← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ، حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ. فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (١) فَتَلَا هَذِهِ الآية حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا. ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: " أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ ". فَقَالَت امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ: نَعَمْ. يَا نَبِىَّ اللهِ. لا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِىَ؟، قَالَ: " فَتَصَدَّقْنَ "، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ، فِدَى لَكُنَّ أَبِى وَأُمِّى؛ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِمَ فِى ثَوْبِ بِلَالٍ. ــ عليهم - يعنى الأئمة - وما لهم لا يفعلون ذلك، غير مُوافقٍ عليه (٢). وقد قال ﵇: " ليبلغ الشاهد الغائب " (٣) ولعل فعله كان لتأكيد البيعة كما قال حين تلا عليهم الآية: " أنتن على ذلك " الحديث. وفيه كون النساء بمعزل عن الرجال وبعد منهم، وغير مختلطات بهم. وقوله: " فجلَّس الرجال " كأنهم قاموا لينفضوا عند نزوله من المنبر لوعظ النساء ظنًّا منهم أنه أكمل خطبته (٤). وقوله: " فجعلن يلقين الفَتَخَ والخواتِيم (٥) " [وفى حديث آخر: " فجعلت المرأة تلقى سخابها وخرصها "، (٦)، قال الإمام: قال ابن السكيت: الفتخةُ عند العرب تلبس فى أصابع اليد، وجمعها فتخات وفَتَخ. وقال أبو نصر عن الأصمعى: هى خواتم لا فصوص لها، ويقال - أيضاً - فتاخ، والسِّخابُ خيطٌ فيه خَرز، وجمعه سُخبُ، مثل كتاب وكتب. قال القاضى (٧): هى قلادة من طيب أو مسكٍ، هو قول أهل اللغة، قالوا: أو قرنفل ليس فيها من الجوهر شىء، وقيل: هو من المقادات يلبسه الصبيان والجوارى، وفى البخارى عن عبد الرازق: الفتخ الخواتيم العظام، وفى العين - أيضاً - الفتخُ جلجل

стр. 1577

٢ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمْعِتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ. قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ، فَذَكَرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ. وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى الْخَاتَمَ وَالْخُرْصَ وَالشَّىءَ. (...) وَحدثَنِيهِ أَبُو الربِيْع الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ. ح وَحَدَّثَنِى يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ ــ لا جرس له، وفى الجمهرة: أن الفتخ قد يكون لها فصوص، قال ثعلب: وقد يكون فى أصابع الرجل، ومنه قول الشاعر: تسقط منه فتخى فى كمى (١) وقوله: " من أقراطِهِنَّ ": قيل: صواب الكلام: من قرطتهِن، وإنما يجمع القرط: قِرْطَة وأقراط، وقراط (٢) وقروط. قال القاضى: ولا يُبعد أن يكون أقراط جمع جمع، جمع قراط، لاسيما وقد جاء فى الحديث: قال ابن دريد: كلُ ما علُق من شحمة الأذن فهو قرط، كان من ذهب أو خرز. والخرص قال شمر: الحلقةُ الصغيرة من الحلى [خرصٌ] (٣). وقوله: " وبلال قايلٌ بثوبه ": كذا روايتنا عن شيوخنا بالياء باثنتين تحتها، أى يسير به، وفى بعض الروايات " قابل " بالباء بواحدة، كأنه بمعنى قبول ما دفعن له، والأول أوجه للكلام. قال الإمام: تعلق بعض الناس بهذا الحديث فى إجازة هبة المرأة مالها من غير اعتبار إذن الزوج؛ لأن النبى ﷺ لم يسأل: هل لهن أزواج أم لا؟.

стр. 1578

حَدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، كِلاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوهُ. ٣ - (٨٨٥) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ نَزَلَ، وَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَهُوَ يَتَوَكَأُ عَلَى يَدِ بِلَال. وَبِلَال بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً. قُلْتُ لِعَطَاء: زَكَاةُ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِ صَدَقَةً يَتَصَّدَّقْنَ بِهَا حينَئذٍ، تُلْقِى ــ قال القاضى: قد يقال: إنه لا حجة فى هذا، لأن الغالب من ذوات الأزواج حضورُ أزواجهن فى ذلك المشهد، وتركهم الإنكار لفعلهن إذن لهن، وتسويغ لفعَلهن (١) وقيل: فيه وجوب الصدقة فى الحُلىِّ، وجوازُ تقديم الزكاة إذ لم يسألهن عن حولها، وهذا لا حجة فيه، والظاهر أنه صدقة تطوع، ولذلك قال بعضهم: فيه حجةُ ألا زكاة فيه، لقوله: " ولو من حُلِيِّكُنَّ " ولا يقال: هذا فى الواجب، وقيل: فيه حجة من يرى جواز فعل البكر، ولا حجة فيه أيضاً، إذ لم يأت فيه عن بكر ذكر أنها تصدقت معهن، ولا حضرت ذلك المشهد. وفيه أن المعاطاة فى العقود تقوم مقام القول الصريح؛ لأن النساء ألقْينَ ما ألقينَ إِذْ طُلبتْ منهن الصدقةُ، فكانت صدقةً وإن لم يسمها صدقة. وفيه أنَّ جواب الواحد من الجماعة عنهم، وهم سكوت غير منكرين عليه، أو إخباره عنهم كنطق جميعهم، لقول المرأة: " نعم " عن جميعهن، إذ قال لهن: " أنتن على ذلك "، فاكتفى ﵇ بقولها (٢). وقوله: " فقامت امرأة واحدة " إلى قوله: " لا يدرى حينئذ من هى "، قال الإمام: كذا وقع في الكتاب عند جميع الرواة: " لا يدرى حينئذ من هى " وغيره يقول: " لا يدرى حسَنٌ من هى " وكذلك ذكره البخارى (٣) عن إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق، وهو الحسن بن مسلم، ولعل قوله " حينئذ " تصحيف. قال القاضى: هو تصحيف لا شك فيه، والحسن بن مسلم هو راوى الحديث فى كتاب مسلم عن طاوس عن ابن عباس.

стр. 1579

الْمَرْأَةَ فَتَخَهَا، وَيُلْقِينَ وَيُلْقِينَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأتِىَ النِّسَاءَ حِينَ يَفْرُغُ فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إِى، لَعَمْرِى، إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ ٤ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ ــ وقوله فى الحديث الآخر: " فقامت امرأة من سِطةِ النساء "، قال الإمام: قيل فى تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ (١) أى أعدُلهم وخيرهم، ومنه قوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٢) أى عدلاً خيارًا، ويقال: فلان من أوسط قومه، وأنه لواسطة قومه ووسط قومه، أى من خيارهم وأهل الحسب منهم، وقد وسط وساطة وسِطة، وقول الله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ (٣) أى فتوسطن المكان، يقال: وسط البيوت (٤) يسطها إذا نزل فى وسطها. قال القاضى: كذا وقع هذا الحرف عند عامة شيوخنا وسائر الرواة، إلا فيما أتى به الخُشنى عن الطبرى، فإنه ضبطه: " واسطة "، وهو قريب من التفسير الأول، لكن حُذَّاق شُيوخنا زعموا أن هذا الحرف مُغَيَّرٌ فى كتاب مسلم، وأنَّ صَوَابَه: " مِن سَفلة الناس "، وكذا رواه النسائى (٥) فى سننه وابن أبى شيبة فى مصنفه (٦) وذكره من طريق آخر: " فقامت امرأة ليست من علية النساء " (٧)، وهذا ضد التفسير المتقدم، ويعضده قوله بعد: " سفعَاء الخدَّين "، وهو شحوب وسواد فى الوجه. قال الإمام: قال الهروى فى تفسير قوله: " أنا وسفعاء الخدَّين كهاتين يوم القيامة " (٨) أراد أنها بدلت [تصانُع] (٩) وجهها - أى محاسِنهُ - حتى اسودت إقامة على ولدها بعد وفاة زوجها لئلا تضيعهم، والأسفع: الثور الوحشى الذى فى خدِّه سواد (١٠).

