← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

(١٠) باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة ٣٣ - (٨٦١) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ. قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ؛ قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ. ٣٤ - (٨٦٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ - عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِىِّ اللهِ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ. ــ قال القاضى: قوله: " كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم " وفى الحديث الآخر: " كانت له خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويُذَكِّرُ الناسَ " اختُلف فى الخطبة لصلاة الجمعة، فكافة العلماء علي أنها شرطٌ فى صحتها وفرضٌ من فروضها، وهو مشهور مذهب مالك، وشذ الحسنى فرأى أنها تجزئ الصلاة دونها، وتابعه أهل الظاهر فى هذا، وحكاه ابن الماجشون عن مالك (١). ثم اختلفوا؛ هل هى فرضٌ أو سنةُ؟ واضطربت الروايات عن أصحابنا فى ذلك ثم اختلفوا فى القيام فيها، فأجمعوا على أنه مشروع فيها، وأن الخَطبة لا تكون إلا قائماً لمن قدر على القيام، كذا حكى أبو عمر وحكى ابن القصَّار أن أبا حنيفة لا يراه مشروعًا ويراه مباحًا، إن شاء قام وإن شاء قعد. ثم اختلفوا فى حكم القيام، هل هو مع كونه فرضًا شرط فى (٢) صحتها أم لا؟ فذهبت طائفة أنه من شروطها، وأنه لا تجزى الجمعة بالخطبة جالسًا، وهو قول الشافعى إلا من عذر، وأن أول من خطب جالسًا معاوية حين ثقل، ومذهبنا أنه ليس من شروط صحة الصلاة والخطبة. ومن تركه أساءَ ولا شىء عليه. قال الامام: والخطبة من شروطها القيام والجلوس بين الخطبتين وأجاز أبو حنيفة

стр. 1542

٣٥ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنْ يَحْيَىَ أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سمَاكٍ، قَالَ: أَنْبَأَنِى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ــ الخطبة جالسًا. وقال ابن القصار من أصحابنا: الذى يقوى فى نفسى أن القيام فيها والجلوس سنة. وقول جابر: " أن النبى ﷺ كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا فمن قال (١): إنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب، فقد - والله - صليت معه أكثر من ألفى صلاة ": قال الشيخ: ويحمل هذا على المبالغة، إن كان أراد صلوات الجمعة؛ لأن هذا القدر من الجمع إنما يكمل فى نيف وأربعين عامًا، وهذا القدر لم يُصلِّه النبى ﷺ ، أو يكون أراد سائر الصلوات. وقد ذكر مسلم بعد هذا أنَّ كعب بن عُجْرة دخل المسجد وعبد الرحمن ابن أم الحكم (٢) يخطب قاعِدًا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعِدًا، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٣)، وهذا الذم، وإطلاق الخبيث عليه يشير إلى أن القيام عندهم [كان واجبًا] (٤)، وأما ظاهر الآية فلا دليل فيها إلا من جهة إثبات القيام للنبى ﷺ . ويحمل ذلك على [أن] (٥) المرادَ به أنه كان قائمًا يخطب. وأن أفعاله على الوجوب [مع اتفاقهم على كونه مشروعًا] (٦). قال القاضى: اختلف أئمة الفتوى فى حكم الجلوس بين الخطبتين مع اتفاقهم على كونه مشروعًا، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وجمهور العلماء: هو سنة، ومن لم يجلس أساء ولا شىء عليه، وخطبة واحدة تجزى، وتقام بها الجمعة، وقال الشافعى: هى فرضٌ، من لم يجلسها كأنه لم يخطب ولا جمعة له. وشرط للجمعة خطبتين. قال الطحاوى: لم يقل هذا أحدٌ غيرهُ، وحجته ظاهر الحديث المتقدم. وقد حكى غيره عن مالك مثل قول الشافعى، ورأى مالك والشافعى وأبو ثور الجلوس على المنبر قبل القيام إلى الخطبة، ومنعه أبو حنيفة، وروى عن مالك والحجة للجلوس بينهما فِعْل النبى ﷺ ، وكونه ليس بواجب: أنه ليس من الخطبة، وإنما هو للاستراحة. والحجة للجلسة الأولى حديث السائب بن يزيد: " كان الأذان يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد

стр. 1543

قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ - وَاللهِ - صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَىْ صَلاَةٍ. ــ رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر " (١). وقوله: " يقرأ القرآن ويُذَكِّرُ الناس ": مما يحتج به الشافعى أنه لابد من خطبتين، يحمد الله فى كل واحدة منهما، ويصلي على النبى ﷺ ، ويوصى بتقوى الله، ويقرأ شيئًا من القرآن؛ آيةً فأكثر، ويدعو فى الآخرة. ومالك وجمهور العلماء لا يجيزون فى الخطبة إلا ما يقع عليه اسم خطبة، وأبو حنيفة وأبو يوسف يجيزا من ذلك تحميدةً أو تهليلة أو تسبيحة، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك.

стр. 1544

(١١) باب فى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١) ٣٦ - (٨٦٣) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فَأنْزلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِى فِى الْجُمُعَةِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. ــ وقوله: " جاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. استدل بهذا الحديث أصحابنا على الشافعى فى اشتراطه أربعين رجلاً، هكذا قال جميع أصحاب حصين بن عبد الرحمن عن سالم بن أبى الجعد، وأبى سفيان عن جابر، وقد روى على ابن عاصم عن حصين بسنده هذا الحديث، وفيه: " لم يبق معه إلا أربعون رجلاً، وأنا فيهم، وتفرده، وخلافه للجماعة يرد روايته (٢).

стр. 1545

(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ. وَلَمْ يَقُلْ: قَائِمًا. ــ وفيه فضل أبى بكر وعمر وأمثالهم مثل جابر، وأنه لم يستفزهم ما استفز غيرهم من الخروج للعير، وسيأتى الكلامُ عليه بعدُ بأتم من هذا. وزاد أبو مسعود الدمشقى فى روايته فى هذا الحديث: فقال رسول الله ﷺ : " لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد لسال بكم الوادى نارًا " (١). قال الإمام: اختلف الناس فى أقل ما يقام بهم الجمعة، فقيل: مائتان. وقال عمر ابن عبد العزيز: خمسون. وقال الشافعى: أربعون. [وقال غيره: اثنا عشر. واعتمد على ما وقع فى هذا الحديث] (٢)، وقال أبو حنيفة: أربعةً إذا كانوا فى مصر. وقال غيره: ثلاثة. وقال غيره: بإمام وآخر معه، فمن رأى أن أقل الجمعة ثلاثة والإمام منفصل عن أقل الجمع، قال ما قال أبو حنيفة. ومن قال: أقل الجمع ثلاثة والإمام معدود فيهم، جاء منه [موافقة] (٣) من قال بالثلاثة (٤). ومن قال: أقل الجمع اثنان والإمام منفصل عنهما، وافق هؤلاء فى الثلاثة، وان اختلفت الطرق. ومن قال: أقل الجمع اثنان والإمام معدود فيهما، وافق من قال: الإمام وآخر معه. ومالك ﵀ لم يحد فى ذلك حداً إلا أن يكون العدد ممن يمكنهم الثواء (٥) ونصب الأسواق. قال القاضى: هذا الذى ذكره مالك ﵀ هو شرط فى وجوبها لا فى إجزائها، والذى يقتضى كلام أصحابه إجزاؤها مع اثنى عشر رجلاً لاستدلاهم بهذا الحديث. قال الباجى: وحكى أبو يعلى العبدى نحوه، عن [بعض] (٦) أصحابنا (٧) وقال ابن القصار: رأيت لمالكٍ أنها لا تجب على الثلاثة والأربعة ولكنها تنعقد بما دون الأربعين، وقد اختلف فيمن تلزمه الجمعة وتنعقد بهم اختلافاً أكثر بما تقدَّم، فحكى عن عكرمة: إذا كانوا سبعة جمَّعوا، وقال مُطرِّف وعبد الملك عن مالك: لا يجب على أقل من ثلاثين بيتًا وما قاربهم، كان لهم وال أو لم يكن. وشرط بعضهم أن يكون إمامٌ مع أربعين يقضى بينهم، فيخطب ويصلى بهم الجمعة، ومن قال: إن الإمام الوالى ليس من شرط الجمعة: مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور واختلف فيه قول الأوزاعى، وذهب أبو حنيفة وأصحابُه إلى أن الوالى شرط فيها، وأنه إن مات أو عزل صلوا ظهرًا حتى يقدم وال غيره. وحكى يحيى بن عمر نحوه عن مالك وأصحابه، وأنها لا تنعقد إلا

