← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد روى فى الذهب وتحديد نصابه أحاديث ليست بالقوية، ولكن المسلمين أجمعوا على صحة معناها (١) والمفهوم من قوله: " ليس فيما دون خمس من كذا صدقة ": أى ليس فى أقل منها وهو ظاهر لفظة " دون " لا أنه نفى عن غير الخمس صدقة، كما زعم بعضهم فى قوله: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " أنها بمعنى غير. قال الإمام: وكما فهم عن الشريعة معنى تحديد النصاب، فهم أيضاً أن ضرب الحول فى العين والماشية عدل بين أرباب الأموال والمساكين؛ لأنه أمد الغالب حصول النماء فيه، ولا يجحف بالمساكين الصبر إليه، ولهذا المعنى لم يكن فى التمر والحب حول؛ لأن الغرض المقصود منه النماء، والنماء يحصل عند حصوله ولهذه المعانى المفهومة حصل من العلماء الاتفاق على أن الزكاة لا تجب على الإطلاق، بل يتوقف وجوبها على شروط معتبرة بحال المالك والملك والمملوك، فإن كان المالك صبيًا فالزكاة عندنا واجبة فى ماله. وأبو حنيفة لا يوجب فى مال الصبى زكاة وحجتنا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة﴾ (٢) فعمّ، وقوله ﷺ : " أمرت أن آخذها من أغنيائكم " (٣). وغير ذلك من العمومات، ويناقض أبو حنيفة بإيجابه الأخذ من مال الصبى فى الحرث، ويحتج هو بقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ والصبى غير مأثوم فلا يحتاج إلى تطهير، ويحتج - أيضاً - أن الصبى غير مكلف فلا يتوجه الخطاب عليه. قلنا: الخطاب عندنا يتوجه إلى من يلى الصبى بأن يخرج منه، لا أن الصبى هو المخاطب به. ووجه الخلاف بيننا وبينه من جهة المعنى أن هذا فرع بين أصلين؛ أحدهما: نفقة الوالدين وهى واجبة فى ماله باتفاق. والثانى: الجزية فإنها ساقطة عن الصغير الذمى باتفاق. فيرد ذلك أبو حنيفة إلى الجزية من جهة أنها شبيهة بما يؤخذ من الزكاة، ونرده نحن إلى نفقة الوالدين، والشبه [بينهما] (٤) أنهما جميعاً من باب المواساة. فردّ المواساة إلى المواساة أولى من ردها إلى ما هو علم على الذلة والصغار، وهى تطهير وتزكية للأموال، وينقض عليه رده إلى ذلك الاتفاق منا ومنه على وجوب الزكاة على النساء وسقوط الجزية عنهن، وهذا دليل على أنهما ليسا بأصل واحد.

стр. 1752

(١) باب ما فيه العشر أو نصف العشر ٧ - (٩٨١) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَذْكُرُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِىَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ ". ــ قال القاضى: وقوله: " فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقى بالساقية نصف العشر " وفى غير مسلم: " ما سقت السماء والعيون والبعل العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر " (١): كذا رويناه عن عامة شيوخنا العَشور - بفتح العين المهملة - وهو اسم المخرج، وعن الطبرى العشر، ويكون العُشور - بالضمة - جمع عشر، والغَيم - بفتح الغين المعجمة والميم - المطر. كذا هو هنا بالميم فى مسلم ورواه غيره الغيل (٢) - باللام. قال أبو عبيد: الغيل ما جرى من المياه فى الأنهار. وقيل: هو سيل دون السيل الكبير، وقال ابن السكيت. هو الماء الجارى على الأرض. ويكون بمعنى البعل، على قول بعضهم: أنه كل ما يشرب بماء السماء، وقال أكثرهم: ما شرب بماء السماء هو العترى (٣)، وذلك لأنه تكسر حوله [إلى] (٤) الأرض، ويعثر جريه إلى أصول النخل بثراب يرفع هناك. قالوا: والبعل [ما] (٥) لا يحتاج إلى ذلك، وإنما يشرب بعروقه قال بعضهم: هذا من قوله: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٦)، أى أنه يكتب له بإخراج عُشرِ مائة فى الزكاة أجر إخراجه كله كما جاء فى صوم رمضان وستة أيام من شوال صيام الدهر (٧)، وأجمع العلماءُ على الأخذ بهذا الحديث، فيما يؤخذ أنه العشر مما سقت

стр. 1753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السماء والأنهار، ونصف العشر مما سقت (١) بالنضح، وهو ما سُقى بالدلو وأصله الرشُّ والصب، وهو معنى الغرب فى حديث آخر (٢)، وهو الدلو الكبيرة، وهو معنى السّانية هنا وهى الإبلُ التى يرفع عليها الماءَ من البئر وتُسنى [أى تسقيه] (٣)، يقال: سنا يسنو سنواً، إذا استقى. فظاهر هذا الحديث أخذ به أبو حنيفة فرأى إخراج الزكاة العشر، ونصف العشر، على ما تقدم من كل ما أخرجت الأرض من الثمار، والرياحين، والخضر وغيرها إلا الحشيش وشبهه من الحطب والقصب، وما لا يثمر كالسمر وشبهه. وخالفه عامة العلماء فى ذلك على اختلاف بينهم فى تفاصيله، وإجماعهم على الحنطة، والشعير، والتمر والزبيب. فرأى الحسن والثورى وابن أبى ليلى فى آخرين: أنه لا زكاة إلا فى هذه الأربعة، وذهب مالك في المشهور عنه أنها تجب فى كل ما يقتات ويدخر غالباً، ونحوه قول الشافعى وأبى ثور، إلا أنهما استثينا الزيتون وقال ابن الماجشون من أصحابنا: يجب فى ذوات الأصول كلها ما ادخر منها وما لم يدخر، ولأصحابنا وغيرهم فى هذا الباب تفاصيل وخلاف معروف فى كتب الفقه.

стр. 1754

(٢) باب لا زكاة على المسلم فى عبده وفرسه ٨ - (٩٨٢) وحدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِى عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ ". ٩ - (...) وحدثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَان بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْن مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - قَالَ عَمْرٌو -: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ وَقَالَ زُهَيْرٌ: يَبْلُغُ بِهِ -: " لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِى عبدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ ". (...) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَال. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ١٠ - (...) وحدثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِرَاكَ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ــ وقوله: " ليس على المسلم فى عبده ولا فرسه صدقة ": أصل فى أن ما هو للقنية لا زكاة فيه، وأنه لا زكاة فى الرقيق ولا فى الخيل المقتناة، بخلاف ما اتخذ للتجارة لإضافة التخصيص، وهو مذهب كافة العلماء وأئمة الفتوى إلا حماد بن سليمان فأوجب فى الخيل الزكاة، وقاله أبو حنيفة وزفر، قالا: وذلك إذا كانت إناثًا أو ذكورًا [وإناثًا] (١) يُبْتَغى نَسْلُها، ففى كل رأس دينارٌ، وإن شاء قوّم وأخرج عن كل مائتى درهم خمسة دراهم (٢)، ولا حجة لهم مع صحة هذا الحديث. وقوله: " وفى العبد إلا صدقةُ الفطر ": حجةٌ أن على السيد فى عبده صدقة الفطر، وهو قول جمهور العلماء فى عبيد القنية، كانوا لخِدْمةٍ أو لغلة أو لتجارةٍ، خلافاً لداود

стр. 1755

يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ فِى الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ ". ــ وأبى ثور فى إيجابها على العبد نفسه، بظاهر قوله فى الحديث الآخر: " على كل عبد أو حر "، خلافاً لأهل الكوفة فى إسقاطها على عبيد التجارة، واختلفوا فى المكاتب فجمهورهم على أن السيد لا يؤدى، ومالك وأبو ثورٍ وعطاء يرون ذلك عليه لقوله ﵇: " المكاتب عبد ما بقى عليه درهم " (١)، واتفقوا أن المدين كالعبد، وداود وأبو ثور فيه على أصلها فى العبد.

