بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٠ - كتاب الكسوف
(١) باب صلاة الكسوف
١ - (٩٠١) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
ــ
أحاديث صلاة الكسوف
ذهب بعض أهل اللغة المتقدمين إلى أنه لا يقال فى الشمس إلا خسفت، وفى القمر كُسِف، وذكر بعضهم هذا عن عروة، ولا يصح عنه والقرآن (١) يرده، قال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (٢)، والذى فى كتاب مسلم عن عروة: لا تقل (٣) كسفتُ الشمسُ، ولكن (٤) خسَفَتْ، ويقال بفتح الخاء، وهى لغة القرآن، وبضمها على ما لم يسم فاعله، وقال ابن دريد: يقال: خسف القمر وإنكسفت الشمس، وقال بعضهم: لا يقال: انكسف القمر أصلاً، إنما يقال: خسف القمر وكسفتِ الشمس، وكسفها والله [وكُسفت] (٥) فهى مكسوفة، وقيل: هو بمعنى (٦) فيهما. وقال الليث بن سعد: الخسوف فى الكل والكسوف فى البعض، وقال [أبو عمر] (٧): الخسوف عند أهل اللغة: ذهاب لونها، والكسوف: تغييره (٨). وقد جاء فى الأحاديث الصحاح فى مسلم وغيره (٩): كسفت الشمس وخسفت وانكسفت. وأن الشمس والقمر لا يخسفان ولا يكسفان ولا ينكسفان، فإذا خسفا وإذا كسفا.
стр. 1615
نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ؛ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ
ــ
ذكر مسلم صلاة النبى ﷺ كسوف الشمس، وهى سنة عند جميع الفقهاء، وكذلك التجميع لها، وحكى الخطابى عن العراقيين أنه لا يُجَمَّع لها (١)، واختلفوا فى صفتها، فجمهورهم على ما جاء فى حديث عائشة من رواية عمرة وعروة وما وافقه من الأحاديث عن ابن عباس وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص بأنها ركعتان، فى كل ركعة ركعتان وسجدتان. قال أبو عمر: وهذا أصح ما فى هذا الباب. وغيره من الروايات التى خالفتها معلولةٌ ضعيفة وهذا قول مالك والشافعى والليث وأحمد وأبى ثور وجمهور علماء أهل الحجاز، وقال أهل الكوفة: هما ركعتان كسائر النوافل على ظاهر حديث أبى سمرة وأبى بكرة: " أنَّه صلى ركعتين "، وحمله أصحابنا أنَّ الأحاديث الأخر تفسِّرها بأنها ركعتان، فى كل ركعة ركعتان. وقد ذكر مسلم من طريق عائشة [وابن عباس وجابر: ركعتان، فى كل ركعة ثلاث ركعات، وقد ذكر عن] (٢) ابن عباس - أيضاً - وعن على ابن أبى طالب: ركعتان، فى كل ركعة أربع ركعات (٣)، والروايات الأول أصح، ورواته أحفظ وأضبط، وذكر أبو داود من حديث أبى بن كعب: " ركعتان، فى كل ركعة خمس ركعات " (٤)، وقد قال بكل مذهب منها بعض الصحابة.
قال الإمام: قال بعض أهل العلم: إنما ذلك حسب مكث الكسوف، فما طال مكثه زاد تكرير الركوع فيه، وما قصر اقتصر فيه، وما توسط اقتصد فيه.
قال القاضى: وإلى هذا نحا الخطابى وإسحاق بن راهويه وغيرهما (٥). وقد يُعترض عليه بأن طولها ودوامَها لا يُعلم من أول الحال ولا من الركعة الأولى، وقد جاء بالركعتين
стр. 1616
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدّا، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدّا، ثُمَّ
ــ
فى كل روايةٍ على صفة واحدة، مع أن كون النبى ﷺ فى الصلاة فى المسجد لا يكاد يحقق أمرها منه (١) يَرُد قولَ بعض الكوفيين أنَّ رفع النبى ﷺ من الركوع ثم رجوعه إليه إنما كان ليتطلع حالَ الشمس لا لقصده القيام آخر، إذ لا يصل إلى ذلك فى صلاته فى المسجد وهو مُظَلّلٌ معرَّشٌ، ولا روى أحدٌ أنه بَرزَ لها فى الصحراء، مع أن التطويل فى القيام الثانى يشهد ببطلان هذا التأويل وبعدها، وإن كان روى عن بعض السلف أنه إذا ركع فقال: سمع الله لمن حمده، نظر، فإن لم تنجل قرأ ثم ركع، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، نظر، وهكذا أبداً لا يسجَدُ حتى تنجلى (٢) وقال بعض العلماء: صلى النبى ﷺ الكسوف غيرَ مرة، وفي غير سنةٍ فروى كلَّ واحد ما شاهده من صلاته، وضبَطه عن فعله واختلافُ صلاته فيها بحسب دوام الكسوف وخفته، وأن الأمر موسع؛ ولهذا نحا الطبرى وإسحاق وابن المنذر، ورأوا أن المصلى لها مخيَّرٌ أن يأخذ بما شاء من هذه الأحاديث، إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعَ ركعات فى ركعتين. وإن شاء ثلاثاً فى كل ركعة، وإن شاء أربعًا (٣).
وقوله فى حديث هشام: " فأطال القيام جدًا "، وذكر فى كل قيام وركوع من الركعة الأولى كذلك مع قوله وهو دون الأول (٤) سنة صلاة كسوف الشمس لا إطالةَ فيها عند مالك والشافعى وعامة العلماء، كما جاء فى الأحاديث الصحيحة (٥) فى ذلك من تقدير قراءتها بالسور الطوال، وقد جاء حديث آخر أنه قرأ ﵇ بالنجم (٦)، وروى عن قوم من السلف والصحابة أنه قرأ فيها بـ ﴿يس﴾ (٧) و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ (٨) ونحو هذا، ومجملها ليجمع بين الأحاديث أنها فى كسوف القمر إذ لم يأت هناك بيان أن قراءته - عليه
стр. 1617
رَفَعَ رَأسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدّا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جدّا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوع الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَه فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ انْصَرَفَ
ــ
السلام بالنجم كانت فى كسوف الشمس. واختلف المذهب عندنا، هل نقرأ فى كل ركعة من الأربع بأم القرآن وهو المنصوص عن مالك؟ أم لا يقرؤها إلا فى الأولى من كل ركعة؟ وهو قول محمد بن مسلمة (١).