стр. 1580

يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكّئًا عَلَى بِلالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ. ثُمَّ مَضَى، حَتَىَ أَتَى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ. فَقَالَ: " تَصَدَّقْنَ. فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ " فَقَامَت امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءَ الْخَدِّيْنِ. فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ". قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فِى ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَواتِمِهِنَّ. ٥ - (٨٨٦) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِىّ، قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلا يَوْمَ الأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَخْبَرَنِى. قَالَ: أَخْبَرَنِى جَابِرُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِىُّ: أَنْ لا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْم الْفِطْرِ، حِينَ يَخْرُجُ الإِمَامُ وَلا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ، وَلا نِدَاءَ، وَلا شَىْء. لا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ وَلا إِقَامَةَ. ٦ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، ــ قال القاضى: وقوله: " يكثرن (١) الشَّكاة " مثل قوله: " يكفرن الإحسان " (٢) فى الحديث الآخر، أى ينكرنه ويسترنه. و " الشَّكاة " التشكىِّ بالقول، وهى الشكوى أيضاً، و " يكفرن العشير " قيل: هو الزوج، والعشير - أيضاً - المخالط، فيحتمل أن يريد به الزوج أو كل من يعاشرها ويخالطها من زوج وغيره، قال الخليل: يقال: هذا عشيرك وشعيرك، على القلب. وقوله: " لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى " (٣): فلا خلاف بين فقهاء الأمصار فى ذلك أنه لا أذان ولا إقامة للعيدين (٤)، وإنما أحدث الأذان معاوية (٥)، وقيل: زيادٌ (٦)، وفعله آخر إمارة ابن الزبير (٧)، والناس على خلاف ذلك، وعمل أهل المدينة ونقلهم المتفق عليه برد ما أحدث.

стр. 1581

أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوَّلَ مَا بَويعَ لَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَلَا تُؤَذِّنْ لَهَا. قَالَ: فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يُفْعَلُ. قَالَ: فَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. ٧ - (٨٨٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ - عَنْ سَمِاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعِيدَيْنِ، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلا مَرتَّيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ. ٨ - (٨٨٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلَّونَ العيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. ٩ - (٨٨٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، قَامَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِى مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ، ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيرِ ذَلِكَ، أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: " تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا "، وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ ــ وقوله: " كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى " (١): حجة للبروز للعيد فى الصحراء، وهو سنة، والذى [عليه] (٢) [عمل] (٣) جماعة المسلمين، إلا لأهل مكة، فيصلى فى المسجد، أو مِن عذر. وقول أبى سعيد: " فخرجت مخاصراً مروان بن الحكم ": أى ماشاه ويده فى يده، فقال فى هذا: خاصرنى (٤).

стр. 1582

مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى مِنْبِرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِن، فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِى يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِى نَحْوَ الْمِنْبَرِ، وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ قُلْتُ: أَيْنَ الابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا، يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ. قُلْتُ: كَلَّا. وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لا تَأتُونَ بِخَيْرٍ مَمَّا أَعْلَمُ - ثَلَاثَ مِرَارٍ ثُمَّ انْصَرَفَ. ــ وقوله: " فإذا كَثِير بْنُ الصلت (١) بنى منبراً من طين ولبن ": وقع فى غير موضع أنَّ كثيرًا إنما بناه قبل هذا لعثمان، وظاهر هذا اللفظ يُعطى إحداثه الآن، وفيه جواز خطبة العيد على المنبر، ومنازعة أبى سعيد له ليرده للصلاة قبل الخطبة. وقوله: " الابتداءُ بالصلاة " أمرٌ له بالمعروف، وفيه دليل على أنَّ ذلك كان معهوداً عندهما، وتركه حين أبى. وقوله: " لا تأتون بخير مما أعلم ": تصريحٌ بالحق وإن لم يكن فى الواجبات، وأما قوله: " ثم انصرف " فظاهره - والله أعلم - انصرافه عن جهة المنبر إلى جهة الصلاة، ولم يأت أنه انصرف عن المصلى، ولم يصل معه، بل دليل الحديث الآخر الذى خرجه البخارى (٢): " أنه صلى معه وكلمه فى الأمر بعد الصلاة، ولو كان عنده من المنكرات الواجبة، وأن الصلاة لا تجزى مع تقديم الخطبة لما صلاها معه.

стр. 1583

(١) باب ذكر إباحة خروج النساء فى العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة، مفارقات للرجال ١٠ - (٨٩٠) حدّثنى أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا - تَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ، فِى الْعِيدَيْنِ، الْعَوَاتقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ. ــ قال الإمام: وقوله: " [أمرنا أن] (١) نُخرِج [فى العيدين] (٢) العواتق، أو ذوات الخدور] (٣) ": والعاتق: الجارية حين تُدرك، وعتقَت أى أدركت. قال القاضى: قال ابن السكيت: العاتق فيما بين أن تدرك إلى أن تعنس ما لم تتزوج، وقال ابن دريد: عتقت الجارية صارت عاتقاً إذا أوشكت البلوغ. والخدور: البيوت، وقيل: الخدر السرير الذى عليه قبةٌ، وقيل: ستر يكون فى ناحية البيت، وهو بمعنى قوله: " المخبأة ". وقد اختلف السلفُ فى خروج النساء للعيدين فرأى ذلك جماعة حقاً عليهن، منهم أبو بكر وعلى وابن عمر وغيرهم، ومنهم من منعهن ذلك جملة، منهم عروة والقاسم، ومنع ذلك بعضهم فى الشابة دون غيرها، وأجازه للمتجالة، منهم عروة، والقاسم، ويحيى بن سعيد، وهو مذهب مالك وأبى يوسف، واختلف قول أبى حنيفة فى ذلك، فأجازه مرَّةً فى العيدين، ومنعه أخرى. قال الطحاوى: كان الأمر بخروجهن أوَّل الإسلام لتكثير المسلمين فى أعين العدو (٤)، وقال غيره: هذا يحتاج إلى تاريخ، وأيضاً فليس النساء مما يرهب بهن العدو. وقوله: " والحُيَّضُ يُكنَّ خلف الناس ": تنزيهاً لموضع الصلاة منهن كما منعهن المساجد وقد تقدم هذا، وخشية ظهور الخلاف على الأئمة من أن يكون النساء مجتمعات، منهن من يصلى ومنهن من لا يصلى (٥)، ففيه حجة لمنع هذا الباب. وقوله: " يكبِّرن مع الناس ": فيه جواز الذكر لله للحائض، وقد تقدم. هذا يحتمل أنه فى وقت خروجهن عند تكبير الإمام فى خطبته وصلاته.

стр. 1584

١١ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْخُروجِ فِى الْعِيَدَيْنِ، وَالْمُخَبَّأَةُ والْبِكْرُ. قَالَتِ: الْحُيَّضُ يَخْرُجْنَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ. ــ قال الإمام: اختلف الناس فى التكبير فى العيدين، فعند مالك سبع فى الأولى، وعند الشافعى ثمان، وعند أبى حنيفة أربع، واتفقوا على أن ذلك قبل القراءة، [وأما الثانية فستّ عندنا بتكبيرة القيام قبل القراءة] (١)، وقال أبو حنيفة: أربع بعد القراءة (٢). وقد قال بعض أصحابنا: [فيه] (٣) معنى لطيف لأنه ﵇ أراد أن يثبت فى هاتين الركعتين تكبير أربع ركعات، إذ (٤) فى كل ركعتين سوى [ركعتى العيد] (٥) من [التكبير] (٦) هذا القدر المزيد فى صلاة العيدين، كما [فعل] (٧) فى صلاة الكسوف،

стр. 1585

١٢ - (...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ ــ جعل فى الركعتين ركوعَ أربعٍ، يشير إلى تضعيف الأجر، وقد يُستلوح منه أن هذا القدرَ المزيدَ يعنى عما أخذ منه، وكأن المصلي فعل بركعتيه أربعَ ركعات. قال القاضى: وللتكبير فى العيدين أربعة مواطن: فى السعى إلى المصلى إلى حين يخرج الإمام، وإذا كبَّر الإمام فى خطبته، والتكبير المشروعُ فى صلاة العيدين، والتكبير بعد الصلاة، فأما الوجه الأول فاختلف العلماء فى ذلك، فرأى جماعة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المُصلى يرفعون أصواتهم بذلك (١)، وقاله مالك والأوزاعى، قال مالك: ويكبر إلى أن يخرج الإمام، وقال ذلك الشافعى وزاد استحبابه ليلة الفطر وليلة النحر (٢)، وروى عن ابن عباس إنكار التكبير فى الطريق (٣). وفرق أبو حنيفة بين العيدين، فقال: يكبر فى الخروج يوم الأضحى، ولا يفعله فى الفطر، وخالفه أصحابه (٤) فقالوا بقول الجماعة، وأما تكبيرهم بتكبير الإمام فى خطبته، فمالك يرى ذلك (٥) والمغيرة يأباه. وأما التكبير المشروع فى صلاة العيدين، فاختلف العلماء وأئمة الأمصار فى ذلك، فذهب مالك وأحمد وأبو ثور فى آخرين إلى أنه سبع فى الأولى بتكبيرة الإحرام وخمس فى الثانية غير تكبيرة القيام، وقال الشافعى: سبع غير تكبيرة الإحرام، وفى الثانية