стр. 1756

(٣) باب فى تقديم الزكاة ومنعها ١١ - (٩٨٣) وحدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاء، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ــ وقوله: " إنكم تظلمون خالداً، إن خالداً احتبس أدراعه وأعتاده فى سبيل الله "، قال الإمام: [وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه وأعتاده، وفيه أنه قال: " وأما العباس فهى على ومثلها معها، وفى غير هذا الكتاب: " فهى عليه " وفى رواية أخرى: " فهى صدقة عليه ومثلها " وفى رواية أخرى: " هى له ومثلها "] (١) قال الهروى وغيره: العتاد: ما هو أعده الرجل من السلاح والدواب والآلة للحرب، ويجمع أيضاً أعتدة، وفى رواية أخرى: " أدراعه وعقاره ". قال الهروى: وفى الحديث الذى فيه: فرد النبى ﷺ ذراريهم وعقار بيوتهم (٢)، قال الأزهرى: أراد متاع بيوتهم والأدوات والأوانى، وقال ابن الأعرابى: عقار البيت وَنَضُدهُ متاعه الذى لا يتبدل إلا فى الأعياد، وبيت حسن العقار، أى حسن المتاع، وعقار كل شىء خياره، والعقر والعقار الأصل، ولفلان عقار أى: أصل، [قال] (٣): ومنه الحديث: " من باع داراً أو عقاراً " (٤). قال الحربى: أراد أرضهم. قال القاضى: روى فى غير كتاب مسلم: " أعبده وأعتده " بالباء والتاء (٥)، واختلف فيه رواة البخارى، وهو جمع فرس عند، وهو الصلب، وقيل: المعد للركوب وقيل: السريع الوثب، ورجح بعضهم هذه الرواية، بأنه لم تجر العادةُ لتحبيس العبيد في سبيل الله، وهذا جائز غير ممتنع، بل قد وجد فى العرب، قيل: وقد ذكر ذلك في

стр. 1757

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الغوث بن مر المسمى بصوفة وبالربيط، وذلك أن أمه ربطت رأسه بصوفة وجعلته ربيطًا للكعبة يخدمها، وقيل: مثله فى ابن الأخرم. [قال الإمام: [قوله: " احتبس "] (١) فيه ": دلالة على جواز تحبيس العروض خلافًا لمن منعه. وفيه - أيضاً - إشارة إلى ثبوت التحبيس مع كون الشىء المحبس يعود إلى محبسه، [وعلى هذا] (٢) تأويل من رأى أن المال الذى فى يديه ظن الساعى أنه ملكه وهو محبسٌ، وقد تؤُوِّل الحديث على أن معنى قوله: " تظلمون خالدًا ": أى أنه [أُخِذَ] (٣) بصفة [من] (٤) لا يليق به منع الزكاة؛ لأنه إذا حُبس مَالهُ تطوعًا فأحرى ألا يمنع الواجب] (٥). قال القاضى: وقيل يجوز أن يكون ﵇ أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة لأنه فى سبيل الله، فهو حجة لمالك فى جواز دفعها لصنف واحد، وهو قول كافة العلماء، خلافاً للشافعى فى وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية. وعلى هذا يجوز إخراج القيمة فى الزكاة وقد أدخل البخارى هذا الحديث فى باب أخذ العرض فى الزكاة (٦)، فيدل أنه ذهب إلى هذا التأويل، ومذهب مالك والشافعى منع إخراج القيمة فى الزكاة، وأبو حنيفة يجيز ذلك، وذكره البغداديون على المذهب أيضاً، وقيل: إنما طولب خالد بأثمان الأذرع والأعبد (٧) إذ كانت للتجارة فأعلمهم ﵇ وأنه لا زكاة فيها إذ قد حبسها، ففيه على هذا إثبات زكاة التجارة، وهو قول عامة العلماء خلافاً لبعض المتأخرين وقد حكى ابن المنذر فيه الإجماع. وفيه على الجملة دليل على جواز التحبيس، وهو قول كافة العلماء، خلافاً للكوفيين فى إبطاله، وسنذكره بعد، وذكر بعضهم أن النبى ﷺ خص خالداً بما وجب عليه من الصدقة بما حبسه، وهذا على من جعل هذه الصدقة [صدقة] (٨) تطوعاً بين، إذ قد روى عبد الرزاق هذا الحديث، وفيه أن النبى ﵇ ندب الناس إلى الصدقة (٩) وذكر الحديث. قال ابن

стр. 1758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القصار: وهذا أليق بالقصة، فلا يغن بأحد منهم منع الواجب، فيكون، عذر خالدٍ واضحاً، لأنه إذا أخرج أكثر مالهِ وحبسه فى سبيل الله لا يحتمل صدقة التطوع، فعذره النبى ﷺ لذلك، ويكون ابْنُ جَمِيل شح فى التطوعِ الذى لا يلزمه، فعتبه (١) النبى ﷺ بما جاء فى الحديث، وأخبر أن العباس يسمح بما طلب منه ومثله معه، وأنه [ممن] (٢) لا يمتنع مما ألزمه النبى ﷺ ، بل يعده كاللازم، لكن ظاهر الأحاديث التى فى الصحيحين يدل أنه فى الفريضة، بقوله: " بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة " وتعريفها بالألف واللام يدل أنها المفروضة وهى التى جرى الاستعمال والبعث عليها، ومثله قوله فى الحديث الآخر: " منع صدقته ". قال الإمام: وقوله: " وأما العباس فهى على ومثلها معها " وفى غير هذا الباب " فهى عليه " وفى رواية أخرى: " فهى صدقة عليه ومثلها " وفى رواية أخرى: " له ومثلها " (٣) يحتمل أن يريد بقوله: " علىَّ ": أى أؤديها عنه، يدل عليه قوله ﵇ عقيب ذلك: " إن العم صنو [الأب] (٤) "، وقيل: [إن] (٥) معنى قوله: " علىَّ ": أى له زكاة عامين قدمها، وهذا التأويل إنما يصح على قول من رأى جواز تقدمةِ الزكاة قبل حولها، وأما رواية " هى له " (٦) فيعرف (٧) معناها من رواية: " علىّ "، وأما رواية: " هى عليه ومثلها " فيحتمل أن يكون أخَّرها ﷺ [عنه] (٨) إلى عام آخر تخفيفاً ونظراً، وللإمام تأخير ذلك، إذا أداه الاجتهاد إليه، وأما رواية " صدقة [عليه] (٩) " فبعيدة؛ لأن العباس من الأقارب الذين لا تحل لهم الصدقة إلا أن يقال: لعل ذلك من قبل تحريم الصدقة على آل النبى ﷺ ، إذ رأى ﵇ فى إسقاط الزكاة عنه عامين لوجه رآه، وقيل فى الرواية المتقدمة التى قال فيها: " هى لها " أنها (١٠) بمعنى عليه، قال الله

стр. 1759

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى: ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَة﴾ (١) أى عليهم، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٢) أى فعليها. قال القاضى: وقيل: إن العباس كان استدان فى مفاداة نفسه ومفاداة عقيل، فكان من الغارمين الذين لا تلزمهم الصدقة، فلذلك قال -[عليه] (٣) السلام -: " هى علينا دين "، وإلى أن النبى ﵇ أخرها عن العباس من أجل حاجته إليها، ذهب أبو عبيد، كما فعل عمر عام الرمادة إلى أن يجىء الناس من العام المقبل، فأخذ منهم زكاة عامين، وهو يكون معنى قوله: " ومثلها معها "، وعلى هذا يصح معنى رواية: " صدقة عليه "، وأما المذهب الآخر أنه كان قدمها، فقد روى فى ذلك حديث منصوص: " إنا تعجلنا منه صدقة عامين " (٤)، وفى حديث آخر أنه سأل النبى ﷺ فى ذلك فأذن له (٥)، وبه يحتج عامة الفقهاء أبو حنيفة والأوزاعى والشافعى وفقهاء أصحاب الحديث - ومن وافقهم من السلف - على جواز تقديم الزكاة قبل حولها بالكثير وتقديم زكاة عامين، وأكثر خلافاً لقول مالك والليث وهو قول عائشة وابن سيرين فى أنها لا تجوز قبل وقتها كالصلاة، وعن مالك خلاف فيما قرب، وتحديد القرب [مذكور] (٦) فى كتبنا معلوم (٧)، وقد تأول بعضُ المالكية قوله: " تعجلنا منه صدقة عامين " (٨) بالمعنى الأول، أى أوجبناها عليه، وضمناها إياه، وتركناها عليه ديناً. وقيل: بل كان تسلف منه النبى ﷺ مالاً (٩)، لما احتاج إليه فى السبيل، فقاضه بها عند الحول، وهذا ما لايختلف فيه، وليس من التقديم فى شىء، وعلى هذا تصح روايةُ: [" له " ورواية] (١٠): " علىّ " أى فرضاً، وقيل: وقد يكون معنى قوله: " فهى عليه " على الرواية الأخرى، أى واجبة لأنه قد

стр. 1760

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيل إِلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ الله، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهْىَ عَلَىَّ، وَمِثلُهَا مَعَهَا ". ثُمَّ قَالَ: " يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ ". ــ أداها، وهذا على من يقول: إنها المفروضة، وأما على الندب فقد ذكرنا وجهه. والأشبه عندى احتمال النبى ﷺ له على ما تقدم هذه الصدقة، وإخراجها عنه برأيه، ويعضده رواية: " فهى له، وصدقة عليه "، لا على أنه أحل له الصدقة، لكنه (١) تركها له وأخرج الصدقة عنه من مال نفسه، والله أعلم. وقوله: " ما ينقم ابْنُ جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ": تقدم القول فيه على التطوع وأما على الفريضة فقال المهلب: كان ابن جميل منافقاً أولاً فمنع الزكاة، فأنزل الله [تعالى] (٢): ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (٣)، فقال: استتابنى (٤) فتاب، وصلحت حاله. قال الإمام: وقوله: " فإن عم الرجل صنو أبيه ": أراد أن أصله وأصل أبيه واحد. قال: ابن الأعرابى: الصنو: المثل، أراد مثل أبيه. وقيل: فى قول الله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ (٥): إن معنى الصنوان: أن يكون الأصل واحدًا. [و] (٦) فيه النخلتان، والثلاث، والأربع. والصنوان جمع صنو. ويجمع أصناء مثل: اسم وأسماء، فإذا أردت الجمع المكسر قلت: الصِنىِّ الصُّنِى. قال القاضى: كذا فى النسخ الواصلة إلينا من المعلم " فإذا أردت الجمع المكسر "، وإنما هو فى أصل الغريبين: " فإذا كثرت "، وأراه تصحف (٧) " كسَّرْت ". ومعنى قوله: " ما ينقم ابن جميل ": أى ما ينكر، يقال: نقم ينقم، ونقم ينقم، وكذلك من العقاب، وفى قوله: عم الرجل صنو أبيه تعظيم حق العم، وقد أنزله العلماء منزلة الأب فى كثير من الحقوق.

