(...) وحدَّثنى أمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح وَحَدَّثَنِيهِ أحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الأوْدِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلالٍ - كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
فِى حَدِيثِ رَوْحٍ: " مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ فَيَضَعُهَا فِى حَقِّهَا "، وَفِى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: " فَيَضَعُهَا فِى مَوْضِعِهَا ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْد بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ عَنْ سُهيلٍ.
٦٥ - (١٠١٥) وحدَّثنى أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنِى عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِن الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (١) وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢). ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُل يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ. يَارَبِّ، يَارَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَام، وَمَلْبَسُهُ حَرَام، وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ، فَأنى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ".
ــ
واتحد. وحكى بعضهم: فِلو بكسر الفاء وسكون اللام، وأنكر ابن دريد غير الوجْهِ الأول، والفصيل: الذى فصل عن رضاع أمه من الإبل. والقلوص: الناقة من الإبل، ولا تكون إلا [فتية] (٣) أنثى، لا يقال للذكر.
قال الإمام: قد ذكرنا استحالة اتصاف البارى - سبحانه - بالجوارح، وأن هذا وأمثاله إنما عبر به ﵇ على ما اعتادوا فى خطابهم ليفهموا عنه، فكنى ها هنا عن قبول الصدقة بأخذها بالكفّ واليمين، وعن تضعيف أجرها بالتربية.
قال القاضى: لما كان الشىء الذى يرتضى ويعز يُتلَقى باليمين [ويؤخَذ بها استعمل
стр. 1822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى مثل هذا للقبُول والرضى، كما قال: تلقاهَا عرابة باليمين وقيل: وعناها هاهنا بنعمته] (١)، يريد سرعة المبادرة ليعلمها فلما استعار بهذه الخصال والأفعال الجميلة من خصال المجد وأنه استعار للمبادرة لفعلها تلقى (٢) باليمين على العادة فيما تحرص عليه وتبادر إليه، ويقبلها تفضله الواسع، وقيل: عبر باليمين ها هنا عن جهة القبول والرضى إذ الشمال بضده فى هذا وغيره. وقد فرق الله بين أصحاب اليمين والشمال، وقد قيل: إن المراد هنا بكف الرحمن ويمينه كف المتصدق عليه ويمينه، وإضافتها إلى الله إضافة ملكٍ واختصاص بوضع هذه الصدقة لوجهه فيها، وقد قيل فى تزكيتها وتعظيمها حتى تكون مثل الجبل، أن المراد بذلك تعظيم الأجر وتضعيف الثواب، وقد يصح أن يكون على وجهه، وأن تعظم ذاتها وتبارك الله فيها، ويزيدها من فضله لتعظم فى الميزان وتثقل، ولعله يصح أن يكون المراد بالكف هنا كفة الميزان، وطرف كل شىء كفُّهُ وكفيه، وهذا الحديث يصدقه قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٣).
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، وَأشَاحَ بِوَجْهِهِ: ثَلاثَ مِرَارٍ. ثُمَّ قَالَ: " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ".
٦٩ - (١٠١٧) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى صَدْرِ النَّهَار. قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِى النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِى السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١)، وَالآيَةَ الَّتِى فِى الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢) تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاع بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ
ــ
ينظر إليها، قال الأصمعى: المشيح الجاد، والمشيح - أيضاً - الحَذِر، وقال الفراء: المشيح على معنيين: المقبل إليك، والمانع لما وراء ظهرِه، قال: وقوله: " فأعرض وأشاح ": أى أقبل.
قال القاضى: قال الحربى: عن أبى عمرو: والمشيح الهارب، وأصله بلوغ الغاية فى كل شىء. قال الحربى: فأشبه الوجوه هنا التنحية، وهو أشبه بالإعراض، وقال الخليل: أشاح بوجهه عن الشىء: نحاه عنه وعزل به، وهذا يطابق أعرض.
وقوله: " اتقوا النار ولو بشق تمرة ": تحريض على الصدقة، وأنه (٣) لا يستحقر منها شىء وشق الشىء: نصفه، ومعنى الاستتار من النار فى الحديث الآخر: التوقى منها.
وقوله: " مُجْتَابِى النمار أو العباء " النمار بكسر النون جمع نمرة، وهى ثياب صوف فيها تنمير مثل أنصاف الحلق والاجتياب: غرير وسطها، ومنه: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ (٤)، ثقبوه وخرموه. وتلاوته ﵇ فى خطبته فى الحث (٥) على صدقته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ لما فيها - والله أعلم - من
стр. 1825
تَمْرَةٍ " قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا. بَلْ قَدْ عَجَزَتْ. قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَىْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ ".
ــ
قوله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ (١).
وقوله: " حتى رأيت كومين من طعامٍ وثياب ": كذا قيده بعضهم بفتح الكاف، وقيده آخرون بضمها، قال أبو مروان بن سراج: هو بالضم اسم لما كوِّمَ الكومَة، وبالفتح المرة الواحدة، والكومة: الصُّبرة (٢)، والكوم: العظيم من كل شىء، والكوم: المكان المرتفع كالرابية وشبهها، فالفتح هنا أولى فى الحديث؛ لأنه إنما قصد الكثرة والصبرة والتشبيه بالرابية.
وقوله: " فرأيت وجَه النبى ﷺ يَتَهَّللُ كأنه مُذْهبةُ " فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد فضة مذهبةُ، كما قال: كأنها فضةُ قد مَسّهَا ذهب " يعنى لحسن وجهه ونوره وإشراق ماء السرور فيه، والوجه الثانى: أنه شبهه أيضًا فى حسنه بالمُذْهبة من الجلود، وجمعها مذاهب، وهى شىء كانت تصنعه العرب من جلود، وتجعل فيه خطوطًا [مذهبة] (٣) يرى بعضها إثر بعضٍ، وفيه يقول الشاعر:
أتعرف رسمًا كالطراء المذاهب
وسروره ﵇ هنا لوجهين: أحدهما: لما ظهر من إجابة المسلمين له وبذلهم أموالهم فى الله، وجودهم بالصدقة، والثانى: لما فتح الله بذلك على هذه الدافة العراة المحاويج (٤).
قال الإمام: وقوله: " من سن سنة حسنة فى الإسلام فله أجرها، وأجر من عمل
(٢٢) باب فضل المنيحة
٧٣ - (١٠١٩) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، يَبلُغُ بِهِ: " ألا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً، تَغْدُو بِعُسٍّ، وَتَرُوحُ بِعُسٍّ، إِنَّ أجْرَهَا لَعَظِيمٌ ".
٧٤ - (١٠٢٠) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَدِىٍّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى
ــ
وقوله: " من منح منيحة " ويروى: " منحة غَدتْ بصدقةٍ، وراحت بصدقة، صبوحها وغبوقها ": المنحة بكسر الميم، والمنيحة بفتحها وزيادة ياء: العطية والصلة. ثم يستعمل عرفًا عند العرب فى ذوات الألبان، تعطى مرة لينتفع بفائدتها ثم تصرف. والصَبوح - بالفتح: شرب أول النهار. والغبوق: شرب أول الليل. ويخفضا على البدل من صدقةٍ، ويصح نصبهما على الظرف للزمان والوقت.
وقوله: عن أبى هريرة يبلغ به: " ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة ": معناه: يبلغ بحديثه النبى ﷺ ويرفعه إليه، ويسنده عنه.
