٢٢٣ - (٧٨٧) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ
ــ
يقرَبَ الصلاة من لا يعقلها، ويؤديها على حقها، وأن يتفرغ من كل ما يشغل عن الخشوع فيها، وقيل فى قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ (١) أنه من النوم، والحديث عام فى كل صلاة من الفرض والنفل، وحمله مالك على صلاة الليل، وفى هذا الباب أدخله، وعليه جملة جماعة من العلماء، لأنه غالب غلبة النوم إنما هى فى الليل، ومن اعتراه ذلك فى الفريضة وكان فى الوقت سعة، لزمه أن يفعل مثل ذلك وينام، حتى يتفرغ للصلاة، وإن ضاق الوقت عن ذلك صلى على ما أمكنه وجاهد نفسه ودافع النوم عنه جهده، ثم إن تحقق أنه أداها [وعقلها] (٢) أجزأته وإلا أعادها (٣).
قال الإمام: يحتج بهذا الحديث على من يرى أن [نعس] (٤) النوم ينقض الطهارة كالحدث؛ لأنه لم يعلل بانتقاض الطهارة وإنما علل (٥) بأنه يسب نفسه، وقد اختلف الناس فى هذه المسألة، فقال المزنى: النوم ينقض الطهارة، قلَّ أو كثُر وذكر عن بعض الصحابة أنه لا ينقض الطهارةَ على أى حال كان، وغير هذين من العلماء (٦) يقول: ينقض على صفةٍ وما هذه الصفة؟ أبو حنيفة يراعى الاضطجاع، ومالك يراعى حالةً يغلب على الظن خروجُ الحدث فيها ولا يشعر، وما وقع بين أصحابه من مراعاة ركوع أو سجود أو استثقال أو غير ذلك فإنما هو خلاف فى حالٍ، فبعضهم رأى تلك الحالة لا تُشعر بالحدث معها، وبعضهم لم يرها، وأصل الفقه ما قلناه.
قال القاضى: قوله: " نعس ": النعاس هو خفيف النوم، قال الشاعر:
وسنانُ أقصَدَه النعاسُ فرنَّقتْ ... فى عينِه سنةٌ وليس بنائمٍ
استدل بعضهم بقوله: " لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه "، ومعنى " يسب نفسه " عندى هنا: الدعاءُ عليها؛ لأنه إذا ذهب يستغفر ويدعو لنفسه وهو لا يعقل ربما قلب الدعاء فدعا على نفسه.
стр. 1437
مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ القُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَلْيَضْطَجِعْ ".
ــ
وقوله فى الحديث الآخر: " إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول؛ فليضطجع " من معنى الحديث الأول، لئلا يغير كلام الله، ويبدِّلَه ولعله يأتى فى ذلك بما لا يجوز، من قلب معانيه، وتحريف كلماته، وهذا أشد من الأول. ومعنى " استعجم عليه القرآن ": أى لم يفصحُ به لسانه، ولا انطلق به لغلبة النوم عليه، وعقلته إياه.
стр. 1438
(٣٢) باب فضائل القرآن وما يتعلق به
(٣٣) باب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا وجواز قول أنسيتها
٢٢٤ - (٧٨٨) حدَّثنا أَبُو بَكر بْنُ أبى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: " يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِى كَذَا وَكَذَا، آيَةً كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا ".
٢٢٥ - (...) وحدثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِى المَسْجِدِ، فَقَالَ: " ﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِى آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا ".
٢٢٦ - (٧٨٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ كَمَثَلِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ،
ــ
وقوله ﵇ فى الذى سمعه يقرأ: " لقد أذكرنى آية كذا " (١) وفى الحديث الآخر: " كنت أنسيتها " قد تقدم الكلام فيما يجوز على النبى ﵇ من النسيان وجواز ذلك عليه ابتداءً عند جمهور المحققين فيما ليس طريقه البلاغ، واختلافهم فيما طريقه البلاغ والتعليم، لكنه لا يستديم ذلك عند من أجازه فيما كان طريقه البلاغ، بل يستذكره أو يُذكرُ به على كل حال، على خلاف بين أئمتنا، هل من شرط ذلك الفورُ؟ أو يصح على التراخى قبل انخرام مدته؟ وأما نسيان ما قد بلَّغه كمسألتنا فجائز، ولا مطعن فيه، وقد قال ﵇: " إنى لأنسى أو أُنَسَّى لأسُن " (٢)، وقد روى سهوه فى الصلاة وغير ذلك، وقد تقدم من هذا، وتقصينا هذا فى كتاب الشفاء.
وقول من ذهب من المتصوفة ومن توهم إلى أن النسيان لا يجوز عليه جملة، لا فيما طريقه البلاغ ولا فيما ليس طريقه البلاغ، وإنما يقع منه صورته عمداً ليَسُن، وهذا تناقضٌ وصورةٌ لا تتصور، وهو قول مردود، ولا أعلم مُقتدى به وملتفتاً إلى معرفته، استحسنه وأشار إلى تصويبه إلا الأستاذ أبا المظفر الإسفرايينى من شيوخنا، فإنه على تحقيقه وتدقيقه مال إلى هذا القول ورجَّحه على تناقضه وتباغضه.
стр. 1439
إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ ".
٢٢٧ - (...) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ القَطَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ المُسَيَّبِىُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ - يَعْنِى ابْنَ عِيَاضٍ - جَمِيعًا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، كلُّ هَؤُلاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: " وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ القُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ ".
٢٢٨ - (٧٩٠) وحدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَان بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بِئْسَمَا لأَحْدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ
ــ
وقوله بعد فى الحديث [الآخر] (١): " بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، ولكنه نُسِّى ": لا يعارض قوله ﵇ فى الحديث المتقدم: " كنت أنُسيتها " وقد أضاف هنا النسيان إلى نفسه الذى نهى عن قوله فى الحديث الآخر ونفاه، قيل: إنما أمر بذلك النبى ﷺ لتضاف الأمور إلى خالِقها ومقدِّرها إقراراً بالعبودية، ولا يضَيفُها العبد أبداً إلى نفسه. والنبى ﵇ وأمثاله، ممن ذكر الله عنه ذلك فى كتابه، ممن إذا أطلق اللفظ فهو على بينة من ربه ويقين من تسليمه، وقيل: لأن المَنْسىَّ المنهىَّ عن قوله وإضافةِ الإنسان له إلى نفسه، يحتمل أنه ما نسخه الله من القرآن بالنسيان لجميع الناس، فلا يبقى فى حفظ أحد، والآخر الذى أضافه النبى ﷺ إلى نفسه هو النسيان المعهود.
وقد يقال: إنه كره قول هذا اللفظ لاشتراكه ولما فى هذا من الإعراض والغفلة والتهاون. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (٢) ثم قال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ (٣)، وهذا مثل ما نبه عليه فى الحديث المتقدم.
