← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

(٤) باب فى إغماض الميت والدعاء له، إذا حُضر ٧ - (٩٢٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِى سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ. ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ ". فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ. فَقَالَ: " لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ". ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِى سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِى ــ وقوله: " إن الروح إذا قبض تبعه البَصرُ " دليل أن الموت ليس بفناءٍ ولا إعدامٍ تام، وإنما هو انتقال وتغيُّر حالٍ، وإعدام الجسد دون الروح، إلا ما استثنى من عجب الذنب " (١). وقوله فى الحديث الآخر: " يتبع بصَرُه نفسه " (٢) حجة لمن يقول: إن الروح والنفس بمعنى واحد، لذكره فى القصة أولاً الروح بما ذكر به النفس آخرًا، وقد مضى الكلام على هذا، وسيأتى مبينًّا أيضاً. وقوله: " شَقَّ بصرُه " بفتح الشين يقال: شق بصرُ الميت وشق الميتُ بصره إذا شخص، قاله صاحب الأفعال. وقوله فى الحديث الآخر: " شخص بصره " (٣)، وقال صاحب الأفعال: شخَصَ بالفتح ولم يعرف أبو زيد الكسر. وقوله: " فأغمضَه " تغميض أعين الموتى سُنَّةٌ، عمل بها المسلمون كافة، وفيه (٤) تحسين وجه الميت وستر تغيير بصره. وفى الأحاديث التى ذكر مسلم عن أم سلمة تعليم ما يقال عند الميت وبعده، من الدعاء له، والذكر، والاسترجاع، وقول الخير، والدعاء لمن يخلفه، فيجبُ التأدب بأدب النبى ﷺ فى ذلك، وامتثال ما رسمه من ذلك ﵇ وعمل به، وحَض عليه. ولفظ المصيبة فى الحديث فيما يكره، وإن [كان] (٥) أصله فى كل ما يصيب من خير أو شر، لكن عرف اللغة قد قصره على الشر كالفتنة والامتحان ونحو ذلك. وقوله: " فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون " فيحمل أن يكون الأمر بها

стр. 1647

الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِى عَقِبِهِ فِى الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِى قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ". ٨ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَاخْلُفْهُ فِى تَركَتِهِ "، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَوْسِعْ لَهُ فِى قَبْرِهِ " وَلَمْ يَقُلِ: " افْسَحْ لَهُ ". وَزَادَ: قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: وَدَعَوةٌ أُخْرَى سَابِعَةٌ نَسِيتُهَا. ــ على مفهوم الحض على قول ذلك، من ثنائه تعالى لقائل ذلك فى كتابه، وثوابه له، وليس فى القرآن الأمر بقول ذلك تصريحًا، ويحتمل أن أمر الله فى ذلك بوحى ليس من القرآن. وقولها: " وأنا غيور " كذا يقال للذكر والأنثى غيرى (١). ومعنى قوله: " وأخلفه فى عقبه فى الغابرين ": أى الباقين لقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِين﴾ (٢).

стр. 1648

(٥) باب فى شخوص بصر الميت يتبع نفسه (١) ٩ - (٩٢١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : " أَلَمْ تَرَوُا الإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ ". قَالُوا: بَلَى. قَالَ: " فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ ". (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِى الدَّراوَرْدِىِّ - عَنِ الْعَلَاءِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1649

(٦) باب البكاء على الميت ١٠ - (٩٢٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ؛ قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: غَرِيبٌ وَفِى أَرْضِ غُرْبَةٍ لأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأَتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِى، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: " أَترِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِى الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ؟ " مَرَّتَيْنِ؛ فَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ. ١١ - (٩٢٣) حدّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ، وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبيًّا لَهَا، أَو ابْنًا لَهَا، فِى الْمَوْتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: " ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأَخْبرهَا: أَنَّ للهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَمُرْها فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ". فَعَادَ الرّسُولُ فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأِتيَنَّها. قَالَ: فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ ، وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ. فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِىُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، كَأَنَّهَا فِى شَنَةٍ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ لَهُ سَعدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " هَذِهِ رَحمَةٌ، جَعَلَهَا اللهُ فِى قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ". ــ وقوله: " ونفسه تَقَعقَعُ كأنها فى شَنَّة، ففاضت عيناه ﵇ ": قال الإمام: بكاؤه يدل [على] (١) [أن] (٢) المنهى عنه من البكاء ما صحبه النوح. قال القاضى: قد فسر هذا ﵇ فى الأحاديث الأخر بقوله: " إن الله لا يعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه ". وقوله فى الحديث الآخر: " ما لم يكن نقع أو لقلقة " (٣)، [وقوله: " العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول ما يسخط الله "] (٤).

стр. 1650

(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، جَمِيعًا عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيرَ أَنَّ حَدِيثَ حَمَّادٍ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ. ١٢ - (٩٢٤) حدّثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِىُّ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِىُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو بْنُ الْحَارِث عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِى غَشِيَّة. فَقَالَ: " أَقدْ قَضَى؟ " قَالُوا: لَا. يَا رَسُولَ اللهِ، فَبَكَى رَسُولُ ــ وقوله: " فأقبلت امرأة من الصعيد ": هو كل ما علا وجه الأرض، وهو هاهنا إشارة - والله أعلم - لأعالى الأرض، كأنها [تريد] (١) عوالى المدينة، ومنه صعيد مصر، أى أعلى بلادها. وقوله: " تقعقع "، قال الإمام: قال الهروى: أى كلما صار إلى حالةٍ لم يلبث أن يصير (٢) إلى أخرى تقرب من الموت، ولا يثبت على حالة واحدة، يقال: تقعقع الشىء إذا اضطرب وتحرَّك، ويقال: إنه ليتقعقع لحياة من الكِبَرِ. والشَنَّة القربة البالية. قال القاضى: ليس معنى اللفظ هاهنا ما قاله الهروى وحكاه فى كتابه عن شمر عن خالد بن حسنة، ولا يسعده قوله: " كأنها فى شنة "، وإنما القعقعة هاهنا: صوت نفسه وحشرجة صدره به، ومنه: قعقعة الجلود والترسة والسلاح، وهى أصواتها، ألا ترى قوله: " كأنَّها فى شَنَّة "؟ فشبَّه صوت نفسه وقلقلته فى صدره كصوت ماء ألقى فى القربة اليابسة وحُرِّك فيها، ومن أمثالهم: لا يقعقع له بالشِّنان، أى لا يفزع بصوته. وقوله فى حديث سعيد: " فأصابه فى غَشيَّةٍ " [كذا روايتنا فيه عن أكثر شيوخنا، بكسر الشين وتشديد الياء، وعند ابن أبى جعفر: " عَشْية "، (٣) بسكون الشين، وفى البخارى: " فى غاشية " (٤) فحمله بعضهم، وهو اختيار القاضى أبى الوليد الكنانى فيما أنبأنا به عنه الشيخ أبو بحر، أن معناه: من تغشاه من ألم، وأن كسر الشين وتشديد الياء صوابه، واعتضد بما ورد فى البخارى من رواية " غاشية " كما فى كتاب مسلم فى الحديث الآخر بعده: " فاستأخرَ قومُه من حوله حتى دنا رسول الله ﷺ وكان على هذا لا يصح رواية " غشية " بالتخفيف. وقد ذكر بعضهم هذا الحديث وقال فيه: " فى غاشية

стр. 1651

اللهِ ﷺ . فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَكَوْا. فَقَالَ: " أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ ". ــ أهله "، وغيره يحمله على أن غشْية وغشِيَّة بمعنىً، وأنه من غشاوة الموت، واستدل بقوله فى الأم: " فقال: أقد قضى؟ " أى مات، " قالوا: لا ". قال لى الحافظ أبو الحسن: لا فرق بين غِشْية وغشِيَّة، وهما واحد، يريد من الغشاوة، وقال الخطابى: " فى غاشية " يحتمل وجهين منْ يغشاه من الناس أو ما يغشاه من الكرب (١). وفيه زيارة الأئمة وأهل الفضل المرضى، وحضه على ذلك أصحابه، بقوله: " من يعوده منكم؟ "، وفيه السؤال للحاضرين عن أحوالهم، وكذلك إذا كانوا فى شدة، ولا يكلَّفون هم من ذلك ما عساه يشق من الجواب عليهم، وفيه حضور الناس عند من احتضر، وهو مما يتعيَّن على كافتهم، وبخاصة لآله وقرابته، وقد ترك ابن عمر صلاة الجمعة حين دُعى لاحتضار سعيد بن زيد (٢)، لشدة حاجة الميت حينئذ إلى من ينظر منه، ويرفق به، ويقوم عليه. وفيه أن للرجل حقًّا فى مثل هذا، وأَنَّه من جاء لعيادةٍ أو قضاء حاجة عند كبير، ثم جاء غيرَهُ وقد ضاق المجلس عند الداخل، أن ينصرف الأولُ أو يفسح له عن قرب المزور حتى يقضى إربه منه.