стр. 1546

٣٧ - (...) وحدّثنا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى الطَّحَّانَ - عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ وَأَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةُ قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، أَنَا فِيهِمْ. ــ بالإمام الذى يُخاف مخالفته، ونحوه لمحمد بن مسلمة، قالوا: ولا خلاف أن النظر فى إقامتها للوالى إذا حضر، وقيل: لا جمعة إلا فى مصرٍ جامع وهو قول الحسن والنخعى وأبى حنيفة ومحمد بن الحسن وابن سيرين (١)، وداود لا يشترط فيها شرطًا ويلزمها للمنفرد، وهى ظهر ذلك اليوم عنده لكل أحدٍ، وهو خلاف الإجماع، والخلاف كثير فيمن تجب عليهم الجمعة وفيمن يصح بهم الجمعة بعد وجوبها عليهم إذا لم يحضرها جملة من وجبت عليه أو تفرقوا عن الإمام وهو فى الخطبة؟ وكذلك اختلفوا إذا تفرقوا عن الإمام وهو فى الصلاة على الاختلاف المتقدم من اشتراط بقاء اثنين غير الإمام، وهو قول الثورى والشافعى، أو يجزى بقاء واحد وهو قول أبى ثور، وحكى عن الشافعى أو يجزى الإمام ولمن (٢) أتمها وحده، وهو قول أبى يوسف وابن الحسن. وقال أبو حنيفة: إن عقد بهم ركعة وسجدة ثم نفروا عنها أجزاه أن يتمها جمعة، وإن كان قبل ذلك استقبل الظهر. وقال مالك والمزنى: إن كان صلى بهم ركعة بسجدتيها أتمها جمعة وإلا لم تجزه، وقال زفر: متى نفروا عنه قبل الجلوس للتشهد لم تصح جمعة، وإن جلس ونفروا عنه قبل السلام صحت صلاته، وقال ابن القاسم وسحنون: إن نفروا عنه قبل سلامه لم تجزه جمعة، وللشافعى قول ثالث: أنه لا تجزئهم حتى يبقى معه أربعون تتم بهم الصلاة، وقال إسحاق: إذا بقى معه اثنا عشر رجلاً أجزته الجمعة. وقوله فى هذا الحديث: " وهو يخطب قائمًا " يفسر مجمل قوله فى الرواية الأخرى عنه فى صحيح البخارى (٣): " بينا نحن نصلى مع النبى ﷺ إذ أقبلت عيرٌ " الحديث، وأن ذلك حين كان يخطب لا فى الصلاة، وقد بيتا اختلاف العلماء فى الموضعين.

стр. 1547

قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. ٣٨ - (...) وحدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ وَسَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ قَائِمٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَدِمَتْ عِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. قَالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. ٣٩ - (٨٦٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وابْنُ بَشَارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ قَالَ: دَخَل الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا. فَقَالَ: انْظُروا إِلى هَذَا ــ وقوله: فى الحديث الآخر: " إذا أقبلت سويقة " (١) وهو بمعنى العير المتقدم. والعير: الإبل تحمل الطعام أو التجارة، لا تسمى عيرًا إلا بذلك، والسويقة تصغير سوق، وإنما سميت بذلك لأن البضائع والأموال تساق إليها. ذكر أبو داود فى مراسيله (٢) أن خطبة النبى ﷺ هذه التى انفضّ الناس منها إنما كانت بعد صلاته الجمعة، لم يظنوا فى ترك الخطبة شيئًا عليهم وأنه قبل ذلك، إنما كان يصلى قبل الخطبة (٣)، حتى جرت هذه القصة، وهذا أشبه بحال الصحابة أنهم كانوا لا يدعون مع النبى ﷺ الصلاة ويتركونه، بل تأولوا بعد تمامها جواز ترك الخطبة، وهو - أيضاً - ظاهر الآية لقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٤) ولم يقل: تركوا الصلاة. وإن كان بعض العلماء أنكر أن يكون النبى ﷺ خطب قط فى الجمعة بعد الصلاة، وبحسب الخلاف فيما تقدم اختلفوا فيما يدرك به صلاة الجمعة، فقال جمهور السلف وفقهاء الفتيا: إنه بإدراك ركعة مع الإمام يكون مدركاً لها، ويضيف إليها ركعة، ولا يكون له جمعة بأقل من ذلك، وجاء بمعنى ذلك حديث صحيح خرجه أصحاب المصنفات (٥)، وقال الحكم

стр. 1548

الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قاعِدًا، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١). ــ وحماد وأبو حنيفة: من أدرك التشهد مع الإمام فى الجمعة صلاها ركعتين، وقالت طائفة: من لم يدرك الخطبة صلى أربعاً، وروى ذلك عن عطاء وطاوس، ومجاهد ومكحول.

стр. 1549

(١٢) باب التغليظ فى ترك الجمعة ٤٠ - (٨٦٥) وحدَّثنى الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ - عَنْ زَيْدٍ - يَعْنِى أَخَاهُ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِى الْحَكَمُ بْنُ مِينَاء؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ - عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ -: " لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ ". ــ وقوله: " سمعت رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره ": [فيه] (١) اتخاذ المنبر لخطبة الجمعة، وهو سنة مجمع عليها للخليفة، فأمَّا غيره فإن شاء خطب على المنبر وإن شاء على الأرض. واختلف عمل الناس وأهل الآفاق فى ذلك، قال مالك: ومن لا يرقى عندنا يقف يسار المنبر، ومنهم من يقف عن يمينه وكلٌّ واسع. وقوله: " لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجُمعات " وروى غير مسلم: " تركهم " (٢) [قال الإمام: قال] (٣) شَمَرْ: زعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدره وماضيه والنبى ﵇ أفصح [العرب] (٤)، وجاء فى الحديث: " إذا لم ينكر الناس المنكر فقد تودِّعَ منهم " (٥) [أى أسلموا] (٦) إلى [ما استحقوه] (٧) من النكير عليهم، كأنهم تركوا [وما استحقوا] (٨) من المعاصى حتى يصروا فيستوجبوا العقوبة فيعاقبوا، وأصله من التوديع وهو الترك. قال القاضى: كان فى النسخ الداخلة إلينا من المعلم فى هذا الكلام اختلالٌ أصلحناه

стр. 1550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من كتاب أبى عُبيد الهروى المنقول منه بلا شك، حسب ما رويناه من طريق القاضى الشهيد عن أبى بكر المفيد عن أبى عمر المليح، عن الهروى وبحسب ما قيدَّناه وأتقناه على الحافظ أبى الحسن بن سراج اللغوى عن أبيه عن السفاقسى عن الصابونى عن الهروى، وقد ذكر أصحاب القراءات واللغة أنه قرئ: " ما وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى " (١) بالتخفيف، بمعنى تركك، فهذا - أيضًا - استعمال ماضيه لا على ما زعمت النحوية. وقوله: " أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين ": حجة بينةٌ فى وجوب الجمعة وكونها فرضًا؛ إذ العقاب والوعيد والطبع والختم إنما يكون على الكبائر، وأصله (٢) التغطية أى غطى عليها ومنعها من الهداية به، حتى لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، ولا تعى خيرًا، قالوا فى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ (٣): أى طبع عليها، قالوا: وأصل الطبع فى اللغة: الوسخ والتدنيس (٤)، واستعمل فيما يشبهه من الآثام ومثله الرين، وقيل: الرين أيسرُ من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدها. وقد اختلف المتكلمون فى هذا اختلافاً كثيرًا، فقيل: هو إعدام اللطف وأسباب الخير، والتمكين من أسباب ضده، وقيل: هو خَلْق الكفر فى قلوبهم (٥)، وهو قول أكثر متكلمى [أهل] (٦) السنة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم، وقيل: هو علم جعله الله فى قلوبهم؛ ليعرف به الملائكة الفرق بين من يجب مدحه وبين من يجب ذمه. قال الإمام (٧): اختلف الناس فى صلاة الجمعة، هل هى فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ فالأكثر أنها على الأعيان، وذهب بعض الشافعية إلى أنها على الكفاية، فتعلق الأولون بقول الله سبحانه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ (٨)، وهذا خطاب لسائر الناس فيجب حمله على العموم، وبظاهر الخبر الذى قدَّمَناه. وتعلق الآخرون بقول النبى ﷺ : " صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم " (٩) الحديث، وصلاة الجمعة تدخل فى عموم قوله ﷺ : " صلاة الجماعة "، فقد أثبت فضلها على [ما تقتضيه] (١٠) المبالغة. واختلف الناس - أيضاً - هل تجب على العبد والمسافر؟ فأسقطها عنهما مالك وأكثر الفقهاء، وأوجبها عليهما داود، ووجه الخلاف ورود خبر الواحد بالتخصيص، فهل يخص عموم القرآن بأخبار الآحاد أم لا؟ فيه اختلاف بين أهل الأصول، وهذا على القول بأن العبد يدخل فى الخطاب مع الحُرِّ، وأما إذا قلنا: إنه لا يدخل فى خطاب الأحرار لم يكن هاهنا عمومٌ عارض خبر واحد، بل يكون الاستمساك بالأصل واستصحاب براءة الذمة فى حقه هو الأصل المعتمد عليه، وعلى أن - أيضاً - هذا الخبر الوارد فيه ذكر أربعة لا

