← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

٣٠٧ - (٨٤٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ. فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِىُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّف المؤَخَّرُ فِى نَحْرِ العَدُوِّ. فَلَمَّا قَضَى ــ الأخرى فصلى بهم ركعة، ثم ثبت جالساً حتى أتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم "، وبهذا أخذ مالك والشافعى وأبو ثور وذكر عنه من طريق آخر " أنه صفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلم " زاد فى كتاب أبى داود (١): " بهم جميعاً "، وترجم عليه أن هذه الأولى إذا صلت ركعة (٢) أو تقدمت لم يسلم. وذكر حديث عطاء وأبى الزبير عن جابر أن النبى ﷺ صفهم صفين خلفه، والعدو بينهم وبين القبلة، وذكر أنه (٣) صلى جميعهم بصلاته، حتى إذا سجد سجد معه الصف الذى يليه، وقام المؤخر فى نحو العدو، فلما قضى السجود سجد الصف المؤخر وقاموا، ثم تقدموا وتأخر المقدم، وذكر فى عملهم فى الركعة الثانية كما ذكر فى الأولى، ونحوه حديث ابن عباس، إلا أنه [بقول]، (٤): ليس فيه [ذكر] (٥)، تقدم الصف الثانى فى الركعة الثانية وتأخر الأول، وبهذا قال ابن أبى ليلى وأبو يوسف، إذا كان العدو فى القبلة، وروى عن الشافعى أيضاً مثله، واختاره بعض أصحابنا وأصحابه، إلا أن فى رواية عطاء عن جابر: " صفَّهم صفين خلفه " وليس للفظة صف هنا معنى كما جاءت ساقطة فى غيره، لأنهما جميعاً كانوا خلفه. وذكر - أيضاً - حديث أبى سلمة عن جابر، أنه صلى أربع ركعات بكل طائفة ركعتين، وهو اختيار الحسن، وذكر عن الشافعى، ورواه غير مسلم من طريق أبى بكرة وجابر وأنه سلم من كل ركعتين. وقال الطحاوى: إنما كان هذا أول الإسلام إذ كان يجوز أن تصلى الفريضة مرتين، ثم نسخ ذلك فهذه ستة وجوه فى صلاة الخوف، وفيها وجه سابع رواه ابن مسعود وأبو هريرة وهو الذى أخذ به أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف، وهو

стр. 1507

النَّبِىُّ ﷺ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُوَدِ، وَقَامُوا. ثُمَّ تَقَدَّمُ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّم. ثُمَّ رَكَعَ النَّبِىُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرّكُوع وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ــ نص قول أشهب من أصحابنا، خلاف ما تأول عليه ابن حبيب أن النبى ﵇ صلى بالطائفة التى وراءه ركعة ثم انصرفوا ولم يسلموا، فوقفوا بإزاء العدو وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ثم سلم، فقضى هؤلاء من ركعتهم ثم سلموا وذهبوا، فقاموا مقام أولئك، ورجع أولئك فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا. والفرق بين هذه الرواية ورواية ابن عمر أن ظاهر قضاء أولئك فى حديث ابن عمر فى حال واحدة، ويبقى الإمام حارساً لهم فيه وحده وهاهنا قضاؤهم متعرف على صفة صلاته، وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما فسر فى حديث ابن مسعود. وفيه وجه ثامن، ذكره أبو داود فى حديث ابن مسعود أنه ﵇ كبَّر فكبَّر معه الصفان جميعاً. وفيه أن الطائفة الثانية لما صلت معه ركعة وسلم رجعت إلى مقام أصحابها، وجاءت الطائفة الأولى فصلوا ركعة لأنفسهم فرجعوا إلى مقام أصحابهم، وأتم أولئك لأنفسهم ركعة. وفيه وجه تاسع ذكره أبو داود (١) من رواية أبى هريرة أنه قامت مع النبى ﷺ طائفة مقابل العدو، وظهورهم إلى القبلة، فكبر جميعهم ثم صلى بالذين معه ركعة والآخرون قيام، ثم قام وذهبت الطائفة التى معه إلى العدو وأقبلت تلك فصلى بهم ركعة، ثم أقبلت الطائفة الأولى فصلوا ركعة ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه، ثم سلم وسلموا جميعاً (٢). وفيها وجه عاشر من رواية عائشة أنه ﵇ كبر وكبرت معه الطائفة التى

стр. 1508

ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِى يَليهِ الَّذِى كَانَ مُؤَخَّرًا فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ فِى نُحُورِ العَدُوِّ. فَلَمَّاَ قَضَى النَّبِىُّ ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا. ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِىُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلاءِ بِأُمَرَائِهِمْ. ــ تليه وصلى بهم ركعة وسجدة وثبت جالساً، وسجدوا هم السجدة التى بقيت عليهم، ثم انصرفوا القَهْقَرَى [حتى] (١) قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى فكبَّروا ثم ركعوا - يعنى لأنفسهم - ثم سجد النبى ﷺ يعنى سجدته التى بقيت عليه من الركعة الأولى - فسجدوا معه، ثم قام النبى ﷺ وأتموا هم السجدة التى بقيت عليهم، ثم قامت الطائفتان فصلى بهم جميعاً ركعة كأسرع الإسراع. وفيه وجه حادى عشر جاء فى حديث ابن أبى حَثْمة من رواية صالح بن خوات بن جبير (٢)، أن الطائفة الأولى لما صلت ركعتها مع النبى ﷺ ثم صلت الركعة الأخرى لأنفسها سلَّمت ثم تقدمت، وجاء الأخرى (٣)، وهذا خلاف الحديث الآخر الذى ذكر فيه آخراً: " ثُمَّ سلم بهم جميعاً " (٤). وفيه وجه ثانى عشر من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم فى حديث ابن أبى حثمة: أن النبى ﵇ سلَّم عند تمام صلاته الركعة بالطائفة الثانية، وأتموا بعد سلامه، خلاف الروايات الأخر عن القاسم ويزيد بن رومان أنه انتظرهم حتى قضوا ثم سلَّم (٥)، وقد اختلف قول مالك فى الأخذ برواية القاسم أو رواية يزيد. وبرواية يحيى عن القاسم

стр. 1509

٣٠٨ - (...) حدَّثنا أَحَمْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ قَوْمًا مِنْ جُهَيْنَةَ، فَقَاتَلُونَا قِتَالاً شَدِيدًا، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ قَالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ مِلْنَا عَلَيْهِمْ مِيْلَةً لاقْتَطَعْنَاهُمْ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَلِكَ. فَذَكَرَ ــ أخذ أكثر أصحاب مالك لصحة [القياس] (١) أن القضاء يكون بعد سلام الإمام، وهو اختيار أبى ثور، واختار الشافعى الرواية الأخرى. وفيه وجه ثالث عشر، وهو الذى حكاه الإمام أبو عبد الله عن إسحاق قبل من صلاة الإمام لكل طائفة ركعة، فيكون له ركعتان ولهم ركعة ركعة، وتجزيهم. وذكر أبو داود من [رواية] (٢) حذيفة وأبى هريرة وابن عمر عنه ﵇ قال: " ولم يقضوا " (٣) ويعضده الحديث المتقدم فى القصر من قوله: " وصلاة الخوف ركعة "، وذهب أحمد بن حنبل والطبرى وإسحاق وبعض الشافعية إلى التخيير فى العمل [بهذه الأحاديث] (٤)، وتجويز الجميع منها، قالوا: ويجوز أن يكون ذلك فى مراتب على حسب شدة الخوف، إلا أن أحمد اختار حديث سهل بن أبى حثمة (٥) وقال إسحاق: كلها جائز، وذلك على قدر الخوف، وخيّر الثورى فيها بين ثلاثة أوجه [بين] (٦) العمل بحديث ابن مسعود، أو حديث حذيفة، أو حديث [ابن عباس] (٧)، وهو اختيارى على اضطراب من قول الثورى فى الباب (٨). قال الخطابى: صلاة الخوف أنواع، صلاها النبى ﷺ فى أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتوخى فى كلِّها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ فى الحراسة، وهى على