стр. 1440
هُوَ نُسِّىَ، اسْتَذْكِرُوا القُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا ".
٢٢٩ - (...) حدَّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ. قَالَ: قَالَ
ــ
وقد يظهر فى معنى قوله: " بئس ما لأحدكم أن يقول: إنى نسيتُ آية كذا، ولكنه نُسِّى " ذم الحال وكراهته، لا ذم القول، أى بئست (١) الحالة والصفة لمن أوتى القرآن فغفل عنه حتى نسيه فقال: نسيتُه، وهو لم ينسه من قبل نفسه، إذ ليس النسيانُ من فعله، لكنه من فعل الله الذى نسَّاه إياه عقوبةً لإعراضه عنه وتوسيده إياه، واستخفافه بحقه، كما قال فى الحديث الآخر: " لم أر ذنباً أعظَمَ من آيةٍ أو سورة حفظها رجل ثم نسيها " (٢)، وهذا عندى أولى ما يتأول فى الحديث إن شاء الله.
وقوله: " بل هو نُسِىَ " بالتخفيف ضبطناه عن أبى بحر، وبالتشديد لغيره. وفى الحديث حجة للجهد فى صلاة الليل فى النافلة، وحجة لمن قال: الإظهار لها أفضل وكان أهل المدينة يتواعدون لقيام القراء.
قال الإمام: قوله فى القرآن: " لهو أشد تفصِّياً من صدور الرجال من النعم بِعُقلها ": قال الهروى: كل شىء كان لازماً للشىء ففصل، قيل: تفصَّى منه كما يتفصى الإنسان من البَلِيَّة، أى يتخلص منها (٣).
قال الإمام: وتفسيره فى الحديث الآخر [الذى بعده لأن فيه] (٤): " لهو أشد تفلُّتاً من الابلِ بعقلها " (٥) وهو جمع عقال، نحو كتاب وكتب، والنَّعم تذكر وتؤنث، وهى هاهنا الإبل خاصة.
قال القاضى: وقوله: " من النَّعَمِ بِعُقُلها " كذا رواية الجلودى فى حديث زهير، وعند ابن ماهان: " من عُقُلها " وصوَّب بعضهم هذه الرواية، وكلاهما صواب، وقد جاءت الروايتان فى غير حديث زهير والباء تأتى بمعنى " من "، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُون﴾ (٦) ﴿عِبَادُ اللَّه﴾ (٧) أى أنها (٨)، وقيل: يشربون هنا بمعنى يُرَوونَ، فتكون الباء على بابها، وفى رواية أخرى: " فى عقلها " وهى راجعة إلى معنى " من " أيضاً وبمعنى الباء.
стр. 1441
عَبْدُ اللهِ: تَعَاهَدُوا هَذِهِ المَصَاحِفَ - وَرُبَّمَا قَالَ: القُرْآنَ - فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهِ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّىَ ".
٢٣٠ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى عَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبَابَةَ، عَنْ شَقِيقِ بْن سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " بِئْسَمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ سُورَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّىَ ".
٢٣١ - (٧٩١) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " تَعَاهَدُوا هَذَا القُرْآنَ. فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِى عُقُلِهَا " وَلَفْظُ الحَدِيثِ لابْنِ بَرَّادٍ.
ــ
وقوله: " صاحب القرآن ": هذه لفظة تستعمل لكل من ألف شيئاً واختص به، [فإن اختص بشخص قيل: فلان صاحب فلان] (١) وأصحاب النبىِّ ﵇ لألفهم إيَّاه، وكذلك إن كان ألِف صنعةً أو عملاً أو علماً، كقولهم: أصحاب الحديث، وأصحاب الرأى، ومنه هذا الذى فى الحديث، وكذلك إن اختص بمكانٍ أو موضع، كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّة﴾ (٢) ﴿أَصْحَابَ النَّار﴾ (٣) وأصحاب الصُفَّة، وكذلك من اختص بملك شىء، كقوله: هو صاحب إبل، وصاحب غنم، وكذلك من اختص بصفة لزمته، كقولهم: فلان صاحب كبر، وصاحب هِمَّةٍ.
стр. 1442
(٣٤) باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن
٢٣٢ - (٧٩٢) حدَّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " مَا أَذِنَ اللهُ لِشَىْءٍ، مَا أَذِنَ لِنَبِىٍّ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ ".
(...) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِى يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: " كَمَا يَأْذَنُ لِنَبِىٍّ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ ".
٢٣٣ - (...) حدَّثنى بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ الهَادِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا أَذِنَ اللهُ لِشَىْءٍ، مَا أَذِنَ لِنَبِىٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ ".
(...) وَحَدَّثَنِى ابْنُ أَخِى ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمىِّ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عمَرُ بْنُ مَالِكٍ وَحَيْوِةَ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ ابْنِ الهَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ سَوَاءً. وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ . وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعَ.
٢٣٤ - (...) وحدَّثنا الحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنْ يَحْيَى
ــ
وقوله ﵇: " ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى يتغَنَّى (١) بالقرآن "، وفى الرواية الأخرى: " كإذنه لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به " وفى غير الأم: " كإذنه لنبىٍّ حسن الترنم بالقرآن ". تقول العرب: أذَنتُ للشىء آذن له أذناً - بفتح الهمزة والذال - استمعت.
وذكر مسلم من رواية أخرى: " كإذنه "، فيكون هذا بمعنى الأمر والحضِّ.
قال الإمام: أذِن فى اللغة بمعنى استمع (٢)، فأمَّا الاستماع الذى هو الإصغاء فلا
стр. 1443
ابْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا أَذِنَ اللهُ لِشَىْءٍ كَأَذنِهِ لِنَبِىٍّ، يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ ".
(...) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ. غَيْرَ أَنَّ ابْنَ أَيُّوب قَالَ فِى رِوَايَتِهِ: " كَإِذْنِهِ ".
ــ
يجوز على الله سبحانه فهو مجازُ هَاهنا، فكأنه عبَّر عن تقريبه للقارئ وإجزال ثوابه بالاستماع والقبول، وكذلك سماعُ البارى سبحانه للأشياء لا يختلف (١)، وإنما المراد هاهنا أنه يُقَرِّبُ الحسن القراءة أكثَر من تقريب غيره، والتفاضل فى التقريب وزيادة الأجور يختلف، فتعبيره عن ذلك بما يؤدى التفاضل فى الاستماع مجاز.
