(١٠) باب فى الكنازين للأموال والتغليظ عليهم
٣٤ - (٩٩٢) وحدَّثنى زهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْجُرَيْرِىِّ، عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَبَيْنَا أَنَا فِى حَلْقَةٍ فِيهَا مَلأٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ. فَقَامَ كَلَيْهِمْ فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُوضِعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْىِ أَحَدِهِمْ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ، حتى يَخْرُجَ مِنْ
ــ
وقوله فى حديث الأحنف عن أبى ذر: " إذ جاء رجل أخشن الثياب [أخشن الجسد] (١) أخشن الوجه ": [كذا لهم] (٢) بالخاء والشين المعجمتين من الخشونة، إلا عند ابن الحذاء فى الآخر: " حسن الوجه " من الحسن، وقد رواه القابسى فى البخارى: " حسن الشعر والثياب والهيئة " من الحسن، ولغيره [خشن] (٣) من الخشونة وهو أصوب (٤).
وقوله: " فقام عليهم ": أى وقف [عليهم] (٥).
وقوله: " [على] (٦) حلقة فيها ملأ من قريش ": أى جماعة أو أشراف، والملأ مقصور مهموز، والجماعة والملأ - أيضاً - الأشراف.
وقوله: " بشر الكانزين برضف [يحمى عليه فى نار جهنم] (٧)، فيوضع على حلمة ثدى أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه "، ويروى: " الكنازين " بالنون فيهما، ووقع عند الهروى (٨): " الكاثرين " بالثاء المثلثة، وأراه تغييراً، إذ إنما يقال للكثير المال: مكثر، وأما الكاثر فبمعنى الكثير، يقال: هو كثير وكاثر وكثار، ومنه قوله: " فإنما العزة للكاثر ": أى للعدد [الكثير] (٩). والرضف: الحجارة [المحماة] (١٠).
стр. 1791
حَلمَةِ ثَدْيَيْهِ يَتَزَلْزَلُ. قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُؤُوسَهُمْ. فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا. قَالَ: فَأَدْبَرَ، وَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَة. فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاء إِلا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ. قَالَ: إِنُّ هَؤُلاءِ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، إِنَّ خَلِيلِى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ دَعَانِى فَأَجَبْتُهُ. فَقَالَ: " أَتَرَى أُحُدًا؟ " فَنَظَرْتُ مَا عَلَىَّ مِنَ الشَّمْسِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَبْعَثُنِى فِى حَاجَةٍ لَهُ. فَقُلْتُ: أَرَاهُ. فَقَالَ: " مَا يَسُرُّنِى أَنَّ لِى مِثْلَهُ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ " ثُمَّ هَؤُلاءِ يَجْمَعُونَ
ــ
وقوله: " يتزلزل ": بزايين معجمتين، أى يتحرك، قيل: من نضج ذلك، كأنه ذهب إلى أن ما نضج من لحمه تهّرأ، والصواب: أن الحركة والتزلزل المذكور للرضف، أى أنه يتحرك ويتزيل من نُغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه، كما جاء فى الحديث، وحلمة الثدى رأسه بفتح اللام. ونغض الكتف بضم النون.
قال الإمام: هو العظم الرقيق الذى على طرفها [وهو] (١) الناغض فرع الكتف، قيل له: ناغض؛ لتحركه، ومنه قيل للظليم: ناغض؛ لحركته رأسه إذا عدا.
قال القاضى: قال المهلب: فى هذا الحديث وجوب إخراج الزكاة عند محلها والتحذير من تأخيرها، وتأول أن قوله فى الحديث: " أترى أحداً؟ فنظرت ما علىّ من الشمس ": أنه تمثيل لتعجيل الزكاة يريد ما أحبّ أن أحبس ما أوجب الله علىّ بقدر ما بقى من النهار.
قال القاضى: وهذا بعيد فى التأويل؛ لأن معنى ذلك فى الحديث مبين؛ لأن النبى ﷺ إنما قال له: " أترى أُحُدًا؟ " قال: فنظرت ما علىّ من الشمس. فى غير مسلم: " ما بقى من النهار وأنا أظن أنه يبعثنى فى حاجة، فقلت: أراه قال: " ما يسرنى أن لى مثله ذهباً "، فقد بين أن النبى ﷺ إنما أراد أن ينبهه على عظم جبل أحد، ووقع له هو قبل بيان النبى ﷺ له، أنه أراد أن ينظر الشمس عليه ليعلم ما بقى من النهار لتوجهه فى حاجة، ولم يكن ذلك مذهب النبى ﵇ بل بين له مراده فى معرفة عظم الجبل، وأنه لا يسره أن يكون له مثله ذهبًا ينفقه كله إلا ثلاثة دراهم، وفى حديث آخر: " إلا ديناراً أرصده لدينى "، ومعنى " أرصده ": أى أعدّه وأترقب به أداء دينى. وقد يحتج بهذا الحديث من يقول بتفضيل الفقر على الغنى، وكان مذهب أبى ذر أن الكنز كل مال (٢) فضل عن حاجة الإنسان، وهو ظاهر احتجاجه [بهذا الحديث] (٣)، وعنه
стр. 1792
الدُّنْيَا، لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا. قَالَ: قُلْتُ: مَالَكَ وَلإِخْوَتِكَ مِنْ قُرَيْشٍ، لا تَعْتَرِيهِم وَتُصِيبُ مِنْهُمْ. قَالَ: لَا، وَربِّكَ، لا أَسْأَلُهُمْ عَنْ دُنْيَا، وَلا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ، حَتَّى أَلْحَقَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ.
ــ
خلافه؛ والصحيح عنه أن إنكاره على هؤلاء اكتنازهم، ما أخذه السلاطين لأنفسهم من بيت المال، ولم ينفقوه فى وجوهه.
وقوله: " فإذا رسول الله ﷺ يمشى وحده، فظننت أنه يكره أن يمشى معه أحد، فجعلت أمشى فى ظل القمر ": فيه حسن الأدب مع الكبراء، وفيه أن الإنسان إذا كان منفرداً لا يجب أن يتصور عليه ويلازم أو يجلس معه إلا بإذنه، ما لم يكن فى موضع المجامع والمساجد والأسواق وشبهها.
وقوله: " وإن زنا وإن سرق ": تقدم الكلام عليه أول الكتاب. وفيه ما كان عليه أبو ذرٍ من القوة والشدة فى الأمر بالمعروف.
وقوله: " فلم أتَقَارَّ أن قمت ": أى لم يمكنى القرار والثبات.
وقوله: " فنفح به ": أى أعطى، وأصله الرمى بالشىء.
وقوله: " لعل رسول الله ﷺ عُرِضَ له ": أى لقيه أحدٌ من عِداه، يقال: من عَرَضَ لى كذا وعُرِضَ معا إذا بدا، وأنكر بعضهم الكسر إلا فى عَرِضتُ القولَ وحدها، [وقال] (١) أبو زيد الوجهين [فى القول أيضاً، وحكى الفراء الوجهين] (٢) فى الجميع (٣)، وفى حديث أبى ذر من الفقه جواز أخذ الدين للضرورة والحاجة إليه، وقد نص الله على إباحة ذلك، وجواز قول الرجل للآخر فدتك نفسى، وفداك أبى وأمى، وجعلنى الله فداك. خلافاً لمن كره ذلك، وقال: لا يُفدَّى بمسلم، وجواز الجواب بلبيك وسعديك.