стр. 1761

(٤) باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير ١٢ - (٩٨٤) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَقُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، ــ وقوله: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الناس " الحديث، قال الإمام: اختلف الناس فى زكاة الفطر، هل هى واجبة أم لا؟ فاحتج من قال بالوجوب بدخولها فى عموم قوله تعالى: ﴿وآتُوا الزَّكَاة﴾ (١)، وبقوله: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر "، وقد قيل: إن " فرض " هاهنا: بمعنى قدّر، لا بمعنى أوجب. وأصل الفرض الحز والقطع، يقال: فرضت سواكى إذا حززته لتشد فيه خيطاً، وفرض الحاكم نفقة المرأة إذا قطع، وفرضت القرآن قطعت بالقراءة منه جزءاً، فإن كان الفرض غالباً استعماله فى الوجوب كان حجة لمن يقول بالإيجاب. قال القاضى: معنى " فرض " عند أكثر العلماء هنا: أوجب، قال إسحاق (٢) بن راهويه: هو كالإجماع، وأجمعوا (٣) على أن النبى ﵇ أمر بها، ثم اختلفوا فى حكمها، وهل هى منسوخة أو محكمة؟ فقالت فرقة: هى منسوخة بالزكاة، ورووا فى ذلك أثراً عن قيس بن سعد بن عبادة (٤). وجمهور أئمة الفتوى، وعامة العلماء من السلف، على أنها واجبة كما تقدم، وهو المنصوص عن مالك، واحتج بعموم قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ الآية (٥)، وبقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاة﴾، وقاله عامة أصحابه، وذهب بعض أهل العراق وبعض أصحاب مالك، وداود - فى آخر قوله - أنها سنة. وقال أبو حنيفة: هى واجبة وليست بفريضة على مذهبه فى الفرق بين الحكمين.

стр. 1762

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: " من رمضان ": إشارة إلى وقت وجوبها. قال الإمام: [وأما زمن وجوبها] (١) [فا] (٢) ختلف فيه عندنا، فقيل: بغروب الشمس من آخر رمضان، وقيل: بطلوع الفجر [من] (٣) يوم الفطر. قال القاضى: كما اختلف فيها قول مالك وأصحابه، اختلف فيها قول الشافعى. وأما أبو حنيفة فيقول: إنما تجب بطلوع الفجر وللمتأخرين من أصحابنا اختلاف فى وجوبها بطلوع الشمس، وغير ذلك. وحقيقة معناه عندى: توسعة وقت وجوبها لا ابتداؤه. وقد بيناه فى كتاب التنبيهات فى الفقه. قال الإمام: [وقد] (٤) قيل: ينبنى الخلاف على ما وقع فى هذا الحديث من قوله: " فرض زكاة الفطر من رمضان ": هل المراد هنا الفطر المعتاد فى سائر الشهر فيكون الوجوب من الغروب، أو أراد الفطر الطارئ بعد ذلك الذى هو بطلوع الفجر من شوال فيكون الوجوب من حينئذ؟ وفى قوله: " الفطر من رمضان ": تنبيه على [قول] (٥) من يرى أنها لا تجب إلا على من صام ولو يوماً من رمضان. قال الإمام: وكأن سالك هذه الطريقة رأى أن العبادات التى تطول [أ] (٦) ويشق التحرز منها من أمور توقع فيها وصماً، جعل الشرع فيها كفارة من المال عوضاً عن التقصير، كالهدايا فى الحج لمن أدخل فيه (٧) نقصاً يكفره بالهدى وكذلك الفطر كفارة لما يكون فى الصوم، وقد وقع فى بعض أحاديثها أنه قال: " تطهيراً من اللغو والرفث " (٨)، واختلف الناس - أيضاً - فى إخراجها عن الصبى، فمن قال: لا تجب عليه، جنح إلى الطريقة التى ذكرنا، وأن علتها التطهير وهو لا إثم عليه، وحجتنا على من لم يوجبها فى مال الصبى ما وقع فى بعض الأحاديث من قوله ﷺ : " على كل حر أو عبد (٩) صغير أو كبير "، وكأنه إن كان وجه التعبد [بها] (١٠) التطهير من الآثام، فإن التعليل للغالب، وإن وجد فى بعض الأحاديث ما ليس فيه تلك العلة (١١)، كما أن القصر فى السفر

стр. 1763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للمشقة، وإن جد من لا يُشق ذلك عليه فإنه لا يخرج عن جملة من أرخص له. قال الإمام: وأما قوله ﷺ : " على كل حر أو عبد " فإن داود أخذ بذلك، قال: تجب على العبد كما اقتضاها اللفظ، ولكن على السيد أن يتركه قبل الفطر فيكتسب ذلك القدر، ولا يكون له منعه من ذلك تلك المدة التى يكتسب فيها، كما لا يمنعه من صلاة الفرض. ومذهبنا أنها لا تجب على العبد، وهو بمنزلة الفقير، إذ السيد قادر على انتزاع ماله، ومحمل الحديث عندنا على: بمعنى عن، أى يخرجها السيد عن عبده. قال القاضى: قال الباجى: وقد تكون " على " عندى بمعناها على [قول] (١) من قال: إنها تجب على العبد، ولكن يحملها عنه السيد، أو يكون على من قال: إنما تجب على السيد كما تقول: يلزمك على كل دابة من دوابك درهم. قال القاضى: وقال ابن قتيبة معنى: " صدقة الفطر ": صدقة النفوس، والفطرة أصل الخلقة وفيما قاله بُعْد، والأظهر ما تقدم. وقوله: " على الناس " وفى الحديث الآخر: " وعلى الذكر والأنثى والحر والعبد ": حجة لعموم وجوبها على الجميع من أهل الحواضر والبوادى والأغنياء [والفقراء] (٢)؛ لأنها زكاة بدن، ليست بزكاة مال. وهو قول كافة الأئمة والعلماء خلافاً لليث (٣) وربيعة والزهرى وعطاء فى قصر وجوبها عندهم على أهل الحواضر [والقرى] (٤) دون أهل العَمُود (٥) والخصوص، خلافاً لأصحاب الرأى أنها لا تلزم من يحل له أخذ الزكاة واختلف قول مالك وأصحابه فى لزومها لمن يجوز له أخذها إذا ملكها. واختلفوا إذا وجد من يسلفه هل يلزمه أم لا؟ وقد استدل بعضهم بقوله: " أو أنثى " على أنه لايلزم الرجل إخراجها عن زوجته، وإنما تلزمها هى عن نفسها، وهو قول الكوفيين، ومذهب مالك والشافعى وجمهور العلماء لزومها للزوج كالنفقة. والكلام على احتجاجهم بـ " على كل أنثى " كالكلام على داود فى إلزامها العبد وقد تقدم.

стр. 1764

أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ١٣ - (...) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَة - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: فرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ. ــ قال الإمام: عند المخالف: أن من شرطها (١) ملك النصاب. ومالك لا يشترط ذلك، فمن أخذ بعموم قوله: " [فرض] (٢) زكاة الفطر " على إطلاقه أوجبها على من لا نصاب له، ومن أخذ بقوله ﵇: " أمرت أن آخذها من أغنيائكم " (٣) اشترط النصاب، لكون من لا يملكه ليس بغنى. قال القاضى: وقوله: " من المسلمين " نص فى أنها حكم مختص بهم، أنها تلزم المسلمين وتخرج عنهم دون غيرهم من أهل الكفر. وإلى هذا ذهب عامة الفقهاء، وأهل الفتوى، إذ (٤) قيد من تجب عليه بصفة. والأصل براءة الذمة، وذهب الكوفيون (٥)، وإسحاق، وبعض السلف أنها تخرج عن العبيد الكفار. وتأول الطحاوى قوله: " من المسلمين " عائداً إلى السادة المخرجين، وهذا لا يقتضيه اللفظ من قوله: " على كل نفس من المسلمين حراً وعبداً ". قال الإمام: وأما القدر المخرج فى زكاة الفطر من غير البر مما يجزى فيها فإنه صاع. واختلف إذا كان بُراً، فعندنا أنه لا يخرج منه أقل من صاع، وقال أبو حنيفة: يجزيه نصف صاع. ويحتج بما وقع فى بعض الأحاديث (٦) من ذلك، وأما الحديث. الذى فيه

стр. 1765

١٤ - (...) وحدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: فَرَضَ النَّبىُّ ﷺ صَدَقَةَ رَمَضَانَ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاع مِنْ بُرٍّ. ١٥ - (...) حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعلَ الناسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةَ. ١٦ - (...) وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، أَوْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. ١٧ - (٩٨٥) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ ــ " كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ " [الحديث] (١)، فقد روى على طريقين، فأما التى فيها: " أو صاعاً " فليس له تعلق فيها (٢)، بل ظاهرها حجة عليه؛ لأن الطعام الذى أفرده باسم الطعام نوع زائد على بقية الأنواع المذكورة فى الحديث. وقد قيل: إن العرف عندهم فى إطلاق اسم الطعام أن المراد به البر، وأما الرواية التى ليس فيها " أو " وإنما فيها " صاعاً من طعام " [وإطلاق اسم الطعام أن المراد به] (٣) صاعاً من شعير، فقد يصح لهم أن يقولوا: إنما عدد بعد لفظ الطعام بدل منه، ومن حجتنا - أيضاً - أنه ﷺ ذكر أشياء الأطعمة يختلف قيمتها وساوى بين ما يخرج منها، فوجب ألّا ينقص من إخراج البر من الصاع، وإن كانت قيمته أكثر من قيمة غيره. قال القاضى: وقوله: " صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير ": الحديث حجة