стр. 1652

(٧) باب فى عيادة المرضى (١) ١٣ - (٩٢٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنَ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَارَةَ - يَعْنِى ابْنَ غَزِيَّةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْبَرَ الأَنْصَارِىُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا أَخَا الأَنْصَارِ، كَيْفَ أَخِى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ ". فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟ ". فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ. وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ وَلا خِفَافٌ وَلا قَلَانِسُ وَلَا قُمُصٌ، نَمْشِى فِى تِلْكَ السِّبَاخِ حَتَّى جِئْنَاهُ، فَاسْتأخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِهِ، حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1653

(٨) باب فى الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى ١٤ - (٦٢٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى ". ١٥ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَر، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِى عَلَى صَبِىٍّ لَهَا. فَقَالَ لَهَا: " اتَّقِى اللهَ وَاصْبِرِى ". فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِى بِمُصِيبَتِى. فَلَمَّا ذَهَبَ، قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَأَخَذَهَا مِثْلُ المَوْتِ. فَأَتَتْ بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: " إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ "، أَوْ قَالَ: " عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ ". ــ وقوله فى حديث المرأة: " إنما الصبر عند الصدمة الأولى ": يعنى الصبرَ الذى يَشُقَّ ويعظم تحمُّله ومجاهدة النفس عليه، ويقل صابِرة ويؤجر عليه الأجرَ الجزيل عند وقوع المصيبة وهجومها، وأما بعد الصدمة الأولى وبرد المصيبة وابتداء التسلى فكلُّ أحد يصبر حينئذ، ويقل جزعه، ولذلك قيل: يجب للعاقل أن يلتزم حين مصابه ما لابد للأحمق منه بعد ثلاث. ومن هذا المعنى النهىُ عن أن يُحدَّ على الميت أكثر من ثلاث إلا [على] (١) الزوج. وأصل الصدم الضرب فى الشىء الصلب، ثم استعير [ذلك] (٢) للأمر المكروه يأتى فجأة وغِرَّة. وقولها: " لم أعْرِفك " فيه الاعتذار من سوء الأدب مع الفضلاء، وإن لم [يكن] (٣) يقصد به، لقولها: " إليك عَنِّى "، على رواية البخارى (٤)، وعند مسلم: " وما (٥) تبالى بمصيبتى ". وقوله: " فلم تجد على بابه بوابين ": فيه ما كان ﵇ من التواضع. قال بعضهم: حديث المرأة يدل أنَّ بكاءها كان بنوحٍ لقوله: " اتقى الله واصبرى "، وفى كتاب أبى داود: " قالت أنا أصبر " (٦) امتثال لأمره لها بالصبر أول الحديث وتوبة لردها

стр. 1654

(...) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو. ح وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، بِقِصَّتِهِ. وَفِى حَدِيثِ عَبْدَ الصَّمَدِ: مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ. ــ ذلك عليه، إذ لم تعرفه؛ ولذلك قال: " وأخذها مثل الموت ": أى خوفًا من مؤاخذة الله لها لسوء ردها عليه لجهلها به، وحشمة منه لذلك، ولحلمه عنها وصبره على أذاها، وعذره لها إذ لم تعرفه، ولعلها لم تكن رأته قبل ذلك، أو لعظيم حزنها لم تظن أنه النبى ﷺ ، وإن كانت قبل تعرفه.

стр. 1655

(٩) باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه ١٦ - (٩٢٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ بِشْرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِىُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ حَفْصَةَ بَكَتْ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: مَهْلاً يَا بُنَيَّةُ، أَلَمْ تَعْلَمِى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ". ١٧ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ ". (...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النِّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ بِمَا نيحَ عَلَيْهِ ". ١٨ - (...) وحدَّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أُغْمِىَ عَلَيْهِ، فَصِيحَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ "؟ ١٩ - (...) حدّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ الشَّيْبَانِىِّ، عَنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ، جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَا أَخَاهْ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ "؟ ــ وقوله: " إن الميت يعذب (١) ببكاء أهله عليه "، [وفى حديث آخر: " ببعض بكاء أهله "] (٢)، وفى حديث آخر: " بما نيح عليه "، [وفى آخر: " ببكاء الحى "، وفى آخر: " من يبك عليه يعذب " وإنكار عائشة لذلك] (٣). قال الإمام: قال بعضهم: الباء هنا - فى قوله: " ببكاء الحى عليه " - باء الحال، والتقدير: يعذب عند بكاء أهله عليه، أى يحضر عذابُه عند البكاء، وعلى هذا التأويل يكون قضيةً فى عين، وقيل: محمله على أن

стр. 1656

٢٠ - (...) وحدَّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ أَبُو يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى، عَنْ أَبِى مُوسَى؛ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مِنْ مَنْزِلِهِ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُمَرَ، فَقَامَ بِحِيَالِهِ يَبْكِى. فَقَالَ عُمَرُ: عَلَامَ تَبْكِى؟ أَعَلَىَّ تَبْكِى؟ قَالَ: إِى؛ وَالله! لَعَلَيْكَ أَبْكِى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ يُعَذَّبُ ". قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، فَقَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ أُولَئِكَ الْيَهُودَ. ٢١ - (...) وحدَّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، لَمَّا طُعِنَ، عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ. فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ، أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ؟ " وَعَوَّلَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ. فَقَال عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَمَا عَلِمتَ: " أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ؟ ". ــ الميت وصى بأن يبكى عليه فيعذب إن نُفِّذَتْ وصيته، ومن الإيصاء بهذا المعنى قول طرفة: إذا مت (١) فانعينى بما أنا أهله ... وشُقىّ علىَّ الجيبَ يا ابنة معبد وقيل: معنى " يعذب ببكاء أهله ": أى أن تلك الأفعال التى يعددها أهله بما يعدَّونها محاسِنَ يُعذَّبُ عليها من إيتام الولدان وإخراب العمران على غير وجه يجوز. وأما عائشة - رضى الله عنها - فإنها تأوَّلت ذلك على أنه كان فى يهوديةٍ، وأنه قال: " إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب فى قبرها "، وذكر عنها مسلمٌ - أيضاً - أنها لما أُخبرت بقول عبد الله بن عمر أنَّ الميت ليعذّب فى قبره ببكاء أهله، قالت: " وَهِلَ أَبو عبد الرحمن، إنما قال ﵇: إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وأن أهله ليبكون عليه الآن ". قالت: [وهو مثل قوله] (٢): " إن رسول الله ﷺ قام على القليب يوم بدر، وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: " إنهم ليسمعون ما أقول "، وقد وهِل، إنما قال: " [إنَّهم] (٣) ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حقٌّ ". قال القاضى: وقيل: معناه: إنه يتعذب بسماع بكاء أهله [وَيرقُ لهم] (٤)، وقد جاء هذا مفسراً فى حديث قَيلة حين بكت عند ذكرها موت أبيها (٥)، فزجرها النبى - عليه