وقوله: فى جميعها: " وهو دون القيام الأول "، وفى الركوع: " وهو دون الركوع الأول ": لا إشكال فى القيام الثانى والركوع الثانى من الركعة الأولى، ولا خلاف فيه بين العلماء أنه أقصر مما قبلها (٢)، وكذلك القيام الثانى والركوع الثانى من الركعة الثانية أنه أقصر مما قبلهما. واختلف العلماء فى القيام الأول والركوع الأول من الركعة الثانية، هل هو أقصر من القيام الثانى والركوع الثانى من الأول وأنه معنى (٣) [قوله] (٤): " دون القيام الأول " أو مساوٍ لذلك وأقصر من أول قيام وأول ركوع؟ وأن هذا معنى قوله: " دون (٥) القيام الأول ". والركوع الأول [من الركعة الثانية، هل هو أقصر] (٦) والوجه الأول أظهر، وهو قول مالك: أن كل ركعة دون التى قبلها، وهو مقتضى الحديث؛ لأنه كذلك قال فى كل قيام وركعة أنه [دون التى قبلها] (٧) ودون الأول، يَدُل أنه يريد الذى قبله، ويعضده قوله فى الحديث الآخر عن جابر: " [ليس منها ركعة] (٨) إلا التى قبلها أطول من التى بعدها ".
وقوله " ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس ": يحتج به الشافعى وإسحاق والطبرى وفقهاء أصحاب الحديث فى كون الخطبة مشروعة فى صلاة الكسوف، ومالك وأبو حنيفة لا يريان (٩) ذلك، وحجتهما (١٠) أن خطبة النبى ﷺ إنما كانت لإعلام الناس أنَّ الكسوف آيةٌ، وأنه ليس على ما قالوه من كسوفها لموت إبراهيم ﵇ ولموت عظيم، على ما كانت [تقوله] (١١) الجاهلية، قيل: ولتعليمه سنتها لقوله: " فإذا رأيتموهما (١٢) فافزعوا للصلاة "، وبما أطلع عليه من أمر الجنة والنار فى صلاته، وهذا
стр. 1618
رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا
ــ
خاص به ﵇ (١).
وقوله " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ": خصَّهما [بهذا] (٢) وكل شىء له آية لمعان كثيرة، منها نفى ما كان تعتقده الجاهلية فيهما، ويقوله أهل الفضاء والنجوم من دليلهما على ما يحدث فى العالم، ألا ترى كيف قال فى الحديث: " انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم "، وفى الحديث الآخر: " وكانوا يقولون: لا يخسفان إلا لموت عظيم "، وكيف وصل كلامه هذا بقوله: " لا يخسفان (٣) لموت أحد ولا لحياته "، وأيضاً [فلما كان كثير] (٤) من الكفرة يعتقد فيهما من التعظيم، لأنهما أعظم الأنوار الظاهرة، حتى ارتقى الحال ببعضهم إلى عبادتهما، وقال جماعة من الضلال بتأثيرهما فى العالم، فأعلم النبى ﷺ أنهما آيتان على حدوثهما وتفصيهما عن هذه المرتبة لِطُروء التغيُّر والنقص عليهما، وإزالة نورهما الذى به (٥) عُظِّما فى النفوس عنهما، وأيضاً فلما جاء أن القيامة تكون وهما مكسوفان، ولهذا - والله أعلم - جاء فى الحديث الآخر: " فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة " فقيل: فى هدا آيتان على قيام الساعة، وأيضاً فإن الآيات غيرها من طلوعهما وإشراقهما وجرى البحار وتفجر الأنهار ونمو الثمار وغير ذلك مألوفٌ، وليس فيها تغيُّر حال، وهذه [غيرُ] (٦) مألوفةٍ فى سائر الأيام والليالى، وإلى هذا أشار بقوله فى الرواية الأخرى: " يخوِّف الله بهما عباده ". وفيه أنه ليس فى قولهم: كسفت لموت إبراهيم، ما يوجب تكفيرَ قائله؛ لأنه لم يجعل الفعل فى ذلك لغير الله، وإنما قال ذلك القائل إنهما كالدليل والعلامة فكذب ذلك النبىُّ ﷺ ، وأن كسوفهما ليس إلا لما (٧) ذكره.
стр. 1619
رَأيتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا، وَادْعُوَا اللهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِىَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِىَ أَمَتُهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ". وَفِى رِوَايَةِ مَالِكٍ: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ ".
٢ - (...) حدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ "، وَزَادَ أَيْضًا: ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ ".
٣ - (...) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونَسُ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَتْ:
ــ
وقوله: " يا أمة محمد، ما من أحدٍ أغيرُ من الله " (١)، قال الإمام: معناه: [ما من أحد] (٢) أمنعُ للفواحش من الله، والغيور يمنع حريمه [وكلما] (٣) زادت غيرته زاد منعه، فاستعير لمنع البارى سبحانه عن معاصيه اسم الغيرة مجازًا واتساعًا، وخاطبهم النبى ﷺ بما يفهمونه.
قال القاضى: قيل: الغيرة مشتق من تغيَّر حال الغيران [لما رآه] (٤) من قبيح فعل من غار (٥) عليه، [وتغيُرُ قلبه وهيجان حفيظته بسبب هتك حريمه لديه عنهم، ومنعهم من ذاك] (٦)، والله تعالى يتقدَّس (٧) عن تغير ذاته وصفاته، وغيرته ما غيره من حال العاصى كان بانتقامه منه وأخذه له، ومعاقبته فى الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم﴾ (٨).
وقوله: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا "، قال القاضى: قال الباجى: يريد أنه ﵇ قد خصه الله بعلمٍ لا يعلمه غيرُه، ولعله مما رآه فى
стр. 1620
خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ "، ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِىَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَة الأولى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ ثُمَّ سَجَدَ - وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ - ثُمَّ فَعَلَ فِى الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أن يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلهُ. ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ ". وَقَالَ أَيْضًا: " فَصَلُّوا حَتَّى
ــ
مقامه من النار وشناعة منظرها (١).
وقوله: " ألا قد بلغت " (٢): يعنى ما أمر به من التحذير والإنذار، وما نزل إليهم، ويدل أنه لم يُلزم تبليغ جميعَ ما شاهده واطلع عليه من الغيوب، وتفصيل ذلك الذى قال: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً "، فلو لزم [تبليغه] (٣) لأعلمهم بذلك.
