← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

(٤٨) باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وبيان معناه ٢٧٠ - (٨١٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ القَارِىِّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكَيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهُا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْرَأَنِيْهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدائِه، فجِئْتُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأتنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَرْسِلْهُ، اقْرَأ ". فَقَرَأَ القِرَاءَةَ الَّتِى سَمِعْتُهُ ــ وذكر مسلم: حديث عمر مع هشام بن حكيم واختلافهما فى قراءة سورة الفرقان وقول عمر: " فكدت أن أعجل عليه "، يفسره قوله فى الرواية الأخرى: " أُسَاوِرُه " أى أواثبه، وقيل: معناه هنا: أخذ برأسه، قاله الحربى. وقوله: " ثم لببته بردائه ": هو الأخذ بمجامع ثوب الرجل فى عُنُقِه وجبذه بها، وقيل: أخذ ذلك بجمعها على اللبَّةَ وهى النحر، كل هذا يدل على تشدُّدهم فى أمر القرآن، وقراءته على ما سمعوه من النبى ﵇ والتحرى فى تلاوته [و] (١) حروفه على ذلك، وردٌّ على من تسامح فى القراءة المروية عن ابن مسعود، أو بالفارسية والعجمية إذا لم يحسن العربيَّة كما ذهب إليه أبو حنيفة (٢)، وأمر النبى ﷺ عمر بإرساله محتمل وجهين، إمَّا لأنه لم يستحق عنده بعد أن يفعل ذلك به، إذ لم يثبت عند النبى ﷺ ما يوجبه، ولان عمر إنما نسب إليه اختلافاً فى القراءة، وعند النبى ﵇ من جواز بعضها علم، فأمره بإطلاقه حتى يسمع منه ما ادَّعاه عليه، أو ليرسله ويزول عنه ذلك التلبب وشغلُ البال وذُعرُ صولة عمر، ليتمكن من القراءة على النبى ﷺ ساكن

стр. 1472

يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَكَذَا أُنْزِلَتْ ". ثُمَّ قَالَ لِىَ: " اقْرَأ ". فَقَرَأت. فَقَالَ: " هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ". ــ الجأش طيب النفس. وقول النبى ﷺ : " هكذا أنزلت " [تجويز] (١) وتصويبه (٢) قراءته، وأمره لعمر بعده بالقراءة لئلا يكون الخطأ والغلط منه، فلما قرأ قال له أيضاً: " هكذا أنزلت " وصوَّب قراءته ثم بين ﵇ كيفية نزولها بهذا الاختلاف بقوله: " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسَّر منه تيسيراً على الأمة فى تلاوته، وهذا كله يدل أن هشاماً لم يخالف عمر فى جميع حروف السورة وإنما خالفه فى بعضها، كما أن السبعة أحرف ليست فى جميع الكلمات، وإنما هى فى بعض القرآن لا جميعه (٣). واختلف فى معنى قوله: " سبعة أحرف ": فقيل: هو حصر للعدد، وهو قول الأكثر، وقيل: توسعة وتسهيل لم يقصد به الحصر، ثم اختلفوا ما هذه السبعة؟ فمنهم من جعلها فى المعانى، كالوعد والوعيد، والمحكم والمتشابه، والحلال والحرام، والقصص والأمثال والأحكام والأمر والنهى، ثم اختلف هؤلاء فى تعيين هذه السبعة منها ومنهم من جعلها فى صورة التلاوة ومنحنى النطق بكلماتها، من إدغام وإظهار، وتفخيم، وترقيق وإمالة ومدٍّ؛ لأن العرب كانت مختلفة اللغات والكلام فى هذه الوجوه، فيسَّر عليهم القراءة ليقرأ كلُّ إنسان بما وافق لغته، وسهل على لسانه (٤)، ومنهم من جعلها فى الألفاظ والحروف، وإليه أشار ابن شهاب فى الأم، ويحتج هؤلاء باستزادة النبى ﷺ لجبريل وأنه لم يزل يستزيده حتى انتهى إلى سبعةِ أحرف، وأن النبى ﷺ قرأ بجميعها. قالوا: وهذا

стр. 1473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يدل على أنه ليس فى صورة التلاوة. ثم من جعلها فى الألفاظ والحروف اختلفوا، فقيل: سبع قراءات وأوجهٍ، قال أبو عبيد فى ذلك: سبع لغات من لغات العرب (١) يمنها ومضرها، وهى أفصح اللغات وأعلاها من كلامهم وقيل: بل هذه السبعة كلها لمضر لا لغيرها (٢)، قال: وهذه اللغات متفرقة فى القرآن غيرُ مجتمعةٍ فى الكلمة الواحدة، وقيل: بل يصح اختراعها فى الكلمة الواحدة، وذكروا من ذلك قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوت﴾ (٣) و ﴿نرْتَعْ وَنَلْعَبْ﴾ (٤) وهو ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (٥) و ﴿بِعَذَابٍ بَئِيس﴾ (٦) وغير ذلك. وذكروا فيها وجوهاً سبعة ونحوها، وقيل: بل هذه السبعة تختلف الألفاظ على الكلمة الواحدة بمعنى واحد أقبل وأسرع، وهلم وعجّل وتعال، وقد جاء هذا مبيَّناً مفَّسراً كما جاء فى قراءة أبىَّ ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُم﴾ (٧)

стр. 1474

٢٧١ - (...) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ المِسوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِىَّ أَخْبَرَاهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأ سُورَةَ ــ وأخرونا وآنسونا، و ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيه﴾ (١) ومروا فيه، وسعوا فيه، وكقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ (٢) وامضوا، وإلى هذا ذهب الطبرى (٣) وابن عيينة وابن وهب وحكاه عن مالك. وقال القاضى أبو بكر بن الطيب: الصحيح أن هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن الرسول ﷺ وضبطتها عنه الأمة وأثبتها عثمان والجماعة فى المصحف، وأخبروا بصحتها، وخيروا الناس فيها كما فعل الرسول، وإنما طرحوا منها قراءة لم تثبت ونقلت نقل آحاد لا تثبت بمثلها القرآن، وأن هذه السبعة الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى، ليست متضادة ولا متباينة. وذكر الطحاوى أن القراءة بالسبعة الأحرف إنما كانت فى وقت خاص للضرورة لأول ما نزل القرآن، واختلاف لغات العرب ومشقة كل طائفة أن ترجع إلى لغة الأخرى، فلما كثر الناس والكتَّاب وارتفعت الضرورة رجعت إلى حرف واحد (٤) وقيل: السبعة الأحرف

стр. 1475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكون اختلافها من تغيير الكلمة بغيرها، أو زيادة حرف ونقصانه، أو يبدل حرف من آخر، أو اختلاف الإفراد والجمع أو المخاطبة والخبر، أو الأمر والخبر، أو تغير إعراب الكلم، أو التقديم والتأخير، أو الاختلاف فى لغات الحرف الواحد وتصريف الفعل، فمنه ما تختلف ألفاظه ومعناه واحد، ومنه ما يختلف معنى ولفظاً. قال الباجى: ولا سبيل لنا إلى تغيير حرف من تلك الأحرف وكلها فى المصحف (١) وإلى هذا ذهب غيره. واستدل من قال هذا بمحو عثمان والصحابة وتحريقهم المصاحف الأول ما عدا المصحف، ولو كان فى شىء منها بقية من الحروف السبعة التى أنزل بها القرآن لم يُمْح. قالوا: وإنما محيت لأجل الترتيب المتفق عليه فى المصحف؛ لأن سائر المصاحف كانت على غير ترتيب، ولأنهم كتبوا صور الحروف على لغاتهم. وقال الداودى: والسبع المقارئ التى يقرؤها الناس اليوم ليس كل حرف منها هى أحد تلك السبعة، بل قد تكون مفرقةً فيها (٢)، وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة (٣): هذه السبعة مقارئ إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة فى الحديث وهو الذى جمع عليه عثمان المصحف، وذكره ابن النحاس وغيره، قال غيره: ولا تمكن القراءة بهذه السبعة فى ختمة واحدة، والقارئ إذا قرأ برواية من روايات القراءة إنما قرأ ببعضها لا بكلها ولا يُدرى أى هذه السبعة أحرف - يعنى القراءات - كان آخر العرض على النبى ﵇ وكلها مستفيضة عن النبى ﵇