وقوله: " تروح بعشاء (١) وتغدوا بعشاء ": كذا للسمرقندى ممدود بشين معجمة، وكذا رواه أكثرهم، والذى سمعناه من متقنى شيوخنا فى الكتاب: " بعس " وهو القدح الضخم، وهو الصواب المعروف، وقد جاء من رواية الحميدى (٢) فى غير الأم: " بعس " (٣) بسين مهملة، وفسره الحميدى بالعُس الكبير وهو من أهل اللسان، ولم يعرفه
стр. 1829
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى فَذَكَرَ خِصَالاً، وَقَالَ: " مَنْ مَنَحَ مَنِيْحَةً، غَدَتْ بِصَدَقَةٍ، وَرَاحَتْ بِصَدَقَةٍ، صَبُوحِهَا وَغَبُوقِهَا ".
ــ
أهل اللغة إلا من قبلِهِ وضبطناه عن القاضى التميمى عن أبى مروان بن سراج بفتح العين وكسرها معاً، ولم يقيده الجيانى وأبو الحسين ابنه عنه إلا بالكسر وحده (١).
стр. 1830
(٢٣) باب مثل المنفق والبخيل
٧٥ - (١٠٢١) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُبَّتَانِ - أَوْ جُنَّتَانِ - مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهمِا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ - وَقَالَ الآخَرُ: فَإذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ - أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَغَتْ عَلَيْهِ - أَوْ مَرَّتْ - وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ قَلَصَتْ عَلَيْهِ، وَأخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَها،
ــ
وقوله: فى حديث عمرو الناقد: " مثل المنفق والمتصدق ": هذا وهم، وصوابه: مثل البخيل والمنفق والمتصدق، بدليل تقسيم الكلام. وضرب المثل للبخيل والمنفق بعده، وكذا جاء فى سائر الأحاديث الأخر، وكذلك فى هذا الحديث أوهام كثيرة من الرواة وتحريف وتصحيف، وتقديم وتأخير، يبينه، ويظهر صوابه فى الأحاديث الأخر، ومنه قوله: " كمثل رجل عليه [جُبّتان "، وصوابه: كمثل رجلين عليهما جنتان، وكذا يأتى فى الحديث الآخر، ومنه قوله] (١): " جُبّتان أو جنتان "، والصواب بالنون، كما جاء فى الحديث الآخر بغير شك: " جنتان " والجُنّةُ: الدرع، ويدُل عليه قوله فى الحديث نفسه: " وأخذت كل حلقة موضعها "، وفى الحديث الآخر: " جنتان من حديد "، ومنه قوله: " سبغت عليه وأمرَّت " بالراء، قيل: صوابه مُدت بالدال، بمعنى سبغت، وكما قال في الحديث الآخر: " انبسطت " لكنه يخرج معنى " مرت " على نحو هذا المعنى، والسابغ: الكامل، وقد رواه البخارى: " مادَّتْ " (٢) بدال مخففةٍ من مادَّ، إذا مَالَ، ورواه بعضهم: " مارت " (٣) بالراءِ، ومعناه: سالت عليه وامتدت. وقال الأزهرى: معناه ترددت وذهبت، وجاءت يعنى من كمالها. ومن ذلك قوله: " وإذا أراد البخيلُ أن ينفق تقلصت (٤) عليه، وأخذت كل حلقة موضعها حتى تجن بنانه، وتعفو أثَره "، فقال: " يوسعها ولا تتسع ". وفى هذا اختلال كثير؛ لأن قوله: " حتى تجن بنانه، وتعفوا أثره ": إنما جاء فى المتصدق لا فى البخيل وهى على الضد مما مثله للبخيل من
стр. 1831
حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَا أثَرَهُ " قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَالَ: يُوَسِّعُها فَلا تَتَّسِعُ.
٧٦ - (...) حدّثنى سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِى الْعَقَدِىَّ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَت عَنْهُ، حَتَّى تُغَشّىَ أَنَامِلَهُ، وَتَعْفُوَ أثَرَهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ، وَأخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا ". قَالَ: فَأنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ بِإصْبَعِهِ فِى جَيْبِهِ. فَلَوْ رَأيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلا تَوَسَّعُ.
ــ
قوله: " قلصت وأخذت كل حلقة موضعها ".
وقوله بعد هذا: " فقال يُوَسِّعها ولا تتسع " [وفى هذا اختلاف كثير لأن قوله: " حتى تجن بنانه، وتعفو أثره " إنما جاء فى المتصدق لا فى البخيل وهى على الضدِ مما مثله للبخيل من قوله: " قلصت وأخذت كل حلقة موضعها، وقوله بعد هذا: " فقال يوسعها ولا تتسع "] (١). فأدخل بين هذين الفضلين من مثل البخيل ضدًا لمعنى من وصف مثل المتصدق، فاختل الكلام وتناقض، وهو بعد هذا مفصّل مبين فى الأحاديث الأخر. ومن ذلك رواية من روى فى الحديث فى موضع: " تجن بنانه ": " تحزُ " بالحاء والزاى، وهى رواية شيخنا الصّدفى، وهو وهم، والصواب: " تَجُن " وكذلك للجماعة، أى تستر. ومنها رواية بعضهم: " ثيابه " بالثاء، والصواب رواية الجماعة: " بنانه "، كما قال فى الحديث الآخر: " أناملَهُ ".
ومعنى: " قلصت " فى صفة البخيل: أى انقبضت، ومعنى " يقفو أثره ": أى يمحو أثره بسوغها وكمالها. وهو مثلٌ لنماء المال بالصدقة. والإنفاق على الضّدِ من ذلك، [وتصديق معنى تسمية] (٢) الزكاة، وتصديق لحديث: " أعطِ منفقًا خلفًا " (٣) الحديث، وقد قيل: إنه تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطى إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء وتعوّده، وإذا أمسك صار ذلك [كله] (٤) له عادة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ الآية (٥)، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ
стр. 1832
٧٧ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِىُّ، عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، إِذَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى تُعَفِّىَ أثَرَهُ. وَإِذَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِصَدَقَةٍ تَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ، وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ، وَانْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا " قَالَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " فَيَجْهَدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلا يَسْتَطِيعُ ".
ــ
أَيْدِيهِمْ [وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا] (١)﴾ الآية (٢).
وفى هذا الحديث الترغيب فى الصدقة وفضلها، وقيل: معنى " تعفوا (٣) أثرهُ ": أى تذهب بخطاياه وتمحوها، وكذلك قوله فى البخيل: " قلصت ولزمت كل حلقةٍ موضعها " معناه: يُحمى عليه يوم القيامة فيكوى بها. وما تقدم أول (٤) الحديث إنما جاء على التمثيل، لا على الخبر عن كائن. وقيل: ضرب المثل للبخيل والمتصدق بالجبتين؛ لأن المنفق يستره الله بنفقته، ويستر عوراته فى الدنيا والآخرة كستر هذه الجبّة لابسها. والبخيل بإمساكه عن نفقة ماله فيما يستره ويستر عوراته، كهذا الذى لبس الجُبة إلى ثدييه، بقى بادى العورة مفتضحًا فى الدنيا والآخرة.