стр. 1766

أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. ١٨ - (...) حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِى ابْنَ قَيْسٍ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ، إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ــ [فى] (١) أنه لا يجزى من البر أقل من صاع كسائر الأشياء المذكورة فى الحديث؛ لأن إفراده باسم الطعام عن سائر ما سمى معه يدل أنه البر، وقد ذكر أبو داود فى حديث أبى سعيد: " أو صاعاً من حنطة " (٢). قال: ليس بمحفوظ، وهو قول مالك والشافعى وعامة الفقهاء إلا أهل الكوفة فى قوله: يجزى منه نصف صاع، وروى عن بعض الصحابة وجماعة من التابعين (٣)، واحتجوا بأحاديث جاءت فى ذلك أنكرها مالك وضعفها أهل الحديث. وأما الليث فقال: مدان بمد هشام (٤). والأوزاعى مدان بمد أهل بلده (٥). ولا خلاف فى التمر والشعير أنه لا يجزئ منه أقل من صاع وكافتهم أنه لا يجزئ من الزبيب أقل من صاع، إلا أبا حنيفة فيجزى عنده منه نصف صاع. قال القاضى: ذكر فى الأحاديث الطعام الذى فسره العلماء بالبر، وذكر الشعير والتمر والزبيب والأقط، ولم تختلف الرواية عندنا فى مسلم فى قوله: " صاعاً من طعام " أو صاعاً فى جميعها. واختلف أصحاب الموطأ فيه، فبعضهم رواه " صاعاً " فى الثانى وحده، واختلف فى الأنواع التى يخرج منها، ولا خلاف بينهم فى جواز إخراجها من البر والشعير والتمر والزبيب، إلا خلافاً فى البر ممن لا يعتد بخلافه فلم يجزه فيهما، وكذلك لبعض المتأخرين فى الزبيب والإجماع سبق هذا الخلاف، وأما الأقط فأجازه مالك وعامتهم، واختلف فيه قول الشافعى، وأباه الحسن، وقالا: إن لم يكن عند أهل البادية ما يخرجون غيره، فليخرجوا صاعاً من لبن (٦). ولم ير أشهب أن يخرج إلا من هذه الخمس المذكورة، وقاس (٧) مالك فى أحد قوليه على هذه الخمسة المسماة فى الحديث جميع (٨) ما هو عيش أهل كل بلد من القطانىِّ وغيرها أن يخرجوا [منه] (٩). ومرة أبى [من] (١٠) ذلك إلا ما سمى فى الحديث، وما فى معنى ذلك الحبوب مما يقتات غالباً، فألحق

стр. 1767

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا منْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا منْ زَبِيبٍ. فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مْعَاويَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلَّمَ النَّاس عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّى أُرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ، كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا، مَا عِشْتُ. ــ بالخمسة: الذرة والأرز والدُّخْنُ (١) والسُّلْت (٢)، وزاد بعض أصحابنا: العَلَسُ (٣). ولم يجز عامة العلماء إخراج القيمة فى ذلك، وأجازه أبو حنيفة (٤). وقوله فى حديث أبى سعيد: " كنا نخرج زكاة الفطر " الحديث مما يلحق بالمسند عند أكثر أهل العلم وهو المروى عن مالك والشافعى، وأن ظاهر هذا الكلام إضافته إلى زمن النبى ﷺ ، وأما على الرواية الأخرى التى زاد فيها: " إذ كان فينا رسول الله ﷺ [والذى " كنت أخرج فى عهد رسول الله ﷺ "] (٥)، مما لا يختلف فى أنه مسند فيما لا يخفى أمره، إذ إقرار النبى عليه سنة كقوله وفعله، لاسيما فى هذه المسألة التى إليه كانت [ترفع] (٦)، وعنده كانت تجمع وهو يأمر بقبضها ودفعها، فليس يخفى عليه ما يخرج فيها. وقول معاوية على المنبر - يحضره الجمّ الغفير [من الصحابة] (٧) وغيرهم [رضى الله عنهم] (٨): " [أرى] (٩) مدين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر " وخلاف من خالفه فى ذلك، ولم يذكر هو ولا أحد ممن حضر النص فى ذلك عن النبى ﵇

стр. 1768

١٩ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاة الْفِطْرِ، وَرَسُولُ اللهٍ ﷺ فِينَا، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ معَاوِيَةُ، فَرَأَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ بُرٍّ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذَلِكَ. ٢٠ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْن رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى ذبَابٍ، عَنْ عِيَاض بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: الأَقِطِ، وَالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ. ٢١ - (...) وحدَّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ، لَمَّا جَعَلَ نِصْفَ الصَّاعِ مِنَ الْحِنْطَةِ عَدْلَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ، وَقَالَ: لَا أُخْرِجُ فِيهَا إِلَّا ــ يضعف مذهب رواية الكوفيين، ورواية من نص على نصف الصاع من البر، إذ لو كان لم يَخْفَ على جميعهم. فإن قيل: وهل يضعف - أيضاً - تأويل الطعام على البر إذ لو كان عندهم ذلك معلوماً لاحتج به الحاضرون على معاوية؟ قيل: قد احتج به أبو سعيد فى الحديث نفسه، وهو رواية، وفيه: " صاع من طعام "، ثم قال [فى] (١) آخر الحديث: " أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه "، وأيضاً فإن معاوية لم يطلق ذلك على كل البر، إنما قال: " من سمراء الشام " لما فيها من الريع، وقد يكون هذا اجتهاد منه مع معرفته بأصل الحديث المذكور. وذكر مسلم فى الباب حديث محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل ابن أمية، أخبرنى عياض بن عبد الله بن سعد. هذا مما استدركه الدارقطنى على مسلم،

стр. 1769

الَّذِى كُنْتُ أُخْرِجُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ. ــ فإن سعيد بن مسلمة خالف معمرًا فيه عن إسماعيل، فرواه عن إسماعيل عن الحارث بن أبى ذباب عن عياض. قال الدارقطنى: والحديث محفوظ عن الحارث (١).

стр. 1770

(٥) باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة ٢٢ - (٩٨٦) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. ٢٣ - (...) حّدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُول الله ﷺ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. ــ وقوله: " أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة " بهذا الحديث أخذ جمهور العلماء مالك وغيره واستحبوه لينتفع بها المساكين، ويغنوا عن طواف ذلك اليوم، كما جاء فى الحديث، وكرهوا تأخيرها عن يوم الفطر، ورخص بعضهم فى تأخيرها، وقاله مالك وأحمد بن حنبل، وجعله بعض شيوخنا خلافاً من قول مالك.

стр. 1771

(٦) باب إثم مانع الزكاة ٢٤ - (٩٨٧) وحدَّثنى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِىَّ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ ذَكوَانَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هَرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبينُه وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ: أُعِيدَتْ لَهُ، فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضى بَيْنَ الْعِبَادِ. فَيَرَى سَبِيَلهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالإِبِلُ؟ قَالَ: " وَلا صَاحِب إِبِلٍ لا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعِ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لا يَفْقِدُ مِنَهَا فَصِيلاً وَاحِدًا، ــ وقوله: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى [منها] (١) حقها " إلى قوله: " كلما بردت أعيدت عليه (٢) ": كذا رواية ابن سعيد عن السجزى، ولكافة الرواة: " رُدت " والأول الصواب. وفي هذا الحديث النص على وجوب الحق وهو الزكاة فى الذهب كما فى الفضة ولا خلاف فى ذلك، وكذلك فى الإبل والبقر والغنم ولا خلاف فى ذلك أيضاً؛ إذ العقاب لا يتوجه إلا على ترك الواجب. قال بعضهم: يحتمل اختصاص ما ذكر من أعضائه [فيه] (٣) من جبينه وجنبه وظهره بالكى عقابًا؛ لتقطيبه (٤) وجهه فى وجه السائل، وليّه بصفحة جنبه عنه، وإعراضه بظهره (٥) عنه. قال الإمام: وقوله: " بطح لها بقاع قرقر ": أى ألقى على وجهه. والقاع: المستوى الواسع فى وطاء من الأرض، يعلوه ماء السماء فيمسكه ويستوى نباته، ذكره الهروى فى قوله تعالى: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ (٦) وجمعه قيعة (٧) وقيعان، مثل جار جيرة وجيران. والقرقر: المستوى - أيضاً - من الأرض المتسع، قال الثعالبى: إذا كانت الأرض مستوية مع الاتساع فهو الخبت والجدد والصحصح، ثم القاع والقرقر ثم الصفصف، وذكر غير ذلك. والجلحاء: التى لا قرن لها. وفى حديث كعب: " ولأدعنك جلحاء ": أى لا حصن