وأما قوله ﷺ : " يتغنى بالقرآن " فتأوَّله من يجيز قراءة القرآن بالألحان على ذلك المعنى، وقال الهروى: معنى " يتغنى به ": يجهر به، ومثله قوله ﷺ : " ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن "، قال سفيان: معناه: من لم يستغن، يقال: تغنَّيتُ وتغانيتُ، بمعنى استغنيت (٢)، قال غيره: كل من رفع صوته ووالى به فصوته عند العرب غناء، وقال الشافعى: معناه: تحزين القراءة، وترقيقها، ومما يُحقق ذلك قوله ﷺ فى الحديث الآخر: " زينوا القرآن بأصواتكم " (٣) قال غيره: من ذهب إلى الاستغناء به فهو من الغنى ضد الفقر، وهو مقصور، ومن ذهب به إلى التطريب فهو من الغِناء الذى هو مد الصوت وهو ممدود.
قال القاضى: [ما] (٤) جاء فى الحديث: " يتغنى بالقرآن يجهر به " فحمله بعضهم على التفسير، وهو قول الداودى فى الحديث، وحمله بعضهم على تحسين الصوت وقد قيل فى قوله ﵇: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " (٥) أى يجعله مكان الغناء الذى كانت تستعمله العرب فى سيرها وجلوسها، وأكثر أحوالها.
стр. 1444
٢٣٥ - (٧٩٣) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا مَالِكٍ - وَهُو ابْنُ مِغْولٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ - أَو الأَشْعَرِىَّ - أُعْطِىَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد ".
ــ
واختلف من قال: ليستغن به، ما معناه؟ فقيل: عن الناس، وقيل: عن غيره من الأحاديث والكتب، والقولان عن ابن عيينة. وردَّ الطبرى تأويل " يستغنى " وخطَّأَه لغة ومعنى، وقيل: " أذِن " بمعنى رضى. [وقال ابن الأنبارى: ومعنى " حسن الصوت بِالقرآن ": أى الصوت الذى يُحسِّنه القرآن، وقيل: معناه: الصوت الحزين لما جاء: " فاقرؤوه بَحزنٍ " (١) وقيل: الذى يُحسِّنه القرآنُ بما يظهر من صاحبه من الخشية، ومنه الحديث: " أحسنُ الناس صوتاً بالقرآن من إذا سمعته يقرأ علمت أنه يخشى الله " (٢)، وحمله آخرون على ظاهره] (٣).
وذكر مسلم فى الباب: حدثنى حرملة: [أنبأنا] (٤) ابن وهب، [قال: أخبرنا] (٥) يونس، [وحدثنى يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى عمرو، كلاهما عن ابن شهاب، كذا للجلودى وغيره، وهو صواب مسلم يقول: حدثنى يونس بن عبد الأعلى بعد قوله: أخبرنى يونس - يعنى ابن يزيد - فجاء بسند آخر لابن وهب عن عمرو، ثم قال: كلاهما عن ابن شهاب يعنى عمراً، ويونس [يعنى] (٦) ابن يزيد، وسقط من كتاب ابن الحذاء: أخبرنى يونس، بعد ذكر ابن وهب أولاً وهو وهم، والصواب إثباته؛ بدليل قوله: كلاهما عن ابن شهاب (٧).
وقوله فى أبى موسى الأشعرى: " لقد أوتى مزماراً من مزامير آل داود " مع قوله فى غير الأم: " لو علمت أنك تسمع قراءتى لحبرتها لك تحبيراً " (٨)، مع الأحاديث التى
стр. 1445
٢٣٦ - (...) وحدَّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى؛ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ لأَبِى مُوسَى: " لَوْ رَأَيْتَنِى وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ البَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ".
ــ
جاءت فى مسلم فى ترجيع النبى ﷺ القراءة، لا خلاف فى أن حسن الصوت فى القراءة مستحسن، والترتيل فيها وتحسين تلاوة القرآن مشروع مندوب إليه.
قال أبو عبيد: مجمل الأحاديث فى ذلك إنما هو طريق التحزين والتشويق، واختلف فى الترجيع والقراءة بالألحان، فكرهه مالك وأكثر العلماء؛ لأنه خارج عما وضع له القرآن من الخشية والخشوع والتفهم، وأجازه بعضهم للأحاديث الواردة فى ذلك، ولأن ذلك لا يزيده إلا رقة فى النفوس، وحسن موقع فى القلوب، وإثارة خشية، وإليه ذهب أبو حنيفة وجماعة من السلف، وقاله الشافعى فى التحزين. ومعنى " مزمار " هنا: أى صوت حسن، والزمير: الغناء " وآل داود " هو [هنا] (١) داود نفسه، والآل تقع على النبى نفسه، وقد تقدم.
(٣٦) باب نزول السكينة لقراءة القرآن
٢٤٠ - (٧٩٥) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِىَّ ﷺ . فَذَكرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: " تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ ".
ــ
وقوله فى الحديث: " وعنده فرس مربوط بشطنين ": أى حبلين، والشطن الحبل الطويل المضطرب. والمِرْبد للتمر مثل الأندر للطعام (١).
وقوله: " تلك السكينة تنزلت للقرآن " وفى الرواية الأخرى: " تلك الملائكة كانت تستمع لك " قيل فى تفسير السكينة فى قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (٢) هى الرحمة، وقيل: الطمأنينة، وقيل: الوقار (٣)، وما يسكن به الإنسان، وقيل: كانت ريحاً هفَّافة خجوج (٤)، لها وجه كوجه الإنسان، وقيل: لها رأسان (٥)، وقيل: حيوان كالهر، ولها جناحان وذنَبٌ، ولعينيها شعاع، فإذا نظرت للجيش انهزم (٦) وقيل: هى سكة من ذهب الجنة (٧)، وقيل: هى ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها، وقال وهب: هى روح من الله تتكلم وتبين إذا اختلف فى الشىء، وهذا بمعنى ما جاء فى الحديث: " أنها الملائكة "، وقد احتج بعضهم باستماعها بهذا الحديث للقرآن أنها روح أو ما فيه روح.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الظلة أمراً من [أمر] (١) الله وعجائب ملكوته، تنزل معه الرحمة فى قلب القارئ أو الطمأنينة والوقار، كما كان ذلك فى الغمامتين والظلتين لقارئ البقرة (٢).
وقوله: " وجعل فرسه ينفر، ووقع فى حديث ابن مهدى وأبى داود " ينقز " بالقاف والزاى (٣) وكذا عند أبى بحر، ومعناه: يثب (٤)، وعند غيره هنا: تنفر، بالتاء باثنين من فوقها والفاء، ولا معنى له، والصواب: ينفر من النفور، ولا يبعد تنقر بمعنى الوثوب؛ لقوله فى الرواية الأخرى: " فجالت " (٥)، يقال نقر الظبى وقفز بمعنى.
وفى الحديث: جواز رؤية بنى آدم الملائكة لقوله: " لأصبحت ينظر إليها الناس ما تستتر منهم " (٦).
(٣٨) باب فضل الماهر بالقرآن والذى يتتعتع فيه
٢٤٤ - (٧٩٨) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الغُبَرِىُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى عَوَانَةَ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " المَاهِرُ بِالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِى يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌ، لَهُ أَجْرَانِ ".