стр. 1657

٢٢ - (٩٢٨) حدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ جَنَازَةَ أُمِّ أَبَانٍ بِنْتِ عُثْمَانَ، وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُودُهُ قَائِدٌ، فَأُرَاهُ أَخْبَرَهُ بِمَكَانِ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلى جَنْبِى، فَكُنْتُ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا صَوْتٌ مِنَ الدَّارِ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - كَأَنَّهُ يَعْرِضُ عَلَى عَمْرٍو أَنْ يَقُومَ فَيَنْهَاهُمْ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ ". قَالَ: فَأَرْسَلَهَا عَبْدُ اللهِ مُرْسَلَةً. (٩٢٧) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنَّا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ نَازِلٍ فِى شَجَرَةٍ. فَقَالَ لِى: اذْهَبْ فَاعْلَمْ لِى مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ، فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: إِنَّكَ أَمَرْتَنِى أَنْ أَعْلَمَ لَكَ مَنْ ذَاكَ، وَإِنَّهُ صُهَيْبٌ. قَالَ: مُرْهُ فَلْيَلْحَقْ بِنَا. فَقُلْتُ: إِنَّ مَعَهُ أَهْلَهُ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَهْلُهُ - وَرُبَّمَا قَالَ أَيُّوبُ: مُرْهُ فَلْيَلْحَقْ بِنَا - فَلَمَّا قَدِمْنَا لَمْ يَلْبَثْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أُصِيبَ، فَجَاءَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَا أَخَاهْ! وَا صَاحِبَاهْ! فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ تَعْلَمْ، أَوْ لَمْ تَسْمَعْ - قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: أوَ لَمْ تَعْلَمْ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْمَيِّت لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ ". ــ السلام - ثم قال: " إنَّ أحَدَكم إذا بكى استعبر له صويحبُه. فيا عباد الله، لا تعذبوا إخوانكم " (١)، وإلى هذا نحا الطبرى وغيره، وهو أولى ما يقال فيه لتفسير النبى ﷺ فى هذا الحديث ما أبهمه فى غيره، ويندفع به الاعتراض بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وذهب داود وطائفة إلى اعتقاد ظاهر الحديث، وأنه إنما يُعذَّب بنو جهم [عليه] (٣)؛ لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته، وتأديبهم بذلك فيُعذَّبُ بتفريطه فى ذلك، وترك ما أمره الله به من قوله: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ ؤأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٤)، فيندفع عنه الاعتراض بالآية على هذا، لكن فى حقِّ من أهمل ذلك وجهله من يخلفه. وحمل العلماء هذا الباب كله أنه فى البكاء بالصوت والصراخ والنياحة لا فى بكاء العين. قال الإمام: اعتد بعض الناس بحديث القليب، فقال: إن الميت يسمع، وهذا غير صحيح عند أهل الأصول؛ لأن الحياة شرط فى السمع فلا يسمع غير حى، وحمل بعض

стр. 1658

قَالَ: فَأَمَّا عَبْدُ اللهِ فَأَرْسَلَهَا مُرْسَلَةً، وَأَمَّا عُمَرُ فَقَالَ: بِبَعْضِ. (٩٢٩) فَقُمْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ: فَحَدَّثْتُهَا بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَتْ: لَا. وَاللهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَطُّ: " إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَحَدٍ "، وَلَكِنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الْكَافِرَ يَزِيدُهُ اللهُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَابًا، وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، ﴿وَلَا تَزِر وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). قَالَ أَيُّوبُ: قَالَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ: حَدَّثَنِى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: لَمَّا بَلَغِ عَائِشَةَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَتْ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّى عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلَا مُكَذَّبِيْنِ، ولَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ. ٢٣ - (٩٢٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ، قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ابْنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ. قَالَ: فَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا. قَالَ: فَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ: وَإِنِّى لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا. قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِى. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ مُوَاجِهُهُ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ". (٩٢٧) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ فَقَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ ــ الناس ذلك على أنهم أعيدت إليهم الحياة حتى سمعوا تقريعه ﵇ لهم. وأما قولها: " وهل " قال الهروى: يقال: وهَل يِهِل إذا ذهب وهمه إلى الشىء، ومنه قول ابن عمر: وَهَل أنس، يريد غلَط، فأما وهلتُ من كذا أوهَلُ فمعناه: فزِعْتُ، ومنه الحديث: " فقمنا وهلين ": أى فزعين. قال القاضى: قال أبو عبيد فى المصنف: قال أبو زيد: وهِلتُ فى الشىء ووهلتُ عنه [أوهل] (٢) وهلاً نسيتُ وغلِطت، ووهلتُ إلى الشىء [أهل وهلاً] (٣) إذا ذهب وهمت إليه، وقال الهروى: وهل إلى الشىء يهل ووهِم يهِم (٤)، وجاء [فى حديث فى] (٥) رواية السمرقندى فى رواية على بن حجرٍ فى حديث ابن عمر، لما طعن عمر، زيادة بعد ابن عمر عن عمر، وهو خطأ بَيِّنٌ. قد جاء الكلام على سماع الموتى آخر الكتاب أيضاً.

стр. 1659

فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ. قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: ادْعُهُ لِى. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ. فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أَنْ أُصِيبَ عُمَرُ، دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِى يَقُولُ: وَا أَخَاهْ! وَا صَاحِبَاهْ! فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِى عَلَىَّ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ". (٩٢٩) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ. فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ، لا وَاللهِ، مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ "، وَلَكِنْ قَالَ: " إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ". قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ: فَوَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَىْءٍ. (...) وحدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. قَالَ عَمْرٌو عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ: كُنَّا فى جَنَازَةِ أُمّ أَبَان بِنْتِ عُثْمَانَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَنُصَّ رَفْعَ الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، كَمَا نَصَّهُ أَيُّوبُ وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَحَدِيثُهُمَا أَتمُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرٍو. ٢٤ - (٩٣٠) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبَ بِبُكَاءِ الْحَىِّ ". ٢٥ - (٩٣١) وحدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَام وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ. قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ قَوْلُ ابْنِ ــ وقوله فى حديث ابن حجر: " فذكرت [ذلك] (٢) لموسى بن طلحة ": قائل هذا هو عبد الملك بن عمير المذكور فى سند الحديث قبله. وقوله فى الحديث: " عَوَّلت عليه حفصة وعَوَّل عليه صهيب "، ويروى: " أَعْوَلَتْ وأَعَولَ "، وهو البُكاء بصوتٍ، وهما لغتان عند بعضهم، ولم يصحح أكثرهم إلا أعْوَلَ (٣). قال الإمام: خرَّج مسلم: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا وكيع عن سعيد بن عبيد

стр. 1660

عُمَرَ: الْمَيتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَحْفَظهُ، إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولَ اللهِ ﷺ جِنَازَةُ يَهُودِىٍّ، وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: " أَنْتُمْ تَبْكُونَ. وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ ". ٢٦ - (٩٣٢) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرْفَعُ إِلَى النَّبىِّ ﷺ : " إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ". فَقَالَتْ: وَهَلَ، إِنَّمَا قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ أَوْ بِذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبُكُونَ عَلَيْهِ الآنَ ". وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ: " إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ "، وقَدْ وَهَلَ، إِنَّمَا قَالَ: " إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ "، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (١) ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ (٢) يَقُولُ: حِينَ تَبَوَّؤُا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ. (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ. وَحَدِيثُ أَبِى أُسَامَةَ أَتَمَّ. ٢٧ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِك بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللهُ لأَبِى عَبْد الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِىَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: " إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِى قَبْرِهَا ". ٢٨ - (٩٣٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِىِّ ــ الطائى ومحمد بن قيس، عن على بن ربيعة قال: أول من نيح عليه بالكوفة [قرظة بن كعب] (٣) قال بعضهم: وقع فى نسخة ابن الحذاء [فى إسناد هذا الحديث] (٤) سعد بن

стр. 1661

وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". (...) وحدَّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ قَيْسٍ الأَسْدِىُّ عَنْ عَلِىِّ بْنِ رَبِيعَةَ الأَسْدِىِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَهُ. (...) وحدّثناه ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى الْفَزَارِىَّ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِىُّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَهُ. ــ عبيد، والصواب: " سعيد " بياء (١)، وسعيد بن عبيد هو أخو عقبة بن عبيد، يكنى أبا الهذيل، ويكنى عقبة أبا الرحال، براء مهملة وحاء مهملة مشددة.

