← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا، وَلمْ تَسْمَعْ فِى رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئًا. وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِىُّ، وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِى زَمَنِ النَّبِىِّ ﷺ رَجُلاً، وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، خَبَرَيْنِ. ــ " أعطاك الله ما احتسبت " أخرجه مسلم (١). وأما حديث أبى رافع عنه فهو أن النبى ﷺ كان يعتكف فى العشر الآخر فسافَر عاماً، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يوماً خرَّجه ابن أبى شيبة فى مسنده (٢). وقول مسلم: " هلم جرا " (٣) ليس موضعه لأنها أنما تستعمل فيما اتصل إلى زمان المتكلم بها، وإنما أراد بها مسلم فمن بعدهم من الصحابة. وذكر مسلم أن أبا عمرو الشيبانى وأبا معمر عبد الله بن سخبرة أسند كل واحد منهما عن أبى مسعود الأنصارى عن النبى ﷺ خبرين. أما خبر الشيبانى فأحدهما حديث: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: " إنه أُبدع بى " (٤). والآخر: جاء رجُل إلى النبى ﷺ بناقة مخطومة فقال: " لك بها يوم القيامة سبعمائة

стр. 177

وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ حَدِيثًا. وَعُبَيْدُ ابْنُ عُمَيْرٍ وُلِدَ فِى زَمَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِىِّ ﷺ عَن أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، ثَلاثَةَ أَخْبَارٍ. ــ [ناقة] (١) " انفرد بها مسلم فى صحيحه (٢). وأما حديثا (٣) أبى معمر فأحدهما: " كان النبى ﷺ يمسح مناكبنا فى الصلاة " خرجه مسلم (٤)، والآخر: " لا تجزى صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها فى الركوع " خرجه ابن أبى شيبة. قال مسلم: وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبى ﷺ حديثاً هو قولها: " لما مات أبو سلمة قلت: غريبةٌ فى أرض غربة لأبكينه بكاءً يتحدث به " خرَّجه مسلم (٥). قال [مسلم] (٦): " وأسند قيس بن أبى حازم عن أبى مسعود الأنصارى ثلاثة أخبار " هى حديث: " الإيمان ها هنا (٧) " وحديث: " إن الشمس والقمر لا يكسفان " وحديث:

стр. 178

وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبى ليْلى، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَصَحِبَ عَلِيًّا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، حَدِيثًا. وَأَسَنْدَ رِبْعِىُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ حَدِيثَيْنِ. وَعَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، حَدِيثًا. وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِىٌّ مِنْ عَلِى بْنِ أَبِى طَالِبٍ، وَرَوى عَنْهُ. ــ " لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوّل بنا فلان ... " (١) [أخرجها ثلاثتها] (٢) الإمامان. قال مسلم: " وأسند عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أنس بن مالك عن النبى ﷺ حديثاً " هو -حديث-: " أَمَرَ أبو طلحة أم سُليمٍ: اصنعى طعاماً للنبى ﷺ " خرَّجه مسلم (٣). قال: وأسند ربعى بن حراش عن عمران بن حُصين عن النبى ﷺ حديثين، أحدهما فى إسلام حُصين أبى عمران، والآخر قوله: " كان عبد المطلب خيراً لقومك منك "، ذكره ابن أبى شيبة. وذكر له عن أبى بكرة عن النبى ﷺ حديثًا هو: " إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما (٤) على جُرف جهنم " رواه مسلم، وأشار إليه البخارى فى الإيمان. قال: وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبى شريح الخزاعى عن النبى ﷺ حديثاً هو قوله: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره "، خرَّجه مسلم.

стр. 179

وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الخُزَاعِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، حَدِيثًا. وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِى عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، ثَلاثَةَ أَحَادِيثَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ــ قال: وأسند النعمان بن أبى عياش (١)، عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى ﷺ ثلاثة أحاديث، هى قوله ﷺ : " من صام يوماً فى سبيل الله باعد الله وجهه من النار سبعين خريفاً "، والثانى: " إِنَّ فى الجنة شجرةً يسير الراكب فى ظلها ... " خرَّجهما معاً الإمامان، والثالث: " إن أدنى أهل الجنة منزلةً من صرَف الله وجهه عن النار " الحديث خرجه مسلم (٢). قال: وأسند سليمان بن يسار (٣)، عن رافع بن خديج عن النبى ﷺ حديثاً، هو حديثه فى المحاقلة. خرجه مسلم (٤). قال: وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميرى (٥) عن أبى هريرة أحاديث ولم يعدها مسلم.

стр. 180

وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الليْثِىُّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ حَدِيثًا. وَأَسْنَدَ سُليْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، حَدِيثًا. ــ قال القاضى: منها فى هذا الكتاب: " أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم "، هذه جملة الأحاديث التى نبَّه عليها مسلم ولم يعينها، وقد نبهنا على أطرافها، ليتنبه بها من طالع شيئاً من علم الحديث، واشتغل به، وعرف الأحاديث على الجملة فيعلم بالطرف بقيَّة الحديث، وليهتدى بما ذكرناه من لا علم عنده وهو مذهب البخارى فيطلبها فى مظانها من هذه الكتب، وإنما اقتصرنا على ذكرها فى المواضع التى عليها من هذه الكتب، وإن كانت موجودة فيها وفى غيرها من التصانيف، لكن بأسانيد غير التى أشار إليها مسلم، وسيأتى الكلام على ما خرج منها مسلم فى مواضعه، إن شاء الله تعالى. ذكر مذهب مسلم فى كتابه فى أداء الحديث والفرق بين حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وذهب معظم الحجازيين والكوفيين إلى أن حدثنا وأخبرنا واحدٌ، وأن القراءة على الشيخ كالسماع من لفظه يجوز فى ذلك حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وهو قول مالك، والزهرى وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان، ومنصور، وأيوب، ومعمر، والحسن، وعطاء بن أبى رباح، واختُلف فيه على أبى حنيفة، وابن جُريج، والثورى، وهو مذهب البخارى وجماعة من المحدثين، والمحققين، وهو قول الحسن فى القراءة، وذكر مالك أنه مذهب متقدمى أئمة المدينة، وروى عن على وابن عباس: القراءة على العالم كقراءته عليك ولم يعِدَّها مسلم. وأجاز بعضهم فى القراءة: سمعت فلاناً، وهو قول الثورى، وروى عن مالك أن القراءة على العالم أحبُّ إليه من السماع منه؛ لأنه أثبت للراوى، وعلل ذلك بأن الشيخ قد يهم فلا يرد عليه إذ لا يُعلم وهمهُ، وقد يُعلم فَيُوَقَّر، ومثل هذا لا يُتَخَيَّل من الشيخ بحمل للقارئ، فهو يعلم ما أخطأ القارئ فيه من حديثه ويرده عليه، واحتج لذلك بقراءة الصكوك على من عليه الحق، وأن إقراره بذلك يلزمه (١).