ووقع عند السمرقندى فى حديث قتيبة أول الباب فى الركعة الثانية ورفعه رأسه من ركعتها الثانية زيادة " فأطال القيام وهو دون القيام الأول ثم سجد " (٤)، وهذه الزيادة وهم وليست عند غيره من رواة مسلم فى هذا الحديث ولا غيره، وكلهم يقول: " ثم رفع رأسه من الركوع ثم انحدر فسجد " (٥)، وفى الآخر: " فقال: سمع الله لمن حمده "، ولم يذكر أحد من الفقهاء التطويل فى القيام الذى قبل السجود، لكن مسلم ذكره فى حديث جابر من رواية أبى الزبير.
وقوله: " فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة ": أى بادروا إليها، وقيل: اقصدوا، والفزع يكون بمعنى الاستغاثة، وبمعنى المبادرة للإغاثة، وبمعنى الهبوب من النوم وغيره.
стр. 1621
يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ ". وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رَأَيْتُ فِى مَقَامِى هَذَا كُلَّ شَىءٍ وُعِدْتُمْ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِى أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِى جَعَلْتُ أُقَدِّمُ - وقَالَ الْمُرَادِىُّ: أَتَقَدَّمُ - وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيتُمُونِى تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَىٍّ وَهُوَ الَّذِى سَيَّبَ السَّوَائِبَ ". وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِى الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ ". وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٤ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: قَالَ الأَوَّزَاعِىُّ أَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِىَّ يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: " الصَّلَاةُ جَامِعَة " فَاجْتَمِعُوا،
ــ
وقوله فى الرواية الأخرى: " فصلوا حَتَّى يُفرِّج عنكم " ليس يدل أن الصلاة سببُ (١) التفريج دليلاً واضحًا؛ لكن أمرهم بالمبادرة للطاعة عند ظهور هذه الآية العظيمة. والقدرة الشنيعة لهذا الخلق المعظم عند الناس، والإخلاص لله تعالى ومخالفة الكفرة الذين يعتقدونهما إلهين.
وقوله: " فصلوا حتى يفرج الله عنكم ": يجب تطويل الصلاة ما لم تنجل، فإن أتمها على سنتها قبل الانجلاء لم يلزم الجمع لصلاة أخرى على سننتها (٢)، ولكن للناس أن يصلوا أفراداً (٣) ركعتين كسائر النوافل، ويدعوا ويذكروا الله، وإن انجلت وهو فى الصلاة، فاختلف كبراء أصحابنا، هل يتمها على سنتها ركعة بركعتين أم بركعة واحدة كسائر النوافل؟
وقوله: " فبعث منادياً: الصلاة جامعة " استحسن الشافعى هذا، وهو حسن، وهم متفقون أنه لا يؤذَّن لهما.
قال الإمام: فى كتاب الترمذى أنه جهر بالقراءة (٤)، وحكى أن مالكًا قال به، [وهذا الذى حكاه الترمذى عن مالك] (٥) رواية (٦) شاذة، ما وقعت عليها (٧) فى [كتاب سوى] (٨) كتابه وذكرها ابن شعبان عن الواقدى عن مالك.
قال القاضى: فذكر مسلم فى حديث الوليد بن مسلم " أن النبى ﷺ جهر فى صلاة
стр. 1622
وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِى رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ.
٥ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ نَمِرٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَهَرَ فِى صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِى رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ.
(٩٠٢) قَالَ الزُّهْرِىُّ: وَأَخْبَرَنِى كثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِى رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ.
(...) وحدّثنا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِىُّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ. قَالَ: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ. بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ.
٦ - (٩٠١) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قال: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى مَنْ أُصَدِّقُ - حَسِبْتُهُ
ــ
الخسوف " وتأوله بعضُهم على صلاته بالليل فى خسوف القمر. اختلف العلماء فى ذلك، فأخذ بالجهر فيها بالنهار لهذا الحديث جماعة من السلف، وقاله محمد بن الحسن وأبو يوسف، وقاله أحمد وإسحاق وفقهاء الحديث، ورواه معن، والواقدى عن مالك (١)، ومشهور قول مالك الإسرار فيهما، وهو قول الشافعى وأبى حنيفة والليث بن سعد وسائر أصحاب الرأى، وحجتهم تقديرهم القراءة بسورة البقرة وغيرها (٢)، وقوله فى الحديث الآخر: " ولو جهر لعلم ما قرأ به " (٣) إلى ما فى حديث ابن عباس وغيره من أنه لم يسمع له قراءة (٤)، وخير الطبرى بين الجهر والسر (٥).
стр. 1623
يُرِيدُ عَائِشَةَ - أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا، يَقُومُ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ، رَكْعَتَيْنِ فِى ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: " اللهُ أَكْبَرُ " ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ قَالَ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ "، فَقَامَ فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلكِنَّهُما مِنْ آيَاتِ اللهِ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا فَاذْكُرُوا اللهَ حَتَّى يَنْجَلِيَا ".
٧ - (...) وحدَّثنى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ.
ــ
قال القاضى: قوله فى حديث عطاء عن عبيد بن عمير: " حدثنى من أصدق حديثه يريد عائشة " (١) كذا عند السمرقندى ولغيره من الرواة: " من أصدق - حسبته - يريد عائشة ".
وقوله فى هذا الحديث: " ركعتين فى ثلاث ركعات ": أى فى كل ركعة ثلاث ركعات، كقوله فى الرواية الأخرى: " صلى ست ركعات وأربع سجدات ".
стр. 1624
(٢) باب ذكر عذاب القبر فى صلاة الخسوف
٨ - (٩٠٣) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ عَائِشَةَ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يُعَذَّبُ النَّاسُ فِى الْقُبُورِ؟ قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَائِذًا بِاللهِ "، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجْتُ فِى نِسْوَة بَيْنَ ظَهْرَىِ الْحُجَرِ فِى الْمَسْجِدِ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مَرْكبِهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّاهُ الَّذِى كَانَ يُصَلِّى فِيهِ،
ــ
وقولها فى الحديث الآخر: " ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركباً فخسفت الشمس "، وذكر فيه أن رسول الله ﷺ أتى من مركبه حتى انتهى (١) إلى مصلاه " وذكرت أنه فى المسجد، وهو فى الموطأ من رواية مالك (٢) بيِّنٌ. فيه حجة لمالك والجمهور أن سنة صلاتها فى المسجد، وأنه لا يبرز لها، إذ لو تكلف البروز لها والخروج إليها لفاتت سنتُها وتجلَّت الشمس قبل الاجتماع لها، ولم يدركها كثير من الناس، ولأنه لم يرو أن رسول الله ﷺ صلاها بالصحراء، وكفى برجوعه منها إلى المسجد حجة، لكن أصبغ وابن حبيب يخيران فى صلاتها فى المسجد أو الصحراء.