стр. 1586

حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِى الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ. فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ ــ خمس بتكبيرة القيام، وقال أبو حنيفة والثورى: خمس فى الأولى وأربع فى الثانية بتكبيرة الافتتاح والقيام، لكنه تقدم عندهم القراءة على الثلاث تكبيرات فى الثانية، وكلهم يرى صلة التكبير وتواليه، وقال أحمد والشافعى وعطاء: يكون بين كل تكبيرتين ثناءٌ على الله، وصلاة على النبى ﷺ ودعاء (١)، وروى عن ابن مسعود (٢)، واختلف عن السلف والصحابة فى تكبير العيد اختلافاً كثيرًا نحو اثنى عشر مذهباً. وأما الوجه الرابع فهو التكبير بعد الصلاة فى عيد النحر، فاختلف السلف والعلماء فيه - أيضاً - على نحو عشر مقالات: هل ابتداؤه من صبح يوم عرفة؟ أو ظهرها؟ أو من صبح يوم النحر؟ أو ظهره؟ وانتهاؤه فى ظهر يوم النحر؟ أو فى ظهر أول يوم من أيام النفر؟ أو فى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق؟ أو فى صلاة الظهر؟ أوفى صلاة العصر؟ واختيار مالك والشافعى وجماعة من أهل العلم ابتداؤه صلاة الظهر يوم النحر، وانتهاؤه صلاة الصبح آخر أيام التشريق (٣)، واختار بعض أصحابه قطعه بعد صلاة الظهر ذلك اليوم، وبعضهم بعد العصر، ومذهبنا ومذهب الشافعى وجماعة من أهل العلم أنه للمنفرد والجماعة والرجال والنساء والمقيم والمسافر، وقال أبو حنيفة والثورى وابن حنبل: إنما يلزم جماعات الرجال. وكذلك اختلفوا فى التكبير دبر النوافل، فلم ير ذلك مالكٌ فى المشهور عنه، والثورى وأحمد وإسحاق وقال الشافعى: يكبر، وروى عن مالك، واختلفوا فى صفة التكبير، هل هو ثلاث؟ وهو مشهور قول مالك، أو لا حدَّ فيه؟ وهو الذى حكاه ابن شعبان فى مختصره إن شاء ثلاثًا وإن شاء أربعًا أو خمسًا، ليس فيه شىء موصوفٌ، أو فيه حمدٌ وتهليل، فيقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، [الله أكبر] (٤) [ولله الحمد] (٥)، وهو قول مالك (٦) الآخَر والكوفيين وفقهاء الحديث، واختار بعضهم غير هذا من زياده ثناء وحمد مع التكبير والتهليل (٧).

стр. 1587

وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ: " لِتُلبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلبَابِهَا ". ــ وكذلك اختلفوا، هل يكبرون تلك الأيام فى غير أدبار الصلوات؟ وهو المروى عن جماعة السلف، أم يختص بأدبار الصلوات فقط؟. وقد ذكر مالك أنه أدرك الناس يفعلون الوجهين، وأجاز كلاً لمن فعله، لكن الذى فعله من يقتدى به وأختاره وهو التكبير دبر الصلوات فقط (١) واختار بعض شيوخنا الوجه الأول للتشبيه بأهل منى. وقوله: " لتُلْبِسْها [أُخْتُها] (٢) من جِلبابِها "، قال الإمام: الجلباب: هو الإزار، وجمعه جلاليب، ومنه قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ (٣). قال القاضى: قال النضر بن شُميل: الجلبابُ ثوب أقصر وأعرض من الخمار، وهى المصنَّعة، تغطى المرأةُ بها رأسها، وقال غيره: هو ثوب واسع دون الرداء، تغطى به المرأة ظهرها وصدرها، وقيل: هو كالملاءة والمِلْحَفَةِ، وقيل: هو الإزار، وقيل: هو الخمار. وظاهر قوله: " لِتُلْبِسْها أُخْتُها من جلبابها " أَى لِتُعِرْها جلبابها إذا تَعَوَّضَتْ هى منه بسواه أو يكون على ظاهره، ومشاركتها فيه للضرورة، أو يكون على طريق المبالغة، أى (٤) يخرجن ولو اثنتان فى جلبابٍ، ففيه كلُّه الحض على المواساة والتأكيد فى خروجهن للعيد.

стр. 1588

(٢) باب ترك الصلاة، قبل العيد وبعدها، فى المصلى ١٣ - (٨٨٤) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِىٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطرٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ. فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى خُرْصَهَا وَتُلْقِى سِخَابَهَا. (...) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ــ وقوله: " فصلى ركعتين لم يُصَلِّ قبلها ولابعدها ": وإلى هذا ذهب مالك ﵀ وأحمد، وهو المروى [عن جماعة من الصحابة والتابعين، وذهب الشافعى إلى جواز الصلاة قبلها وبعدها، وروى] (١) عن جماعة من السلف أيضاً، وذهب الكوفيون والأوزاعى فى جماعة من التابعين إلى أنَّه يصلى بعدها ولا يصلى قبلها، لكن مالكًا يقول: هذا فى صلاتها فى الصحراء اقتداءً بالمروى عنه ﵇ فأما إذا صُليت فى المسجد فعنه ثلاثُ روايات: جواز الصلاة قبلها وبعدها لأنها ليست بالصورة المتقدمة، وجوازها بعدها لا قبلها، كسائر التنفل بعد انصرافه إلى منزله، ومنعه فى الوجهين، اتباعاً لما مضى، وقد منع بعضهم من التنفل جملة يوم العيد إلى الزوال، واختاره بعض أصحابنا.

стр. 1589

(٣) باب ما يقرأ فى صلاة العيدين ١٤ - (٨٩١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلىَ مَالِكٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِىَّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِىَّ: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى الأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فيهِمَا بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ (١) و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَر﴾ (٢). ١٥ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ، حَدَّثَنَا فَلَيْحٌ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِى وَاقِدٍ اللَّيْثِىِّ؛ قَالَ: سَأَلَنِى ــ وذكر قراءة النبى ﵇ فيها بقاف و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، ذهب الشافعى إلى أن القراءة بذلك من سنن صلاةِ العيد، ومالك وكافة العلماء لا يرون فيها حدًا محدودًا يتعين. قال بعض أصحاب المعانى: واختصاص النبى ﵇ بقراءة هاتين السورتين فى العيد لما فيهما من ذكر النشور والحشر وتشبيهه ببروز الناس وحشرهم للعيد كذلك وتذكِّره به، قال الله تعالى: فى ﴿اقْترَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٣) ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ (٤) وفى السورة الأخرى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ (٥). ذكر مسلم حديث يحيى بن يحيى عن مالك عن ضَمْرَة بن سعيد المازنىِّ عن عبيد الله ابن عبد الله؛ أنَّ عمر بن الخطاب سأل أبا واقدٍ: " ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ فى الأضحى والفطر؟ " هذا حديث غير متصل فى ظاهره من رواية مالك؛ لأن عبيد الله لا سماع له من عمر وهو متصل بالحقيقة كما فسره فى رواية فليح فيما ذكره مسلم فى الطريق الآخر. وسؤال عمر أبا واقد، ومثلُ عمر لم يخف عليه هذه العلة، اختبار له، هل حفظ ذلك أو لا؟ أو يكون قد دخل عليه شكٌّ أو نازعه غيره ممن سمعه يقرأ فى ذلك بـ " سبّح " والغاشية، على ما تقدم فى باب الجمعة، فأراد عمر الاستشهادَ عليه بما سمعه أيضاً أبو واقد.

стр. 1590

عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: عَمَّا قَرَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى يَوْمِ الْعِيدِ؟ فَقُلْتُ: بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ و ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾. ــ قال بعضهم: مثابرة النبى ﷺ فيهما بقاف و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ لما فيهما من ذكر النشور وشبهه بخروج الناس للعيد كما قال: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ (١) وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج﴾ (٢) والصدر عن المصلى لرجاء الغفران والسرور بالعيد كالصدر من المحشر إلى الجنة مغفور لهم. وفيه دليل على جهره بالقراءة فيها، ولا خلاف فى ذلك.