стр. 1510

ذَلِكَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: وَقَالُوا: إِنَّهُ سَتَأْتِيهِمْ صَلاة هِىَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَوْلادِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ العَصْرُ، قَالَ: صَفَّنَا صَفَّيْنِ. وَالمُشْرِكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القِبْلَةِ. قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ. فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِى، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الأَوَّلُ وَتقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِى، فَقَامُوا مَقَامَ الأَوَّلِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، وَقَامَ الثَّانِى، فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِى، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ــ اختلاف صورها [مؤتلفة فى المعانى] (١). وهذا يعنى حديث جابر وابن عباس هو الاختيار إذا كان العدو بينهم وبين القبلة (٢)، فإذا كان وراء القبلة صلى بهم صلاة يوم ذات الرقاع، يعنى على حديث سهل بن أبى حثمة (٣). قال القاضى: صلى النبى ﷺ صلاة الخوف فى مواطن كثيرة، ذكر ابن القصَّار أنه صلاها فى عشرة مواضع، وذكر غيره أنه صلاها أكثر من هذا العدد. ففى حديث ابن أبى حثمة وأبى هريرة وجابر صلاها فى يوم ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة، وفى حديث أبى عياش الزرقى أنه صلاها بعُسْفان ويوم بنى سُليم، وحديث جابر فى غزاة جهينة وفى غزوة بنى محارب بنخل، وروى أنه صلاها بغزوة نجد يوم ذات الرقاع، وهى غزوة نجد وغزوة غطفان، وقد ذكر بعضهم صلاته إياها ببطن نخل على باب المدينة، وعليها حمل بعضهم صلاته بكل طائفة ركعتين، لكن مسلماً قد ذكرها فى غزوة ذات الرقاع، وأيضاً فقد ذكر سلامه منها من كل ركعتين فى حديث أبى بكرَة وجابر [للدارقطنى] (٤)، وذكر من حديث أبى بكرة - أيضاً - أنه صلى المغرب بهم أثلاثاً (٥). وقوله فى حديث جابر من رواية أبى الزبير: " فى الركعة الثانية، ثم سجد وسجد [معه] (٦) الصف الأول يعنى المقدم الآن. وقوله: " وأقام معه الثانى، فلما سجد الصفَّ الثانى " يعنى المؤخر كما جاء مفسّراً

стр. 1511

قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: ثُمَّ خَصَّ جَابِرٌ أَنْ قَالَ: كَمَا يُصَلِّى أُمَرَاؤُكُمْ هَؤُلاءِ. ٣٠٩ - (٨٤١) حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِح بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِى الخَوْفِ، فَصَفَّهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ. فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلفَهُمْ رَكْعَةً. ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُمْ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ. ــ فى رواية عطاء. واختلف العلماء بعد هذا فى صفة صلاة الإمام المغرب فى الخوف، فمالك والشافعى وأحمد وإسحاق وجماعة أنه يصلى بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة، وأبو حنيفة وأصحاب الرأى مثله إلا أنه يخالف فى صفة القضاء على أصله، بل يخالف أصله فى صلاة المغرب فيجعل إذا سلم الإمام بالآخرة نهضت من غير سلام ولا قضاء إلى مقام أصحابها وجاه (١) العدوّ. وجاءت الأولى فلا تقضى على أصله إلا بعد سلام الإمام، فتقوم مقام أصحابها وتقضى ما بقى عليها وتسلّم، ثم ترجع إلى مصافِّها، وتنصرف الأخرى فتقضى ما سبقها به الإمام، وذهب الحسن إلى أن الإمام يصلّى ست ركعات، لكل طائفة ثلاث ركعات. وقوله فى الحديث: " قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفهم ركعة " وقوله فى الحديث الآخر: " ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم " لا خلاف فى أن هذا حكم الإمام إذا صلى بكل طائفة ركعة أنه يثبت قائماً، وأما إن كان فى صلاة حضر أو كانت المغرب، فاختلف فيه، هل ينتظرهم قائماً أو جالساً (٢)؟ واختلف فيه قول مالك وأصحابه، وهل يقرأ ما دام يقضى الأولى إذا كان قائماً أم لا حتى تأتى الطائفة الثانية؟ اختلف فيه أصحابنا، وقال بعضهم: هو مخيّرٌ بين أن يسكت أو يدعو إلى أن تحرم خلفه الطائفة الأخرى الثانية، ولا يقرأ إلا أن يكون فى صلاة سفر، وحيث يمكنه تطويل القراءة حتى تحرم الطائفة الثانية

стр. 1512

٣١٠ - (٨٤٢) حدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلاةَ ــ خلفه قبل تمامها، وحجة من قال: لا يقرأ، قوله: " فصلى بهم الركعة الثانية "، ولو قرأ قبلهم لقال: فركع بهم. وقول ابن عمر: " فإن كان خوفاً أكثر من ذلك فصلِّ راكباً أو قائماً يومئ إيماءً " (١) قال فى الموطأ: " مستقبلى القبلة أو غير مستقبليها " (٢) وبهذا أخذ مالك والثورى والأوزاعى والشافعى وعامة العلماء، وقاله أهل الظاهر لعموم قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُم﴾ الآية (٣)، قال بعض شيوخنا: هذا بحسب الحال وحسب ما يتفق له من التمكن من الصلاة والقبلة [أم لا] (٤)، ومنع أبو حنيفة وابن أبى ليلى من صلاة المسُايف، وأنه لا يصلى الخائف إلا إلى القبلة (٥)، وقال جماعة من السلف: يصلى فى الخوف ركعة يومئ بها إيماء، وهو قول جابر بن عبد الله والحسن وطاووس والحكم وحماد وقتادة ومجاهد، وذلك فى القتال، وقاله الضحّاك قال: فإن لم يقدر على ركعة فتكبيرتان حيث كان وجهه، وقال إسحاق: أمّا عند السِّلة (٦) فتجزئ ركعة يومئ بها، فإن لم يقدر فسجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة (٧)، وقال الأوزاعى نحوه إذا تهيأ الفتح، لكن إن لم يقدر على ركعة ولا على سجدة لم يجزه التكبير وأخرها حتى يأمنوا، وعن مكحول نحوه، وقد تقدم فى الأم فى باب قصر الصلاة فى حديث ابن عباس: " فرض الخوف ركعة "، ومنع مكحول وبعض أهل الشام من صلاة الخائف جملة متى لم يتهيأ له صلاتها على وجهها، وأنه إن لم يقدر على ذلك

стр. 1513

الخَوْفِ؛ أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ. وَطَائِفَةٌ وُجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وُجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِى بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأْنفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. ــ أخَّرها حتى يقدر (١)، وحكى عنهم - أيضاً - إنما ذلك إذا لم يقدروا على صلاتها إيماءً، واحتجوا بصلاة النبى ﷺ يوم الخندق وبقوله: " شغلونا عن الصلاة " (٢) قالوا: ولو كان يجوز صلاتها كيف تهيأت لم يشغله ذلك عنها، والحجة عليهم أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد ذلك، فهى ناسخة لكل ما تقدمها، واختلف بعد هذا من قال: يصلى كيف تيسّر عليه فى الطالب (٣)، مع اتفاقهم فى المطلوب. فمالك يسوِّى بينهما وجماعة من أصحابه، وقال الشافعى والأوزاعى وفقهاء أصحاب الحديث: لا يصلى الطالب إلا بالأرض، وهو قول ابن عبد الحكم، إلا أن الشافعى يقول: إن خشى الطالب كرّةَ المطلوبين وانقطع عن أصحابه، كان له أن يصلى إيماءً. وقال الأوزاعى نحوه إن كان الطالب قرب المطلوب صلى إيماء. واختلفوا - أيضاً - فيما يباح له من العمل فى الصلاة فجمهورهم على جواز كل ما يحتاج إليه فى مطاردة العدو، وما يضطر إليه من مدافعته والمشى إليه، وقال الشافعى: إنما يجوز من ذلك الشىء اليسير والطعنة والضربة، فأما ما كثر فلا تجزيه الصلاة به، ونحوه عن محمد بن الحسن. وقوله: " وُجَاهَ العدوِّ " بكسر الواو وضمِّها، مثل قوله: مواجهة العدوّ، أى مقابلته، كما قال فى الحديث الآخر: " وجوههم إلى العدو " وقوله فى الرواية الأخرى: " فى نحر العدوِّ " وبمعناه، أى فى مقابلته، ونحو كلِّ شىء أوله. وقوله فى حديث جابر: " ستأتيهم صلاة هى أحب إليهم من الأولاد " كذا روايتنا عن شيوخنا، وعند بعضهم: " من الأولى " والصواب الأول، وكذا رواها ابن أبى شيبة: " وقال: هى أحب إليهم من أبنائهم " (٤). ورواه الدارقطنى (٥) من حديث عبد الرزاق كذلك وزاد. " وأنفسهم ".