стр. 181

وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، أَحَادِيثَ. فَكُلِّ هَؤُلاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا رِوَايَتهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ فِى رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا وَلا أَنَّهَم لَقُوهمْ فِى نَفْسِ خَبَرٍ بِعَيْنِهِ. وَهِىَ أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوِى المَعْرِفَةِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ، لا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا مِنْهَا شَيْئًا قَطٌّ. وَلا التَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. إِذِ السَّماعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، لِكَوْنِهِمْ جَمِيعاً كَانُوا فِى العَصْرِ الذِى اتَّفَقُوا فِيهِ. وَكَانَ هَذَا القَوْل الذِى أَحْدَثَهُ القَائِلُ الذِى حَكَيْنَاهُ فِى تَوْهِينِ الحَدِيثِ، بِالعِلةِ التِى وَصَفَ - أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَليْهِ وَيُثَارَ ذِكْرُهُ. إِذْ كَانَ قَوْلاً مُحْدَثاً وَكَلاماً خَلفاً لمْ يَقُلهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ سَلفَ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ. فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِى رَدِّهِ بِأَكْثَر مِمَّا شَرَحْنَا، إِذ كَانَ قَدْرُ المَقَالةِ وَقَائِلهَا القَدْرَ ــ وأبى جمهور أهل المشرق من إطلاق " حدَّثنا " فى القراءة على العالم، وأجازوا فيه " أخبرنا " ليفرقوا بين الموضعين، وسموا القراءة عرضاً، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى فى آخرين، إليه ذهب مسلم، وقالوا: إن أول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين ابن وهب (١) بمصر، وقالوا: لا يكون " حدثنا " إلا فى المشافهة من المخبر، وقال بعضهم: لا

стр. 182

الذِى وَصَفْنَاهُ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلى دَفْعِ مَا خَالفَ مَذْهَبَ العُلمَاءِ وَعَليْهِ التُّكْلانُ. ــ يقول " حدثنا " و " أخبرنا " إلا فيما سمع من الشيخ، وليقل: قرأتُ- وقرئ عليه وأنا أسمعُ، وإلى هذا نحوا [يحيى بن يحيى التميمى وابن المبارك وابن حنبل والنسائى وجماعة، وحكى عن إسحاق بن راهويه وغيره أنه اختار فى السماع] (١) والقراءة أخبرنا، وأنه أعمُّ من حدثنا (٢). وشرط بعض أهل الظاهر فى صحة الإخبار بالقراءة أن يقول القارئ للشيخ: هو كما قرأته عليك؟ فيقول: نعم، وأباه إذا سكت القارئ ولم يقرره هذا التقرير (٣). وقد جاء داخل " الأم " أشياء من هذا الباب فى حديث يحيى بن يحيى عن مالك وغيره (٤)، وإن كان قد روى عن مالك إنكارُ مثل هذا لمن سأله وقال له: ألم أُفَرغ لكم نفسى وسمعتُ عَرْضكم وأقمت سقطه وزلَله؟ وإلى ما ذهب إليه مالك من جواز الحديث بالقراءة دون التقرير ذهب الجمهور، ولم يختلفوا أنه يجوز أن يقول فيما سمع من لفظ الشيخ: حدثنا وأخبرنا وسمعت، وقال لنا وذكر لنا، واختار القاضى أبو بكر فى أمة من المحققين أن يفصل بين السماع والقراءة فيطلق فيما سمع: حدثنا، ويُقيّد فيما يقرأ: حدثنا وأخبرنا قراءة، أو قرأت عليه أو سمعت يقرأ عليه، ليزول إبهام اختلاط أنواع الأخذ، وتظهر نزاهة الراوى وتحفظه. وقد اصطلح متأخرو المحدثين على تفريق فى هذا، فقال الحاكم أبو عبد الله: الذى أختاره فى الرواية وعهدتُ عليه أكثر مشايخى وأئمة عصرى أن يقال: فيما يأخذه من المحدث لفظاً وحده: حدثنى، وإن كان معه غيره: حدثنا، وفيما قرأه عليه وحده: أخبرنى، وما قرئ عليه وهو حاضر: أخبرنا، وما عُرض عليه فأجازه له شفاهاً: أنبأنى، وما كتب به إليه ولم يشافهه: كتب إلى (٥)، وعن الأوزاعى نحو ما

стр. 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكره الحاكم، قال: فى السماع. حدثنا، وفى القراءة: أخبرنا، وفى الإجازة خبرنا، وفى رواية أخرى عنه: أنبأنا، وفرَّق بين حديثه وحده أو فى جماعة كما قال الحاكم، وقال الأوزاعى أيضاً: قل فى المناولة: قال فلان عن فلان ولا تقل: حدثنا. قال القاضى: وقد جوَّز قوم إطلاق حدَّثنا وأخبرنا فى الإجازة، وحكيت عن جماعة من السلف، وحكى الوليد بن بكر (١) فى كتاب " الوجازة " له أنه مذهب أهل المدينة وقال: شعبة مرة يقول: أنبأنا وروى عنه أيضاً: وأخبرنا، واختار أبو حاتم الرازى (٢) أن يقول فى الإجازة مشافهةً: " أجاز لى " وفيما كتب إليه: كتب إلى وذهب الخطابى (٣) إلى أن يقول فى الإجازة: أخبرنا فلان أن فلاناً حدثه، ليبين بهذا أنه إجازة، وذكر ابن خلاد (٤) القاضى فى كتابه " الفاصل " مثل هذا عن بعض أهل الظاهر قال: ولا يقل: إن فلاناً قال: حدثنا فلان، لأن هذا ينبئ عن السماع. وهذه كلها اصطلاحات لا يقوم على تحقيقها حجة، إلا من وجه الاستحسان والمواضعة بين أهل الصنعة لتميز أنواع الروايات (٥)، وقد رأيت الفقهاء والمتأخرين يقولون فى الإجازة: حدثنا فلانٌ إذناً، وفيما أذن لى فيه، وبعضهم يقول فيما كتب لى بخطه، لقيه

стр. 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو لم يلقه: حدثنا فيما كتبه لى، وحدثنا كتابةً ومن كتابه، وحدثنا فيما أطلق لى الحديث به (١)، والتمييز بين الإجازة وبين السماع أولى للخلاف فى صحتها والعمل بها، وهو الذى شاهدته من أهل التحرى فى الرواية ممن أخذنا عنه، فقد اختلف فى الإجازة والعمل بها دون قراءة ولا سماع ولا دفع كتاب، وتُنُوزع فيها، فالمشهور عن عامَّة الفقهاء والمحدثين جوازها، كالزهرى ومنصور بن المعتمد وأيوب السختيانى وسعيد بن الحجاج وربيعة وعبد العزيز بن الماجشون والأوزاعى والثورى وابن عيينة والليث، وأباها بعض أهل الظاهر وحكى ذلك عن الشافعى، وروى الوجهان عن مالك، والجواز عنه أشهر، وهو مذهب أصحابه من أهل الحديث وغيرهم، وظاهر رواية الكراهة عنه لمن لا يستحقها لا لنفسها (٢). وقال أحمد بن مُيَسَّر (٣) من أئمتنا: " الإجازة عندى خير من السماع الردىء ". واختلف من أجازها فى وجوب العمل بها، فالجمهور على وجوبه كالسماع والقراءة (٤)، وقال قوم من أهل الظاهر: لا يجب عمل بما رُوِىَ بها (٥)، والمناوَلةُ أقوى درجة منها، وهو الذى يسميه بعضهم العرض، وهو أن يُحضِر الشيخ بعض حديثه أو بعض كتبه أو يكون عند الطالب ويقول له: هذا سماعى من فلان فاحمله عنى أو أجزتُها لك، فيذهب

стр. 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بها ويرويها عنه، فأجازها معظم الأئمة والمحدثين، وهو مذهب يحيى بن سعيد الأنصارى (١)، وحيْوةَ (٢) بن شريح [الخزاعى] (٣) والزهرى (٤)، وهشام بن عروة (٥)، وابن جريج، ومالك بن أنس، وعبد الله العُمرى (٦)، والأوزاعى (٧) ..................