وقوله فى هذا الحديث: " ذات غداة مركبًا "، وزاد فى الموطأ (٣): " فرجع ضحى ": لا خلاف أنَّ أول وقتها وقتُ جواز صلاةٍ النافلة وهو ارتفاع الشمس واختلف فى آخره، فعن مالك فى ذلك ثلاث روايات، إحداها: للزوال (٤) فلا تصلى بعده وهو معنى قول الليث، الثانية: تصلى إلى صلاة العصر ولا تصلى بعدها، وهذا قول كثير من السلف والثورى وأبى حنيفة وأصحابه والطبرى، وأكثر أصحاب مالك، والثالثة: أنها تصلى فى جميع النهار، وهو قول الشافعى وأبى ثور وإسحاق، قال: ما لم تصفر الشمس إلى الغروب، وكذلك يصلى الخسوف (٥) القمر ما لم يطلع (٦) إلى أن يرتفع، وفيها قول رابع [أيضاً] (٧): أنها تصلى النهار كله [إلا] (٨) فى هذين الوقتين الطلوع والغروب، وعند
стр. 1625
فَقَامَ وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً ثُمَّ رَفعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُو دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ رَفَعَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. فَقَالَ: " إِنِّى قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِى الْقُبُورِ كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ ".
قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ بَعْدَ ذَلِكَ، يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ.
(...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ. بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ ابْنِ بِلَالٍ.
ــ
الزوال وهو اختيار ابن المنذر، وهو (١) على القول يمنع التنفل عند الزوال (٢).
وقول عائشة: " فخرجت فى نسوة بين ظهرى الحُجَرِ فى المسجد ": دليلٌ على صلاة النساء لها، وخروجهن لصلاتها، وقد اختلف العلماء فى خروجهن لها على ثلاثة أوجه - كما تقدم فى صلاة العيد - وهى لازمة للنساء والمسافرين وغيرهم عند مالك، وعلى مشهور مذهبه، وعند الشافعى وعن مالك ما يدل أنها لا تلزم إلا من تلزمه الجمعة، والجمهور على أنهن يجمعن لها ويقدمن من يصلى بهن إذا لم يكن يقيمها الإمام، وكذلك من فاتته من الرجال. وذهب الكوفيون والحسن إلى أنهن يصلون أفذاذاً لا جماعة (*)، وذهب بعض أئمتنا إلى أن من فاتته مع الإمام لا تلزمه.
وذكر فى هذا الحديث من رواية سليمان بن بلال الركوع مرتين لا غير، ثم قال: " ثم رفع وقد تجلت الشمس فقال ... " الحديث، ولم يذكر سجوداً ولا تكرير ركوع، وذكر تَعوذه من عذاب القبر، وإخباره ﵇ بذلك، وفتنة القبر عندنا صحيحة غير مستحيلة، وسيأتى الكلام عليها فى الجنائز وآخر الكتاب.
стр. 1626
(٣) باب ما عرض على النبى ﷺ فى صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار
٩ - (٩٠٤) وحدَّثنى يَعْقُوبُ بْن إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِىِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ. فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. ثُمَّ قَالَ: " إِنَّهُ عُرِضَ عَلَىَّ كُلُّ شَىءٍ تُولَجُونَهُ، فَعُرِضَتْ عَلَىَّ الْجَنَّةُ، حَتَّى لَوْ
ــ
وقوله: " عرض علىّ كل شىء تولجونه ": أى تدخلونه وتصيرون إليه.
وقوله: " حتى الجنة والنار " (١): قال العلماء: يحتمل أنه رآهما رأى عين، وأن الله كشف له عنهما وفرَّج الحجب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حتى وصفه، ويكون قولُه على هذا [فى] (٢) الحديث: " فى عرض هذا الحائط " أحد فى جهته (٣) وناحيته أو فى التمثيل [بقرب مشاهدته] (٤)، ويحتمل أن يكون ذلك رؤية علم [ويقين] (٥) وعرض وحى بإطلاعه وتعريفه من أمورهما تفصيلاً ما لم يكن يعرفه بعد، ومن عظيم (٦) شأنهما ما زاده علمًا من أمرهما وخشيته وتحذيرًا ودوام (٧) ذكرٍ وقلة غفلة، ولهذا قال: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا " والتأويلُ الأول أولى، وأشبه بألفاظ الحديث، لما ذكر فيه من الأمور التى تدل إنها رؤية عين، ومثل قوله: " فتناولتُ عنقودًا ". وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار.
قال الإمام: وقوله: " فتناولت منها - يعنى الجنة - قطفًا " (٨) القطف: العنقود وهو اسم لكل ما قطف.
وقوله: " تكعكعْتَ " (٩): جبنت، يقال: تكعكع الرجلُ وتكاعى وكعَّ كعوعًا، إذا
стр. 1627
تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ - أَوْ قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا - فَقَصُرَتْ يَدِى عَنْهُ، وَعُرِضَتْ عَلَىَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِى هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ، وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِى النَّارِ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَخْسِفَانِ إِلَّا لِمَوتِ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آياتِ اللهِ يُرِيكُمُوهُما، فَإِذَا خَسَفَا فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِىَ ".
ــ
أحجم وجبن، قاله الهروى وغيره (١).
قال القاضى: قد ذكر مسلم هذا الحرف - أيضاً - فى حديث عطاء عن ابن عباس بعد هذا وقال فيه: " كففْتَ " مكان " تكعكعت "، وهما بمعنى متقارب، وقد علل فى [هذا] (٢) الحديث كفَّه وتكعكعه عن أخذه بقوله [فى الحديث] (٣): " فقصرت يدى عنه "، وفى آخر: " ثم بدا لى أن لا أفعل "، وقد يُجمع بين هذين اللفظين أنه بدا له لما تحقق أنه لا يناله، وانصرف رأيه عن ذلك.