وقوله: " فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بأصبعه [هكذا] (٥) فى جيبه يقول: فيجتهد أن يوسعها فلا تتسع ": تمثيل منه ﷺ بالعيان للمثل الذى ضربه. وفيه جواز لباس القميص ذوات الجيوب فى الصدور، وكذلك ترجم عليه البخارى: باب جيب القميص من عند الصدر (٦)؛ لأنه المفهوم من لباس النبى ﷺ فى هذه القصة، وهو لباس أكثر الأمم [وكثير] (٧) من الزعماء والعلماء من المسلمين بالمشرق وغيره، ولا يسمى عند العرب قميصًا إلا ما كان له جيب.
стр. 1833
(٢٤) باب ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة فى يد غير أهلها
٧٨ - (١٠٢٢) حدّثنى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ، عَن أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِىَ هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " قَالَ رَجُلٌ: لأتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ زَانِيَةٍ، فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ غَنِىٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِىٍّ. قَالَ: اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِىٍّ لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ وَعَلى غَنِىٍّ وَعَلَى سَارِق. فَأُتِىَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ. أمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الْغَنِىَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ ".
ــ
وقوله: فى الذى تصدق على الغنى والزانية والسارق، اختلف فى حد الغنى الذى يمنع أخذ الصدقة، وقيل: من كانت له كفاية وإن كان ذو نصاب، وقيل: المراعى النصاب، ومن يلزمه إخراج الزكاة فهو [الغنى] (١) الذى لا تحل له صدقة وإن كان ذا عيالٍ، وقيل: المراد الكفاية، ومن لا كفاية له، وإن كان ممن تلزمه الزكاة ومعه نصاب، فيحل له أخذها، وهو أضعف الأقوال، وقيل فى الشاب القوى [على] (٢) الكسب: إنه لا يحل له أخذ الصدقة ولا تجزى، وهو لبعض أصحابنا، وقاله الشافعى وفقهاء أصحاب الحديث، عند مالك أنه يجزى، وهو قول الطبرى، وفى الحديث أن الأعمال بالنيات (٣)، وأنَّ هذا قد أجِرَ فى اجتهاده ونيّتهِ، وقبلت صدقته.
وفيه أنَّ الصدقةَ على أهل الفجور والمعاصى مكروهةٌ، وأنه يجب أن يُتحرى لها أهلُ الخير والستر، وهل تجزى عن الواجب؟ أما السارقُ والزانية فإن كانا محتاجين فلا خلاف فى جوازها، وأما الغنى [مثل] (٤) العبد ومن لا يجوز له أخذها إذا لم يعلم به دافعها،
стр. 1834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فاختلف العلماء فى ذلك، وجُلّهُم أنها لا تجزى، وهو قول مالك، والشافعى والثورى وأبى يُوسُف، وقيل يجزيه، وهو قول أبى حنيفة وابن الحسن، والحسن البصرى، وأحد قولى ابن القاسم وقولى الشافعى، قال أصحابنا: ولو كانت بأيديهم قائمة أخذت منهم، واختلف إذا أكلوها فى غرمهم لها، ولو غروا صاحبها من أنفسهم رموها ولو دفعها عالمًا بهم جازت لهم، وغرمها هو للمساكين.
وفى الحديث الحض على الصدقة.
стр. 1835
(٢٥) باب أجر الخازن الأمين، والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها غير مفسدة، بإذنه الصريح أو العرفىّ
٧٩ - (١٠٢٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِىُّ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو كَرَيْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِى أُسَامَةَ. قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ جَدِّهِ، أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْخَازِنَ الْمُسْلِمَ الأَمِينَ الَّذِى يُنْفِذُ - وَرُبَّمَا قَالَ يُعْطِى - مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلاً مُوَفَّرًا، طَيبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِى أُمِرَ لَهُ بِهِ - أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ ".
٨٠ - (١٠٢٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةً، كَانَ لَهَا أجْرُهَا بِمَا أنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أجْرَ بَعْض شَيْئًا ".
ــ
وقوله: فى الخازن الأمين الذى يعطى ما أمر به كاملاً: " أحدُ المتصدقين " فشرط فيه الإذن، وقال فى المرأة فيما أنفقت من طعام بيتها: " لها أجرٌ، وللخازن مثل ذلك "، وقال فى المملوك الذى سأله عن صدقته من مال سيده: " الأجر بينكما نصفان " شرط الإذن فى عطية الخازن الذى ليس له تصرف فى المال، أو يكون هذا فى الشىء الكثير الذى لا تطيب له نفس صاحب المال إذا أخرج بغير إذنه، وجعل هذا دون إذن فيما أنفقت الزوجة والخازن، وتصدق به العبدُ المتصرفُ من أموالِ صاحبِ البيت ما يلزمه من النفقةِ على عيالهِ وبنيه، ومصالحه، وللعرف الجارى عندهم من قيامهم عند مغيب أربابهم بمؤن المقاصد، وإطعام السائل، وإضافة الضيف، وأن قدر ما يتصدق به كالمأذون فيه ولذلك قال فى الحديث: " غير مفسدة "، وجعل لكل واحد [أجره] (١)، صاحبُ المال بما خرج عنه ماله الذى اكتسَبَهُ وسدَّ به من خلةٍ، ولها [ولاء] (٢) بكسبهم وسعيهم ونياتهم، ويحتمل أن أجورهم مختلفةٌ بقدر أحوالهم، ويكون قوله فى الحديث الآخر:
стр. 1836
(...) وحدّثناه ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا فضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وقَالَ: " مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا ".
٨١ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أنْفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْئًا ".
(...) وحدّثناه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَه.
ــ
" فلها نصفه "، وفى العبد: " الأجرُ بينكما نصفان " على المجاز، أى ينقسم فى حقكما لا فى ذات الأجر، أى لك أجرٌ، وله أجرُ. إذ لا يتنصَّف الأجرُ بدليل قوله: " لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا "، وقد يحتمل أن يكون قوله: " [نصفان] (١) ": [أى] (٢) أن أجريكما مثلان، فأشبه الشىء المنقسم بنصفين، وأن نيّة هَؤُلاء وإخراجهم الصدقة ماثلت قدَر ما خرج من مال الآخر بغير يده، أو يكون ذلك فضلٌ من الله، إذِ الأجورُ لا تدرك بقياس، ولا هى بحسب الأعمال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
стр. 1837
(٢٦) باب ما أنفق العبد من مال مولاه
٨٢ - (١٠٢٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ. قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِى اللَّحْمِ، قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أأتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِىَّ بِشَىْءٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَالأجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ ".
٨٣ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى عُبَيْدٍ - قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى آبِى اللَّحْمِ قَالَ: أَمَرَنِى مَوْلاىَ أَنْ أقَدِّدَ لَحْمًا، فَجَاءَنِى مِسْكِينٌ، فَأطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلاىَ فَضَرَبَنِى، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ فَقَالَ. " لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ " فَقَالَ: يُعْطِى طَعَامِى بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، فَقَالَ: " الأجْرُ بَيْنَكُمَا ".
