← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرُوا: أُمَّ كَعْبٍ. ٨٨ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّىُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ؛ قَالَ: قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ غُلَامًا، فَكُنْتُ أَحْفَظ عَنْهُ، فَمَا يَمْنَعنِى مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هاهُنَا رِجَالاً هُمْ أَسَنُّ مِنِّى، وَقَدْ صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِى نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى الصَّلَاةِ وَسَطَهَا. وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ بُريْدَةَ قَالَ: فَقَامَ عَلَيْهَا للِصَّلَاةِ وَسَطَهَا. ــ شعبان من أصحابنا (١)، وقال أصحاب الرأى: يقوم فيها حذاء الصدر. وقيل فى قيام النبى ﷺ وسطها: من أجل جنينيها، ليكونا أمامه معًا. وقول سمرة: " ما يمنعنى من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسن منى ": من حسن الأدب وترك التقديم بين يدى الأسن والأعلم، وهذا مثل قول ابن عيينة وقد قال له سفيان الثورى: لم لا تحدِّث؟ فقال: أما ما أنت حىٌّ فلا.

стр. 1717

(٢٨) باب ركوب المصلى على الجنازة إذا انصرف ٨٩ - (٩٦٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظ لِيَحْيَى - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ - عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: أُتِى النَّبِىُّ ﷺ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرى، فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جِنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِى حَوْلَهُ. (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِر بْنِ سَمُرَةَ؛ قَالَ: ــ وقوله: " أتى رسول الله ﷺ بفرس مُعْرَوْرَىً " (١) وفى حديث آخر: " بفرسٍ عُرْىٍ "، قال الإمام: قال أهل اللغة: يقال: فرس عُرْىٍ وقيل: أعْراء، وقد اعرورا فرسَه، إذا ركبه عُرياً، ولا يقال: رجلٌ عَرَى، ولكن [يقال: رجل] (٢) عريان. قال القاضى: قالوا: ولم يأت افعوعل مُعدىً، إلا قولهم: أعروريتُ الفرس، واحلوليتُ الشىء، ووقعَ عند العذرى: " وفرس معرور " ولا وجه له. ومعنى " عقله رجل فركبه ": أى حبسه له (٣). وقوله: فجعل يتوقَّصُ [به] (٤) أى [ينزو به] (٥) ويقارب الخطو. وقوله: " ونحن نتبعه ونمشى خلفه " (٦)، قال القاضى: أخبر عن صورة الحال فى انصرافهم من الجنازة، وأن النبى ﷺ تقدمهم، وأتوا بعدهُ لا أن ذلك عادةً مشيهم معه،

стр. 1718

صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ، ثُمَّ أُتِىَ بِفَرَسٍ عُرْىٍ، فَعَقَلَهُ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ، وَنَحْنُ نَتَّبِعُهُ، نَسْعَى خَلْفَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ - أَوْ مُدَلى - فِى الْجَنَّةِ لابْنِ الدَّحْدَاحِ "!. أَوْ قَالَ شُعْبَةُ: " لأَبِى الدَّحْدَاحِ "!. ــ بل كان من سيرته أن يَقْدُمهم بين يديه، وينهى عن وطى العقب (١). وفيه جواز الركوب عند الانصراف من الجنازة، وكرهه العلماء فى تشييعها والسير معها، وقد ذكر أصحاب المصنفات حديثًا فى النهى عن ذلك (٢). وقوله: " كم من عِذِق مُعَلَّقٍ - أو مُدَلَّى - فى الجنة لابن الدحداح ": العِذْق بكسر العين: العرجون، وبفتحها: النخلة. وقوله: " وقال شعبة لأبى الدحداح ": قال أبو عمر: أبو الدحداح، ويقال: أبو الدَّحْدَاحة، فلان ابن الدحداحة، لا أقف على اسمه (٣). ولقوله ﵇[فيه] (٤) هذا الكلام معنى وقصة (٥)، وهو: أن يتيمًا خاصم أبا لبابة فى نخلة، فبكى الغلامُ فقال النبى ﷺ له: " أعطه إياها، ولك بها عذق فى الجنة " قال: لا، فسمع بذلك ابن

стр. 1719

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدحداحة فاشتراها من أبى لبابة بحديقة له، ثم قال للنبى ﷺ : ألى بها إن أعطيت اليتيم إياها عذق فى الجنة؟ قال: نعم، فلما قتل قال النبى ﷺ هذا الكلام (١).

стр. 1720

(٢٩) باب فى اللحد ونصب اللبن على الميت ٩٠ - (٩٦٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمِسْوَرِىُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ فِى مَرَضِهِ الَّذِى هَلَكَ فِيهِ: الْحَدُوا لِى لَحْدًا، وَأَنْصِبُوا عَلَىَّ اللَّبِن نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . ــ وقال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى أن عبد الله بن جعفر المسورى. كذا لهم، وعند أبى جعفر رواية ابن حفص، وهو وَهْم، والأول الصواب، وهو عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة بن نوفل المدنى الزهرى، ويقال له المخرمى أيضاً، نسب إلى جدّيه؛ إلى المسور مرةً وإلى مخرمة أخرى. وقول سعد: " الحدوا لى وأنْصِبُوا عَلَىَّ اللّبِنَ كما فُعِلَ برسول الله ﷺ " (١)، هذا عند أهل العلم أفضل من الشق، وكل جائز، لكن هذا الذى اختارهُ الله لنبيه حين اشتور الصحابة [رضى الله عنهم] (٢) فى ذلك وقالوا (٣): اللهم خِرْ له، فجاء الذى يلحد أولاً فلحدَ لَه (٤)، ودليل اشتوارهم فيما يُفْعل، كون (٥) الأمرين فى حياته عندهم معمولاً به، وأنه لا يفضل فى أحدهما عندهم من قبله ﵇.

стр. 1721

(٣٠) باب جعل القطيفة فى القبر ٩١ - (٩٦٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ وَوِكيعٌ، جميعًا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: جُعِلَ فِى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَطِيَفَة حَمْرَاءُ. قَالَ مُسْلِمٌ: أَبُو جَمْرَةَ اسْمُهُ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ: ــ وقوله: " جُعل فى قبر النبى ﷺ قطيفة حمراء ": روى أن الذى ألقاها فى القبر شُقران مولاه (١)، وكان النبىُّ ﷺ . يلبسها ويفترشها وقال: " والله لا يلبسك أحد بعده أبدًا ". قال القاضى: ذكر مسلم تكفين النبى ﷺ وإقباره، ولم يذكر غُسْلَه، ولا خلاف أنه غُسِّل، ولا حديث الصلاة عليه، وقد اختلف فى ذلك فقيل: لم يُصْل عليه جملة، وإنما كان الناس يدخلون أرسالاً، فيدعون وينصرفون، واختلف فى تعليل ذلك، فقيل: لفضله، وأنه غير محتاج لذلك كالشهيد، وهذا ينكسر بغسله، وقيل: بل لأنه لم يكن ثم إمام، وهذا خطأ، فإن إمامة الفرائضِ [لم تتعطل] (٢)، ولأن البيعة تمت لأبى بكر قبل دفنه وهو إمام الناس، وقيل: بل صُلى عليه أفذاذ، فوج بعد فوج؛ ليأخذ كُل منهم بنصيبه من بركة الصلاة عليه، وقد جاء فى بعض الآثار فى وفاته [ ﷺ ] (٣): أنه صُلِّى عليه بصلاة جبريل. وهذه العلة المذكورة فى عموم بركته هى أحد العلل فى تأخير دفنه يوم وفاته (٤) يومه، فيدركه من غده يوم الثلاثاء، ولم يحتمل تأخيره أكثر، وقيل: بل شُغِل

стр. 1722

وَأَبُو التَّيَّاحِ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ. مَاتَا بِسَرَخْسَ. ــ المسلمون بقية يوم الاثنين [بخبر] (١) البيعة (٢)، وخافوا من انتشار أمر الأمة وفوت ذلك، فقدموا الشغل به، ثم نظروا فى تجهيزه يوم الثلاثاء والحفر له، ودُفن ليلةُ الأربعاء، وقيل: بل أُخِّر (٣) ذلك لاختلافهم هل مات أم لا؟ وهذا يضعف لأن صحة موته ﵇ استقرت للحين، وقيل: بل اختلافهم فى موضع دفنه، حتى أعلمهم أبو بكر بما سمع منه: " ما دفن نبى إلا حيث يقبض "، وأولى الوجوه الشغل أولاً بالخلافة، ثم بتجهيزه ثم استيعاب الصلاة عليه أفواجًا؛ الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان، على ما ذكر أهل السير، وبحسب هذا أن يتم فى هذه المدة، والله أعلم.