وقوله: " ورأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً ": أى يأكله، وبه (٤) سميت الحطمة؛ لحطمها كل شىء ألقى فيهما، وأصله الكسر والفساد بعنف. والسوائب من قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ (٥) كانوا ينذرونها فى الجاهلية، يسيبون نوقهم فتبقى سائبة لا تُمنع من رعى (٦) ولا ماء، ولا ينتفع بها.
وقوله: " يَجُرَّ قُصُبَه فى النار ": القصُبُ - بضم القاف - الأمعاء والخشاش - بفتح
تَدَعْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِىءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِى تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِى مَقَامِى، وَلَقَدْ مَدَدتُ يَدِى وَأَنَا أُرِيْدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِى أَنْ لا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَىْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِى صَلَاتِى هَذِهِ ".
١١ - (٩٠٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ؛ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَهِىَ تُصَلِّى، فَقُلْتُ: مَا شَأنُ النَّاس يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقِيَامَ جِدّا، حَتَّى تَجَلَّانِى الْغَشْىُ، فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِى، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأسِى أَوْ عَلَى وَجْهِى منَ الْمَاءِ. قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ،
ــ
بالنار، وقد يحتمل أن هذه المرأة كانت كافرة، فزيدت بذلك عذابًا (١). ولفح النار: ضرب لهبها وتأثيره ﴿تَلْفَح وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (٢)، واللفح أعظم تأثيرًا من النفح، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّك﴾ (٣) أى أدنى شىء منه، قاله الهروى.
و" آضت الشمس ": أى رجعت لحالها الأولى، وكشف عنها الكسوف.
وقوله: " حين رأيتمونى أقدم " - بضم الهمزة وفتح القاف - بمعنى ما فى الرواية الأخرى: " أتقدم (٤) ". والمِحْجنُ: العصا معقفة الطرف.
وفى الحديث: الدليل على المعاقبة على العبث بالحيوان وإهلاكه، لغير (٥) منفعة لما ذكر من تعذيب المرأة بربط الهِرَّةِ، حتى ماتت، وقد جاء الحديث - أيضاً - فى قاتل العصفور بنحو ذلك (٦).
وقولها: " حتى تجلانى الغشْىُ " و " العشِىَّ ": رويناه هنا وفى غير هذا الكتاب بكسر
стр. 1630
فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، مَا مِنْ شَىْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ إِلا قَدْ رَأَيْتُهُ فِى مَقَامِى هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُم تُفْتَنُونَ فِى الْقُبُورِ قَرِيبًا أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمِسِيحِ الدَّجَّالِ - لا أَدْرِى أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ - لا أَدْرِى أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَأَطَعْنَا، ثَلَاثَ مِرَارٍ. فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ. قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْمِنُ بِهِ، فَنَمْ صَالِحًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ - لا أَدْرِى أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِى، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ ".
١٢ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَام، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، وَإِذَا هِىَ تُصَلِّى، فَقُلْتُ: مَا شَأنُ النَّاسِ؟ وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ.
١٣ - (...) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: لا تَقُلْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ قُلْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ.
ــ
الشين فى الأولى وتثقيل الياء، وبسكون الشين فى الثانية وهما بمعنى، وهى الغشاوة وذلك لطول القيام ولكثرة الحر؛ ولذلك جعلت تصبَّ على رأسها الماء؛ ولذلك قال فى الحديث الآخر: " فى يوم شديد الحر " (١)، ثم قال: " فأطال القيام حتى جعلوا يخرون "، أى يسقطون فيه أن الغشى الخفيف لا ينقض الطهارةَ، ووقع عند الطبرى العشْىُ بالعين المهملة مع. سكون الشين، وليس بشىء. وإشارتُها برأسها إلى السماء، وقول أسماء: " فقلت آية " قالت: " نعم " أى بالإشارة أيضاً، كله دليل على جواز الإشارة، ومثل هذا العمل فى الصلاة وصبَّها الماء على رأسها [ووجهها] (٢) فى الصلاة من ذلك، لاسيما فى النوافل وغير الفرائض، وكذلك تأخر النبى ﷺ فى الصلاة وتقدمه ومدّ يده، كل هذا من الباب، وقد تقدم الكلام فيه.
وقوله فى ذكر فتنة القبر: " فأما (٣) المنافق أو المرتاب ": دليل على أن الشاكَّ فى نُبُوَّةِ النبى ﷺ لا يصح إيمانهُ، وأن الإيمان لا يتم إلا بالتصديق له وقد يحتج به من يرى
стр. 1631
١٤ - (٩٠٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْر؛ أَنَّهَا قَالَتْ: فَزِعَ النَّبِىُّ ﷺ يَوْمًا - قَالَتْ تَعْنِى يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ - فَأَخَذَ دِرْعًا حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ، فَقَامَ لِلنَّاسِ قِيَامًا طَوِيلاً، لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا أَتَى لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ النّبِىَّ ﷺ رَكَعَ - مَا حَدَّثَ أَنَّهُ رَكَعَ، مِنْ طَولِ الْقِيَامِ.
١٥ - (...) وحدَّثنى سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا
ــ
أنَّ مجرد التقليد بغير بصيرة غير نافعة، لقوله: " سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلته (١) "، وقد يكون هذا إنما هو لمن يُصم عقده ولا اطمأنت نفسه، وإنما قال كلاماً لا يعتقد صحته، ولا يعرف معناه.
وقوله للمؤمن: " نم (٢) صالحاً ": أى: ولا (*) روع عليك مما يروعُ به الكفرة من العرض على النار، أو غيره من عذاب القبر.
وقوله: " علمنا إن كنت مؤمناً " (٣): بالكسر، أى أنك مؤمن قاله الداودى، كما قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤)، أى أنتم، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٥) وهو لم يزل كذلك، والأظهر أنها على بابها، أى علمنا أنك كنت مؤمناً، وكذلك أنت، وعليه مجمل الآية، وقد يكون قوله: " إن كنت مؤمناً " أى فى علم الله، كما قيل فى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين﴾ (٦) وقيل ذلك فى قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أيضاً.
وقوله: " ما علمك بهذا الرجل ": يريد النبى محمدًا ﷺ ، كنى [عن] (٧) نفسه، قيل: يحتمل أنه سُمِّى كالميت فى قبرهِ، أو مُثِّل له، والأظهر أنه سمى له.