ــ
وحديث عُمير مولى آبى اللّحْم وضرب مولاه له على صدقته باللحم، إذ لم يأذن له فى ذلك ولا صرف نظره إليه، وإنما أمَره أن يقدّده (*)، وقول النبى ﷺ له: " الأجرُ بينكما " هو - والله أعلم - على معنى: إنْ طابت نفسك بذلك، وإلا فمن أعطى شيئاً من مال غيره بغير إذنه فَإثْمُ (١) [لا مأجور] (٢)، فإن كان متأولاً " كعمير " فله أجر وللسيد أجر بما أخذ من ماله، فإن طابت نفسه به بعد ذلك فله أجرُ صدقتهِ، ولعل مثل هذا أراد ﵇ بقوله: " الأجرُ بينكما "، قيل: سُمى بآبى اللَّحم؛ لأنه كان لا يأكل ما ذُبح على النُصب والأصنام، وقيل: كان لا يأكل اللحم جملة، وقيل: إنما آبى اللحم بطنٌ من ليثٍ فى غفار، فمولى عُمير منهم لا أنه هو المسمى بهذا والمسمى بهذا الذى سمى به البطن هو الذى كان لا يأكل ما ذبح على النصب، وتخصيصه فى بعض الروايات بهذه الخصلة: " الخازن المسلم الأمين " إذ بالإسلام والتقى والأمانة يصح وصف إعطائه بالصدقة، ألا تراه قال: " الذى يعطى ما أُمِرَ به كاملاً موفرًا طيّبَةَ به نفسه " فإسلامهُ وتُقاهُ أوجَبَ إعطأَهُ طيبةَ به نفُسه، وأمانته أوجب إعطاءَهُ كاملاً موفّرًا، وليس كما ظن بعضُ المتكلمين على الحديث، أن وصفه هنا بالأمين لرفع الضمان عن المودع والمستأجر. فلا دليل فى الحديث من لفظ ذلك ولا معناه.
стр. 1838
٨٤ - (١٠٢٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَصُمِ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إلا بِإِذْنِهِ، وَلا تَأذَنْ فِى بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إلا بِإذْنِهِ، وَمَا أنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِن غَيْرِ أمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أجْرِهِ لَهُ ".
ــ
[وقوله: " لا تَصُمِ المرأة وبعلُها شاهِدُ ": هذا فى التطوع؛ لأن حق زوجها عليها واجبٌ، فلا يترك الواجب للنفل] (١).
وقوله: " ولا تأذن فى بيته وهو شاهدٌ إلا بإذنِه ": دليل أنه لا إذن بحضور ربّ الدار لغيره فيها؛ لأنه مالكُها.
٨٦ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِى شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِى سَبِيلِ اللهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَىْ فلُ، هَلُمَّ ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَلِكَ الَّذِى لا تَوَى عَلَيْهِ.
ــ
قرنت واحدًا بواحد] (١).
قال القاضى: وقيل درهم ودينار، [ودرهم] (٢) وثوب، والزوج: الفرد، قال الله: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٣)، ويقع الزوج على الاثنين أيضًا، وقيل: إنما يقال للفرد: زوجٍ، إذا كان معه آخرٌ، والزوج الصنف، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ (٤). قيل: و [قد] (٥) يحتمل أن يكون هذا فى جميع أعمال البر من صلّى صلاتين، أو صام يومين. والمقصود من هذا كله - والله أعلم - تشفيع صدقته بأخرى مثلها، والتنبيه على فضل الصدقة والنفقة فى سبيل الله، والاستكثار منها.
وقوله: " فى سبيل الله " (٦): قيل: يحتمل العمومُ فى جميع وجوه الخير، وقيل: الخصوص [فى] (٧) الجهاد، والأول أظهر. وقوله: " نودى هذا خير ": فيه وجهان؛ أى هنالك خيرٌ وثواب وغبطة، والآخر هذا الباب خيرٌ من غيره من الأبواب لك، لكثرة ثوابهِ، ونعيمه.
وقوله: " أَىْ فلُ هَلُمَّ ": معناه: أى فلان، فرخّمَ، ونقل إعرابُ الكلمة على بقية الكلمة على إحدى اللغتين، وقيل: بل تستعمل " فل " فى غير النداء والترخيم، وأنها لغة فلان وهو أعرف، وأنشدوا:
أمسك فلانًا عن فل.
وقوله: " فمن كان من أهل الصلاة نودى من باب الصلاة "، وذكر مثله فى غيرها من الصيام والجهاد والصدقة، المراد: من كان الغالب عليه فى عمله وطاعته ونوافِلهِ الصلاة والصيام، وإلا فكل مسلم يصلى ويصوم ويتصدق.
وقوله: " أنفق زوجين فى سبيل الله " وذكر الصلاة والصيام، فعلى هذا العمل يقع
стр. 1841
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّى لأرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ".
٨٧ - (١٠٢٨) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى الْفَزَارِىَّ عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ -: أَنَا. قَالَ: " فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ -: أَنَا. قَالَ: " فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَسْكِينًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - أَنَا. قَالَ: " فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ -: أَنَا. فَقَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : " مَا اجْتَمَعْنَ فِى امْرَئٍ، إلا دَخَلَ الْجَنَّةَ ".
ــ
إنفاق المال، وأنه فى لفظه، أو على استعمال الإنفاق فى جميع التصرفات وإنفاق العمر فيها، وقد يكون الزوجان (١) هنا صلاتين أو صيام يومين، أو يكون إنفاقُ ذلك فى سبيل الصلاة (٢) من بناء المساجد وعمارتها، وإفطارٍ من صيام، أو صَدَقتهِ أيامَ صِيامه، وقيل: إن [من] (٣) " أنفق زوجين فى سبيل الله ": اختص بالجهاد، وأن قوله: " دُعِى من أبواب الجنة ": أى من جميعها، كما جاء فى شأن أبى بكر - رضى الله عنه - قال: فيكون للمجاهدين فضل جميع أصحاب الأبواب؛ لفضل الجهاد على سائر الأعمال؛ ولهذا يجعل قولهُ: " فمن كان من أهل الصلاة ": كلامٌ مستأنفٌ خارج عن أجر المنفق زوجين [فى سبيل الله، وعلى التأويل المتقدم يكون الفضلُ بعدد ذلك مبشرًا للمنفق زوجين] (٤)، وذكر الأبواب المفضَّلة تفسيره (٥) لقوله: " أبواب الجنة [المختلفة] (٦) أولاً ".
وقوله فى صاحب الصَّوم: " دُعى من باب الريان ": قيل: لما كان فى الصوم الصبرُ على العطش فى الهواجر، سُمى الباب الذى يُدعى منه بثوابه على ذلك، وهو مشتق من الرِىّ، وقيل: يجوز أن يكون الريان اسم الباب لاختصاص الداخلين منه بالرى، وقيل: يحتمل أن يُدعى منه كل من روى من حوض النبى ﷺ ، وما تقدم أولى إذ لا يختص رىُ الحوض بالصائمين، والبابُ مختصٌ بهم.
стр. 1842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: " لا تَوى عليه " مقصور بتاء باثنتين فوقها، أى لا هلاك. ذكر من الأبوابِ هنا أربعة، وقد جاء ذكر بقية الأبواب فى الحديث، باب التوبة وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وباب الراضين، فهذه سبعة جاءت بذلك الأحاديث، وجاء فى الصحيح في السبعين ألفًا الذين على ربهم يتوكلون دخولهم من الباب الأيمن، فلعله الثامن الزائد.
стр. 1843
(٢٨) باب الحث فى الإنفاق وكراهة الإحصاء
٨٨ - (١٠٢٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ - عَنْ هِشَام، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْر - رضى الله عنها - قَالَتْ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أنْفِقِى - أَوِ انْضَحِى، أَوِ انْفَحِى - وَلا تُحْصِى، فَيُحْصِىَ اللهُ عَلَيْكِ ".