стр. 1662

(١٠) باب التشديد فى النياحة ٢٩ - (٩٣٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ. ح وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَال، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى؛ أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الأَشْعَرِىَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " أَرْبَعٌ فِى أُمَّتِى مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِى الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِى الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ ". وَقَالَ: " النَّائحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ منْ جَرَبَ ". ٣٠ - (٩٣٥) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِى عَمْرَةُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: لَمَّا جَاء رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِى طَالِبٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَس رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ. قَالَتْ: وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائرِ الْبَابِ - شقِّ الْبَابِ - ــ قال القاضى: قوله " أربعٌ فى أمتى من أمر الجاهلية " وذكر فيها الاستسقاء بالنجوم، تقدم الكلام عليه أوَّل الكتاب. قال الإمام: قولها: " وأنا أنظر من صائر الباب " وهو شق الباب، والصواب صير الباب - بكسر الصاد، وفى حديث آخر: " من اطلع من صير باب فقد دمر " تفسيره فى الحديث أن الصير الشق، ودمَّرَ: دخل بغير إذن. قال القاضى: وقع فى كتاب مسلم والبخارى: " من صائر الباب - شق الباب " (١) مفسرًا فى الحديث وبكاء نساء جعفر، وتماديهن بعد النهى عليه، وكذلك غيرهن من نساء المؤمنين بعد ما جاء أن النبى ﵇ قال: " فإذا وجب فلا تبكين باكيةٌ " (٢) استدل به بعضهم أن النهى على طريق الندب والترغيب، أو يكون النهى عن البكاء الذى

стр. 1663

فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، فَأَتَاهُ فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ. ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: وَاللهِ، لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَتْ: فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " اذْهَبْ فَاحْثُ فِى أَفَوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ. وَاللهِ، مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ. (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَحمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ - كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَفِى حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْعِىِّ. ــ هو الصراخ والنوح، ويدل أن هذا البكاء من نساء جعفر كان فيه ما يكره من الصراخ وما نهى عنه، بدليل نهى النبى ﷺ [عنه] (١). وقوله: " احث فى أفواههن التراب ": أى إن أمكنك ذلك لتملأ به أفواههن وتسكتهن، ولو كان مجرد البكاء بالعين لم يكن لملء الأفواه (٢) بالتراب معنى، وليس أمره ﵇ له بذلك ليفعله بهن على كل حال، ولكن على طريق التعجيز أنَّ هذا مما يسكتهن إن فعلته، فافعله إن أمكنك، وهو لا يمكنه. وفيه تكرار النهى عن المنكر مرات، وأنه إذا غلب فعله ولم ينته المنهى عنه أن يعاقب إن أمكن عقابه، وإن كان العقاب لا يمكن إلا بعَنَاءٍ (٣) ومشقةٍ لم يلزم، وكانت الملاطفة فيه أولى، وقول عائشة حينئذ للمأمور: " أرغم الله أنفك، والله ما أنت بفاعل، وما تركت رسول الله ﷺ من العناء " (٤): أى من المشقة والتعب بكثرة تكرارك عليه، إخباره عن حال (٥) النساء وبكائهن إلى أن فهمت الحرج - والله أعلم - من قول النبى ﵇ له: " احث فى أفواههن التراب، ولذلك قالت له: " والله ما تفعل ما أمرك به رسول الله ﷺ " تريد من

стр. 1664

٣١ - (٩٣٦) حدّثنى أَبُو الرِّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ الْبَيْعَةِ أَلا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا خَمْسٌ: أَمُّ سُلَيْمٍ، وَأُمُّ الْعَلَاءِ، وَابْنَةُ أَبِى سَبْرَةَ امْرَأَةُ مُعَاذٍ، أَوِ ابْنَةُ أَبِى سَبْرَةَ وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ. ٣٢ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَسْبَاطٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى الْبَيْعَةِ أَلَّا تَنُحْنَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا غَيْرُ خَمْسٍ، مِنْهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ. ــ ذلك: أى لا تقدر عليه، وإنك عاجز عنه، ألا تراها كيف قدمت لذلك قولها: " أرغم الله أنفَك "، ولم ترد الاعتراض على أمر رسول الله ﷺ ، وقيل: " ما أنت بفاعل ": أى ما تقدر على منعهن من البكاء جملة، إذ منه المباح لهن الذى لا صوت فيه ولا منكر، والأول أظهر. ووقع فى رواية العذرى عندنا من طريق الأسدى فى حديث ابن أبى شيبة: الغىَّ - بالمعجمة وتشديد الياء - الذى هو ضد الرشد مكان العناء، وعند الطبرى مثله، إلا أنه بالمهملة ولا وجه لهذا اللفظ، والأول أليق بالمعنى وأصح، وكذلك رواه البخارى (١). وقول أم عطية: " أخذ علينا رسول الله ﷺ فى البيعة ألا ننوح ": دليل على تحريم ذلك وشدته، والمعنى فى ذلك لأنه (٢) يستجلب الحزن، ويصد عن الصبر الذى أمر الله به وحض عليه نبيه. وقولها: " فما وفت منا امرأة إلا خمس ": دليل على أن من الناس من كان يعصى أمر النبى ﷺ فى حياته، وأن مثل هذا [وبكاء] (٣) نساء جعفر وشبهه لا يستدل به على الرخصة فى النوح، ويدل على ما قلناه الحديث المتقدم: " أربع فى أمتى من أمر الجاهلية ". وسمَّت من الخمس فى كتاب مسلم: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبى سبرة امرأةُ معاذ، أو امرأة معاذ (٤) فذكر ثلاثًا أو أربعًا، وقد عدهن فى كتاب البخارى (٥)

стр. 1665

٣٣ - (٩٣٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ... وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوف﴾ (١). قَالَتْ: كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا آلَ ــ فقال: وابنة أبى سبرة امرأة معاذ [وامرأتان أو ابنة أبى سبرة وامرأة معاذ] (٢) وامرأة أخرى. وقول أم عطية هذا عندى - والله أعلم - أنه لم يف ممن بايع معها على ذلك (٣) فى الوقت الذى بايعت [فيه] (٤)، لا أنه لم يترك النياحة أحد من المسلمات غير هؤلاء الخمس (٥)، هذا ما لا يصح ولا يعرف من أخلاق الصحابيات - رضى الله عنهن. وقوله حين قالت أم عطية: [إلا آل فلان فإنهن (٦) كانوا أسعدونى فى الجاهلية، فلابد أن أسعدهم، فقال] (٧): " إلا آل فلان ": كذا جاء فى الأمهات، وفيه إشكال، وهو - والله أعلم - (٨) مبتور، نقص منه [وليس فيه فقال النبى ﵇: " لا إسعاد فى الإسلام "، ذكر هذه الزيادة النسائى (٩) فى حديث بمعناه] (١٠)، وليس فيه: " فقال النبى ﷺ إلا آل فلان "، ولم يذكر فيه أم عطية فيكون (١١) على هذا معنى قوله: " إلا آل فلان " مع إثبات تلك الزيادة على وجه تكرار كلامها والتقرير له والتوبيخ لا على الإباحة، ثم أجابها بأنه " لا إسعاد فى الإسلام "، وقد يكون على ظاهر اللفظ بالإباحة أن يكون قبل تحريم النياحة، وأن يكون حديث أم عطية هذا غير الحديث الآخر، ثم منع النبى ﷺ الإسعاد فى الحديث الآخر (١٢)، وقد ذهب القاضى أبو عبد الله من هذا الحديث، وظاهره أن النهى عن النياحة ليس بنهى عزم وفرض، إنما هو نهى حضٍّ وندب، واستدل بقصة نساء جعفر وسكوت النبى ﷺ عنهن آخرًا، وبأحاديث كثيرة جاءت فى ذلك، ولم (١٣) يجعل فيها نسخًا، والناس على التشديد فى ذلك والله أعلم، قال: وإنما يحرم من ذلك

стр. 1666

فُلَانٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِى فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا بُدَّ لِى مِنْ أن أُسْعِدَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِلَّا آلَ فُلَانٍ ". ــ ما كان معه شىء من أفعال الجاهلية من شق الجيوب، وخمش الخدود، ودعواها التى كانت تضيفه من فعل (١) المصائب إلى الدهر.