стр. 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [فى آخرين] (١)، وكافة أهل النقل والتحقيق لأن الثقة بكتابه مع إذنه أكثر من الثقة بالسماع (٢) وأثبت. واختلفوا، إذا قال له: هذا مسموعى وروايتى، ولم يقل له: اروه عنى، فمنع بعضهم الرواية [به] (٣)، كالشاهد إذا لم يُشْهد على شهادته وسُمع بذكرها، وأجازها بعضهم (٤)، وإليه ذهب بعض أهل الظاهر وطائفةٌ من أئمة المحدثين والنظار، وقاله القاضى ابن خَلادٍ، وهو مذهب ابن حبيب (٥) من أصحابنا، وهى التى بغى (٦) عليه

стр. 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من لا يعرف مذهبه، قال ابن خلادٍ: حتى لو قال له: هذه روايتى ولكن لا تروها عنى لم يلتفت إلى نهيه وكان له أن يرويها عنه كما لو سمع منه حديثاً ثم قال له: لا تروه عنى ولا أجيزه لك لم يضر ذلك روايته، والصواب: جواز هذا كله لأنه إخبار وشهادة على إقرار (١). قال القاضى: بخلاف الشهادة على الشهادة التى لا تصح إلا مع الإشهاد (٢) ويضر (٣) الرجوع عنها، ولا فرق فى التحقيق بين سماعه كتاباً عليه وقراءته أو دفعه إليه بخطه أو تصحيحه وقوله له: اروه عنى أو هذه روايتى (٤)، إذ كله إخبار بأنَّ ما سمع منه وما رأى عنده من حديثه يجوز له التحديث به عنه، وما مثل هذا الفصل إلا القراءة على الشيخ وهو ساكت -عند من لا يشترط التقرير- وهو كما قدمنا الصحيح، و [هو] (٥) مذهب الجمهور، وعلى هذا يأتى الحديث عن الكُتب المُوصَّى بها، فقد رُوى عن أيوب أنه قال لمحمد -يعنى ابن سيرين-: إِنَّ فُلاناً أوصى إلىَّ بكتُبِه، أفأحدّث بها عنه؟ قال: نعم، ثم قال لى بعد ذلك: لا آمُرُك ولا أنهاك. فهذا إن كان قد أعلمه أنها روايته فهو من هذا الباب، أو يكون فى معنى الوصيَّة إذنه بالحديث بها أو الإعلام بأنها من حديثه (٦)، وأما المناولة المجرَّدة من كتاب لم يحركه الشيخ عند الراوى ولا دفعه إليه حتى يحدّث منه أن ينقل نسخة منه -كما أحدثه بعض المتأخرين وتمالأ عليه الناس اليوم- فلا معنى له زائد على الإجازة -وإن كان بعض [الناس] (٧) والمشايخ قد ذهب إلى أنه متى عيَّن الكتاب أو سمَّاه فهو (٨) مناولة صحيحة، وذكر أنه لا يختلف فيها، وإنما الخلاف فى الإجازة المطلقة لغير شىء مُعَين. ولا فرق (٩) بين حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا وخبَّرنا ونبأنا فى اللغة وعُرْفِ الكلام لمن فرَّق،

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لكن تفريق القاضى ولَمتَّه لتنويع الرواية أنزه للمحدِّث (١) وأميز لمناحى (٢) روايته. وبالله التوفيق. واختلف بعدُ من أجاز الإجازة فى الإجازة للمجهول بشرط كقولك: أجزت لكل من قرأ علىَّ، أو من كان من طلبة العلم، أو من دخل بلد كذا من طلبة العلم، أو من شاء أن يروى عنى، وفى الإجازة للمعدوم كقولك لكل من يولد لفلان، أو لجميع قريش أو قيس أو أهل بغداد، أو [أهل] (٣) مصر، فلم يقع فيها للصدر الأول كلام، ووقع إجازتها لبعض من جاء من بعدهم من شيوخ المحدثين (٤). واختلف فيها متأخرو الفقهاء، فأجازها للمعدوم منهم جماعة، وإلى إجازتها ذهب أبو الفضل بن عُمْروس البغدادى (٥) من أئمتنا والقاضى الدامغانى من أصحاب أبى حنيفة (٦)، وذهب القاضى أبو الطيب الطبرى الشافعى (٧) إلى جوازها للمجهول الموجود كقوله: أجزت لأهل بلد كذا ولبنى هاشم، فتجوز لمن كان موجوداً ولم يجزها للمعدوم منهم ولا لمن يُولد بعد، ومنع ذلك كله القاضى أبو الحسن الماوردى وكذلك منع أبو الطيب تعلقَها بِشَرْطٍ كقوله: أجزت لمن شاء أن يُحدث عنى أو لمن شاء فلان، وأجازها ابن عمروس والدَامغانى، والمعروف من مذهب مشايخ المغاربة جواز هذا كله، وقد رأيته فى إجازات جماعة من متقدميهم ومتأخريهم، وممن أدركناه، وهو مذهب أبى بكر بن ثابت الحافظ [الخطيب] (٨) وغيره (٩)، ومنعوا كلهم الإجازة للمجهول المبهم جملة (١٠) كقوله: أجزت لبعض الناس، أو إجازة ما لم

стр. 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يصح له روايته عند الإجازة كقوله: أجزت له ما رويت وما أرويه. والكلام فى هذا الباب كثير يحتاج إلى بسط، وقد ذكرنا منه ما يحتاج إليه من له تَهَمُّمٌ بهذا الباب وعلمه، وبسطنا الكلام فى هذه الفصول فى كتاب الإلماع لمعرفة أصول الرواية والسماع، وأشرنا منه إلى نكت غريبة لعلك لا تجدها مجموعةً فى غير هذين الكتابين.

стр. 190

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - كتاب الإيمان (١) باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدَر الله وبيان الدليل على التبرّى ممن لا يؤمن بالقدر، وإغلاظ القول فى حقه قَالَ أَبُو الْحُسَينِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِىُّ ﵀: بِعَوْنِ اللهِ نَبْتَدِئُ، وَإِيَّاهُ نَسْتَكْفِى، وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلَّا بِاللهِ ﷻ . ١ - (٨) حَدَّثنى أَبُو خَيْثَمَةَ زُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ معاذ الْعَنْبَرِىُّ، وَهذَا حَدِيثُهُ: حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا كَهْمَسُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ؛ قَالَ: كَانَ أَوَّل مَنْ قَالَ فى الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِىُّ. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحِمْيَرِىُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَألنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هؤُلَاء فى الْقَدَرِ. فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِى، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِى سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلىَّ، فقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبلَنَا نَاسٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ ويَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ. وَذَكَر ــ قوله فى الحديث: " ظَهَرَ قِبلَنا ناسٌ يقرؤون القرآن وَيَتَقَفَّرُونَ العلم "، وفى رواية أخرى: " وَيَفْتَقِرُونَ العِلْمَ يزعُمون أن لا قَدَرَ، وأن الأَمْرَ أنُفٌ " (١). قال الإمام: يُقالُ: تَقفَّرْتُ الشىء: إذا قَفَوتُه، قال أبو عُبيد: يُقالُ: قفوتُه: إذا اتبعت أثرَه، واقتفوتُ الأثرَ: تَبعتُه، قال ابن السكيت: يقالُ: قَفَوْا أثرَه واقتفوا أثره (٢). قال القاضى: أكثر روايتنا عن شيوخنا فى هذا الحرف فى الأم: " يتقفرون " بتقديم القاف كما ذكر أولاً، وكذلك رويناه فى كتاب أبى داود من طريق ابن داسَة (٣)، ورويناه فى

стр. 191

. . . . . . . . . . . . . . . ــ الأمّ من بعض طُرق ابن ماهان: " يتفقرون " بتقديم الفاء، ورويناه من طريق ابن الأعرابى فى المُصنَّف: " يتقفَّون " بلا راء، وكلٌّ صحيح متقاربُ المعنى، وقد فسَّر الشارحون -الهروى والخطابى وغيرهما- الرواية الأولى بما حكاه الإمام، أى يطلبونه ويتبعُونَه، ومنه حديث شريح: " إنما اقتفر الأثر " (١) أى أتبعه. ومثله رواية من روَى: " يَتَقفَّونَ ". قال الهروى: قفوتُه وقفيتُه: اتبعت أثره، ومنه سموا القافة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم﴾ (٢)، وحكى ابن دريد فى الجمهرة: التقفير: جمعك الشىء، قفرته تقفيراً، فمعناه على هذا: تجمعونه، وأما من رواه: " يتفقرون " بتقديم الفاء فصحيح أيضاً، وهو عندى أشبه [ببساط] (٣) الحديث ونظم الكلام، ومراده أنهم يُخرجون غامِضه ويبحثون عن أسراره، ويفتحون مغلقه، ومنه قول عمر -وذكر امرأ القيس فقال-: افتقر عن معَان عُوْرٍ [أصَحَّ بَصَرٍ] (٤). قال الهروى: أى فتح عن معان غامضة، فلما كان هؤلاء القوم فى طلب العلم [وصحة] (٥) القرائح وتدقيق النظر بهذه الصفة، ثم قالوا تلك المقالة المبتدعة المستشنعَة استُعظِمت منهم، بخلاف لو سمعت من غيرهم من الجهلة، ألا تراه كيف وصفهم بما تقدَّم فَقال: يقرؤون القرآن ... وذكر من شأنهم (٦) ما ذكر؟! يُريد وصفَهم بالذكاء