стр. 1551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جمعة عليهم، وعد فيه المسافر والعبد، لا يعارضه الخبر الذى ذكرنا فى كتاب مسلم (١)؛ ولأن المسافر رُدَّ من أربع إلى ركعتين لمشقة السفر، والخطبة [فى] (٢) يوم الجمعة أقيمت مقام ركعتين، فلو أوجبناها عليه لأوجبنا عليه الإتمام، وذلك لا يصح، ولأن العبد لو خوطب بالجمعة لوجب عليه السعىُ وإيقاع عبادةٍ فى مكانٍ مخصوص، وذلك لا يلزمه، كالحج. فإن قيل: هذا يدل على أنه إنما سقط ذلك عنه لحق السيد، فلو أذن له سيده وأسقط حقه هل يستقر عليه الوجوب لزوال العلة المسقطة له؟ (٣) اختلف أصحابنا فى ذلك، ولم يختلفوا فى أن الحجَّ لا يجب عليه بإسقاط السيد حقه. قال القاضى: ذكر بعض من نقل اختلاف قول مالك من العلماء أن ابن وهب روى عنه أَنَّ الجمعة سنة، قال: وكذا فى سماعه، وهذا لا يقوله مالك على هذا، وإنما جاء من سوء تأويل الناقل، وإنما تكلم مالك فى رواية ابن وهب فى القرى المتصلة البيوت وفيها جماعة من المسلمين، قال: ينبغى أن يجمعوا إذا كان إمامُهم يأمرهم أن يُجمَّعوا، وليأمروا رجلاً فَيُجمع بهم، لأن الجمعة سنةٌ، هذا نص روايته عنه، ولهما تأويلان: أحدهما: أن التجميع لها وصلاتها على تلك الهيئة إنما هو فرض بسنة الرسول ووحى الله على لسانه لا بنصِّ القرآن، وقد استمر العرف بإطلاق السنة على مثل هذا أيضاً. والوجه الثانى: أن تكون السنة على عرفها المعهود النازل عن رتبة القرآن، ويكون قول مالك هذا فى المسألة المتكلم فيها الذى اختلف فيها العلماء، هل يجوز لهؤلاء الجمع أم لا يجمع إلا أهل الأمصار؟ فرأى مالك المسألة والخلاف [فيها] (٤) واختلاف قوله هو أيضًا هل يلزم هؤلاء التجميع كان لهم سوق أم لا (٥)، حتى يكون لهم سوق ويكون كهيئة بناء المدن والأمصار وتأكد عنده (٦) تجميعهم بأمر الوالى لهم، وأن هذا لا يقوى قوة الأمصار المجمع عليها، وإنما تجمع هؤلاء تشبيههم بأهل الأمصار والقياس عليهم، فسمى ما أخذ بالاجتهاد ووجد عليه عمل بلده سنة، كما قيل: سُنة العمرين. وأما فى المصر الكبير فلا يختلف فيه قوله، وبحسب هذا اختلف قوله ومذهبه فى الأخذ بحديث عثمان وإذنه لأهل العوالى يوم عيد وافق يوم الجمعة في التخلف عنها إن شاء. وقد رويت عن النبى ﷺ فى مثل ذلك آثار، وما كان عثمان ليضع عن الناس فريضة بمحضر جماعة الصحابة فلا

стр. 1552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ينكرون، فمرة قال مالك: ليس عليه العمل، ومرة قال به، وفيه رَوَى عنه عبد الملك ومطرف وابن وهب ذلك عنه (١).

стр. 1553

(١٣) باب تخفيف الصلاة والخطبة ٤١ - (٨٦٦) حدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحَوصِ، عَنْ سِمَاك، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكَانَتْ صَلاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. ٤٢ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ حَدَّثَنِى سماكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ: زَكَرِيَّاءُ عَنْ سِمَاكٍ. ٤٣ - (٨٦٧) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهْ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ. وَيَقُولُ: " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ، كَهَاتَيْن " وَيَقْرن بَينَ إِصْبَعَيْه السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. ــ وقوله: " بعثت أنا والساعة كهاتين ": يحتمل أنه تمثيل لمقاربتهما، وأنه ليس بينهما أصبع أخرى، وأن كل واحدة متصلةٌ بصاحبتها، كما أنه لا شىء بين محمد ﵇ والساعة، وقد تكون لتقريب ما بينهما من المدة تقدَّر بقدر السبابة من الوسطى وقوله: " والساعة ": نصبٌ على المفعول معه. وقوله: " كان إذا خطب احَمرَّتْ عيناه، وعلا صوته، واشتد غضَبُه، كأنه منذرُ جيش " (١): هذا حكم المحذِّر والمنذِر، وأن تكون حركات الواعظ والمذِّكر وحالاته فى وعظه بحسب الفصل الذى يتكلم فيه ومطابق له، حتى لا يأتى بالشىء وضده، وأما اشتداد غضبه فيحتمل أنه عند نهيه عن أمر خولف فيه شرعه، أو يريد أن صفته صفة الغضبان عند إنذاره. وقوله: " أما بعد ": ترجم البخارى ترجمته على هذه الكلمة فى الخطبة (٢)، وهو فصل بين الكلامين وبين الثناء على الله والحمد لله وبين ما يريد الخطيب أن يتكلم به، وقد

стр. 1554

وَيَقُولُ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةِ ضَلَالَةَ ". ثُمَّ يَقُولُ: " أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ ــ قيل فى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَاب﴾ (١) هو قوله: أما بعد، وقيل فيه غير هذا (٢)، وأولى الأقوال في الآية أنه الفصل بين الحق والباطل كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ (٣). وقوله: " خير الهدى هدى محمد ": رويناه هنا بضم الهاء فيهما وفتح الدال، ومعناه: الدلالة، والهدى هديان: هدى دلالة وإرشاد وبيان وهو الذى يضاف إلى الرسول والقرآن والعباد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٤) و ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم﴾ (٥) و ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٦) و ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ (٧). والهداية الثانية: بمعنى التأييد والعصمة والتوفيق وهى التى تفرد بها ﷻ وتقدست أسماؤه، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْببْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (٨)، وحملت القدرية الهدى حيث وقع على البيان بناء على أصلهم الفاسد فى القدر (٩). وقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١٠) وتفريقه بين الدعاء والهدى يرد قولهم. وروينا الحرف فى غير الكتاب: " خيرٌ الهَدْى هَدْىُ محمد " بفتح الهاء فيهما وسكون الدال، وفى هذا [الكتاب] (١١) أدخله الهروى وفسّره بالطريق، أى إن أحسن الطريق طريق محمد، يقال: فلان حسن الهَدْى، أى المذهب فى الأمور كلها والسيرة، ومنه: " اهدُوا هدى عمار " (١٢) وقوله: " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه " يكون " أولى " هنا

стр. 1555

تَرَكَ مَالاً فَلأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَىَّ وَعَلَىَّ ". ٤٤ - (...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُميْدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَتْ ــ بمعنى أقرب، كما قال بعضهم فى قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانِ﴾ (١) أى الأقربان، وقد تكون " أولى " بمعنى أحق من بعضهم بعضاً ومن أنفسهم لها. وقوله: " من ترك دَيْنًا أو ضياعًا (٢) فإلىّ وعلىّ "، قال الإمام: قال النضر بن شميل: الضياع: العيال، قال ابن قتيبة: هو مصدر ضاع يضيع ضياعًا، ومثله مضى يمضى مضًا، وقضى يقضى قضًا. أراد: من ترك عيالاً عالة وأطفالاً، فجاء بالمصدر [هنا] (٣) [نائبًا] (٤) عن الاسم كما يقول: وترك فقرًا، أى فقراء، والضياع بكسر الضاد جمع ضائع، مثل جائع وجياع، وفى الحديث: " فسد (٥) الله عليه ضيعته ". قال الهروى: ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه من صناعة أو غلَّة وغيرها، وكذلك أسمعنيه الأزهرى. قال شمر: ويدخل فيها الحرفة والتجارة، ويقال: ما ضيعتك؟ فيقول: كذا. قال القاضى: اختلف الشارحون فى معنى هذا الحديث، فذهب بعضهم إلى أنه ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين. وقوله: " صلوا على صاحبكم " وأن النبى ﷺ تكفَّل بديون أمته والقيام بمن تركوه، وهو معنى قوله هذا عنده، وقيل: ليس معنى الحمالة، لكنه بمعنى الوعد بأن الله ينجز له ولأمته ما وعدهم من فتح البلاد وكنوز كسرى، فيقضى منها ديون من عليه دين، وهو معنى قوله هذا عنده، وقيل: ليس بمعنى الكفالة، وحجة هذا حديث أبى هريرة: كان النبى ﷺ يرى الرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: " هل ترك لدينه قضاء ": فإن قيل: إنه ترك وفاءً صلى عليه، فلما فتح الله الفتوح قال: " وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من توفى وترك دينًا فعلىّ، ومن ترك مالاً فلورثته " (٦). وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض فى مال الله للذرية وأهل الحاجة، والقيام بهم وقضاء [ديون] (٧) محتاجيهم. وقوله: " كانت خطبته يحمد الله ويثنى عليه " (٨): هو من سنة الخطبة أن يكون