(...) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ الدَّسْتَوَائىِّ، كِلاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِى حَدِيثِ وَكِيعٍ: " وَالَّذِى يَقْرَأُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ، لَهُ أَجْرَانِ ".
ــ
وقوله: " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ": يريد الملائكة، قال ابن الأنبارى سُمّوا بذلك لأنهم ينزلون بوحى الله وما يقع به الصلاح بين الناس، فشبهوا بالسفير الذى يصلح بين الرجلين، وقال ابن عرفة: سُمّوا بذلك لأنهم يسفرون بين الله وأنبيائه وقيل: سفرة: كتبة، وسمى الكاتب سافراً لأنه يبين الشىء ويوضحه، والأسفار: الكتب، والماهر: الحاذق بالقراءة [قال الهروى] (١) وأصله الحذق بالسباحة، وقال المهلب: المهارة جودة القراءة (٢) بجودة الحفظ، ولا يتردد فيه، يسره الله عليه كما يسره على الملائكة فهو معها فى مثل حالها من الحفظ وفى درجة واحدة إن شاء الله.
قال القاضى: يحتمل - والله أعلم - أَنَّ له فى الآخرة منازل يكون فيها رفيقاً للملائكة السفرة، لاتصافه بوصفهم بحمل كتاب الله، ويحتمل أن يكون المراد: أنه عامل بعملِ السفرة وسالك مسلكهم كما يقال: فلان مع بنى فلان، إذا كان يرى رأيهم ويذهب مذهبهم كما قال لوط: ﴿وَنجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ (٣)، وقد جاء فى بعض الأخبار أن من تعلَّمه من صغره وعمل به خلطه الله بلحمه ودمه وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة. وقوله: " والذى [يتتعتع] (٤) فيه وهو عليه شاق له أجران " [معنى " يتتعتع ":
стр. 1452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أى يتردد فى تلاوته عيًّا، والتعتعة فى الكلام: العىّ والتردد، وأصله الحركة] (١). قال الإمام: يحتمل أن يريد بالأجرين الأجر الذى يحصل له فى قراءة حروف القرآن وأجر المشقة التى تناله فى القراءة. قال القاضى: ليس فيه دليل [على] (٢) أنه أعظم أجراً من الماهر، ولا يصح هذا إذا كان عالماً به، لأن من هو مع السفرة فمنزلته عظيمة وله أجور كثيرة، ولم تحصل هذه المنزلة لغيره ممن لم يمهر مهارته، ولا يسوى أجر من علم بأجر من لم يعلم، فكيف يفضله؟ وقد يحتج بهذا من يقول بفضل الملائكة على بنى آدم.
стр. 1453
(٣٩) باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل والحذاق فيه، وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه
٢٤٥ - (٧٩٩) حدَّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لأُبَىٍّ: " إِنَّ اللهَ أَمَرَنِى أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ "، قَالَ: آللهُ سَمَّانِى لَكَ؟ قَالَ: " اللهُ سَمَّاكَ لِىَ " قَالَ: فَجَعَلَ أُبِىٌّ يَبْكِى.
٢٤٦ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ: " إِنَّ اللهَ أَمَرَنِى أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) قَالَ: وَسَمَّانِى لَكَ؟ قَالَ: " نَعمْ " قَالَ: فَبَكَى.
(...) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأُبِىٍّ. بِمِثْلِهِ.
ــ
وقوله لأبىّ بن [كعب] (٢): " إن الله أمرنى أن أقرأ عليك " (٣)، قال الإمام: إنما قرأ عليه رسول الله ﷺ ليأخذ أبىٌّ عنه، فإن كان أبىٌّ لم يكن حافظاً لما قرأ عليه رسول الله ﷺ تعلم ذلك منه، وإن كان حافظاً له تعلم طريق القراءة وترتيلها؛ لأن القارئ يصح منه أن يقرأ بالتطريب وبغير ذلك فتوخذ أيضاً عن الرسول رتبة القراءة؛ يعلم القارئ على أى صفة يقرأ القرآن.
قال القاضى: الأظهر أنه قرأ عليه ما حصله للوجه الذى ذكر، وأما ما لم يحفظه ليحفظه فلم يختصَّ أبىٌّ بذلك دون غيره، هذا كان واجباً عليه ﵇ ليبلغ للمسلين ما نُزِّل، إليهم ويتلو عليهم الذى أوحى إليه. قيل: وقد تكون قراءته عليه ليُعَلِّمه كيف العرض وهيئته على من يقرأ عليه، ويجعل ذلك سنةً فيه، وقيل: بل ليسمع القرآن من النبى ﷺ دون واسطة، فلا يختلجه شكٌّ فيما اختلف فيه.
وقول أبىٍّ: " [آلله] (٤) سمَّانى وبكى " وبكاؤه لذلك بكاء فرح وسرور حين كان ممن يسميه الله ويذكره، ويؤهله لهذه الخاصية والدرجة العلية.
стр. 1454
(٤٠) باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظه للاستماع، والبكاء عند القراءة والتدبر
٢٤٧ - (٨٠٠) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اقْرَأَ عَلَىَّ القُرْآنَ ". قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَقْرُأَ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: " إِنِّى أَشْتَهِى أَنْ أَسْمَعَهُ منْ غَيْرِى ". فَقَرَأتُ النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا بَلَغتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ (١) رَفَعْتُ رَأسِى، أَوْ غَمَزَنِى رَجُلٌ إِلَى جَنْبِى فَرَفَعْتُ رَأسِى، فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ.
(...) حدَّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ وَمِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِىُّ، جَمِيعًا عَنْ عَلىِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ هَنَّادٌ فِى رِوَايَتِهِ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ
ــ
وأمْرُ النبى ﷺ ابن مسعود بالقراءة عليه للعلة التى ذكر: " أحب أن أسمعه من غيرى " وليُعَلِّمه أيضاً طريقة التلاوة والتجويد، وصورة العرض، وقيل: ليتفهم ما سمعه من غيره ويتفرغ لذلك عن الشغل بتلاوته.
وقوله: حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾، وذكر بكاء النبى ﷺ . بكاؤه ﵇ من عظيم ما تضمنته هذه الآية وما قبلها وما بعدها من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهُ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّة﴾ (٢). وما بعدها ﴿يَوْمَئَذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُول﴾ الآية (٣)، وجاء فى الصحيح فى غير كتاب مسلم: أنه قال له لما بلغها: " حسبك " (٤) احتج به أهل التجويد والقراءة على جواز الوقف على الكافى من الآى والمقاطع والفصول؛ لأن الكلام هناك غير مستقلٍّ بنفسه وتمامه فى الآية التى بعدها، وقد قيل فى قوله: " حسبك " تنبيه (٥) على ما فى الآية.