стр. 192

من شَأنِهِمْ، وَأَنهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنْ الأَمْرَ أنفٌ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ ــ والجدّ فى طلب العلم وشبيه هذا، وقيل: " يتفقرونَ " أى يطلبون فِقَره وغرايبه. ورأيت بعضَهم قال فيه: " يتقعرون " بالعين، وفسَّره بأنهم يطلبون قعره، أى غامضه وخفيَّه، ومنه تقعَّر فى كلامه: إذا جاء بالغريب منه. وقوله: " الأمر أنف "، قال الإمام: قال الهروى: أى يستأنف استئنافًا من غير أن يسبق به سابق قضاء وتقدير، وإنما هو مقصور على اختياركَ ودخولك فيه، وأنف الشىء أوَّله، [وأنف السيل أوله وابتداؤه] (١)، قال امرؤ القيس: قد غدا يحملنى فى أنفه ... لاحق الصُّقْلَين محبوك مُمَرّ (٢) وفى الحديث: " لكل شىء أُنفةٌ، وأُنفةُ الصلاة التكبيرة الأولى " (٣). قوله: " أَنْفَةُ الشىء ": ابتداؤه (٤) [هكذا] (٥) الرواية، والصحيح أُنْفَة، وفى حديث أبى مسلم الخولانى (٦): " وضعها فى أُنفٍ من الكلاء "، يقول: يتتبَّعُ بها المواضع التى لم تُرْع قبل الوقت الذى دخلت فيه، وفى الحديث: " أنزلت علىَّ سورة

стр. 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آنفاً " (١) أى مستأنفاً، وقال تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ (٢) أى: ماذا قال الساعة؟ مأخوذ من استأنفت الشىء: إذا ابتدأته، وروضة أنف: لم تُرع (٣)، وكأس أنُف: ابتدئ الشُّرب منها ولم يُشْرَب بها قبل ذلك. قال الإمام: وأما قوله: " لا قدر " فلا تقول به المعتزلة على الإطلاق، وإنما يقولون: [إن] (٤) الشرَّ والمعاصى [تكون] (٥) بغير قدر الله تعالى، لكن من لم يتشرع من الفلاسفة ينفى القَدَرَ جُملة. قال القاضى: ذكر أصحاب المقالات أَنَّ ما حُكى فى الحديث هو مذهب القدريَّة، وحكى زرقان (٦) فى مقالاته التى (٧) شرحها أبو عثمان بن الحداد؛ أن منهم [من يقول] (٨): الاستطاعة قبل الفعل والعلم محدَث، قال: وهم القدرية المحض (٩)، وحكى أبو القاسم

стр. 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البلخى (١) فى مقالاته ومحمد بن زيد الواسطى عن طائفة من المعتزلة تسمى السَّكينَة مثله، قالا: وقد انقرضوا ولم يبق أحد منهم يُذكر. قالا: وهو قول قوم من الرافضة (٢) والجهميَّة (٣)، وذكروا حجتهم: أنَّه -تعالى- لو كان عالماً بتكذيبهم لكان فى إرسال الرسل إليهم عابثاً -تعالى الله عن قولهم. فهذا هو أصل القدرية كما ذكر فى الحديث. وقد حكى هذا القول أبو محمد بن أبى زيد فى ردّه على المعتزلى البغدادى، وأنهم يقولون: إن أفعال العباد لا يعلمها الله حتى تكون. وقد روى بعض أصحاب مالك من القرويين وغيرهم عنه فى تفسير مذهب القدرية مثله. وروى عنه ابن وهب أنه احتج على القدريَّة بقوله- ﵇: " الله أعلم بما كانوا عاملين " (٤) وقد احتج البخارى وغيره بذلك (٥). وهذا كله يُبَيّنُ أنه كان مذهبهم قديماً، وهكذا القدريَّة اليوم، والمعتزلة تأبى هذا وتنكره من مذهبهم، ولا شك أنه كان أصل مذهبهم كما ذكروا، وأخذوه من الفلاسفة الذين بنوا أكثر مذهبهم على منازعتهم فى الإلهيات ومأخذهم، ولم يقل به المعتزلة، إذا عَرفت عِظَم ما فيه. إذ كانت القدرية أولاً غير المعتزلة، وكان القدر هوى بذاته (٦) والاعتزال هوى بذاته. وفى أصلين مفترقين، ثم قالت المعتزلة بعد ذلك بالقدَرِ، ورجعت إليه وأطبقت طوائفها- على اختلافها- على القول به مع الاعتزال الذى أصله المنزلة بين المنزلتين (٧)، وسموا هذا بالعدل، ثم أخذوا مذهب الفلاسفة

стр. 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فى نفى الصفات (١)، وأطبقوا على نفيها فسمُّوا هذا أيضاً بالتوحيد ليزيلوا عنهم اسم البدعة والشرك والمجوسية التى وسمهم بها صاحب الشريعة نبينا محمد ﵇ (٢). وزعموا أن القدر المذموم هو ذلك، وبالحقيقة فالقدرية التى وسمهم ﵇ بما وسمهم، وأنهم مجوس هذه الأمة، هم معتزلة هذا الوقت، وقدريته؛ لأنهم جعلوا أفعال العباد بين فاعلين، وأن الخير من الله والشر من عبيده، فأدخلوا مع الله شركاء فى قدرته، وضاهوا المجوس والثنوية فى كفرهم، والقدرية الأولى داخلون فى هذه الرذيلة، زائدون عليهم بتلك الأشنوعة (٣).

стр. 196

أَنِّى بَرِىءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّى، والَّذِى يَحْلِفُ بهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤُمِنَ بَالْقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بياضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعر، لَا يُرَىَ عَلَيْهِ أَثَر السَّفَر، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِى عَنِ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، ــ قال الإمام: وأما [ما] (١) ذكر من تبرى (٢) ابن عمر منهم وقوله: " لا يقبل من أحدهم ما أنفق " (٣) فلعله فيمن ذكرنا من الفلاسفة، أو على جهة التكفير للقدرية -على أحد القولين فى تكفيرهم عندنا- إن كان أراد بهذا الكلام تكفير من ذكر. قال القاضى: قول ابن عمر: " لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر " يُصحح أن تبرى ابن عمر منهم لاعتقاده تكفيرهم (٤)، إذ لا يُحبط الأعمال عند أهل السنة شىء سوى الكفر، والقائل بذلك القول كافر بلا خلاف، وإنما الخلاف فى القدرية الآن (٥)، وقال الخطابى: فى تبرى ابن عمر منهم دليل على أن الخلاف إذا وقع فى أصول الدين وتعلق بالمعتقدات يوجب البراءة، بخلاف ما تعلق بأصول الأحكام وفروعها (٦). وقوله: فى هذا الحديث: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله "، وذكر الصلاة والصوم والحج والزكاة وقال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله

стр. 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى آخر ما ذكر " (١)، ففرَّق بين الإسلام والإيمان، وقال مثله فى حديث ضمام النجدى (٢)، ثم ذكر بعد هذا حديث وفد عبد القيس وفيه: " أتدرون ما الإيمان؟ " ففسَّره بما فسَّر به الإسلام فى الحديثين الأولين، فسَّر مجرد الإيمان الذى هو التصديق والذى محله القلب، وفسَّر الإسلام الذى هو العمل الظاهر من شهادة اللسان وأعمال البدن والذى بمجموعها يتم الإيمان والإسلام، إذ إقرار القلب وتصديقه دون نطق اللسان لا ينجى من النار، ولا يستحق صاحبه اسم الإيمان فى الشرع، وإذْ نُطْقُ (٣) اللسان دون إقرار القلب وتصديقه لا يغنى شيئاً، ولا يسمى صاحبه مؤمناً، وهو النفاق والزندقة، وإنما يستحق هذا الاسم من جمعهما، ثم تمام إيمانه وإسلامه بتمام أعمال الإيمان المذكورة فى الحديثين، والتزام قواعده وهو المراد (٤) بإطلاق اسم الإيمان على جميع ذلك فى حديث وفد عبد القيس (٥)، فقد أطلق الشرع على الأعمال اسم الإيمان، إذ هى منه، وبها يتم، ولكن حقيقته فى وضع اللغة: التصديق، وفى عرف الشرع: التصديق بالقلب واللسان، فإذا حصل هذا حصل الإيمان المنجى من الخلود فى النار، لكن كماله المنجى من دخولها رأساً بكمال خصال الإسلام، وبهذا المعنى جاءت زيادته ونقصانه على مذهب أهل السنة (٦)، ولهذه المعانى يأتى اسم الإيمان والإسلام فى الشرع مرة مفترقاً ومرة متفقاً، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٧) وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ إلى قوله:

стр. 198

إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: " أَنْ تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَن الإِحْسَانِ؟ قَالَ: " أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَن السَّاعَةِ؟ قَالَ: " مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَنْ أَمَارَتِهَا؟ قَالَ: " أَنْ تَلِدَ ــ ﴿الْمُسْلِمِين﴾ (١). وذلك أن الإيمان إذا كان بمعنى التصديق، والإسلام بمعنى الاستسلام، صح أن يكون الإسلام بالجوارح وأعمال الطاعات إيماناً وتصديقاً، وصح أن يكون الإقرار باللسان عن تصديق القلب استسلاماً، فأطلق اسم كل واحد منهما على الآخر، بخلاف إذا اختلفا ففارق الباطن الظاهر، والنطقُ والعملُ العقدَ والنية، فيسمى الظاهر إسلاماً، ولا يسمى إيماناً، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢). وقوله: " ما الإحسان " وفسَّره فى الحديث بما معناه الإخلاص ومراقبة الله فى السر والإعلان (٣). وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم

стр. 199

الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ، الْعَالَةَ، رِعاءَ الشَّاءَ، يَتَطَاولُونَ فِى الْبُنْيَانِ ". قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ. فَلَبِثْتُ مَلِيا. ثُمَّ قَالَ لِى: " يَا عُمَرُ، أَتَدْرِى مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ". ــ الشريعة كلها راجعةٌ إليه، ومتشعبة منه. على هذا الحديث وأقسامه الثلاث ألفنا كتابنا الذى سميناه بـ " المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان " (١)، إذ لا يشذ شىء من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاث. وقوله فى الحديث: " وأن تَلِدَ الأمةُ ربَّتَها "، وفى موضع آخر: " ربَّها "، قال الإمام: أى مولاتها، قيل: معناه: أن يكثر أَولاد (٢) السرارى حتى تكون الأمُّ كأنها أمةٌ لابنتها (٣)، لما كانت ملكاً لأبيها، وقيل: يحمل على أنه يكثر بيع أمهات الأولاد فى آخر الزمان، حتى يملك المشترى أُمّه وهو لا يعلم، لكثرة تداول الأملاك لها. وفى بعض طرق الحديث: " تلد الأمة بعلها " وهو من هذا المعنى؛ لأنه إذا كثر بيعهُن قد يقع الإنسانُ فى تزويج أمِّهِ وهو لا يعلم. قالَ القاضى: أما قوله: " تلد الأمةُ ربَّها - أو ربَّتها ": فقيل فيه ما ذكره (٤)، وبيانهُ أن الرجُل الحسيب إذا أولد أمةً كان ابنُها منه بمنزلة ابنه (٥) من مولاتها، وقيل: المراد به فُشوُّ العقوق، وأن يكون الولد فى الصَّوْل على أُمّه وقلة بِره بها كأنه مولاها، كما قال فى الحديث الآخر: " ويكون الولد غيظاً (٦) "، لكن لا معنى إذاً لتخصيص أولاد الإماء بهذا، إلا أن يقال: [إن سبب] (٧) نسبه الأموية أقرب إلى استدعاء [العقوق] (٨)

стр. 200

٢ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الغُبَرِىُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن بُرَيْدَة عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ، قَالَ: لَمَّا تَكَلّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِى شَأْنِ الْقَدَرِ أَنْكَرْنَا ذلِكَ. قَالَ: فَحَجَجْتُ أَنَا وَحُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِىُّ حَجةً. وَسَاقُوا الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ كَهْمَسٍ وَإِسْنَادِهِ، وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ. ٣ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَحُمَيْدٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ ــ والاستحقار، وقيل: هو تنبيه على فشو النعمة آخر الزمان، وكثرة السبى، كما قال فى بقية الحديث عن تطاول رعاء الشاء فى البنيان. وقيل: المراد به ارتفاع أسافل الناس، وأن الإماء والسبايا يلدن من ساداتهن أمثالهم، فشرفن بسببهم، كما قال فى الحديث الآخر: " حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع " (١). وقال الحربى: معناه: أن يلد الإماءُ الملوكَ فيصير لها رباً كما قال: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّك﴾ (٢) أى الملك. قال الخطابى: قد يحتج بهذا الحديث من يرى بيع الأمهات الأولاد، ويحتج بأنهن لم يُبَعْن بعد موت السيد؛ لأنهن يصرن فى التقدير ملكاً لأولادهن فيُعتقن عليهم (٣). قال القاضى: ولا حُجَّة له فى هذا؛ إذ ليس فى الحديث شىء يدل عليه، بل قد نوزع فى استدلاله، وقال أبو زيد المروزى (٤): وهو رد على من يرى بَيعهن لإنكار النبى ﷺ أن تلد الأمة من يملكها وجعْله ذلك من أشراط الساعة، [ومعناه عنده: أن يبيع أمه

стр. 201

قَالَا: لَقِينَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ، فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، عَنْ عُمَرَ -رَضِىَ اللهُ عَنْهَ- عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، وَفِيهِ شَىْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا. ٤ - (...) وحدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَن أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. ٥ - (٩) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى حَيَّانَ، عَنْ أَبِى زُرعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، ــ آخر الزمان. وليس ما قال بشىء؛ لأنه ليس كل ما أخبر عنه أنه من أشراط الساعة] (١) لا تبيحه الشريعة، ألا ترى أن تطاول الرّعاء فى البنيان ليس بحرام، ولا أن يكون اللكع أسعد الناس بالدنيا مما يُحرمها عليه، ولا فشو المال جملةً مما يحرمه، ولا يكون لجماعة النساء القيم الواحد مما يُحرّم ذلك، وليس فى الكلام دليلٌ على إنكار النبى ﷺ وذلك كما زعم، ولا فيه غير إخبارٍ عن حال يكون. وأما قولهُ: إن معناه: أن يبيع الولدُ أمه آخر الزمان، فليس فيه دليلٌ على منع بيعها قبل ملك ابنها، إذا من يُجوّز بيعها من أهل الظاهر يُوافق الجماعة فى أنها لا تباع ما دامت حاملاً ولا إذا تصيَّرَت ملكاً لابنها بميراثٍ أو غيره (٢). وقول الإمام فى تأويل بعلها حسن، وقد يكون بالمعنى الأول، أى بمعنى ربها، قال ابن دريد: بعل الشىء ربه ومالكه، وقال ابن عباس وجماعة من أهل التفسير فى قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلا﴾ (٣): أى رباً، وقال أبو عُبيدة والضحَّاك: هو صنمٌ، وحكَى عن ابن