(...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ، وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " انْفَحِى - أَوِ انْضَحِى، أَوْ أَنْفِقِى - وَلَا تُحْصِى، فَيُحْصِىَ اللهُ عَلَيْكِ، وَلا تُوعِى فَيُوعِىَ اللهُ عَلَيْكِ ".
(...) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ لَهَا نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
ــ
وقوله: إن أسماء بنت أبى بكرٍ قالت: يا نبى الله، ليس لى شىء إلا ما أدخَل على الزبيرُ، فهل على جناح أن أرضخ مما يدخلُ علىَّ؟ فقال: " ارضخى ما استطعت، [ولا توعى فيوعى الله عليك "] (١)، وفى حديث آخر: " أنفقى أو انضحى أو انفحى [ولا تحصى "] (٢)، قال الإمام: إن كانت إنما سألته عن الإعطاء مما يعطيها الزبير نفقة لها [فيه] (٣) فبين جوازه، وإن كانت إنما أرادت [بقولها: " مما يدخل علىَّ الزُّبيرِ " أى] (٤) مما كان ملكًا له، فيحمل ذلك على أنه لا يكره ذلك منها، وأنها عادة عوَّدوها (٥) أزواجهم. قال ابْنُ القوطية: نَفَحَ الطيِّبُ نفحًا: تحرك، والريح هبَّت باردة ضد نفخت، والدابة بحافره (٦) ضَرَب، والرجل بالسيف ضرب به شزَرًا، وبالعطاء إعطاءٌ وفى حديث آخر: " ما أعطتِ من كسبه بغير أمره فإنّ نصف أجره له "، وهو نحو مما ذكرناه.
وقوله " من غير أمره ": يحتمل أن يريد نطقًا، وإن عادتهم التوسعة لنسائهم فى ذلك، وأما قسمة الأجر بينهما فمن جهة أن له أجر الملك ولها أجر السعى.
стр. 1844
٨٩ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ؛ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ؛ أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِىَّ ﷺ . فَقَالَتْ: يَا نَبِىَّ اللهِ، لَيْسَ لِى شَىْءٌ إلا ما أَدْخَلَ عَلَىَّ الزُّبَيْرُ، فَهَلْ عَلَىَّ جُنَاحٌ أَنْ أرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَىَّ؟ فَقَالَ: " ارْضَخِى مَا اسْتَطَعْتِ، وَلا تُوعِىَ فَيُوعِى اللهُ عَلَيْكِ ".
ــ
وقوله: " ارضخى ": الرضخ: العطية القليلة، يقال: رضخت له من مالى رضخاً (١) [كذا هو فى النسخ] (٢).
قال القاضى: روايتنا فى الكتاب: " انضحى "، كما ذكر أول الحديث، وقيل لعله: " ارضخى "، كما فسّره وجاء فى الحديث الآخر، لكنه لا يقال إلا لما قلّ من العطاء. وقد تخرج عندى معنى: " انضحى " كما جاء فى الرواية؛ لأنه يأتى بمعنى الصَبّ والرش، والعطاءِ يُعبَّرُ [عنه] (٣) به كثيرًا، وهو بمعنى الرضخ، [وكان عند بعض الرواة: " انصحى " بالمهملة يعنى بالصاد المهملة، ولا وجه له هاهنا] (٤).
وقوله: " ولا توعى فيوعى اللهُ عليك "، وفى الرواية الأخرى: " ولا تحصى فيحصى اللهُ عليكِ "، وفى غير مسلم: " ولا توكى " (٥)، وكله نهى عن الإمساك والبخل، أى لا تخزن مالك فى وعاءٍ ولا تَشُدّه بوكاءٍ، وأصل الوَعْى الحفظ، وهو بمعنى الإحصاء فى الحديث الآخر، والإحصاءُ: معرفهُ قَدر الشىء.
وقوله: " فيوكى الله عليك " " ويوعى " ويحصى " على اختلاف الأحاديث، مقابلة اللفظ باللفظ، وتجنيسٌ للكلام بمثله فى جزائه، أى يمنعك كما منعت، ويقتر عليك كما قترت، ويمسك فضلهُ كما أمْسكت، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٦)، وقيل: لا تحصى ما تعطى فتستكثرهُ نفسُك، فيكون سبب انقطاعه ومنعك له. وقد يراد هنا بالإحصاء والوعى معرفة عدده خوف أن تزول البركة (٧) منه كما جاء فى غير حديثٍ، وأمره بأن تهيلوا ولا تكيلوا، وقول عائشة: " حتى كلناه فَفُنى " (٨)، وهذا أولى ما يقال
стр. 1845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى الحديث عندى، إذ قد ورد على سببٍ من هذا، وقوله ذلك لها حين رآها تكيلُ الطعام (١).
وقوله: " ارضخى ما استطعت ": ليس على ظاهره من ذلك بالأمر بالإرضاخ والتوسع فيه جهد طاقتها، فهذا لا يؤمر به أحد فى مال غيره، وإنما يرجع " ما استطعتِ " إلى العدل فى ذلك والاحتياط، ولذلك جاء بلفظ الرضخ الذى يدل عليه، والله أعلم بأنّ هذا اللفظ إنما جاء فى نفقتها من مال الزبير [وما أدخل عليها] (٢)، وقد يحتمل أن المراد بذلك ما منحه إياها ووهَبَهُ لها، لقولها: " ما أدخل علىَّ "، فيكون الحديث على ظاهره بالتوسع فى العطاء، والله أعلم. وقيل: قد يكون أمره بالإرضاخ فيما يخصُّها وأهل بيتها من الإنفاق عليهم، ومثلهُ قوله لهند: " بالمعروف " (٣). وقيل: أعطِ من حَظّكِ منه، وقد جاء فى الحديث فى كتاب أبى داود فى المرأة التى قالت له: إنا كَلٌّ على آبائنا وأبنائنا، وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم؟ فقال: " الرَّطْبُ تأكُلْنَهُ وَتُهْدِيَنُه " (٤) وهذا - والله أعلم - كان عرفًا لهم.
стр. 1846
(٢٩) باب الحث على الصدقة ولو بالقليل ولا تمتنع من القليل لاحتقاره
٩٠ - (١٠٣٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الليثُ بْنُ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " يَا نِسَاءَ الْمُسْلَمَاتِ، لا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ ".
ــ
وقوله: " يا نساء المؤمنات " رويناه عن بعض شيوخنا بنصب " نساء " وخفض " المؤمنات " على الإضافة، فيكون من إضافةِ الشىء إلى نفسه، كقولهم: مسجدُ الجامع أو إضافة الأعمّ للأخص، كقوله تعالى: ﴿مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (١) وإن كان (٢) لفظة البهيمة أعمُّ كما لفظ النساء هنا أعم، أو على معنى التعظيم، أى يا فاضلات المؤمنات، كما يقال: هَؤُلاءِ رجالُ القوم، أى سادتهم وأفاضِلهُم. قال الباجىُ: وكذا رويناه عن جميع شيوخنا بالمشرق.
قال القاضى: قيل معناه: يا نساءِ الجماعات المؤمنات، وقيل: يانساءِ النفوسِ المؤمنات، وكلهُ متقاربُ المعنى. ورويناه - أيضًا - برفع النساءِ والمؤمنات، على معنى النداء والنعت، أى يايها النساءُ المؤمناتُ. قال الباجى: كذا يرويه أهلُ بلدنا، ويجوز رفع " نساء " وكسرُ " المؤمنات " فى معنى المنصوب (٣) على النعت على الموضع، كما تقول: زيدُ العاقل.