وقوله: " مالك لا تعتريهم، وتصيبُ منهم ": أى تأتيهم تطلب منهم مما فى أيديهم، يقال: عروته واعتريته واعتروته [واعتررته] (٤) أى أتيته تطلب إليه حاجة.
وقوله: " لا أسألهم عن دنيا ": كذا فى الأم، ووجهه: لا أسألهم دنيا، وكذا
(١١) باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف
٣٦ - (٩٩٣) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " قَالَ الله ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ". وَقَال: " يَمِينُ الله مَلآى - وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلآنُ - سَحَّاءُ، لا يَغِيضُها شَىْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ".
٣٧ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ، عَنْ هَمَّامٍ بْن مُنَبِّهٍ، أَخِى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ
ــ
وقوله: " يمين الله ملآى "، وفى الرواية الأخرى: " ملآن سحاء [لا يغيضها شىء] (١) الليل والنهار ": كذا ضبطناه على القاضى أبى على [وغيره] (٢) بالمد على الوصف، وعند أبى بحر " سحا " على المصدر، وانتصب الليل والنهار على الظرف. والسح: الصب الدائم. ولا يقال فى المذكر فيه: أفعل، ومثله ديمةٌ هطلاء، لا يقال فى مذكره: أهطل، ووقع عند الطبرى فى حديث عبد الرزاق " [و] (٣) لا يغيضها سح الليل والنهار " بالإضافة. ورفعه على الفاعل، وعند الآخرين فيه أيضاً كما تقدم. واليمين مؤنثة، ووصفها بملآى هو الصواب، وغيره خطأ. ورواه بعضهم: " مل " مثل دعا، قيل: يصح هذا على نقل الهمزة.
وقوله: " لا يغيضها شىء ": أى لا ينقضها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (٤): أى ما تنقص، يقال: غاض الماء وغيض، وغاضَهُ الله لازم ومُتَعدٍ.
قال الإمام: كذا مما يتأول؛ لأن اليمين [التى هى حاجة] (٥) إنما كانت بنسبتها (٦) إلى الشمال، فلا يوصف بها تعالى؛ لأنها تتضمن إثبات شمال. وهدا يؤدى إلى التحديد [ويتقدس] (٧) البارى تعالى عن أن يكون جسماً محدوداً، وإنما خاطبهم رسول الله ﷺ بما يفهمونه، إذ أراد الإخبار عن [أن] (٨) البارى لا ينقصه الإنفاق، ولا يمسك خشية الإملاق، [و] (٩) جلت قدرته وعظمت عن ذلك. وعبر ﵇ عن
стр. 1795
الله ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيث مِنْهَا. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ الله قَالَ لِى: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ "، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَمِينُ الله مَلآى، لا يَغيضُهَا سَحَّاء اللَّيْل وَالنَّهَار، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِى يَمِينِهِ ". قَالَ: " وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ ".
ــ
قدرة الله سبحانه على توالى النعم: بسح اليمين، إذ الباذل منّا والمنفق يفعل ذلك بيمينه وقد قال ﷺ : " وكلتا يديه يمين " فأشار ﵇ إلى أنهما ليستا بجارحتين (*)؛ إذ اليدان الجارحتان يمينٌ وشمالٌ، ويحتمل أن يريد ﵇ بذلك أن (١) قدرة الله سبحانه على الأشياء على وجه واحدٍ، لا تختلف بالضعف والقوة، [وأن المقدورات تقع بها على نسبةٍ واحدة لا تتفاوت، ولا تختلف فى الضعف والقوة] (٢)، كما يختلف ما يفعله الإنسان منا بيمينه وشماله، تعالى اللهُ عن صفات المخلوقين ومشابهة المحدثين.
وأما قوله ﷺ : " وبيده الأخرى القبض والبسط ": فكأنه أفهم [أنه] (٣) تعالى وإن كانت قدرته واحدة فإنه يفعل بها المختلفات، ولما كان ذلك فينا لا يتمكن إلا بيدين، عبّر عن قدرته على التَّصرف فى ذلك بذكر اليدين ليفهمهم المعنى المراد بما اعتادوه من الخطاب، على سبيل المجاز.
قال القاضى: لم يُرو فى هذا الحديث فى كتاب مسلم لفظة " البسطِ " وليس فيه إلا قوله: " القبض، يخفض ويرفع ": كذا لأكثرهم، وعند الفارسى فيما حدثنا عنه الخُشنى والأسدى بطريقهما " الفيض " بالفاء والياء باثنتين [من] (٤) تحتها، والأشهر والمعروف الأول، وقد ذكره البخارى (٥) فى بعض رواياته على الشك " القبضُ أو الفيض " ومعنى " الفيض " بالفاء إن صحت روايتهُ والله أعلم بالإحسان (٦) والعطاء والرزق الوَاسع، وقد يكون بمعنى: " القبض " الذى فى الرواية الأخرى، أى الموت. قال البكراوى: الفيض: الموت.
قال القاضى: قيسٌ يقولون: فاضت نفسه، بالضاد، إذا مات. وطىٌّ تقول:
стр. 1796
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فاظت نفسه، بالظاء، وقيل [متى] (١) ذكرت النفس فبالضاد، وإذا لم تذكر فبالظاء. وفى حديث الدّجال: " ثم تكون أثر ذلك الفيض قبل الموت "، وجاء فى رواية أخرى (٢): " وبيده الميزان، يخفض ويرفع ": فقد تكون عبارة عن الرزق [ومقاديره] (٣)، وقد تكون عبارة عن جملة المقادير. ومعنى: " يخفضُ ويرفعُ ": قيل: هى عبارة عن تقدير الرزق أى يقره على من شاء، يُوسّعِه على من يشاء، وقد يكون الخفض والرفع عبارة عن تصرف المقادير بالخلق بالعزة والذل، كما قال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾ (٤)، وقد يكون القبض [والبسط] (٥) المذكوران من معنى ما تقدم من [تقتير] (٦) الرزق وسعته، أو قبض الأرواح للموت وبسطها فى الأجساد بالحياة، أو قبض القلوب ومضيّقُها وموحشه على الهداية أو بالخوف والهيبة، وبسُطها بتأنيسها وشرحها للهداية والإيمان، أو بالرجاء والأنس. وقد قيل: معانى هذه جاءت (٧) فى تفسير اسميه (٨) تعالى القابض [و] (٩) الباسط المذكورين فى الحديث.
стр. 1797
(١٢) باب فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم
٣٨ - (٩٩٤) حدّثنا أَبَو الرَّبِيعِ الرَّهْرَانِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ. قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَدِيَنارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِى سَبِيلِ اللهِ ".
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَأَىُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعفّهُمْ، أَوْ ينَفَعُهُمُ الله بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ.
٣٩ - (٩٩٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْبٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن سُفْيَانَ، عَنْ مُزَاحِمِ بْنِ زُفَرَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِى رَقَبَةٍ، وَدينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِى أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ ".
ــ
وذكر مسلم أحاديث أفضل النفقات، وذكر فيها تقديم النفقة على العيال؛ لأن منهم من تجب عليه نفقته فكان آكد من التطوع، ومنهم من تظاهرت صلته لقرابته وضعفه، ومنهم من تعينت [عليه] (١) لضّمه له، ولكونه فى جملته، فكان حقه عليه أوجب من غيره، وقوله [الآخر] (٢): " أعظمها أجراً الذى أنفقت على أهلك " وقد ذكر النفقة فى سبيل الله والعتق والصدقة يؤكد ذلك، وكذلك قوله فى الحديث [الآخر] (٣): " كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته "، يؤكد أنه فى الواجب؛ لأن الإثم إنما يتعلق بتركه.