стр. 1514

٣١١ - (٨٤٣) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ. فَقَالَ لِرسُولِ اللهِ ﷺ : أَتَخَافُنِى؟ قَالَ: " لا ". قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّى؟ قَالَ: " اللهُ يَمْنَعُنِى مِنْكَ ". قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ. قَالَ: فَنُودِىَ بَالصَّلاةِ. فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ. ٣١٢ - (...) وحدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْن حَسَّانَ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - وَهُوَ ابْنُ سَلامٍ - أَخْبَرَنِى يَحْيَى، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ جَابِرًا أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ صَلَّى مَع رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ، فَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ. ــ وقوله: " بذات الرقاع ": غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة بنجد من أرض غطفان (١)، سميت بشجرةٍ هناك يقال لها ذات الرقاع، وقيل: فيها فرضت صلاة الخوف،

стр. 1515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقيل: فى غزوة بنى النضير، وقيل: سميت هذه الغزوة ذات الرقاع بجبلٍ هناك يقال له: الرقاع لبياض وحمرة وسواد فيه، وقيل: بل لأن المسلمين [نقبت] (١) أقدامهم وتخرَّقت نعالهم، فلفُّوا الرقاع على أرجلهم، وكذا فسّره فى الأم وقيل: بل رقعوا راياتهم.

стр. 1516

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٧ - كتاب الجمعة ١ - (٨٤٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يأتِىَ الْجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ ". ٢ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ - وَهُوَ قَائمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ -: " مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ". (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَعَبْدِ اللهِ ابْنَىْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. (...) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِهِ. ٣ - (٨٤٥) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَة، دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّة سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إِنِّى شُغِلْتُ الْيَوْمَ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِى حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَن تَوَضأتُ. قَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا! وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ! ٤ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، قَالَ: حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ؛ فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النَّدَاءِ! فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضأتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا! أَلَمْ تَسْمَعُوا ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1517

رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ ". (١) باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال وبيان ما أمروا به ٥ - (٨٤٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءٍ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الْغُسْلُ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ". ــ أحاديث الأمر بالغسل يوم الجمعة وقوله ﵇: " غسل (١) يوم الجمعة واجب على كل محتلم "، قال القاضى: اختلف السلف والعلماء فى غسل الجمعة، فروى عن بعض الصحابة وجوبه، وبه قال أهل الظاهر، وتأول ابن المنذر أنه مذهب مالك وحكاه الخطابى عنه وعن الحسن، وعامة فقهاء الفتيا وأئمة الأمصار على أنه سنة، وهو حقيقة مذهب مالك والمعروف من قوله ومعظم قول أصحابه، وجاء عنه ما دلّ على أنه مستحب، وقال به طائفة من العلماء، وقال بعضهم: الطيب يجزئ منه. ومعنى ذكر وجوبه هاهنا التأكيد فى امتثاله وتشبيهه بغسل الجنابة فى الحديث الآخر (٢)، أى فى صفة العمل لا فى وجوب الحكم. قال الإمام: [" والغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم "] (٣). من الفقهاء من أخذ بظاهر [الحديث] (٤) ورأى [أن غسل الجمعة] (٥) يجب، وأكثر الفقهاء أنه لا يجب، تعلقًا بقوله ﵇: " من أتى الجمعة وقد توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل " (٦). وقوله: " فبها ونعمت ": يفيد جواز الاقتصار على الوضوء، ولو كان ممنوعًا من الاقتصار عليه لم يقل: " فبها ونعمت "، وأيضاً فإنه قال: " ومن اغتسل فالغسل أفضل " فدل على أن فى الوضوء فضلاً حتى تصح المبالغة، واعتمدوا - أيضاً - على قول عمر على المنبر للداخل عليه لما قال له: " ما زدت على أن توضأت " فقال عمر: " والوضوء أيضاً؟ "

стр. 1518

٦ - (٨٤٧) حدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسىَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْعَوَالِى، فيَأتُونَ فِى الْعَبَاء، وُيصِيبُهُمُ الْغُبَارُ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ؛ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا ". (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ، فكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ. ــ ولم يأمره بالغسل. قال القاضى: وهذا قول من عمر وإقرار بمحضر جماعة الصحابة، ولا منكر له ولا مخالف، فهو كالإجماع، وعامة الفقهاء والأصوليين منهم يَعدون هذا إجماعًا، وحجةً، وقال آخرون: وفى قول الواحد من الصحابة إذا انتشر (١) ولم يعلم له مخالف وسكوتهم كالنطق، وقال آخرون: هذا حجة وليس بإجماع، والذى اختاره محققو الأصوليين: أن هذا كله ليس بإجماع، والسكوت ليس كالنطق، وهو اختيار القاضى أبى بكر وطبقته، وقد جاء فى الكتاب: " غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب " ولا خلاف فى السّواك والطيب فكذلك الغسْلُ، وقد قال بالاستدلال بالقرآن قوم من الأصوليين، قال الخطابى: ولم تختلف الأمة أن صلاة من كان يغتسل للجمعة جائزةٌ. وقد ذكر مسلم حديث عائشة فى علة الغسل أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم فيأتون فى العباء ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريحُ، وأنهم كانوا عمال أنفسهم، ولم يكن لهم كُفاةٌ، فكان يكون [لهم] (٢) تفلٌ، فقال النبى ﷺ : " لو اغتسلتم يوم الجمعة " و" لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا " هذا كله يدل على الحضِّ والترغيب لا على الوجوب، وكذا وقع عند السمرقندى والطبرى وعامة الرواة: " فى العباء "، وعند العذرى وغيره: " فى الغبار " وهو وَهْم، والصواب الأول. والعباء جمع عباءة، وهى أكسية خشان فيها خطوط. وقوله: " ينتابون ": أى يأتون، والانتياب المجىء والاسم النوب، وأصله ما كان من قرب. قيل: النوب ما كان على فرسخ أو فرسخين. والكُفاةُ جمع كافٍ، أى عبيد وخدم يكفونهم الخدمة والعمل. وقوله: " ولهم تفل " بفتح التاء والفاء، أى رائحة كريهة، وفى قوله: " ينتابون

стр. 1519

فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. ــ الجمعة من منازلهم [ومن] (١) العوالى ": ردّ على الكوفى الذى لا يوجبها على من خارج المصر؛ لأن عائشة هنا أخبرت عن أمر يتكرر منهم لظاهر قولها: " كانوا ". وقد اختلف فى المسألة، فقال الكوفيون ما تقدم، ومالك وأصحابه يوجبونها على من [كان] (٢) خارج المصر بثلاثة أميال ونحوها. قال مالك: وعلى من سمع النداء، ونحوه قول (٣) أحمد وإسحاق والشافعى إلا أنهم لم يحدّوا الثلاثة الأميال. واختلف أئمتنا هل ترعى الثلاثة الأميال من طرق المدينة أو من المنار، ولا خلاف أنها تجب على أهل المصر وإن عظم وزاد على ستة أميال، إلّا شيئًا روى عن ربيعة أن الجمعة إنما تجب على من إذا سمع النداء وخرج ماشيًا أدرك الصلاة، وروى عن جماعة من السلف أنها تجب على من آواه الليل إلى أهله، فيأتى على هذا من يكون على نصف يوم، وهو مذهب الحكم والأوزاعى وعطاء وأبى ثور، وذهب الزهرى أنها تجب على من هو من أهل المصر على ستة أميال، وروى عنه وعن ابن المنكدر وربيعة أربعة أميال، وذكر بعض الشارحين أن فى قوله: " على كل محتلم " دليلاً على سقوطها على الصبيان، وهذا بيّنٌ، قال: وعن النساء إِذْ الغالب عليهن فى التكليف الحيض لا الاحتلام، وفى ما قاله ضعف. وفى قوله: " ينتابون فى العباء " و " يصيبهن الغبار " وفى رواية: " والعرق، فيكون منهم الريح " (٤) دليل على أن معنى التهجير لها السّعى فى الهاجرة، على ما ذهب إليه مالك، وأن سعيهم إليها لم يكن بُكرةً، على ما ذهب إليه المخالف، ولو كان أفضل لفعلوه، والعرق وخروج الريح لا يكون إلا مع الحرّ والهاجرة. وقد اختلف أصحابنا متى يجب السّعى إليها؟ هل بالنداء أو بالزوال (٥) أو بمقدار ما يأتى المسجد قبل الشروع فى الخطبة؟ والخلاف فى ذلك مبنىٌ على: هل يلزم الحضور لسماع الخطبة، ومن شرطها الجماعة؟ وهو المتأول على المدونة، أو ليس ذلك بشرط؟ وهو قول أبى حنيفة وظاهر قول جماعة من أصحابنا، ولا خلاف أن من بعدت دارُه فى المصر حتى لو جاء عند الأذان فاتته الصلاة أنه لا ينتظر الأذان، وعليه السعى قبل المقدار ما يدرك الخطبة أو الصلاة، على القولين المتقدمين. قال الإمام: السفر عندنا يمنع يوم الجمعة إذا زالت الشمس لدخول وقت صلاة الجمعة،