وقوله: " لا تحِقَرنَّ جارة لجارتها ولو فِرْسِن شاةٍ ": أصل الفِرسِن فى الإبل، وهو مثل القدم من الإنسان، وحكى أهل اللغة أنه لا يقال إلا فى البعير، وهذا الحديث يرد قولهم. [قيل: يحتمل أن يكون النهى عن الاحتقار للمعْطَاة] (٤)، ويحتمل أن يكون ذلك للمعطية، وأن تصل جارتها بما أمكنها ولا يمنعها إن لم تجد الكثير أن تصل بالقليل، وهذا الوجه هو الظاهر من تأويل مالك فى إدخال الحديث فى الموطأ فى باب الترغيب فى الصدقة (٥).
стр. 1847
(٣٠) باب فضل إخفاء الصدقة
٩١ - (١٠٣١) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى القَطَّانِ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " سَبْعَةٌ يُظِلهُمُ اللهُ فِى ظِلهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعلقٌ فِى المَسَاجِدِ،
ــ
وقوله فى حديث السبعة الذين يظلهم الله فى ظله: إضافة الظل هنا إلى الله إضافة ملك، وكل ظل فهو لله [ومن خلقه وملكه] (١) وسلطانه، وهو ظل العرش على ما فى الحديث الآخر (٢)، والمراد بذلك يوم القيامة، إذا قام الناس لرب العالمين، ودنت منهم الشمس ويشتد عليهم الحر ويأخذهم العرق، ولا ظل هناك لشىء إلا ظلُّ العرش كما جاء فى بعض الروايات: " فى ظل عرشى " (٣). وقد يراد به هنا ظل الجنة أو ظل طوبى، وهو نعيمها، والكونُ فى دارها (٤)، كما قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلاً﴾ (٥)، وذهب ابن دينار إلى أن معنى الظل هنا: الكرامة والكنف والكن من المكاره فى ذلك الموقف، قال: ولم يرد الظل من الشمس، وما قال معلوم فى اللسان، يقال: فلان فى ظل فلان، أى فى كنفه وحمايته، وهو أولى الأقوال، ويكون إضافته إلى العرش لأنه مكان التقريب (٦) والكرامة، وإلا فالشمس وسائر العالم تحت العرش وفى ظله.
وقوله: " الإمام العادل ": هو كل من إليه نظر فى شىء من أمور المسلمين من الولاة والحكام.
وقوله: " ورجل قلبه معلق بالمساجد ": أى شديد الحب فيه والملازمة له، والعلاقة شدة الحب فيه فضل النيات واعتقاد الخير، وأنه مكتوب لصاحبه مدخر له، محسوب فى عمله، وفضل لزوم المساجد والصلاة فيها وعمارتها.
стр. 1848
وَرَجُلانِ تَحَابَا فِى اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِب وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّى أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلمُ يمِينُهُ مَا تُنَفِقُ
ــ
وقوله: " ورجلان تحابا فى الله ": فضل المحبة لله وفى طاعته المحبة [فى] (١) الله والبغض فى الله من الفرائض.
وقوله: " اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ": ظاهره أن حبهما لله صادق فى حين اجتماعهما، وافتراقهما. وقيل: يحتمل أن اجتماعهما على عمل طاعة تحابا وتآلفا عليها وافترقا على ذلك، لينفرد كل واحد منهما بعمل صالح، قاله الباجى، والأول أظهر.
وقوله: " ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمالٍ فقال: إنى أخاف الله ": يحتمل قوله ذلك باللفظ أو فى نفسه، وخص ذات المنصب والجمال لكثرة الرغبة فيها، والمنصب: الشرف. ومنصب الرجل ونصابه: أصله، وظاهره أن الدعوة ها هنا لما لا يجوز من نفسها مما لا تحل، وقيل: يحتمل أنها دعته إلى النكاح، فخاف ألا يقوم بحقها، أو يكون الخوف من الله شغله عن لذات الدنيا، ومباحاتها، وزهده فيها، والأول أظهر.
وقوله: " وشاب نشأ فى عبادة الله ": أى شبَّ وكبر عليها ولم يكن له صبوة، يقال: نشأ الشىء: ابتدأ، ونشأ الصبى: نبت وشبَّ، قال الله: ﴿أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (٢) و ﴿الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٣).
وقوله: " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ": كذا روى عن مسلم هنا [فى جميع النسخ الواصلة إلينا، والمعروف الصحيح: " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " وكذا] (٤) وقع فى الموطأ (٥) والبخارى (٦)، وهو وجه الكلام؛ لأن النفقة المعهود فيها باليمين ويشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم، بدليل إدخاله بعده حديث مالك. وقال بمثل حديث عبيد الله وتحرى الخلاف فيه فى قوله، وقال: " رجل معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود "، فلو كان ما رواه خلافاً لرواية مالك لنبّه عليه كما نبه على هذا، وفيه فضل الصدقة [فى اليسر] (٧) وتأوله العلماء فى التطوع، وأن السر أفضل فيه من العلانية، وقاله ابن عباس (٨) فى قوله: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي﴾ الآية (٩)، وقال:
стр. 1849
شِمَالهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ".
(...) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرأْتُ عَلى مَالِكٍ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - أَوْ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - انَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ. وَقَالَ: " وَرَجُلٌ مُعَلقٌ بِالمَسْجِدِ، إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِليْهِ ".
ــ
جعل الله صدقة التطوع فى السر تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وكذلك فى جميع الفرائض والنوافل، وذكره اليمين والشمال مبالغة فى الاستتار بالصدقة، وضرب مثل بهما لقرب اليمين من الشمال، ولتصرف اليدين جميعاً فى العمل الواحد، وإن كان العلم لا يضاف لليد. وقيل: المراد: من على يمينه وشماله من الناس، والأول أظهر وأولى. وفيه استعمال اليمين فى طاعة الله من الصدقة، وأنه أفضل وأولى، وقد ترجم البخارى على الحديث الصدقة باليمين (١).
وقوله: " ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ": فيه فضل البكاء وفضل أعمال السر كلها؛ لأنها أبعد من الرياء والتصنع.
стр. 1850
(٣١) باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح
٩٢ - (١٠٣٢) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَىُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: " أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتأمُلُ الغِنَى، وَلا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلغَتِ الحُلقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا، أَلا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ ".
٩٣ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَىُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ: " أَمَا وَأَبِيكَ لتُنَبَّأَنَّهُ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتأمُلُ البَقَاءَ، وَلا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلغَتِ الحُلقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ ".
(...) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَىُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ.
ــ
وقوله فى أفضل الصدقة: " وأنت صحيح شحيح ": الشح والبخل. بمعنى. قال الخطابى (١): قيل: الشح أعمّ من البخل، وكان الشح جنس والبخل نوع، وأكثر ما يقال: البخل فى إفراد الأمور، والشح عام كالوصف اللازم، وهو من قبل الطبع؛ لأن البخل فى هذه الحالة غالب على الإنسان، فإذا شح على هذه الحالة كان أصدق لنيته، وأعظم لأجره، بخلاف إذا أشرف على الموت وآيس من الحياة، ورأى مصير المال لغيره، تصدق حينئذ بما لا يشح عليه، وأعطى ما غيره أحق به منه، إلا [ما] (٢) أباحه له الشرع من المتصرف فى ثلثه، مع أنه قد يكون تركه حينئذ للورثة أفضل من الصدقة به، على ما سيأتى فى موضعه، فالبون بينهما بيّن.