стр. 1798
٤٠ - (٩٩٦) حدثنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَبْجَرَ الْكِنَانِىُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ خَيْثَمَة؛ قَالَ: كُنَّا جُلُوَسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ، فَدَخَلَ. فَقَال: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ، عَمَنْ يَمْلِكُ، قُوتَهُ ".
ــ
وفى سند هذا الحديث: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة [وزهير بن حرب وأبو كريب، واللفظ لأبى كريب، قالوا: ثنا وكيعٌ عن سفيان. وسقط عند] (١) العذرى من رواية الصدفى قوله: وأبو كريب، واللفظ لأبى كريب.
стр. 1799
(١٣) باب الابتداء فى النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابة
٤١ - (٩٩٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ " فَقَالَ: لا. فَقَالَ: " مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّى؟ "، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِىُّ بِثَمَانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُول الله ﷺ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: " ابْدَأ بَنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شىْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَىْءٌ فَلِذِى قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِى قَرَابَتِكَ شَىْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا " يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ.
ــ
قال الإمام فى الحديث الذى فيه بيع النبى ﷺ للمدبر: يحتج به الشافعى، وتأوله أصحابنا على أن النبى ﷺ إنما باعه عليه فى الدّين، والذى فى كتاب مسلم تقوية للشافعى؛ لأنه ذكر فيه أنه ﷺ قال له: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شىءٌ فلأهْلك "، ولو كان بيعٌ للدَّين لقضى الثمن للغرماء ولم يأمره أن يفعل فيه ما ذكره، والشافعى أحل المدبر فى البيع محل الموصى بعتقه، وأصح ما فرق به أصحابنا بينهما: أن ذلك مبنىٌ (١) على المقاصد. والتدبير عندهم علامة على أنه قَصَدَ ألا يرجع فى هذا الفعل ولا يحله، وليس كذلك الوصيَّة، ولو صرّح فى الوصيّة بأنه لا يرجع فيها لشابهَتْ التدبر.
قال القاضى: ينفصل عن الشافعى فيما وُجِّه. له من قوله: " ابدأ بنفسك " أى بحقوق نفسك، والدين من أحد (٢) الحقوق على النفس وأوجبها فى الدنيا والآخرة، وليس فى دفعه إليه دون الغرماء ما يقتضى أخذه [له] (٣) لنفسه ليأكله، بل ليؤدّيَه إلى غرمائه ويقضيهم حقوقهم وإنما يكون ذلك للإمام، ولا يمكّن الديان من ماله إذا تم تفليسه وحجب عن ماله، وليس فى هذا الحديث ما يدل أن الرجل كان بهذه الصفة، ولعل ثمن الغلام بقدر الدين، فلا يكون مفلسًا.
وفى قوله: " فإن فضل شىء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك فلِذى قرابتك ": حجة
стр. 1800
(...) وحدَّثنى يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ - يُقَالُ لَهُ أَبُو مَذْكُورٍ - أَعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ. يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ.
ــ
فى ترتيب الحقوق وتقديم الآكد فالآكد، وأن الواجبات تتأكد فى نفسها لأن حق (١) النفس واجب (٢)، وحق الأهل ومن تلزمه النفقة واجب، لكنه يقدم حق النفس عليها، وأنه من لا مال له إلا قوته لم (٣) يلزم إعطاؤه للزوجة والولد ولا مشاركتهما فيه، إلا فيما فضل عن حاجته.
стр. 1801
(١٤) باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين، ولو كانوا مشركين
٤٢ - (٩٩٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَر أَنْصَارِىٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالاً، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ.
قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّ اللهَ يَقُولُ فِى كِتَابِهِ: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بَيْرحَى، وَإنَّهَا صَدَقَةٌ لِلّهِ، أرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ
ــ
وقوله فى حديث أبى طلحة، وصدقته بماله بيرحى: رويناه عن شيوخنا بفتح الراء وضمها مع كسر الباء، ورويناه أيضاً بفتح الراء والباء، [قال الباجى: قرأت هذه اللفظة على أبى ذرٍ الهروى بنصب الراء] (٢) على كل حال. عليه أدركتُ أهل العلم والحفظ بالمشرق، وقال لى الصورى: بيرحا، بنصب الباء. واتفقوا (٣) على أن من رفع الراء وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ، قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس. وهذا الموضع يعرف بقصر بنى جُديلة قبلى المسجد.
وذكر مسلم رواية حمادِ بن سلمةَ فى هذا الحرف: " بَرِيحا " بكسر الراء وفتح الباء، كذا سمعناه من أبى بحر عن العذرى والسمرقندى، وكان عند [ابن سعيد] (٤) عن السجزى من رواية حماد: " بِيرَحا " بكسر الباء وفتح الراء، وضبطه الحميدى من رواية حماد: " بيرحا " بفتح الباء والراء، ووقع فى كتاب أبى داود: " جعلتُ بأريحاء " (٥) وأكثر روايتهم فى هذا الحرف القصر، ورويناه عن بعض شيوخنا بالوجهين، وبالمدّ وجدته بخط الأصيلى، وهو حائِط يسمّى بهذا الاسم، وليست اسم بئر، والحديث يدل عليه.
стр. 1802
الله. فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ، حَيْثُ شِئْتَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَإِنِّى أرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِى الأَقْرَبِينَ "، فَقسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فىِ أَقَارِبِهِ وَبَنِى عَمِّهِ.
ــ
وقوله: " بَخ ذلك مال رابح ": يقال: بخ بالإسكان وبالتحريك والكسر وبالتنوين مع الكسر، وقد ذكر الأحمر التشديد فيه، وقد روى بالرفع، قال بعضهم: فإذا كررت فالاختيار فيه التحريك والتنوين [مع الكسر] (١) فى الأول والتسكين فى الثانى.
[قال الإمام] (٢) قال أبو بكر: معناه: تعظيم الأمر وتفخيمه، وسُكنت الخاء فيه كما سكنت اللام فى " هل " و " بل "، ومن قال: " بخٍ " بالخفض والتنوين شبهه بالأصوات بـ " صِهٍ " وَ " مهٍ ". قال ابن السكيت: " بخٍ بخٍ " و " بَهْ بَهْ " بمعنى واحد، ومن رواه: " رابح " بالباء فمعناه: ذو ربح، كما يقال: [رجل] (٣) لابن وتامر، أى ذو لبن وتمر، كما قال النابغة:
كِلينى لهم يا أميمة ناصب
أى ذو نصب، ومن رواه: " رايح " بالياء فمعناه: قريب العائدة. قال القاضى: يعنى غير بعيد، وروايتنا فى كتاب مسلم بالباء بواحدة. واختلفت الرواة فيه عن مالك فى البخارى والموطأ وغيرهما (٤)، قال ابن دينار فى رايح (٥): يروح أجره عليه فى الآخرة، وقال غيره: [يروح] (٦) عليه كلما أثمرت الثمار، وقال الداودى: " بخٍ " كلمة تقال إذا حمد الفعل، وقال غيره: كلمة تقال عند الإعجاب. وفى هذا [الحديث] (٧) تبسيط لرجل فى مال صاحبه ومن يعلم مسرّته به كما ذكر من دخول النبى ﷺ حائطه هذا وشربه من طيّب مائه، وفيه جواز استعذاب الماء، وفيه أن شرب الماء المملوك من الآبار المعينة التى لا يضربها لا تحتاج إلى إذن، وفيه أن الصدقة المطلقة أو الحبس المطلق جائزٌ، وحقه أن يصرفَ فى جميع وجوهِ البرِّ، وأن الصدَقَةَ علَى الأقاربِ وأُولى الأرحامِ أفضلُ من الأباعدِ لقوله: " فاجعلها فى الأقربين ". وقد روى هذا عن مالك، وجماعة من [الأئمة] (٨) والسلف، وذلك إذا كانوا فقراء. وقد جاء فى بعض طرق البخارى: " اجعلها فى بعض فقراء قرابتك " (٩)، وسنزيده بعد بياناً فى حديث زينب.