стр. 1667

(١١) باب نهى النساء عن اتباع الجنائز ٣٤ - (٩٣٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّباَعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. ٣٥ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمّ عَطِيَّةَ. قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. ــ وقولها: " نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا ": أى لم يوجب ولم يفرض أو لم يشدد. اختلف العلماء فى إباحة اتباع النساء الجنائز، فجمهورهم على منعه لظاهر النهى فى الحديث، واختاره (١) جماعةُ علماء المدينة ومالك يجيزه ويكرهه للشابة، وفى الأمر المستنكر (٢). وقال ابن حبيب من أصحابنا بالقول الأول، وحجة من أجازه أنه لم يعزم عليهن فى ذلك.

стр. 1668

(١٢) باب فى غسل الميت ٣٦ - (٩٣٩) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: " اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْر، وَاجْعَلْنَ فِى ــ وقوله فى ابنته: " اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك "، قال الإمام: اختلف فى غسل الميت، هل هو وأجب أم سنة؟ وسبب الخلاف: قوله ﵇: " إن رأيتن [ذلك] (١) " هل معناه: إن رأيتن الغسل، أو إن رأيتن الزيادة فى العدد؟ وهذا أو أشباهه مما اختلف فيه أهل الأصول، وذلك أنهم مختلفون فى التقييد (٢) والاستثناء والشروط إذا (٣) تُعُقِّبت الجمل، هل يرجع إلى جميعها إلا ما أخرجه الدليل أو إلى أقربها؟ وأما اعتبار الوتر فى الغسل فإنه فى الثلاث معتبر. وفيما زاد عليه معتبر عندنا وعند الشافعى، وغير معتبر عند أبى حنيفة بعد الثلاث. قال القاضى: ليس عند مالك ﵀ وبعض أصحابه فى غسل الميت حَدٌّ لازم يقتصر عليه، لكنه ينقى ولا يقتصر [مع] (٤) الإنقاء على دون الثلاث، فإن زاد على ثلاث استُحِبَّ الوترُ، وليس لذلك عنده حدٌّ وإلى هذا يرجع قول الشافعى وغيره (٥) من العلماء، وكذا إذا احتاج الغاسل إلى ذلك أو خرج من الميت شىء بعد غسله أعاد الغسل، وحجتهم الحديث بقوله: " إن رأيتن [ذلك] (٦) "، وصرف الأمر إلى اجتهاد الغاسل بحسب ما يحتاج إليه من زيادة الإنقاء، وقد جاء (٧) فى بعض روايات هذا الحديث: " أو سبعًا "، وإلى هذا نحا أحمد وإسحاق ألا يزاد على سبع وإن خرج منه شىء بعد السبع غُسل الموضع وحده، وقاله الثورى والمزنى وجماعة من المالكية، قالوا: وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد الغسل (٨)، ومنهم من قال: يوضأ إذا خرج منه شىء

стр. 1669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعد الثالثة (١)، وذهب بعضهم إلى أنه لا حَدَّ فيه أولاً ولا آخرًا وأنه يجزئ فيه ما يجزئ الغسل من الجنابة، ونحوه قول عطاء: الواحدة السابغة (٢) فى ذلك يجزئ. وقوله: " بماء وسدر " يحتج به ابن شعبان ومن يجيز غسله بماء الورد والماء المضاف، وقد تأوله بعض شيوخنا على قول مالك: يغسل بماء وسدر، ومالك وغيره - ممن قال بذلك - إنما اتبع لفظ الحديث، ولم يذهبوا إلى ما ذهب إليه هذا، وهو قول كافة العلماء: أن يُغَسَّلَ الميتُ بماءٍ وسدر. ولا يجيزوا غسله بغير الماء المطلق، وحجتهم تخصيص النبى ﷺ الماء وهو قول كافة العلماء، أنْ يُغَسَّلَ الميتُ بماء وسدر، وليس معنى قولهم: بماء وسدر، أن تلقى ورقات السدر فى الماء عند كافتهم، بل أنكروه ونسبوا فعله إلى العامة. وقد ذكر الداودى نحواً منه، قال: يسحق (٣) [السدر] (٤) ويلقى فى الماء، ولكنه عند جمهورهم على أن يغسل أولاً بالماء القراح (٥) فيتم (٦) الطهارة، ثم بالثانية بالماء والسدر للتنظيف، ثم بالثالثة بالماء والكافور للتطييب، والتجفيف، وهذا حقيقة مذهب مالك - وحكاه ابن حبيب، وقال: بل نبدأ (٧) بالماء والسدر ليقع التنظيفُ أولاً، ثم بالماء القُراح ثانيًا، وقال أبو قلابة (٨) مثله، لكنه قال: ويحسب هذا (٩) غسلة واحدة، وهذا (١٠) جار على قياسات الطهارة، وذهب أحمد (١١) إلى أن الغسلات كلها تكون بالسدر على ظاهر الحديث، وفى حديث آخر: " كلهن بالماء والسدر " (١٢).

стр. 1670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد يكون معنى قولهم: " غسلة بالماء والسدر " ليس بأن يلقى فيه السدر كما قالوا، ولكنه يخضخض السدر بالماء حتى يخرج رغوته بالغسل (١)، ثم نغسل به الميت ويصب الماء من فوق ذلك للتطهير، ولعل هذا مراد الداودى كسائر غسل ما يزال من النجاسات والأقذار اللَّزجة بالغاسول، فلا يكون غسلاً بمضاقٍ، وغير السدر يقوم مقامه عند عدمه من سائر الغاسولات عند كافة العلماء (٢)، وروى عن عائشة فى غسل رأس الميت بالخطمى (٣) نهى، وغسل الميت عندنا ليس لنجاسة (٤) إلا أن تكون به ظاهرة فتزال، وإنما هو عبادة (٥)، وقيل: نظافة، ولو كان لنجاسة لما زاده الغسل إلا نجاسة إذ الذات النجسة لا يطهرها الماء، على القول بنجاسة الأدمى إذا مات، فكيف والصحيح طهارة المؤمن حيًا وميتًا؟ وقد قال ﵇: " المؤمن لا ينجس " (٦) وسنذكر هذا بعد. وقوله: " واجعلن فى الآخرة كافورًا ": لشدة تبريده وتجفيف جسد الميت، وحياطته عن سرعة التغير والفساد، ولتطيب رائحته للمصلين عليه، ومن يحضره من الملائكة، وعلى استعمال هذا جماعة العلماء إلا أبا حنيفة وأصحابه. وروى عن النخعى إنما ذلك فى

стр. 1671

الآخِرِة كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافورٍ. فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِى "، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ. فَقَالَ: " أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ ". ٣٧ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. ــ الحنوط (١) لا فى الغسل ويمكن أن يتأول من قال هذا فى الآخرة، أى بعد تمامها. والظاهر خلافه، والله أعلم. وفائدة تخصيص الكافور لتبريده وإمساكه، ومنعه سرعة التغيير، ولقوة رائحته وسطوعها، وغلبتها على غيرها، وإذا عدم قام غيره من الطيب مقامه. وقوله: " فألقى إلينا حِقْوه، فقال: أَشْعرنها إياه "، قال الإمام: الحِقْو: الإزار هاهنا، والأصل فى الحقو معقد الإزار، وجمعه أحْقٍ وأحقاء وحُقى، ثم يقال للإزار: حِقْوٌ؛ لأنه شُدَّ على الحقو، كقول العرب: عُذت بحقو فلان، أى استجرتُ به واعتصمت، ومعنى " أشْعِرْنها إياه ": أى اجعلنه شعارها الذى يلى جسدها، سُمى شعارًا لأنه يلى شعر الجسد، ومنه الحديث: " أنتم الشعار دون الدثار " (٢) أى أنتم الخاصة والبطانة. قال القاضى: هذيل تقول: حِقو، بكسر الحاء، وغيرهم يقوله بالفتح (٣). ومعنى قول من فسره بالإزار أى المئزر، واختلف فى صفة إشعارها إياه، فقيل: يجعل لها مئزراً، وهو قول ابن وهب، وقيل: لا تؤزر ولكن تُلف فيه، هو قول ابن القاسم وجماعة، من العلماء. قال ابن سيرين: المرأة تشعر ولا تؤزر، قال ابن جريج: " أشعرنها " الففنها [فيه] (٤)، وقال النخعى: الحقْوُ فوق الدِّرع، وقال ابْنُ علية: الحقوُ النطاق، سبنيَّة (٥) طويلة يجمع به فخذاها تحصينًا لها، ثم تلف على عجزها. وفعل النبى ﷺ ذلك بها، لتنالها بركة ثوبه، وفيه جواز تكفين النساء فى ثياب الرجال. قال القاضى: وقولها: " فمشَّطناها (٦) ثلاثة قرون ": فيه مشط رأس الميت،