стр. 1476

الفُرْقَانِ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. وَزَادَ: فَكِدْت أُسَاوِرُهُ فِى الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ. (...) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، كَرِوَايَةِ يُونُسَ بَإِسْنَادِهِ. ــ وضبطتها الأمة، وأضافت كل حرف منها إلى من أضيفت إليه من الصحابة؛ أى أنه كان أكثر قراءة به كما أضيف كل مقرئ منها إلى من اختار القراءة به والتلاوة من القراءة السبعة وغيرهم. وقوله: " لك بكل مسألة ردَدْتَكها مسألة ردَّةً تسألنيها (١)، فقلت: اللهم اغفر لأمتى اللهم اغفر لأمتى، وادخرت (٢) الثالثة ليومٍ يرغب إلىَّ الخلق كلهم حتى إبراهيم " مثل ما تقدم قبل فى تفسير قوله: " لكل نبى دعوة يدعو بها، وادخرت دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة " (٣) وأن اختصاصهم بهذه الدعوة - وإن كانت لهم دعوات كثيرة مستجابة - لكونه من هذه خاصة على يقين من إجابتها، وهم فى غيرها على الرجاء. وذهب قوم من ضعفة القراء والمنتسبين إلى الحديث وجماعة من المعتزلة: أن عثمان كتب المصحف وجمع الناس على بعض الأحرف السبعة وترك باقيها نظراً للمسلمين لما حدث من الاختلاف، وأن الذى جمع عليه كان آخر العرض، وهذا قول منكر مهجور، ولا يصححه نقل ولا عقل (٤). قال الإمام: من الناس من ظَنَّ أن المراد بهذا سبعة معان مختلفة كالأحكام والأمثال والقصص إلى غير ذلك، وإنما غره فى ذلك حديث روى عن النبى ﷺ ذكر فيه: " أنزل القرآن على سبعة أحرف "، وفسره بهذا المعنى، وهذا التأويل خطأ؛ لأنه ﵇ أشار فى هذا الحديث إلى جواز القراءة بكل حرفٍ وإبدال حرفٍ من السبعة بحرف آخر، وقد تقرر إجماع المسلمين على أنه لا يحل إبدال آية أمثال بآية أحكام قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ (٥)، وكذلك أيضاً ظن آخرون أن المراد إبدال خواتِم الآى، فيجعل مكان " غفور رحيم " " سميع بصير "، ما لم يتناقض المعنى، فتبدل آية الرحمة بآية عذاب (٦). وهذا أيضاً فاسدٌ؛ لأنه قد استقر الإجماع على منع تغيير القرآن،

стр. 1477

٢٧٢ - (٨١٩) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عُبَيْد اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن عُتْبَةَ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَقْرَأَنِى جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى حَرْفٍ. فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ فَيَزِيدُنِى، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغنِى أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الأَحْرُفَ إِنَّمَا هِىَ فِى الأَمْرِ الَّذِى يَكُونُ وَاحِدًا، لا يَخْتَلِفُ فِى حَلالٍ وَلا حَرَامٍ. ــ ولو زاد أحد من المسلمين فى كلمة منه حرفاً واحداً أو خفف مشدّدًا أو شدَّد مخففاً لبادر الناس إلى إنكاره، فكيف بإبدَال كثيرٍ من كلماته؟ وإذا فسد هذان التأويلان قلنا: ينبغى أن يعلم أن الحرف فى اللغة هو الطرف والناحية، ومنه حرف الوادى أى طرفه وناحيته، ومنه تسميتهم الشكل المقطوع من حروف المعجم حرفاً؛ لأنه ناحية وطرف من الكلام، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف﴾ (١)، يعنى على غير طمأنينة؛ لأن الشاكَّ كأنه على طرفٍ وناحية من الاعتقاد. وإذا ثبت هذا قلنا: يصح أن الحرف من الأسماء المشتركة، فينطلق على المذهب الأول الذى هو المعانى (٢) المختلفة؛ لأن كل معنى منها طرف وناحية من صاحبه، وينطلق - أيضاً - على المذهب الثانى، وهو إبدال خواتم الآى؛ لأن كل مبدل طرفُ وناحية من الكلام ولكن منعنا (٣) من حمل حديثنا هذا عليه ورود الشرع بمنع الإبدال، فلابد من حمله على أحرف يجوز إبدالها، وليس إلا ما يُقَدَّرُ فى الشريعة جوازُ إبِدَاله وهو نحو الإمالة والفتح، فإن أحدهما يبدل بالآخر، والتفخيم والترقيق، والهمزة والتسهيل، والإدغام والإظهار، وما أشبه ذلك، والغرض منه حمل الحديث على أنه أراد ناحيةً وطرفاً من اللغات، ولكن يبقى على هذا المذهب نظر آخر، هل المراد بذلك وجود قراءات سبع فى كلمة واحدة أو يكون إنما أشار (٤) [إلى] (٥) تردد سبع لغات فى سائر الكلمات، فهذا مما اختلف فيه أهل هذه الطريقة وللنظر فيه مجال.

стр. 1478

(...) وحدَّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ٢٧٣ - (٨٢٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَىِّ ابْنِ كَعْبٍ؛ قَالَ: كُنْتُ فِى المَسْجِدِ. فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّى، فَقَرَأَ قِرَاءَةٌ أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ. ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ، فَقَرَأَ قِرَاءَةٌ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ. فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبِىُّ ﷺ شَأْنَهُمَا، فَسُقَطَ فِى نَفْسِى مِنَ التَّكْذِيبِ، ــ قال القاضى: قول ابن شهاب: بلغنى أن تلك الأحرف إنما هى فى الأمر (١) الذى يكون واحداً لا يختلف فى حلال ولا حرام (٢) خلافاً لمن ذهب إلى أن السبعة فى المعانى أو إشارة إلى أن ذلك فى الحروف والألفاظ. وقول أبىٍّ: " إنه لما حسَّن النبى ﷺ للقارئين المختلفين قراءتهما سقط (٣) فى نفسى من التكذيب ولا إذ كنت فى الجاهلية "، قال الإمام: هذا مما ينبغى أن يحمل فيه على أبىٍّ أنه وقع فى نفسه خاطر ونزعة من الشيطان غير مستقرة (٤)؛ لأن إيمان الصحابة - رضى الله عنهم - فوق إيمان من بعدهم، واختلاف القراءات ليس بعظيم الموقع فى الشبهات (٥)، كيف وقد يتصور فى النبوات مِنَ القوادح للملحدين ما يتعب الذهن (٦) [ومن يكد] (٧) الخاطر بالانفصال (٨) عنه ولم ينقل عن أحدٍ من الصحابة أنه تشكك (٩) بسبب ذلك ولا أصغى إليه، وهل تبديل القراءات إلا أخفض مرتبة (١٠) من النسخ، الذى هو إزالةُ القرآن والأحكام رأساً؛ ثم لم ينقدح فى نفس أحد منهم بسبب ذلك شك (١١)

стр. 1479

وَلا إِذْ كُنْتُ فِى الجَاهِلِيَّةِ. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِى ضَرَبَ فِى صَدْرِى، فِفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَاَ أَنْظُرُ إِلَى اللهِ فَرَقًا، فَقَالَ لِى: " يَا أُبَىُّ، أُرْسِلَ إِلَىَّ: أَنِ اقْرَأ القُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِى، فَرَدَّ إِلَىَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ. أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِى، فَرَدَّ إِلَىَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلُةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لأُمَّتِى. اللَّهُمَ، اغْفِرْ لأُمَّتِى، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَىَّ الخَلْقُ كُلُّهُمْ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﷺ ". (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، أَخْبَرَنِى أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ؛ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِى المَسْجِدِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَقَرَأَ قِرَاءَةً، وَاقْتَصَّ الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. ٢٧٤ - (٨٢١) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ ــ مستقرٌّ، فوجب لأجل هذا أن يحمل على أبىٍّ ما قلناه. قال القاضى: وقوله: " فضرب (١) - يعنى النبى ﵇ فى صدرى، ففضت عرقاً وكأنما أنظر إلى الله فرَقاً " ثم ذكر الحديث. ضربه فى صدره تنبيهاً (٢) له لما رأى أنه قد غشيه من الخاطر والدهشة التى ظهرت عليه، يقال: فضت عرقاً، وفصت عرقاً، بالضاد والصاد، وقال أبو مروان بن سراج وأنشد: إذا الجياد فضن بالمسيح وروايتنا هاهنا بالمعجمة. ومعنى قوله: " سقط فى نفسى ": أى اعترته حيرة ودهشة. قال الهروى فى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِم﴾ (٣) أى ندموا وتحيروا. يقال للنادم المتحير على فعل فعله: سُقط فى يده، واسقِط، وهو كقوله: قد حصل فى يده من هذا مكروه. وقوله: " ولا إذ كنت فى الجاهلية ": يعنى الخاطر الذى نزغ به الشيطان له من

стр. 1480

ابْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَضَاة بَنِى غِفَارٍ. قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقَالَ: " أَسْأَلُ اللهَ مَعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِى لا تُطِيقُ ذَلِكَ ". ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ. فَقَالَ: " أَسْأَلُ اللهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتُهُ، وَإِنَّ أُمَّتِى لا تُطِيقُ ذَلِكَ ". ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرْآنَ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْرُفٍ. فَقَالَ: " أَسْأَلُ اللهُ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِى لا تُطِيقُ ذَلِكَ " ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرؤوا عَلَيْهِ، فَقَدْ أَصَابُوا. (...) وحدَّثناه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ــ التكذيب الذى لم يعتقده، وهذه الخواطر إذا لم [يصمم عليها] (١) غير مؤاخذ بها. وقوله: " عند أضاة بنى غفار ": كذا قيَّدناه هنا مقصوراً، وهو الماء المستنقع كالغدير، وجمعه أَضى مفتوح مقصور، ويجمع إضىً وإضاءة مكسور وممدود. قال ابن ولَّاد (٢): هو مكسور الأول ممدود، فإذا فتحوا قصروا فمن كسر ومدَّ جعله جمع إضاءة كأكمة وأيكام، ومن قصر جعله مثل حصاة (٣) وحصى. قوله: " إن الله يأمُرُك أن تقرأ القرآن على حرف ثم استزاده إلى أن بلغ سبعاً ": الأمر فى قراءته بما زاد على حرف على طريق التوسعة والرفق لا الوجوب، ومن قرأ بحرف منها أصاب.