стр. 1723

(٣١) باب الأمر بتسوية القبر ٩٢ - (٩٦٨) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِى عَمْرُو ابْنُ الْحَارِثِ - فى رِوَايَةِ أَبِى الطَّاهِرِ - أَنَّ أَبَا عَلِىّ الْهَمْدَانِىَّ حَدَّثَهُ - وَفِى رِوَايَةِ هَارُونَ - أَنَّ ثُمَامَة بْنَ شُفَىٍّ حَدَّثَهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بَأرْضِ الرُّومِ، بِرُودِسَ، فَتُوُفِّىَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فُضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّىَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا. ٩٣ - (٩٦٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ - عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ أَبِى الْهَيَّاجِ الأَسَدِىِّ، قَالَ: قَالَ لِى عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ ": أَلا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ أَلَّا تَدَعَ تِمْثَالاً إِلا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ. ــ وذكر الأمر بتسوية القبور (١)، وفى الحديث الآخر: " ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته " جاء فى هذا آثار عن النبى ﷺ وأصحابه وعن العلماء، وجاء - أيضاً - أنها صفة قبره وقبر أبى بكر وعمر، وجاء - أيضاً - أنها تُسَنّمُ (٢)، وتسنيمها (٣) [اختيار] (٤) أكثر العلماء وجماعة أصحابنا وأبى حنيفة والشافعى، وحكى بعضهم فيه الخلاف، وحملهُ بعضهم على الرفق، وجمعوا بين الأمر بتسويتها وبين تسنيمها: أن تسويتها ألّا يبنى عليها بناءً عاليًا ولا تعظَّم، كما كانت قبور المشركين، وتكون لاطيةً بالأرض، ثم تسنم ليتميز أنه قبر، وقد جاء عن عمر أنه هدمها (٥) وقال: ينبغى أن [تسوى] (٦) تسوية تسنيم، وهذا

стр. 1724

(...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِىُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى حَبِيبٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا. ــ معنى قول الشافعى: تسطح القبور، ولا تبنى ولا ترفع، وتكون على وجه الأرض نحوًا من شبر (١). وقوله: " لا تدع تمثالاً إلا طمسته ": فيه [الأمر] (٢) بتغيير الصور ذوات الروح، وأن إبقاءها من المناكير، يحتمل أن تكون التماثيل هنا القائمة للأشخاص، ويحتمل فى كل صورة من رسم وغيره دون ما فى الثياب، وسيأتى الكلام عليه فى موضعه إن شاء الله.

стр. 1725

(٣٢) النهى عن تجصيص القبر والبناء عليه ٩٤ - (٩٧٠) حدّثنا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ. (...) وحدَّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ــ وقوله: " نهى أن يجصص القبر وأن يُبنى عليه "، وفى الآخر عن " تقصيص القبور "، وهو بمعنى الجصِّ بفتح الجيم وكسرها القصَّة. قال الإمام: قال أبو عبيد: هو التجصيص، وذلك أن الجَصَّ يقال له: القصة والجصاص والقصاص واحد، فإذا خلط الجصُّ بالرماد والنورة فهو الجيار، وقال ذلك ابن الأعرابى. وقال الهروى: [وفى] (١) حديث عائشة: "ولا تَغْتَسِلْن من المحيض حَتَّى تَرَيْنَ القصة البيضاء " (٢) [قال] (٣): معناها (٤) أن تخرج القطنة أو الخرقة التى تحتشى بها، كأنها قصة لا يخالطها شىء. قال القاضى: ذكر الهروى هذا وذكر أنه قيل: إن القصَّة شىء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم، وقال الحربى: وقيل: القصة: القطعة من القطن؛ لأنها بيضاء، قال: ويدل عليه قول من رواه: " حتى ترين القصة بيضاء ". قال الإمام: مذهب مالك كراهية البناء والجص على القبور، وأجازه المخالف، وهذا الحديث حجة عليه، وكذلك قوله ﵇ فى حديث آخر: " ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته " كان المفهومُ من الشريعة أنه إنما كره للمباهاة، وهؤلاء ليسوا أهل مباهاة. وقوله: " وأن يقعد عليها، وفى الحديث الآخر: " ولا تجلسوا على القبور " (٥) وفى الحديث الآخر: " لأن يجلس أحدكم على جَمْرَة فتحرق ثيابَه فَيَخْلُصَ إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر " (٦)، قال الإمام: من الناس مَنْ أخذه على ظاهره، ومنهم مَنْ

стр. 1726

جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ٩٥ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: نهىَ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ. ــ تأول أن المراد بالقعود الحدَثَ [لا الجلوس] (١). قال القاضى: هذا [هو] (٢) تأويل مالك فيه فى الموطأ (٣)، وقوله: " لا يُصَلُّوا إليها ": أى لا تتخذ قبلَةً، وهذا مثل الحديث الآخر فى النهى عن اتخاذ قبره مسجدًا، وذم اليهود بما فعلوا من ذلك (٤)، وكل ذلك لقطع الذريعة لئلا يُعبد قبرُه، ويعتقد الجُهَّالُ فى الصلاة إليها وعليها تقرباً بذلك، كما كان الأصل فى عبادة الأصنام.

стр. 1727

(٣٣) النهى عن الجلوس على القبر والصلاة عليه (١) ٩٦ - (٩٧١) وحدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِق ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ ". (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ. ح وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٩٧ - (٩٧٢) وحدَّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ وَاثِلَةَ، عَنْ أَبِى مَرْثَدٍ الْغَنَوِىِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا ". ٩٨ - (...) وحدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَجَلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ يَزِيدَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىِّ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، عَنْ أَبِى مَرْثَدٍ الْغَنَوِىِّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا ". ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1728

(٣٤) باب الصلاة على الجنازة فى المسجد ٩٩ - (٩٧٣) وحدَّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ - وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ - قَالَ عَلِىٌّ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْن حَمْزَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ فِى الْمَسْجِدِ، فَتُصَلَّىَ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِىَ النَّاسُ! مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلٍ بْنِ الْبَيْضَاءِ إِلَّا فِى الْمَسْجِدِ. ١٠٠ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى ابْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَة؛ أَنَّهَا لَمَّا تُوفِّىَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ، أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ ﷺ أَنْ يَمُرُّوا بِجِنَازَتِهِ فِى الْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا، فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهُنَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ - أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِى كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ - فَبَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَانتِ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ. فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ! ــ ذكر حديث عائشة وإنكار الناس عليها إدخال جنازة سعد فى المسجد واحتجاجها بصلاة النبى ﷺ على ابن بيضاء فى المسجد (١). قال الإمام: مذهب الشافعى جواز الصلاة على الميت فى المسجد، وهذا الحديث حجة