стр. 1556

خُطْبَةُ النَّبِىِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَة؛ يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِى عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ. ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثلِهِ. ٤٥ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَة، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ؛ يَحْمَدُ اللهَ وُيثْنِى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: "مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ". ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الثّقَفِىِّ. ٤٦ - (٨٦٨) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الأَعْلَى. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِى عَبْدُ الأَعْلَى - وَهُوَ أَبُو هَمَّامٍ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَمْرِو ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ - وَكَانَ منْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِى مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ - فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّى رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَىَّ. قَالَ: فَلَقِيَهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّى أَرْقِى مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللهَ يَشْفِى عَلَى يَدِى مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ ". قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَىَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ. فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ الشُّعَراءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ. قَالَ: فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلَامِ. قَالَ: فَبَايَعَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَعَلَى قَوْمِكَ ". قَالَ: وَعَلَى قَوْمِى. ــ أصلها حمدًا وثناءً على الله. وقوله: " ما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، لقد بلغن قاعوس البحر ": كذا وقع فى أكثر النسخ، وكذا عند شيوخنا بالقاف، من طريق العذرى والسمرقندى والطبرى وابن ماهان، ووقع عند أبى محمد بن سعيد: " تاعوس " بالتاء باثنتين من فوقها، ورواه بعضهم: " ناعوس " (١) بالنون. وذكره أبو مسعود الدمشقى فى كتاب أطراف الصحيحين، وعبد الله بن أبى نصر الحميدى فى كتاب جمع الصحيحين: " قاموس " بالميم، وقال

стр. 1557

قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ. فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤلَاءِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً. فَقَالَ: رُدُّوها، فَإِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ. ٤٧ - (٨٦٩) حدّثنى سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ أَبلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ فَقَالَ: إِنِّى ــ بعضهم: هو الصواب. قال أبو عبيد: قاموس البحر وسطه، وفى الجمهرة: لجته، وفى كتاب العين: قال فلان قولاً بلغ قاموس البحر، أى قعره الأقصى، وهذا المعنى بيِّنٌ فى هذا الحديث (١) نحوه. وقال الحربى: قاموس البحر قعره. وقال أبو مروان بن سراج: قاموس فاعول من قمسته إذا غمسته، فقاموس البحر لُجَّته التى تضطرب أمواجها ولا تستقر مياهها، كأنَّ بعض أجزائه تغمس بعضاً، وهى لفظة عربية صحيحة. قال القاضى: ومنه ما جاء فى الحديث فى المرجُوم: " إنه لينغمس فى أنهار الجنة " (٢) " وأن ملكًا موكل بقاموس البحار " (٣). - قال أبو على الجبائى: لم أجد فى هذه اللفظة ثلجًا. وقال لى شيخنا أبو الحسين: قاعوس البحر صحيح فى رواية من رواه - أيضًا - بمعنى قاموس، كأنه من القعس وهو تطامن الظَهْر وتعمقه، يرجع إلى عمق البحر ولجته الداخلة. وذكر أبو عمر المطرزى فى كتاب اليواقيت: القاعوس الحيَّة، فعلى هذا - إن صحت الرواية - يكون معناه بلغن حيوان البحر وحياته وحيتانه. جاء فى الحديث: " كانت خطبته قصدًا وصلاته قصدًا " أى متوسطة بين الطول والقصر، ومثله القصد من الرجال، والقصد فى المعيشة مجانبة السرف، وهى سنة الخطبة، لئلا يطول على الناس، ولما فى تطويلها من التصنع بالكلام والتشدق فى الخطاب، ولأمْره ﵇ " من صلى بالناس فليخفف ". وقولهم لعمار وقد خطب فأبلغ وأوجز: " لقد أبلغت فأوجزت، فلو كنت تَنفَّسْتَ " أى أطلت الكلام شيئًا ووسَّعته (٤) يقال: نفس الله فى مدته، أى أطالها.

стр. 1558

سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، ــ وقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إِنَّ طول صلاة الرجل وقصْرَ خطبة مَئِنَةٌ من فقهه ": كذا روايتنا فيه هنا مقصور مشدد النون، من طريق شيخنا أبى بكر، وكذا عند الحذاق منهم والمتقنين وهو الصواب. ووقع فى رواية القاضى الصدفى وابن أبى جعفر "ماينة " بالمد [وآخره هاء] (١)، وهو غلط، وكذلك كل ضبطٍ خالف الأول. قال الإمام: قال الأصمعى: سألنى شعبة عن هذا الحرف فقلت: هو كقولك علامة ومخلقة ومجدرة (٢). قال أبو عبيد: يعنى أن هذا مما يستدل به على فقه الرجل. قال أبو منصور: جعل أبو عبيد الميم فيه أصلية وهى ميم - مفْعِلةً، وإن كان كذلك فليس هو من هذا الباب، هذا الذى نقلناه عن الهروى فى حرف الميم، وزاد فى حرف الهمزة مع النون أن أبا عبيد أنشد للمرَّار: فتهامسوا [شيئًا] (٣) [فقالوا] (٤) عرِّسوا ... من غير تمئنةٍ لغير معرِّس وذكر الهروى عن الأزهرى أن تفسير أبى عبيد صحيح، واحتجاجه بالبيت غلط؛ لأن الميم فى التمنية أصلية وهى فى مئِنة ميم مفعلة، وليست بأصلية، ومعنى قوله: " من غير تمئنة " أى من غير تهيئة، ولا فكر فيه، يقال: أتانى فلان وما مأنت مأنه وما شأنت شأنه، أى لم أفكر فيه ولم أتهيأ له. قال القاضى: قال لى أبو الحسين شيخنا: الميم فى " مئنة " أصلية. ووزنها فَعْلَة من مأَنتُ إذا شعرت، وقاله أبوه أبو مروان. وقوله فى هذا الحديث (٥): " فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة " غير مخالف لقوله فى الحديث: " كانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا " وذلك أن كلَّ واحدة قصدًا فى بابها، إذ سنة الخطبة بالتقصير فكان تقصيره ﵇ فيها قصدًا غيرَ مخل بها، وسنة الصلاة التطويل، وتطويله ﵇ قصدٌ فيها غير مخرج لها بالتطويل إلى أذى من خلفه، ولكل شىء عدل وقصد فى ذاته، وإن خالف قصدَ أحدهما الأخرى.

стр. 1559

فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَة، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سحْرًا ". ٤٨ - (٨٧٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيم بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ؛ أَنَّ رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشِدَ. وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ ــ وقوله: " إن من البيان سحراً ": قال أبو عبيد: هو من الفهم وذكاء القلب مع اللسان (١)، وقيل فى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾ (٢) هو الفصل بين كل شيئين، وفيه تأويلان: أحدهما: على وجه الذمِّ، قيل: هو إمالة القلوب وتحريكها وصرفها بمقاطع البيان إليه حتى تكتسب به من الإثم ما يكتسب [به من السحر] (٣). واستدل هؤلاء بإدخال مالك الحديث فى موطئه فى باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله (٤) وأنه مذهبه فى تأويل الحديث، والثانى: المدح، وهو أنَّ الله تعالى قد امتن بتعليم البيان على عباده بقوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾، وشبهه بالسحر لميل القلوب إليه، وأصل السحر الصرفُ، والبيان يصرف القلوبَ ويميلها إلى ما يدعو إليه. وهذا الحديث (٥) مما استدركه الدارقطنى على مسلم وقال: تفرد به ابن أبجر عن واصل عن أبى وائل قال: خطبنا عمار، وخالفه الأعمش وهو أحفظ لحديث أبى وائل فحدَّث به عن أبى وائل عن عبد الله (٦). وقوله فى الذى خطب فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد

стр. 1560

غَوَى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ ". قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِى. ٤٩ - (٨٧١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِىُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرو، سَمِعَ عَطَاءً يخْبِرُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبر: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ (١). ٥٠ - (٨٧٢) وحدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّان، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَال عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ؛ قَالَتْ: أَخَذْتُ ﴿قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (٢) مِنْ فِى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ، فِى كُلِّ جُمُعَةٍ. (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَن يَحْيَى بْنِ ــ غوى، فقال: " بئس خطيب القوم أنت (٣) قل: ومن يعص الله ورسوله " أنكر ﵇ جمع اسمه مع اسم الله فى كلمة واحدة وضمير واحد؛ لما فيه من التسوية؛ تعظيماً لله تعالى، وقد قال ﵇: " لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ثم شاء فلان " (٤) وذلك لما فى معنى " ثم " من التراخى، بخلاف الواو الذى تقتضى التسوية، وإن كان الله تعالى قد شرَّف نبينا بذكره مثل ذلك فى حقه، وعُدَّت من خصائصه، كقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (٥) و ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٦) وشبه هذا. وفيه: توقى الكلام - المجمل والمحتمل - فى حق الله، والتحفظ من إيراد أمثاله فى الخطب والمقامات المشهودة وهذا بيِّنٌ فى معنى الحديث، وعليه إنكاره ﵇ وقد روى أَنَّ إنكاره ﵇ وقوفُه على قوله: " ومن يعصهما " أو احتجَّ به المفسرون على تخطئة الوقوف على غير التام، وما رده ﵇ فى الكتاب عليه، وهو أصح، يخالف هذه الرواية. وقد اختلف المفسرون فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى

стр. 1561

سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا. بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ. ٥١ - (٨٧٣) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنْ بِنْتٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ؛ قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ ﴿ق﴾ إِلَّا منْ فِى رَسُولِ اللهِ ﷺ . يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ. قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدًا. ٥٢ - (...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الأَنْصَارِىُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَة، عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بَنْتِ ــ النَّبِيِّ﴾ (١) هذا الضمير راجع إلى نفسه والملائكة، فأجازه بعضهم، ومنعه آخرون، لعلة التسوية والتشريك، وخصوا الضمير بالملائكة، وقدَّروا الآية أنَّ الله يصلى والملائكة يصلون. وقوله: " فقد غوى ": وقع فى روايتى مسلم بفتح الواو وكسرها، والصواب الفتح هنا من الغىِّ، وهو الانهماك فى الشر. وقول بنت حارثة وأخت عمرة: " ما أخذت ﴿ق﴾ إلا من فى رسول الله ﷺ يقرؤ بها كل جمعة على المنبر " وذلك - والله أعلم - لما فيها من أمر الآخرة والموت والمواعظ الشديدة. وقوله: فى سند الحديث: عن يحيى بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، كذا هو فى النسخ (٢) وفى رواية شيوخنا، وهو صواب. وقال بعض المتعقبين من شيوخنا: صوابه ابن أسعد بن زرارة، وغلط فى رده، والصواب غير ما قاله، وإنما أوقعه فيه غلط ما فى كتاب أبى عبد الله بن البيع فيه، فأتبعه وظن أنه الصواب، وذلك أن الحاكم قال: صواب هذا أسعد، ووهم من قال فيه: سعد، وحكاه عن البخارى، وكذا وقع فى النسخ المروية عندنا عن الحاكم، فإن كان لم يهم الرواة عن ابن البيع فهو الواهم، والذى حكاه عن البخارى غلطٌ، ضده فى كتاب التاريخ، وإنما قال البخارى فى نسبه (٣) سعد، ثم قال: وقال بعضهم: أسعد، ووهم، فانقلب الكلام فى كتاب أبى عبد الله الحاكم،

стр. 1562

حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ؛ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدًا، سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةْ وبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ. ٥٣ - (٨٧٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا. وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ. (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ: رَأَيْتُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَال عُمَارَةُ بْنُ رُؤَيْبَةَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. ــ وإنما أسعد أخوه أبو أمامة أسعد بن زرارة سيد الخزرج، وأما أخوه هذا جدّ يحيى (١) وعمرة (٢) فهو سعد وأدرك الإسلام، ولم يذكره كثير فى الصحابة لأنه ذكر فى المنافقين، وقال أبو عبد الله الحميدى: ذكر بعضهم فى سند هذا الحديث عمرة بنت عبد الرحمن، يعنى حديث يحيى بن عبد الرحمن، قال: وذلك وهم، ولم يذكر ذلك البرقانى ولا الدمشقى. وإنكار عمارة بن رُؤَيْبَةَ رفع اليدين فى الخطبة، وأن النبى ﷺ لم يزد على الإشارة بالمُسَبحِة. اختلف فى هذا، فكره قوم من السلف رفعَ اليدين فى الخطبة والدعاء، وهو قول مالك (٣)، وحجة من قال ذلك هذا الحديث، وأجازه آخرون، وهو قول بعض أصحابنا، وحجتهم رفع النبى ﷺ يديه ومدَّها فى الخطبة [والدعاء] (٤) يوم الجمعة حين استسقى (٥).

стр. 1563

(١٤) باب التحية والإمام يخطب ٥٤ - (٨٧٥) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " قُمْ فَارْكَعْ ". (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . كَمَا قَالَ حَمَّادٌ. وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ. ٥٥ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ - عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطبُ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: " أَصَلَّيْتَ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " قُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ ". وَفِى رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ قَالَ: " صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ". ٥٦ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ ــ وقوله: بينما النبى ﷺ يخطب، إذ جاء رجل فقال له النبى ﷺ : " أصليت يا فلان؟ " قال: لا، قال: " قم فاركع الركعتين " ثم قال فى الحديث الآخر: " إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين " (١): قد تقدم كلام أبى عبد الله فى طرق منه أول الباب، ونزيد هنا ما لم يذكره، فنقول: ذهب مالك والليث وأبو حنيفة والثورى وأصحابهما وجمهور عن السلف من الصحابة والتابعين: أنه لا يركع، وهو مروى عن عمر وعثمان وعلى، وحجتهم الأمر بالإنصات للإمام، وقول ابن شهاب: خروج الإمام يقطع الصلاة (٢)، ولم يخبر عن رأيه، وأن ذلك سنة وعمل مستفيض فى زمن الخلفاء، ولقوله للذى رآه يتخطى رقاب الناس: " اجلس فقد آذيت " (٣) ولم يأمره بركوع، وتأولوا

стр. 1564

الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِىُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَخْطُبُ. فَقَالَ لَهُ: " أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ " قَالَ: لا. فَقَالَ: " ارْكَعْ ". ٥٧ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو؛ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَطَبَ فَقَالَ: " إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ". ٥٨ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَن أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِىُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَعَدَ سُلَيْكٌ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّى، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ " قَالَ: لا. قَالَ: " قُمْ فَارْكَعْهُمَا ". ٥٩ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كِلَاهُمَا عَن عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ الأَعْمَشِ، عَن أَبِى سُفْيَانَ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ ــ حديث الداخل أنه إنما أمره النبى ﷺ لأنه كان عُرياناً أتى عليه خرقة، فأمره النبى ﷺ ليقوم يصلى فيراه الناس، وأنه فعل به ذلك فى الثانية وفى الثالثة، وأمر الناس فى الثالثة أن يتصدقوا بكسوة. رواه أبو سعيد الخدرى، وأنها قضية فى عين ورجل مخصوص ولِعلّة " (١) لكن يعارضه الحديث الآخر: أمره ﵇ بذلك من جاء يوم الجمعة، وذهب الشافعى وأحمد وإسحاق وفقهاء أصحاب الحديث إلى جواز ذلك، وحجتهم هذه الأحاديث. وقاله الحسن وأبو ثور (٢)، وقال الأوزاعى: إنما يركعهما من لم يركعهما فى بيته على ظاهر الحديث، ورأى بعض المتأخرين من أصحاب الحديث استعمال الحديثين والتخيير للرجل بين الوجهين (٣).

стр. 1565

اللهِ؛ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِىُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: " يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ". ثُمَّ قَالَ: " إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ". ــ ومضمون هذه الأحاديث كلها أن الجمعة فى الجامع لا يبرز بها إلى الصحراء، ولا تصلى فى غير مسجد، وأنه من شروطها، وهذا إجماع من العلماء إلا شىء حكاه القزوينى تأويلاً على المذهب أنه ليس من شرطها، وقد أنكره شيوخنا.