стр. 1803
٤٣ - (...) حدّثنى مُحَمدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَس، قَالَ: لَمَّا نزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أُرَى رَبَّنَا يَسْألُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فأُشْهِدُكَ، يَا رَسُولَ اللهِ، أنِّى قَدْ جَعَلْتُ أرْضِى بَرِيحَا للهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اجْعَلْهَا فِى قَرَابَتِكَ " قَالَ: فَجَعَلَهَا فِى حَسَّانَ ابْنِ ثَابِتٍ وَأبَىِّ بن كَعْبٍ.
٤٤ - (٩٩٩) حدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرو،
ــ
وقيل: فيه دليل على أن من حبس على مُعين، فمات ولم يذكر لها مرجعًا أنها ترجع إلى أقرب الناس بالمحبس، لصرف النبى ﷺ هذه الأرض لما لم تكن لمعين، وإنما كانت لله للأقربين من المحبس؛ ولهذا يتوخى فى الحبس إذا لم يكن له مرجع الأقرب فالأقرب.
قال القاضى: وما قاله هذا فيه نظر؛ لأن أبا طلحة لم يقل: [إنها] (١) حبس ولا مرجوعة وإنما جعلها لله، فقد كان يصح بيعها فى السّبيل، أو تمليكها لمن يستحقها، وهو ظاهر قسمته لها بين أقاربه، وقد يحتمل أن تكون قِسْمةَ غلّةٍ، وتحبيس أصْل ووقف، وقد روى أنها بقيت وقفًا بأيدى بنى عمّه، وبه احتج غير واحدٍ على جواز تحبيس الأصول، خلافًا للكوفيين، وسنذكره فى موضعه، وفيه أن الأقربَ فألأقربَ أولى بالمعروف والصدقة لقول أنس فى كتاب البخارى: " فجعلها لحسّان وأبىّ، وكانا أقرب إليه منى " (٢).
وفيه أن القرابة وبنى العمومة تُراعى، وإن بَعُد اجتماعِهم فى النسب، إذ بَيْن أبى طلحة وبين حسّانَ وأبىّ آباء كثيرة، وإنما يجتمعان مع أبى طلحة فى عَمرو بن مالك بن النجار، وهو السابع من آبائهم.
وفيه صِحة التفويض فى الوكالة لقوله: " ضعه حيث شئت يا رسول الله "، وجواز قبول الوكيل ذلك وردّه لقوله ﵇: " اجعلها فى الأقربين " فقسمها أبو طلحة. وإن كان إسماعيل القاضى قد رواه: " فقسمها رسول الله ﷺ "، وقد يجمع بين الروايتين: لما كان ذلك عن رأيه وأمره أضيف إليه. وفيه ما كان الصحابةُ عليه من المبادرة للخير، والحرص على امتثال أوامر الله وترغيبه فى البر، وفيه استعمالهم العموم، وفهمهم ذلك من الشرع، وتأويلهم كل محبوب فى قوله: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣) قيل: وفيه جواز قسمة المالِ بين الشركاءِ، وجوازُ إعطاءِ المالِ الكثير من الصدقةِ للواحدِ من الناس وفى صنف واحد من أهل الصدقة.
стр. 1804
عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ؛ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِى زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " لَوْ أعْطَيْتِهَا أخْوَالَكِ، كَانَ أعْظَمَ لأجْرِكِ ".
٤٥ - (١٠٠٠) حدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَصَدَّقْنَ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلْيِكُنَّ " قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ فَقُلْتُ:
ــ
وقوله لمَيمُونَة لما أعْتَقتَ [وَليدةً لها] (١): " لو أعطيتها أخْوالَكِ كان أعظمَ لأجرِكِ "، قال الإمام: إن لم يكن لها قرابةٌ إلا من جهة (٢) الأم، فإن الوجه تخصيص الأخوال، وإن كان لها قرابة من الجهتين فيحتمل أنه خصَّ قرابةَ الأم بذلك ورآهم أولى؛ لأن الأم لما كانت أولى بالبرّ كان قرابتها أولى بالصدقة.
قال القاضى: يحتَملُ أنه خَصَّ قرابةَ الأمِ بذلِكَ لأنهم كَانُوا أحوج، وفيه أن صلة الرّحِم أفضل من العتق، وقد قال مالك: الصدقة عَلى الأقارب أفضل من عتق الرقاب، وهكذا جاءت هذه اللفظة فى كتاب مسلم: " أخوالك " باللام من غير خلاف، ووقع فيها فى البخارى من رواية الأصيلى: " أخواتك " بالتاء، ولعله الأصح (٣) بدليل رواية مالك فى الموطأ: " أعطيها لأختك، وصليها بها ترعى عليها فهو خير لك " (٤).
وقوله للنساء: " تصدقن ولو من حليكن "، قال الإمام: هذا جعله المخالف حجة على إثباث الزكاة فى الحلىّ على أى وجه كان ملكه، وعندنا أن الحلىّ للباس لا زكاة فيه، وأن المتخذ للبيع فيه الزكاة. واختلف عندنا فيما اتخذه النساء من الحلىّ للكراء، هل فيه الزكاة أم لا؟ وسبب الخلاف أنه فرع بين هذين الأصلين، فمن شبهه بحلىّ اللباس من جهة أنه لم يكتسب لتباع عينه، لم يوجب فيه الزكاة. ومن شبهه بحلىّ التجارة من جهة (٥) أنه تجتنى منه منفعة، أوجب فيه الزكاة. فأما المخالف فقد قال: قوله ﷺ : " ولو من حليّكن ": فيه دَليل على إثبات الزكاة على الإطلاق، ويصح، لنا الانفصال [عن ذلك] (٦) بوجهين: أحدهما: أنه لم يصرح بأن الصدقة [هى] (٧) ها هنا على الزكاة المفروضة فى
стр. 1805
إنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأتِهِ فَاسْأَلْهُ، فإنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِى عَنِّى وَإِلا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ. قَالَتْ: فَقَالَ لِى عَبْدُ اللهِ: بَلِ ائْتِيهِ أنْتِ. قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ. فَإِذَا امْرَأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَاجَتِى حَاجَتُهَا. قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ ألْقِيتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ. قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأخْبِرْهُ أَنَّ امْرأتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْألانِكَ: أَتَجْزِى الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا، عَلَى أزْوَاجِهِمَا، وَعَلى أيْتَامٍ فىِ حُجُورِهمَا؟ وَلا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلالٌ عَلَى
ــ
الأموال، فيحتمل أن يكون أراد صدقة التطوع أو الواجبة على غير جهة الزكاة للمواساة وشبه ذلك. والوجه الثانى: أن قوله: " ولو من حليكن " ربما كان الأظهر فيه نفى الزكاةِ عن الحلىّ وأن حكمهُ بخلاف حكم غيره؛ لأنه لا يقال فيما تجب فيه الزكاةُ: زَكِّ ولو من كذا، وإنما يقال: زَكِّ ولو من كذا فيما لا تجب فيه الزكاة (١) ليكون فى ذلك مبالغة، كما يقول القائل: افعل كذا وإن كان لا يلزمك على سبيل الحث له على الفعل، وأما إباحته فيه إعطاء الصدقة لزوجها، فيحتج به لأحد القولين عندنا فى إعطاء المرأة زوجها زكاتها إذا كان فقيرًا، ولكن إنما يصح الاحتجاج به إذا علم أن [تلك] (٢) الصدقة التى استأذنت فيها زكاة، وهو لَعمرى الأظهر فى لفظ الحديث؛ لأنها سألت: " هل تجزى؟ " وهذا اللفظ إنما يستعمل فى الواجب غالبًا.