стр. 1520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتوجه (١) الخطاب خلافًا لمن منعه قبل الزوال، فإن كان فى مصر يعلم أنه لا يصل من منزله إلى الجامع إلا أن يخرج قبل الزوال لساعة (٢) أو ساعتين [فأراد] (٣) السفر فهل (٤) يكون المنع معلقاً بالزوال الذى خوطب به الناس على العموم أو معلقًا بزمن خروجه من داره الذى يصل فيه (٥) إلى الجامع؟ اختلف فيه أصحابنا على قولين، وكذلك اختلفوا على قولين فى مراعاة ثلاثة أميال التى هى المقدار المقدّر بها إتيان الجمعة، هل المعتبر من الجامع أو من طرف المصر، وهذا فيمن كان سكناه خارجًا عن المصر. قال القاضى: وقوله ﵇: " لو أنكم تطهرتم ": دليل على تنزيه المساجد عن الأرواح الكريهة، ولما لم تكن هذه من الكراهة مثل رائحة البصل والثوم وإنما كانت مثل ريح الضأن، كما ذكر فى الحديث، لم يمنع أهلها من حضور المساجد، لكنهم حُضّوا على إزالتها والتنظيف جملة، ولأنها كانت من الغالب، والأكثر منهم، وكثر إلفُها لهم والأنس بها، ولو أن جماعة مسجد كلهم أصحاب أرواح كريهة كالحواتين (٦) وأشباههم يُخالطهم فى مسجدهم غيُرهم لم يمنعوا منه، بخلاف لو كان معهم غيرهم ممن يتأذى بذلك. وأمره بالطيب للجمعة من هذا لقطع تلك الروائح وإدخال المنفعة والمسرة بذلك على من يجالسه من المسلمين، وتعظيم لحرمة المسجد، ولأجل الملائكة الكاتبين فيه.

стр. 1521

(٢) باب الطيب والسواك يوم الجمعة ٧ - (٨٤٦) وحدّثنا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ العَامِرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِى هِلَالٍ وَبُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ، حَدَّثَنَاهُ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ ". إِلَّا أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ فِى الطِّيبِ: وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ. ٨ - (٨٤٨) حدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيَجٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِىِّ ﷺ فِى الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. ــ وقوله: " الغسل [يوم الجمعة] (١) واجب على كل محتلم ": دليل على وجوب الجمعة على الأعيان. وسيأتى الكلام عليه لقوله: " على كل محتلم "، وفيه أن من لا يلزمه السعى إليها (٢) من غير المحتلمين وغيرهم فلا غسل عليه، وقد استحب العلماء، لمن حضرها ممن لا تلزمه كالنساء والعبيد والصبيان الغسل إذا حضرها، وهذا (٣) مذهب مالك. وقوله: " ويمسّ من الطيب ما قدر عليه ": يحتمل لتكثيره، ويحتمل لتأكيده مما وجده من طيب، وبدليل قوله: " ولو من طيب امرأته " (٤)، يريد المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، فأباحه هنا له لعدم غيره وللضرورة إليه، وهذا يدل على تأكيده. وقول عمر للداخل عليه وهو يخطب: " أية ساعة هذه؟ " على طريق التقرير والتوبيخ والتعريف للداخل، بما فاته من فضل التهجير، وأنه وقت طىِّ الصحف. وفيه أمر الإمام فى خطبته بالمعروف ونهيه عن المنكر إذا حضره وسؤاله [من] (٥) يحتاج سؤاله فى أمور الناس، وجواب الآخر له، وأن ليس أَحَدٌ (٦) منهم لاغيًا، وإنما اللاغى من أعرض عن استماع الخطبة وشغل نفسه عنها بكلام أو غيره، مما يمنعه من السماع.

стр. 1522

قَالَ طَاوُسٌ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: وَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا، إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ. (...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ــ وقول عثمان وهو الداخل (١) - رضى الله عنهما - كما جاء مفسرًا فى الحديث الآخر فى الكتاب: " شغلت فلم أنقلب إلى أهلى حتى سمعت النداء " (٢) فى الموطأ: " انقلبت من السوق " (٣) فى ذلك كله أبدى عذره، وأنه لم يقصد التأخير اختيارًا، وإنما غافصه الوقت (٤) لشغله قبل. وفيه جواز العمل يوم الجمعة قبل النداء والتجارة والمبايعات، وقد كان أصحاب النبى ﷺ يكرهون ترك العمل يوم الجمعة كى لا يتشبَّه باليهود. وقوله: " فلم أزد على أن توضأت ": اعتذارٌ وإعلامٌ أنه لم يشتغل منذ سمع النداء بغير فرض الطهارة، ولعله إنما ترك الغُسْلَ لأنه رأى أن السعى قد تعيَّن عليه ووجب بالنداء والغسل غير واجبٍ، والشغل به وتطلب الماء له شغل عن الواجب، فلم يشتغل بغير الفرض من الوضوء؛ ولهذا قالوا: لم يرده عمرُ للغسل، وإن كان أنكر عليه ترك الغسل. وقوله: " والوضوء أيضًا! ": تنبيه لئلا يتشاغل مرة أخرى حتى يضيق عليه الوقت ويفوته، ورأى أن استماعه للخطبة آكد وأولى من رجوعه للغسل. وقوله: " وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل ": يحتج به من لا يرى الأوامر على الوجوب إلا بقرينة بدليل فعل عثمان وإقرار عمر، وترك إنكار الصحابة وترك الغسل مع اعترافهم بالأمر به، و [قد] (٥) جاء فى الحديث الآخَرِ: " فعرَّض به عمر " وقال: (٦) " ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟ " أى لم يُصَرِّح بالإنكار عليه والتوبيخ له. فيه حسن التلطف فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وترك الواجهة بخشن القول وصريح الإنكار، وكثيرًا ما كان يفعل النبى ﷺ مثل هذا، ولاسيما لأهل الفضل ولمن لا يُظَنَّ به إلا الخير، أو من له عذر، وكذلك قوله (٧) المتقدم: " أيةُ ساعةٍ هذه " كله من لطيف التنبيه، وأنه لا يلزم فى التنبيه على ترك غير الواجبات والأمر بها إلا ميسور القول ألا ترى قولَ عمر: " والوضوء أيضًا " الحديث.

стр. 1523

٩ - (٨٤٩) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ قَالَ: " حَقٌّ للهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يَغْتَسِلَ فِى كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأسَهُ وَجَسَدَهُ ". ١٠ - (٨٥٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَة، ومَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ ــ وفى قول عثمان: " سمعتُ النداء ": حجة أنَّ السعى إنما يجبُ بسماعِه، وأن شهود الخطبة ليس بواجبٍ على مقتضى قول أكثر أصحابنا، ولا يشترط فى صحة صلاة الجمعة، على قول آخرين، وأنه (١) لم يعتذر عن تأخره إلى وقت سماع النداء، ولا عاتبه عمر على هذا، ولو كان السعى يجب قبله لم تكن له فيه حجةٌ ولا عذر. وقوله: " حق لله (٢) على كل مسلم أن يغتسل فى كل سبعة أيام ": محمول على غُسل الجمعة عندنا، وقد يحتج به من يوجب الغسل لمجرد اليوم. وقوله: " إذا أراد أحدكم أن يأتى الجمعة فليغتسل ": حجةٌ لقول كافة العلماء: إن الغسل إنما هو بحضورها لا لليوم، وأن من لا يحضرها لا غسل عليه، واختلف فيمن حضرها ممن لا تلزمه، هل عليه غسل أم لا؟ وحكى عن بعض السلف أنه يغتسل، وإن كان مسافرًا، وهو قول أبى ثور، وأنه لا يترك الغسل بحال، وهذا الحديث يرد عليهم، فرأوا الغسل لليوم، وعلى هذا اختلفوا فيمن اغتسل بعد الفجر، هل يجزيه رواحه به إذا قربت الصلاة؟ فجمهورهم على الإجزاء، وهو قول ابن وهب من أصحابنا، وأبى ذلك مالك إلا أن يكون متصلاً برواحه، وهو أحد قولى الليث، والأوزاعى. وقوله: " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرَّب بدنة، ومن راح فى الساعة الثانية " الحديث، قوله: " غسل الجنابة ": أى على صفة غسل الجنابة وهيئته، وقد يحتج به من يذهب فى قوله: " من غسَّل واغتسل " (٣) أنه جامع، يروى "غسل "