стр. 1772

تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِى يَوْمٍ كَانَ مقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرى سَبِيَلهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: " وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لا يُؤَدِّى ــ عليك، والحصون تشبه بالقرون، ولذلك قيل لها: صياصى، فإذا ذهبت الحصون جلحت القرى فصارت بمنزلة البقر التى لا قرون لها. والعقصاء: الملتوية القرنين. ورجل عقص، فيه التواء وصعوبة أخلاق. والعضباء: هى التى انكسر قرنها الداخل، وهو المشاش، وقد يكون العضب فى الأذن أيضاً، والعضباء: اسم ناقة النبى ﷺ ولم تسم بذلك لأجل شىء بها، والمعضوب: الزمن الذى لا حراك به والأعضب من ألقاب (١) الزحاف، وهو ذهاب أحدى حركتى الوتد منه وذلك فى الوافر خاصة، كما سمى الثور الذى ذهب أحد قرنية: [أعضب] (٢)، أنشد الخليل شاهد على ذلك: إذا نزل الشتاء بدار قوم ... تجنب جار بيتهم الشتاء وهذا الأعضب يسمى فى غير الوافر: أخرم، وفى الطويل: أثلم، وليس هذا موضع شرحه. قال القاضى: ما ذكره فى الأعضب والعضباء هو قول أبى عبيد وغيره، قال ابن دريد: الأعضب الذى انكسر أحد (٣) قرنيه، وقال أبو زيد: الأعضب أن ينكسر مشاش قرنيه إلى أقصاه. قال القاضى: ولا يصح كسر المشاش إلا مع أعلاه، وقال غير أبى زيد: الأعضب فى الأذن والقرن: الذى انتهى النصف فما فوقه، وقال الحربى فى الحديث: كانت للنبى ﷺ ناقه تسمى العضباء لا تُسبق (٤)، جاء من رواية مصعب عن مالك " كانت للقصواء، وذكر الحديث. وفى حديث آخر: " خطب النبى ﷺ على ناقته الجدعاء " (٥) وفى آخر [على ناقه خرماء] (٦) " وفى آخر: " مخضرمة ". قال أبو إسحاق: والعضب والجدع

стр. 1773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والخرم [والخضرمة والقصو] (١)، كله فى الأذن، قال ابن الأعرابى: القصو: قطع طرف الأذن، الجدع أكثر منه. قال الأصمعى نحوه، قال: وكل قطع فى الأذن جدع، فإذا جاوز الربع فهى عضباء، والمخضرم: المقطوع الأذنين، فإذا اصطلمتا (٢) فهى صلماء، قال أبو إسحاق: ففى الحديث أن العضباء اسمها، فإن كانت عضباء الأذن فقد جعل لها اسماً، قال أبو عبيدة: القصواء: المقطوعة الأذن عرضاً، والمخضرمة: المستأصلة النصف فما فوقه، وقال الخليل: الخضرمة: قطع الواحدة. وقوله: " بطح ": ألقى على وجهه، كذا قاله غيره من المفسرين، وقد جاء فى [بعض] (٣) طرق البخارى فى الحديث: " تخبط وجهه بأخفاقها " (٤)، وهذا يقتضى أن ليس من شرط البطح كونه على الوجه، وإنما هو فى اللغة بمعنى البسط والمد، وقد يكون على الوجه ويكون على الظهر، ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها، جاء فى هذا الحديث من رواية زيد بن أسلم عن أبى صالح: " كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها "، قالوا: وهو تغيير وقلب فى الكلام، وصوابه ما جاء بعده فى الحديث الآخر من رواية سهيل بن أبى صالح عن أبيه، وما جاء فى حديث المعرور بن سويد [عن أبى ذر] (٥) " كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها "، وبه يستقيم الكلام، لأنه إنما يرى الأول الذى قد مر قبل، وأما الآخر فلم يمر بعد، فلما قال فيه: " رد "، وجاء فى الحديثين الآخرين: " تسير عليه بقوامها " وعند السمرقندى: " تستن عليه " وكذا عند ابن أبى جعفر فى أحدهما (٦)، ولعله تصحيف أو يخرج على معنى تفسير " اسْتَنَّتْ " فى الحديث بعده، وفيه: " قعد لها بقاع قرقر "، بفتح القاف، وعند ابن عيسى قعد بضمها. وفتحها هنا الصواب، وإنما يقال فى معداه: أقعد. وقوله: " أكثر ما كانت " وفى غيره: " أعظم ما كانت "، مبالغة فى عقابه بكثرتها ومنعتها من كمال خلقها وقوتها؛ لأنه أثقل لوطئها، كما أنها إذا لم تكن غير ذوات القرون جلحاء ولا عقصاء كان أنكى وأصوب لطعنها بقرونها ونطحها. وفى هذا الحديث واقتصاره من الحيوان على هذه الأصناف الثلاثة وخبره عن تعذيب صاحبها بها -[بما] (٧) وصف - حجة أنه لا زكاة فى غيرها من الحيوان.

стр. 1774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذكره بعد فى الحديث: قال: " الخيل ثلاثة " وكذلك قوله فى الحمر: " لم ينزل على فيها شىء. إلا هذه الآية "، ولم [يك] (١) فيها زكاة ولا عقوبة صاحبها بترك ذلك [كله] (٢)، دليل على أنه لا زكاة إلا فى الثلاثة المذكورة أولاً، ورد على من زعم أن فى الخيل والحمر والعبيد الزكاة. لم يذكر مسلم أحاديث زكاة المواشى ونصبها وفرائضها ولا شيئاً من كتب (٣) رسول الله ﷺ ، وقد خرج البخارى [منها] (٤) حديث كتاب أبى بكر الذى كتبه لأنس، وفيه: " هذه فريضة الصدقة التى فرض رسول الله ﷺ على المسلمين "، وذكر فيها فرائض الإبل والغنم. وذكر البخارى أكثره فى بعض أبوابه، ثم ذكر آخر فصوله مفرقاً فى أبوابه (٥). وخرج مالك حديث كتاب عمر فى الصدقه (٦)، وهو بمعنى كتاب أبى بكر، لكنه لم يذكر فيه ذكر النبى ﵇ وخرج مالك أيضاً حديث معاذ فى صدقة البقر (٧)، ولم يخرج هذين الحديثين البخارى، وخرج جميعها أصحاب المصنفات مع حديث عمرو بن حزم عن النبى ﷺ بمثل كتاب عمر وأبى بكر وحديث على [عن النبى] (٨) فى الإبل والبقر والغنم وغير ذلك، وحديث عبد الله بن مسعود (٩) وعبد الله بن عباس فى البقر، ولم يخرج مسلم شيئاً من ذلك، فأما حديث [كتاب] (١٠) عمر فلم يخرجاه إذ لم يأت فيه من طريق مالك ذكر النبى ﵇ وإنما جاء من قول عمر، وقد ذكر أبو داود والترمذى والدارقطنى وغيرهم أنه [كان] (١١) كتاب رسول الله ﷺ الذى كتبه فى الصدقة وفى بعضها، وأنه كان عند أبى بكر، فعمل به حتى قبض ثم عمل به عمر (١٢)، وأما حديث أبى بكر فلم يخرجه - أيضاً - مسلم لوقف بعضهم إياه على أبى بكر من قوله، ولم يذكر فيه النبى ﷺ كما جاء فى كتاب عمر؛ ولأن بعضهم رواه عن أنس عن النبى ﷺ ، فلهذا الاضطراب تركه، وأما حديث معاذ فى البقر فلم يخرجاه للاختلاف فى إسناده وإرساله، وكذلك غيرها من الأحاديث.

стр. 1775

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعلى كل حال فقد اعتمد مالك ﵀ والعلماء والخلفاء قبلهم كافة على كتاب عمر بن الخطاب، لموافقة أكثره كتاب أبى بكر وعمرو بن حزم (١)؛ ولأنه الذى خرج به عماله وعملوا به طوال مدته ونفس حياته، فلم يؤثر عن أحد من الصحابة إنكار لما فيه، وهو الذى طلبه عمر بن عبد العزيز من آل عمر مع الكتاب الذى كان عند آل حزم، وهذا يدل [على] (٢) أن الذى كان [عند عمر] (٣) هو الذى كان عند أبى بكر، إذ لو كان عندهم سواه لطلبه من آله. وقد يحتمل أن مسلمًا لم يخرج حديث أبى بكر لأنه كتاب (٤) وقد اختلف أرباب الأصول والحديث فى التحدث عن الكتاب والعمل به، والصحيح صحة الحديث والعمل به، وقد كتب النبى ﵇ إلى عُماله وأمرائه وكسرى وقيصر والملوك، فكانت حجة لهم وعليهم. ولا خلاف بين المسلمين فى وجوب الزكاة على الجملة فى الإبل والبقر والغنم، وأنه لا زكاة فى أقل من خمس من الإبل، وأن فى خمس شاة، على ما جاء فى كتاب عمر فى النصب والفرائض إلى مائة وعشرين، ثم اختلفوا فى مائة وعشرين، هل فرض الحقتين قبلها بألف، أو يتغير الفرض بثلاث بنات لبون، أو يخير الساعى فى الوجهين؟ وكل ذلك مروى عن مالك، وقال أبو حنيفة: ينتقل الحكم بعد عشرين ومائة ويستأنف ابتداء، فإذا كانت خمسة (٥) وعشرين زيد على الحقتين شاة، والثلاثين شاتان، وهكذا شاة لكل خمس إلى خمس وأربعين، فيرجع مع الحقتين بنت مخاض، فإذا بلغت خمسين فثلاث حقاق، ثم إذا زادت استأنف الغرض من أوله، فإن كثرت ففى كل خمسين حقة، وفى كل ستين جذعة وهو قول الثورى (٦). وجمهور الفقهاء على خلافه، وأنها إذا بلغت ثلاثين ومائة ففى كل خمسين حقة، وفى كل أربعين بنت لبون، ولا مدخل للشاة فى ذلك على نص ما جاء فى [حديث] (٧) الزكاة الذى عمل به الخلفاء والمسلمون. وكذلك اتفقوا أن فى ثلاثين فى البقر تبيعاً، وفى أربعين مسنة، إلا ما روى عن سعيد بن المسيب وبعضهم يرى أن حكمها قبل الثلاثين حكم الإبل فى كل خمسين (٨) شاة من الغنم، وهو شاذ. واختلفوا فيما بعد الأربعين،