قال القاضى: ظاهر الحديث بنفسه أنها صدقة التطوع، وليست بأظهر أنها فى الفرض ولا يظاهر فى ذلك؛ لأن الأحاديث التى فيها أمر النبى ﷺ بالصدقة ووعظ النساء فيها والرّجال إنما هى فى غير الفرض لا سيّما مع قوله: " تصدقن ولو من حليكن "، ومثل هذا لا يستعمل فى الواجبات كما ذكر، ويعضده ما وقع فى غير هذه الأحاديث التى ذكرها مسلم، وفيه: " إن رايطة امرأة عبد الله بن مسعود، وكانت امرأة صَنَعًا (٣) وأنها أتت النبى ﵇ فقالت: يا رسول الله، إنى امرأة ذات صنعة أبيع منها، وليس لزوجى ولا لولدى شىء، فهل فيهم من أجر؟ " وقد ذكر ابن عبد البر: رايطة بنت عبد الله الثقفية زوج عبد الله بن مسعود [فى حرف الراء، وذكر زينب بنت عبد الله الثقفية فى حرف الزاى وقال: حديثهما واحد، فيشبه أن لها اسمين. قال الطحاوى: ورايطة هذه هى زينب ولا نعلم لابن مسعود] (٤) امرأة غيرها، فقد أخبر أن ما يتصدق به
стр. 1806
رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ هُمَا " فَقَالَ: امْرَأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أىُّ الزَّيَانِبِ؟ " قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَهُمَا أجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأجْرُ الصَّدَقَةِ ".
٤٦ - (...) حدّثنى أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأزْدِىُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. حَدَّثَنِى شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ
ــ
إنما هو من صنعة يدها، يدل أنه فى التطوع، وفى حديث آخر: أن النبى ﷺ أمرهن بالصدقة وقال: " إنى رأيتكن أكثر أهل النار " وأن امرأة ابن مسعود [أخذت] (١) حليها لتتصدق به [وقالت: لعل الله لا يجعلنى من أهل النار، فكلمها فى ذلك ابن مسعود لتتصدق به] (٢) على ولده، فأتت النبى ﷺ [فسألته] (٣)، فقال: " تصدقى عليه وعليهم " (٤)، فهذا من صدقتها لتنجو من النار.
ومجيؤها بجميعه يدل أنه فى التطوع وليس فى قوله: " أنجزى " ما يدل على أنه الفرض، ويجرى معنى تنوب عن الصدقة على الأجانب كما قال: ﴿لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ (٥)، أى لا ينوب. وقد أجمع العلماء أن الرجل لا يعطى زوجته من الزكاة، وممن قال بالصدقة فى الحلىّ: عمر وابن مسعود فى جماعة من الصحابة، وابن المسيب وابن سيرين والزهرى وجماعة من التابعين (٦)، وقاله الكوفيون. وممن قال: لا زكاة فيه: ابن عمر (٧) على اختلاف عنه، وجابر وعائشة وغيرهم من الصحابة والتابعين، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وأظهر قولى الشافعى (٨).
واختلفوا فى المرأة هل تعطى زوجها فأجازه الشافعى وأبو يوسف وابن الحسن وأبو ثور وابن (٩) عبيد وأشهب من أصحابنا، إذا لم يصرفها إليها فيما يلزمه لها، ولم يجزه مالك وأبو حنيفة (١٠). واختلف فيه على أحمد، وأجمعوا على أنه لا يدفعها إلى والدته وولده فى حال يلزمه الإنفاق عليهم، واختلفوا فى دفعها إلى المحتاجين من القرابات،
стр. 1807
عَبْدِ اللهِ. قَالَ: فَذَكَرْتُ لإِبْرَاهِيمَ. فَحَدَّثَنِى عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ، بِمِثْلِهِ، سَوَاءً. قَالَ: قَالَتْ: كُنْتُ فِى الْمَسْجِدَ. فَرَآنِى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: " تَصَدَّقْنَ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ ". وَسَاقَ الْحَدِيثَ. بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِى الأَحْوَصِ.
٤٧ - (١٠٠١) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ لِى أَجْرٌ فىِ بَنِى أَبِى سَلَمَةَ؟ أنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَلَسْتُ بتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا، إنَّمَا هُمْ بَنِىَّ. فَقَالَ: " نَعَمْ، لَكِ فِيهِمْ أجْرُ مَا أنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ ".
(...) وحدَّثنى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ.
٤٨ - (١٠٠٢) حدّثنا عُبَيْدِ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِىٍّ - وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ
ــ
واختلف فى ذلك قول مالك وأصحابه بالجواز والكراهة، وأصل الكراهة فى ذلك لئلا يكون سببًا لقطع صلات أرحامهم من غيرها (١)، وضياع من عداهم بميل النفس إلى الأقارب دونهم.
قال أبو عبيد: أراهم [أولاد ابن مسعود] (٢) من غيرها، لإجماعهم أن المرأة لا تعطى صدقتها بنيها، وما قاله (٣) أبو عبيد من ذلك يعضده فى الكتاب: " عنها وعن صاحبها وعلى أيتام فى حجورهما "، لكن فى البخارى فى خبرهما - أيضًا - قولها: " زعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال: " صدق زوجك وولدك أحق " (٤).
وأما دعواه الإجماع فمالك وجمهور العلماء يقولون: إن أعطى صدقته من لا تلزمه نفقته من القرابة أجزى (٥)، والأم عندهم لا تلزمها نفقة بنيها.
وقولها لبلال: " ولا تخبره من نحن " (٦)، ثم أخبر بهما بلال النبى ﷺ حين سأله،
стр. 1808
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ: " إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً، وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا، كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً ". (...) وحدّثناهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافع، كِلاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ.
٤٩ - (١٠٠٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ. قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّى قَدِمَتْ عَلىَّ، وَهِىَ رَاغِبَةٌ - أَوْ رَاهِبَةٌ - أَفَأصِلُهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ".
٥٠ - (...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّى، وَهِىَ مُشْرِكَةٌ فِى عَهْدِ قُرَيْشٍ إذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّى وَهِىَ رَاغِبَةٌ، أفَأصِلُ أُمِّى؟ قَالَ: " نَعَمْ، صِلِى أمَّكِ ".
ــ
ليس فيه إباحة كشف أمانة السرّ، إمّا لأن بلالاً فهم من القصة أن ذلك ليس على إلزام الكتم، وكان معناه: ما عليك ألا تعلمه بنا إذ لا ضرورة إلى ذلك، أو لأن النبى ﵇ لما سأله لزمته إجابته، وكان فرضًا عليه إعلامه بذلك، مع أنه لا مضرّة عليهما فى ذلك.