стр. 1524

فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنْ، وَمَنَ رَاحَ فِى ــ بالتخفيف والتشديد، يقال: غسَّل وغسَل، إذا جامع، أو يكون أوجب الغسل على غيره، أو يكون غسَّل من الجنابة بالتشديد، وغسَل بالتخفيف للجمعة؛ لأنه إذا فعل ذلك كان أغض لبصره فى سعيه للجمعة، وقيل: غسَل هنا أسبغ الوضوء، واغتسل: أى للجمعة، وقيل: غسل رأسه واغتسل فى بقية جسمه، وقيل غسّل بالتشديد، بالغ فى دلك [جسمه] (١) وتنظيفه، واغتسل بصب الماء عليه، وقد قيل فى رواية البخارى: " من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر " (٢) قيل: اغتسل غسلاً كاملاً إن أمكنه، وإلا تطهر بالوضوء، كما قال فى الحديث الآخر: " من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل ". قال الإمام: قوله ﵇: " من راح إلى الجمعة " الحديث، حمل مالك الحديث على أن المراد به بعد الزوال تعلقًا بأن الرواح فى اللغة لا يكون فى أول النهار، وإنما يكون بعد الزوال، وخالفه بعض أصحابه، ورأى أن المراد به أول النهار تعلقًا بذكر الساعات [فيه] (٣) الأولى والثانية [والثالثة] (٤) [إلى ما ذكر] (٥)، وذلك لا يكون إلا من أوَّل النهار، فمالك تمسك بحقيقة الرواح وتجوَّز فى تسمية الساعة، ويؤكده عنه أيضًا قوله فى بعض طرق الحديث: " مثل المهجَّر كمثَلِ الذى يهدى بدنة " الحديث (٦)، التهجير لا يكون أوَّلَّ النهار، وتمسك بعض أصحابه بحقيقة لفظ الساعة، وتجوَّز بلفظ الرواح. قال القاضى: اختلف تفسير أهل اللغة فى التهجير فى هذا الحديث، فذهب بعضهم إلى أنه السيرُ فى الهاجرة، وكذا معناه فى مختصر العين، وحكاه الحربى عن أبى زيد عن الفرَّاء وغيره، وحكى عن الخليل أنه التبكير، وبه فسروا قوله: " ولو يعلمون ما فى التهجير لاستبقوا إليه " (٧) أى التبكير إلى كل صلاة، وذهب بعض أصحاب الشافعى فى تأويله، قال: معناه هجر منزله وتركه، ولذلك قال بعضهم - أيضًا - فى قوله: " راح " أن معناه: خفَّ (٨) إليها، ويقال: تروَّح القوم وراحوا إذا ساروا أىَّ وقتٍ كان، وأقوى معتمد مالك فى المسألة وكراهية البكور إليها خلاف ما قاله الشافعى، وأكثر العلماء وابن

стр. 1525

السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّما قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً، ــ حبيب من أصحابنا على عمل المدينة المتصل بترك ذلك، وسعيهم إليها قرب صلاتها وهو نقل معلومٌ غير منكر عندهم، ولا معمول بغيره، وما كان أهل عصر النبى ﵇ ومن بعدهم ممن يترك الأفضل إلى غيره ويتمالؤون على العمل بأقل الدرجات، ومما يؤيد تأويله - أيضاً - أنه لو كان كما تأوله غيرُه فى سائر ساعات النهار كان حكم [الساعات] (١) كلها فى الفضل واحد، ثم الثانية كذلك ثم الثالثة، على الترتيب. قد جاء فى الحديث: " يكتبون الأول فالأول "، وفى الحديث الآخر: " فالمهجر كمثل الذى يهدى بدنة "، وفى الرواية الأخرى: " ثم الذى يليه، ثم الذى يليه، ثم الذى يليه " وهذا يقتضى أن يكون فى ساعة واحدة، [وأيضًا] (٢)، فإنَّ الزوال إنما هو فى آخر الساعة السادسة وقد انقضت على قولهم الفضائل فى الخامسة، وإنما انقطعت فى الحديث بخروج الإمام، فلم يبق على قولهم للسادسة إلى خروج الإمام فضل، وهو خلاف الحديث. ومعنى الساعة الأولى والثانية والثالثة على هذا أجزاؤها أو وقت رواحه على طريق التقريب كما يقال: اقعد بنا ساعة، ولم يرد ساعة الزمان المعهودة. والبدنة من الإبل ما أهدى إلى الكعبة، سميت بذلك لأنها تُبَدَّنُ، والبدانة السمن، والجزور - أيضاً - لا يكون إلا من الإبل، وقد يحتج بهذا الشافعى وأبو حنيفة فى تفضيل البُدنِ فى الضحايا على الغنم، وأنها أفضل، ثم البقر، ثم الغنم، وسووا بين الهدايا والضحايا وسائر النسك، ومالك وأصحابه يقولون: أما فى الضحايا فالضأن أفضل من الماعز، ثم البقر، ثم الإبل، من أصحابنا من قدَّم الإبلَ على البقر ووافقوا فى الهدايا، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَفدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم﴾ (٣)، وأن النبى ﷺ إنما ضحى بالضأن، وما كان ليترك الأفضل كما لم يتركه فى الهدايا، ولأن الغرض فى الضحايا استطابة اللحم وفى الهدايا كثرتُه. وقوله: " بدنة ثم بقرة ": يحتج به عطاءُ فى أن البدن لا تكون إلا من الإبل وحدها، ومالك يرى البقر من البدن، وفائدة هذا فيمن نذر بدنة يكون ببلد لا يجدون إلا البقرة، وذلك عند عدم الإبل أو قصر النفقة. وقوله: " أهدى دجاجة وأهدى بيضة " وليس هذان مما يطلق عليه اسم هدى، لكنه لما عطفه على ما قبله من الهدايا وجاء به بعده، لزمه حكمه فى اللفظ، وحمل عليه، كقوله: متقلداً سيفًا ورمحًا، أى وحاملاً رمحاً وكذلك هنا؛ لأنه قال: كالمتقرب بالصدقة (٤)، فدجاجة أو بيضة، وأطلق [عليه] (٥) اسم الهدى لتقدمه وتحسين الكلام به، وقد جاء فى

стр. 1526

فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ، يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ". ــ الرواية الأخرى: " كأنما قرَّب " كذا، وهذا ضربٌ من التمثيل للأجور. [ومقاديرها لا على تمثيل الأجور] (١) وتشبيهها حتى تكون أجرها كأجر هذا، وتكون الدجاجة فى التمثيل والتدريج والبيضة بقدر أجريهما من أجر البدنة لو كان هذا مما يهدى. واختلف فى الغنم، هل هى من الهَدْى أم لا؟ وفائدة الخلاف فيمن قال: علىّ هدىٌ، هل تجزيه شاةٌ أم لا؟ وأجاز ذلك مالكٌ مرة، ومرة لم يجزها إلا من قصر النفقة على تضعيف منه فيها. وقوله: " فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر " (٢)، وفى رواية البخارى (٣): " طَوَوْا صحفهم "، قالوا: هذا يدل على أنَّهُم غير الحفظة.

стр. 1527

(٣) باب فى الإنصات يوم الجمعة فى الخطبة ١١ - (٨٥١) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ ". (...) وحدَّثنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيّبِ؛ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: " إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغيت "، وذكر قول أبى الزناد، هى لغة أبى هريرة وإنما هو: لغوت. قال الإمام: يقال: لغا يلغو، أو لغى يلغى، وهذه لغة أبى هريرة، [وقد ذكره مسلم] (١)، ويقال: هو اللغو واللغا، وأنشد ابن السكيت: ورَبّ أسراب حجيج كُظَّمِ ... عن اللَّغا ورَفَثِ التَكَلُّمِ (٢) وذكر الهروى فى قوله: " ومن مسّ الحصى فقد لغا " معنَاه: تكلَّم، وقيل: لغا عن الصواب، أى مال عنه. وقال النضر: أى خاب، ألغيتُه: خيبته، قال ابن عرفة: اللغو: الشىء السقط الملغى. قال القاضى: وقيل: اللغو واللغا: ما لا ينبغى من الكلام، ورديئهُ وباطله، وما لا خير فيه. وفى الحديث حجة على وجوب الإنصات لسماع الخطبة، وهو قول مالك وأبى حنيفة والشافعى وعامة العلماء، وذكر عن الشعبى والنخعى وبعض السلف: أنَّ الإنصات للخطبة غيرُ واجبٍ، إلا عند تلاوته القرآن فيها. واختلفوا إذا لم يسمع الإمامَ، هل يلزمه من الإنصات ما لزم من سمعه أم لا؟ فجمهورهم على التسوية، وقال أحمد والشافعى - فى أحد قوليه -: إنما يلزم لمن سمعه. ونحوه عن النخعى، واختلفوا إذا لغا الإمام، هل يلزم الناس الإنصاتُ أم لا؟ واختلف فيه عن مالك.