стр. 1481

(٤٩) باب ترتيل القراءة واجتناب الهز، وهو الإفراط فى السرعة، وإباحة سورتين فأكثر فى ركعة ٢٧٥ - (٧٢٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَن وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَيْفَ تَقْرَأَ هَذَا الحَرْفَ، أَلِفًا تَجِدُهُ أَمْ يَاءً: ﴿مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (١) أَوْ " مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ؟ " قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: وَكُلَّ القُرْآنِ قَدْ أَحْصَيْتَ غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ: إِنِّى لأَقْرَأُ المُفَصَّل فِى رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذَّاً كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِى القَلْبَ فَرَسَخَ فِيهِ، نَفَعَ، إِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاةِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، إِنِّى لأَعْلَمُ النَّظَائِرَ الَّتِى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرُنُ ــ وقول ابن مسعود - للذى قال له: إنى أقرأ (٢) المفصل فى ركعة -: " هذًّا كهذِّ الشعر إن أقواماً (٣) يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، والهذُّ: الإسراع ونصبه (٤) على المصدر. وهذا إنكار لمن يهذ القرآنَ ولا يُرَتِّله ولا يتدبره، والترتيل اختيار أكثر العلماء والسلف وذموا الهذَّ وأجازه آخرون، وقد تقدم الكلام فيه. ومعنى قوله: " كهذّ الشعر " قيل: فى روايته وتحفظه لا فى إنشاده والترنم به ومعنى قوله: " لا يجاوز تراقيهم ". استعارة، لأن حظهم منه حركة اللسان دون [تدبر] (٥) القلب وتفهم معانيه. والتراقى عظام الصدر من ثغرة النحر والحلق (٦)، وهو كما قال ﵇ فى الخوارج: " لا يُجاوز حناجرهم " (٧) ألا تراه كيف قال: " ولكن إذا وقع فى القلب فَرَسَخَ فيه نفع " (٨).

стр. 1482

بَيْنَهُنَّ، سُورَتَيْنِ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ. ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اللهِ فَدَخَلَ عَلْقَمَةُ فِى إِثْرِهِ. ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرَنِى بِهَا. قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِى رِوَايتِهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى بَجِيلة إِلَى عَبْدُ اللهِ، وَلَمْ يَقُلْ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ. ٢٧٦ - (...) وحدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ. قَالَ: جَاءَ رجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللهِ - يُقَالُ لَهُ: نُهِيكُ بْنُ سِنَانٍ - بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَجَاءَ عَلْقَمَةُ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: سَلْهُ عَنِ النَّظَائِرِ الَّتِى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِى رَكْعَةٍ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، فِى تَأَلِيفِ عَبْدِ اللهِ. ٢٧٧ - (...) وحدَّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ فى هَذَا الإِسْنَادِ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا. وَقَالَ: إِنِّى لأَعْرِفُ النَّظَائِرَ الَّتِى كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، اثْنَتَيْنِ فِى رَكْعَةٍ، عِشْرِينَ سُورَةً فِى عَشْرِ رَكَعَاتٍ. ــ وقوله: " لا يصعد له عمل " (١) [أى لا يقبل و] (٢) قيل: معناه: لا يكون له فيه ثواب، ولا له منه حظٌّ سوى الذكر باللسان. وقوله: " إِنَّ أفضل الصلاة الركوع والسجود ": حجة لأحد القولين، وقد تقدم، قال الطحاوى: الذى يجمع به بين ما جاء فى فضل السجود والركوع وبين ما جاء فى الحديث الأخر أن " أفضل الصلاة طول القنوت " لمن زاده وجعل أجره زائداً على أجر السجود والركوع. وقوله: " إنى لا أعرف النظائر الذى (٣) كان يَقْرِنُ بينهن رسول الله ﷺ سورتين كل ركعة، ثم ذكر عشرين سورة من المفصّل فى عشر ركعات " (٤) دليل صحيح موافق لرواية عائشة وابن عباس: أن قيام النبى ﵇ كان أحد عشر ركعة بالوتر، وعلى ما تقدم وأن هذا كان قدر قراءته غالباً وهو نحو قوله: " قدر خمسين آية "، وأن تطويله ﵇ الوارد إنما كان فى التلاوة والترتيل والتدبر، وما ورد من غير ذلك

стр. 1483

٢٧٨ - (...) حدَّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوُخَ، حَدَّثَنَا مَهْدِىُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَوْمًا بَعْدَ مَا صَلَّيْنَا الغَدَاةَ، فَسَلَّمْنَا بِالبَابِ، فَأَذِنَ لَنَا. قَالَ: فَمَكَثْنَا بِالبَابِ هُنَيَّةً. قَالَ: فَخَرَجَتٍ الجَارِيَةُ فَقَالَتْ: أَلا تَدْخُلُونَ؟ فَدَخَلْنَا. فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لا، إلا أَنَّا ظَنَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ البَيْتِ نَائِمٌ. قَالَ: ظَنَنْتُمْ بِآلِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةً؟ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ. فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ، انْظِرِى، هَلْ طَلَعَتْ؟ قَالَ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِىَ لَمْ تَطْلُعْ، فَأَقْبَلَ يُسَبِّحُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّ الشَّمْس قَدْ طَلَعَتْ قَالَ: يَا جَارِيَةُ، انْظَرِى، هَلْ طَلَعَتْ؟ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِىَ قَدْ طَلَعَتْ. فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِى أَقَالَنَا يَوْمَنَا هَذَا - فَقَالَ مَهْدِىٍّ وَأَحْسبُهُ قَالَ - وَلَمْ يُهْلِكْنَا بِذُنُوبِنَا. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: قَرَأْتُ المُفَصَّلَ البَارِحَةَ كُلَّهُ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ إِنَّا لَقَدْ سَمِعْنَا القَرَائِنَ، وَإِنِّى لأَحْفَظُ القَرَائِنَ الَّتِى كَانَ يَقْرَؤُهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ المُفَصَّلِ، وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حَمَ. ٢٧٩ - (...) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنِ بْنُ عَلِىٍّ الجُعْفِىُّ عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ ــ فى قراءته فى ركعة البقرة والنساء فى حديث ابن مسعود فنادر، وهذه السور العشرون أكثرها فى حديث آخر ذكره أبو داود: " الرحمن والنجم فى ركعة واقتربت والحاقة فى ركعة، والطور والذاريات فى ركعة، وإذا وقعت ونون فى ركعة، وسأل سائل والنازعات فى ركعة، وويل للمطففين وعبس فى ركعة، والمدثر والمزمّل فى ركعة، وهل أتى ولا أقسم فى ركعة، وعم والمرسلات فى ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت " (١). وسُمَّى المفصّلُ مُفَصّلاً لقصر أعداد سُوره من الآى، ففصلت كل سورة على ذلك من صاحبتها. وقوله فى الرواية الأخرى: " ثمانية عشرَ من المفصل وسورتين من آل حم ": دليل على أن المفصل ما دونهما وقد قال أصحاب علم القرآن: إن المفصل ما دون المثانى، والمثانى ذوات المائة، وذوات المائة ما كان فيهما من السور ماءة آية ودونها قليلاً بعد ذوات المائة السبع الطوال وآخرها براءة مضافة إلى الأنفال لأنها لم يفصل بينهما فى المصحف.

стр. 1484

مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى بَجِيلَةَ، يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ، إِلَى عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ: إِنِّى أَقْرَأُ المُفَصَّلَ فِى رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذًّا كهَذِّ الشِّعْرِ؟ لَقَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِنَّ، سُورَتَيْنِ فِى رَكْعَةٍ. (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنِّى قَرَأْتُ المُفَصّلَ اللَّيْلَةَ كُلَّهُ فِى رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ. قَالَ: فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ سُورَتَيْنِ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ. ــ واختلف فى حدِّ المفصل فقيل: من سورة محمد ﷺ ، وقيل: من سورة ق. وقوله: " آل حم " يعنى من ذوات السور التى أولها حم نسبت السور إلى هذه الكلمة كقولهم: آل فلان، وقد يكون أراد " حم " نفسها، وتقع على ذاته، كقوله فى الحديث: " لقد أوتى مزماراً من مزامير آل داود " أى داود، وقيل: الآل يقع على الشخص، قاله أبو عبيد، قال: ولو أوصى رجل لآل فلان دخل فلان معهم، والفقهاء يخالفونه فى هذا الفصل. وقد تقدم نحو منه فى الصلاة على آل محمد وآل إبراهيم. ومن قال معناه: محمد وإبراهيم، وقد قيل: إن " حم " اسم من أسماء الله تعالى، فأضيفت هذه السورة إليه، وإن كانت كلها مضافة إليه، ولكن زيادة فى التخصيص والتعظيم، كما قيل: بيت الله، والبيوت كلها له. وقوله حين أعلم بطلوع الشمس: " الحمد لله على إقالتنا يومنا هذا (١)، ولم يهلكنا بذنوبنا " تَوَقَّعٌ منه لانتظار الساعة وطلوع الشمس من مغربها.