وقولها: " إن أمّى قدمت علىّ وهى راغبة - أو راهبة - أفأصلها؟ قال: نعم ": والصحيح ما فى الرواية الأخرى: " راغبة " دون شك، قيل: راغمة عن الإسلام وكارهة له، وقيل: راغبة طامعة فيما أعطيتها من الرغبة والحرص. وقد ذكر أبو داود هذا الحديث وقال فيه: " قدمت على أمى راغبة فى عهد قريش وهى راغبة مشركة " (١) فالأول بالباء، أى طالبة صلتى ورفدى، والثانية بالميم، أى كارهة للإسلام ساخطة له.
فيه جواز صلة المشرك ذى القرابة والحرمة والذمام. وأمها المذكورة قتلة بنت عبد العزى العامرية القرشية، ويقال: قتيلة - مصغرة - وكلاهما بتاء باثنتين فوقها، وقيل فيها: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية (٢).
وقوله: " إن المسلم إذا أنفق على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة " حجة أن الأعمال إنما الأجر فيها بالنيات والاحتساب.
стр. 1809
(١٥) باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه
٥١ - (١٠٠٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَة؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّىَ افْتُلِتتْ نَفْسُها لَمْ تُوصِ، وَأظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أفَلَهَا أَجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ
ــ
وقوله: " إن أمّى افتلتت نفسها ": أكثر روايتنا فيه بفتح السين على المفعول الثانى، ويصح الرفع على ما لم يسمّ فاعله، ورواه ابن قتيبة: اقتلتت بالقاف، وفسّرها أنها كلمة تقال لمن مات فجأة، ويقال - أيضاً - لمن قتلته الجن والعشق، ورواه الجمهور بالفاء.
قال الإمام: قال أبو عبيد: معناه: ماتت فجأة فلتة. وكل فعل (١) فعل على غير تمكث (٢) فقد افتلت، ويقال: افتلت الكلام واقترحه [واقتضبه] (٣)، إذا ارتجله.
وأما قوله فى الصدقة عنها: فإن الاتفاق على أن الصدقة بالمال عن الميت نافعة. واختلف فى عمل الأبدان، فمن قاسه على المال جعله نافعًا، ومن أخذ بقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٤) جعله غير نافع، فإن عورض بعض من يقول: إن عمل الأبدان لا ينفع بالحج عن الغير، قيل: هو عبادة غلب المال فيها على عمل البدن، فردت إلى حكم الصدقة بالمال عن الغير على الجملة، ويحتج من قال: إن عمل البدن نافع بقوله ﷺ : " من مات وعليه صوم صام عنه وليه " (٥)، فيصير الخلاف مبنياً على
стр. 1810
مُوسَى، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاق، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ: وَلَمْ تُوصِ. كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرٍ. وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ.
ــ
معارضة الحديث ظاهر الآية، فمن قدم الحديث جعل ذلك نافعًا، [ومن قدم الظاهر لم يجعله نافعًا] (١).
قال القاضى: وقوله [هنا] (٢) " إن تصدقت " بكسر الهمزة، ولا يصح غيره لأنه إنما يسأل عما لم يفعله بعد ولم يقع.
стр. 1811
(١٦) باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف
٥٢ - (١٠٠٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشجَعِىِّ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ - فىِ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ. قَالَ: قَالَ نَبِيُّكُمْ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ ".
٥٣ - (١٠٠٦) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أسْمَاء الضُّبَعِىُّ، حَدَّثَنَا مَهْدِىُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِى عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْل عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ الدَّيلِىِّ، عَنْ أبى ذَرٍّ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ قَالُوا للِنَّبِىِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوَالِهِمْ. قَالَ: " أوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَاتَصَّدَّقُونَ؟ إنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ
ــ
[قال القاضى] (١): وقوله: " ذهب أهل الدثور بالأجور ": أنهم أصحاب الأموال الكثيرة، [والدثر: المال الكثير] (٢).
وقوله: " أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون، بكل تسبيحة صدقة " الحديث، يحتمل تسميتها صدقة، [أى لها أجر كما للصدقة أجر، وأن هذه الأفعال تماثل الصدقات فى الأجور، وسماها صدقة] (٣) على طريق المقابلة وتجنيس الكلام، أو يكون سماها من معناها إذ فى اسم الصدقة على ما قيل: لما فيها من الدليل على صدق الإيمان وصحته، فكذلك سائر الطاعات فيها ذلك [وقد قيل] (٤): صدقة على نفسه، أى بهذه الحسنة. وقد أشار بعض أصحاب المعانى إلى تخصيص الفقراء بهذه الأجور وقيامها لهم مقام الصدقات. وقد يحتج بقوله: " قد جعل الله لكم "، ويتأول قوله فى الحديث الآخر: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ (٥) على هذا، وقال بعضهم: بل يرجع إلى ما رأى منهم من
стр. 1812
بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْىٌ عَنْ منكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِى بُضْعِ أحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أيَأتِى أحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: " أرَأيْتمْ لَوْ وَضَعَهَا فِى حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِى الْحَلالِ كَانَ لَهُ أجْرٌ ".
ــ
الفهم والعلم بقوله: " لكم بكل تسبيحة صدقة " ويحتج بهذا من يفضل الفقراء، وهذا غير ظاهر الحديث، وأن معنى قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾: المال وفعل المعروف منه، وبهذا احتج من يقول بتفضيل الغنى.
وقوله: " كل معروف صدقة ": أى له حكمها فى الثواب عند الله.
وقوله: " فى بضع أحدكم صدقة ": [فيه بيان أن المباحات تعرفها النيات الصادقة طاعات] (١).
قال الإمام: البضع: الجماع، والبضع فى غير هذا: الفرج. وقال الأصمعى: مَلَكَ فلان بضع فلانة: إذا ملك عُقدة نكاحها وهو كناية عن موضع الغِشْيَان والمباضعة المباشرة، والاسم البضع.
قال الإمام: [البضع: الجماع والبضع] (٢)، لا يقال: إن قولهم: " أيأتى أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ " إنما بعد عندهم على طريقة المعتزلة فى التقبيح والتحسين من جهة العقول، وأنه لا يؤجر إلا على فعله، بل يحتمل أن يكون إنما بَعُدَ عندهم على ما عهدوه من حكم الشريعة، وتقرر عندهم أن الأجور تكون بقدر المشاق، وهذا مما يدعو إليه الطبع (٣) وتستلذه.
ووجه مراجعتهم له ﷺ لا إنكار منهم للوحى، ولكنه يحتمل أن يكون أرادوا أن يبين لهم موضع الحجة، فبين لهم وقاس القياس المتقدم، وهذا القياس [المتقدم] (٤) الذى قرر ضربٌ من قياس (٥) العكس، وفى العمل به خلاف بين أهل الأصول. وهذا الحديث تقوية لأحد القولين.