стр. 1566

(١٥) باب حديث التعليم فى الخطبة ٦٠ - (٨٧٦) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ ابْنُ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِيِنِهِ، لَا يَدْرِى مَا دِينُهُ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَىَّ، فَأُتِى بِكُرْسِىٍّ، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا. قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِى مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا. ــ وقوله: " فَأُتِىَ بِكُرسىٍّ، حَسِبْتُ قوائمه حديدًا فجلس عليه " (١) كذا للجلودى ولابن ماهان، وهو الصواب، وكذا ذكى ابن أبى خيثمة: " خِلْتُ "، وهو بمعنى حسبت، وقد فسره فى كتاب ابن أبى شيبة حميد فقال: أراه كان من عودٍ أسود فحسبته حديدًا. ووقع فى كتاب ابن الحذاء: " بِكُرسىٍّ خشب " قالوا: ويحتمل أنه تغيير من حسبت، وليس تبعد صحة هذه الرواية: لأنه موافق للرواية الأولى وذكر ابن قتيبة هذا الحديث وقال: " فيه بكرسى خُلْب " قال: وهو الليف، وهذا تصحيفٌ إنما هو خلت كما رواه ابن أبى شيبة، وبمعنى حسِبْتُ الذى رواه مسلم. وقولهَ فى هذا الحديث: " رجل غريب يسأل عن دينه، لا يدرى ما دينه ": فيه التلطفُ فى سؤال العالم. وقوله: " فأقبل علىَّ رسول الله ﷺ ، وترك خطبته " وقوله: " فجعل يُعَلِّمنى مما علمه الله، ثم أتى خطبته ": فيه المبادرة إلى الواجبات، إذ سأل نبيَّه عن دينه، فلو تركه حتى يتم الخطبةَ والصلاة لعل المنية تخترمه؛ ولأن الإيمان على الفور. وفيه دليل أن مثل هذا كلَّه من التعليم والأوامر والنواهى فى الخطب لا يقطعها، وليس بلغو فيها، ولعلَّ جلوس النبى ﷺ على الكرسى وتعليمه له لم يطل جدًّا، وإن طال فلعلة ابتداء الخطبة، كما قاله العلماء. وفيه جواز الجلوس على الكراسى، ولاسيما فى مثل ذلك وأن النبى ﷺ دنا من المذكور ونزل عن المنبر، وترك القيام عليه، وجلس إليه ليقرب منه ويسائِله عن دينه، ويتمكن من مباحثته عنه، وارتفع على الكرسى ليسمع كلامه غيرُه ويشاهدوا محاورته إياه. وفيه إباحة الكلام فى الخطبة لأمر يحدث، وأنه غيرُ مفسد للخطبة (٢)، وكذلك جواز الإجابة له وإن ذلك ليس بلغوٍ، وقد تقدم من هذا. وقال الخطابى عن بعض العلماء: إن الخطيب إذا تكلم فى خطبته أعادها.

стр. 1567

(١٦) باب ما يقرأ فى صلاة الجمعة ٦١ - (٨٧٧) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعَنْبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ - وَهُوَ ابْنُ بِلَال - عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِى رَافِعٍ؛ قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَة عَلَى الْمَدِيِنَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ، فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِى الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون﴾ (١). قَالَ: فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ انْصَرفَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأتَ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِى رِوَايَةِ حَاتِمٍ: فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، فِى السَّجْدَةِ الأُولَى. وَفِى الآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون﴾ وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ. ٦٢ - (٨٧٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبِ بْن سَالِمٍ مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ؛ قَالَ: كَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِى الْعِيدَيْنِ وَفِى الْجُمُعَةِ، بـ ﴿سَبَّحَ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (٢)، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٣). ــ وذكر مسلم قراءة النبى ﷺ فى صلاة الجمعة بسورة الجمعة، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون﴾ أما سورة الجمعة - والله أعلم - فلما فيها من أحكامها وعلمها، وأمَّا سورة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون﴾ فلتوبيخ من يحضرها منهم إذ كان أمكن ما يجدهم لاستماعهم، وقَلَّ من كان يتخلفها منهم.

стр. 1568

قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِى يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِى الصَّلَاتَيْنِ. (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيم بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ٦٣ - (...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: يَسْأَلُهُ: أَىَّ شَىْءٍ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، سِوَى سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ (١). ــ وذكر فى سند هذا الحديث: ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه [عن ابن أبى رافع. كذا لهم، وعند العذرى فى كتاب الصدفى وبعض النسخ: الماهانية] (٢) عن أبى رافع وهو وَهْم، والصواب ابن أبى رافع واسمه عبيد الله، وهو ابن أبى رافع مولى النبى ﷺ كما جاء مُسمىً (٣) فى حديث قتيبة بعده، وقراءته - أيضاً - فى الركعة الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ لما فيها من الوعظِ، وأحوال أهل الآخرة، والتذكير، وأما قراءته بـ (سبَّح) والغاشية فى العيد وفى الجمعة إذا اجتمعا فى يوم على ما ذكره فى الحديث، فلعله لتخفيف صلاة الجمعة لينصرف الناس الذين يشهدون العيدين من أهل العوالى إلى منازلهم، ليشهدوا بقية يوم عيدهم مع من تركوه من عيالهم.

стр. 1569

(١٧) باب ما يقرأ فى يوم الجمعة ٦٤ - (٨٧٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِى صَلَاةِ الفَجْرَ، يَوْمَ الجُمُعَة: ﴿آلم. تَنزِيل﴾ (١) السَّجْدَةُ، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْر﴾ (٢) وَأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ. (...) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن مُخَوَّلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثلَهُ. فِى الصَّلَاتِيْنِ كَلْتَيْهِمَا، كَمَا قَالَ سُفْيَانُ. ٦٥ - (٨٨٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِى الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿آلم. تَنزِيل﴾، و ﴿هَلْ أَتَى﴾. ٦٦ - (...) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَن أَبِيهِ، ــ وذكر مسلم أن النبى ﷺ كان يقرأ فى [صلاة الفجر] (٣) يوم الجمعة بـ ﴿آلم. تَنزِيل﴾ السجدة فى الأولى، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ فى الثانية، قال الإمام: كره [مالك] (٤) فى المدونة أن يقرأ الإمام بسجدة فى صلاة الفرض. واعتل بأنه يخلط على

стр. 1570

عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِى الصُّبْحِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، بـ ﴿آلم. تَنزِيل﴾ (١) فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى. وَفِى الثَّانِيَةِ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ (٢). ــ الناس صلاتهم، وقال بعض المتأخرين من أصحابه: لأن سجدات الصلاة محصورةٌ بالشرع، فزيادة سجدة اختيارًا منافاة للتحديد فى السجود، وقيل: إن ذلك يجوز فى صلاة الجهر، وإذا كان النبى ﷺ قرأ وسجد وهو إمام كان حجة لهذا القول.

стр. 1571

(١٨) باب الصلاة بعد الجمعة ٦٧ - (٨٨١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا ". ٦٨ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَصَلُّوا أَرْبَعًا " - زَادَ عَمْرٌو فى رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: قَالَ سُهَيْلٌ - فَإِنْ عَجِلَ بِكَ شَىْءٌ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فِى الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتَينِ إِذَا رَجَعْتَ ". ٦٩ - (...) وحدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا ". وَليْسَ فى حَدِيثِ جَرِيرٍ: " مِنْكُمْ ". ــ قال القاضى: ذكر مسلم أحاديث الصلاة بعد الجمعة، فذكر من رواية أبى هريرة أمره أن يصلي بعدها أربعًا أيضاً، وفى رواية عنه: " فإن عجل بك شىء فصلِّ ركعتين فى المسجد وركعتين إذا رجعت "، وفى رواية أخرى: " من كان منكم مُصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا ". [و] (١) رواية ابن عمر: " أنه كان ﵇ كان لا يصلى بعدها حتى ينصرف فيركع ركعتين فى بيته إذا انصرف " (٢) وفى رواية معاوية: " إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْهَا بصلاةٍ حتى تكلَّم أو تخرج "، قال الإمام: [لعله] (٣) أشار إلى كراهة الاقتصار على ركعتين بعدها، لئلا تلتبس بالظهر التى هى أربع، وهذا التأويل على رواية: " من كان منكم مصلياً " وأما رواية: " إذا صلى فليصل " فلعله يكون معناه: إن شاء التنفل، بدليل الحديث الآخر. قال القاضى: اختلف العلماء فى هذا، فأخذ مالك برواية ابن عمر، وجعله فى الإمام أشدَّ وأوسع لغيره فى الركوع فى المسجد، مع استحبابه ألا يفعلوا، ووجه ذلك -