стр. 1729

عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فى الْمَسْجِدِ! وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِى جَوْفِ الْمَسْجِدِ. ١٠١ - (...) وَحدّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ - عَنْ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا تُوُفِّىَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَتِ: ادْخُلُوا بِهِ ــ له، ومذهب مالك منع ذلك، و [قد] (١) اختلف عندنا فى نجاسة الميت، فعلى القول بنجاسته يتبين وجه المنع، وعلى القول: ليس بنجس، يكون المنع حماية لذريعة؛ لئلا يتفجر منه شىء، وقد أمر رسول الله ﷺ أن تجنب صبياننا ومجانيننا المسجد (٢)، قالوا: وهذا خيفة أن يحدث منهم النجاسة، فهذا يؤيد ما وجهنا به [من حماية الذريعة] (٣) ويعارض حديث عائشة حديث فى كتاب أبى داود [فيه] (٤): " أن من صلى على جنازة فى المسجد فلا شىء له " (٥)، أو كما قال. قال القاضى: ضعف أحمد بن حنبل هذا الحديث (٦)، [وقال: هو مما انفرد به صالح مولى التوأمة] (٧). وتأوله آخرون على الإعياء فى نقص أجره لما فاته من تشييعه إلى قبره، والمقام عليه إلى دفنه، وتأول آخرون " لا شىء له ": أى عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأَتُمْ فَلَهَا﴾ (٨): أى عليها. اختلف السلف والعلماء فى ذلك، فمن منع ذلك على ظاهر إنكار الصحابة مالك وبعض أصحابه، وأبو حنيفة، وابن ذئب. وممن أجازه الشافعى، وأحمد وإسحاق، قال أبو عمر: رواه المدنيون عن مالك، وقاله ابن حبيب من أصحابنا، وحكاه عن شيوخنا المدنيين، وقاله القاضى إسماعيل إذا احتيج إلى ذلك،

стр. 1730

الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّىَ عَلَيْهِ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فقَالَتْ: وَاللهِ! لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَىْ بَيْضَاءَ فِى الْمَسْجِدِ، سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ. قَالَ مُسْلِمٌ: سُهَيْلُ بْنُ دَعْدٍ وَهُوَ ابْنُ الْبَيْضَاءِ. أُمُّهُ بَيْضَاءُ. ــ وذهب الطحاوى (١) إلى أن صلاة النبى ﷺ على سهيل بن بيضاء فى المسجد منسوخة، وإن ترك [هو] (٢) آخر الفعلين من رسول الله ﷺ ، بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة، وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموه خلاف ما فعلته، وأما صلاة الناس عليها فى المسجد وهى خارجة قرب المسجد، فأجازه مالك إذا ضاق الموضع، واتصلت الصفوف. وظاهر احتجاج عائشة أنَّ صلاة النبى ﷺ على ابن بيضاء؛ إنما كان الميت داخل المسجد، وقد جاء فى الحديث فى جوف المسجد، وقد جعله بعضهم محتملاً للوجه الآخر، وأن الجنازة كانت خارجًا. وعليه حملوا ما جاء من الصلاة على أبى بكر وعمر فى المسجد (٣)، وبهذا الحديث احتج مَنْ قال بطهارة الميت الآدمى. وقد اختلف فيه العلماء، واختلف قول الشافعى واختلف فيه أصحابنا، وذهب بعض المتأخرين أن الخلاف إنما يَصحُّ فى المسلمين دون الكافرين. وكلام المتقدمين فى العموم كافرهم ومسلمهم، وأمر عائشة أن يمر عليها بجنازة سعد ليصلى عليه كما جاء في كتاب مسلم، وكذلك فى الحديث الآخر: فيصلى عليه و " أنه وقف به على حُجَرِهِنَّ ليصلين عليه " يدل أن المراد بهذه الصلاة الدعاء، كما جاء فى الموطأ (٤): " لتدعو له "، ولو كانت الصلاة المعهودة على الموتى لم يحتج أن يوقف به على حُجرِهن، بل رفع كل إشكال قولها فى حديث محمد بن حاتم: " عابوا علينا أن يمر بجنازته فى المسجد "، بل ظاهره أنه مر على حجرة كل واحدة تدعو له، وأن الناس لم يصلوا عليه حينئذٍ، ولو وضع فى المسجد ليصلين عليه بصلاة الناس. وقولها: " ما اْسرع الناس " (٥) اختلفوا فى تأويله فقيل: معناه ما أسرع ما نسى الناس السنة، وقيل ما أسرع الناس إلى الطعن والعيب، وجاء فى رواية العذرى أحد

стр. 1731

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التأويلين فى حديث على بن حجر (١). قال: يعنى ما نسى الناس وجاء فيه [فى] (٢) حديث ابن حاتم التأويل الآخر مفسرًا من قول عائشة بما لا يجب أن يقال سواه ولا يتأول عليها غيره. إذ قد نَضَتْ عليه ورفعت الاحتمال، فقالت: " ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به ". وذكر مسلم فى الباب حديث هارون بن عبد الله (٣) وفيه: أنبأنا الضحاك يعنى ابن عثمان عن أبى النضر عن أبى سلمة، هذا ما استدركه الدارقطنى على مسلم، وقال: خالفه حافظان: مالك، والماجشون عن أبى النضر عن عائشة مرسلاً، وقيل: عن الضحاك عن [أبى النضر] (٤) عن أبى بكر بن عبد الرحمن ولا يصح إلا مرسلاً (٥).

стр. 1732

(٣٥) باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها ١٠٢ - (٩٧٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ شَرِيكٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِى نَمِرٍ - عَنْ عَطَاءٍ بْنِ يَسَارٍ، عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهُ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ. فَيَقُول: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مَؤَجَّلُون، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ " وَلَمْ يُقِمْ قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ: " وَأَتَاكُمْ ". ــ وذكر حديث عائشة فى خروج النبى ﷺ إلى القبور وسلامه عليهم، فيه جواز زيارة القبور للاعتبار والدعاء لهم، وجواز الترحُّم على أهل القبور والاستغفار لهم، وسيأتى من هذا بعد، هذا (١) ومعنى الأحاديث بعده من قوله: " أمرت أن آتى أهل البقيع فأستغفر لهم ": يبين معنى حديث مالك بقوله: " فأصلى عليهم " (٢)، وأن معنى الصلاة هنا: الدعاء والاستغفار، وقد قال بعضهم: إنه يحتمل أن تكون الصلاةُ المعلومةُ على الموتى، ويكون هذا خصوصًا للنبى ﵇ أو يكون أراد أن يعمّهُم بصلاته؛ إذ فيهم من دفن وهو غائب، أو لم يعلم به فلم يصل عليه، فأراد أن تعمهم بركته، قيل: ولعل المراد بالصلاة عليهم هؤلاء خاصة، فاللفظ عموم والمراد به الخصوص. وقولها: " كلما كان ليلتها يخرج من آخر الليل " معناه - والله أعلم -: فى آخر عمره، وقبل أن يقبض لا قبل ذلك، يدل عليه الأحاديث الأخر، وإنكار عائشة خروجه لأول ما خرج واستقصاؤها عليه. وبقيع الغرقد، بالباء: موضع مدفن أهل المدينة، سمى بذلك لغرقدٍ كان فيه ثابتًا، وهو ما عظم من العوسج.

стр. 1733

١٠٣ - (...) وحدَّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ فَقَالَتْ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ وَعَنِّى، قُلْنَا: بَلَى. ح وَحَدَّثَنِى مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الأَعْوَرَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ - رَجُلٌ منْ قَرَيْشٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّى وَعَنْ أُمِّى. قَالَ، فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِى وَلَدَتْهُ. قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّى وَعَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ! قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِى الَّتِى كَانَ النَّبِىُّ ﷺ فِيهَا عِنْدِى، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِى فى رَأسِى، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِى، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرَتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَل. فَقَالَ: " مَالَكِ؟ يَا عَائِشُ! حَشْيَا رَابِيَةً! ". قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَىءَ. ــ وقوله: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين ": فيه أن السلام على الأموات والأحياء سواء فى تقديم السلام على المسّلم عليه، وما جاء فى النهى [عن تأخيرهِ] (١) بقوله ﵇: " إنها تحية الموتى " (٢) يعنى فعل أهل الجاهلية فى زيارتهم الموتى كقوله: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما وتقدم فى كتاب الطهارة معنى قوله: " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " (٣). وقولها: " ريثما ظن أن قد رقدت ": أى مقدار. وقولها: " فأخذ رداءه رويدًا ": أى قليل لئلا ينبِهُهَا.