стр. 1591

(٤) باب الرخصة فى اللعب، الذى لا معصية فيه، فى أيام العيد ١٦ - (٨٩٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِى الأَنْصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ. قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَبمُزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِى بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ وَذَلِكَ فِى يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا ". ــ وقوله: " وعندى جاريتان تُغَنِّيَان "، قال الإمام: الغناء بآلة يمنع، وبغير آلةِ اختلف الناس فيه، فمنعه أبو حنيفة، وكرهه الشافعى ومالك، وحكى أصحاب الشافعى عن مالك أن مذهبه الإجازة من غير كراهة. قال القاضى: المعروف عن مالك فيه المنعُ لا الإجازةُ، ومثل هذه القصة لعائشة وهى حينئذ - والله أعلم - بقرب ابتنائه بها، وفى سنِّ من لم يُكلَّفُ. وفى أول الأمر، ومعها جاريتان من سِنِّها، ثم ما أنشدتاه ليس فيه شعرٌ بسب ولا رفث؛ لأنه قال بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، وإنما هى من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور، والغلبة، وكل هذا مما لا يهيج على مثلهن شراً، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوتِ بالإنشاد، ألا ترى قوله فى الحديث: " وليست بمغنيتين " أى ليستا ممن يغنى بما جرت به عادة المغنيات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش والتشبيب بأهل الجمال مما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، كما قيل: " الغناء رقية الزنا " (١)، أو ليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف بالإحسان فى الغناء الذى فيه (٢) تمطيطٌ وتكسير، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا ممن اتخد هذا صناعة وكسبًا، وقد تقدم أن الجهر ورفع الصوت تسميه العربُ غناءً، ألا ترى كيف قال فى الرواية الأخرى: " بغناء بعاث "، فسمى أشعارهم غناءً، وليس مجرد الإنشاد والترنم على عادة العرب من الغناء المختلف فيه. وقد استجاز الصحابة وغيرهم غناء العرب (٣) المسمى بالنصب، وهو إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط، وأجازوا الحداء، وفعلوه بحضرة النبى ﵇ وفي هذا كله إباحة مثل هذا، وما خف منه ولم يكن لصاحبه بعادة، وهذا ومثله لا يجرَّح به شاهد، ولا يقدح فى العدالة، وأيضاً فإن اللهو وضرب الدفاف جائز فى الأعراس، وهو أحد أفراح المسلمين

стр. 1592

(...) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِيهِ: جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفٍ. ١٧ - (...) حدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِى أَيَّامِ مِنىً، تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُسَجّى بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهُ، وَقَالَ: " دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ ". وَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ. وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ ــ وأعيادهم من ذلك، ألا ترى قوله ﵇: " هذا عيدنا "، وفيه دليل على إظهار السرور وأسبابه فى الأعياد. وأما تسجية النبى ﷺ بثوبه فى هذا الحديث وتحويله وجهه عنهن فى الحديث الآخر - فإعراض عن هذا اللهو، إذ لم يكن منه ولا من سببه، وإن كان عنده مباحًا (١) لهؤلاء، كما قال: " لسْتُ من دَدٍ، ولا دَدٌ منى " (٢)، وكذلك يكره فعله وحضوره - وإن كان مباحًا - لأهل الفضل والمروات ومن يقتدى به، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (٣)، أو لا ترى كيفَ كان إنكارُ أبى بكر أن يكونَ ذلك بمحضر رسول الله ﷺ ، وإنما إنكاره فلشبه عنده بالمنهى عنه من الغناء المنكر. [وفيه فتوى المتعلم بحضرة مُعَلِّمِهِ مما يعرف من مذهبه وعلمه، وإنكاره المنكر] (٤) بحضرته. ومعنى " تقاولت " أى قاله بعضهم لبعض فى تلك الحرب. ويوم بعاث يوم معلوم كان بين الخزرج والأوس، كان الظهور فيه للأوس، ضبطناه هنا بالعين المهملة، وهو قول الأكثر من اللغويين، وقال أبو عبيدة: يقال فيه " بغاث "

стр. 1593

الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ. ١٨ - (...) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُومُ عَلَى بَابَ حُجْرَتِى، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فِى مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ لِكَىْ أَنْظَر إِلَى لَعِبِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِى، حَتَّى أَكُونَ أَنَا التِى أَنْصَرِفُ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ ــ بالغين المعجمة، وبالوجهين ضبطناه فى غير هذا المكان عن ابن سراج (١). و" مزمور الشيطان " بضم الميم، بمعنى مزمار فى الحديث الآخر، وأصله الصوت بصفير، ومنه زمارة النعامة، والزمير الصوت الحسن، والزمر الغناء. وقوله: " ورسول الله ﷺ مسجَّىً بثوب " (٢) كما قال فى رواية أخرى: " مغشى " (٣) ولعل تقدم أبى بكر لزجرهم بين يدى النبى إذ رأى النبى ﷺ مسجَّىً ووجهه إلى الجهة الأخرى فظنَّ أنه نائمٌ لا علم عنده منهُنَّ، ولا يسمع غناءهن. ومعنى الجارية العَربة، قال أهل التفسير فى قوله: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ (٤): واحدهن (٥) عروبٌ، وهن المتحببات لأزواجهن، وقيل غير هذا (٦)، وقيل: العربة الغنجة (٧)، وامرأة عاربة أى ضاحكة، والعروب النشاط، فقد تكون العرِبة هنا المشتهرة (٨) فى اللعب كما قال فى الحديث الآخر: " الحريصة على اللهو ". وفيه جواز اللعب بالدفِّ فى النكاح والأعياد وأفراح المسلمين ما لم يكثر ذلك، وهو الدف العربى المدور بوجه واحد، المسمى بالغربال. وفى حديث الحبشة جواز اللعب بالسلاح والمثاقفة؛ لأن فيه تدريباً على العمل بها فى

стр. 1594

الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ، حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ. ١٩ - (...) حدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى - وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ - قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِى، وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " دَعْهُمَا "، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ. فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَإِمَّا قَالَ: " تَشْتهِينَ تَنْظُرِينَ؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِى وَرَاءَهُ، خَدِّى عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: " دُوْنَكُمَ يَا بَنِى أَرْفِدَةَ "، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: " حَسْبُكِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " فَاذْهَبِى ". ٢٠ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَة ــ الحرب وتمرينًا للأيدى عليها، وكون ذلك فى المسجد إما لأنه من هذا الباب، فكأنه من أعمال البر، أو كما قيل: كان فى أول الإسلام، وقيل: النهى عن مثل هذا وغيره فيه، وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال، مثل هذا، لأنه إنما يكره لهنَّ من النظر إلى الرجال ما يكره للرجال فيهن من تحديق النظر لتأمل المحاسن، والالتذاذ بذلك، والتمتع به، وفيه ما كان عليه ﵇ من حسن الخلق، وكرم العشرة مع الأزواج، وجميع الخلق. وقوله: " دونكم يا بنى أرفدة " بفتح الفاء ضبطناه على الشيخ أبى بحر، وكذا أتقنه عن شيخه القاضى الكنانى، أما الوزير أبو الحسن فقاله لنا بكسر الفاء لا غير، وأنكر الفتح. ومعنى تسميتهم ببنى أرفَدة [قيل] (١): هو لقب لهم. وقوله: " دونكم ": لفظ يستعمل للإغراء، والمغرى به هنا محذوف دلت عليه الحالةُ التى هم فيها، وهو لعبهم بالحراب الذى نهاهم عمر عنه. قال الخطابى: وهى تتقدم الاسم فى الجملة (٢)، إلا شاذًا كما قال: يا أيها المايحُ دلوى دونكما (٣)