وقولها: " فزع رسول الله ﷺ يوم كسفت الشمس " يحتمل أنه ذُعر لذلك، كما قال فى الحديث الآخر: " فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة "، ويحتمل أن يكون من الفزع الذى هو المبادرة إلى الصلاة كما قدَّمناه.
стр. 1632
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: قِيَامًا طَوِيلاً، يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ. وَزَادَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ أَسَنَّ مِنِّىَ، وَإِلَى الأُخْرَى هِىَ أَسْقَمُ مِنِّى.
١٦ - (...) وحدّثنى أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ، قَالَتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ ، فَفَزِعَ، فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَقَضَيْتُ حَاجَتِى ثُمَّ جِئْتُ وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا. فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى رَأَيْتُنِى أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ، ثُمَّ أَلْتَفِتُ إِلَى الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ، فَأَقُولُ هَذِهِ أَضْعَفُ مِنِّى، فَأَقُومُ. فَرَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ.
ــ
وقولها: " فأخطأ بدِرع " كذا عند جميع شيوخنا، قال الهروى: يقال لمن أراد أن يفعل شيئًا ففعل غيرَه، أخطأ ولمن فعل غير الصواب أخطأ، فمعناه: أن النبى ﵇ لاستعجاله غلط فى ثوبه فلبس دِرْع غيره، ويدل عليه قوله فى الحديث الآخر: " فأخذ درعًا ".
وقوله: " حتى أدرك بردائه " ووقع فى بعض الروايات فخطأ، ولعله خطئ، قال ابن عرفة: يقال: أخطأ فى العمد وغير العمد، وخطئ بمعناه، وكلاهما مهموز. [قال الأزهرى: أخطأ إذا لم يتعمَّد، وخطئ إذا تعمَّد، والخطأ ضد الصواب مهموز] (١) يمد ويقصر، والمدُّ قليل، والمصدر ممدود، خطأ وأخطأ، وقرأ الحسن: " خطاءً [كبيرًا (٢) بالمد والفتح، والخِطْأ بالكسر وسكون الطاء: الإثم، وقرأ نافع: " خطأ] (٣) كبيرًا " (٤) ويقال فيه أيضاً: الخطيئة والخاطئة، وقيل: إنَّ خطأ لغة فى الخطاء مثل بَخْس وبَخَسَ، وأما قراءة من قرأ: خِطاء، بالكسر والمد، فمعنى آخر من التخطى، أى مجاوزة عن الحق إلى الباطل، وقد أنكرها النحاس (٥).
قال مسلم: ثنا سويد بن سعيد، ثنا حفص بن ميسرة، كذا لعامة شيوخنا وسائر النسخ، وكان فى كتاب شيخنا أبى محمد بن أبى جعفر من طريق الهوزنى: ثنا هارون بن سعيد (٦).
وقوله فى بعض هذه الأحاديث: " فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله " (٧) قد بين - عليه
стр. 1633
١٧ - (٩٠٧) حدثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً قَدْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهُو دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوع الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وهُوْ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيْلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَر آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ. لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذكُرُوا اللهَ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِى مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ. فَقَالَ: " إِنِّى رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا. وَرَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ كَاليَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ " قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " بِكُفْرِهِنَّ ". قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟
ــ
السلام - بِفعله وقوله أن ذكر الله هنا فى الصلاة وبالصلاة، وقد تقدم تفسير كفران العشير قبل هذا وكونه الزوج (١)، ووقع هنا للهوزنى: " العشيرة "، ولا تعرف هذه الرواية، لكنها توافق أحد التأويلين فى العشير المتقدم. وفيه ذم كفران (٢) الإحسان وفى إطلاق النبى ﷺ اسم الكفر عليه حجة لمن أطلق ذلك فى أهل المعاصى أيضاً، وأنه ليس المراد به [الكفر] (٣) حقيقة وإنما هو ستر المعروف وترك شكره. ولذلك ترجم البخارى على مثل هذا: كفر دون كفر (٤).
وأما رؤيته أكثرَ أهلها النساءَ للعلة التى ذكرها زائِداً على ما يجمعهم مع الرجال من الكفر بالله وغير ذلك من المعاصى الموجبة للعقاب، ولهذا ترجح رواية يحيى بن يحيى
стр. 1634
قَالَ: "بِكُفْرِ الْعَشِيرِ، وَبِكُفْرِ الإِحْسَانِ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ".
(...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِى ابْنَ عِيسَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ.
ــ
الأندلسى فى هذا الحديث فى قوله: أيَكْفُرن بالله؟ قال: " ويكفرن الإحسان " (١) بزيادة واو، ولم يروه كذا غيره، وغلَّطَه فى ذلك بعضهم، وقال: قد أثبت لهن الكفرَ بالله، وهذا لا يلزمه، إنما أشار إلى تقسيمهن وتكثير الأسباب الموجبة لكثرتهن فى النار، وأن منهن من يكفر بالله، ومنهن من يكفر الإحسان، فجاءت روايته حسنة صحيحة غير مردودة، ورواية من أسقط الواوَ صحيحةٌ أيضاً، أى لم يكفر جميعهن، ولكن كفرهن (٢) بأن منهن من يكفر الإحسان. وفيه أن سوءَ عشرة الزوجين وترك قضاء حق الزوج وعقوقه موجب للعقاب.
ووقع فى هذا الحديث فى الأم تخليط من الرواة عن مسلم، فسقط من رواية السمرقندى فى أول الحديث ذكرُ الركوع الأول والقيام الذى يليه من الركعة الأولى، وهو ثابت مستقيم مجوَّدٌ لغيره، ولسائر الرواة.
وقوله فيما أجمعوا عليه وهو: " دون القيام الأول ودون الركوع الأول " يُصحِّحُ وهمَ من أسقط ذلك. وسقط من رواية العذرى والسمرقندى القيامُ الثانى، والركوع الثانى من الركعة الثانية، وثبت لغيرهما وهو الصواب.
حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَتَرَمَّى بِأَسْهُمٍ لِى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا.
٢٨ - (٩١٤) وحدَّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ القَاسِم بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ وَلا لِحَياتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا ".
٢٩ - (٩١٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ - وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ - حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْن عِلَاقَةَ - وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ قَالَ: قَالَ زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ - سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ، يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ
ــ
لا يطول كثيرًا وهو قول الشافعى المعروف.