стр. 202

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِيْمَانُ؟ قَالَ: " أَنْ تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتَهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: " الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدّىَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ". قَالَ: يَاَ رَسُولَ اللهِ، مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: " أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِلَّا تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكنْ سَأحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا؛ إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْعُراةُ الْحُفَاةُ رُؤوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِى الْبُنْيَانِ فَذَاكَ ــ عباس أنه قال: لم أدر ما البعل فى القرآن حتى رأيت أعرابياً، فقلت: لمن هذه الناقة؟ فقال: أنا بعلها أى ربُّها، فيتأوَّل فيه (١) ما يتأوّل فى تلك اللفظة الأخرى من الوجوه المتقدمة. وقوله: " وترى العالَة رعاءَ الشاءِ "، قال الإمام: قال الهروى: العالة الفقراء، وفى حديث آخر: " خيرٌ من أن يتركَهُم عالةً " (٢) أى فقراء، والعائل الفقير، والعَيْلَة الفقر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة﴾ (٣) يقال: عال الرجُل يعيل عيلةً إذا افتقر. وقال غيره: وأعال (٤) الرجل [إذا] (٥) كثر عياله. قال القاضى: ذكر مسلم فى رواية زهير: " إذا رأيت الحُفاة العُرَاةَ الصم البُكم ملوك

стр. 203

مِن أَشْراطِهَا، فِى خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ "، ثُمَّ تَلَا ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ (١). قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رُدُّوا عَلَىَّ الرَّجُلَ "، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : " هَذَا جِبْرَيلُ، جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ ". ٦ - (...) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التيْمِىُّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِى رِوَايَتهِ: " إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعْلَهَا " يَعْنِى السَّرَارِىَّ. ــ الأرض ... وإذا رأيت رِعاءَ البهم يتطاولون فى البنيان " فالمراد بالصُّمّ البُكم هنا: الجهلةُ الرُّعاعُ، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْي﴾ (٢) أى لمَّا ينتفعوا بجوارحهم هذه فيما خلقها الله فكأنهم عدموها، وقد أشار الطحاوى إلى أن معناه: صم بكم عن الخير (٣)، وذكر غيرهم أنهم صم بكم لشغلهم بلذاتهم ودنياهم (٤)، وما ذكرناه أولى؛ إذ ليس فى الحديث ما يدل أن هذه صفتهم إذا (٥) كانوا مُلوكاً، وإنما أراد أنه سيتملك من هذه صفته (٦). وأما قوله: " إذا تطاوَل رِعاءُ البَهم فى البنيان " (٧) فكذلك هو هنا بفتح الباء، ومعناه: رعاءَ الشاءِ، كما وقع مُفَسَّراً فى الحديث قبله؛ لأن البَهْم ولد الضأن والمعز، وقد تختص بالمعز، وأصله كل ما أستبهم عن الكلام، ومنه سُميت البهيمةُ؛ لأنها مُبهمَة عن العقل

стр. 204

٧ - (١٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاع - عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " سَلُونِى "، فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ما الإِسْلامُ؟ قَالَ: " لَا تُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْث، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ " قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: يَا رَسُوَلَ اللهِ، مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: " أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِلا تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتىَ تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: " مَا الْمَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِن السَّائِل، وَسَأُحَدّثُكَ ــ والتمييز، ووقع فى أول صحيح البخارى: " إذا تطاول رِعاءُ الإبِل البُهم فى البنيان " (١). رويناه بضم الميم وكسرها، فمن ضمَّها جعلها صفةً للرعاء، أى أنهم سود، وهو قول أبى الحسن القابسى (٢) [﵀] (٣)، وقال غيره: معناه: الذى لا شىء لهم كما وصفهم هنا، وكما قال (٤): " يحشر الناس يوم القيامة عُراةً بُهْماً " (٥). وقال (٦) الخطابى: هو جمع بهيم، وهو المجهول الذى لا يُعْرَفُ، ومنه: أبهم الأمر واستبهَم، وقد

стр. 205

عَنْ أَشْرَاطِهَا؛ إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّها فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْم يَتَطَاوَلُونَ فِى الْبُنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أَشْراطِهَا، فِى خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ "، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ (١). ــ وقع عند بعض رواة البخارى بفتح الباء، ولا وجه له بعد ذكر الإبل، وفى بعض روايات الحديث يعنى العريب (٢)، ولا (٣) يُبعدُ أن يُريد البهم هنا العالة من العّرب أو السود. كما قال: " بُعثتُ إلى الأحمر والأسود " (٤): الأسود هنا العرب؛ لأن الغالب على ألوانهم الأُدْمَة وسائر الأمم والسودان، وبالأحمر من عداهم من البيضان، وقد قيل: إن المراد بالأسودِ الشياطين، وبالأحمر بنو آدم، ومن كَسَر الميم جعلها صفة للإبل، أى السُّود لأنها سود الإبل. وقوله: " ويصوم رمضان ": يَرُدُّ قولَ من كرِه أن يقال: صمنا رمضان حتى يقول: شهر، وقال: إنه اسم من أسماء الله، وهذا لا يصح، وحكى القاضى أبو الوليد الباجى عن القاضى أبى الطيب أنه إنما يكره ذلك فيما يُدخل لبساً، مثل: جاء رمضان، ودخل رمضان، وأما صمنا رمضان، فلا بأس بقوله. قال القاضى -رضى الله عنه-: فى جملة هذا الحديث إنكار صدر هذه الأمة مقالة أهل القدر، وأنها محدثة وبدعة كما جاء فى الحديث: " أول من تكلم به معبد

стр. 206

قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رُدُّوهُ عَلَىَّ "، فَالتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَذَا جِبْرَيلُ أَرَادَ أَنْ تَعلَّموا إِذ لَمْ تَسْأَلُوا ". ــ بالبصرة " (١)، وفيه فَزَعُ السلف فى الأمور الطارئة عليهم فى الدين إلى ما عند أصحاب النبى ﷺ ، إذ هم الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، ولما عندهم عنه فى ذلك من علم وأثر، ولهذا نقل مالك فى جامعه من قول الصحابة فى هذا ما نقل. وفيه من حسن أدب المُتعلم مع العالم وتوقيره ما ذكر من صفته جِلسَة السائل، ويُستدل منه أن جبريل ﵇ كان يأتى النبى ﷺ أحياناً فى صورة لم يعهدها ولا يحصُلُ [له] (٢) علم بأنه جبريل لأول وهلة، وهو دليل ظاهر هذا الحديث. ولقوله: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " وسيأتى الكلام بَعْدُ على صور الملائكة وذواتهم إن شاء الله. وقوله: " رُدُّوا علىَّ الرجُل ": قد يحتمل علمهُ به ﵉، لكن لم يُعْلِم به الناس لحكمة الله فى ذلك، ويكون قوله: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " إمَّا لأن أمرهَا أيضاً يخفى عن جبريل، أو (٣) المراد به السامعونَ، ويكون قوله: " رُدُّوا علىَّ الرجُلَ " ليتحققوا بتلاشيه (٤) أنه ليس بآدمى، والتأويل الأول أصح؛ لأنه قد جاء فى صحيح البخارى التصريح بأنه لم يدر أنه جبريل. وقوله: " وسأحدثك عن أشراطها " (٥): أى علاماتها، واحدها شرط، قال أبو جعفر الطبرى: ومن سُمى الشَّرُط لجعلهم لأنفسم علامة يعرفون بها، وقيل: أشراطها مقدماتها وأشراطها الأشياء أوائلها، ومن ذلك يُسمى الشَّرَطَان لتقدُمها أول الربيع (٦)، وقيل: الأشراط جمع شُرْطٍ وهو الدون من كل شىء، فأشراط الساعة صغار أمورها قبل قيامها، ولهذا يُسمى الشرط.