стр. 1776

مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعِ قَرْقَرٍ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلا جَلْحَاءُ وَلا عَضْبَاءُ، تَنْطِحُهُ بِقُرُونَهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِى يَوْمٍ كَانَ مقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادَ، فَيَرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: " الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: ــ فكافتهم أنه لا شىء فيها إلى ستين [ففيهما] (١) تبيعان، ثم إذا زادت ففى كل ثلاثين تبيع، وفى كل أربعين مسنة، وشذ أبو حنيفة هنا - أيضاً - فى أشهر قوليه، فقال: ما زاد على الأربعين [فبحسابها] (٢)، لكل خمس ثمن مسنة، ولكل عشر ربع مسنة. واتفقوا أن فى سائمة الغنم الزكاة على ما جاء فى نصبها فى الحديث. واختلفوا فى غير السائمة من العوامل والمعلوفة، فمالك والليث يريان فيها الزكاة، وكافتهم لا يرون فيها زكاة، وداود لا يرى ذلك فى غير سائمة الغنم خاصة ويوافقنا فى غيرها لأنها فى كتاب الصدقة بالذكر وحجتنا عموم الحديث. وقوله: " ما من صاحب إبل وما من صاحب بقر وما من صاحب غنم " وعموم غيره من الأحاديث فى ذلك دون تفصيل، إلا قوله: " فى سائمة الغنم الزكاة " (٣) وهى حجتهم، والاحتجاج بهذا من باب تخصيص السائمة هنا، إذ هى الطالب عن المواشى ولاسيما الغنم، وبأنها عند اللغويين وصف لكل ماشية رعت أو لم ترع، كما يقال: ناطق لكل آدمى وإن كان أبكم أو طفلاً لم يبلغ ذلك، لعموم هذا الوصف فى جنسه، وتكون " من " عندنا هنا للبيان لا للتبعيض، وحديث " ليس فى العوامل صدقة " (٤) ليس بالقوى، ولم يخرجه أهل الصحة، وبعض طرقه مرسل، وبعضها لين الرواية. وقوله: " تطؤه بأظلافها ": الظلفة للغنم والبقر والظباء، وهو ما هو منشق من القوائم، وكذلك جاء فى الحديث فى الغنم، وجاء فى الإبل: " بأخفافها "، والخف للبعير كالظلفة للشاة والبقرة. وجاء فى الحديث الآخر: " ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدى زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة، [قال] (٥) تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها " فجمع فى هذا الحديث الأظلاف لما جمعها فى اللفظ. وعند الطبرى هنا:

стр. 1777

هِىَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهْىَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهْىَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ. فَأَمَّا الَّتِى هِىَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ، فَهِىَ لَهُ وِزْرٌ. وَأَمَّا الَّتِى هِىَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فى سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِى ظهُورِهَا وَلا رِقَابِهَا، فَهْىَ لَهُ سِتْرٌ. وَأَمَّا الَّتِى هِىَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِى سَبِيلِ اللهِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فِى مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ ــ " بأخفافها "، فعلى كلتا الروايتين غلب أحد النوعين على الآخر كما قال، أو يخص ذوات الظلف والخف، وكما قال: " تنطحه بقرونها " والإبل لا قرون لها، وأراد غيرها ممن ذكر معها من البقر والغنم. وأما ما ليس بمشقوق فهو الحافر وهو للخيل والبغال والحمير. وقوله: " الخيل فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة ": جاء تفسير هذا الحديث فى الحديث الآخر: " الأجر والغنيمة ". فيه دليل على بقاء الجهاد وبقاء الإسلام إلى يوم القيامة، وفيه الترغيب فى الجهاد والحض عليه. وقوله: " والخيل ثلاثة " الحديث، قال الإمام: تعلق أبو حنيفة فى إيجاب الزكاة فى الخيل بقوله فى الحديث، ولم ينس حق الله فى ظهورها ولا رقابها، فيقول: يصح أن يحمل ذلك على غير الزكاة، وقد قيل: يحتمل أن يكون المراد بذلك الحمل عليها فى سبيل الله، وقد يقع ذلك على حالة يتعين على مالكها ذلك فيها، مع أن أبا حنيفة خالف إطلاق هذا الحديث، وظاهره أنه لا يوجب أخذ الزكاة من عين الخيل، بل يقول: إن ربها مخير بين أن يؤدى دينارًا على كل رأس منها، أو يقومها ويخرج ربع عشر القيمة، ولا تجب الزكاة عنده إلا فى الإناث، [أو فى الإناث] (١) مع الذكور، وأما إن كان فى ملكه الذكور منها خاصة فلا زكاة عليه فيها. وأما قوله ﵇ فى الحديث: " والذى يتخذها أشراً " فإن ابن عرفة قال: إذا قيل: فعل ذلك أشرًا وبطرًا، فالمعنى: لج فى البطر، أى أشر، أى لجوج فى البُطر والبَطر والبِطر الطغيان [عند الحق] (٢) والأشر - أيضاً - سواء احتمال [الغنى] (٣) والمرح: التكبر، قال القتبى: الأشر: المرح المتكبر. وقوله ﷺ : " ونواء لأهل الإسلام " أى معاداة لهم، يقال: ناوأته نواء ومناوأة [إذا عاديته] (٤)، وأصله أنه ناء إليك، ونؤت إليه، أى نهضت. ومعنى " استنت ": جرت. قال أبو عبيدة: الاستنان أن يحضر الفرس وليس عليه فارس. قال غيره: ويستن فى طوله، أى يمرح فيه من النشاط. ويقال منه: فرس سنين. والطول: الحبل، قال

стр. 1778

الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَىْءٍ، إِلا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِب لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إِلا كَتَبَ الله لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلا يُريدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلا كَتَبَ الله لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَات ". قيَل: يَا رَسُول الله، فَالْحمُرُ؟ قَالَ " مَا أُنْزِلَ عَلَىَّ فِى الْحُمر شَىْء إِلا هَذِهِ الآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ﴾ (١) ". ٢٥ - (...) وحدَّثنى يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلم، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ ــ ابن السكيت [لا يقال] (٢) إلا بالواو. قال القاضى: رويناه فى الموطأ: " طيلها " بالياء، وكذا قاله ثابت بالياء، وحكاه بالواو أيضاً. وقوله: " شرفاً أو شرفين "، قال الإمام: الشرف ما يعلو من الأرض، وقال بعضهم: الشرف: الطلق، فكأنه يقول: جرت طلقاً أو طلقتين. قال القاضى: وقوله: " ربطها فى سبيل الله ": أى أعدها، وأصله من الربط، ومنه: الرباط، وهو حبل الرجل نفسه وإعداده الأهبة والعدّة فى الثغور، وتجاه العدو، وقال أبو زين: الرباط من الخيل: الخمس فما فوقها، وقال ثابت: الاستنان: أن يلجّ فى عدوها (٣) ذاهبة، وراجعة، وحق الله فى رقابها وظهورها. الصدقة مما يكسب عليها. وخصّ الرقاب لأنه موضع [وضع] (٤) اليد من الماسك والراكب. وقيل: إن (٥) الاستنان: هو الجرى إلى فوق. وقوله: " وبذخاً ": هو معنى " بطراً " و " أشراً " المذكورين قبله. وقوله فى الحُمر: " لم ينزل على فيها شىء إلا هذه الآية الجامعة ": أى العامّة. وهذه (٦) حجة للقائلين بالعموم، وأن لفظة " مَنْ " من صيغ العموم. وقوله: " الفاذة ": أى القليلة المثل، وأشار ﵇ أنه لم يفسّر له فيها ما