قال الإمام: ذهب الكَعْبى إلى أنه ليس فى الشريعة مباح، قال: لأن كل فعل يفعله العبد؛ من مشى وأكل وشبهه ينقطع به عن معصية فقد صار مأجورًا فيه، من جهة كونه قاطعًا له عن المعصية. وأقل ما يبطل (٦) [عليه] (٧) به هذا المذهب أن نقول: ينبغى أن
стр. 1813
٥٤ - (١٠٠٧) حدّثنا حَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلامٍ - عَنْ زَيْد؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلامٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ بَنِى آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، وَاسْتَغفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ
ــ
يكون الإنسان مأجورًا فى الزنا إذا تشاغل به عن معصية أخرى فإن قال قائل: هل فى هذا الحديث المتقدم إشارة [بتعلق هذا المعنى] (١) لأنه جعله مأجورًا فى وضع نطفته فى الحلال لما صده ذلك عن وضعها فى الحرام قيل: لا تعلق له بذلك؛ لأن الأجر ها هنا إنما كان من جهة القصد إلى الاستعفاف بالحلال عن الحرام، ولو قصد بفعل المباح الانقطاع عن المعصية لأجر على قصده [لذلك] (٢)، مع أنه يحتمل أن يكون ﵇ أراد بها ذكر التشبيه والتقريب إلى أفهامهم، فكأنه قال [لهم] (٣): أليس قد صح فى عقولكم أن اللذة بالزنا يتعلق بها الإثم، مع أن ذلك طبيعى، فكذلك لا يبعد أن يؤجروا على فعل ذلك على وجه الحلال وإن كان طبيعيًا. وهذا التأويل الثانى إنما يصح فى حق من فهم عنه استبعاد تعلق التكليف بالشهوة لما كانت طبيعة، ولم يتعرض لما سوى ذلك مما يفترق فيه أحكام (٤) التكليف.
[قال الإمام] (٥): قوله فى الحديث عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى: قال أبو عبيد: السلامى فى الأصل عظم فى فرسن البعير، فكان المعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة. قال فى حديث خزيمة: حتى آل (٦) السُّلامى، يريد رجع إليه المخ، يقال: [هو] (٧) آخر ما بقى فيه المخ.
قال القاضى: قد ذكر أول الحديث خلق الإنسان على ثلاثمائة وستين مفصلاً، ثم سماها بعدد السلامى، فدل أن ذلك أراد.
وقوله: " وعزلَ حجراً عن طريق الناسِ أو شوكةً أو عظماً ": كذ رويناه، وعند بعضهم: " غصْناً " وكلاهما يخرج له معنى صحيح، كما قال فى الحديث الآخر: " نزع غُصن شوك من الطريق فشكر الله له ذلك ".
стр. 1814
بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكرٍ، عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلاثِمِائَةِ السُّلامَى، فإنَّهُ يَمْشِى يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ ".
قَالَ أَبُو تَوْبَةَ: وَرُبَّمَا قَالَ: " يُمْسِى ".
(...) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِى أَخِى زَيْدٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ " وَقَالَ: " فَإنَّهُ يُمْسِى يَوْمَئِذٍ ".
(...) وحدَّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا عَلِىٌّ - يَعْنِى ابْنَ الْمُبَارَكِ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلامٍ، عَنْ جَدِّهِ أبِى سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " خُلِقَ كُلُّ إنْسَانٍ " بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عَنْ زَيْدٍ. وَقَالَ: " فَإنَّهُ يَمْشِى يَوْمَئِذٍ ".
٥٥ - (١٠٠٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
ــ
وقوله: " تمسك عن الشر فإنها صدقة " مثل قوله: " من هم بسيئةٍ فلم يعملها كتبت له حسنةٌ، لأنه إنما تركها من جراى "، وقد تقدم هذا (١)، لأنه فى تركه الشر لما نهى عنه طاعة، وامتثالاً لما أُمِرَ به وسَماها صدقةً على ما قدَّمناه.
وقوله: عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى: [كذا رويناه، وصوابه فى العربية وثلاث وثلاثمائة السلامى] (٢). وفيه عظيم ما أوتيه ﵇ من الإحاطة بعلوم الدين والدنيا، وجواز معارف الأمم، وحقائق التشريح والطب.
وقوله: " فإنه يمسى وقد زحزح نفسه عن النار "؛ كذا رويناه عن عامتهم بالسين المهملة، وعند الطبرى: " يمشى " بالمعجمة، وبعكسه لهم آخر الحديث. ثم قد ذكر مسلم الاختلاف فيه بالسين المهملة، فى حديث الدارمى، وبالمعجمة فى حديث ابن نافع (٣).
هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَقِىءُ الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِهَا أمْثَالَ الأسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِىء الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِى هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِىء الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِى هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِى، وَيَجِىء السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِى هَذَا قُطِعَتْ يَدِى، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلا يَأخُذونَ مِنْهُ شَيْئًا ".
ــ
وقوله: " تقىء الأرضُ أفلاذَ كبدها "، قال الإمام: أى تخرج الكنوز المدفونة فيها. قال ابن السكيت: الفلذ لا يكون إلا للبعيد، وهو قطعة من كبده، يقال: فلذة واحدة، ثم يجمع فِلذًا، وأفلاذًا. أو هى القطع المقطوعة طولاً، وهذا مثل قوله تعالى:
﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (١)، وسمى ما فى الأرض كبدًا تشبيهًا بالكبد الذى فى بطن البعير وخص الكبد؛ لأنه من أطايب الجذور. وقوله: " تقىء ": أى تخرج وتظهر.
قال القاضى: حكى أبو عبيد عن الأصمعى الحذة والفلذة والحذيةُ: ما قطع طولاً من اللحم، ولم يخص كبدًا من غيره.
وقوله: " أمثال الأسطوان من الذهب والفضة ": بضم الهمزة والطاء، هى السوارى يعنى لعظم ما خرج فيها من البذرات والكنوز.
وقوله: " ما تصدق أحد بصدقة من طيب. ولا يقبل الله إلا الطيب ": قيل: الطيب ها هنا: الكسب من الحلال، كما قال تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (٢).
وقوله فى الأحاديث: فى كثرة المال وحتى لا يوجد من يقبل الصدقة، فيه الحض على الصدقة ما دام وقت قبولها. وفيه إخبار النبى ﷺ بما يكون ولابد من كونه إن كان قاله، فإنه لا يقول إلا حقًّا.
وقوله: " حتى يُهِمَّ الرجل من يقبل [منه] (٣) صدقته "، بضم الياء وفتح اللام، أى يحزنه طلبه وعدمه، يقال: أهمه إذا أحزنه، قال الأصمعى: وهمّنى: أذابنى، ومنه قوله: همك ما أهمك، أى أذاب شَجبُكَ ما أحزنك وأغمك، وقد تكون هنا " يَهم الرجلُ " بفتح الياء [وضم اللام] (٤) أى يقصده فلا يجده، يقال: هم بالشىء إذا قصده
стр. 1819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بهمته.
وقوله: " لا أرب لى فيه ": أى لا حاجة، وما ذكر من كثرة النساء وقلِة الرجال، قيل: لقلتهم بكثرة الفتن وبقاء النساء أيامى، [ومعنى " يَلذنَ به ": أى يلجأن إليه ويطفن به، وأصله الستر، كأنهن يستترن بالإستار إليه، ومنه: فلاذ منى بشجرة، أى استتر بها.
стр. 1820
(١٩) باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها
٦٣ - (١٠١٤) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا تَصَدَّقَ أحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ إلا الطَّيِّبَ، إلا أخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فتَرْبُو فِى كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّى أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ فصيله ".
٦٤ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ - عَنْ سُهيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا يَتَصَدَّقُ أحَدٌ بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّب إلا أخَذَهَا اللهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّهَا كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ قَلُوصَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ أَوْ أعْظَمَ ".