стр. 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله فيه: " بارزاً للناس ": أى ظاهراً بالبراز، وهو الفضاء من الأرض، [ومنه المبارزة فى القتال] (١) ومنه البروز لصلاة العيد، والاستسقاء. وقوله: " تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدى الزكاة المفروضة "، قال الإمام: أما التقيِيدُ للصلاة بأنها مكتوبةٌ فبيّنٌ وجههُ، [لأن منها نوافل ليست بمكتوبة] (٢)، وأما التقيد فى الزكاة بأنها مفروضة، فيحتمل أن يكون تحرُّزاً من زكاة الفطر؛ لأنها ليست بفرض مكتوب على أحد القولين (٣) وتحرُّزاً من الزكاة المقدمة قبل الحول فإنها تجزى عند بعض أهل العلم وليست بمفروضةٍ حينئذ، ولكنها تسمى زكاة. قال القاضى: يظهر لى أن تخصيصه الصلاة المكتوبة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتا﴾ (٤). قال المفسّرون: فريضةً مفروضةً، وقيل: موقتة. وقد جاء ذكرها بالمكتوبة مكرراً فى غير حديث، كقوله: " أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة قيام الليل " (٥). وفى الحديث: " خمس صلوات كتبهُنَّ الله على العباد " (٦). وتخصيصه الزكاة بالمفروضة أى المقدرة؛ لأنها ماليةٌ محتاجةٌ إلى التقدير فى غير وجه من النصاب. والجزء المخرج من المال وغير ذلك، ولهذا سُمِّى ما يخرجُ من الزكاة من الحيوانات

стр. 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فرائض، وفى كتاب رسول الله ﷺ فى الصدقة: " هذه فريضة الصدقة التى فرضها رسول الله ﷺ (١) وفى الحديث: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر " (٢) معناه: قدَّر، وقيل: أوجَب، وقد يكون تفريقه بين هاتين الكلمتين مراعاة لعيب تكرير الواحدة منها وترديدها عليهما، وترديد اللفظ الواحد فى الكلام مذموم إلا أن يفيد معنى زائداً. وقوله: [فى هذا] (٣) الحديث: " سلونى " من رواية زهير بن حرب غير مخالف لنهه عن كثرة السؤال، وهذا فيما يُحتاج إليه كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (٤) الآية، قال الإمام: خرجه مسلم عن زهير بن حرب، عن جرير، عن عمارة، عن أبى زرعة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ الحديث، ثم قال مسلم: جرير كنيته أبو عمرو، وأبو زرعة اسمه عُبيد الله، وأبو زرعة [هذا] (٥) روى عنه الحسنُ بن عبيد [الله] (٦) وأبو زرعة كوفى من أشجع. قال بعضهم: وقع هذا الكلام لمسلم فى رواية ابن ماهان خاصةً وليس فى رواية الجلودى ولا الكسائى منه شىء، قال: وبين أهل العلم خلاف فى هذه الجملة. أما قوله: أبو زرعة اسمه عبيد الله. فقد قاله أيضاً فى كتاب الطبقات، قال: وقال البخارى فى تاريخه ومسلم فى كتاب الكنى: أبو زرعة [هذا] (٧) اسمه هرم، وخالفهما يحيى بن معين فقال: أبو زرعة بن عمرو واسمه عمرو بن عمرو، وكذا ذكره النسائى فى الأسماء والكنى من تأليفه. وأما قوله: " أبو زرعة روى عنه الحسن " فقد قاله البخارى أيضاً وقد خولفا فى ذلك، فقيل: الذى يروى عنه الحسنُ رجل آخَر يروى عن ثابت بن قيس اسمه هرم، قاله ابن المدينى، وإليه ذهب ابن الجارود فى كتاب الكنى، قال: ثم ذكر ابن الجارود ترجمة أخرى فقال: أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبى هريرة، روى عنه

стр. 209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عمارةُ بن القعقاع، والحارث العكلى وأبو حيان التيمى، وكذا ذكر النسائى ترجمتين كما فعل (١) [ابن] (٢) الجارود سواء. وأما قوله فى رواية ابن ماهان: أبو زرعة كوفى من أشجع، فقال [بعضهم] (٣): لا أعلم ما يقول، كيف يكون من أشجع، وأبو زرعة الذى فى [هذا] (٤) الإسناد هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلى، أين تجتمع أشجع وبجيلة، إلا أن يريد رجلاً آخر؟! انتهى كلامه. قال القاضى: وهذا نصُّ ما ذكره الشيخ الحافظ أبو على الجيَّانى من أوَّله إلى آخره، وهو الذى كنَّى عنه ببعضهم، وذكرناه فى هذا الموضع، إذ هو موضع إدخاله فى جملة حديث السائل وهو آخر طريق ذكره مسلم فى الحديث، وأخَّرَ فى المعلم ذكره بعد هذا بعد حديث ضمام ووفد عبد القيس وليس بموضعه. وفى جملة حديث السائل من الفقه سوى ما تقدم: أمر العالم الناس سؤاله عما يحتاجون إليه ليبينه لهم، وأنهم إن لم يحسنوا السؤال ابتدأ التعليم من قبل نفسه، كما فعل جبريل، أو يجعل من يسأل فيجيب بما يلزمهم علمهُ. وقوله فى الحديث: " وتؤمن بالبعث الآخر " مبالغةٌ فى البيان؛ ولأن خروج الإنسان للدنيا بعث أول. وقوله: "ولقائه " مع ذكر البعث، إشارة إلى الحساب والحشر وهو غير البعث والنشر. مما فرض الله على شيئاً، ونحوه فى حديث محمد بن إسحاق، فعلى عموم قوله: " بشرائع الإسلام "، يسقط كل اعتراض ويذهب كل إشكال مما لم ينُص عليه فى الحديث. وهذا النجدىّ لم يُسمّه مالك ولا مسلم، وسمَّاه البخارى فى الحديث: الليث، فقال فيه: " وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى سَعْدٍ بن بكرٍ " (٥). ولم يأت ذكر الحج فى حديث ضمام.

стр. 210

(٢) باب بيان الصلوات التى هى أحد أركان الإسلام ٨ - (١١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْد اللهِ الثَّقَفِىُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنْسٍ - فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ أَبِى سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَىَ رَسُولِ اللهِ ﷺ منْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِىَّ صَوْتِهِ وَلا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ". فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: " لا، إِلا أَنْ ــ قوله ﷺ للذى سأله عن الفروض، فأجابه السائل: لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال ﷺ : " أفلح إن صدق "، قال الإمام: أما فلاحه أن (١) لا ينقص فَبيِّن، وأَمَّا بألا يزيد فكيف يَصح هذا وكيف يُقرّه عليه، والتمادى على ترك سائر السنن مذموم يوجب الأدَب عند بعض أهل العلم؟ فلعله قال هذا ولم تُسَنّ السنَنُ حينئذٍ، أو يكون فهم عنه أنه لا يُغَيِّر الفروض التى (٢) ذكر بزيادة ولا نقصانٍ، وأن ذلك مراده بهذا القول. قال القاضى: ورد فى هذا الحديث من رواية البخارى عن إسماعيل بن جعفر آخر الحديث: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام فأدبر الرجُلُ وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقُصُ (٣). ولم يرد ذكر الحج فى حديث النجدىّ من رواية طلحة بن عُبيد الله ولا من رواية أبى هريرة فى حديث الأعرابى، وجاء فى رواية ثابت عن أنس عند مسلم، ولم يأت من رواية شُريك عن أنس عند البخارى (٤)، وكذلك لم يذكر جابر [الحج] (٥) فى حديث السائل، ولا الزكاة فى رواية أبى الزبير عنه، ولم يذكر الصوم فى حديث الأغرّ عنه، ولم يذكر غير الصلاة، وذكر تحليل الحلال وتحريم الحرام، ولم يرد هذا فى حديث ضمام جملة، وكذلك لم يرد فى حديث أبى أيوب فى هذا الباب ذكر الحج وصوم رمضان، وفيه ذكر صلة الرحم،