стр. 1779

مَيْسَرَةَ، إِلى آخِرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " مَا مِنْ صَاحِبِ إِبلٍ لا يُؤَدِّى حَقَّهَا " وَلَمْ يَقُلْ: " مِنْهَا حَقَّهَا "، وَذَكَرَ فِيهِ: " لا يَفقِدُ مِنْهَا فَصِيلاً وَاحِدًا " وَقَالَ: " يُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ ". ٢٦ - (...) وحّدثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لا يُؤَدِّى زَكَاتَهُ إِلا أُحْمِىَ عَلَيْهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ. فَيُكْوَى بِهَا جَنبَاهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ، فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرىَ سَبِيَلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لا يُؤَدِّى زَكَاتَهَا إِلا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ، تَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ، فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُرَى سَبِيَلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لا يُؤَدِّى زَكَاتَهَا، إِلا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ. فَتَطَؤهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ، فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ممِا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرُى سَبيَلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّار ". قَالَ سُهَيْلٌ: فَلَا أَدْرِى أَذَكَرَ الْبَقَرَ أَمْ لا. قَالُوا: فَالْخَيْلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الْخَيْلُ فِى نَوَاصِيهَا - أَوْ قَالَ - الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فى نَوَاصِيهَا - قَالَ سُهَيْلٌ: أَنَا أَشُكُّ - الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: فَهِىَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ. فَأمَّا الَّتِى هِىَ لَهُ أَجْرٌ، فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِى سَبِيلِ اللهِ وَيُعِدُّهَا لَهُ، فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِى بُطُونِهَا إِلا كَتَبَ الله لَهُ أَجْرًا، وَلَوْ رَعَاهَا فِى مَرْجٍ، مَا أَكَلَتْ مِنْ شَىْءٍ إِلا كَتَبَ الله بِهَا أَجْرًا، وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهرٍ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِى بُطُونِهَا أَجْرٌ - حَتَّى ذَكَرَ الأَجْرَ فِى أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا - وَلَوِ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ. وَأَمَّا الَّذِى هِىَ لَهُ سِتْرٌ، ــ فسّر فى الخيل، لكن هى وإن لم تتصرف تصرف الخيل فقد تستعمل فى سبل البرّ، والاكتساب، ومعرفة العدو.

стр. 1780

فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلاً، وَلا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا، فِى عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا. وَأَمَّا الَّذِى عَلَيْهِ وِزْرٌ فَالَّذِى يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا وَبَذَخًا وَرِيَاءَ النَّاسِ، فَذَاكَ الَّذِى هِىَ عَلَيْهِ وِزْرٌ ". قَالُوا: فَالْحُمُرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " مَا أَنْزَلَ الله عَلَىَّ فِيهَا شَيْئًا إِلا هَذِهِ الآيَةَ الْجَامِعَةَ الْفَاذَّة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (١) ". (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. (...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُهَيلُ بْنُ أَبِى صَالِحٍ، بَهذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ بَدَلَ " عَقْصَاءُ ": " عَضْبَاءُ " وَقَالَ: " فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَظَهْرُهُ " وَلَمْ يَذْكُرْ: جَبِينُهُ. (...) وحدَّثنى هَارُون بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسْولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا لَمْ يُؤَدِّ الْمَرْءُ حَقَّ اللهِ أَوِ الصَّدَقَةَ فِى إِبِلِهِ "، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ. ٢٧ - (٩٨٨) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ ابْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا. وَلا صَاحِبِ بَقَرٍ لا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، تَنْطحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِقَوَائمِهَا. وَلا صَاحِبِ غَنَمٍ لا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَقعَدَ لَهَا بِقَاعٍ ــ وقوله: " فلم ينس حق الله فى رقابها وظهرها "، قال الإمام: قيل: إن المراد بالرقاب هاهنا الإحسان إليها، وقيل: يحمل عليها، [وينقل عطيتها، والمراد بالظهور قيل: يحمل عليها] (٢) ثم تعود إليه، وقيل: ينزيها بغير عوض.

стр. 1781

قَرْقَرٍ، تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا. وَلا صَاحِبِ كَنْزٍ لا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ، إِلا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِى خَبَأتَهُ، فَأَنَا عَنْهُ غَنِىٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لا بُدَّ مِنْهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِى فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ ". قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ. ثُمَّ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ الإبِل؟ قَالَ: " حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِى سَبِيلِ اللهِ ". ــ وقوله: قلنا: [يا رسول الله، وما حقها؟] (١) قال ﵇: " إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنيحتها، وحلبها على الماء "، قال الإمام: يحتمل أن يكون هذا الحق فى موضع تتعين فيه المواساة، وقيل: معنى [قوله] (٢): " حلبها على الماء ": أن يقربها للمصّدق، وييسّر ذلك عليه بإحضارها على الماء، حتى يسهل عليه تناول أخذ الزكاة منها، والمنحة عند العرب على معنيين: أحدهما: أن يعطى الرجل صاحبه صلة فتكون له، والأخرى: أن يمنحه شاة أو ناقة (٣) فينتفع بلبنها ووبرها [زمانًا] (٤) ثم يردها، وهو تأويل قوله فى بعض الأحاديث: المنحة مردودة. والمنحة تكون فى الأرض يمنحها الرجل أخاه ليزرعها، ومنه الحديث: " من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه " (٥). قال ابن حنبل: ومنحة الورق هو القرض. قال الفراء: منحته أمنحه وأمنِحه، قال ابن دريد: أصل المنحة: أن يعطى الرجل رجلاً ناقة، فيشرب لبنها، أو شاة، ثم صارت [كل] (٦) عطية (٧) ومنيحة، [قال غيره] (٨): ومنِحة اللبن: أن يجعلها الرجل للآخر (٩) سنة.

стр. 1782

٢٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلا بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ، لا يُؤَدِّى حَقَّهَا، إِلا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، تَطَؤُهُ ذَاتُ الظِّلْفِ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطِحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ وَلا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ ــ قال الإمام: جعل أبو عبيد وابن دريد زمانها غير محدود، وفى حديث أم زرع: " أكل ما تمنح ": (١) أى أطعم غيرى. قال القاضى: [قوله] (٢): " حلْبها يوم وردها " وفى الحديث [الآخر] (٣): " حلْبها على الماء "، هو عندنا مضبوط عن شيوخنا [فى الأم] (٤) بسكون اللام على المصدر، والأصل فيما كان على فعل يَفْعُلُ السكون، قالوا: وقد جاء أحلب حلباً لك شطره بالفتح. قال الفارسىّ: وقد يكون الحلب اسم المحلوب، وقال الفراء: كل ما كان معدّى من الثلاثية فالفعل والفعول [جائزان] (٥) فى مصدره، وأما اسم اللبن فبالفتح [لا غير] (٦)، وليس هذا موضعه. وما فى كتاب مسلم من قول النبى ﵇ فى تفسير حقها إذ سئل عن ذلك: " إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنحها، وحلبها على الماء، وحمل عليها فى سبيل الله " يبين أنه فى غير الزكاة، ويفسّر معنى ألفاظ الحديث، وجاء فى حديث آخر: " لا يؤدى زكاتها " ذكرها كلها مسلم. وقول أبى هريرة: " حق الإبل أن تنحر السمينة وتمنح الغزيرة، ويفقر الظهر، ويطرق الفحل، ويسقى اللبن " (٧) يبين معنى مراد النبى ﷺ بحق الظهر والمنحة، قيل: ولعل هذا كان قبل فرض الزكاة. وقد اختلف السلف فى معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُوم. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٨)، هل المراد به الزكاة وهو قول الجمهور وأنه لا حق فى المال يجب سواها، وما جاء من غير ذلك فعلى سبيل الندب وكرم الأخلاق، وأن الآية خبر عن وصف قومٍ أثنى عليهم لخصالٍ كريمة فيهم فليس يقتضى الوجوب، كما لا يقتضى قوله فيها: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون﴾ (٩). وقال بعضهم: هى منسوخة

стр. 1783

الله، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: " إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِى سَبِيلِ اللهِ. وَلا مِنْ صَاحِبِ مَالٍ لا يُؤَدِّى زَكَاتَهُ إِلا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ــ بالزكاة، وإن كان لفظه خبراً ففى معناه [الأمر] (١)، وذهب جماعة منهم الشعبى والحسن وعطاء وطاووس ومسروق وغيرهم: أنها محكمة، وأن فى المال حقوقاً سوى الزكاة؛ من فك العانى، وإطعام المضطر، والمواساة فى العسرة، وصلة القرابة (٢)، وقال [القاضى إسماعيل] (٣): قد تحدث أمور لا يُجدُّ لها وقت فتجب فيها المواساة للضرورة نحو قولهم. قوله: " ولا صاحب كنز لا يؤدى حقه ": قال الطبرى: الكنز كل شىء مجموع بعضه على بعض، فى بطن الأرض كان أو على ظهرها، زاد صاحبها، زاد صاحب العين وغيره: وكان مخزوناً. وقال ابن دريد: الكنز: كل شىء غمرته بيدك أو رجلك (٤) فى وعاء أو أرض. واختلف السلف فى معنى الكنز المذكور [فى القرآن والحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة] (٥) فلم تؤدَّ زكاته، وما أخرجت زكاته فليس بكنز، وقال آخرون: نسخ ذلك الزكاة، وقيل: المراد بالآية أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك، وقال آخرون: كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وإن أديت زكاته، وقيل: [هو] (٦) ما فضل عن الحاجة، وقيل: لعل هذا كان فى مدة النبى ﷺ وأول الإسلام، وضيق الحال. واتفق أئمة الفتوى على القول الأول وهو الصحيح؛ لأنه جاء فى رواية: " ما من صاحب كنز لا يؤدى زكاته "، وذكر عقابه فقد جاء مفسّرًا، وفى الحديث الآخر: " إذا لم يؤد المرء حق الله أو الصدقة فى إبله " وذكر الحديث، وفى الحديث الآخر: " من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له شجاعاً أقرع " (٧)، [وفى آخره: " فيقول: أنا كنزك " الحديث.