стр. 1455
عَلَى الْمِنْبَرِ: " اقْرَأْ عَلَىَّ ".
٢٤٨ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِى مِسْعَرٌ. وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: عَنْ مِسْعرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " اقْرَأ عَلَىَّ " قَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: " إِنِّى أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِى ". قَالَ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ (١) فَبَكَى.
قَالَ مِسْعَرٌ: فَحَدَّثَنِى مَعْنٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ، أَوْ مَا كُنْتُ فِيهِمْ " - شَكَّ مِسْعَرٌ.
٢٤٩ - (٨٠١) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنْتُ بِحِمْصَ، فَقَالَ لِىَ بَعْضُ القَوْمِ: اقْرَأْ عَلَيْنَا. فَقَرَأتُ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يُوسُفَ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: وَاللهِ، مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ. قَالَ: قُلْتُ: وَيْحَكَ. وَاللهِ، لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لِى: " أَحْسَنْتَ ".
فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدْتُ مِنْهُ رِيحَ الخَمْرِ. قَالَ: فَقُلْتُ: أَتَشْرَبُ الخَمْرَ وَتُكَذِّبُ بِالكِتَابِ؟ لا تَبْرَحُ حَتَّى أَجْلِدَكَ. قَالَ: فَجَلَدْتُهُ الحَدَّ.
ــ
وذكر أن ابن مسعود حد الذى وجد منه رائحة الخمر (٢).
قال الإمام: فيه حجة على أبى حنيفة الذى لا يوجب الحدَّ بالرائحة.
قال القاضى: وهو قول الثورى، وكافة العلماء على الحدّ بها، وحد عبد الله بن مسعود له، وقد ذكر أنه بحمص، فلعله فعل ذلك لأنه كان قاضياً بالكوفة زمن عمر وصدر من ولاية عثمان، فلعله رأى إمضاء حكمه حيث حلّ أو كان مقدماً فى بعض تلك المغازى، أو حدَّه بأمر من له الأمر هناك.
وقوله: " تكذب بالكتاب ": لو كذَّب [به] (٣) حقيقة قتله؛ لأن من كذَّب بحرف
стр. 1456
(...) وحدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ: فَقَالَ لِى: " أَحْسَنْتَ ".
ــ
من القرآن فهو كافر يقتل، وإنما قال هذا: " ما هكذا أنزلت " جهالة منه، وقلة حفظ، وكابر فى ذلك عبد الله، وكان مكذباً له لا للكتاب حقيقة.
стр. 1457
(٤١) باب فضل قراءة القرآن فى الصلاة وتعلمه
٢٥٠ - (٨٠٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: " فَثَلاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِى صَلاِتهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ ".
٢٥١ - (٨٠٣) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ مُوسَى ابْنِ عَلِىٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ فِى الصُّفَّةِ، فَقَالَ: " أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ - أَوْ إِلَى العَقِيق - فَيَأْتِىَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ، فِى غَيْرِ إِثْمٍ وَلا قَطْعِ رَحِمٍ؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: " أَفَلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى المَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ. وَثَلاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ؟ ".
ــ
وقوله: " ثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم فى صلاته خير من ثلاث خَلِفاتٍ عظامٍ سمان ": الخِلفات: النوق الحوامل إلى أن يمضى لها نصف أمدها، ثم هى عشراء، وقع فى الحديث [الآخر] (١): " يقرأ آيتين خير له من ناقتين وثلاثٌ، وأربع خير له من أربع (٢)، ومن أعدادهن من الإبل " كذا لهم وعند الطبرى: " وثلاث وأربع " بالخفض " ومن أعدادهن " وسقط عنده " خير له من أربع " والصواب الأول. ورفع ثلاث [وأربع رفعٌ] (٣) على الابتداء، يعنى [أى ثلاث آيات وأربع خير له من أربع من النوق، ويدل عليه قوله: " ثلاث آيات وأربع خير له من أربع [ومن أعدادهن] (٤) "، وعلى رواية الطبرى، عطف ثلاث وأربع على اثنتين لا مراعة للأعداد. وفى الحديث الآخر: " ناقتين كوماوين ": الكوماء من الإبل العظيمة السنام، كأنهم - والله أعلم - شبهوا سنامها لعظمه بالكوم وهو الموضع المشرف (٥)، وهو بمعنى عظام سمان فى الحديث المتقدم.
стр. 1458
(٤٢) باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة
٢٥٢ - (٨٠٤) حدَّثنى الحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ - وَهُوَ الرَّبِيعُ ابْنُ نَافِعٍ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلَامٍ - عَنْ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى أَبُو أُمَامَةَ البَاهِلِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " اقْرَؤُوا القُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِى يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ؛ البَقَرَةَ وَسُورَةَ آلَ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيانِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانَ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلا يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ ".
قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِى أَنَّ البَطَلَةَ السَّحَرَةُ.
(...) وحدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ حَسَّانَ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَكَأنَّهُمَا " فِى كِلَيْهِمَا. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُعَاوِيَةَ: بَلَغَنِى.
٢٥٣ - (٨٠٥) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبّهِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ ابْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجُرْشِىِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ
ــ
وقوله: " اقرؤوا الزهراوين؛ البقرة وآل عمران ": حجةٌ لمن أجاز أن يقال: سورة البقرة وآل عمران، واختار بعضهم أن يقال: السورة التى تذكر فيها كذا ومعنى " الزهراوين ": المنيرتان إما لهدايتهما قارئهما، أو لما يسبب له أجرهما من النور يوم القيامة.
وقوله [فى البقرة وآل عمران] (١): " فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو [كأنهما] (٢) غيايتان [أو كأنهما حِزْقَان من طير صَوَّاف] (٣) " الحديث، قال الإمام: قال بعض أهل العلم: يكون هذا الذى يؤتى به يوم القيامة جزاءً عن قراءتهما، فأجرى اسمهما على ما كان من سببهما كعادة العرب فى الاستعارة قال أبو عبيد: الغياية: كل شىء يظل الإنسان فوق رأسه من السحابة والغبرة ويقال: تغايا (٤) القوم فوق رأس فلان
стр. 1459
نُفَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الكِلابِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " يُؤْتَى بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ وآلُ عِمْرَانَ "، وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَةَ أَمْثَالٍ. مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ. قَالَ: " كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ، بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا ".
ــ
بالسيف، كأنهم أظلوه به، قال غيره: والفِرْقان القطيعان.
قال القاضى: اختلفت رواية شيوخنا فى هذا [الحرف] (١) فى الأم فى حديث إسحاق ابن منصور، فعند جمهورهم: " فِرْقان " وعند الأسدى عن السمرقندى: " حِزقان "، وهما بمعنى واحد، الحزق والحزيقة الجماعة.