وقوله فى حديث عبد الرحمن بن سمرة: " [فجعل يسبح ويحمد ويدعو] (١) حتى حُسر عنها [فلما حُسر عنها] (٢) قرأ سورتين وصلى ركعتين ": ومعنى " حُسِر "، كُشف وأزيل ما بها، والحاسر الذى لا دِرْع عليه، وهو بمعنى " جَلَّى " فى الرواية الأخرى، ظاهره أن الصلاة إنما كانت بعد أن حُسِرَ عنها.
قال الإمام: إن كانت صلاته بعد الإنجلاء لم (٣) يقصد بها صلاة كسوف فلا تفتقر إلى تكرار ركوع [وسجود] (٤).
وقوله: " أَتَرَمَّى ": أى أرمى الأغراض، كما قالوا فى الرواية الأخرى، أرمى وأرتمى وأترامى.
وقوله فى حديث عبد الله من عمر: " ركعتين فى سجدة ": أى فى ركعة، وقد تقدم أنه يعبر بالسجدة عن الركعة.
وقوله: " فإذا رأيتموها فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف " وتسويته فى ذلك بين
стр. 1639
وَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ ".
ــ
الكسوفين، ذهب إلى هذا من [رأى] (١) أن حكم صلاتهما واحدٌ فى الهيئة والتجميع [وهو] (٢) الشافعى وجماعة فقهاء أصحاب الحديث، وروى عن جلة من الصحابة (٣)، ووافقهم الليث وعبد العزيز، ولكنهما لم يريا فى ذلك تجميعًا (٤)، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الصلاة فيها ركعتان كسائر النوافل، يصليها الناس أفذاذًا، ولا يجمعون، وأجاز أشهب التجميع فيها، واختلف عن مالك فى الخروج لصلاتها إلى الجامع، والمعروف عنه أن الناس لا يلزمون ذلك؛ لما فيه من المشقة وظلمة الليل، وحجتهم فى هذا كله: أن النبى ﷺ إنما جَمَع وسن صلاة الكسوف للشمس (٥)، وبقى أمره بالصلاة لكسوف القمر على المعهود من سائر صلاة النوافل، وقد استدل قوم بعموم قوله: " آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك فصلوا " " وإذا رأيتموهما " على لزوم ذلك من سائر الآيات من الزلازل، والصواعق، والهاد (٦)، والرياح الشديدة، والظلمة فى الأفق، وشبهه من الآيات، فذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور وأشهب من أصحابنا إلى الصلاة عند ذلك، وروى عن ابن عباس وابن مسعود (٧) وذهب مالك والشافعى إلى أن ذلك لا يلزم، وحجتهما رفع
стр. 1640
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاحتمال بتخصيص ذلك بالكسوفين فى الروايات الأخر بقوله: " فإذا رأيتم كسوفًا " و " فإذا كسفاً " واستحسن أصحاب الرأى الصلاة فى ذلك فرادى.
وقوله: فى حديث القوارير: " ويُهَلِّلُ " وعند العذرى: ويُهلَّ " بلام واحدة والوجه الأول.
стр. 1641
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١١ - كتاب الجنائز
(١) باب تلقين الموتى: لا إله إلا الله
١ - (٩١٦) وحدّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. كِلَاهُمَا عَنْ بِشْرٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ".
(...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مِخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ بْنُ بِلَالٍ، جَمِيعًا بِهَذَا الإِسْنَادِ.
ــ
كتاب الجنائز
قال الإمام أبو عبد الله: قوله ﵇: " لَقِّنُوا موتاكم لا إله إلا الله ": يحتمل أن يكون أمره ﵇ بذلك لأنه موضعٌ يتعرض فيه الشيطان لإفساد اعتقاد الإنسان، فيحتاج إلى مُذَكِّرٍ ومنبه له على التوحيد، ويحتمل أن يريد بذلك ليكون آخرَ كلامه ذلك، فيحصل له ما وعد به ﵇ فى الحديث الآخر: " من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة " (١).
قال القاضى: والتلقين سنة مأثورة بهذا الحديث، عمل بها المسلمون، وكرهوا الإكثار عليه والموالاة؛ لئلا يُضْجر ذلك الميت، لاسيما مع ضيق الصدر بالمرض، واختلال الحس بشدة الكَرْبِ، فربما كان منه فتورٌ أو عقد لكراهة ذلك، أو قول يقبح إن لم يأت كل ذلك عن رَوِيَّةٍ فيخشى عليه منه، وجعلوا الحدَّ فى ذلك إذا قالها مرةً ألا يكرر عليه إلا أن يتكلم بكلام آخر، فيعاد عليه، حتى يكون آخر كلامه ليرجى له بذلك الدخول فى قوله: " من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، حرمه الله على النار " (٢).
стр. 1642
٢ - (٩١٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَان ابْنَا أَبِى شَيْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ".
ــ
وفى أمر النبى ﷺ بذلك دليل على تعيين الحضور عند الميت لاحتضاره؛ لتذكيره، وإغماضِه، والقيام عليه، [وأن ذلك من حقوق المسلم على المسلمين ولا خلاف فى ذلك] (١).
وذكر مسلم فى أول الباب حديث بشر بن المفضل عن عمارة بن غَزِيَّة ثم قال: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الدراوردى قال: وحدثنا أبو بكر بن أبى شيبة (٢)، ثنا خالد بن محمد، ثنا سليمان بن بلال جميعًا بهذا الإسناد، لم يرد. قال لنا الحافظ أبو على: معناه عن عمارة بن غَزِيَّة المتقدم، حدث عنه سليمان بن بلال والدراوردى فى هذا الإسناد الآخر.
(٤) باب فى إغماض الميت والدعاء له، إذا حُضر
٧ - (٩٢٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِى سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ. ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ ". فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ. فَقَالَ: " لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ". ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِى سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِى
ــ
وقوله: " إن الروح إذا قبض تبعه البَصرُ " دليل أن الموت ليس بفناءٍ ولا إعدامٍ تام، وإنما هو انتقال وتغيُّر حالٍ، وإعدام الجسد دون الروح، إلا ما استثنى من عجب الذنب " (١).
وقوله فى الحديث الآخر: " يتبع بصَرُه نفسه " (٢) حجة لمن يقول: إن الروح والنفس بمعنى واحد، لذكره فى القصة أولاً الروح بما ذكر به النفس آخرًا، وقد مضى الكلام على هذا، وسيأتى مبينًّا أيضاً.