стр. 1528

(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ شِهَابٍ، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا، فِى هَذَا الْحَدِيثِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَارِظٍ. ١٢ - (...) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ قَالَ: " إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغِيتَ ". قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: هِىَ لُغَةُ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ: فَقَدْ لَغَوْتَ. ــ وقوله: " والإمام يخطب ": حجة بيّنة أنَّ الإنصات إنما يجب عند خطبة الإمام، وهو قول مالكٍ وعامة أهل العلم، وذهب أبو حنيفة إلى أن الإنصات يجب بخروج الإمام. قال الامام: فى قوله: " إذا قلت لصاحبك: أنصت [والإمام يخطب فقد لغوت] (١) " إنما ذكر هذه اللفظة لأنها لا تُعدُّ من الكلام الكثير وفى (٢) أمرٍ بالمعروف، فإذا لم يُبحها فأحرى وأولى ألّا يباحَ ما سواها مما يكثر، وليس فيه أمر بمعروف، وقد قال بعض الناس: إِنَّ فيه حجة لمالك فى إسقاطه تحية المسجد عن الداخل والإمام يخطب؛ لأن فى ركوعه من التشاغل عن الإمام أشد مما فى قوله: " أنصِت " (٣). قال القاضى: واختلف فيما كان من الذكر مشروعاً (٤) ومأمورًا به كردِّ السلام، وتشميت العاطس، فمنعه مالك والشافعى وأبو حنيفة، وأجازَه الثورى والأوزاعى وأحمد وإسحاق.

стр. 1529

(٤) باب فى الساعة التى فى يوم الجمعة ١٣ - (٨٥٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: " فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّى، يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا، إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ". زَادَ قُتَيْبَةُ فِى رِوَايَتِهِ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. ١٤ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : " إِنَّ فِى الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قائِمٌ يُصَلِّى، يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ". وَقَالَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، يُزَهِّدُهَا. ــ وقوله فى يوم الجمعة: " فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه ": اختلف الناس فى وقتها وفى معنى " يصلي "، فذهب بعضُهم إلى أنها من بعد العصر إلى الغروب، ومعنى " يصلى " عند هؤلاء: يدعو، ومعنى " قائم ": ملازم ومواظب، مثل قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (١). وذهب آخرون إلى أنها من وقت خروج الإمام إلى تمام الصلاة، وذهب آخرون إلى أنها فى وقت الصلاة نفسها من حين تقام إلى حين تتم، والصلاة على وجهها. وقيل: هى من حين يجلس الإمام على المنبر ويحرم البيع إلى انقضاء الصلاة، [وقيل: من حين يقوم الإمام يخطب إلى حين انقضاء الصلاة] (٢)، وقيل: آخر ساعةٍ من يوم الجمعة. وقد رويت فى هذا كله آثار عن النبى ﷺ مفسرة لكل قول من هذه الأقاويل (٣). وذكر مسلم منها حديث أبى موسى الأشعرى من حين يجلس الإمام، وقيل: هى عند الزوال، وقيل: من عند الزوال

стр. 1530

(...) حدّثنا ابْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ . بِمِثْلِهِ. (...) وحدَّثنى حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُفَضَّلٍ - حَدَّثَنَا سَلَمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ - عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ١٥ - (...) وحدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِىُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ فِى الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ". قَالَ: وَهْىَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ. (...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبَّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَلَمْ يَقُلْ: وَهِىَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ. ١٦ - (٨٥٣) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَعَلىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوْسَى الأَشْعَرِىِّ، قَالَ: قَالَ لِى ــ إلى نحو الذراع، وقيل: هى مخفية فى اليوم كله كليلة القدر فى الشهر أو العام، وقيل: من طلوع الشمس وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وليس معنى قول هؤلاء أنَّ هذا كله وقت لها، إنما معناه: أنَّ فى هذه الأوقات تكون، ويدل على ذلك تقليل النبى ﷺ لها، وإشارته بيده إلى ذلك أنها خفيةٌ، ومعنى " يُزهِّدُها ": يقللها، كما فسَّر فى الحديث. وفى الحديث الآخر: " التمسوها بعد العصر إلى غروب الشمس " (١). وقال قوم: قد رفعت، وقد ردّ السلف هذا على قائله. ووقع فى كتاب السمرقندى: " وأشار بيده يُقلِّبُها " بالباء، وهو تصحيف. والصواب رواية الجماعة المعروفة: " يُقلِّلها " باللام، وذكر مسلم فى الباب حديث أبى بردة: قال لى ابن عمر: " سمعت (٢) أباك يحدث عن النبى ﷺ فى شأن ساعة الجمعة؟ " الحديث. هذا الحديث مما استدركه الدارقطنى على

стр. 1531

عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى شَأنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : يَقُولُ: " هِىَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلاةُ ". ــ مسلم (١) وقال: لم يسنده غير مخرَمة عن أبيه عن أبى بردة. ورواه جماعة (٢) عن أبى بردة من قوله.

стр. 1532

(٥) باب فضل يوم الجمعة ١٧ - (٨٥٤) وحدَّثنى حَرْمَلَة بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: " خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا ". ١٨ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيَرَةَ - يَعْنِى الْحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " خَيْرُ يَوْمٍ طَلْعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلا تَقُومُ السَّاعَةَ إِلَّا فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ ". ــ وقوله ﵇: " خير يوم طلعت فيه (١) الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها " وذكر قيام الساعة فيه، الظاهر أن هذه القضايا المعدود [فيه] (٢) ليست لذكر فضيلتها؛ لأن ما وقع فيه من إخراج آدم وقيام الساعة لا يُعد من الفضائل، وإنما هو سبقهم بعد ذلك فى الآخرة مما ذكره فى الحديث، وقيل: سبقنا بالقبول والطاعة التى حرموها، وقالوا: سمعنا وعصينا.

стр. 1533

(٦) باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ١٩ - (٨٥٥) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِى كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْنَا، هَدَانَا اللهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ ". (...) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " بِمِثْلِهِ. ٢٠ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَحْنُ الآخِرُونَ ــ وقوله: " بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم " الحديث، كذا هذا الحرف " بيد " بفتح الباء وسكون الياء، وكذا رويناه عن شيوخنا فى هذا الحديث فى الأصول، ووقع عند السمرقندى فى حديث عمرو الناقد وعند الطبرى فى حديث ابن أبى عمر: " بأَيد " بكسر الباء وبعدها همزة مفتوحة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (١)، وليس على تعداد القضايا وتعظيم ما وقع فيه وحدث ويحدث من الأمور العظام، فبحسب ذلك يكون العبد مستعدًا فيه مستخبتًا بعمل صالح لرحمة من الله تناله، أو بطشة تدفع عنه. وقوله: " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة " قيل: الآخرون فى الزمن (٢) السابقون بالفضل، وأول من يقضى بينهم يوم القيامة، ويدخل الجنة قبل سائر الأمم، على ما جاء فى صحيح الأحاديث مفسرًا، وذكره مسلم فى بعضها (٣)، وقد يجىء على مساق الحديث الأول. وذكره السبب بقوله: " بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب قبلنا،

стр. 1534

الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدَّخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأَوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِم، فَاخْتَلَفُوا فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَومهُمْ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ - قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ - فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى ". ٢١ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّه - أَخِى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ - قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن مُحَمَّد رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِى فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهِ لَهُ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَالْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ ". ٢٢ - (٨٥٦) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، ــ وأوتيناه من بعدهم "، فهذا معنى قوله: " الآخرون " ثم قال: " هذا اليوم الذى هدانا الله له فالناس لنا فيه تبعٌ " (١)، فمفهوم الحديث أَنَّهُ أخبر عن تأخُّرِهم فى الزمان والوجود وإعطاء الكتاب، وسبقهم بيوم الجمعة على الأيَّام بعدها التى هى تبع له مع هذا من ذاك، وقد صُحِّف، والصواب الأول عند أكثرهم، وقيل: تصح رواية: " بأَيدٍ " هاهنا، أى بقوة أعطاناها الله، وفضلنا بها لقبول أمره وطاعته، وعلى هذا يكون " إنهم " مكسورة لابتداء الكلام واستئناف التفسير. قال الإمام: وقال الليث: يقال: بَيْدَ ومَيْدَ بمعنى " غير "، قال أبو عبيد: تكون " بيد " بمعنى " غير "، وبمعنى " على "، وبمعنى " من أجل " (٢) وأنشد: عمدًا فعلتُ ذاك بَيْد أنى ... أخاف إن هلكت لم يرثنى قال الأموى: معناه: على أنى، وقال غيره: [معناه] (٣): من أجل أنى. قال القاضى: قوله: " اليهود غدًا " نصب على الظرف على تقدير: عيد اليهود غدًا؛ لأن ظروف الزمان لا تكون إخبارًا عن الجثث فى العربية، ومعنى ذلك بيِّن [صحيح] (٤). وقوله: " كتب (٥) الله علينا ": دليل على فرض الجمعة. وقوله: " وهذا يومهم الذى فرض الله عليهم فاختلفوا فيه "، قال الإمام: فيه دليل على فساد تعلق اليهود والنصارى بالقياس فى هذا الموضع؛ لأن اليهود عظمت السبت لما