стр. 1485

(٥٠) باب ما يتعلق بالقراءات ٢٨٥ - (٨٢٣) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلاً سَأَلَ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، وَهُوَ يُعَلِّمُ القُرْآنَ فِى المَسْجِدِ. فَقَالَ: كَيْفَ تقْرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِر﴾ (١)؟ أَدَالاً أَمْ ذَالاً؟ قَالَ: بَلْ دَالاً. سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مُدَّكِرٍ " دَالاً. ٢٨١ - (...) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَن الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الحَرْفَ: ﴿فَهَلْ مَن مُّدَّكِر﴾. ٢٨٢ - (٨٢٤) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَدِمْنَا الشَامَ، فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ فَقُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا. قَالَ: فَكَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللهِ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى " قَالَ: وَأَنَا وَاللهِ، هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهُا، وَلَكِنْ هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ: ﴿وَمَا خَلَق﴾ فَلا أُتَابِعُهُمْ. ٢٨٣ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَتَى عَلْقَمَةُ الشَّامَ فَدَخَلَ مَسْجِدًا فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ قَامَ إِلَى حَلْقَةٍ فَجَلَسَ فِيهَا. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ فَعَرفْتُ فِيهِ تَحَوُّشَ القَوْمِ وَهَيئتُهُمْ. قَالَ: فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِى، ثُمَّ قَالَ: أَتَحْفَظُ كَمَا كَانَ عَبْدُ اللهِ يَقْرَأُ؟ فَذَكَرَ بمِثْلِهِ. ٢٨٤ - (...) حدَّثنا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِى هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، مَنْ عَلْقَمَةَ؛ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لِى: مِمَّنْ ــ وقول علقمة: " لقيت أبا الدرداء، فقال لى: هل تقرأ قراءة ابن مسعود؟ قلت:

стр. 1486

أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ العِراقِ. قَالَ: مِنْ أَيُّهِمْ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهلِ الكُوفَةِ. قَالَ: هَلْ تَقْرَأُ عَلَى قَرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؟ قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاقْرَأ: ﴿وَاللَّيْلَ إِذَا يَغْشَى﴾ قَالَ فَقَرَأتُ: " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى ". قَالَ: فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهُا. (...) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِى عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَن عَامِرِ، عَنْ عَلْقَمَةَ. قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ. فَذَكَرَ بِمثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ. ــ نعم، وذكر قراءته " والذَّكَر والأنْثَى " (١) [فضحك ثم قال: " هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها " وفى بعض طرقه: " ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ] (٢): وما خلق [ولا أتابعهم] (٣) "، قال الإمام: يجب أن يعتقد فى هذا الخبر وفيما (٤) سواه مما هو بمعناه مما جعله الملحدة طعناً فى القرآن ووهناً فى نقله أنَّ ذلك كان قرآناً ثم نسخ، ولم يعلم بعض من خالف بالنسخ فبقى على الأول، ولعل هذا إنما يقع من بعضهم قبل أن يتصل به مصحف عثمان - رضى الله عنه - المجمع عليه المحذوف منه كل منسوخ [قرئ به] (٥). وأما بعد ظهور مصحف عثمان - رضى الله عنه - واشتهاره فلا يظن بأحدٍ منهم أنه أبدا فيه خلافاً، وأما ابن مسعود ﵀ فقد رويت عنه روايات كثيرة، منها ما لم يثبت عند أهل النقل وما ثبت منها مما يخالف ظاهر ما قلناه، فإنه محمول على أنه كان يكتب فى مصحفه القرآن، ويلحق به من بعض الأحكام والتفاسير ما يعتقد أنه ليس بقرآن، ولكن لم ير تحريم ذلك عليه، ورأى أنها صحيفة يثبت فيها ما شاء، وكان من رأى عثمان والجماعة منع ذلك لئلا يتطاول الزمان، وينقل عنه القرآن فيخلط به ما ليس منه فيعود الخلاف إلى مسألة فقهية، وهى (٦) جواز إلحاق بعض التفاسير بأثناء المصحف أو منع ذلك، ويحمل (٧) أيضاً ما روى من إسقاط المعوذتين من مصحفه على أنه اعتقد أنه لا يلزمه أن يكتب كل ما كان من القرآن، وإنما يكتب منه ما كان له فيه غرض، وكأنَّ المعوذتين لقصرهما وكثرة دورهما فى الصلاة والتعوَّذ بهما عند سائر الناس اشتهرت، فذلك اشتهار يستغنى معه عن إثبات ذلك فى المصحف.

стр. 1487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال القاضى: وقوله: " فعرفت فيه تحوُشَ القوم وهيأتهم " كذا رويناه بالشين، ولعل معناه: انقباضهم، والحواشى الذى يخالط الناس، وقد يحتمل أن يكون من الفطنة والذكاء يقال: رجل حوشى الفؤاد، أى حديده، وقد يكون معنى التحوش هنا: الاجتماع حوله يقال: احتوش القومُ فلاناً إذا جعلوه وسطهم.

стр. 1488

(٥١) باب الأوقات التى نهى عن الصلاة فيها ٢٨٥ - (٨٢٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطَلُعَ الشَّمْسُ. ٢٨٦ - (٨٢٦) وحدَّثنا دَاوُدُ بْنُ رشُيْدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، جَمِيعًا عَنْ هُشِيْمٍ، قَالَ دَاوُد: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو العَالِيَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَكَانَ ــ ونهيه ﵇ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وفى الرواية الأخرى حتى تشرق. قال الإمام: التنفل بعد الصبح وبعد العصر من غير سبب يقتضيه منهى عنه. واختلف العلماء فيما له سبب كتحية المسجد وشبهه، فمنعه مالك أخذاً بعموم هذا الحديث، وأجازه الشافعى تعلقاً بحديث أم سلمة فى صلاة النبى ﷺ بعد العصر الركعتين اللتين بعد الظهر لما شغل عنهما. قال القاضى: تقدم الكلام على هذا (١)، وإباحة داود النافلة لسبب ولغير سبب النهار كله، وفى الرواية الأخرى: " حتى تشرق " بيان أنه ليس المراد بالطلوع ظهور قرصها، وإنما هو ارتفاعها وإشراقها، ويبينه سائر الأحاديث الأخر، من نهيه عن التحرى بالصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، والنهى عن الصلاة إذا بدأ حاجب الشمس حتى تبرز، وفى ثلاث ساعات حتى تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وهذا كله عندنا وعند جمهور العلماء فى النوافل. وأما الفرائض فلا خلاف فى قضاء فرض يومه ومنسيته فى هذين الوقتين؛ ما لم تطلع الشمس أو تغرب، فإذا طلعت أو غربت فلا خلاف فى قضاء فرض يومه مع طلوعها وغروبها، إلا شىء روى عن أبى حنيفة أنه لا يقضى صلاة صبح يومه مع طلوعها، وأنها إن طلعت وقد عقد ركعة فسدت عليه، ولا يقوله فى الغروب، لجواز الصلاة بعد الغروب، والأحاديث الصحيحة ترد قوله، وقد تقدم فى حديث " من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح " (٢) الكلام على هذا.

стр. 1489

أَحَبَّهُمْ إِلَىَّ: أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. ٢٨٧ - (...) وَحَدَّثَنيه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ سَعِيدٍ وَهِشَامٍ: بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ. ٢٨٨ - (٨٢٧) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ؛ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِىُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِىَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ". ٢٨٩ - (٨٢٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّى عِنْدَ طُلُوَعِ الشَّمْسِ وَلا عِنْدَ غُرُوبِهَا ". ٢٩٠ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَحَرَّوا بِصَلاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَى شَيْطَانٍ ". ٢٩١ - (٨٢٩) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَابْنُ بِشْرٍ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَغِيبَ ". ــ وأما منسيات غير يومه، فجمهور العلماء على صلاتها حينئذ، إلا أبا حنيفة فلا يجيز قضاءها فى الأوقات المنهى عن الصلاة فيها، وحمل اللفظ على العموم.

стр. 1490

٢٩٢ - (٨٣٠) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الحَضْرَمِىِّ، عَنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِى تَمِيمٍ الجَيْشَانِىِّ، عَنْ أَبِى بَصْرَةَ الغِفَارِىِّ؛ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ العَصْرَ بِالمُخَمَّصِ، فَقَالَ: " إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ وَلا صَلاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ " - وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ. (...) وحدَّثنى زُهَيْرِ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الحَضْرَمِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّبَائِىِّ - وَكَانَ ثِقَةً - عَنْ أَبِى تَمِيمٍ الجَيْشَانِىِّ، عَنْ أَبِى بَصْرَةَ الغِفَارِىِّ؛ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ العَصْرَ، بِمِثْلِهِ. ٢٩٣ - (٨٣١) وحدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، عَنْ مُوسَى ابْنِ عُلَىٍّ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهْنِىَّ يَقُولُ: ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلَّىَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبر فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ. ــ وقوله: " وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس ": يريد حتى يقف الظلَّ، وهو للقائم بالظهيرة، ولا يظهر له زيادة ولا نقص، لأنه قد انتهى نقصه. وقد اختلف العلماء فى الصلاة للنوافل حينئذ على ما نذكره فى الحديث بعد هذا. وقوله: " حين تضيف للغروب حتى تغرب "، قال الإمام: قال أبو عبيد: معناه: إذا مالت للغروب، يقال منه: ضافت تضيف إذا مالت، وضفت فلاناً، أى (١) ملتُ إليه ونزلت به وأضفته [فأنا] (٢) أضيفه [إذا] (٣) أنزلته عليك وأملته إليك، والشىء مضاف إلى كذا، أى ممال إليه، والدعى مضاف إلى قوم ليس منهم، أى مسند إليهم. وأضفت ظهرى، أى أسندته، وضاف السهم عن الهدف وضَاف أيضاً (٤).