стр. 1595

قَالَتْ: جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِى يَوْمِ عِيدٍ فِى الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِى النَّبِىُّ ﷺ ، فَوَضَعْتُ رَأسِى عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِى أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ. (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَريَّاءَ بْنِ أَبِى زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ بِشْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرَا: فِى الْمَسْجِدِ. ٢١ - (...) وحدَّثنى إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِى عَاصِمٍ - وَاللَّفْظُ لِعُقْبَةَ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ؛ أَنَّهَا قَالَتْ، لِلعَّابِينَ: وَدِدْتُ أَنِّى أَرَاهُمْ. قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِى الْمَسْجِدِ. قَالَ عَطَاءٌ: فُرْسٌ أَوْ حَبَشٌ. قَالَ: وَقَالَ لِى ابْنُ عَتِيقٍ: بَلْ حَبَشٌ. ــ وفيه أقوى دليل على إباحة مثل هذا الأمر لهم، زايداً على إقراره إياه، وكذلك قوله فى الرواية الأخرى: " دعهم يا عمر ". وقوله: " حسْبُكَ ": هو هنا على طريق الاستفهام، أى أكفاكِ؟ بدليل قولها: " نعم ". وقوله: " اذهبى ": أى ارجعى إلى حجرتك وانصرفى عن النظر لهم. وقوله فى الحبشة: " يزْفنُون " فى الحديث الآخر ولم يأت عندهم فى سائر الأحاديث سوى اللعب بالسلاح، فقيل: معناه: يرقصون، والزَّفِنُ: الرقصُ، وهو وثبهم بسلاحهم تلك، وحجلهم أثناء عملهم بها كحركة المثاقف، وإنكار عمر وحصْبُه لهم بالحصباء - مما تقدم - مخافةَ أن يكون ذلك فيما لا يباح، حتى زجره النبى ﷺ عنهم، ولعله لم يعلم أنَّ النبى ﷺ يرى لعبهم، حتى سمع كلامه. وقوله: " فأهوى إلى الحصباء ": أى أمال يده لأخذها. وقول عطاء فيه: " فرس أو حبش " شك من الرواى، والصواب حبش. وقوله: " وقال لى ابن عتيق: حبش " (١) كذا عند شيوخنا وعند الباجى قال لى:

стр. 1596

٢٢ - (٨٩٣) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعمَر عَن الزُّهْرِىُّ، عَنْ ابْنِ المُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُوَنَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحِرَابِهِمْ، إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ وَيَحْصِبُهُمْ بِهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " دَعْهُمْ يَا عُمَرُ ". ــ أبو عمير، وقد تقدم فى سند هذا الحديث عبيد بن عمير (١) أخبرتنى عائشة، وفى نسخة: وقال ابن أبى عتيق.

стр. 1597

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٩ - كتاب صلاة الاستسقاء ١ - (٨٩٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِىّ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. ــ أحاديث الاستسقاء وذكر مسلم أحاديث الاستسقاء، فذكر حديث مالك عن عبد الله بن حزم (١) عن عباد بن تميم، وفيه خروج النبى ﷺ إلى المصلى فاستسقى وحَوَّل رداءه حين استقبل القبلة، وليس فيه ذكر الصلاة، ونحوه فى حديث يحيى بن سعيد عن أبى بكر بن حزم، وذكره من رواية غير مالك وفيه: " وصلى ركعتين "، وذكر نحوه من حديث ابن شهاب عن عباد بن تميم وفيه: " ثم صلى ركعتين "، قال الإمام: هذا يدل على أن فى الاستسقاء صلاةً، وبه قال مالك (٢)، وأبو حنيفة لا يرى فى الاستسقاء صلاة، وتعلق الأحاديث التى فيها استسقاؤه ﵇ على المنبر، وهذا لا حجة له فيه، لأنه إنما قصد به الدعاء، لإتقان سنة صلاة الاستسقاء، وأيضاً فإنه كان عقيبه صلاة، قد (٣) تنوب عن صلاة الاستسقاء، كما أن الحاجَّ يحرم عقيب الفريضة، وتنوب عن النافلة. قال القاضى: لا خلافَ فى جواز الاستسقاء، وأنه سنة، واختلف هل له صلاة كما تقدم؟ فالعلماء كلهم مخالفون لأبى حنيفة فى هذه المسألة، وأصحابه مخالفون له فيها، إلا شيئاً روى عن النخعى (٤). وفى الأحاديث دليل على بروز الإمام والناس لها فى الصحراء وذلك لقوله: " خرج إلى المصلى " ولم يختلف من قال: يصلى لها، أنها ركعتان، كما نص فى الحديث، واختلفوا هل يُصلى قبل الخطبة؟ وهو قول الشافعى وعامة الفقهاء والذى رجع إليه مالك، ومشهور مذهبه، أو بعدها؟ وهو قول الليث، وقاله مالك أولاً. واختلفت الراويات فى ذلك عن الصحابة، وليس فى رواية من قال: "وصلى " حجة؛ لأن الواو لا تعطى رتبة،

стр. 1598

٢ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، ــ لكن رواية من قال عن الزهرى: " ثم صلى " بَيِّنَةٌ فى الترتيب وتقديم الخطبة، ويعارضها رواية معمر عنه قال: " فصلى بهم ركعتين وحوَّل رداءه ورفع يديه واستسقى "، ومن رواية إسحاق بن عيسى الطبَّاع عن مالك أنه ﵇ أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة (١) ولاختلاف هذه الآثار - والله أعلم - اختلف فى ذلك قول مالك، ثم عُضِّد عنده أحد الوجهين قياسُها على سنة صلاة العيد التى تشبهها (٢). ولم يذكر فى هذه الآثار فيها تكبيرًا زائدًا على سائر تكبير الصلوات، وهو قول جمهور العلماء إلا الشافعى، والطبرى، فإنهما قالا: يكبر فيها كما يكبر لصلاةَ العيد، وحجتهما قوله فى بعض الأحاديث: " صلى فيهما ركعتين كما يصلى فى العيد " (٣) وليس فيه حجة (٤) إذ الظاهر العدد والجهر وكونهما بعد الخطبة إلا التكبير، واختلف فى المسألة قول أحمد، وخيَّر داود بين التكبير وتركه، وروى عن ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول التكبيرُ فيها، ولم يذكر مسلمٌ جهره بالقراءة فيها، وقد ذكره البخارى (٥)، ولا خلاف فى ذلك، فلم يذكر فيها بغير أذان ولا إقامة، وقد ذكره غيره فى حديث الزهرى، ولا خلاف فى ذلك، ولم يذكر جلوسه أثناء الخطبة، ولا أولها، وقد اختلف قول مالك فى جلوسه فيها أولا، والجلوس المشهور عنه، وكذلك يجلس عنده أثناءها ويخطب خطبتين، وهو قول الشافعى، وقال أبو يوسف ومحمد ابن الحسن وعبد الرحمن بن مهدى: خطبة واحدة (٦) وخيّره الطبرى (٧).

стр. 1599

عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ــ وقوله: " استسقى ": أى طلب من الله السقى بدعائه أو بتضرعه وصلاته. وقوله: " واستقبل القبلة وحوَّل رداءه "، وفى رواية: " فقلب رداءه "، قال الإمام: قال أهل العلم: إنما كان ذلك على جهة التفاؤل، لينقلب الجدب خِصْبًا. قال القاضى: قوله: " حوَّل رداءه " و " قلب رداءه " حجة لمالك وعامة العلماء أنه ردّ ما على اليمين على الشمال، كما جاء فى الحديث مفسراً (١)، وليس بتنكيسه وبقلب أعلاه أسفله، وجعل ما يلى الأرض على رأسه وما على رأسه إلى الأرض، كما قال الشافعى بمصر (٢)، وكان يقول بالعراق كقول الجماعة، وقد وهم بعض المتأولين على المذهب وعلى غيره فجعلوا قول من قال: " يجعل ما على ظهره يلى السماء " وفسّر التحويل والقلب بهذا قولاً ثالثاً، وليس كذلك، بل هو القول الأول الذى عليه الجمهور، ولأنه لا يتأتى أن يجعل ما على يمينه على يساره، ولا يقلبه فيجعل أعلاه أسفله إلا بأن يجعل ما على ظهره يلى السماء، ولأن لفظة (حول، وقلب) تقتضى هذا، ولو كان كما قال الشافعى لقال: فنكَّس أو دوَّر. وتحويله سنة، قال بهما جمهور العلماء، وقد أنكر التحويل جملة من لم يبلغه هذه السنة، وهو أبو حنيفة وصعصعة بن سلَّام من قدماء علماء الأندلس على مذهب الشاميين (٣) ولم يذكر فى الحديث أنه تحوَّل غير النبى ﷺ ، وهو قول الليث ومحمد وأبى يوسف من