وقوله: " شَقَّ بصرُه " بفتح الشين يقال: شق بصرُ الميت وشق الميتُ بصره إذا شخص، قاله صاحب الأفعال.
وقوله فى الحديث الآخر: " شخص بصره " (٣)، وقال صاحب الأفعال: شخَصَ بالفتح ولم يعرف أبو زيد الكسر.
وقوله: " فأغمضَه " تغميض أعين الموتى سُنَّةٌ، عمل بها المسلمون كافة، وفيه (٤) تحسين وجه الميت وستر تغيير بصره. وفى الأحاديث التى ذكر مسلم عن أم سلمة تعليم ما يقال عند الميت وبعده، من الدعاء له، والذكر، والاسترجاع، وقول الخير، والدعاء لمن يخلفه، فيجبُ التأدب بأدب النبى ﷺ فى ذلك، وامتثال ما رسمه من ذلك ﵇ وعمل به، وحَض عليه. ولفظ المصيبة فى الحديث فيما يكره، وإن [كان] (٥) أصله فى كل ما يصيب من خير أو شر، لكن عرف اللغة قد قصره على الشر كالفتنة والامتحان ونحو ذلك.
وقوله: " فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون " فيحمل أن يكون الأمر بها
стр. 1647
الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِى عَقِبِهِ فِى الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِى قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ".
٨ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَاخْلُفْهُ فِى تَركَتِهِ "، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَوْسِعْ لَهُ فِى قَبْرِهِ " وَلَمْ يَقُلِ: " افْسَحْ لَهُ ". وَزَادَ: قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: وَدَعَوةٌ أُخْرَى سَابِعَةٌ نَسِيتُهَا.
ــ
على مفهوم الحض على قول ذلك، من ثنائه تعالى لقائل ذلك فى كتابه، وثوابه له، وليس فى القرآن الأمر بقول ذلك تصريحًا، ويحتمل أن أمر الله فى ذلك بوحى ليس من القرآن.
وقولها: " وأنا غيور " كذا يقال للذكر والأنثى غيرى (١).
ومعنى قوله: " وأخلفه فى عقبه فى الغابرين ": أى الباقين لقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِين﴾ (٢).
(٦) باب البكاء على الميت
١٠ - (٩٢٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ؛ قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: غَرِيبٌ وَفِى أَرْضِ غُرْبَةٍ لأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأَتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِى، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: " أَترِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِى الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ؟ " مَرَّتَيْنِ؛ فَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ.
١١ - (٩٢٣) حدّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ، وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبيًّا لَهَا، أَو ابْنًا لَهَا، فِى الْمَوْتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: " ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأَخْبرهَا: أَنَّ للهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَمُرْها فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ". فَعَادَ الرّسُولُ فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأِتيَنَّها. قَالَ: فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ ، وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ. فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِىُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، كَأَنَّهَا فِى شَنَةٍ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ لَهُ سَعدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " هَذِهِ رَحمَةٌ، جَعَلَهَا اللهُ فِى قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ".
ــ
وقوله: " ونفسه تَقَعقَعُ كأنها فى شَنَّة، ففاضت عيناه ﵇ ": قال الإمام: بكاؤه يدل [على] (١) [أن] (٢) المنهى عنه من البكاء ما صحبه النوح. قال القاضى: قد فسر هذا ﵇ فى الأحاديث الأخر بقوله: " إن الله لا يعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه ".
وقوله فى الحديث الآخر: " ما لم يكن نقع أو لقلقة " (٣)، [وقوله: " العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول ما يسخط الله "] (٤).
стр. 1650
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، جَمِيعًا عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيرَ أَنَّ حَدِيثَ حَمَّادٍ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ.
١٢ - (٩٢٤) حدّثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِىُّ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِىُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو بْنُ الْحَارِث عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِى غَشِيَّة. فَقَالَ: " أَقدْ قَضَى؟ " قَالُوا: لَا. يَا رَسُولَ اللهِ، فَبَكَى رَسُولُ
ــ
وقوله: " فأقبلت امرأة من الصعيد ": هو كل ما علا وجه الأرض، وهو هاهنا إشارة - والله أعلم - لأعالى الأرض، كأنها [تريد] (١) عوالى المدينة، ومنه صعيد مصر، أى أعلى بلادها.
وقوله: " تقعقع "، قال الإمام: قال الهروى: أى كلما صار إلى حالةٍ لم يلبث أن يصير (٢) إلى أخرى تقرب من الموت، ولا يثبت على حالة واحدة، يقال: تقعقع الشىء إذا اضطرب وتحرَّك، ويقال: إنه ليتقعقع لحياة من الكِبَرِ. والشَنَّة القربة البالية.
قال القاضى: ليس معنى اللفظ هاهنا ما قاله الهروى وحكاه فى كتابه عن شمر عن خالد بن حسنة، ولا يسعده قوله: " كأنها فى شنة "، وإنما القعقعة هاهنا: صوت نفسه وحشرجة صدره به، ومنه: قعقعة الجلود والترسة والسلاح، وهى أصواتها، ألا ترى قوله: " كأنَّها فى شَنَّة "؟ فشبَّه صوت نفسه وقلقلته فى صدره كصوت ماء ألقى فى القربة اليابسة وحُرِّك فيها، ومن أمثالهم: لا يقعقع له بالشِّنان، أى لا يفزع بصوته.
وقوله فى حديث سعيد: " فأصابه فى غَشيَّةٍ " [كذا روايتنا فيه عن أكثر شيوخنا، بكسر الشين وتشديد الياء، وعند ابن أبى جعفر: " عَشْية "، (٣) بسكون الشين، وفى البخارى: " فى غاشية " (٤) فحمله بعضهم، وهو اختيار القاضى أبى الوليد الكنانى فيما أنبأنا به عنه الشيخ أبو بحر، أن معناه: من تغشاه من ألم، وأن كسر الشين وتشديد الياء صوابه، واعتضد بما ورد فى البخارى من رواية " غاشية " كما فى كتاب مسلم فى الحديث الآخر بعده: " فاستأخرَ قومُه من حوله حتى دنا رسول الله ﷺ وكان على هذا لا يصح رواية " غشية " بالتخفيف. وقد ذكر بعضهم هذا الحديث وقال فيه: " فى غاشية