стр. 1535

عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَعَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَان لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللهُ بِنَا، فَهَدَانَا اللهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ. وَكذَلكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الآخِرُونَ من أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِىُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلائِقِ ". وَفِى رِوَايَةِ وَاصِلٍ: الْمَقْضِىُّ بَينَهُمْ. ٢٣ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، حَدَّثَنِى رِبْعِىُّ بْنُ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيَفْةَ، قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هُدِينَا إِلىَ الْجُمُعَةِ وَأَضَلَّ اللهُ عَنْهَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا " فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ. ــ كان فيه فراغ الخلق، وظنَّت ذلك فضيلةً توجب تعظيم اليوم، وعظَّمت النصارى الأحد، لما كان فيه ابتداء الخلق (١)، فاعتقدت ذلك اليوم، واتبع المسلمون الوحى والشرع الوارد بتعظيم يوم الجمعة، فعظَّموه. قال القاضى: قال بعضهم: فيه حجة أنَّ الجمعة فرض، وقال بعض المشايخ ما معناه: إنه ليس فى الحديث دليلٌ أَنَّ يوم الجمعة فُرِض عليهم تعيينه، فتركوه لأنه لا يجوز لأحد أن يترك فرضًا فرض عليه، والظاهر أنه فرض عليهم يوم الجمعة يعظمونه بغير تعيين (٢)، ووكل إلى اختيارهم (٣) تعينه ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلف اجتهادهم ولم يهدهم الله ليوم الجمعة، وذكره لهذه الأمة وبيَّنه لهم ولم يكله إلى - اجتهادهم، ففازوا بفضيلته. وقد جاء فى بعض الأخبار أَنَّ موسى أمرهم بالجمعة فأخبرهم بفضلها، فناظروه أن السبت أفضل، فقال له الله: دعهم وما اختاروا. وقد يستدل على هذا بقوله: " هذا يوم الجمعة الذى كتبه الله علينا، هدانا الله له "، وفى الآخر: " فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق " ولو كان منصوصًا عليه لم يصح اختلافهم. بل كان يقول: خالفوا فيه (٤). وقوله فى سند هذا الحديث: نا محمد بن رافع، نا عبد الرزاق، كذا للجماعة، وعند الهوزنى: محمد بن رمح (٥)، نا عبد الرزاق.

стр. 1536

(٧) باب فضل التهجير يوم الجمعة (١) ٢٤ - (٨٥٠) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِىُّ - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ - أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو عَبْدِ اللهِ الأَغَرُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وَجاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِى يُهْدِى الْبَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِى يُهْدِى بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِى يُهْدِى الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِى يُهْدِى الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِى يُهْدِى الْبَيْضَةَ ". (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ٢٥ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوابِ الْمَسْجِدِ مَلَكٌ يَكْتُبُ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ - مَثَّلَ الْجَزُورَ ثُمَّ نَزَّلَهُمْ حَتَّى صَغَّرَ إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ - فإذَا جَلَسَ الإِمَامُ طُوِيتِ الصُّحُفُ وَحَضَرُوا الذِّكْرَ ". ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1537

(٨) باب فضل من استمع وأنصت فى الخطبة ٢٦ - (٨٥٧) حدّثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّىَ مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ ". ٢٧ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - قَالَ يَحْيَى: ــ وقوله: " من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدُر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلى معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام "، وفى الرواية الأخرى: " من توضأ فأحسن الوضوء، ولم يذكر " الغسل " ولا " صلى ما قُدِّر له ": فيه فضل الغسل، وكونه مشروعًا وكون الإنصات كذلك، ووقع فى الحديث الأول من رواية الشنتجانى والباجى ولغيرهما: " انتصب " (١) مكان " أنصت ". وقال الإمام: ينقدح فى نفسى فى هذا [اليوم] (٢) أنه ﵇ إنما حدَّد زيادة ثلاثة أيَّام على الجمعة لأنه يُقدَّر أن يوم الجمعة إذا (٣) فعل فيه هذا الخير، وكانت الحسنة بعشر أمثالها، بلغ هذا التضعيف إلى ما قال، [إذ] (٤) أيام الجمعة سبعة، وتكمل السبعة بثلاثة، وهو كما يتأوَّل [كون] (٥) صوم رمضان وستٍّ من شوال [كصيام الدهر] (٦)، لما كان هذا المقدار يبلغ تضعيفه بعشر جميع أيام السنة، كما ستنبه عليه فى كتاب الصوم إن شاء الله. وقد يسْتلوح من قوله: " من توضأ " كون الغسل غير واجب، لما أثنى على المتوضى ولم يذكر غسلاً، وتحقيق دلالة هذا اللفظ على هذا المعنى يحتاج (٧) إلى بسط. قال القاضى: وفى قوله: " صَلَّى ما قدِّر له ثم أنصت " حجة لمذهب الجماعة فى جواز التنفل بالصلاة عند الزوال وقد تقدم.

стр. 1538

أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحصَى فَقَدْ لَغَا ". ــ وقوله: " ومن مس الحصا فقد لغا ": لأنه بتحريكه له وشغله به صار لاغياً مشغلاً (١) غيره عن سماع الخطبة بصوت حركته.

стр. 1539

(٩) باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس ٢٨ - (٨٥٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَواضِحَنَا. قَالَ حَسَنٌ: فَقُلْتُ لِجَعْفَرٍ: فِى أَىِّ سَاعَةٍ تِلْكَ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمْسِ. ٢٩ - (...) وحدَّثنى الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. ح وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: مَتَى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّى، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمالِنَا فَنُرِيحُهَا، زَادَ عَبْدُ اللهِ فِى حَديِثِه: حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، يَعْنِى النَّوَاضِحَ. ــ وقوله: " كنا نصلى الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها " (١) وفى الحديث الآخر: " نواضحنا "، والأول يفسرها (٢)، بمعنى أنهم يريحونها من السقى، وبذلك سميت نواضح، لنضحها الماء، أى صبها، ويكون معنى، نريح ": أى من التعب أو من الرواح للرعى. ويبين فى الحديث أن ذلك كان حين تزول الشمس، وكذلك جاءت الأحاديث الأخر من رواية سلمة بن الأكوع (٣): " نصلي الجمعة فنرجع وما للحيطان ظلٌّ " وفى حديثهم الآخر: " كنا نُجَمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفىء " فهذا كله يدل أنه بعد الزوال، لكن مع صلاتها لأول وقتها ومعنى " نتتبع الفىء" للقائلة، وكانت حيطانهم من القِصَرِ بحيث لا يمتد لها ظل حينئذ، ولقصر الظل عند الزوال فى بلاد الحجاز، ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أنَّ الجمعة لا تُصَّلى إلا بعد الزوال، إلا أحمد وإسحاق، فإنهما أجازاها قبله، وروى من هذا عن الصحابة أشياء لم يصح عنهم منها إلا ما عليه الجمهور.

стр. 1540

٣٠ - (٨٥٩) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَلىُّ بْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَان: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ - زَادَ ابْنُ حُجْرٍ - فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ٣١ - (٨٦٠) وحدّثنا يَحْيَى بْن يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم، قَالا: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ يَعْلى بْنِ الْحَارِث الْمُحَارِبِىِّ، عَنْ إِيَّاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كُنَّا نُجَمَّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَىءَ. ٣٢ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى ابْنُ الْحَارِثِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْجُمُعَةَ، فَنَرْجِعُ وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ. ــ وأما قوله فى حديث سهل: " ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة "، قال الإمام: يحتج به ابن حنبل على جواز صلاتها قبل الزوال، ومحمله عندنا على أن المراد به التبكير، وأنهم كانوا يتركون ذلك اليوم القائلة والغذاء؛ لتشاغلهم بغسل الجمعة والتهجير. وقد ذكر مسلم بعد هذا: " كنا نُجمَّع مع النبى ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع (١) الفىء ".