وقوله: " بلغت نفسه الحلقوم ": مجاز وتقريب لخوف الموت، لا أنه على الحقيقة، إذ من بلغت نفسه الحلقوم لا يجوز له صدقة ولا وصية.
وقوله: " لفلان كذا ألا وقد كان لفلان ": قال الخطابى: المراد به الوارث، وقد يحتمل أن يريد به سبق القضاء به للموصى.
стр. 1851
(٣٢) باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هى المنفقة، وأن السفلى هى الآخذة
٩٤ - (١٠٣٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا قُرِئَ عَليْهِ - عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: - وَهُوَ عَلى المِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ المَسْأَلَةِ -: " اليَدُ العُليَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وَاليَدُ الَعُليَا المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلى السَّائِلةُ ".
ــ
وقوله: " اليد العليا خير من اليد السفلى " وفسر فى الحديث العليا بالمنفقة، والسفلى بالسائلة، وقد جاء فى حديث آخر: العليا المتعففة (١) ورجحه الخطابى (٢) بحديث حكيم ابن حزام، ولقوله لما سمع هذا: ومنك يا رسول الله، قال: " ومنى "، فقال: والله لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً (٣). قال: ولا يتوهم على حكيم أن يعتقد أن يده خير من يد رسول الله ﷺ ، وإنما فهم أنها المنفقة.
قال القاضى: هذا لا يظهر من الحديث ولا يبعد أن حكيماً إنما راعى ذلك فى حق غيره ﵇ لا فى حقه، والنبى ﵇ إنما عاب على حكيم كثرة السؤال؛ لأن فيه: فسألته فأعطانى ثلاث مرات، ثم قال: " إن هذا المال خضرة حلوة " وذكر الحديث. قال الخطابى: وفيه تأويل ثالث (٤)؛ أن السفلى المانعة، وذكر غيره أن العليا
стр. 1852
٩٥ - (١٠٣٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى القَطَّانِ، قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ - أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ - عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَاليَدُ العُليَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وَابْدأ بِمَنْ تَعُولُ ".
ــ
الآخذة؛ لأنها إذا أخذت كانت فوق السفلى، وهذان التأويلان يردهما ما نص فى الحديث من التفسير. وقال الداودى: ليست العليا والسفلى المعطاة والمعطية بغير مسألة، وإنما هى السائلة والمسؤولة، وليست كل سائلة تكون خيراً من المسؤولة، إنما ذلك لمن سأل وأظهر من الفقر فوق ما به، وأما عند الضرورة أو لِيُكافى فليس من ذلك. وقد استطعما - الخضر وموسى ﵉ أهل القرية (١).
قال القاضى: وما قاله غير مسلَّم فى هذا الفصل الآخر؛ لأن لفظ الحديث يدل على خلافه، وأن الفضل للمعطية والأجر. وأما من سأل مظهرًا للفقر فسؤاله حرام، وليس الحديث فى مثله بل فيمن يجوز سؤاله، ومدار أحاديث الباب وما بعده فى كراهة السؤال وذمه، وسنزيده بياناً إن شاء الله.
وقوله: " وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول ": دليل على ما تقدم من تقديم حق النفس والأهل، وأن الصدقة إنما تكون بعد إحراز قوت نفس الإنسان وقوت أهله؛ لأن حق نفسه وحقهم متعين عليه وفرض والصدقة والمواساة مرغب فيها.
وقد اختلف العلماء فى جواز صدقة المرء بجميع ماله فى حال صحته فأجازه الجمهور من أئمة أهل الأمصار، وقيل: يرد جميعه، وروى عن عمر بن الخطاب. وقيل: يمضى منه الثلث، وهو قول أهل الشام، وقيل كل من أعطى ما زاد على النصف رد إلى النصف، وروى عن مكحول: قال الطبرى: ومع جوازه فالاستحباب ألا يفعل ليتأدب بأدب الله لرسوله، قال الله [تعالى لرسوله ﷺ ] (٢): ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (٣)، وأن يجعل من ذلك الثلث، كما أمر النبى ﷺ أبا لبابة وكعباً. قال الخطابى: ومعنى قوله: " عن ظهر غنى ": أى متبرعاً، أو عن غنى يعتمده ويستظهر به على النوائب، كما قال فى الحديث الآخر: " ما أبقت غنى ". وقد قيل فى هذا: ما ترك غنى للمتصدق عليه، يعنى إجزال العطية. والأول أظهر؛ بدليل لفظ الحديث ومقصده.
стр. 1853
٩٦ - (١٠٣٥) حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَأَعْطَانِى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِى، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ، بُورِكَ لَهُ فِيهِ. وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالذِى يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَاليَدُ العُليَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى ".
ــ
وقوله: " إن هذا المال خضرة حلوة "، قال الإمام: قال الهروى: " خضرة " يعنى: غضة ناعمة طرية، وأصله من خضرة الشجر، وسمعت الأزهرى يقول: أخذ الشىء خضراً مضراً؛ إذا أخذه بغير ثمن، وقيل: غضاً طرياً.
وقوله: " ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبَارَك له فيه " قال القاضى: أى يتطلع إليه وتعرض، وطمع، كما قال فى الحديث بعده: " فمن أعطيته عن مسألة وشره "، فى هذا الحديث وغيره ذم الحرص وكثرة السؤال، وكثرة عطاء النبى ﷺ ، وأنه كان لا يرد سائلاً، وفضل القناعة والإجمال فى الطلب، لقوله: " فمن أخذ بحقه بطيب نفس بورك له فيه "، وفى الحديث الآخر: " بسخاوة نفس بورك له فيه " (١)، وأن البركة مع القناعة. ويرجع طيب النفس وسخاوتها على المعطى، وهو الأظهر، لقوله فى الحديث الآخر: " فمن أعطيه عن طيب نفس " أى بغير سؤال، ومثله قوله فى الآخر: " لا تلحفوا فى المسألة، فو الله لا يسألنى أحد شيئاً فتخرج له مسألته منى شيئاً وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته "، وقد يحتمل رجوعه على المعطى ويكون طيب النفس بما قسم الله له، وتفويضه إليه، وتوكله عليه وانتظاره فضله، وأن فى ضد هذا من الحرص والشره المحق وعدم البركة.
وقوله: " كالذى يأكل ولا يشبع " (٢) قيل: إنه من [داء به] (٣)، وهو الذى يسميه الأطباء: الجوع الكاذب، وهو عندهم من غلبة السوداء. وقد يكون أراد به كالبهائم الراعية، ويكون من معنى قوله فى الحديث الآخر الذى فى معناه: " وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطًا أَوْ يُلِم، إلا أكلة [الخضر] (٤) " الحديث، وسنذكره فى آخر هذا اللفظ بنصه. وقوله: " إن تبذل الفضل خير لك ": يريد: من حوز أجره وادخار ثوابه.
стр. 1854
٩٧ - (١٠٣٦) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الجَهْضَمِىُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الفَضْلَ خَيْرٌ لكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لكَ، وَلا تُلامُ عَلى كَفَافٍ، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُليَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى ".