стр. 1491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله:" كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلى فيهن - يعنى فى هذه الثلاث ساعات - وأن نَقْبرُ فيهن موتانا ": يحتمل أن المراد بذلك الصلاة عليها حينئذ، ويحتمل أن يكون على ظاهره من الدفن لما كان الوقت ممنوعاً من العبادات للعلل المتقدمة، تجرى أيضاً أن لا يدفن حينئذ المسلم، وأن يكون دفنه فى غيرها من الأوقات. وقد اختلف العلماء فى الصلاة عليها حينئذ، وفى الأوقات المنهى عن الصلاة فيها، وفى الدفن، فأجاز الشافعى الصلاة عليها فى كل حين ودفنها فى كل حين، وجمهور العلماء على منع الصلاة عليها حينئذ، وعن مالك فى ذلك اختلاف سنذكره فى الجنائز إن شاء الله تعالى. وقوله فى صلاة العصر: " إن هذه الصلاة عُرِضتْ على من كان قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين " يحتج به من يراها الصلاة الوسطى.

стр. 1492

(٥٢) باب إسلام عمرو بن عبسة ٢٩٤ - (٨٣٢) حدَّثنى أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ المَعْقِرِىُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَبُو عَمَّارٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ: - قَالَ عِكْرِمَةُ: وَلَقِىَ شَدَّادُ أَبَا أُمَامَةَ وَوَاثِلَةَ. وَصَحِبَ أَنَساً إِلى الشَّامِ. وَأَثْنى عَلَيْهِ فَضْلاً وَخَيْرًا - عَنْ أَبِى أُمَامَة قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِىُّ: كُنْتُ، وَأَنَا فِى الجَاهِلِيَّة، أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَىْءٍ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِى، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُسْتَخْفِيًا، جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: " أَنَا نَبِىٌّ ". فَقُلْتُ: وَمَا نَبِىٌّ؟ قَالَ: " أَرْسَلَنِىَ اللهُ ". فَقُلْتُ: وَبِأَىِّ شَىْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: " أَرْسَلَنِى بِصَلَةِ الأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَىْءٌ ". قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: " حُرٌّ وَعَبْدٌ ". قَالَ: وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ فَقُلْتُ: إِنِّى مُتَّبِعُكَ. قَالَ: " إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا، أَلا تَرَى حَالِى وَحَالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِى قَدْ ظَهَرْتُ فَأتِنِى ". قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِى، وَقَدِمَ رسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، وَكُنْتُ فِى أَهْلِى، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الأَخْبَارَ، وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى نَفَرٌ مِنْ أَهلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِى قَدِمَ المَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرِاعٌ، وَقَدْ ــ قال القاضى: وقوله فى حديث عمرو بن عبسة (١) حين جاءه للإسلام: " ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت أنى ظهرت فأتنى ": ليس معناه أنه رده دون إسلام، وإنما ردَّه عن صحبته واتباعه؛ لأنه كان فى أول الإسلام وقبل قوته، وقد ذكر أنه لم يكن معه على الإسلام حينئذ إلا حرٌّ وعبد، فخاف عليه لغربته أن تهلكه قريش أو تفتنه. وقد تقدم ما فى ذكر حديثه (٢) على معرفة الأوقات فى موضعها.

стр. 1493

أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَعْرِفُنِى؟ قَالَ: " نَعَمْ، أَنْتَ الَّذِى لَقِيتَنِى بِمَكَّةَ؟ ". قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى، فَقُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللهِ، أَخْبِرْنِى عَمَّا عَلَّمَكَ اللهُ وَأَجْهَلُهُ، أَخْبرْنِى عَنِ الصَّلاةِ؟ قَالَ: " صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى ــ وقوله: " وإنها تطلع حين تطلع بين قرنى شيطان "، قال الإمام: اختلف الناس فى المراد بقرنى الشيطان هاهنا، فقيل: حزبه وأتباعه، وقيل: قوته وطاقته، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِين﴾ (١): أى مطيقين، وقيل: إن ذلك استعارةً وكناية عن إضراره، لما كانت ذوات القرون تسلط بقرونها على الأذى استعير للشيطان ذلك، وقيل: القرنان: جانبا الرأس، فهو على ظاهره. قال القاضى: تقدم من هذا أول الكتاب فى حديث الفتنة بالشرق وبها يطلع قرن الشيطان، وأول كتاب الصلاة فى الأوقات، وتقدم الكلام هناك على ما فيه من الأوقات وفى الوضوء على ما فسر من تكفيره للذنوب. وجاء هنا: " خرت خطاياه " بالخاء، أى سقطت وزالت عنه، كذا لجميعهم فى هذا الحرف حيث تكرر، وعند ابن أبى جعفر " جرت " بالجيم فى الأول " ويخرج "، معناه: أى مع الماء، كما فى الحديث الآخر: " خرجت خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء " (٢). وقوله هاهنا فى الحديث: " فإنها تطلع بين قرنى شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار ": يدل على صحة تأويل من جعله على ظاهره، وأن الشيطان يفعل ذلك ويتطاول لها - كما تقدم - ليخادع نفسه أن السجود له، أو على تأويل من تأول أنهم أتباع الشيطان وعُبَّاد الشمس. وقوله: " حتى تَسْتَقِلَّ (٣) الظلَّ بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة " وقوله: " فإن حينئذ تسجر جهنم "، قال الإمام: قيل فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُور﴾ (٤) قيل: إنه المملوء وقيل الموقد (٥).

стр. 1494

يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الفَىْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّى العَصرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكُفَّارُ ". قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللهِ فَالوُضُوءَ؟ حَدِّثْنِى عَنْهُ. قَالَ: " مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأسَهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا رَأسِهِ مِنْ أَطرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمِيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحِمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَحَّدَهُ بِالَّذِى هُو لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَغَّ قَلْبَهُ للهِ، إِلا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ". فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا ــ قال القاضى: وقيل فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَت﴾ (١) نحو هذا، صارت ناراً كما يسجر التنور (٢)، وقيل: فاضت (٣)، وقيل: خلطت (٤)، وقيل: لا يبعد أن يكون هذا كله أن تخلط وتفيض وتصير نارًا. ومعنى قوله: " حتى تستقل الظل بالرمح " أن يكون ظله قليلاً، كأنه قال: حتى قلَّ ظلُّ الرمح والباء زائدة، جاءت لتحسين الكلام، كما قالوا فى قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْم﴾ (٥) ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم﴾ (٦)، وقد رواه أبى داود: " حتى يعدل الرمح ظله " (٧). قال الخطابى: هذا إذا قامت الشمس وتناهى قصر الظل (٨).

стр. 1495

الحدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ، انْظُرْ مَا تَقُولُ، فِى مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَةَ، لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّى، ــ قال القاضى: ما أدرى موافقة هذا لى " يعدل "، ولعل معنى " يعدل " هنا يكون مثله، فى أن الظل حينئذ لا يزيد كما لا يزيد الرمح فى طولها، ويكون " يعدل " بمعنى يصرف، كأنه الرمح صرفه ظله عن النقصان إلى الزيادة، ومن الليل إلى المغرب إلى الرجوع إلى المشرق، وأضاف ذلك إلى الرمح لما كان من سببه، وهذا وقت وقوف الشمس، وقد سمعناه على الخشنى من رواية الهوزنى " حتى يستقيل ظل الرمح (١) وهذا له عندى وجه بين، أى يقيم ولا تظهر زيادته، والمقيل: المقام وقت القائلة، معنى هذا معنى قولهم: وقف الظل، ووقفت الشمس. وفيه حجة لمن منع الصلاة حينئذ كما منعها طرفى النهار (٢). وقد اختلف العلماء فى ذلك فمذهب مالك وجمهور العلماء جواز الصلاة حينئذ، وحجتهم عمل المسلمين فى جميع الأقطار فى التنفل إلى صعود الإمام يوم الجمعة المنبر بعد الزوال، وذهب أهل الرأى إلى منع الصلاة حينئذ لنهيه فى هذا الحديث من الصلاة حينئذ، ولقوله فى الحديث الآخر: " حين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس " وقد وقع لمالك التوقف فى المسألة، وقال: لا أنهى عنه للذى أدركت الناس عليه ولا أحبه للنهى عنه، وتأول المبيحون الحديث أن يكون منسوخاً بإجماع عمل المسلمين، أو يكون المراد به الفريضة، ويكون موافقاً لقوله: " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم " (٣) ولتعليله هذا " بأن جهنم تُسجَّرُ حينئذ " وزاد فى غير مسلم: " وتفتح أبوابها " (٤) وهذا

стр. 1496

وَرَقَّ عَظْمِى، وَاقْتَرَبَ أَجَلِى، وَمَا بِى حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَلا عَلَى رَسُولِ اللهِ، لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا - حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ - مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا، وَلَكِنِّى سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. ــ من معنى " فيح جهنم "، لكن يرد هذا التأويل قوله بعده: " فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت "، فدل أنه لم يرد الإبراد بالفريضة، وأن المراد النافلة إذا لم تجز صلاة الفريضة قبل أن تزيغ الشمس.