وقوله: " أو ظُلَّتان بينهما شرْق ": قيل: معناه: ضياء ونور، [رويناه] (٢) بسكون الراء وفتحها، قيل: معناه: قد يكون يخلق الله خلقاً من قراءته يوم القيامة على صفة الغمامة، أو جماعة الطير يحاج عن القارئ كما جاء فى حديث آخر: " من قال عند مضجعه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ (٣) الآية خلق الله سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة " (٤).
стр. 1460
(٤٣) باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة
٢٥٤ - (٨٠٦) حدَّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأسَه، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلا اليَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلا اليَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَال: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أَوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِىٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةُ الكِتَابِ وَخَوَاتِيَمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلا أُعْطِيتَهُ.
٢٥٥ - (٨٠٧) وحدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ؛ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ عِنْدَ البَيْتِ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِى عَنْكَ فِى الآيَتَيْنِ فِى سُورَةِ البَقَرَةِ. فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِى لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ ".
ــ
وقوله: " فيسْمع نقيضاً " (١) هو مثل صوت الباب وشبهه، وفى الحديث: " هذا باب من السماء فتح ".
قال الإمام: وقوله: " من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه "، محتمل أن يريد كفتاه من قيام الليل [أو من أن يكون ممن توسد القرآن] (٢) أو من أذى الشياطين [كما جاء فيمن " قرأ آية الكرسى نزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح " (٣)، أو بما حصل له بقراءتهما من الأجر، لأنهما مشتملتان على أبواب الإيمان
(٤٤) باب فضل سورة الكهف وآية الكرسىِّ
٢٥٧ - (٨٠٩) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الجَعْدِ الغَطَفَانِىِّ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ اليَعْمَرِىِّ، عَنْ أَبِى الدَّرْدَاء؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ ".
(...) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ شُعْبَةُ: مِنْ آخِرِ الكَهْفِ. وَقَالَ هَمَّامٌ: مِنْ أَوَّلِ الكَهْفِ، كَمَا قَالَ هِشَامٌ.
٢٥٨ - (٨١٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنِ الجُرَيْرِىِّ، عَنْ أَبِى السَّلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتْدْرِى أَىُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ " قَالَ:
ــ
قال القاضى: وقوله: " من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف ": قل: لما فى قصة أصحاب الكهف من العجب والآيات، فمن علمهما لا يستغرب أمر الدَّجال، ولا فتن به، أو يكون هذا من خصائص الله لمن حفظ ذلك، فقد روى: " من حفظ سورة الكهف ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه " (١) وعلى هذا تنزل الرواية الأخرى " من آخر سورة الكهف "، وقيل: لما فى قوله: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء﴾ (٢) وما بعدها. فيه من التنبيه على أمر الدجال والتنبيه على المفتونين والأخسرين أعمالاً، وفى آخر الآيات من ذكر التوحيد وأن لا يشرك بالله أحداً.
وقوله ﵇ لأبىّ: " أتدرى أى آية من كتاب الله أعظم " (٣)، وذكر آية الكرسىّ، فيه حجة للقول بتفضيل بعض القرآن على بعض وتفضيل القرآن على سائر كتب
стр. 1463
قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِى أَىُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) قال: فَضَرَبَ فِى صَدْرِى وَقَالَ: " وَاللهِ، لِيَهْنِكَ العِلْمُ أَبَا المُنْذِرِ ".
ــ
الله عند من أجازه، منهم إسحاق بن راهويه، وغيره من العلماء والمتكلمين، وذلك راجع إلى عظم أجر قارئ ذلك وجزيل ثوابه على بعضه أكثر من سائره، وهذا مما اختلف أهل العلم فيه، فأبى ذلك الأشعرى والباقلانى وجماعة من الفقهاء وأهل العلم؛ لأن مقتضى الأفضل نقص المفضول عنه، وكلام الله لا يتبعّض (٢)، قالوا: وما ورد من ذلك بقوله: " أفضل وأعظم " لبعض الآى والسور فمعناه: عظيم وفاضل، وقيل: كانت آية الكرسى أعظم لأنها جمعت أصول الأسماء والصفات من الألوهية والحياة والوحدانية والعلم والملك والقدرة والإرادة، وهذه السبعة قالوا: هى أصول الأسماء والصفات.
وقوله لأبىّ حين أخبره بذلك، وأنها آية الكرسى: " ليهنك العلم أبا المنذر " وضربه صدره، فيه تنشيط [المعلم] (٣) لمن يعلمه إذا رآه أصاب، وتنويهه (٤) به، وسروره بما أدركه من ذلك، وفى الخبر إلقاء المعلم على أصحابه المسائل لاختبار معرفتهم، أو ليعلمهم ما لعلهم لم ينتبهوا للسؤال عنه، ويحتمل جواب أبىّ مما قد سمعه [قبل] (٥) منه ﵇.
стр. 1464
(٤٥) باب فضل قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾
٢٥٩ - (٨١١) وحدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ زهُيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ أَبِى الجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِى لَيْلَةٍ ثُلُثَ القُرْآنِ؟ ". قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ القُرْآنِ؟ قَالَ: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ (١) تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ ".
٢٦٠ - (...) وحدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيد بْنُ أَبِى عَرُوَبةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ العَطَّارُ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللهَ جَزَّأَ القُرْآنَ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ القُرْآنِ ".
ــ
قوله فى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾: " تعدل ثلث القرآن "، وقال: " سأقرأ عليكم ثلث القرآن "، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ وهذه الرواية تقدح فى تأويل من جعل ذلك لشخص بعينه.
قال القاضى: قال بعضهم: قال الله تعالى: ﴿آلر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير﴾ ثم بين التفصيل فقال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه﴾ فهذا فصل الألوهية، ثم قال: ﴿إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير﴾ وهذا فصْل النبوة ثم قال: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْه﴾ (٢) فهذا فصْل التكليف، وما رواه من أمر الوعد والوعيد، وعليها أجزأ القرآن بما فيه من القصص من فصْل النبوة لأنها من أدلتها، وفهمها أيضاً ما يدل على أن الله فسَّرها، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ جمعت الفصْل الأول.
قال القاضى: وقيل: إن هذا إنما قاله النبى ﷺ للذى ردَّدها.
وفى الحديث الآخر: " أن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ جزءاً من أجزاء القرآن " (٣)، قال الإمام: قيل: إن معنى ذلك أن القرآن على ثلاثة أنحاء، قصص، وأحكام، وأوصاف لله جلت قدرته، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ تشتمل على ذكر
стр. 1465
٢٦١ - (٨١٢) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيم، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " احْشِدُوا، فَإِنَّى سَأَقْرَأَ عَلَيْكُمْ ثُلُثُ القُرْآنِ "، فَحَشَدَ مَن حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ فَقَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ ثُمَّ دَخَلَ. فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنَّى أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَذَاكَ الَّذِى أَدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " إِنِّى قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأَ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ القُرْآنِ، أَلا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ ".