стр. 1672

٣٨ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِىِّ ﷺ . وَفِى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَتْ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ. وَفِى حَدِيثِ مَالِك قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ. ٣٩ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، بِنَحْوِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " ثَلَاثًا أَوْ خمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك ". فَقَالَتْ حَفْصَةُ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: وَجَعَلْنَا رَأسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، وَأَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: وَقَالَتْ حَفْصَةُ: عَنْ أَمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتِ: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا، ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا. قَالَ: وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرونٍ. ٤٠ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ. قَالَتْ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اغْسِلْنَهَا وِتْرًا، ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا، وَاجْعَلْنَ فِى الْخَامِسَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْنَنِى ". قَالَتْ: فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ وَقَالَ: " أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ ". ــ وظفره، وبهذا قال الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب، على ما جاء فى الحديث: " ومشطناها ثلاثة قرون، قرنيها، وناصيتها " (١)، وفى غير مسلم: " مقدم رأسها، وقرنيها وألقيناها خلفها " (٢)، وقال الأوزاعى: لا يجب المشط، ولم يعرف ابن القاسم الضفر، وقال: تُلفُّ. وذهب الكوفيون والأوزاعى إلى تفريقه وإرساله من الجانبين، بين ثدييها ودون تسريح، ومن حجتهم أنه ليس فى الحديث معرفة النبى ﷺ بفعل أم عطية فيجعل سنة وحجة.

стр. 1673

٤١ - (...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْت سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ. قَالَتْ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ إِحْدَى بَنَاتِهِ، فَقَالَ: " اغْسِلْنَهَا وِتْرًا، خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ منْ ذَلِك " بِنَحْوِ حَدِيثِ أَيُّوبَ وَعَاصِمٍ. وَقَالَ فِى الْحَدِيثِ: قَالَتْ: فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ، قَرْنَيْهَا وَنَاصِيَتَهَا. ٤٢ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَيْثُ أَمَرَهَا أَنْ تَغْسِلَ ابْنَتَهُ قَالَ لَهَا: " ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا ". ــ وقوله فى الحديث: " [لما ماتت زينب] (١) "، هو أكبر المروى، وذكر بعض أهل السير أنها أم كلثوم (٢). وقوله: " ابدأن بميامينها ومواضع الوضوء "، قال الإمام: و [أما] (٣) وضوء الميت [فمستحب] (٤) عندنا وعند الشافعى، وأبو حنيفة لا يراه مستحبًا. قال القاضى: واختلف متى يوضأ عندنا؟ هل فى المرة الأولى (٥)؟ أو فى الثانية؟ أو فيهما؟ أو فى الثالثة؟ وأمرُه بالبداية بالميامين على أصل الشريعة من البداية بها فى الطهارة والعبادات تيمناً بلفظ اليمن، وتفاؤلاً ليكون من أصحاب اليمين استدلَّ بعضهم بهذا الحديث أنَّ النساءَ أحقُّ بغسل المرأة من الزوج وهو مذهب الحسن، وأنه لا يغسلها إلا عند عدمهن، والجمهور من الفقهاء وأئمة الفتوى على خلافه، وأنه أحق. وذهب الشعبى والثورى وأصحاب الرأى إلى أنه لا يغسلها جملة، وأجمعوا على غسل الزوجة زوجها، وجمهورهم على أنه أحق به من الأولياء. وقال سحنون: الأولياء أحق، ولم يذكر فى هذا الحديث أمره بالغسل لمن غَسَّلها، وهو موضع تعليم، وقد جاء فى الأمر بذلك حديث من طريق أبى هريرة، وحمله الفقهاء على الاستحباب لا على الوجوب. واختلف الصحابة فى الأخذ به، ومعنى

стр. 1674

٤٣ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُنَّ فِى غَسْلِ ابْنَتِهِ: " ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا ". ــ الغسل، والحكمة فيه لمن قال به، إما ليكون على يقين من طهارة جسده مخافة ما يصيبه من رش غسل الميت ويتطاير عليه من ذلك، أو لأنه إذا عزم على الاغتسال كان أبلغ فى غسله، وأحرى ألا يتحفظ مما يصيبه فيجيدُ إنقاءه وتنظيفه. واختلف قول مالك فى ذلك، فروى المدنيون عنه سقوط الغسل، وإن اغتسل فحسن (١)، ونحوه قول الشافعى وأبى حنيفة وأحمد، وروى غيرهم عنه الغسل، قال الخطابى: لا أعلم أحداً قال بوجوب ذلك (٢). وقال إسحاق: أما الوضوء فلابد منه، ونحوه قول أحمد بن حنبل، ومذهب كافة العلماءأنه لايجب عليه وضوء منه.

стр. 1675

(١٣) باب فى كفن الميت ٤٤ - (٩٤٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى سَبِيلِ اللهِ، نَبْتَغِى وَجْهَ اللهِ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأكُلْ منْ أَجْرِه شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَىءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةٌ فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رأسُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ضَعُوهَا مِمَّا يَلِى رَأسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الإِذْخِرَ "، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدُبُهَا. ــ وقوله: " فوجب أجرنا على الله "، قال الإمام: معناه وجوب شرع لا عقل، كما تقول المعتزلة، وهذا [نحو] (١) ما قلنا فى معنى قوله ﵇: " حق العباد على الله " (٢). وقول خباب: " وَمِنَّا من أَيْنَعَتْ له ثمرته فهو يَهْدُبُها ": يقال: ينع الثمر وأينع إذا أدرك، فهو يانع ومونع، قال ابن الأنبارى: اليانع: المدرك البالغ، قال الفرَّاء: أينع أكثر من ينع، وقول الله تعالى: ﴿وَيَنْعِه﴾ (٣)، الينع: النضج، قال أبو بكر: الينعَ جمع اليانع، و " يهدِبُهَا ": أى يجتنيها ويقطفها، يقال منه: هدَبها يهدِبها ويهدُبُها هدباً. قال القاضى: الهدب: ضربٌ من الحلب (٤)، والنَّمَرِةُ: ضربٌ من الأكسية مُعَلَّمةٌ، قد ذكرناه. وقوله: " [فمنا مَنْ لم يأكل من أجره شيئاً] (٥) " يعنى لم يكتسب من الدنيا شيئًا، ولا اقتناه فانتقل عن حال الفقر والحاجة، وبقى أجره مُوَفَّرًا لذلك، كما قال فى كتاب البخارى فى هذا الحديث: " لقد خشيت أن تكون عُجِّلَتْ لنا طيباتنا فى حياتنا الدنيا " (٦)، فتلك السعة التى وُسِّعت على بعضهم نقص من أجره على الصبر على الفقر، فجعل [ما

стр. 1676

(...) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٤٥ - (٩٤١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، أَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا، أَنَّهَا اشْتُرِيَتْ لَهُ ليُكَفَّنَ فِيهَا. فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ. وَكُفِّنَ فى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ. فَأخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِى بَكْر، فَقَالَ: لأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِى. ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللهُ لِنَبِيِّهِ لَكَفَّنَهُ فِيهَا، فَبَاعَهَا وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا. ــ أصاب من الدنيا وأكل من غضَارَتها، كأنه أكلٌ لما كان يناله من أجر على الفقر] (١)، والحاجة لو لم يصبها، ومن لم يُصب من الدنيا ولم يأكل من فتحها شيئاً، بقى أجرُه موفراً، لم يأكل عِوضًا عنه، وفيه فضل الصبر على الفقر، وقد يستدل بهذا الحديث [منْ يُفضله على الغنى، واحتج بعضهم من هذا الحديث أن الكفن من رأس المال، لقوله: " لم يوجَد له إلا نَمِرة "، وهو قول عامة العلماء والسلف وأئمة الفتوى، إلا ما حكى عن طاوس أنه من الثلث، إن كان المال قليلاً (٢)، ولبعض السلف أنه من الثلث على الإطلاق (٣)، ولم يتابعا على هاتين المقالتين. وفيه أنَّ الكفن إذا ضاق عن الميت، ولم يستر جميعه فتغطية رأس الميت أولى من رجليه؛ لأجل تغيُّر محاسن الوجه بالموت، وإكراماً للوجه والرأس، وإن ضاق عن العورة والوجه غطيت العورة، وما أمكن من أعلاه، لوجوب سَترها فى الحياة. وقوله: " كُفِّنَ رسولُ الله ﷺ فى ثلاثة أثواب ": تكفين الميت عند العلماء واجبُ من غير خلاف، من رأس ماله، على ما تقدم، فإن لم يكن له مال فعلى بيت المال أو جماعة