стр. 1497

(٥٣) باب لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ٢٩٥ - (٨٣٣) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: وَهِمَ عُمَرُ، إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ وَغُرُوبُهَا. ٢٩٦ - (...) وحدَّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَدَعْ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ. قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلا غُرُوبَهَا، فَتُصَلُّوا عِنْدَ ذَلِكَ ". ــ وقول عائشة: " وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها " مما يحتج به داود، وإنما قالت ذلك عائشة لما روته من صلاة النبى ﷺ الركعتين بعد العصر، وقد أخبرت بعلة ذلك وردت الأمر أيضاً فيها إلى أم سلمة، وهى التى سألته عن القصة. والعلة فى صلاتها وما قاله عمر ورواه من ذلك قد رواه أبو هريرة وأبو سعيد الخدرى وغير واحد من أصحاب النبى ﷺ . كما قال ابن عباس فى الأم: منهم عمر، وكان أحبهم إلىَّ أن رسول الله ﷺ وذكر الحديث. وعند الطبرى: " وكان أحبَّهم إلىَّ رسول الله ﷺ " والأول الصواب، والله أعلم. ووقع فى بعض نسخ مسلم: " وَهِم عمرو " وهو وهمٌ، وإنما وقع الوهم لأن حديث عائشة جاء فى الكتاب بإثر حديث عمرو بن عبسة، فظن الظانُّ أنه المراد. قوله: " إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروها حتى تغيب " (١): مما يحتج به أبو حنيفة لعمومه واختصاصه ذلك الوقت حاجب الشمس أول ما يبدوا منها، وهذا الصحيح. وقيل: قرنها: أعلاها، وحواجبها: نواصيها.

стр. 1498

(٥٤) باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليها النبى ﷺ بعد العصر ٢٩٧ - (٨٣٤) حدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالُوا: اقْرَأ ﵍ مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ. وَقُلْ: إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَدْ بَلَغنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْهُمَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكُنْتُ أَضْرِبُ مَعَ عُمَرَ بْنُ الخَطَّابِ النَّاسَ عَلَيْهَا. قَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا وَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِى بِهِ. فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهُمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِى إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِى بِهِ إِلَى عَائِشَةَ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، أَمَّا حِينَ صَلاهُمَا فَإِنَّهُ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ وَعِنْدِى نِسْوَةٌ مِنْ بَنِى حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ. فَصَلاهُمَا، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ فَقُلْتُ: قُومِى بِجَنْبِهِ فَقُولِى لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: ــ وحديث عائشة فى صلاة النبى ﷺ الركعتين بعد العصر، وأنها كانت تصليهما، وقولها: " ما تركها رسول الله ﷺ عندى "، وأن " عمر كان يضرب النَّاسَ على صلاتهم حينئذ " إنما فعل ذلك عمرُ لما سمع من نهى النَّبىِّ ﷺ عنها، وفى رواية السمرقندى عن ابن عباس: " كنت أصْرِف مع عمر الناس عليها " مكان " أضرب " وضرب عمر الناس عليها معلومٌ مأثور فى الموطأ، وغيره (١)، وقد جاء بعد أنه يضرب الأيدى عليها، فلعل معنى ضرب الأيدى المنع، فيكون بمعنى أصرف، لكنه قد جاء مبيناً فى غير حديث ضرب عمر بالدرة عليها، وقد أخبرت عائشة وأم سلمة بعد ذلك، وأنه شغل عن الركعتين بعد الظهر فقضاهما، وقالت عائشة: " وكان إذا صلى الصلاة أثبتها " أى داوم عليها قال الخطابى: وقد قيل: إن هذا كان مخصوصاً بالنبى ﷺ ، وقد قدمنا اختلاف الأصوليين فيما أمر به غيره ونهاه عنه، هل يدخل هو فى ذلك أم لا؟ وفى حديث أم سلمة حجة على من يرى أنه لا راتبة للعصر، وقد قدمنا الخلاف فيه لقضائه

стр. 1499

يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى أَسْمَعُكَ تَنْهَى عَن هَاتَينِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ فَإِن أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأخِرِى عَنْهُ. قَالَ: فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " يَا بِنْتَ أَبِى أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، إِنَّهُ أَتَانِى نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ بِالإِسْلامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِى عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ ". ٢٩٨ - (٨٣٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - أَخْبَرَنِى مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ أَبِى حَرْمَلَةَ - قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ ــ ركعتى الظهر، [لأنه شغل عنها ولم يقض راتبة العصر] (١)، فدل على اتصال شغله حتى صلى العصر. وقد قيل: إن عمر إنما ضرب الناس عليها حماية لئلا تمتد بهم الصلاة إلى الوقت المحظور، وقد جاء عنه مبيناً فى حديث مع زيد بن خالد. وقوله: " لولا أنى أخشى أن يتخذهما الناس سلماً إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما " (٢) وصرف عائشة أن لها عن ذلك إلى أم سلمة. قيل: لما كان عند أم سلمة من علَّةِ صلاته لها، وأنها قضاء ركعتى الظهر، وإن كانت النوافل لا يلزم قضاؤها إذا فات وقتها، لكنه ﵇ كان كما قالت عائشة: " كان إذا صلى صلاة أثبتها "، واستدل بعضهم بفعل عائشة إلى رفع العلم للأعلم والأثبت، لرد عائشة الجواب لأم سلمة، لما علمته من ذلك، وقد ذكر مسلم عن عائشة تعليل ذلك بهذا، فلعلها سمعته من أم سلمة إذا كانت المعنية بالمسألة، والسائلة النبى ﷺ عنها. لكن فى حديث عائشة أنها [قالت] (٣):

стр. 1500

العَصْرِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ العَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلاهُمَا بَعْدَ العَصْرِ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَثْبَتَهَا. قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: تَعْنِى دَاوَمَ عَلَيْهَا. ٢٩٩ - (...) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدِى قَطُّ. ٣٠٠ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَلِىُّ ابْنُ حُجْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِىُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: صَلاتَانِ مَا تَرَكَهُمَا رَسُولُ اللهِ فِى بَيْتِى قَطُّ، سِرًا وَلا عَلانِيَةً، رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ. ٣٠١ - (...) وحدَّثنا ابْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ، قَالا: نَشْهَدُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا كَانَ يَوْمُهُ الَّذِى كَانَ يَكُونُ عِنْدِى إِلا صَلاهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى بَيْتِى - تَعْنِى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدِ العَصْرِ. ــ " قضى ركعتين كان يصليها قبل العصر "، وظاهره خلاف ما تقدم وأنها راتبة العصر، وقد يجمع بينهما أنهما ركعتا الظهر؛ لأنهما إنما يصليان قبل العصر لئلا تختلف الأحاديث، لكن فى حديث عائشة زيادة فائدة بقولها: " ثم أثبتها، وكان إذا صلى صلاة أثبتها ". فجاء هذا مطابقاً لقولها فى الحديث الآخر: " ما تركهما فى بيتى قط " أى بعد قصة أم سلمة. وهذا أولى من قول من قال: كان فعله ذاك عندها سراً، فلذلك لم تخبر به السائل، وإحالته على أم سلمة، وكيف يصح هذا وقد أخبرت به غير واحد، وقالت فى رواية الأسود: " ما تركتهما فى بيتى قط، سراً و [لا] (١) علانية ".

стр. 1501

(٥٥) باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب ٣٠٢ - (٨٣٦) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ العَصْرِ؟ فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الأَيْدِى عَلَى صَلاةٍ بَعْدَ العَصْرِ، وَكُنَّا نُصَلِّى عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قَبْلَ صَلاةِ المَغْرِبِ. فَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَمْ يَأمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. ٣٠٣ - (٨٣٧) وحدَّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِصَلاةِ المَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِىَ، فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الغَرِيبَ لَيَدْخُلُ المَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلاةَ قَدْ صُلِّيَتْ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا. ــ وقوله: " كنا نصلى على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب " وذكر أن النبى ﷺ كان يراهم يصلونها فلم يأمر ولم ينه، وأنهم كانوا إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السوارى - أى بين الأذان والإقامة - لأنهما إعلامان، وقيل: بل يحتمل أحد الإسمين على الآخر، كما قالوا: العمران. وهذا مما اختلف فيه السلف، فروى عن جماعة من الصحابة والتابعين فعله، وإليه ذهب أحمد وإسحاق، وحجتهم هذه الأحاديث، وروى عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وجماعة من الصحابة، أنهم كانوا لا يصلونهما، وهو قول مالك والشافعى، قال النخعى: هى بدعة، قال ابن أبى صفرة: وصلاتها كان أول الإسلام ليتبين خروج الوقت المنهى عن الصلاة فيه بمغيب الشمس، ثم التزم الناس المبادرة لفريضة المغرب لئلا يتباطأ الناس بالصلاة عن وقتها الفاضل. وقد يقال: لأن وقتها واحد على أكثر أقوال العلماء. ولا خلاف بينهم فى المبادرة لها وصلاتها لأول وقتها، والاشتغال بغيرها مخالف لهذا ومسبب للتوانى فى ذلك.