стр. 1734

قَالَ: " لَتُخْبِرِينِى أَوْ لَيُخْبِرَنِّى اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ". قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِى رَأَيْتُ أَمَامِى؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. فَلَهَدَنِى فِى صَدْرِى لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِى. ثُمَّ قَالَ: " أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ ". قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ. نَعَمْ. قَالَ: " فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِى حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِى، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ. وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِى. فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأتِى أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ ". قَالَتْ: قُلْتُ: كَيفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟. قَالَ: " قُولِى: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ ". ــ وقولها (١) فى الباب: " ثم أجافه ": أى أغلقه. وفعله ذلك ﵇ لئلا تعلم بخروجه عنها وبقائها فى الليل وحدها فيدركها ذعرٌ وتوحش، كما فسر ذلك داخل الحديث (٢)، وخروجها خلفه، والظاهر من معنى الحديث أنها اتهمته أنه سار إلى بعض أزواجه بدليل [لهذه] (٣) لها فى صدرها. وهو الضرب فيه. وقوله: " أخفت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ ": أى يجور، ولا يصح مع هذا أن يتأول عليها غير هذا الوجه من تعلم أو استفتاء على ما أشار إليه بعضهم، إذ لا يقتضيه لفظ الحديث. وإتباعها لأثره ليس من التجسس لانه كان فى موضع مباح غير محجور ولا مستتر فيه. وقولها: " فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت ": الإحضار: الجرى، وهو أشد من الهرولة. وقوله: " مالك يا عائشة [حَشْيَا رَابيةً] (٤) "، قال الإمام: قال الهروى: أى مالك قد وقع [عليك] (٥) الربو، وهو الحشا، أى البهر، يقال منه: امرأة حَشْيَاءُ وحَشِيَّة، ورجل حَشْيَان وَحشٍ. قال القاضى: وقولها فى جوابه: " لأى شىء " كذا رويناه عن الأسدى، ورويناه عن الصدفى عن العذرى " لأبى شىء " بباء واحدة ورفع شىء، وفى بعض الروايات: " لا شىء "، وهو الصواب إن شاء الله. وفى تعليمه لعائشة ما تدعو به لأهل القبور، وتعليمه ذلك للناس ما يجب امتثاله

стр. 1735

١٠٤ - (٩٧٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسَدِىُّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ - فِى رِوَايَةِ ــ واختياره من الدعاء المنصوص لهم، وفيه أن الدعاء للموتى كهو للأحياء من تقديم الدعاء على المدعو له، كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ [عَلَى] (١) إِلْ يَاسِينَ﴾ (٢) خلاف سيرة الجاهلية والعامة، وفيه تسمية المقابر دورًا. وقوله: " أنت السواد الذى رأيتُ أمامى ": أى (٣) الشخص. قال الإمام: ذكر مسلم فى سند هذا الحديث (٤): ثنا هارون، ثنا ابن وهب، أخبرنى ابن جريج عن عبد الله بن كثير بن المطلب؛ أنه سمع محمد بن قيس يقول: سمعت عائشة تقول ... الحديث. قال مسلم: وثنا من سمع حجاجًا الأعور قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرنى عبد الله (٥) - رجل من قريش - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب - والحديث هكذا قال مسلم فى إسناد حديث حجاج، عن ابن جريج [قال: أخبرنى] (٦) عبد الله - رجل من قريش - وكذلك (٧) رواه ابن حنبل (٨)، وقال النسائى، وأبو نعيم الجُرْجَانِى، وأبو بكر النيسابورى [وأبو عبد الله الجيزى] (٩)، كلهم عن يوسف بن سعيد المَصِّيصى (١٠): ثنا الحجاج، عن ابن جريج [قال] (١١): أخبرنى عبد الله بن أبي مُلَيْكةَ [قال بعضهم: وقد خُطِّئ يوسف بن سعيد فى قوله: عن أبى مُلَيْكةَ] (١٢). قال الدارقطنى: هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبى وداعة السهمى.

стр. 1736

أَبِى بَكْرٍ -: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ - وَفِى رِوَايَةِ زُهَيْرٍ -: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيةَ. ــ قال الإمام: وهذا الحديث الذى خرج مسلم فى هذا الباب أحد الأحاديث المقطوعة، وهو أيضًا من الأحاديث التى وهم فى رواتها (١)، وقد رواه [أيضًا] (٢) عبد الرزاق فى مصنفه عن ابن جريج قال: أخبرنى محمد بن قيس بن مخرمة؛ أنه سمع عائشة تقول ... الحديث (٣)، قال بعضهم: هكذا روى لنا هذا الإسناد [من طريق الدَّبَرِى مقطوعًا لم يذكر فيه عبد الله بن كثير] (٤). قال القاضى: هذا القول كله للجيانى ﵀ وعن إياه هذا فى المقطوع لا يساعد عليه وهو قد أسنده، وإنما لم يسم راويهِ له، فهو فى باب المجهول لا فى باب المقطوع إذ المقطوع ما لم يذكر فيه راوٍ دون التابعين، وأسقط من سنده دونهم رجل، وهو مثل المرسل إلّا أنهم قصروا المرسل على التابعين إذا لم يذكروا الصحابى، وجعلوا المقطوع لمن دونهم. ووقع فى هذا السند إشكال [آخر] (٥) وهو: أن نص كلام مسلم: وحدثنى من سمع حجاجًا الأعور [حدث به] (٦) واللفظ له قال: ثنا حجاج بن محمد قال: ثنا ابن جريج، فيوهم هذا أن حجاجًا الأعور حدث به عن حجاج ين محمد، وليس كذلك، حجاج بن محمد هذا هو حجاج الأعور نفسه. قال البخارى: حجاج بن محمد الأعور المصيصى أبو محمد سمع ابن جريج، وأصله ترمذى، مات ببغداد سنة خمس ومائتين، وحكى أيضاً سنة ست، قال: وهو مولى سليمان بن مجالد مولى أبى جعفر الهاشمى (٧)، وإنما كرر مسلم اللفظ فقال: حدثنى من سمع حجاجًا الأعور، ثم حكى لفظ الذى حدثه عن حجاج فقال: قال: ثنا حجاج بن محمد.

стр. 1737

(٣٦) باب استئذان النبىّ ﷺ ربه فى زيارة قبر أمه ١٠٥ - (٩٧٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِى ابْنَ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأَمِّى فَلَمْ يَأْذَنْ لِى؛ وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِى ". ١٠٨ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: زَارَ النَّبِىُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ. فَقَالَ: " اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى فِى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِىَ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِى أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِى، فَزُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ ". ١٠٦ - (٩٧٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْرٍ وَابْنِ نُمَيْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِى سِنَانٍ - وَهُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ - عْنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُوَرِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِىِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيَتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِى سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِى الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ". ــ استئذانه ﵇ فى زيارة قبر أمه والإذن فى ذلك، دليل على جواز زيارة القبور، وصلة الآباء المشركين، وإذا كان هذا بعد الموت ففى الحياة أحق، وكأنه قصد ﵇ قوة الموعظة والذكرى؛ بمشاهدته قبرها ورؤيته مصرعها، وشكر الله على ما منَّ به عليه من الإسلام، الذى حُرَمُته، وخص قبرها لمكانها منه، ويدل مقصده قوله آخر الحديث: " فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت ". وقوله: " فبكى وأبكى ": بكاؤه ﵇ على ما فاتها من لحاق أيامه والإيمان به. وقوله: " فزوروها ": بين فى نسخ النهى وفى علة الإباحة، أن يكون زيارتها للتذكير والاعتبار لا للفخر والمباهاة، ولا لإقامة النوح والمآتم عليه، كما قال ﵇:

стр. 1738

قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِى رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِىِّ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، أُرَاهُ عَنْ أَبِيهِ - الشَّكُّ مِنْ أَبِى خَيْثَمَةَ - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِىِّ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ بُريدَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ بِمَعْنَى حَدِيثَ أَبِى سِنَانٍ. ــ " فزوروها [ولا تقولوا هجرًا] (١) ". واختلف العلماءُ، هل هذا النسخ عام للرجال والنساء؟ أم مخصوص بالرجال؟ وبقى حكم النساء على المنع، والأول أظهر. وقد اختلف شيوخنا فى زيارة قبر الميت لمدة سابع أول موته للترحم عليه والاستغفار له، على عادة الناس، فأجازهُ القرويون، وسعوا فيه، ومنعه الأندلسيون وشددوا الكراهة فى البدعة [فيه] (٢)، واتفقوا على أن ما كان منه على وجه المباهاة والخيلاء والفخر ممنوع. وقوله: " ونهيتكم عن لحوم الأضاحى فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا فى سِقاء، فاشربوا فى الأسقية كُلِّها، ولا تشربوا مسكرًا " نص فى النسخ، وقد مضى الكلام أول الكتاب فى الأشربة، ويأتى تمامه فى كتابه ووجه تخصيص الأسقية وكذلك يأتى الكلام على حكم لحوم الأضاحى (٣) فى كتابه إن شاء الله.