стр. 1677

٤٦ - (...) وحدَّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْر السَّعْدِىُّ، أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ ابْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُدْرِجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كَانَتْ لَعَبْدِ ــ المسلمين (١). واختلف أصحابنا، هل يلزم ذلك من كان تلزمه نفقته فى حياته أم لا؟ وقوله: " فى ثلاثة أثواب ": المستحب فى الكفن الوتر، وثلاثة أثواب لا ينقص منهن مع الاختيار المستحب فى الكفن عند مالك وكافة الفقهاء، وكلهم مجمعون أنه ليس فيه حدٌّ واجب لا يتعدى، وذكر بعض شيوخنا أنَّ المستحبَّ عند مالك خمسة أثواب بالقميص والعمامة (٢)، وقال سويد بن غفلة (٣) يكفن فى ثوبين، [وقال مالك] (٤): لا يبعد لمن لم يجد غيرهما، وهو معنى قول الأوزاعى وأبى حنيفة، وقال ثوبان: هما أدنى ما يُكَفَّنَ فيه الرجل، وهما أفضل عند أصحابنا، وعلى مساق مذهبنا من ثوب، وأجاز الشافعى الثوب الواحد، وجمهورهم على أن السنة للمرأة خمسة أثواب، وأدناها ثلاثة (٥)، وقد اختلف فيها قول الشافعى، فقال هذا مرة، وقال مرة: يجزئ ثوب واحد. وقوله: " بيض ": [بيض] (٦) الأكفان أفضل من غيرها وأولى، وكره مالك والأوزاعى الثيابَ المصبغة فى الكفن إلا العَصْبَ، وكذلك عند مالك ما صبُغ بالطيب كالورس، والزعفران (٧)، واختلف قوله فى المعصفر، فأجازه مَرَّةً لكونه من الطيب، لاسيما مع طراءته، أو لغلبة لباس العرب لها، ومنعه مرةً لكونه غيرَ محسوب من الطيب، ولأنها من ملابس الجمال، والزينة، وليس موضعه.

стр. 1678

اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ. ثُمَّ نُزِعَتْ عَنْهُ، وَكُفِّنَ فِى ثَلَاثَة أَثْوَاب سُحُولٍ يَمَانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا عِمَامَةٌ وَلَا قَمِيصٌ. فَرَفَعَ عَبْدُ اللهِ الْحُلَّةَ فَقَالَ: أُكَفَّنُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأُكَفَّنُ فِيهَا! فَتَصَدَّقَ بِهَا. (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ إِدْرِيسَ ــ وقوله: " سَحوليَّة "، قال الإمام: قال ابن الأعرابى: معناه: بيض نقية. من القطن خاصة، قال الإمام: وكذلك [جاء] (١) فى الحديث: [" سُحوليةٍ من كرسُفةٍ]، وقال القتبى: سحولية جمع سحل، وهو ثوب أبيض، ولم يفرق بين الكرسف، وغيره، وقال] (٢): سحولية منسوبة إلى سحول، قرية باليمين (٣). قال القاضى: قد جاء فى كتاب مسلم فى الحديث الآخر: " ثلاثة أثواب سَحُولية يمانية ": كذا عند العذرى هنا، وابن ماهان، وعند السمرقندى والشنتجالى: " فى ثلاثة أثواب سُحول "، هكذا مهمل اللفظ، فيحتمل أن يكون بضم السين، ويكون بدلاً من أثواب إذا قلنا: إنها ثياب قطن بيض تسمى بذلك، وسَحُول على هذا جمع سَحْل، ويجمع - أيضاً - سُحْل بالضم، ويكون - أيضاً - وصفًا إذا قلنا: إن معناها بيض، لكن قد اعترض على تفسيرها " بيض "؛ لقوله قبلُ: " بيض "، فلا وجه لتكرار وصفها بالبياض، كما أنه يُعترض على تفسيرها بأنها ثيابُ قطن معلومة من كرسفٍ، وهو القطن، ولكن (٤) الاعتراض على هذين الفصلين قد يجاب عنه بأنه لا ينكر تكرار المعنى الواحد بلفظين مختلفين فى كلام العرب للتأكيد كما قال تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (٥)، وقد قال ابن وهب: السَّحول: قطن ليس بالجَيِّد (٦)، وقد كره مالك وعامة العلماء تكفين

стр. 1679

وَعَبْدَةُ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهِمْ قِصَّةُ عبدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ. ٤٧ - (...) وحدَّثنى ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ــ الموتى ذكرانًا وإناثًا فى الحرير (١)، قال ابن المنذر: ولا أحفظ خلافه. قال القاضى: وأجازه ابن حبيبٍ للإناث، وعن مالك أنه إن وقع ذلك، وفُعِل فى الرجال والنساء فواسِعٌ مع كراهيتها له. وقولها: " ليس فيها قميص، ولا عمامة "، قال الإمام: استحب الشافعى ألا يكون فى الكفن قميص ولا عمامة، فحمل الشافعى قولها: " ليس [فيها] (٢) قميص ولا عمامة " على أن ذلك ليس فى الكفن بموجودٍ ويحمله مالك على أنه ليس بمعدود، بل يحتمل أن تكون الثلاثة الأثواب زيادةٌ على القميص والعمامة، ويرجح الشافعى تأويله بقول الراوى وأما الحلة (٣) فإنما شُبِّه على الناس فيها [بأنها] (٤) اشتريت له ليُكَفَّنَ فيها فتُرِكَت الحُلَّة، وكُفِّن فى سواها (٥)، ويحتج أيضاً من جهة القياس بأنها لُبسة (٦) فى حالةٍ المقصود فيها التقرب، والخضوع، فشابهت لُبسةَ المُحرِم [الذى لم يُشرع فيها قميصٌ ولا عمامة، واحتج] (٧) أصحابنا بإعطائه ﵇ القميص [لعبد الله] (٨) بن أبى ابن سلول، وانفصلوا عن هذا الحديث بأنه (٩) [قد] (١٠) قيل: إنما أعطاه ذلك عِوَضًا عن القميص الذى كسا العباس. قال القاضى: حكى ابن القصَّار أن القميص والعمامةَ غير مستحبٍ عند مالك [ونحوه عن ابن القاسم كقول الشافعى، وهذا خلاف ما حكاه مقدمو أصحابنا ابن القاسم وغيره عن مالك] (١١). وغيره من أنه يُقمَّصُ، ويُعَمَّم، وهو قول أبى حنيفة (١٢)، فعلى قوله: " لا يُقمَّص " يدرج فى ثلاثة أثواب على ما روى عنه، وعلى قوله: " يُقمَّص، ويعمَّم " يدرج فى ثلاثة أثواب فتكون خمسةٌ، على ما قاله بعض شيوخنا، [وقد] (١٣)

стр. 1680

إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهَا: فِى كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: فِى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولِيَّةٍ. ــ جاء عنه - أيضاً -: لا بأس بالقميص فى الكفن، ويكفن معه بثوبين فوقه، فهذا على قوله ثلاثةُ أثوابٍ. وقولها: " وأما الحلة فإنما شُبه على الناس [فيها] (١) لأنها (٢) اشتريت لِيُكَفَّن فيها، فتركت الحُلَّةُ وكفن فى ثلاثة أثواب "، وفى الحديث بعده: " أدرج رسول الله ﷺ فى حلة يَمنيَّة كانت لعبد الله بن أبى بكر، ثم نزعت عنه " كذا عند العذرى من رواية الأسدى عنه: " يَمنَّية "، وللصدفى عنه: " يمانيَّة " كل ذلك منسوبٌ إلى اليمن، وعند الفارسى: " حُلَّةٌ يُمْنةٌ " بضم الياء وسكون الميم وهو صحيح، ويتكلم به على الإضافة: حلة يُمْنَةٍ. [قال الخليل: هى ضرب من برود اليمن، وقال أبو عبيد: الحلة: برود اليمن، والحُلَّة: إزار ورداء، لا يسمى حلة] (٣) حتى يكونا ثوبين، وقد تقدم تفسيره.

