبه عليه فى الحديث المتقدم.

стр. 1440

هُوَ نُسِّىَ، اسْتَذْكِرُوا القُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا ". ٢٢٩ - (...) حدَّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ. قَالَ: قَالَ ــ وقد يظهر فى معنى قوله: " بئس ما لأحدكم أن يقول: إنى نسيتُ آية كذا، ولكنه نُسِّى " ذم الحال وكراهته، لا ذم القول، أى بئست (١) الحالة والصفة لمن أوتى القرآن فغفل عنه حتى نسيه فقال: نسيتُه، وهو لم ينسه من قبل نفسه، إذ ليس النسيانُ من فعله، لكنه من فعل الله الذى نسَّاه إياه عقوبةً لإعراضه عنه وتوسيده إياه، واستخفافه بحقه، كما قال فى الحديث الآخر: " لم أر ذنباً أعظَمَ من آيةٍ أو سورة حفظها رجل ثم نسيها " (٢)، وهذا عندى أولى ما يتأول فى الحديث إن شاء الله. وقوله: " بل هو نُسِىَ " بالتخفيف ضبطناه عن أبى بحر، وبالتشديد لغيره. وفى الحديث حجة للجهد فى صلاة الليل فى النافلة، وحجة لمن قال: الإظهار لها أفضل وكان أهل المدينة يتواعدون لقيام القراء. قال الإمام: قوله فى القرآن: " لهو أشد تفصِّياً من صدور الرجال من النعم بِعُقلها ": قال الهروى: كل شىء كان لازماً للشىء ففصل، قيل: تفصَّى منه كما يتفصى الإنسان من البَلِيَّة، أى يتخلص منها (٣). قال الإمام: وتفسيره فى الحديث الآخر [الذى بعده لأن فيه] (٤): " لهو أشد تفلُّتاً من الابلِ بعقلها " (٥) وهو جمع عقال، نحو كتاب وكتب، والنَّعم تذكر وتؤنث، وهى هاهنا الإبل خاصة. قال القاضى: وقوله: " من النَّعَمِ بِعُقُلها " كذا رواية الجلودى فى حديث زهير، وعند ابن ماهان: " من عُقُلها " وصوَّب بعضهم هذه الرواية، وكلاهما صواب، وقد جاءت الروايتان فى غير حديث زهير والباء تأتى بمعنى " من "، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُون﴾ (٦) ﴿عِبَادُ اللَّه﴾ (٧) أى أنها (٨)، وقيل: يشربون هنا بمعنى يُرَوونَ، فتكون الباء على بابها، وفى رواية أخرى: " فى عقلها " وهى راجعة إلى معنى " من " أيضاً وبمعنى الباء.
следующие страницы →