стр. 1739

(٣٧) باب ترك الصلاة على القاتل نفسه ١٠٧ - (٩٧٨) حدّثنا عَوْنُ بْنُ سَلامٍ الْكُوفِىُّ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. ــ وقوله: " أتى رسول الله ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يُصلِّ عليه ": المشاقص: واحدها مشقص، وهو سهم عريض، وقد تقدم أول الكتاب. وجاء فى رواية الطبرى: " بمشقاص " (١). وليس بشىء. قال الإمام: المخالف يقول بهذا، ومالك يجيز الصلاة على قاتل نفسه، ويصح حمل الحديث على أنه إنما ترك الصلاة هو بنفسه عليه خاصة، ليكون ذلك ردعاً للعصاة كما لا يصلى الإمامُ على من قُتِلَ فى حدٍّ. قال القاضى: قد روى ابن وهب عن مالك نحو هذا فى ترك أهل الفضل الصلاة على من شُهِّر بالفجور، ومذهبه ومذهب كافة العلماء: الصلاة على كل مسلم محدود ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد زنا، وغيره إلا ما روى عنه وعن غيره من اجتناب الإمام الصلاة على من قتله فى حدٍ، واجتناب أهل الفضل الصلاة على أهل الفسوق، كل ذلك [ردع] (٢) لأمثالهم لا أن ذلك متعين عليهم، وعليه يتأول بعضهم ما جاء عن الأوزاعى وعمر بن عبد العزيز، فى ترك الصلاة عن قاتل نفسه. وجاء عن بعض العلماء والسلف خلاف فى بعضها، فعن الزهرى لا يُصلَّ على المرجوم (٣) ويصلى على المقتول فى قود. وقال أحمد: لا يصل الإمام على قاتل نفسٍ، ولا غالٍ. وقال أبو حنيفة: لا يصل على محارب، ولا على مَنْ قتل من الفئة الباغية، وقال الشافعى: لا يصل على من قتل لترك الصلاة، ويصلى على مَنْ سواه، وعن الحسن: لا يصل على النفساء تموت من زنا، ولا ولدها، وقاله قتادة فى ولد الزنا. عن بعض السلف خلاف فى الصلاة على الطفل الصغير، لما جاء أن النبى ﵇ لم يصل على إبراهيم، وقد جاء أنه صلى عليه، ذكر الحديثين أبو داود (٤)

стр. 1740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وغيرُه (١)، والصلاة أثبت. وقد اعتل من سلم ترك الصلاة عليه، بعلل ضعيفة؛ منها: شغل النبى ﷺ بصلاة الكسوف ذلك اليوم. ومنها: أنه لم يُصلِّ عليه لأنه استغنى بنبوة النبى ﷺ وفضيلتها عن الصلاة. وقيل: [لأنه] (٢) لا يُصلَّى على نبى وقد جاء أنه لو عاش لكان نبيًا (٣)، وقيل: معناه: لم يصل عليه بنفسه وصلى عليه غيرهُ. وكذلك اختلفوا فى الصلاة على السقط فذهب فقهاء أصحاب الحديث وبعض السلف [إلى الصلاة عليه، وجمهورهم: لا يصلى عليه حتى يستهل، أو تعرف حياته. وذهب بعض السلف] (٤) إلى أنه يصلى عليه متى نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر. قال الإمام: وأما الصلاة على المقتول فى معترك العدو وغسله فساقطان عند مالك، ثابتان عند غيره. وفرّق أبو حنيفة بين الغسل والصلاة، فأثبت الصلاة وأسقط الغسل. واختلف أصحابنا لو كان الشهيد جنبًا، هل يغسل أم لا؟ وللشافعى - أيضاً - فيه قولان. فوجه قول من أسقط الصلاة: ما رُوى " أنه ﷺ لم يُصَلِّ على قتلى أحُد (٥) "، وكان التحقيق يقتضى ترك الأخذ بهذا الحديث؛ لأنه علّل ترك الصلاة عليهم بعلة معينة لا يعلم تعديها إلى سواهم [من الشهداء] (٦)، وهى بعثهم يَومْ القيامةِ لون دمِهم لون الدم والريح ريحُ المسكِ، والعلة إذا كانت معينة لا تتعدى وقد مرّ مالك على هذا الأصل المحقق فى تطييب المحرم إذا مات؛ لأن الحديث المروى فيه النهى أن تطيب المحرم علله ﷺ بأنه يبعث ملبياً (٧). وقد اعتذر بعض شيوخنا عن مالك أنه إنما خالف بين المسألتين وإن كانت العلة فيهما معينة؛ لأنه رأى عمل أهل المدينة قد استقر على ترك الصلاة على الشهيد، وهو يرى عملهم حجة، فعوَّل عليه لا على الأثر، وأما الشافعى فهو (٨) يرى [أن] (٩)

стр. 1741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [لا] (١) يطيب المحرم، والحجة عليه ما ذكرنا من أنها قضية فى عين معللة بعلة معينة [فلا يجب أن تتعدى، وقد روى أنه ﷺ صلى على أهل أحد (٢)، وبهذا تعلق أبو حنيفة] (٣)، قال أصحابنا: وترك الصلاة عليهم أثبت من هذه الرواية فلهذا أخذ به مالك. قال القاضى: قد تقدم في صدر الكتاب الكلام على الصلاة على الشهداء، وأما الاعتراض علينا فى ذلك بالتعليل بعلة معينة لا يعلم تعديها إلى آخر [ما ذكر] (٤) فلا نسلمه؛ إذ قد بين الشارع تعديها وعمومها بقوله: " ما [من] (٥) أحد يكلم فى سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثغب دماً ... " الحديث. تم الجزء الثانى من كتاب الإكمال بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين ويتلوه إن شاء الله فى الثالث كتاب الزكاة.

стр. 1742

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٢ - كتاب الزكاة ١ - (٩٧٩) وحدَّثنى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، فَأخْبَرَنِى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقِى صَدَقَةٌ ". ــ [بسم الله الرحمن الرحيم] (١) كتاب الزكاة حديث أبى سعيد الخدرى: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس (٢) ذود صدقة ولا فيما دون خمسة أواق صدقة " [الحديث] (٣)، قال الإمام: أصل الزكاة فى اللغة: النماء، فإن قيل: كيف يستقيم هذا الاشتقاق، ومعلوم انتقاص المال بالإنفاق؟ [قيل] (٤): وإن كان نقصاً فى الحال فقد تفيد النمو فى المال، ويزيد فى صلاح الأموال. قال القاضى: وقيل. يزكو عند الله أجرها وينمو، كما قال فى الحديث: " حتى تكون كالجبل " (٥)، وقيل: لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال المعرضة للنماء، وقد قيل: سميت زكاة لأنها تزكى صاحبها وتشهد بصحة إيمانه وتطهره، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (٦)، وقيل: وسميت بذلك لأنها طاعة وإخلاص، وقيل فى قوله: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكَاة﴾ (٧): لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ولأن مخرجها لا يخرجها إلا من إخلاصه وصحة إيمانه، لما جبلت عليه النفوس من الشح بالمال وحبه،