стр. 1600

٣ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِىَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِى، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. ٤ - (...) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَازِنِىُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ــ أصحاب أبى حنيفة وابن عبد الحكم وابن وهب من أصحابنا (١)، وقال مالك: يحول الناسُ معه (٢). وقوله: " لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحوّل ": دل أَنَّ الخطبة كلَّها ليست بدعاءٍ، وإنما هى أولاً ثناء على الله، وتذكيرٌ للناس، ووعظ لهم، وتخويفٌ، فإذا أراد أن يدعوَ استقبل القبلة ودعا، وحوَّل رداءه كما جاء فى الحديث. وقد اختلف الناس هنا فى موضعين: فى وقت تحويل الرداء من الخطبة، هل هو بعد تمامها؟ أو عند الإشراف على كمالها؟ أو بين الخطبتين، وقد روى هذا كله عن مالك والأول المشهور عنه، وقاله الشافعى، وقيل: بعد مضى صدرٍ منها، وعلى هذا الاختلاف هل يفعل ذلك قبل استقباله القبلة؟ أو بعد استقبالها؟ وهل يرجع بعد تمام دعائه فَيُذَكِّرَ الناسَ أم لا؟ فقال مالك مرة: إذا فرغ استقبل القبلة قائماً فحوَّل رداءه، ويحول الناس وهم جلوس ثم يدعو كما هو قائماً، ويدعو الناس وهم جلوسٌ، ثم ينصرف، وقال مرة: إن شاء انصرف وإن شاء حول وجهه إلى الناس، فكلم الناسَ ورغبهم فى الصدقة، والتقرب إلى الله، واختار تحوِّله إليهم وإكمال بقية خطبتة بعض أصحابنا، ولا خلاف فى تحويل الإمام وهو قائم، ويُحول الناس وهم جلوس. وقوله: " استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء ": هذا اختيار جماعة من العلماء فى رفع اليدين عند مواطن الدعاء، وفى الاستسقاء، واستحبابهم ذلك، وروى استحبابه عن مالك فى الاستسقاء، وعنه كراهة رفع الأيدى فى شىء من الأشياء، وأما صورة رفعها فهذا المروى فى الحديث، وهذا الذى اختاره مالك عند عزم الإمام على الناس فى رفع الأيدى، فرفع يديه كذلك، وقال: إن كان [الرفع] (٣) فهذا اقتداءٌ منه بما جاء فى

стр. 1601

رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِى، فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، يَدْعُو اللهَ، واسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّل رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ــ الحديث، وهو الذى فسَّره مفسرون بالرَّهب فى قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (١)، قالوا: وأما عند المسألة والرغبة فبسط الأيدى وظهورها إلى الأرض، وهذا الرغب.

стр. 1602

(١) باب رفع اليدين بالدعاء فى الاستسقاء ٥ - (٨٩٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى الدُّعَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. ٦ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ وَعَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أن نَبِىَّ اللهِ ﷺ كَانَ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى شَىءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِى ــ وقد ذكر مسلم: أنه ﵇ كان لا يرفع يديه فى شىء من دعائه، إلا فى الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه، وهذا يدل على رفعهما فوق الصدر وحذو الأذنين؛ لأن رفعهما مع الصدر لا يكشف بياض الإبط، وقد تقدم استيعاب هذا أوَّل الصلاة. قال بعض الشارحين: وفيه دليلٌ أن لبس النبى ﷺ الرداء كان على نحو لباس أهل بغداد ومِصْر والأندلس من كونه على المنكبين غير مشتمل به، ولا متعطف إياه، إذ لو كان كذلك لما قال فيه: " جعل ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه ". قال القاضى: قد جاء ما يصحح ما قاله هذا الشارح، فذكر أبو سعد عبد الملك بن محمد الحافظ الواعظ صاحب كتاب " شرف المصطفى " (١) أنه ﵇ قال: " ألا أخبركم بلبسة أهل الإيمان، فلبس رداءه وألقاه على رأسه وتقنع به، ورفع بيده اليمنى على منكبه الأيسر " وقد جاء - أيضاً - فى كتاب أبى داود فى الاستسقاء: " وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن " (٢)، وفسّره الخطابى أنه أراد بالعطاف الرداء، أى جعل جانب ردائه الأيمن أو شقه الأيمن (٣).

стр. 1603

الاسْتِسْقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. (...) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، نَحْوَهُ. ٧ - (٨٩٦) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء. ــ قال القاضى: وعندى أنه يحتمل أنه أراد بالعطاف الطرف الذى يعطف به، جعله على يمينه أو يساره؛ لأن التعطف لبسة معروفة تخالف المتقدمة. قال الخطابى: إذا كان الرداء مربَّعاً نكَّسه، يعنى على مذهب إمامه الشافعى، قال: وإن كان طيلساناً مُدَوَّرًا قلبه ولم ينكسه (١)، وذكر أبو سعد عن عروة أن رداءه ﵇ كان حضرمياً طول أربعة أذرع، فى عرض ذراع وشبر، قال: وهو الذى عد الخلفاء اليوم، وذكر محمد بن سعد فى " تاريخه الكبير " عن الواقدى: أن برد النبى ﷺ كانت يمنية طول ستة أذرع فى ثلاث وشبر وإزاره من نسج عُمان طول أربعة أذرع وشبر فى عرض ذراع وشبر، كان يلبسهما يوم الجمعة والعيد ثم يطويان (٢).

стр. 1604

(٢) باب الدعاء فى الاستسقاء ٨ - (٨٩٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ويَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ - عَن شَرِيكِ بْنِ أَبِى نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْو دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ ــ وقوله: " إن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ": سُمِّيَت بذلك لأنها بيعت فى قضاء دين عمر بن الخطاب الذى كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى أن تباع فيه ماله، وما عجز استعان ببنى عدى ثم بقريش، فباع عبد الله بن عمر داره هذه من معاوية وباع ماله بالغابة، وقضى دينه، فكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، وكان الدين ثمانية وعشرين ألفاً، ثم اختصروا فقالوا: دار القضاء، وهى دار مروان، وقال بعضهم: هى دار الإمارة، وغلط لما بلغه أنها دار مروان ظن أن المراد بالقضاء الإمارة، وإنما هو ما قلناه. وقول القائل للنبى ﷺ : " ادع الله يغثنا ": كذا ضبطناه هنا بضم الياء من أغاث، ومثله فى دعاء النبى ﷺ فى هذا الحديث: " اللهم، أغثنا "، قال بعضهم: هذا من الإغاثة وليس من طلب الغيث، إنما يقال فى ذلك: غثنا؛ لأنه من غاث وقد يحتمل أن يكون هذا من ذلك بالتعدية، أى هب لنا غيثاً، أو ارزقنا غيثاً، كما يقال: سقاه الله وأسقاه، أى جعل له سقيا، على من فرق بين اللفظين، وفى القرآن: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (١)، وقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم﴾ (٢)، و " نَسقيكم " قرئ بالوجهين. وفى إجابة النبى ﵇ لهذا السائل ودعائه له جواز الاستسقاء فى خطبة الجمعة، والدعاء بذلك، وعلى غير سنة الاستسقاء، وليس فى هذا تحويل عن القبلة، ولا تحويل رداء، وإنما هو دعاء مجرد بالسقى، كسائر الأدعية للمسلمين فى الخطبة، كما جاء فى هذه الأحاديث الأخر المختصة بالسائل يوم الجمعة، وإنما تختص تلك الهيئات والسنن لمن برز لها، وبهذا اعتبر الحنفى فى أنه لا صلاة للاستسقاء، وفاته معرفة تلك السنن المتقدمة والثابتة. وفيه جواز الاقتصار على الاستسقاء يوم الجمعة بالدعاء المجرد فى خطبتها

стр. 1605

قَالَ: " اللَّهُمَّ، أَغِثْنَا. اللَّهُمَّ، أَغِثْنَا. اللَّهُمَّ، أَغِثْنَا ". قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللهِ، مَا نَرَى فِى السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ. قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ. قَالَ: فَلَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ، حَوْلَنَا ــ دون البروز، وهو معنى قول الشافعى ومن أجازه بغير صلاة ممن عرف مذهبه أنه لا يبرز لها إلا بصلاة، وبه أيضاً احتج بعض السلف أن الخروج إليها عند الزوال، إذ كان دعاء النبى ﵇ فى هذا الخبر يوم الجمعة (١)، والناس كلهم على خلافه أنها بكرة كصلاة العيدين (٢). وقوله: " وما فى السماء من [سحابة ولا] (٣) قَزَعَة "، قال الإمام: معناه: قطعة سحاب، وجمعه قَزعٌ، قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون فى الخريف. قال القاضى: وقوله: " ما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار ": ويحتمل - والله أعلم - لتحمل (٤) الناس عن تلك الجهة لشدة الجدب وحزونة الموضع وطلب الكلاء. والخصب. وسلْع جبل مشهور بقرب المدينة، بفتح السين وسكون اللام (٥)، قال فى البخارى: هو الجبل الذى بالسوق (٦). وقوله: " فطلعت سحابة مثل الترس ": قال ثابت: لم يرد - والله أعلم - فى قدره، لكن فى مرحاها واستدارتها، وهو أحمد السحاب عند العرب. وقوله: " ثم أمطرت ": تقدم الكلام عليها، ومن فرق بين مطرت فى الرحمة وأمطرت فى العذاب، ومن سوَّى فى ذلك، وهو المعروف فى كلام العرب، وقد قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرنَا﴾ (٧) وإنما زعموا مطر الرحمة. وقوله: " فوالله ما زالت الشمس سبتاً ": السبت: القطعة من الدهر، قال ثابت:

стр. 1606

وَلا عَلَيْنَا. اللَّهُمَّ، عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُون الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ " فَانْقَلَعَتْ. وَخَرَجْنَا نَمْشِى فِى الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: لا أَدْرِى. ٩ - (...) وحدّثنا دَاوُدُ بْنُ رشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ أَعْرَابِىٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ. وَفِيهِ قَالَ: ــ والثانى يحملونه على أنه أراد من سبت إلى سبت، وإنما هو القطعة من الزمان، يقال: سَبتْ من الدهر، وسَبْتَةٌ وَسَنْبَتَة، وقد رواه الداودى: " ستاً " وفسره: أى ستة أيام من الدهر، أى من الجمعة إلى الجمعة، وهو تصحيف. قال القاضى: وأصل السبت القطع، ومنه سمى يوم السبت، قالوا: لأن الله تعالى أمر فيه بنى إسرائيل بقطع الأعمال، وقيل: لأن فيه قطع الله بعض خلف الأرض. وقوله ﵇ بعد إذ سئل الدعاءَ فى الإمساك: " اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ": فيه استعمال أدبه الكريم وخلقه العظيم فى الدعاء، ومقابلة كل حال بما يليق بها، إذ لم يدعو ﵇ برفع المطر عنهم جملة، إذا كان غياثاً من الله ورحمة، ولكن دعا بكشف ما يضر بهم عنهم، وتصييره حيث يبقى نفعه، ويوجد خصبه، ولا يستضِر به ساكن ولا ابن سبيل، فيجب التأدب بأدبه فى مثل هذه النوازل. ومخافة التأذى بما فيه منفعة. وقوله: " فما أشار بيده إلى ناحية إلا انفرجت " (١): أى انقطعت السحاب، وبان بعضها من بعض، والفرجة - بالضمِّ - الخلل بين الشيئين، وهو معنى قوله فى الحديث الآخر: " فانقلعت وخرجنا نمشى فى الشمس ": وفيه وشبهه من الأحاديث جواز الاستصحاء إذا احتيج إليه وأضرَّ المطر بالناس، ولكن ليس فيه بروز ولا صلاة. وفيه إجابة دعوة النبى ﷺ فى الموطنين [وكرامته على ربّه] (٢). قال الإمام: وقوله: " على الآكام والظِّرابِ ": الآكامُ دون الجبال، قال الثعالبى: الأكمة أعلى من الرابية. قال الإمام: والظِّرابُ: الروابى الصغار، واحدها ظَرِبٌ (٣)، ومنه الحديث: " فإذا

стр. 1607

" اللَّهُمَّ، حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا " قَالَ: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلى نَاحِيَةٍ إِلَّا تَفَرَّجَتْ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِى مِثْلِ الْجَوْبَةِ. وسَالَ وَادِى قَنَاةَ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ. ١٠ - (...) وحدَّثنى عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، قَالَا: ــ حوت مثل الظِّرِبُ " (١). وقوله: " إلا أخبر (٢) بجود " الجود المطر الواسع الغزير. قال القاضى: يقال: آكام، بالفتح والمد، وإكام، بالكسر، وأَكم وأُكم، بفتحها وضمهما، قيل: والأكمة الموضع الغليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا يرتفع على ما حوله، وقال الخليل: هو تلٌّ من حجرٍ واحدٍ. وقوله: " حتى رأيت المدينة فى مثل الجوبة ": هى الفجوة بين البيوت، والجوبة - أيضاً - مكان مُتَّسِعٌ من الأرض، المعنى: أن السحاب تقطَّع حول المدينة مستديراً، وانكشف عنها حتى باينت ما جاورها مباينة الجوبة المذكورة لما حواليها، وصارت من الضياء والشمس بين ظلل السحاب والمطر كالأرض البيضاء من سواد البيوت، أو السهلة بين سواد الحزون، وأصله القطع، جاب يجوب جوباً إذا قطع، قال الله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَاد﴾ (٣) أى نقَّبوه وخرَّقوه، فكأنها فى متكاثب السحب حولها كالثَّقْبِ فى الشىء، وهذا مثل قوله فى الحديث الآخر: " مثل الإكليل ". قال أبو عبيد: الإكليل ما أحاط بالظفر من اللحم، والإكليل - أيضاً - العصابة (٤)، وروضة مكللة محفوفة بالنور، وأصله الاستعارة، ومنه سمى الحوق، وهو ما أحاط بالكمرة (٥) إكليلاً، وقال الداودى: " مثله الجوبة ": أى كالحوض المستدير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَواب﴾ (٦)، ولم يقل شيئاً، وإنما واحدة الجوابى جابية. وقوله: " وسال وادى قناة شهرًا ": قناة اسم الوادى نفسه، وهو من أودية المدينة، وعليه حَرْث فَأضافه إلى نفسه (٧)، أو يكون سمى المكان قناة، وقد جاء فى غير الكتاب:

стр. 1608

حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَن ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَصَاحُوا، وَقَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، قَحِطَ الْمَطَرُ، وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَفيه منْ رِوَايَةِ عَبْدِ الأَعْلَى: فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا، وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِى مِثْلِ الإِكْلِيلِ. ١١ - (...) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيِرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَس، بِنَحْوِهِ. وَزَادَ: فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ السَّحَابِ، وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تُهِمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأتِىَ أَهْلَهُ. ــ " وسال الوادى قناة " (١) على البدل. وقوله: " قَحِط المطر " فى البارع: قَحِط المطرُ، بفتح الحاء والقاف، وقحِط الناس، بفتح القاف وكسر الحاء، وفى الأفعال معًا فى المطر، وحكى: قُحط الناسُ (٢) بضم القاف. وقوله: " واحمَّر الشجرُ ": كنايةٌ عن يُبس ورقها، وسقوطه بالشمس، وظهور عودها. وقوله: " فأَلَّفَ الله بين السحاب وهلَّتنا (٣) " كذا رويناه بالهاء عن الأسدى ومعناه: أمطرتنا، قال الأزهرى: يقال: هال السحابُ بالمطر هللاً، والهلل المطر، ويقال: انهلَّت أيضاً، وكان عند شيوخنا الصدفى عن العذرى والخشنى عن الطبرى [وغيرهم] (٤): " ملتنا " بالميم مخففة مكان " هلتنا "، فإن لم يكن تصحيفًا من " هلتنا " فلعل معناه: أوسعتنا مطرًا وسقيا، وكذا قيَّده القاضى التميمى عند الجيانى: " ملأتنا " بهمزة وميم، أو يكون