стр. 1784

شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَتْبَعُ صَاحِبَهُ حَيْثُمَا ذَهَبَ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيُقَالُ: هَذَا مَالُكَ الَّذِى كُنْتَ ــ قال الإمام: وقوله: " شجاعاً أقرع] (١) ": الشجاع: الحيّةَ الذكرْ، ومنه قول الشاعر: [الأفْعُوَانَ] (٢) والشجاعَ الشَّجْعَما قال الحيّانى (٣): يقال للحية: شجاع [وشُجاع] (٤)، وثلاثة أشجعة، ثم شجعان. ويَقال للحية أيضاً: أشجع، والأقرع من الحيات: الذى تمعَّط رأسه لكثرة سمّه، ومن الناس الذى لا شعر على رأسه لداءٍ به. قال القاضى: قيل: الشجاع من الحيات التى تواثب الفارس والراجل (٥)، ويقوم (٦) على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس يكون فى الصحارى، وقيل: هو الثعبان، والأقرعُ قيل: الأبيض الرأس من كثرة السم، وقيل: نوع من الحيات أقبحها منظراً. وقوله: " مثل له شجاعاً أقرع ": ظاهره أن الله خلق هذا الشجاع لعذابه، ومعنى " مثل " على هذا: أى أظهر (٧)، ونصب، مثل: " من سَّرُه، أن يمثل (٨) له الرجال قياماً ": أى ينتصبون وقد يكون " مُثِّل " بمعنى: صيِّر، أى صيِّر ماله وخلق على صورة الشجاع، ومنه الحديث: " أشد الناس عذاباً الممثلون " (٩): أى المصورون، ويدل عليه قوله فى الرواية الأخرى: " إلا [تحَّول] (١٠) يوم القيامة "، وفى الأخرى: " إلا جاء [كنزُه] (١١) يوم القيامة شجاعاً "، وقيل: خصّ الشجاع بذلك لشدة عداوة الحيات لبنى آدم، ولما تقدم فى خبر الحية مع آدم ﵇ وزاد فى صفته فى غير مسلم: " له زبيبتان " (١٢) [هما الزيدات] (١٣) فى جانبى فمه من السُّم، ويكون مثلها فى شدقى (١٤) الإنسان عند كثرة

стр. 1785

تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لابُدَّ مِنْهُ، أَدْخَلَ يَدَهُ فِى فِيهِ، فَجَعلَ يَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ ". ــ الكلام، [وقيل: نكتتان على عينه، وما هو بهذه الصفة من الحيات أشد أذى] (١). قال الداودى: وقيل: هما نابان يخرجان من فيه. وقوله: " سلك يده فى فيه ": أى أدخلها، قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر﴾ (٢). وقوله: " فيقضمها قضم الفحل ": أى يأكلها؛ يقال: قضمت الدابة شعيرها بالكسر تقضمه، والقضم بأطراف الأسنان. وأمره ﵇ بإرضاء المصدقين وإن ظلموا، فيه مداراة الأمراء، وترك الخروج عليهم، ومدافعتهم بالتى هى أحسن. وفيه بالجملة المداراة لجميع المسلمين ومرضاتهم (٣) فيما لا يضر بالدين، ومصانعة الرجل بماله ودنياه على صلاح حاله.

стр. 1786

(٧) باب إرضاء السعاة (١) ٢٩ - (٩٨٩) حدّثنا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِىُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يأْتُونَنَا فَيَظْلِمُونَنَا. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ ". قَالَ جَرِيرٌ: مَا صَدَرَ عَنِّى مُصَدِّقٌ، مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِلا وَهُوَ عَنِّى رَاضٍ. (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُليْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى إِسْمَاعِيَل، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1787

(٨) باب تغليظ عقوبة من لا يؤدى الزكاة (١) ٣٠ - (٩٩٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيدٍ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: انْتَهَيَتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِى قَالَ: " هُمُ الأَخْسَرُونَ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ "!. قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِى وَأُمِّى، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: " هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً، إِلا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ - وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلا بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّى زَكَاتَهَا إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ". (...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الأَعْمَشِ، عَنِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ وَكِيعٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَالَّذِى نَفْسِى بيَدِهِ، مَا عَلَى الأَرْضِ رَجُلٌ يَمُوتُ، فَيَدَعُ إِبِلاً أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا، لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا ". ٣١ - (٩٩١) حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِىُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " مَا يَسُرُّنِى أَنَّ لِى أُحُدًا ذَهَبًا، تَأتِى عَلَىَّ ثَالِثَةٌ وعَنْدِى مِنْهُ دِينَارٌ إِلّا أَرْصِدُهُ لِدَيْنٍ عَلَىَّ ". (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1788

(٩) باب الترغيب فى الصدقة (١) ٣٢ - (٩٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى أُحُدٍ. فَقَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ". قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالِ: " مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا ذَاكَ عِنْدِى ذَهَبٌ، أَمْسَى ثَالِثَةً عِنْدِى مِنْهُ دِينَارٌ، إِلا دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ، إِلا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِى عِبَادِ اللهِ، هَكَذَا - حَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ - وَهَكَذَا - عَن يِمِينِهِ - وَهَكَذَا - عَنْ شِمَالِهِ - ". قَالَ: ثُمَّ مَشَيْنَا، فَقَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ ". قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهكَذَا " مِثْلَ مَا صَنَعَ فِى الْمَرَّةِ الأُوَلى. قَالَ: ثُمَّ مَشَيْنَا. قَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ! كَمَا أَنْتَ حَتَّى آتِيَكَ ". قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّى. قَالَ: سَمِعْتُ لَغَطًا وَسَمِعْتُ صَوْتًا. قَالَ: فَقُلْتُ: لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عُرِضَ لَهُ. قَالَ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَّبِعَهُ. قَالَ: ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: " لا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ ". قَالَ: فَانْتَظَرْتُهُ، فَلَمَّا جَاءَ ذَكَرْتُ لَهُ الَّذِى سَمِعْتُ. قَالَ: فَقَالَ: " ذَاكَ جِبْرِيلُ، أَتَانِى فَقَالَ: مِنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِك بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ". قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: " وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ". ٣٣ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ رُفَيْعٍ - عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِى وَحْدَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ. قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِىَ مَعَهُ أَحَدٌ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِى فِى ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِى. فَقَالَ: " مَنْ هَذَا؟ ". فَقُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِى الله فِدَاءَكَ. قَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَهْ ". قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً. فَقَالَ: " إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلا مَنْ أَعْطَاهُ الله خَيْرًا، فنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا ". قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً. فَقَالَ: " اجْلِسْ هَاهُنَا ". ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1789

قَالَ: فَأَجْلَسَنِى فِى قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ. فَقَالَ لِى: " اجْلِسْ هَهُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ ". قَالَ: فَانْطَلَقَ فِى الْحَرَّةِ حَتَّى لا أَرَاهُ، فَلَبثُ عَنِّى، فَأَطَالَ الَّلُبْثَ، ثُمَّ إِنِّى سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ: " وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ". قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ، فَقُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللهِ، جَعَلَنِىَ الله فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِى جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا. قَالَ: " ذَاكَ جِبْرِيلُ، عَرَضَ لِى فِى جَانِبِ الْحَرَّةِ، فَقَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ". ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1790

(١٠) باب فى الكنازين للأموال والتغليظ عليهم ٣٤ - (٩٩٢) وحدَّثنى زهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْجُرَيْرِىِّ، عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَبَيْنَا أَنَا فِى حَلْقَةٍ فِيهَا مَلأٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ. فَقَامَ كَلَيْهِمْ فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُوضِعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْىِ أَحَدِهِمْ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ، حتى يَخْرُجَ مِنْ ــ وقوله فى حديث الأحنف عن أبى ذر: " إذ جاء رجل أخشن الثياب [أخشن الجسد] (١) أخشن الوجه ": [كذا لهم] (٢) بالخاء والشين المعجمتين من الخشونة، إلا عند ابن الحذاء فى الآخر: " حسن الوجه " من الحسن، وقد رواه القابسى فى البخارى: " حسن الشعر والثياب والهيئة " من الحسن، ولغيره [خشن] (٣) من الخشونة وهو أصوب (٤). وقوله: " فقام عليهم ": أى وقف [عليهم] (٥). وقوله: " [على] (٦) حلقة فيها ملأ من قريش ": أى جماعة أو أشراف، والملأ مقصور مهموز، والجماعة والملأ - أيضاً - الأشراف. وقوله: " بشر الكانزين برضف [يحمى عليه فى نار جهنم] (٧)، فيوضع على حلمة ثدى أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه "، ويروى: " الكنازين " بالنون فيهما، ووقع عند الهروى (٨): " الكاثرين " بالثاء المثلثة، وأراه تغييراً، إذ إنما يقال للكثير المال: مكثر، وأما الكاثر فبمعنى الكثير، يقال: هو كثير وكاثر وكثار، ومنه قوله: " فإنما العزة للكاثر ": أى للعدد [الكثير] (٩). والرضف: الحجارة [المحماة] (١٠).
следующие страницы →