стр. 1743

٢ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، كِلاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ــ ومنه قوله ﵇: " الصدقة برهان " (١)، وقيل: لأنها تزكى المال وتطهره، إذ لو لم يخرج منه أخبثته وأبقت فيه أوساخَه. وأما تسميتها: صدقة، فمن الصدق؛ إذ هى دليل على صحة إيمانه، وصدق باطنه فيه مع ظاهره، وقد فسرنا هذا فى أول الطهارة، فى قوله: " الصدقة برهان " بأتمِّ من هذا، وقد تسمى بذلك لتصديق صاحبها أمر الله بإخراجها، وسماها الشرع - أيضًا - حقًّا فقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ (٢) ونفقة بقوله: ﴿وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ (٣) وعفواً بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْو﴾ (٤). وبين السلفُ، وأهلُ التفسير اختلاف فى مراده تعالى بهذه الكلمة، وهو أعلم. قال الإمام: وقد أفهم الشرع أنها شرعت للمواساة، وأن المواساة إنما تكون فيما له بال من الأموال؛ فلهذا حد النصب (٥)، وكأنه لم ير فيما دونها محملاً لذلك، ثم وضعها فى الأموال النامية العين، والحرث، والماشية. فمن ذلك ما ينمى بنفسه كالماشية والحرث، ومنها ما ينمى بتغيير عينه وتقليبه كالعين، والإجماع على تعلق الزكاة بأعيان هذه المسميات. وأما تعلق الزكاة [بما] (٦) سواها من العروض، ففيها للفقهاء ثلاثة أقوال: فأبو حنيفة يوجبها على الإطلاق، وداود يسقطها، ومالك يوجبها على المدين على شروط معلومة من مذهبه، يحتج لأبى حنيفة بعموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة﴾ (٧)، ولداود بقوله ﵇: " ليس على المسلم فى عبده ولا فرسه صدقة " (٨)، وفهم هاهنا أن ذلك لأجل كون ذلك خارجاً عن تلك الأموال لأجل أنه يقتنى (٩)، فأما مالك

стр. 1744

(...) وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِى عمرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ، يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ وَأَشَارَ النَّبِىّ ﷺ بِكَفِّهِ بِخَمْسِ أَصَابعِهِ. ثُمّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيث ابْنِ عُيَيْنَةَ. ــ فيحمل عموم الآية على ما كان للتجارة والحديث على ما كان للقنية، وحدود الشرع فى نصاب كل جنس بقدر ما يحتمل المواساة فيه، فأما العين فقد حد من نصاب الفضة [منها] (١) خمسة أواق، وذكر ذلك فى الحديث دون الذهب؛ لأن غالب تصرفهم كان بها، وأما نصاب الذهب فهو عشرون ديناراً، والمعول فى تحديده على الإجماع، وقد حكى فيه خلاف شاذ. وورد - أيضاً - فيه حديث (٢) عن النبى ﷺ . وأما الحرث والماشية فَنُصُبُهَما معلومة، فإن نقص نصاب العين ولم يجز بجواز الوازنة لم تجب الزكاة فيه، وإن نقص يسيراً وجرى مجرى الوازنة وجبت الزكاة فيه، فإن كثر النقص وجرى مجرى الوازنة ففى وجوب الزكاة قولان: فمن اتبع مقتضى اللفظ والتحديد أسقطها، ومن اتبع المقصود الذى هو الانتفاع بها كالانتفاع بالوازنة أوجب الزكاة. فإن زاد على هذه النصب شىء فهل يكون فيه شىء أم لا؟ أما ما زاد على النصاب فى الإبل والغنم فغير مخصوص بزيادة من أجله من غير خلاف. وأما ما زاد على النصاب فى الورق ففيه الخلاف؛ أبو حنيفة جعله كالماشية، ومالك جعله كالحب. وأما ما دون النصاب فى الحب فأبو حنيفة يوجب فيه الزكاة، ونحن نخالف، ويحتج لأبى حنيفة بقوله ﵇: " فيما سقت السماء العشر " (٣)، ويحتج عليه بالأحاديث التى فيها التقيد بالنصب والمطلق يرد إلى المقيد إذا كان فى معنى واحد بلا خلاف، وله - أيضاً - عموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الأَرْض﴾ (٤)، ولنا فى مقابلة العموم حديث الأوسق، وفى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد خلاف بين الأصوليين.

стр. 1745

٣ - (...) وحدثنى أَبُو كَامِل فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُفَضَّل - حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِّية عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَليْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ ". ــ قال بعض العلماء: فى حديث الأوسق إشارة إلى أن لا زكاة فى الخضر (١) إذ ليست مما يكال، وقال بعضهم أيضاً: إنه ظهر من حسن ترتيب - الشريعة التدريج فى المأخوذ من المال الذى يزكى بالجزء على حساب التعب فيه، فأعلى ما يؤخذ الخمس مما وجد من أموال الجاهلية ولا تعب فى ذلك، ثم ما فيه التعب من طرف واحد يؤخذ فيه نصف الخمس وهو العشر فيما سقت السماء والعيون، وفيما سقى بالنضح فكان فيه التعب فى الطرفين يؤخذ فيه ربع الخمس، وهو نصف العشر، وما فيه التعب فى جميع الحول - كالعين - يؤخذ فيه ثمن ذلك، وهو ربع العشر، فالمأخوذ إذاً الخمس ونصفه وربعه وثمنه. قال القاضى: أفاد هذا الحديث وما يشبهه فائدتين [ثنتين] (٢): إحداهما: أنه ليس فيما دون هذه الحدود والنصب صدقة، الثانى: أن فيها هى الصدقة واجبة، ولا خلاف فى هذين إلا فى الحَب، فجمهور العلماء، وأئمة الأمصار على أن الجميع سواء. وخالف أبو حنيفة وبعض السلف فى الحب، فرأى أن الزكاة فى قليله وكثيره على ما تقدم له. وقال داود: كل ما يدخله الكيل فيراعى فيه الخمسة أوسق، وما عداه مما لا يوسق، ففى قليله وكثيره الزكاة وكذلك أجمعوا أن فى عشرين (٣) ديناراً الزكاة. ولا تجب فى أقل منها، إلا ما روى عن الحسن (٤) والزهرى مما لم يتابعا عليه أن لا صدقة فى أقل من أربعين ديناراً، والأخذ عنهما ما روى عن الجماعة وروى عن بعض السلف: أن الذهب إذا كانت قيمتها مائتى درهم فيها الزكاة، وإن لم تبلغ عشرين ديناراً، وكذلك لا زكاة فى العشرين إلا أن تكون قيمتُها مائتى درهم.

стр. 1746

٤ - (...) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهْيرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلا حَب صَدَقَةٌ ". ــ وكذلك اتفقوا فيما زاد من الحب على خمسة أوسق، أن الزكاة فى قليله وكثيره، واختلفوا فى الذهب والفضة، فذهب مالك والليث والشافعى والثورى فى رواية، وفقهاء أصحاب الحديث وأبو يوسف ومحمد والحسن وابن أبى ليلى وأكثر أصحاب أبى حنيفة: أن ذلك حكم الذهب والفضة فيما زاد على نُصبهما، وروى عن على وابن عمر، وذهب أبو حنيفة وبعض أصحابه وبعض السلف وروى عن عمر: أنه لا شىء فيما زاد على المائتى درهم حتى يبلغ أربعين (١)، ولا على العشرين ديناراً حتى يبلغ أربعة دنانير، فإذا زادت ففى كل أربعين درهم، وفى كل أربعة دنانير درهم، وجعلوا لهما وقصًا، قياسًا كالماشية، وعارضناهم بما أخرجت الأرض وهو أشبه بالعين لأنه مما تخرج الأرض فليس فيه وقص عند الجميع، ولهم فى ذلك حديث ضعفه أهل المعرفة، وروى عن طاوس أنه لا شىء فيما زاد على مائتى درهم حتى يبلغ أربعمائة، والمعروف عن طاوس خلافه. ومالك وجمهور علماء الأمصار بدون ضم الذهب والفضة فى الزكاة على اختلاف بينهم، فمالك وجماعة تراعى الوزن والضم على الأجزاء لا على القيم، وينزل كل دينار منزلة عشرة دراهم على الصرف القديم، وأبو حنيفة والأوزاعى والثورى يرى ضمها على القيم فى وقت الزكاة، وقال الشافعى وداود وأبو ثور وأحمد: لا يضم منها شىء إلى شىء ويراعى نصاب كل واحد منهما بنفسه، وذهب آخرون: إنما يضم إذا كمل من أحدهما نصاب، فيضم إليه الآخر، ويزكى. قال الإمام: وأما الوسق فستون صاعاً بصاع النبى ﷺ ، والصاع خمسة أرطال وثلث، قال شمر: كل شىء حملته فقد وسقته، يقال: افعل كذا ما وسقت عينى الماء أى حملته. وقال غيره: الوسق: حمل الشىء إلى الشىء بعضه إلى بعض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَق﴾ (٢): أى جمع وضم، ويقال للذى يجمع الإبل فيطردها: واسق،