стр. 1609

١٢ - (...) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى أُسَامَةُ؛ أَنَّ حَفْصَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. وَزَادَ: فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى. ١٣ - (٨٩٨) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، ــ " ملتنا " مشددة اللام من قولهم: تملَّ حبيبًا، أى لتطل أيامك معه، ومنه قولهم: هو أمل به أى أوسع له، والملى - مقصور -: الصحراء الواسعة، أو يكون من الملل، أى أكثر ذلك حتى شقَّ علينا وكرهناه، وأخبر عن منتهى الحال بهم، حتى اشتكوا ذلك للنبى ﷺ ، وسألوه رفع ذلك عنهم. وقوله: " حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسُه أن يأتى أهلَه ": أى يهتم لذلك من شدة المطر ومشقته، يقال: همه وأهمه، وقيل: همّنى أذابنى، وأهمنى أغمنى. وقوله: " فرأيت السحاب يتمزَّقُ كأنه الملاء حين تطوى ": الملا - مقصور - جمع ملاءة، وهى الريطة مثل الملحفة وشبهها، مما ليس بلفقين (١)، فشبَّه انقشاع السحابِ وانجلاءة وتقطّعه عن المدينة بالملاءة المنشورة إذا طويت، [وهذا مثل] (٢) قوله فى الحديث الآخر: " وانجابت عن المدينة انجياب الثوب " (٣) قيل: تقبَّضَتْ وتداخلت، من قولك: جُبت الفلاة، أى دخلتها، وقيل: تقطَّعت عنها تَقَطُّعَ الثوب، وانكشفت عنها انكشافه، وفى سندها وفى سند الأيلى فى هذا الحديث: حدثنى ابن وهب، قال: حدثنى أسامة؛ أن حفص بن عبيد الله (٤)، كذا لهم، وعند العذرى: حدثنى سلمة، والأول الصوابُ وهو أسامة بن زيد، [الليثى] (٥) شيخ ابن وهب، مشهور، وذكر فى حديث ثابت عن أنس: " أنَّ الناس قاموا إلى النبى ﵇[فصاحوا و] (٦) قالوا: قحِط المطر " (٧)، وفى سائر الروايات عن أنس: " أنَّ رجلاً "، " وجاء أعرابىٌّ " فقيل: يحتمل أن الرجل ابتدأ بالكلام فشايعه [الناس] (٨). واستغاثوا بالنبى ﷺ استغاثته، فمَّرة ذكر المبتدئ

стр. 1610

عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ. قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: " لأنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى ". ــ بالكلام، ومرة أخبر عن الجماعة، وقيل: يحتمل أنه أراد بالناس الرجلَ الأعرابى المذكور، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (١) إنما قاله واحد، وهذا فيه بعدد [لما جاء بعده] (٢). وقوله فى الحديث: " أصابنا مطر فحسَرَ رسول الله ﷺ ثوبَه حتى [أصابه من المطر] (٣) "، وقوله: " إنه حديث عهد بربه " (٤). قال بعض أهل المعانى: معناه: حديث عهد بالكون، بإرادة الرحمة لقوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِه﴾ الآية (٦)، وقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا﴾ (٧)، بخلاف ما أخبر به عنه فيما يقرب عهد كونه بإرادة الغضب والسخط وخوفه، ذلك عند هبوب الرياح وطلوع السحاب حتى تمطر، كما جاء فى الحديث الآخر: " أنه إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك فى وجهه وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سُرَّ به، ويقول: " خشية أن يكون عذاباً سلط على أمتى " (٨) الحديث، حذر ﵇ أن تعمهم عقوبةٌ بذنوب العاصين [منهم] (٩)، ويقول إذا رأى المطر: " رحمة ". وقد ذكر مسلم أحاديث فى هذا المعنى.

стр. 1611

(٣) باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر ١٤ - (٨٩٩) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ جَعْفَرٍ - وَهُو ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ عَطَاءِ بْن أَبِى رَبَاحٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ، عُرِفَ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: " إِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِى ". وَيَقُولُ - إِذَا رَأَى الْمَطَرَ -: " رَحْمَةٌ ". ١٥ - (...) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحدِّثُنَا عَنْ عَطَاءٍ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: " اللَّهُمَّ، إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ". قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّى عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: " لَعَلَّهُ، يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ (١) ". ١٦ - (...) وحدَّثنى هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرو بْنِ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا. حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى ــ وقوله: " وإذا تخيلتِ السماءَ ": المخيلة - بالفتح - سحابة فيها رعد وبرق، يخيل إليك أنها ماطرة بفتح الميم، وأما السماء إذا تغيمت قيل: إخالت، فهى مُخيلة بالضم، وهو قول أبو عبيد فى شرحه، وضبطناه فى المصنف عنه فى السحابة مخيلة - بالضم - وجاء فى الحديث هنا فى السماء: " تخيلت ". وقوله: " ما رأيته مستجمعًا ضاحكًا، حتى أرى لهوَاته " أنه أقصى الفم، واحدها

стр. 1612

غَيْمًا أَوْ رِيحًا، عُرِفَ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَى النَّاسَ، إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ، فَرِحَوا، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيْهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ رَأَيْتُهُ، عَرَفْتُ فِى وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ؟ قَالَتْ: فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنُنِى أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ ". ــ لهاة، [وتجمع لهاة أيضاً] (١) وهى اللحمة الحمراء المعلقة فى أعلى الحنك قاله الأصمعى، وقال أبو حاتم: هى ما بين منقطع اللسان إلى منقطع القلب من أعلى الفم، ومعنى " مستجمعًا ": أى مُجِدًّا فى ضحكه، أتت فيه بغايته كما قالت بعد هذا: " إنما كان يبتسم ".

стр. 1613

(٤) باب فى ريح الصبا والدبور ١٧ - (٩٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَن شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ ". (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِىُّ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ - يَعْنِى ابْنَ سُلَيْمَانَ - كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: " نُصِرتُ بالصَّبا وأهلكت عادٌ بالدبور ": الصَّبا - مقصورٌ - الريح الشرقية، والدبور - بفتح الدال - الغربية (١).

стр. 1614

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٠ - كتاب الكسوف (١) باب صلاة الكسوف ١ - (٩٠١) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ ــ أحاديث صلاة الكسوف ذهب بعض أهل اللغة المتقدمين إلى أنه لا يقال فى الشمس إلا خسفت، وفى القمر كُسِف، وذكر بعضهم هذا عن عروة، ولا يصح عنه والقرآن (١) يرده، قال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (٢)، والذى فى كتاب مسلم عن عروة: لا تقل (٣) كسفتُ الشمسُ، ولكن (٤) خسَفَتْ، ويقال بفتح الخاء، وهى لغة القرآن، وبضمها على ما لم يسم فاعله، وقال ابن دريد: يقال: خسف القمر وإنكسفت الشمس، وقال بعضهم: لا يقال: انكسف القمر أصلاً، إنما يقال: خسف القمر وكسفتِ الشمس، وكسفها والله [وكُسفت] (٥) فهى مكسوفة، وقيل: هو بمعنى (٦) فيهما. وقال الليث بن سعد: الخسوف فى الكل والكسوف فى البعض، وقال [أبو عمر] (٧): الخسوف عند أهل اللغة: ذهاب لونها، والكسوف: تغييره (٨). وقد جاء فى الأحاديث الصحاح فى مسلم وغيره (٩): كسفت الشمس وخسفت وانكسفت. وأن الشمس والقمر لا يخسفان ولا يكسفان ولا ينكسفان، فإذا خسفا وإذا كسفا.

стр. 1615

نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ؛ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ــ ذكر مسلم صلاة النبى ﷺ كسوف الشمس، وهى سنة عند جميع الفقهاء، وكذلك التجميع لها، وحكى الخطابى عن العراقيين أنه لا يُجَمَّع لها (١)، واختلفوا فى صفتها، فجمهورهم على ما جاء فى حديث عائشة من رواية عمرة وعروة وما وافقه من الأحاديث عن ابن عباس وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص بأنها ركعتان، فى كل ركعة ركعتان وسجدتان. قال أبو عمر: وهذا أصح ما فى هذا الباب. وغيره من الروايات التى خالفتها معلولةٌ ضعيفة وهذا قول مالك والشافعى والليث وأحمد وأبى ثور وجمهور علماء أهل الحجاز، وقال أهل الكوفة: هما ركعتان كسائر النوافل على ظاهر حديث أبى سمرة وأبى بكرة: " أنَّه صلى ركعتين "، وحمله أصحابنا أنَّ الأحاديث الأخر تفسِّرها بأنها ركعتان، فى كل ركعة ركعتان. وقد ذكر مسلم من طريق عائشة [وابن عباس وجابر: ركعتان، فى كل ركعة ثلاث ركعات، وقد ذكر عن] (٢) ابن عباس - أيضاً - وعن على ابن أبى طالب: ركعتان، فى كل ركعة أربع ركعات (٣)، والروايات الأول أصح، ورواته أحفظ وأضبط، وذكر أبو داود من حديث أبى بن كعب: " ركعتان، فى كل ركعة خمس ركعات " (٤)، وقد قال بكل مذهب منها بعض الصحابة. قال الإمام: قال بعض أهل العلم: إنما ذلك حسب مكث الكسوف، فما طال مكثه زاد تكرير الركوع فيه، وما قصر اقتصر فيه، وما توسط اقتصد فيه. قال القاضى: وإلى هذا نحا الخطابى وإسحاق بن راهويه وغيرهما (٥). وقد يُعترض عليه بأن طولها ودوامَها لا يُعلم من أول الحال ولا من الركعة الأولى، وقد جاء بالركعتين
следующие страницы →