ــ
وقوله: " بصدقة من [طيب] (١) ": أى من كسب حلال، ويفسره قوله فى الحديث الآخر: " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا "، ثم ذكر آخر الحديث: " الرجل يمد يديه إلى السماء ومطعمه حرام ومشربه حرام "، ومعنى تسمية الله بالطيب هنا ولم يأت فى حديث الأسماء، أى المنزه عن النقائص، بمعنى القدوس. [وأصل الطيب] (٢): الزكاء والطهارة والسلامة من الخبث، والاستطابة: التنظيف من القذر والطهارة منه، وقيل: سميت المدينة طابة وطيبة، من الطيب، وهو تطهيرها من الشرك وظهور الإسلام بها وقيل غيره، مما سنذكره إن شاء الله.
وقوله: " إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله "، وفى حديث آخر: " فتربو فى كف الرحمن "، وفيه: " فلوه أو فصيله حتى يكون مثل الجبل ": الفلو، بفتح الفاء وضم اللام [وتشديد الواو] (٣) غير واحد من اللغويين، أنه المهر، وبه فسّره الهروى، [و] (٤) فى حديث آخر سُمّى بذلك لأنه فُلِىَ عن أمه، أى غزل (٥)
стр. 1821
(...) وحدَّثنى أمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح وَحَدَّثَنِيهِ أحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الأوْدِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلالٍ - كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
فِى حَدِيثِ رَوْحٍ: " مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ فَيَضَعُهَا فِى حَقِّهَا "، وَفِى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: " فَيَضَعُهَا فِى مَوْضِعِهَا ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْد بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ عَنْ سُهيلٍ.
٦٥ - (١٠١٥) وحدَّثنى أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنِى عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِن الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (١) وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢). ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُل يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ. يَارَبِّ، يَارَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَام، وَمَلْبَسُهُ حَرَام، وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ، فَأنى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ".
ــ
واتحد. وحكى بعضهم: فِلو بكسر الفاء وسكون اللام، وأنكر ابن دريد غير الوجْهِ الأول، والفصيل: الذى فصل عن رضاع أمه من الإبل. والقلوص: الناقة من الإبل، ولا تكون إلا [فتية] (٣) أنثى، لا يقال للذكر.
قال الإمام: قد ذكرنا استحالة اتصاف البارى - سبحانه - بالجوارح، وأن هذا وأمثاله إنما عبر به ﵇ على ما اعتادوا فى خطابهم ليفهموا عنه، فكنى ها هنا عن قبول الصدقة بأخذها بالكفّ واليمين، وعن تضعيف أجرها بالتربية.
قال القاضى: لما كان الشىء الذى يرتضى ويعز يُتلَقى باليمين [ويؤخَذ بها استعمل
стр. 1822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى مثل هذا للقبُول والرضى، كما قال: تلقاهَا عرابة باليمين وقيل: وعناها هاهنا بنعمته] (١)، يريد سرعة المبادرة ليعلمها فلما استعار بهذه الخصال والأفعال الجميلة من خصال المجد وأنه استعار للمبادرة لفعلها تلقى (٢) باليمين على العادة فيما تحرص عليه وتبادر إليه، ويقبلها تفضله الواسع، وقيل: عبر باليمين ها هنا عن جهة القبول والرضى إذ الشمال بضده فى هذا وغيره. وقد فرق الله بين أصحاب اليمين والشمال، وقد قيل: إن المراد هنا بكف الرحمن ويمينه كف المتصدق عليه ويمينه، وإضافتها إلى الله إضافة ملكٍ واختصاص بوضع هذه الصدقة لوجهه فيها، وقد قيل فى تزكيتها وتعظيمها حتى تكون مثل الجبل، أن المراد بذلك تعظيم الأجر وتضعيف الثواب، وقد يصح أن يكون على وجهه، وأن تعظم ذاتها وتبارك الله فيها، ويزيدها من فضله لتعظم فى الميزان وتثقل، ولعله يصح أن يكون المراد بالكف هنا كفة الميزان، وطرف كل شىء كفُّهُ وكفيه، وهذا الحديث يصدقه قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٣).
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، وَأشَاحَ بِوَجْهِهِ: ثَلاثَ مِرَارٍ. ثُمَّ قَالَ: " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ".
٦٩ - (١٠١٧) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى صَدْرِ النَّهَار. قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِى النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِى السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١)، وَالآيَةَ الَّتِى فِى الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢) تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاع بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ
ــ
ينظر إليها، قال الأصمعى: المشيح الجاد، والمشيح - أيضاً - الحَذِر، وقال الفراء: المشيح على معنيين: المقبل إليك، والمانع لما وراء ظهرِه، قال: وقوله: " فأعرض وأشاح ": أى أقبل.
قال القاضى: قال الحربى: عن أبى عمرو: والمشيح الهارب، وأصله بلوغ الغاية فى كل شىء. قال الحربى: فأشبه الوجوه هنا التنحية، وهو أشبه بالإعراض، وقال الخليل: أشاح بوجهه عن الشىء: نحاه عنه وعزل به، وهذا يطابق أعرض.
وقوله: " اتقوا النار ولو بشق تمرة ": تحريض على الصدقة، وأنه (٣) لا يستحقر منها شىء وشق الشىء: نصفه، ومعنى الاستتار من النار فى الحديث الآخر: التوقى منها.
وقوله: " مُجْتَابِى النمار أو العباء " النمار بكسر النون جمع نمرة، وهى ثياب صوف فيها تنمير مثل أنصاف الحلق والاجتياب: غرير وسطها، ومنه: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ (٤)، ثقبوه وخرموه. وتلاوته ﵇ فى خطبته فى الحث (٥) على صدقته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ لما فيها - والله أعلم - من
стр. 1825
تَمْرَةٍ " قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا. بَلْ قَدْ عَجَزَتْ. قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَىْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ ".
ــ
قوله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ (١).
وقوله: " حتى رأيت كومين من طعامٍ وثياب ": كذا قيده بعضهم بفتح الكاف، وقيده آخرون بضمها، قال أبو مروان بن سراج: هو بالضم اسم لما كوِّمَ الكومَة، وبالفتح المرة الواحدة، والكومة: الصُّبرة (٢)، والكوم: العظيم من كل شىء، والكوم: المكان المرتفع كالرابية وشبهها، فالفتح هنا أولى فى الحديث؛ لأنه إنما قصد الكثرة والصبرة والتشبيه بالرابية.
وقوله: " فرأيت وجَه النبى ﷺ يَتَهَّللُ كأنه مُذْهبةُ " فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد فضة مذهبةُ، كما قال: كأنها فضةُ قد مَسّهَا ذهب " يعنى لحسن وجهه ونوره وإشراق ماء السرور فيه، والوجه الثانى: أنه شبهه أيضًا فى حسنه بالمُذْهبة من الجلود، وجمعها مذاهب، وهى شىء كانت تصنعه العرب من جلود، وتجعل فيه خطوطًا [مذهبة] (٣) يرى بعضها إثر بعضٍ، وفيه يقول الشاعر:
أتعرف رسمًا كالطراء المذاهب
وسروره ﵇ هنا لوجهين: أحدهما: لما ظهر من إجابة المسلمين له وبذلهم أموالهم فى الله، وجودهم بالصدقة، والثانى: لما فتح الله بذلك على هذه الدافة العراة المحاويج (٤).
قال الإمام: وقوله: " من سن سنة حسنة فى الإسلام فله أجرها، وأجر من عمل