стр. 1747

٥ - (...) وحدثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنىِ ابْنَ مَهْدِىٍّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمارَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ فِى حَبٍّ وَلا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلا فِيما دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ ". ــ وللإبل نفسها وسيقة، وطاردها يجمعها لئلا تنتشر عليه، وقد وسقها فاستوسقت، أى اجتمعت وانضمت، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَق﴾ (١): أى اجتمع ضوؤه فى الليالى البيض. قال القاضى: جاء فى حديث ابن أبى شيبة: " خمسة أوساق " (٢) وهو صحيح جمع وسق بالكسر، وهو مطرد جمعه، وقال الخطابى: الوسق تمام حمل الدواب النقالة وهو ستون صاعاً (٣). وقال الإمام: وأما الذود فقال أبو عبيد: هو ما بين الثنتين إلى التسع من الإناث دون الذكور (٤) وقال غيره: قد يكون الذود واحدًا، فقوله: " ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة " كأنه قال: ليس فيما دون خمس من الإبل. قال القاضى: الذود ما بين الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه إنما [يقال في الواحد: بعير، كما] (٥) يقال للواحد من - النساء: امرأه، وقال غيره: خمس ذود، كما تقول: خمسة أبعرة، خمس جمال، وخمس نوق. قال سيبويه: تقول: ثلاث ذود؛ لأن الذود أنثى، وليس باسم عليه مذكر. [وقال الداودى: لُفِظ به على التأنيث؛ لأن الواحد فريضة] (٦). وقال: الحربى، قال الأصمعى: الذود ما بين الثلاث إلى العشر، والصبة خمس أو ست، والصرمة (٧) ما بين العشر إلى العشرين والعكر (٨) ما بين العشرين إلى الثلاثين، [والهجمة] (٩) ما بين الستين إلى السبعين، والْهُنَيْدة مائة، والخطر نحو مائتى، والعرج من خمسمائة إلى ألف، وفى المصنف: الذود ما بين الثلاث

стр. 1748

(...) وحدّثنى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِىّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثلَ حَدِيثِ ابْن مَهْدِىٍّ. ــ إلى العشرة والصرمة ما بين العشرة إلى الأربعين، ونحو ذلك الجزمة والحدرة والنصلة (١) فإذا بلغت ستين فهى [الصدعة] (٢) والعكرة والعرج إلى ما زادت، والهجمة الأربعون إلى ما زادت. وقال غيره: وهند غير مصغر [مائتان] (٣)، وصححه لنا شيخنا أبو الحسين قال: وأمامة ثلثمائة، وأنكر ابن قتيبة (٤) أن يراد به الواحد، وقال لى: لا يصح عليه أن يقال: خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب، وما قاله غيره أشهر وأكثر عند الفقهاء، وما قاله هو أشهر عند أهل اللغة. وقال أبو حاتم (٥): تركوا القياس فى الجمع فقالوا: ثلاث ذود لثلاث من الإبل، وأربع ذود وعشر ذود على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة وأربعمائة، والقياس مائتين ومئات، ولا يكادوا يقولونه. قال القاضى: روايتنا فيه فى جميع الأمهات: خمس ذود، على الإضافة. وحكى أبو عمرو الحافظ: أن من الشيوخ من كان يرويه خمس ذود بالتنوين (٦) على البدل، وهذا على مذهب ابن قتيبة وأكثر اللغويين وكذلك وقع عند بعض شيوخنا خمسة ذود، وعند أكثرهم خمس، وهذا يأتى على قول أبى عبيد: أنه يختص بالإناث، والأول على انطلاقه على الجميع، وقال الداودى: لُفِظَ به على التأنيث، لأن الواحد فريضة. قال الإمام: وأما الأواقى [فهى] (٧) بتشديد الياء [وبتخفيفها] (٨). قال ابن السكيت وغيره: الأُوقيّة بضم الهمزة وتشديد الياء، وجمعها أواقى وأواقٍ. قال القاضى: أنكر غير واحد، أن يقال: وقية بفتح الواو، وحكى الجيانى أنه

стр. 1749

(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِىُّ وَمَعْمَر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَديِثِ ابْنِ مَهْدِىٍّ وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ التَّمْرِ ثَمَرٍ. ــ يقال، ويجمع وقايا، وقال أبو عبيد: والأوقية: اسم لوزن مبلغه أربعون درهماً كيلاً (١). قال القاضى: ولا يصح أن تكون الأوقيةُ والدراهمُ مجهولة القدرِ فى زمن النبى ﷺ وهو يوجب الزكاة فى أعداد منها، وتقع بها البياعات والأنكحةُ كما جاء فى الأحاديث الصحيحة (٢)، وهذا كله يبين، أن قول من ذكر أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها [برأى العلماء] (٣)، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل ووزن الدرهم ستة دوانق - أنه وهم، وإنما معنى ما ذكر من ذلك أنها لم يكن منها شىء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف، وإنما كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، وصغارًا وكبارًا وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزنًا واحدًا، لا تختلف، وأعيانًا يستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم الكيل، ولعله كان الوزن الذى يتعامل به كيلاً [حينئذ] (٤) بالمجموع؛ ولهذا سمى كيلاً وان كانت قائمة مفردة غير مجموعة، فقال أبو عبيد: كان الجيد منها من أربع دوانق، والردىء من ثمانية، فتوسطوا وضربوا على ستة. وهذا يأتى على أن الدرهم الكيل من درهمنا الأندلسى درهم ونصف، والمعروف أنه درهم وخمسان من دراهمنا. على هذا جاء تفسيرهم أجمع فى كتبهم من أهل العراق وغيرهم، وفى كتب (٥) أصحابنا، ولاشك أن الدراهم كانت

стр. 1750

٦ - (٩٨٠) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ ". ــ حينئذٍ معلومة، وإلا فكيف كان يتعلق بها حقوق الله فى الزكاة، وحقوق النساء فى الصدقات، وكانت الأوقية معلومة. وقوله: " من (١) الورق "، قال الإمام: قال الهروى فى تفسير قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ (٢) أن الوِرق والوْرق، [لا غيرهم] (٣) والرقة الدراهم خاصة. قال غيره: الرقة بتخفيف القاف، ومنه الحديث: " فى الرقة ربع العشر " (٤) وفى حديث آخر: " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة " (٥). قال أبو بكر: جمعها رقات ورقون. ومنه قولهم: وجدان الرقين يغطى [أفن الأفين] (٦)، [أى وجدان الدراهم] (٧)، يقول: [الغنى] (٨): يغطى عيب المعيب ونقصانه وغناه وقاية لحمقه. قال الهروى: ورجل وارق كثير الورق. فأما الورق فالمال كله. قال القاضى: قال بعضهم: لا يقال عندهم لما لم يضرب من الدراهم: ورق، ولا رقة من المصوغ والمسكوك وغيره. وإنما يقال له فضة، وأما الفقهاء فالفضة والورق عندهم سواء. وكذلك قال ابن قتيبة (٩): إن الرقة والورق الفضة سكوكة أو غيرها. وقد جاء فى الحديث ما يؤيد قول الفقهاء ويصححه (١٠) ولم يأت ذكر الذهب هنا إذا كثر أموالهم وإنما فهم إنما كانت بالدراهم.