٢٦٢ - (...) وحدَّثنا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ بَشِيرٍ أَبِى إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِى حَازمٍ، عَن أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ القُرْآنِ " فَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد. اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ حَتَّى خَتَمَهَا.
٢٦٣ - (٨١٣) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّى عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلالٍ؛ أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَكَانَتْ فِى حَجْرِ عَائِشَةَ - زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِى
ــ
الصفات، وكانت ثلثا من هذه الجهة، وربما أسعد هذا التأويل ظاهر الحديث الذى ذكر فيه: " أن الله تعالى جزَّأ القرآن "، وقيل: معنى ثلث القرآن لشخص بعينه قصده رسول الله ﷺ ، وقيل: معناه: أن الله يتفضل بتضعيف الثواب لقارئها، ويكون منتهى التضعيف إلى مقدار ثلث ما يستحق من الأجر على قراءة القرآن من دون (١) تضعيف أجر، وفى بعض روايات هذا الحديث: " أن رسول الله ﷺ حشد الناس " فحصل له من ترديدها وتكرارها قدر تلاوته ثلث القرآن.
وقوله: " احْشِدُوا " وقوله: " فَحَشَدَ من حَشَدَ ": أى اجتمعوا، واجتمع من اجتمع وتأهب من تأهب. قال الهروى: يقال حشد القوم لفلان جمعوا له وتأهبوا، قال ابن دريد: حشد القوم يحشُد ويحشدِ إذا جمعهم (٢) والحشد: القوم المجتمعون.
وقوله للذى قال فى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾: إنى أحبها: " أن الله يحبه " (٣)، قال
стр. 1466
صَلاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " سَلُوهُ: لأَىِّ شَىْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ ". فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ ".
ــ
الإمام: البارى تعالى لا يوصف بالمحبة (١) المعهودة فينا؛ لأنه يتقدس عن أن يميل أو يمال إليه، وليس بذى جنس أو طبع فيوصف بالشوق الذى تقتضيه الجنسية والطبيعة البشرية، وإنما معنى محبته سبحانه للخلق (٢): إرادته ثوابهم وتنعيمهم، على رأى بعض أهل العلم، وعلى رأى بعضهم: أن المحبة راجعة إلى نفس الإثابة والتنعيم لا للإرادة. ومعنى محبة المخلوقين له: إرادتهم أن ينعمهم ويحسن إليهم.
قال القاضى: أما محبة المخلوقين لله فلا يبعد فيها الميل؛ لأن الميل يصح منهم له تعالى عنه، وقد قيل: محبتهم له استقامتهم على طاعته، وقد قيل: بل هذا من الخلق ثمرة المحبة، وأن حقيقتها الميل إلى ما يوافق الإنسان، إما لاستلذاذه بإدراكه بحواسه الظاهرة، كمحبة الأشياء الجميلة والمُسْتَلَذَّة والمستحسنة، أو بحاسة عقله، كمحبته الفضلاءِ وأهل المعروف والعلم وذوى السير الحسنة، أو لمن يناله إحسان وإفضال من قِبله، والله تعالى فى جلاله وعظيم سلطانه وبهاء نوره وجلال ملكه وجسيم إحسانه وإنعامه حقيق ألا يحب سواه، وأن تحار العقول والأبصار فى جمال ملكوته وجدوته تعالى عن الأنداد والأشباه.
стр. 1467
(٤٦) باب فضل قراءة المعوذتين
٢٦٤ - (٨١٤) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (١) وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ (٢) ".
٢٦٥ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حدَّثنا أَبِى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أُنْزِلَ أَوْ أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آيَاتٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ: المُعَوِّذَتَيْنِ ".
(...) وحدَّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
وَفى روَايَة أَبِى أُسَامَةَ: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهْنِىِّ، وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
ــ
وقوله: " آياتٌ أُنْزِلتْ علىَّ الليلة لم ير مِثْلُهُنَّ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ ": دليل واضح على أنهما من القرآن، ورد على من تأوَّل على ابن مسعود غير ذلك (٣)، وردٌّ على من زعم أن لفظة ﴿قُل﴾ ليس من السورتين (٤)، وإنما أمر - عليه
стр. 1468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السلام - أن يقول فقال، وهو شىء روى فى حديث تأوَّله بعض الملحدة (١) على هذا، وكتبها فى المصحف، والإجماع عليه أنها من القرآن يرد قولهم (٢).
قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ ، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالفَرَائِضِ. قَالَ عُمَر: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ قَدْ قَالَ: " إِنَّ اللهَ يَرفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ ".
(...) وحدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو اليَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِىُّ؛ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الحَارِثِ الخُزَاعِىَّ لَقِىَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ بِعُسْفَانَ. بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ.
ــ
ومحمود مرغبٌ فيه، فالأول تمنى زوال النعمة المحسودة من صاحبها وانتقالها إلى الحاسد، وهذا هو حقيقة الحسد، وهو مذموم شرعاً وعرفاً، وأما الوجهان الآخران: فهو الغبْطُ، وهو أن يتمنى ما يراه من خير بأحدٍ أن يكون له مثله، فإن كان من أمور الدنيا المباحة كان تمنى ذلك مباحاً، وإن كانت من أمور الطاعات كان محموداً مرغباً فيه.
стр. 1471
(٤٨) باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وبيان معناه
٢٧٠ - (٨١٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ القَارِىِّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكَيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهُا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْرَأَنِيْهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدائِه، فجِئْتُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأتنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَرْسِلْهُ، اقْرَأ ". فَقَرَأَ القِرَاءَةَ الَّتِى سَمِعْتُهُ
ــ
وذكر مسلم: حديث عمر مع هشام بن حكيم واختلافهما فى قراءة سورة الفرقان وقول عمر: " فكدت أن أعجل عليه "، يفسره قوله فى الرواية الأخرى: " أُسَاوِرُه " أى أواثبه، وقيل: معناه هنا: أخذ برأسه، قاله الحربى.
وقوله: " ثم لببته بردائه ": هو الأخذ بمجامع ثوب الرجل فى عُنُقِه وجبذه بها، وقيل: أخذ ذلك بجمعها على اللبَّةَ وهى النحر، كل هذا يدل على تشدُّدهم فى أمر القرآن، وقراءته على ما سمعوه من النبى ﵇ والتحرى فى تلاوته [و] (١) حروفه على ذلك، وردٌّ على من تسامح فى القراءة المروية عن ابن مسعود، أو بالفارسية والعجمية إذا لم يحسن العربيَّة كما ذهب إليه أبو حنيفة (٢)، وأمر النبى ﷺ عمر بإرساله محتمل وجهين، إمَّا لأنه لم يستحق عنده بعد أن يفعل ذلك به، إذ لم يثبت عند النبى ﷺ ما يوجبه، ولان عمر إنما نسب إليه اختلافاً فى القراءة، وعند النبى ﵇ من جواز بعضها علم، فأمره بإطلاقه حتى يسمع منه ما ادَّعاه عليه، أو ليرسله ويزول عنه ذلك التلبب وشغلُ البال وذُعرُ صولة عمر، ليتمكن من القراءة على النبى ﷺ ساكن
стр. 1472
يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَكَذَا أُنْزِلَتْ ". ثُمَّ قَالَ لِىَ: " اقْرَأ ". فَقَرَأت. فَقَالَ: " هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ".