стр. 1681

(١٤) باب تسجية الميت ٤٨ - (٩٤٢) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِى. وقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: سُجِّىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ. (...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَالَ: ــ وقولها فى الحديث الآخر: " سُجِّىَ رسولُ الله ﷺ [حين مات] (١) بثوب حِبَرةٍ " تفسير اليُمنة المتقدمةَ، وتفسير معنى قولها قبل: " أدرج فيها ثم نزعت عنه " على ظاهر ما قال فى الحديث. وفى هذا تسجيةُ الميِّتِ فى الثياب، وتغطية وجهه، على ما مضى به العمل، لتغيَّر صفته بالموت، عما كانت عليه. قال: واستدل بعضهم من قولها: " ليس فيها قميص " أن القميص الذى غُسِّل فيه ﵇ ونهوا عن نزعه حينئذٍ نزع عنه حين كُفِّن، وسُتر بالأكفان؛ ولأنها [كانت مبتلة] (٢)، ولا يتفق كفنه فيه [وهى مبلولة] (٣). وهذا إنما يتجه على تأويل من تأول: " ليس فيها قميص ": أى ليس فى الأكفان جُملةً، لا فى الثلاثة خاصة، وقد ذكر أبو داود عن ابن عباس: " كفن النبى ﷺ فى ثلاثة أثواب، الحلة ثوبان، وقميصه الذى مات فيه " (٤)، وروى عنه " فى سبعةٍ "، قيل: الثلاثة التى أدرج فيها، والعمامة والقميص، والسراويل، والقطيفة التى فرشت فى قبره ﵇ فعدوها سابعة، وقد روى أنهم لما فرغوا من غسلهِ نزعوا القميص حين أدرج فى أكفانه، فأخذها عبد الله بن أبى بكر ليُكَفَّن فيها، ثم تركها، وقال: " لم يرضها الله لنبيه ". وأما ما ذكره من خبر قميص ابن أُبىِّ، فالأصح فى ذلك أن ابنه [عبد الله] (٥) طلب ذلك منه ليتبرَّك به، فأجابه النبى ﷺ إلى ذلك، وكان ابنه من جلة الصحابة والفضلاء،

стр. 1682

أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، سَوَاءً. ــ وقد جاءت القصة مفسرةً فى صحيح البخارى (١). وإلى القول الأول مال سفيان بن عيينة، وقد خرَّج - أيضاً - تلك القصة الأخرى (٢). وفى أمره بغسله فى القميص ونهيهم عن نزعه عنه ﵇ ما يُستدل به على ستر جسد الميت، واستحب العلماء أن يُغسل تحت ثوبٍ لتغيّر جَسَدِه بالمرض، وأنه كان فى حياته يكره على أن يُطلع على ذلك منه بتلك الصفة.

стр. 1683

(١٥) باب فى تحسين كفن الميت ٤٩ - (٩٤٣) حدّثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فى كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ ــ ونهيه ﵇ فى حديث الذى كفن فى كفن غير طائل، ودفن ليلاً أن يُقبر الرجل بالليل حتى يُصلى عليه، إلا أن يُضطَّر إنسان إلى ذلك، وقال: " إذا كَفَّنَ أَحَدُكم أخاه فليحسن كفنه " فيه تعليقه ﵇ الدفن بشرط الصلاة، وهذا يدل على قول مالك، وجمهور أصحابنا بوجوب الصلاة عليها، إذ لا خلاف فى وجوب الدفن، وإذا تعلق بشرط الصلاة وجب الشرط، ومعنى " غير طائل ": أى لا خطر له ولا قيمةَ، أو لا ستر فيه، ولا كفاية أَوْ لا نظافة فيه ولا نقاوة. قال الإمام: اختلف عندنا فى الصلاة على الجنازة، فقيل: فرض على الكفاية، وقيل: سُنة، فمن قال: [إن] (١) أفعاله على الوجوب قوى عنده القول بوجوبها، [ومن توقف فى ذلك أو قال: إننا مندوبون إليها] (٢)، ومن قال بالندب أو التوقيف قوى عنده القول بأنَّها سنة. قال القاضى: ما فى هذا الحديث يؤكد (٣) وجوبها، وأمره ﵇ بالصلاة على الجنائز، وقد استدل بعض أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ (٤)، قال بعضهم: هو من باب دليل الخطاب. وقال آخرون (٥) هو من باب أن النهى عن الشىء أمر بِضدِّه، وهذا [كله ضعفٌ كثير وخطأ بين] (٦)، ليس يصح الاستدلال به بوجهِ من هذين الوجهين، ولا دليل فيه على الوجوب جملةً، واستدل بعضهم بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة﴾ إلى قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِم﴾ (٧)، وهذا يحتمل وهو فى الدعاء أظهر (٨).

стр. 1684

لَيْلاً، فَزَجَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ ". ــ ونهيه فيه عن الدفن بالليل جمهور العلماء والسلف (١) على جواز الدفن ليلاً، إلا ما روى عن الحسن من كراهيته (٢) إلا لضرورة، وأما فى الأوقات المنهى عن الصلاة فيها، فاختلف فى الدفن، والصلاة فيها السلف والخلف، ومشهور مذهب مالك، وأصحابه لا يُصلى عليها حينئذٍ، وعند ابن عبد الحكم جواز الصلاة عليها فى كل وقت، وهو قول الشافعى كالفرائض، وقال أبو حنيفة: لا يصلى عليها عند الطلوع والغروب ونصف النهار، وقال الثورى: لا يصلى عليها بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا عند الغروب، ولا نصف النهار (٣) وقال الليث: تكره الصلاة عليها فى الأوقات التى تكره فيها الصلاة (٤)، واختلف فى تأويل نهيه ﵇ عن ذلك، فقيل: للعلة التى ذكر من قوله: " حتى يصلى عليه "، يعنى لئلا يفوته صلاته عليه هو ﵇ وصلاة الكثير (٥) من المسلمين وجماعتهم لتناله بركة صلاته ﵇ ودعائه، ودعاء المسلمين وصالحيهم، بخلاف دفن الليل الذى إنما يحضره الخصوص والآحاد، وقيل: بل للعلة الأخرى المذكورة [فى الحديث] (٦)، ولقوله (٧): " فكفن فى كفنٍ غير طائل "، وأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لتستر إساءة الكفن، فنهى النبى ﷺ عن ذلك لهذه العلة، ويدل عليه قوله آخر الحديث: " إذا كفن أحدكم أخاه فليُحسن كَفنَه ". قال القاضى: العلَّتان بيِّنتان فى الحديث، والظاهر أن النبى ﷺ قصدهما جميعًا وعلل بهما، وقد قيل هذا. وتحسين الكفن مأمور به، وليس المراد به السرفَ فيه، ولكن [نظافته ونقاؤه، وكثافته، وستره] (٨) وتوسطه، وكونه من جنس لباسه فى حياته غالباً، وهو الذى يقضى به عندنا على الورثة إذا تشاجروا فى ذلك (٩). وقوله: " فليُحسِن كفْنه ": كذا ضبطناه، عن أبى بحرٍ، بسكون الفاء يعنى الفعل، من عمومه، وستره، وعن غيره بالفتح، وفتحها عندى أصوب وأظهر، للفظ الحديث

стр. 1685

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنه أراد الكفن نفسه؛ لأنه الذى أنكر فى الحديث لقوله: " بكفن غير طائل "، وإحسانه [أيضاً] (١) من جهة الثياب سُبُوغُها، وسترها، وكثافتها ونقاؤها، ولا تكون وسخةً ولا هجنة، وإذا اتفق هذا جمع تحسين الثوب، والفعل، وقد فسره سلّام بن [أبى] (٢) مطيع فى جامع الترمذى (٣) واختلفت عنه فى تفسيره الرواية، ففى رواية شيخنا القاضى الشهيد هو الصفاق، وليس بالمرتفع، وفى رواية غيره هو الصفاء، يعنى النقاء والبياض.
следующие страницы →