стр. 1751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد روى فى الذهب وتحديد نصابه أحاديث ليست بالقوية، ولكن المسلمين أجمعوا على صحة معناها (١) والمفهوم من قوله: " ليس فيما دون خمس من كذا صدقة ": أى ليس فى أقل منها وهو ظاهر لفظة " دون " لا أنه نفى عن غير الخمس صدقة، كما زعم بعضهم فى قوله: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " أنها بمعنى غير. قال الإمام: وكما فهم عن الشريعة معنى تحديد النصاب، فهم أيضاً أن ضرب الحول فى العين والماشية عدل بين أرباب الأموال والمساكين؛ لأنه أمد الغالب حصول النماء فيه، ولا يجحف بالمساكين الصبر إليه، ولهذا المعنى لم يكن فى التمر والحب حول؛ لأن الغرض المقصود منه النماء، والنماء يحصل عند حصوله ولهذه المعانى المفهومة حصل من العلماء الاتفاق على أن الزكاة لا تجب على الإطلاق، بل يتوقف وجوبها على شروط معتبرة بحال المالك والملك والمملوك، فإن كان المالك صبيًا فالزكاة عندنا واجبة فى ماله. وأبو حنيفة لا يوجب فى مال الصبى زكاة وحجتنا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة﴾ (٢) فعمّ، وقوله ﷺ : " أمرت أن آخذها من أغنيائكم " (٣). وغير ذلك من العمومات، ويناقض أبو حنيفة بإيجابه الأخذ من مال الصبى فى الحرث، ويحتج هو بقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ والصبى غير مأثوم فلا يحتاج إلى تطهير، ويحتج - أيضاً - أن الصبى غير مكلف فلا يتوجه الخطاب عليه. قلنا: الخطاب عندنا يتوجه إلى من يلى الصبى بأن يخرج منه، لا أن الصبى هو المخاطب به. ووجه الخلاف بيننا وبينه من جهة المعنى أن هذا فرع بين أصلين؛ أحدهما: نفقة الوالدين وهى واجبة فى ماله باتفاق. والثانى: الجزية فإنها ساقطة عن الصغير الذمى باتفاق. فيرد ذلك أبو حنيفة إلى الجزية من جهة أنها شبيهة بما يؤخذ من الزكاة، ونرده نحن إلى نفقة الوالدين، والشبه [بينهما] (٤) أنهما جميعاً من باب المواساة. فردّ المواساة إلى المواساة أولى من ردها إلى ما هو علم على الذلة والصغار، وهى تطهير وتزكية للأموال، وينقض عليه رده إلى ذلك الاتفاق منا ومنه على وجوب الزكاة على النساء وسقوط الجزية عنهن، وهذا دليل على أنهما ليسا بأصل واحد.

стр. 1752

(١) باب ما فيه العشر أو نصف العشر ٧ - (٩٨١) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَذْكُرُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِىَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ ". ــ قال القاضى: وقوله: " فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقى بالساقية نصف العشر " وفى غير مسلم: " ما سقت السماء والعيون والبعل العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر " (١): كذا رويناه عن عامة شيوخنا العَشور - بفتح العين المهملة - وهو اسم المخرج، وعن الطبرى العشر، ويكون العُشور - بالضمة - جمع عشر، والغَيم - بفتح الغين المعجمة والميم - المطر. كذا هو هنا بالميم فى مسلم ورواه غيره الغيل (٢) - باللام. قال أبو عبيد: الغيل ما جرى من المياه فى الأنهار. وقيل: هو سيل دون السيل الكبير، وقال ابن السكيت. هو الماء الجارى على الأرض. ويكون بمعنى البعل، على قول بعضهم: أنه كل ما يشرب بماء السماء، وقال أكثرهم: ما شرب بماء السماء هو العترى (٣)، وذلك لأنه تكسر حوله [إلى] (٤) الأرض، ويعثر جريه إلى أصول النخل بثراب يرفع هناك. قالوا: والبعل [ما] (٥) لا يحتاج إلى ذلك، وإنما يشرب بعروقه قال بعضهم: هذا من قوله: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٦)، أى أنه يكتب له بإخراج عُشرِ مائة فى الزكاة أجر إخراجه كله كما جاء فى صوم رمضان وستة أيام من شوال صيام الدهر (٧)، وأجمع العلماءُ على الأخذ بهذا الحديث، فيما يؤخذ أنه العشر مما سقت

стр. 1753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السماء والأنهار، ونصف العشر مما سقت (١) بالنضح، وهو ما سُقى بالدلو وأصله الرشُّ والصب، وهو معنى الغرب فى حديث آخر (٢)، وهو الدلو الكبيرة، وهو معنى السّانية هنا وهى الإبلُ التى يرفع عليها الماءَ من البئر وتُسنى [أى تسقيه] (٣)، يقال: سنا يسنو سنواً، إذا استقى. فظاهر هذا الحديث أخذ به أبو حنيفة فرأى إخراج الزكاة العشر، ونصف العشر، على ما تقدم من كل ما أخرجت الأرض من الثمار، والرياحين، والخضر وغيرها إلا الحشيش وشبهه من الحطب والقصب، وما لا يثمر كالسمر وشبهه. وخالفه عامة العلماء فى ذلك على اختلاف بينهم فى تفاصيله، وإجماعهم على الحنطة، والشعير، والتمر والزبيب. فرأى الحسن والثورى وابن أبى ليلى فى آخرين: أنه لا زكاة إلا فى هذه الأربعة، وذهب مالك في المشهور عنه أنها تجب فى كل ما يقتات ويدخر غالباً، ونحوه قول الشافعى وأبى ثور، إلا أنهما استثينا الزيتون وقال ابن الماجشون من أصحابنا: يجب فى ذوات الأصول كلها ما ادخر منها وما لم يدخر، ولأصحابنا وغيرهم فى هذا الباب تفاصيل وخلاف معروف فى كتب الفقه.

стр. 1754

(٢) باب لا زكاة على المسلم فى عبده وفرسه ٨ - (٩٨٢) وحدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِى عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ ". ٩ - (...) وحدثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَان بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْن مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - قَالَ عَمْرٌو -: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ وَقَالَ زُهَيْرٌ: يَبْلُغُ بِهِ -: " لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِى عبدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ ". (...) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَال. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ١٠ - (...) وحدثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِرَاكَ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ــ وقوله: " ليس على المسلم فى عبده ولا فرسه صدقة ": أصل فى أن ما هو للقنية لا زكاة فيه، وأنه لا زكاة فى الرقيق ولا فى الخيل المقتناة، بخلاف ما اتخذ للتجارة لإضافة التخصيص، وهو مذهب كافة العلماء وأئمة الفتوى إلا حماد بن سليمان فأوجب فى الخيل الزكاة، وقاله أبو حنيفة وزفر، قالا: وذلك إذا كانت إناثًا أو ذكورًا [وإناثًا] (١) يُبْتَغى نَسْلُها، ففى كل رأس دينارٌ، وإن شاء قوّم وأخرج عن كل مائتى درهم خمسة دراهم (٢)، ولا حجة لهم مع صحة هذا الحديث. وقوله: " وفى العبد إلا صدقةُ الفطر ": حجةٌ أن على السيد فى عبده صدقة الفطر، وهو قول جمهور العلماء فى عبيد القنية، كانوا لخِدْمةٍ أو لغلة أو لتجارةٍ، خلافاً لداود

стр. 1755

يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ فِى الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ ". ــ وأبى ثور فى إيجابها على العبد نفسه، بظاهر قوله فى الحديث الآخر: " على كل عبد أو حر "، خلافاً لأهل الكوفة فى إسقاطها على عبيد التجارة، واختلفوا فى المكاتب فجمهورهم على أن السيد لا يؤدى، ومالك وأبو ثورٍ وعطاء يرون ذلك عليه لقوله ﵇: " المكاتب عبد ما بقى عليه درهم " (١)، واتفقوا أن المدين كالعبد، وداود وأبو ثور فيه على أصلها فى العبد.
следующие страницы →