ــ
الجأش طيب النفس.
وقول النبى ﷺ : " هكذا أنزلت " [تجويز] (١) وتصويبه (٢) قراءته، وأمره لعمر بعده بالقراءة لئلا يكون الخطأ والغلط منه، فلما قرأ قال له أيضاً: " هكذا أنزلت " وصوَّب قراءته ثم بين ﵇ كيفية نزولها بهذا الاختلاف بقوله: " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسَّر منه تيسيراً على الأمة فى تلاوته، وهذا كله يدل أن هشاماً لم يخالف عمر فى جميع حروف السورة وإنما خالفه فى بعضها، كما أن السبعة أحرف ليست فى جميع الكلمات، وإنما هى فى بعض القرآن لا جميعه (٣).
واختلف فى معنى قوله: " سبعة أحرف ": فقيل: هو حصر للعدد، وهو قول الأكثر، وقيل: توسعة وتسهيل لم يقصد به الحصر، ثم اختلفوا ما هذه السبعة؟ فمنهم من جعلها فى المعانى، كالوعد والوعيد، والمحكم والمتشابه، والحلال والحرام، والقصص والأمثال والأحكام والأمر والنهى، ثم اختلف هؤلاء فى تعيين هذه السبعة منها ومنهم من جعلها فى صورة التلاوة ومنحنى النطق بكلماتها، من إدغام وإظهار، وتفخيم، وترقيق وإمالة ومدٍّ؛ لأن العرب كانت مختلفة اللغات والكلام فى هذه الوجوه، فيسَّر عليهم القراءة ليقرأ كلُّ إنسان بما وافق لغته، وسهل على لسانه (٤)، ومنهم من جعلها فى الألفاظ والحروف، وإليه أشار ابن شهاب فى الأم، ويحتج هؤلاء باستزادة النبى ﷺ لجبريل وأنه لم يزل يستزيده حتى انتهى إلى سبعةِ أحرف، وأن النبى ﷺ قرأ بجميعها. قالوا: وهذا
стр. 1473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يدل على أنه ليس فى صورة التلاوة.
ثم من جعلها فى الألفاظ والحروف اختلفوا، فقيل: سبع قراءات وأوجهٍ، قال أبو عبيد فى ذلك: سبع لغات من لغات العرب (١) يمنها ومضرها، وهى أفصح اللغات وأعلاها من كلامهم وقيل: بل هذه السبعة كلها لمضر لا لغيرها (٢)، قال: وهذه اللغات متفرقة فى القرآن غيرُ مجتمعةٍ فى الكلمة الواحدة، وقيل: بل يصح اختراعها فى الكلمة الواحدة، وذكروا من ذلك قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوت﴾ (٣) و ﴿نرْتَعْ وَنَلْعَبْ﴾ (٤) وهو ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (٥) و ﴿بِعَذَابٍ بَئِيس﴾ (٦) وغير ذلك. وذكروا فيها وجوهاً سبعة ونحوها، وقيل: بل هذه السبعة تختلف الألفاظ على الكلمة الواحدة بمعنى واحد أقبل وأسرع، وهلم وعجّل وتعال، وقد جاء هذا مبيَّناً مفَّسراً كما جاء فى قراءة أبىَّ ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُم﴾ (٧)
стр. 1474
٢٧١ - (...) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ المِسوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِىَّ أَخْبَرَاهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأ سُورَةَ
ــ
وأخرونا وآنسونا، و ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيه﴾ (١) ومروا فيه، وسعوا فيه، وكقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ (٢) وامضوا، وإلى هذا ذهب الطبرى (٣) وابن عيينة وابن وهب وحكاه عن مالك.
وقال القاضى أبو بكر بن الطيب: الصحيح أن هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن الرسول ﷺ وضبطتها عنه الأمة وأثبتها عثمان والجماعة فى المصحف، وأخبروا بصحتها، وخيروا الناس فيها كما فعل الرسول، وإنما طرحوا منها قراءة لم تثبت ونقلت نقل آحاد لا تثبت بمثلها القرآن، وأن هذه السبعة الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى، ليست متضادة ولا متباينة.
وذكر الطحاوى أن القراءة بالسبعة الأحرف إنما كانت فى وقت خاص للضرورة لأول ما نزل القرآن، واختلاف لغات العرب ومشقة كل طائفة أن ترجع إلى لغة الأخرى، فلما كثر الناس والكتَّاب وارتفعت الضرورة رجعت إلى حرف واحد (٤) وقيل: السبعة الأحرف
стр. 1475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكون اختلافها من تغيير الكلمة بغيرها، أو زيادة حرف ونقصانه، أو يبدل حرف من آخر، أو اختلاف الإفراد والجمع أو المخاطبة والخبر، أو الأمر والخبر، أو تغير إعراب الكلم، أو التقديم والتأخير، أو الاختلاف فى لغات الحرف الواحد وتصريف الفعل، فمنه ما تختلف ألفاظه ومعناه واحد، ومنه ما يختلف معنى ولفظاً.
قال الباجى: ولا سبيل لنا إلى تغيير حرف من تلك الأحرف وكلها فى المصحف (١) وإلى هذا ذهب غيره. واستدل من قال هذا بمحو عثمان والصحابة وتحريقهم المصاحف الأول ما عدا المصحف، ولو كان فى شىء منها بقية من الحروف السبعة التى أنزل بها القرآن لم يُمْح. قالوا: وإنما محيت لأجل الترتيب المتفق عليه فى المصحف؛ لأن سائر المصاحف كانت على غير ترتيب، ولأنهم كتبوا صور الحروف على لغاتهم. وقال الداودى: والسبع المقارئ التى يقرؤها الناس اليوم ليس كل حرف منها هى أحد تلك السبعة، بل قد تكون مفرقةً فيها (٢)، وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة (٣): هذه السبعة مقارئ إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة فى الحديث وهو الذى جمع عليه عثمان المصحف، وذكره ابن النحاس وغيره، قال غيره: ولا تمكن القراءة بهذه السبعة فى ختمة واحدة، والقارئ إذا قرأ برواية من روايات القراءة إنما قرأ ببعضها لا بكلها ولا يُدرى أى هذه السبعة أحرف - يعنى القراءات - كان آخر العرض على النبى ﵇ وكلها مستفيضة عن النبى ﵇