стр. 1572

٧٠ - (٨٨٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِى بَيْتِهِ. ثُمَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ. ٧١ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ وَصَفَ تَطَوُّعَ صَلَاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فكَانَ لا يُصَلِّى بَعْدَ الْجُمُعَةَ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ فِى بَيْتِهِ. قَالَ يَحْيَى: أَظُنُّنِى قَرَأْتُ فَيُصَلِّى أَوْ الْبَتَّةَ. ٧٢ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَن سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ. ٧٣ - (٨٨٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِى الْخُوَارِ؛ أَنَّ نَافِعَ بْنِ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ، ابْنِ أُخْتِ ــ والله أعلم - لئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا، أو يظن جاهلٌ ممن رآه يتنفل بعدها بركعتين أنها ظهرٌ، وروى عن جماعة من السلف أنه تصلى بعدها ركعتين، ثم أربعًا، وهو مذهب الثورى وأبى يوسف، لكن استحب أبو يوسف تقديم الأربع على الاثنين، واستحب الشافعى التنفل بعدها وإن كثر أفضل وقال أبو حنيفة وإسحاق: فصلِّ أربعًا لا تفصل بينهن. وحجة هؤلاء الحديث، ومن جهة النظر العلة المتقدمة، لئلا يظن إذا صلاها ركعتين إنها ظهر، وخيره أحمد فى ركعتين، أو أربع. ووقع فى الحديث عن يحيى بن يحيى قرأت على مالك، وذكر حديث ابن عمر المتقدم، وفى آخره: قال يحيى بن يحيى: [أظنه] (١) قرأت فَيُصلِّى أو البتَّة، [هذا لفظ يُشكل ظاهرُه، وتفسيره: أنه شك هل قرأ على مالك قول النبى ﷺ فيصلى ركعتين، أو غير هذا اللفظ - يركع - أو سقط من كتابه لفظة " يصلى " ثم غالب ظنه ووقوع هذه اللفظة وشهرتها فى حديث مالك، قال] (٢): " أو البتة "، أى أنا متردد بين الظن واليقين فى هذه اللفظة تحرياً فى الأداء، ﵀. وقد جاء له فى الكتاب مثل هذا فى خبر جويرة، حتى غلط فى ذلك كثير من أهل

стр. 1573

نَمِرٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ شَىْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: نَعَمْ. صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِى الْمَقْصُورَةِ، فَلمَّا سَلَّمَ الإِمَامُ قُمْتُ فى مَقَامِى، فَصَلَّيْتُ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَىَّ فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَلَّا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ. (...) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ؛ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلهُ إِلَى السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمَ قُمْتُ فِى مَقَامِى، وَلَمْ يَذْكُرِ: الإِمَامَ. ــ هذا الشأن من أهل المشرق كما سنذكره فى موضعه من الكتاب (١)، وكان ﵀ مع علمه وحفظه كثير التشكك حتى لُقِّبَ الشكاك. وقوله: " صليت معه الجمعة فى المقصورة ": فيه عملها فى الجوامع، وأوَّلَ من عملها - فيما قيل - معاوية من الخلفاء، حين ضربه الخارجى (٢) فاستمر العملُ عليها لهذه العلة من التحصين على الأمراء، وأما بغير ذلك فلا ينبغى فعلها، وإن كان بعض المتأخرين أجازها، وذلك خطأ، لتفريقها الصفوف وسترها الإمام عمن خلفه، وإنما استحب للعلة المتقدمة. واختلف الناس فى الصلاة فيها، فأجازه كثير من السلف، وصلوا فيها، منهم الحسن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم، وأباه آخرون وكرهوه، وروى عن ابن عمر أنه إذا حضرت الصلاة وهو فى المقصورة خرج عنها إلى المسجد، وهو قول الشعبى وأحمد، وإسحاق، إلا أن إسحاق قال: فإن صلى أجزته، وقيل: هذا إذا كانت مباحةً، فإن كانت محجزةً إلا على آحاد من الناس لم يجز فيها صلاة الجمعة، لأنها بتحجيزها خرجت عن حكم الجامع المشترط فى الجمعة.

стр. 1574

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨ - كتاب صلاة العيدين ١ - (٨٨٤) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ ــ أحاديث صلاة العيدين قال القاضى: صلاة العيدين من السنن عندنا وعند كافة العلماء، وذكر عن أبى حنيفة أنها واجبة، وقال الإصطخرى (١): هى فرض، وسُمىِّ العيدُ عيدًا لأنه يعود ويتكرر لأوقاته، وقيل: بل بعوده بالفرح والسرور على الناس، وقيل: تفاؤلاً لأن يعود على من أدركه، كما سميت القافلة فى ابتداء خروجها تفاؤلاً لقفولها سالمةً ورجوعها. قوله: " شهدتُ صلاةَ الفطر مع نبى الله ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب ": هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء الأمصار وفقهاء الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبى ﷺ فى الآثار الصحيحة، والخلفاء الراشدين بعده، إلا ما روى أن عثمان شَطْرَ خِلافته، قدَّمها، إِذْ رأى من الناس من تفوتهم الصلاةُ، فقال: لو قدَّمنا الخُطبة ليدركوا الصلاة، وقد روى مثل هذا عن عمر وأنه أول من قدمها لهذه العلة ولا يصح عنه (٢) وقيل: أول من فعل ذلك معاوية، وقيل: أو من فعل ذلك مروان، يعنى بالمدينة، وقد ذكر مسلم غيره مع أبى سعيد (٣). وقال ابن

стр. 1575

وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ. قَالَ: فَنَزَلَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ كَأَنِّى أَنْظُرُ ــ سيرين: إن زيادًا أول من فعله، يعنى بالبصرة، وذلك كله أيام معاوية لأنهما عماله، وفعله ابن الزبير آخر أيامه. قال أصحابنا: إنه إن بدأ بها أعادها بعد الصلاة، وقد علل بعضهم فعل بنى أمية وإطباقهم على ذلك: أنهم كانوا أحدثوا فى الخطبتين من لعن من لا يجب لعنه ما أحدثوه، فكان الناس إذا أكملت الصلاة نفروا وتركوهم، فقدموا - الخطبة لهذا (١). وأما قوله ﵇ فى غير هذا الحديث: خطب النبى ﷺ يوم النحر فقال: " أول ما نبدأ به يومنا هذا - أن نصلى ثم نرجع فننحر " (٢): ظاهره أن الخطبة قبل الصلاة، وبهذا ترجم عليه النسائى (٣) وليس كذلك، فقد فسره حديثه الآخر من رواية البراء، ذكره البخارى: خرج رسول الله ﷺ يوم الأضحى فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه فقال: " إن أول نسكنا فى يومنا أن نبدأ بالصلاة " (٤)، وذكر الحديث، فقد فسر ما أجمل فى الحديث الآخر، وأن العرب توقع الماضى موضع المستقبل، فأخبر ﵇ أن هذا هو ترتيب نسكهم وعملهم فى ذلك اليوم، وقد أطلق النسك هنا على الصلاة، وهو صحيح. والنسك: الطاعة، وكل شىء يتقرب به إلى الله فهو نسك، ومناسك الحج وغيره: مواضع العبادات. وصلاة العيدين سنة مؤكدة، والخطبة لهما سنة لا يسع تركها وهى عندنا لازمة لمن تلزمه الجمعة، وهو قول كافة العلماء على أصولهم فى الجمعة، وأبو حنيفة على أصله - أيضًا - أنها لا تجب إلا على من فى المصر، وأما نزول النبى ﷺ فى خطبته إلى النساء إذ رأى أنه لم يسمعهن فذكَّرَهُنَّ، فهذا كان أَوَّلَ الإسلامِ وتأكيد بيعة الإسلام، وفى حقه ﵇ وفى ابتداء التعليم وخاص له، وليس على الأئمة فعله، ولا يباح لهم قطع الخطبة بنزولٍ لوعظ النساء ومن بعد من الرجال، وقول عطاء فى الأم: إن ذلك لحقٌّ

стр. 1576

إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ، حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ. فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (١) فَتَلَا هَذِهِ الآية حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا. ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: " أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ ". فَقَالَت امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ: نَعَمْ. يَا نَبِىَّ اللهِ. لا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِىَ؟، قَالَ: " فَتَصَدَّقْنَ "، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ، فِدَى لَكُنَّ أَبِى وَأُمِّى؛ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِمَ فِى ثَوْبِ بِلَالٍ. ــ عليهم - يعنى الأئمة - وما لهم لا يفعلون ذلك، غير مُوافقٍ عليه (٢). وقد قال ﵇: " ليبلغ الشاهد الغائب " (٣) ولعل فعله كان لتأكيد البيعة كما قال حين تلا عليهم الآية: " أنتن على ذلك " الحديث. وفيه كون النساء بمعزل عن الرجال وبعد منهم، وغير مختلطات بهم. وقوله: " فجلَّس الرجال " كأنهم قاموا لينفضوا عند نزوله من المنبر لوعظ النساء ظنًّا منهم أنه أكمل خطبته (٤). وقوله: " فجعلن يلقين الفَتَخَ والخواتِيم (٥) " [وفى حديث آخر: " فجعلت المرأة تلقى سخابها وخرصها "، (٦)، قال الإمام: قال ابن السكيت: الفتخةُ عند العرب تلبس فى أصابع اليد، وجمعها فتخات وفَتَخ. وقال أبو نصر عن الأصمعى: هى خواتم لا فصوص لها، ويقال - أيضاً - فتاخ، والسِّخابُ خيطٌ فيه خَرز، وجمعه سُخبُ، مثل كتاب وكتب. قال القاضى (٧): هى قلادة من طيب أو مسكٍ، هو قول أهل اللغة، قالوا: أو قرنفل ليس فيها من الجوهر شىء، وقيل: هو من المقادات يلبسه الصبيان والجوارى، وفى البخارى عن عبد الرازق: الفتخ الخواتيم العظام، وفى العين - أيضاً - الفتخُ جلجل