стр. 1541

(١٠) باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة ٣٣ - (٨٦١) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ. قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ؛ قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ. ٣٤ - (٨٦٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ - عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِىِّ اللهِ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ. ــ قال القاضى: قوله: " كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم " وفى الحديث الآخر: " كانت له خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويُذَكِّرُ الناسَ " اختُلف فى الخطبة لصلاة الجمعة، فكافة العلماء علي أنها شرطٌ فى صحتها وفرضٌ من فروضها، وهو مشهور مذهب مالك، وشذ الحسنى فرأى أنها تجزئ الصلاة دونها، وتابعه أهل الظاهر فى هذا، وحكاه ابن الماجشون عن مالك (١). ثم اختلفوا؛ هل هى فرضٌ أو سنةُ؟ واضطربت الروايات عن أصحابنا فى ذلك ثم اختلفوا فى القيام فيها، فأجمعوا على أنه مشروع فيها، وأن الخَطبة لا تكون إلا قائماً لمن قدر على القيام، كذا حكى أبو عمر وحكى ابن القصَّار أن أبا حنيفة لا يراه مشروعًا ويراه مباحًا، إن شاء قام وإن شاء قعد. ثم اختلفوا فى حكم القيام، هل هو مع كونه فرضًا شرط فى (٢) صحتها أم لا؟ فذهبت طائفة أنه من شروطها، وأنه لا تجزى الجمعة بالخطبة جالسًا، وهو قول الشافعى إلا من عذر، وأن أول من خطب جالسًا معاوية حين ثقل، ومذهبنا أنه ليس من شروط صحة الصلاة والخطبة. ومن تركه أساءَ ولا شىء عليه. قال الامام: والخطبة من شروطها القيام والجلوس بين الخطبتين وأجاز أبو حنيفة

стр. 1542

٣٥ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنْ يَحْيَىَ أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سمَاكٍ، قَالَ: أَنْبَأَنِى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ــ الخطبة جالسًا. وقال ابن القصار من أصحابنا: الذى يقوى فى نفسى أن القيام فيها والجلوس سنة. وقول جابر: " أن النبى ﷺ كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا فمن قال (١): إنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب، فقد - والله - صليت معه أكثر من ألفى صلاة ": قال الشيخ: ويحمل هذا على المبالغة، إن كان أراد صلوات الجمعة؛ لأن هذا القدر من الجمع إنما يكمل فى نيف وأربعين عامًا، وهذا القدر لم يُصلِّه النبى ﷺ ، أو يكون أراد سائر الصلوات. وقد ذكر مسلم بعد هذا أنَّ كعب بن عُجْرة دخل المسجد وعبد الرحمن ابن أم الحكم (٢) يخطب قاعِدًا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعِدًا، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٣)، وهذا الذم، وإطلاق الخبيث عليه يشير إلى أن القيام عندهم [كان واجبًا] (٤)، وأما ظاهر الآية فلا دليل فيها إلا من جهة إثبات القيام للنبى ﷺ . ويحمل ذلك على [أن] (٥) المرادَ به أنه كان قائمًا يخطب. وأن أفعاله على الوجوب [مع اتفاقهم على كونه مشروعًا] (٦). قال القاضى: اختلف أئمة الفتوى فى حكم الجلوس بين الخطبتين مع اتفاقهم على كونه مشروعًا، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وجمهور العلماء: هو سنة، ومن لم يجلس أساء ولا شىء عليه، وخطبة واحدة تجزى، وتقام بها الجمعة، وقال الشافعى: هى فرضٌ، من لم يجلسها كأنه لم يخطب ولا جمعة له. وشرط للجمعة خطبتين. قال الطحاوى: لم يقل هذا أحدٌ غيرهُ، وحجته ظاهر الحديث المتقدم. وقد حكى غيره عن مالك مثل قول الشافعى، ورأى مالك والشافعى وأبو ثور الجلوس على المنبر قبل القيام إلى الخطبة، ومنعه أبو حنيفة، وروى عن مالك والحجة للجلوس بينهما فِعْل النبى ﷺ ، وكونه ليس بواجب: أنه ليس من الخطبة، وإنما هو للاستراحة. والحجة للجلسة الأولى حديث السائب بن يزيد: " كان الأذان يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد

стр. 1543

قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ - وَاللهِ - صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَىْ صَلاَةٍ. ــ رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر " (١). وقوله: " يقرأ القرآن ويُذَكِّرُ الناس ": مما يحتج به الشافعى أنه لابد من خطبتين، يحمد الله فى كل واحدة منهما، ويصلي على النبى ﷺ ، ويوصى بتقوى الله، ويقرأ شيئًا من القرآن؛ آيةً فأكثر، ويدعو فى الآخرة. ومالك وجمهور العلماء لا يجيزون فى الخطبة إلا ما يقع عليه اسم خطبة، وأبو حنيفة وأبو يوسف يجيزا من ذلك تحميدةً أو تهليلة أو تسبيحة، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك.

стр. 1544

(١١) باب فى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١) ٣٦ - (٨٦٣) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فَأنْزلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِى فِى الْجُمُعَةِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. ــ وقوله: " جاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. استدل بهذا الحديث أصحابنا على الشافعى فى اشتراطه أربعين رجلاً، هكذا قال جميع أصحاب حصين بن عبد الرحمن عن سالم بن أبى الجعد، وأبى سفيان عن جابر، وقد روى على ابن عاصم عن حصين بسنده هذا الحديث، وفيه: " لم يبق معه إلا أربعون رجلاً، وأنا فيهم، وتفرده، وخلافه للجماعة يرد روايته (٢).

стр. 1545

(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ. وَلَمْ يَقُلْ: قَائِمًا. ــ وفيه فضل أبى بكر وعمر وأمثالهم مثل جابر، وأنه لم يستفزهم ما استفز غيرهم من الخروج للعير، وسيأتى الكلامُ عليه بعدُ بأتم من هذا. وزاد أبو مسعود الدمشقى فى روايته فى هذا الحديث: فقال رسول الله ﷺ : " لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد لسال بكم الوادى نارًا " (١). قال الإمام: اختلف الناس فى أقل ما يقام بهم الجمعة، فقيل: مائتان. وقال عمر ابن عبد العزيز: خمسون. وقال الشافعى: أربعون. [وقال غيره: اثنا عشر. واعتمد على ما وقع فى هذا الحديث] (٢)، وقال أبو حنيفة: أربعةً إذا كانوا فى مصر. وقال غيره: ثلاثة. وقال غيره: بإمام وآخر معه، فمن رأى أن أقل الجمعة ثلاثة والإمام منفصل عن أقل الجمع، قال ما قال أبو حنيفة. ومن قال: أقل الجمع ثلاثة والإمام معدود فيهم، جاء منه [موافقة] (٣) من قال بالثلاثة (٤). ومن قال: أقل الجمع اثنان والإمام منفصل عنهما، وافق هؤلاء فى الثلاثة، وان اختلفت الطرق. ومن قال: أقل الجمع اثنان والإمام معدود فيهما، وافق من قال: الإمام وآخر معه. ومالك ﵀ لم يحد فى ذلك حداً إلا أن يكون العدد ممن يمكنهم الثواء (٥) ونصب الأسواق. قال القاضى: هذا الذى ذكره مالك ﵀ هو شرط فى وجوبها لا فى إجزائها، والذى يقتضى كلام أصحابه إجزاؤها مع اثنى عشر رجلاً لاستدلاهم بهذا الحديث. قال الباجى: وحكى أبو يعلى العبدى نحوه، عن [بعض] (٦) أصحابنا (٧) وقال ابن القصار: رأيت لمالكٍ أنها لا تجب على الثلاثة والأربعة ولكنها تنعقد بما دون الأربعين، وقد اختلف فيمن تلزمه الجمعة وتنعقد بهم اختلافاً أكثر بما تقدَّم، فحكى عن عكرمة: إذا كانوا سبعة جمَّعوا، وقال مُطرِّف وعبد الملك عن مالك: لا يجب على أقل من ثلاثين بيتًا وما قاربهم، كان لهم وال أو لم يكن. وشرط بعضهم أن يكون إمامٌ مع أربعين يقضى بينهم، فيخطب ويصلى بهم الجمعة، ومن قال: إن الإمام الوالى ليس من شرط الجمعة: مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور واختلف فيه قول الأوزاعى، وذهب أبو حنيفة وأصحابُه إلى أن الوالى شرط فيها، وأنه إن مات أو عزل صلوا ظهرًا حتى يقدم وال غيره. وحكى يحيى بن عمر نحوه عن مالك وأصحابه، وأنها لا تنعقد إلا
следующие страницы →