стр. 211

تَطَّوَّعَ، وَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ". فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: " لا، إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ ". وَذَكَرَ لَهُ رسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: " لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ، لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ". ٩ - (...) حدّثنى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أبى سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْن عُبَيْدِ اللهِ، عنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ، إِنْ صَدَقَ " أَوْ: " دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَأَبِيهِ، إِنْ صَدَقَ ". ــ وكذلك لم يرد فى حديث وفد عبد القيس ذكر الحج جملة، ولا ورد فيه الصوم من رواية حماد بن زيد عند مسلم وهو فى روايته عند البخارى، وفيه ذكر أداء الخُمسِ من المغنم والنهى عن أربع، وليس فى حديث مُعاذ ذكر الصوم ولا الحج، وكذلك لم يرد فى حديث جبريل ذكر الحج عن أبى هريرة وورد فيه من حديث ابن عمر (١). ولم يأت فى حديث النجدى ذكر الإيمان (٢)، إما لأنه كان مُسلماً، وإنما سأل عن الفروع، بدليل قوله فى الرواية الأخرى: " يا رسول الله، أخبرنى بما فرَض الله علىَّ من الصيام ... " وذكر مثله فى الزكاة. وقد اختلف فى وقت فرض الحج فقيل: سنة تسع، وقيل: سنة خمس، والأول أصح، وذكر الواقدى أن وفادة ضمام كانت سنة خمس (٣)، فمعنى هذه الآثار كلها وزيادة بعضها على بعض فى أعداد الوظائف التى وعد النبى ﷺ [بنجاة من اقتصر عيها وفلاحِهِ ودخول الجنة أن تُضم هذه الزيادة التى زادها الثقة ويحكم بصحتها ويحمل إسقاط من أسقطها على الوَهْم والنسيان، إلا ما لم تختلف الرواية فى إسقاطه فيُحمل أَنَّ فرضه بعد هذا] (٤)، أو يكون قوله: " إلا أن تطوَّع " فى حديث النجدى مُنَبهاً على ما زاد على الفرائض من السنن، فيكون قوله: " لا أزيد " أى على ما

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكرت من الفرائض [إلا أن أتطوع] (١) وقد قيل: قد يكون معناه: لا أزيد على تبليغ ما ذكرت لى إلى قومى ولا أنقص منه. وإذا نظرنا إلى زيادة حديث جابر من قوله: " وأحللتُ الحلال وحرمت الحرام " اشتملت هذه اللفظة على وظائف الإيمان وسنن النبى ﷺ (٢)، ولم يبق سؤال على قوله: لا أنقص منه. ومثله قوله فى رواية البخارى: " فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام " (٣) وأما اختصاصه فى حديث أبى أيوب صلة الرحم وفى حديث وفد عبد القيس الأوعية (٤)، فذلك -والله أعلم- بحسب ما يخص السائل ويعنيه من ذلك وسيأتى الكلام عليه.

стр. 213

(٣) باب السؤال عن أركان الإسلام ١٠ - (١٢) حدّثنى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَىْءٍ. فَكَانَ يُعجِبُنَا أَنْ يَجِىءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلَ الْبَادِيةِ، الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ؟ قَال: " صَدَقَ ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: " اللهُ ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: " اللهُ ". قَال: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: " اللهُ ". قَال: فَبِالَّذِى خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَال: " نَعَمْ ". قَالَ وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَومِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: " صَدَقَ ". قَالَ: فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِى أَمْوَالنَا. قَالَ: " صَدَقَ "، قَالَ: فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَزَعَم رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِى سَنَتِنَا. قَالَ: " صَدَقَ ". ــ وقوله: " يا محمد ": لعل هذا كان قبل أن يُنهى الناسُ عن دعائه بمثل هذا وقبل نُزول قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (١) على أحد التفسيرين (٢)، قال قتادة: أمروا أن يعظموه ويفخموه، قال غيره: ويدعوه بأشرف ما يُحبُ أن يُنادى به؛ يا رسول الله، يا نبى الله، وقيل ذلك أيضاً فى قوله: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض﴾ الآية (٣)، وقد ورد فى هذا الحديث أيضاً أنه ناداه: يا رسول الله، ولعل ذلك كان بعد تعليمهم ما يجب عليه أو تمكن إسلامه ومَعْرِفَة حق الرسالة؛ لأنه أول (٤) وروده كان مسترشداً أو مستفسراً. وقوله فى حديث النجدى: " أتانا رسولك ... " وتحليفه النبى ﷺ على ما سأله عنه يستدل به من يقول: أول الواجبات مُجرد التصديق، وقد يكون هذا الرجل لأوَّلِ ما جاء

стр. 214

قَال: فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَال: وَزَعَم رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً. قَال: " صَدَقَ " قَالَ: ثُمَّ وَلَّى. قَالَ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلا انْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ ". ١١ - (...) حدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ؛ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُهِينَا فِى الْقُرْآنَ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَىْءٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. ــ أراد الاستثبات وكشف الأمر، فلما كان فى أثناء ذلك ظهر له من دلائل النبَّوة ما ثبَّت له اليقين، ويصحح الإيمان والمعرفة، ألا تراه كيف استثبت فيمن خلق الأرض والسماء ونصب الجبال، وهذا أقوى طُرق الحجة على إثبات الصانع. وظاهر الحديث أنه لم يأت إلا بعد إسلامه وإجابته، وإنما جاء [مستثبتاً] (١) ومشافهاً للنبى ﷺ بدليل (٢) أنه لما فارقه إنما التزم ألا يزيد ولا ينقص، لكن جاء فى صحيح البخارى أنه قال فى آخر الحديث (٣): " آمنتُ بما جئت به وأنا رسول من ورائى ... "، والكلُ محتمل للوجهبن، وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هذا الحديث دليل على الرحلة فى علو الإسناد، إذ لم يُقْنِع هذا البدوىَّ ما سمعه عن رسول الله ﷺ وما بلغه حتى رحل بنفسه إليه وسمع منه، قال: ولو كان طلبه غير مستحب لأنكر ﵇ سؤاله إياه عما أخبره به رسولُه عنه، وأمره بالاقتصار على ما سمع منه (٤). قال القاضى: ولا حجة له فى هذا؛ لأن الرجل فعل ما يجب عليه ورغب عن الاقتصار على غلبة الظن ممَّا أخبره به الرسول عن النبى ﵇ من الشرائع الذى يمكن للمبلغ أن يغلط فيها ويهم، ويدخل عليه الآفات، وحرص على اليقين بسماعه من النبى ﷺ الذى لا يجوز عليه الوهم فى باب التبليغ، وقد تقدّم الكلام فى علو الإسناد، قبل مع ما كان يجب من الهجرة والرحلة على المسلمين إلى النبى ﵇ أول الإسلام، ويتعين عليهم من لقائه والتبرك برؤيته. وقوله: " كُنَّا نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ "، وقوله فى الحديث قبله: " سلونى

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهبنا أن نسأله " ليس فيه تعارُض، نُهُوا عن سؤاله عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم، ولم ينهوا عن غير ذلك، وإذا أذن لهم فى السؤال فلم يرتكبوا نهياً. وقوله. " ثائر الرأس " (١) أى: قائمة منتفشة (٢)، وقوله: " يُسمَعُ دَوىُّ صوتهِ " (٣) بفتح الدال، أى: بُعده فى الهواء مأخوذ من دَوِى الرعْد. وقوله: " أفلح إن صدَق أو دخل الجنة إن صدق ": هذه الجملة الأخيرة تفسير للأولى (٤)، وقد وردت فى الرواية الأخرى منفردة بمعناها، والفلاح البقاء، ومنه: (حىَّ على الفلاح)، أى: العمل المؤدى إلى الجنة والبقاء فيها وهو الفَلَح. قال الأعشى: هل لحىِّ نال قومى من فَلَحٍ أى: بقاء، قال الهروى: العرب تقول لكل من أصاب خيراً: مُفْلِح، وأفلح الرجلُ إذا فاز بما يغبط به، وقيل فى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾ (٥) أى: فازوا. [قال ابن دريد: أفلح الرجل وأنجح إذا أدرَك مطلوبه، وقال القاضى أبو الوليد الباجى: استعمل رسول الله ﷺ ] (٦) الصدق هنا فى خبر المستقبل، وقد قال القتبى: الكذب مخالفة الخبر فى الماضى والخلف فى المستقبل (٧) فيجب على هذا أن يكون الصدق فى الخبر عن الماضى والوفاء فى المستقبل. وما ورد عن النبى ﷺ هنا يرد على ابن قتيبة. وفى قوله: " أفلح إن صدق ": ردٌّ على المرجئة (٨)، إذ فيه فلاحه بشرط صِدْقه فى ألا ينقص مما ألزمه من الأعمال والفرائض.
следующие страницы →