стр. 1577

٢ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمْعِتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ. قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ، فَذَكَرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ. وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى الْخَاتَمَ وَالْخُرْصَ وَالشَّىءَ. (...) وَحدثَنِيهِ أَبُو الربِيْع الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ. ح وَحَدَّثَنِى يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ ــ لا جرس له، وفى الجمهرة: أن الفتخ قد يكون لها فصوص، قال ثعلب: وقد يكون فى أصابع الرجل، ومنه قول الشاعر: تسقط منه فتخى فى كمى (١) وقوله: " من أقراطِهِنَّ ": قيل: صواب الكلام: من قرطتهِن، وإنما يجمع القرط: قِرْطَة وأقراط، وقراط (٢) وقروط. قال القاضى: ولا يُبعد أن يكون أقراط جمع جمع، جمع قراط، لاسيما وقد جاء فى الحديث: قال ابن دريد: كلُ ما علُق من شحمة الأذن فهو قرط، كان من ذهب أو خرز. والخرص قال شمر: الحلقةُ الصغيرة من الحلى [خرصٌ] (٣). وقوله: " وبلال قايلٌ بثوبه ": كذا روايتنا عن شيوخنا بالياء باثنتين تحتها، أى يسير به، وفى بعض الروايات " قابل " بالباء بواحدة، كأنه بمعنى قبول ما دفعن له، والأول أوجه للكلام. قال الإمام: تعلق بعض الناس بهذا الحديث فى إجازة هبة المرأة مالها من غير اعتبار إذن الزوج؛ لأن النبى ﷺ لم يسأل: هل لهن أزواج أم لا؟.

стр. 1578

حَدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، كِلاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوهُ. ٣ - (٨٨٥) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ نَزَلَ، وَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَهُوَ يَتَوَكَأُ عَلَى يَدِ بِلَال. وَبِلَال بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً. قُلْتُ لِعَطَاء: زَكَاةُ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِ صَدَقَةً يَتَصَّدَّقْنَ بِهَا حينَئذٍ، تُلْقِى ــ قال القاضى: قد يقال: إنه لا حجة فى هذا، لأن الغالب من ذوات الأزواج حضورُ أزواجهن فى ذلك المشهد، وتركهم الإنكار لفعلهن إذن لهن، وتسويغ لفعَلهن (١) وقيل: فيه وجوب الصدقة فى الحُلىِّ، وجوازُ تقديم الزكاة إذ لم يسألهن عن حولها، وهذا لا حجة فيه، والظاهر أنه صدقة تطوع، ولذلك قال بعضهم: فيه حجةُ ألا زكاة فيه، لقوله: " ولو من حُلِيِّكُنَّ " ولا يقال: هذا فى الواجب، وقيل: فيه حجة من يرى جواز فعل البكر، ولا حجة فيه أيضاً، إذ لم يأت فيه عن بكر ذكر أنها تصدقت معهن، ولا حضرت ذلك المشهد. وفيه أن المعاطاة فى العقود تقوم مقام القول الصريح؛ لأن النساء ألقْينَ ما ألقينَ إِذْ طُلبتْ منهن الصدقةُ، فكانت صدقةً وإن لم يسمها صدقة. وفيه أنَّ جواب الواحد من الجماعة عنهم، وهم سكوت غير منكرين عليه، أو إخباره عنهم كنطق جميعهم، لقول المرأة: " نعم " عن جميعهن، إذ قال لهن: " أنتن على ذلك "، فاكتفى ﵇ بقولها (٢). وقوله: " فقامت امرأة واحدة " إلى قوله: " لا يدرى حينئذ من هى "، قال الإمام: كذا وقع في الكتاب عند جميع الرواة: " لا يدرى حينئذ من هى " وغيره يقول: " لا يدرى حسَنٌ من هى " وكذلك ذكره البخارى (٣) عن إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق، وهو الحسن بن مسلم، ولعل قوله " حينئذ " تصحيف. قال القاضى: هو تصحيف لا شك فيه، والحسن بن مسلم هو راوى الحديث فى كتاب مسلم عن طاوس عن ابن عباس.

стр. 1579

الْمَرْأَةَ فَتَخَهَا، وَيُلْقِينَ وَيُلْقِينَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأتِىَ النِّسَاءَ حِينَ يَفْرُغُ فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إِى، لَعَمْرِى، إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ ٤ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ ــ وقوله فى الحديث الآخر: " فقامت امرأة من سِطةِ النساء "، قال الإمام: قيل فى تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ (١) أى أعدُلهم وخيرهم، ومنه قوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٢) أى عدلاً خيارًا، ويقال: فلان من أوسط قومه، وأنه لواسطة قومه ووسط قومه، أى من خيارهم وأهل الحسب منهم، وقد وسط وساطة وسِطة، وقول الله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ (٣) أى فتوسطن المكان، يقال: وسط البيوت (٤) يسطها إذا نزل فى وسطها. قال القاضى: كذا وقع هذا الحرف عند عامة شيوخنا وسائر الرواة، إلا فيما أتى به الخُشنى عن الطبرى، فإنه ضبطه: " واسطة "، وهو قريب من التفسير الأول، لكن حُذَّاق شُيوخنا زعموا أن هذا الحرف مُغَيَّرٌ فى كتاب مسلم، وأنَّ صَوَابَه: " مِن سَفلة الناس "، وكذا رواه النسائى (٥) فى سننه وابن أبى شيبة فى مصنفه (٦) وذكره من طريق آخر: " فقامت امرأة ليست من علية النساء " (٧)، وهذا ضد التفسير المتقدم، ويعضده قوله بعد: " سفعَاء الخدَّين "، وهو شحوب وسواد فى الوجه. قال الإمام: قال الهروى فى تفسير قوله: " أنا وسفعاء الخدَّين كهاتين يوم القيامة " (٨) أراد أنها بدلت [تصانُع] (٩) وجهها - أى محاسِنهُ - حتى اسودت إقامة على ولدها بعد وفاة زوجها لئلا تضيعهم، والأسفع: الثور الوحشى الذى فى خدِّه سواد (١٠).

стр. 1580

يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكّئًا عَلَى بِلالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ. ثُمَّ مَضَى، حَتَىَ أَتَى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ. فَقَالَ: " تَصَدَّقْنَ. فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ " فَقَامَت امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءَ الْخَدِّيْنِ. فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ". قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فِى ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَواتِمِهِنَّ. ٥ - (٨٨٦) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِىّ، قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلا يَوْمَ الأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَخْبَرَنِى. قَالَ: أَخْبَرَنِى جَابِرُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِىُّ: أَنْ لا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْم الْفِطْرِ، حِينَ يَخْرُجُ الإِمَامُ وَلا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ، وَلا نِدَاءَ، وَلا شَىْء. لا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ وَلا إِقَامَةَ. ٦ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، ــ قال القاضى: وقوله: " يكثرن (١) الشَّكاة " مثل قوله: " يكفرن الإحسان " (٢) فى الحديث الآخر، أى ينكرنه ويسترنه. و " الشَّكاة " التشكىِّ بالقول، وهى الشكوى أيضاً، و " يكفرن العشير " قيل: هو الزوج، والعشير - أيضاً - المخالط، فيحتمل أن يريد به الزوج أو كل من يعاشرها ويخالطها من زوج وغيره، قال الخليل: يقال: هذا عشيرك وشعيرك، على القلب. وقوله: " لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى " (٣): فلا خلاف بين فقهاء الأمصار فى ذلك أنه لا أذان ولا إقامة للعيدين (٤)، وإنما أحدث الأذان معاوية (٥)، وقيل: زيادٌ (٦)، وفعله آخر إمارة ابن الزبير (٧)، والناس على خلاف ذلك، وعمل أهل المدينة ونقلهم المتفق عليه برد ما أحدث.
следующие страницы →