стр. 1502

(٥٦) باب بين كل أذانين صلاة (١) ٣٠٤ - (٨٣٨) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَوَكِيعٌ، عَنْ كَهْمَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِىِّ؛ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ " قَالَهَا ثَلاثًا. قَالَ فِى الثَّالِثَةِ: " لِمَنْ شَاءَ ". (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنِ الجُرَيْرِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَهُ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: فِى الرَّابِعَةِ: " لِمَنْ شَاءَ ". ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1503

١٧٠ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو المُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللهُ ﵎ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى، هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَه، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ ". ١٧١ - (...) حدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ أَبُو المُوَرِّعِ، حَدَّثَنَا سَعْدُ ابْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ مَرْجَانَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " يَنْزِلُ اللهُ فِى السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، أَوْ يَسْأَلُنِى فَأَعْطِيَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلا ظَلُومٍ ". قَالَ مُسْلِمٌ: ابْنُ مَرْجَانَةَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. وَمَرْجَانَةُ أُمُّهُ. (...) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: " ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ ﵎ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ وَلا ظَلُومٍ ". ١٧٢ - (...) حدّثنا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ - ــ أخرجه النسائى (١) فهذا مفسر لأحد التأويلين، وهو من معنى المروى عن مالك فى تفسير هذا الحديث: ينزل أمره ورحمته، وعلى التأويل الآخر قول الأوزاعى فيه: يفعل الله ما يشاء. وإليه الإشارة فى الحديث نفسه بقوله: " ثم يبسط يديه " عبارة عن نشر رحمته وإستعارة بكثرة عطائه وإجابته وإسباغ نعمته، ولا يعترض على هذا بأن أمره ونهيه وأفعاله فى كل حين لا يختص بوقت دون وقت فقد يكون المراد بالأمر هنا فى هذه القضية يختص لقائم الليل، كما يختص رمضان ويوم عرفة وليلة القدر وليلة نصف شعبان - وغيرها من الأوقات بأوامر من أوامره، وقضايا من قضاياه لا تكون فى سائر الأوقات، كما جاء فى كتاب الله وحديث نبيه ﵇. وقيل يكون النزول بمعنى القول كقوله: ﴿سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (٢)، وبمعنى الإقبال على النبى، فيكون النزول إظهار ذلك وتبليغه إلى أهل السماء الدنيا، أو بإقباله على عباده المؤمنين كما فى الحديث، وذلك من أفعاله كما

стр. 1504

أَصْحَابِهِمْ، مُقْبِلِينَ عَلَى العَدُوِّ، وَجَاءَ أُوَلَئِكَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِىُّ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِىُّ ﷺ ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلاءِ رَكْعَةً، وَهَؤُلاءِ رَكعَةً. (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى الخَوْفِ وَيَقُولُ: صَلَّيْتُهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِهَذَا المَعْنَى. ــ برواية ابن عمر، وأخذ أبو حنيفة برواية جابر، ولا معنى للأخذ بها إلا إذا كان العدو فى القبلة؛ لأن فيها أن النبى ﷺ صفَّ بهم صفين والعدو بينهم وبين القبلة، فذكر كون العدو فى القبلة، ولو كان فى دبرها لكانت الصلاة على هذه الهيئة تعرضاً للتلف وركوباً للخطر، وأما رواية صالح التى أخذ بها مالك، ورواية ابن عمر التى أخذ بها الشافعى، فإن لكل واحدة منهما ترجيحاً على صاحبتها. أما رواية ابن عمر - رضى الله عنهما - فإن فيها إثبات قضاء المأموم بعد فراغ الإمام على ما أصلته الشريعة فى سائر الصلوات، ورواية صالح فيها القضاء والإمام فى الصلاة، وهذا خلاف الأصول. وأما رواية صالح فإن فيها من الترجيح أيضاً قلة العمل فى الصلاة، ورواية ابن عمر تضمنت انصراف المأموم وهو فى الصلاة، ومشيه وتصرفه وهو يصلى، وذلك خلاف الأصول. وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن الإمام يصلى ركعتين وتصلى كل طائفة ركعة لا أكثر، يحتج له بما فى كتاب مسلم أن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ فى الحضر أربعاً وفى السفر ركعتين وفى الخوف ركعة " ولأن الشرع قد ورد بأن المسافر ردت صلاته إلى الشطر من صلاة المقيم لمشقة السفر، وترد صلاة الخائف على الشطر [أيضاً] (١) من صلاة الآمن، لمشقة الخوف. وخرج مسلم فى بعض طرقه عن جابر أن النبى ﷺ " صلى أربع ركعات بكل طائفة ركعتين وكانت للنبى ﷺ أربع ركعات بكل طائفة ركعتان "، وهذا يظهر وجهه على القول بأن المفترض تصح صلاته خلف المتنفل، ولكن إنما يفترض على هذه الطريقة لأنه لم يسلم من الفرض حتى دخل النافلة، ويحتمل أن يكون ﷺ لم يقصد بالثنتين الآخرتين التنفل ولكنه كان مخيراً بين القصر والإتمام فى السفر، كما يقول بعض العلماء، فاختار الإتمام واختار لمن خلفه القصر. ولكن يُنْظَر هاهنا فى اختلاف نية الإمام والمأموم فى العدد، وهذا يفتقر إلى بسط، وأما ظاهر القرآن فقد يتأوله صاحب كل مقالة على رأيه، فيقول إسحاق: قال الله تعالى:

стр. 1505

٣٠٦ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ فِى بَعْضَ أَيَّامِهِ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآخَرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَةً. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَلِّ رَاكِبًا، أَوْ قَائِمًا، تُومِئُ إِيمَاءً. ــ ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُم﴾ (١)، ولم يطلبهم بزيادة على هذه الركعة فاقتضى ذلك كونها جملة فرضهم، وتأوَّلها مالك على أن المراد به فإذا سجدوا فى الركعة [الباقية عليهم وفرغت صلاتهم فليكونوا من ورائكم، ويرى أن المراد بسجودهم فى الركعة الثانية] (٢) لا فى الأولى، ويرى الشافعى وأشهب أن المراد بقوله تعالى: فإذا سجدوا الركعة الأولى، ولكن يكونون (٣) من ورائنا [وهم] (٤) فى الصلاة؛ لأنه لم يذكر أنهم من ورائنا مصلين أو غير مصلين، ويرى أبو حنيفة أن يكونوا " من ورائنا ": بمعنى يتأخرون إلى مكان الصف الثانى، ويتقدم الثانى ليسجدوا الثانية مع الإمام، وبعض هذه التأويلات أسعد بظاهر القرآن من بعض وبسط ذلك يطول (٥). قال القاضى: وذكر مسلم فى الأم فى صلاة الخوف أربعة أحاديث، هى التى أشار إليها الإمام أبو عبد الله ﵀: أولها: حديث ابن عمر: " أن النبى ﷺ صلّى بإحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة العدو، - ثم انصرفوا وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو "، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ثم سلَّم فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة " وبهذا أخذ الأوزاعى وأشهب من أصحابنا وحكاه فى المعلم عن الشافعى. واختلف فى تأويله، فقيل: قضوا معاً، وهو تأويل ابن حبيب، وعليه حمل قول أشهب، وقيل: قضوا متفرقين، مثل حديث ابن مسعود، وهو المنصوص لأشهب. وذكر حديث ابن أبى حثمة بنحوه، إلا أن فيه: " أن النبى ﷺ صلى بالطائفة الأولى ركعة ثم ثبت قائماً فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفَّوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة

стр. 1506

٣٠٧ - (٨٤٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ. فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِىُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّف المؤَخَّرُ فِى نَحْرِ العَدُوِّ. فَلَمَّا قَضَى ــ الأخرى فصلى بهم ركعة، ثم ثبت جالساً حتى أتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم "، وبهذا أخذ مالك والشافعى وأبو ثور وذكر عنه من طريق آخر " أنه صفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلم " زاد فى كتاب أبى داود (١): " بهم جميعاً "، وترجم عليه أن هذه الأولى إذا صلت ركعة (٢) أو تقدمت لم يسلم. وذكر حديث عطاء وأبى الزبير عن جابر أن النبى ﷺ صفهم صفين خلفه، والعدو بينهم وبين القبلة، وذكر أنه (٣) صلى جميعهم بصلاته، حتى إذا سجد سجد معه الصف الذى يليه، وقام المؤخر فى نحو العدو، فلما قضى السجود سجد الصف المؤخر وقاموا، ثم تقدموا وتأخر المقدم، وذكر فى عملهم فى الركعة الثانية كما ذكر فى الأولى، ونحوه حديث ابن عباس، إلا أنه [بقول]، (٤): ليس فيه [ذكر] (٥)، تقدم الصف الثانى فى الركعة الثانية وتأخر الأول، وبهذا قال ابن أبى ليلى وأبو يوسف، إذا كان العدو فى القبلة، وروى عن الشافعى أيضاً مثله، واختاره بعض أصحابنا وأصحابه، إلا أن فى رواية عطاء عن جابر: " صفَّهم صفين خلفه " وليس للفظة صف هنا معنى كما جاءت ساقطة فى غيره، لأنهما جميعاً كانوا خلفه. وذكر - أيضاً - حديث أبى سلمة عن جابر، أنه صلى أربع ركعات بكل طائفة ركعتين، وهو اختيار الحسن، وذكر عن الشافعى، ورواه غير مسلم من طريق أبى بكرة وجابر وأنه سلم من كل ركعتين. وقال الطحاوى: إنما كان هذا أول الإسلام إذ كان يجوز أن تصلى الفريضة مرتين، ثم نسخ ذلك فهذه ستة وجوه فى صلاة الخوف، وفيها وجه سابع رواه ابن مسعود وأبو هريرة وهو الذى أخذ به أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف، وهو

стр. 1507

النَّبِىُّ ﷺ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُوَدِ، وَقَامُوا. ثُمَّ تَقَدَّمُ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّم. ثُمَّ رَكَعَ النَّبِىُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرّكُوع وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ــ نص قول أشهب من أصحابنا، خلاف ما تأول عليه ابن حبيب أن النبى ﵇ صلى بالطائفة التى وراءه ركعة ثم انصرفوا ولم يسلموا، فوقفوا بإزاء العدو وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ثم سلم، فقضى هؤلاء من ركعتهم ثم سلموا وذهبوا، فقاموا مقام أولئك، ورجع أولئك فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا. والفرق بين هذه الرواية ورواية ابن عمر أن ظاهر قضاء أولئك فى حديث ابن عمر فى حال واحدة، ويبقى الإمام حارساً لهم فيه وحده وهاهنا قضاؤهم متعرف على صفة صلاته، وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما فسر فى حديث ابن مسعود. وفيه وجه ثامن، ذكره أبو داود فى حديث ابن مسعود أنه ﵇ كبَّر فكبَّر معه الصفان جميعاً. وفيه أن الطائفة الثانية لما صلت معه ركعة وسلم رجعت إلى مقام أصحابها، وجاءت الطائفة الأولى فصلوا ركعة لأنفسهم فرجعوا إلى مقام أصحابهم، وأتم أولئك لأنفسهم ركعة. وفيه وجه تاسع ذكره أبو داود (١) من رواية أبى هريرة أنه قامت مع النبى ﷺ طائفة مقابل العدو، وظهورهم إلى القبلة، فكبر جميعهم ثم صلى بالذين معه ركعة والآخرون قيام، ثم قام وذهبت الطائفة التى معه إلى العدو وأقبلت تلك فصلى بهم ركعة، ثم أقبلت الطائفة الأولى فصلوا ركعة ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه، ثم سلم وسلموا جميعاً (٢). وفيها وجه عاشر من رواية عائشة أنه ﵇ كبر وكبرت معه الطائفة التى

стр. 1508

ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِى يَليهِ الَّذِى كَانَ مُؤَخَّرًا فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ فِى نُحُورِ العَدُوِّ. فَلَمَّاَ قَضَى النَّبِىُّ ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا. ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِىُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلاءِ بِأُمَرَائِهِمْ. ــ تليه وصلى بهم ركعة وسجدة وثبت جالساً، وسجدوا هم السجدة التى بقيت عليهم، ثم انصرفوا القَهْقَرَى [حتى] (١) قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى فكبَّروا ثم ركعوا - يعنى لأنفسهم - ثم سجد النبى ﷺ يعنى سجدته التى بقيت عليه من الركعة الأولى - فسجدوا معه، ثم قام النبى ﷺ وأتموا هم السجدة التى بقيت عليهم، ثم قامت الطائفتان فصلى بهم جميعاً ركعة كأسرع الإسراع. وفيه وجه حادى عشر جاء فى حديث ابن أبى حَثْمة من رواية صالح بن خوات بن جبير (٢)، أن الطائفة الأولى لما صلت ركعتها مع النبى ﷺ ثم صلت الركعة الأخرى لأنفسها سلَّمت ثم تقدمت، وجاء الأخرى (٣)، وهذا خلاف الحديث الآخر الذى ذكر فيه آخراً: " ثُمَّ سلم بهم جميعاً " (٤). وفيه وجه ثانى عشر من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم فى حديث ابن أبى حثمة: أن النبى ﵇ سلَّم عند تمام صلاته الركعة بالطائفة الثانية، وأتموا بعد سلامه، خلاف الروايات الأخر عن القاسم ويزيد بن رومان أنه انتظرهم حتى قضوا ثم سلَّم (٥)، وقد اختلف قول مالك فى الأخذ برواية القاسم أو رواية يزيد. وبرواية يحيى عن القاسم

стр. 1509

٣٠٨ - (...) حدَّثنا أَحَمْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ قَوْمًا مِنْ جُهَيْنَةَ، فَقَاتَلُونَا قِتَالاً شَدِيدًا، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ قَالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ مِلْنَا عَلَيْهِمْ مِيْلَةً لاقْتَطَعْنَاهُمْ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَلِكَ. فَذَكَرَ ــ أخذ أكثر أصحاب مالك لصحة [القياس] (١) أن القضاء يكون بعد سلام الإمام، وهو اختيار أبى ثور، واختار الشافعى الرواية الأخرى. وفيه وجه ثالث عشر، وهو الذى حكاه الإمام أبو عبد الله عن إسحاق قبل من صلاة الإمام لكل طائفة ركعة، فيكون له ركعتان ولهم ركعة ركعة، وتجزيهم. وذكر أبو داود من [رواية] (٢) حذيفة وأبى هريرة وابن عمر عنه ﵇ قال: " ولم يقضوا " (٣) ويعضده الحديث المتقدم فى القصر من قوله: " وصلاة الخوف ركعة "، وذهب أحمد بن حنبل والطبرى وإسحاق وبعض الشافعية إلى التخيير فى العمل [بهذه الأحاديث] (٤)، وتجويز الجميع منها، قالوا: ويجوز أن يكون ذلك فى مراتب على حسب شدة الخوف، إلا أن أحمد اختار حديث سهل بن أبى حثمة (٥) وقال إسحاق: كلها جائز، وذلك على قدر الخوف، وخيّر الثورى فيها بين ثلاثة أوجه [بين] (٦) العمل بحديث ابن مسعود، أو حديث حذيفة، أو حديث [ابن عباس] (٧)، وهو اختيارى على اضطراب من قول الثورى فى الباب (٨). قال الخطابى: صلاة الخوف أنواع، صلاها النبى ﷺ فى أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتوخى فى كلِّها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ فى الحراسة، وهى على

стр. 1510

ذَلِكَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: وَقَالُوا: إِنَّهُ سَتَأْتِيهِمْ صَلاة هِىَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَوْلادِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ العَصْرُ، قَالَ: صَفَّنَا صَفَّيْنِ. وَالمُشْرِكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القِبْلَةِ. قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ. فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِى، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الأَوَّلُ وَتقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِى، فَقَامُوا مَقَامَ الأَوَّلِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، وَقَامَ الثَّانِى، فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِى، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ــ اختلاف صورها [مؤتلفة فى المعانى] (١). وهذا يعنى حديث جابر وابن عباس هو الاختيار إذا كان العدو بينهم وبين القبلة (٢)، فإذا كان وراء القبلة صلى بهم صلاة يوم ذات الرقاع، يعنى على حديث سهل بن أبى حثمة (٣). قال القاضى: صلى النبى ﷺ صلاة الخوف فى مواطن كثيرة، ذكر ابن القصَّار أنه صلاها فى عشرة مواضع، وذكر غيره أنه صلاها أكثر من هذا العدد. ففى حديث ابن أبى حثمة وأبى هريرة وجابر صلاها فى يوم ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة، وفى حديث أبى عياش الزرقى أنه صلاها بعُسْفان ويوم بنى سُليم، وحديث جابر فى غزاة جهينة وفى غزوة بنى محارب بنخل، وروى أنه صلاها بغزوة نجد يوم ذات الرقاع، وهى غزوة نجد وغزوة غطفان، وقد ذكر بعضهم صلاته إياها ببطن نخل على باب المدينة، وعليها حمل بعضهم صلاته بكل طائفة ركعتين، لكن مسلماً قد ذكرها فى غزوة ذات الرقاع، وأيضاً فقد ذكر سلامه منها من كل ركعتين فى حديث أبى بكرَة وجابر [للدارقطنى] (٤)، وذكر من حديث أبى بكرة - أيضاً - أنه صلى المغرب بهم أثلاثاً (٥). وقوله فى حديث جابر من رواية أبى الزبير: " فى الركعة الثانية، ثم سجد وسجد [معه] (٦) الصف الأول يعنى المقدم الآن. وقوله: " وأقام معه الثانى، فلما سجد الصفَّ الثانى " يعنى المؤخر كما جاء مفسّراً
следующие страницы →