ــ
وقوله: " وإن تمسكه شر لك " إن كان عن حقوقه فبين فى العقاب عليه، وإن كان عن النوافل فلما يفوته من الثواب والأجر الجزيل.
وقوله: " ولا (١) تلام على كفاف ": دليل أن الكفاف محمود لاتباعه فيه.
وقوله: " وابدأ بمن تعول ": فيه تقديم العيال والقرابة على الأجانب، وأن حقهم آكدُ فيما يجب وفيما يستحب.
стр. 1855
(٣٣) باب النهى عن المسألة
٩٨ - (١٠٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابِ، أَخْبَرَنِى مُعَاوِيَةُ ابْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِى رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ اليَحْصُبِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ، إِلا حَدِيثًا كَانَ فِى عَهْدِ عَمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِى اللهِ ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ ". وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ، فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلةٍ وَشَرَهٍ، كَانَ كَالذِى يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ ".
٩٩ - (١٠٣٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ هَمَّامٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تُلحِفُوا فِى المَسْأَلَةِ، فَوَاللهِ لا يَسْأَلَنِى أَحَدٌ منْكُمْ شَيْئًا، فَتُخْرِجُ لَهُ مَسْأَلتُهُ مِنِّى شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ، فَيُبَارِكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ ".
(...) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ المَكِّىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنِى وَهْبُ ابْنُ مُنَبِّهٍ - وَدَخَلْتُ عَليْهِ فِى دَارِهِ بِصَنْعَاءَ فَأَطْعَمَنِى مِنْ جَوْزَةِ فِى دَارِهِ - عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ. فَذَكَرَ مِثْلهُ.
ــ
وقول معاوية: " إياكم والأحاديث، إلا حديثًا فى عهد عمر، فإنه كان يخيف الناس فى الله " نهى عن الإكثار بالأحاديث، لما شاع فى زمنه من التحدث عن أهل الكتاب، وما وجدوه من كتبهم عند فتح بلادهم، والرجوع إلى ما تقدم من الأحاديث قبل أيام عمر لضبطه الأمر وشدته فيه، وطلبه الشهادة على ما بلغه منه حتى استقرت السنن، وصحيح الأحاديث.
وقوله: " من يرد الله به خيرًا يفقهه فى الدين " فيه فضل العلم والفقه فى الدين، ولأنه يقود [إلى خشية الله تعالى وتقاه قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١)، وهذا يقود] (٢) إلى الخير فى الآخرة وعظيم الثواب.
стр. 1856
١٠٠ - (١٠٣٧) وَحَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ، وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِى اللهُ ".
ــ
وقوله: " إنما أنا قاسم، والله يعطى "، وفى الآخر: " خازن ": فيه تفويض الأمور إلى الله تعالى، وكون جميعها بمشيئته وقدرته [والتسريح] (١) بأن الإنسان مصرف مسخر بحكمه، لا إله غيره، وأنه ﵇ لم يستأثر بشىء (٢) من الدنيا وإنما تصرفه فيها لمصلحة عباده، وأمر ربه لا لنفسه ولا لحوله وقوته.
стр. 1857
(٣٤) باب المسكين الذى لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه
١٠١ - (١٠٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ - يَعْنِى الحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " ليْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الذِى يَطُوفُ عَلى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللقْمَةُ واللقْمَتَانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ ". قَالوا: فَمَا المِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَالَ: " الذِى لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَليْهِ، وَلا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا ".
ــ
وقوله: " ليس المسكين بهذا الطواف " الحديث، قال الإمام: قال محمد بن سلام: قلت ليونس: ما [الفرق] (١) بين الفقير والمسكين؟ فقال: الفقير الذى يجد القوت، والمسكين الذى لا شىء له. وقال ابن عرفة: الفقير عند العرب: المحتاج، قال الله تعالى: ﴿أَنتُمُ الْفقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢)، أى المحتاجون، والمسكين: الذى قد أذله الفقر، فإذا كان هذا إنما مسكنته من جهة الفقر حلت له الصدقة وكان فقيراً مسكيناً، وإذا كان مسكيناً قد أذله شىء سوى الفقر فالصدقة لا تحل له، إذ كان شائعاً فى اللغة أن يقال: ضرب فلان المسكين، وظلم فلان المسكين، وهو من أهل الثروة واليسار، وإنما لحقه اسم المسكين من جهة الذلة، فمن لم تكن مسكنته من جهة الفقر فالصدقة له حرام، وقد سمى الله تعالى من له الفلك مسكيناً، فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (٣). قال الشافعى: الفقراء: هم الزمنى الذين لا حرفة لهم، وأهل الحرف الذين لا تقع حرفتهم من حاجتهم موقعاً، والمساكين: السوال، من له حرفة تقع موقعاً ولا تغنيه وعياله.
قال القاضى: اختلف أهل اللغة والفقهاء فى المسكين والفقير، أيهما أشد فاقة؟ وفيه الحض على ارتياد الأولى بالصدقات والأحوج، وليس فى هذا الحديث من قوله: " ليس المسكين بهذا الطواف "، نفى المسكنة - عنه، وأنه ممن لا تحل له الصدقة، وإنما أراد المبالغة فى المسكنة فى غيره، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب﴾ الآية (٤)، وقال ﵇: " ليس الشديد بالصرعة " (٥) أى أن المسكين الكامل المسكنة هو الآخر المتعفف الذى لا يسأل ولا يفطن له فيتصدق عليه. وأما الطواف فطوافه كالكسب له.
(٣٥) باب كراهة المسألة للناس
١٠٣ - (١٠٤٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلى بْنُ عَبْدِ الأَعْلى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَخِى الزُّهْرِىِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لا تَزَالُ المَسْأَلةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلقَى اللهَ، وَليْسَ فِى وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ".
(...) وَحَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَخِى الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلمْ يَذْكُرْ " مُزْعَةُ ".
ــ
[وقوله] (١): " لا تزال المسألة بأحدكم حتى [يلقى] (٢) الله ولما فى وجهه مزعة لحم "، قال الإمام: أى قطعة لحم، يقال: أطعَمَهُ مزَعَة لحم، [أى] (٣) قطعةً منه (٤)، نتفة لحم، أى قليلاً. ومَزَّعَتِ المرأةُ قُطنَها إذا زَبَّدَتْهُ، أى قَطَّعَتْهُ ثم [ألفَتْهُ] (٥) فَجَوَّدَهُ بذلك، وفى الحديث: " فصار أنفه كأنه يتمزع " (٦) أى يتشقق ويتقطع غضباً.
قال القاضى: قيل: معناه: يأتى يوم القيامة ذليلاً ساقطاً لا وجه له عند الله، وقيل: هو على ظاهره، يحشر وجهُه عظماً دون لحم، عقوبة من الله، وتمييزاً له وعلامة بذنبه لما طلب المسألة بالوجه، كما جاء فى الأحاديث الأخرى من العقوبات فى الأعضاء التى كان بها العصيان، وقيل: ليس على وجهه لحم يقيه حر شمس المحشر، وهذا ضعيف، وهذا فيمن سأل لغير ضرورة وتكثراً، [كما جاء فى الحديث الآخر: " من سأل لغير ضرورة وتكثراً "، و] (٧) كما جاء فى الحديث الآخر: " من سأل تكثراً فإنما هو جمر " (٨)،
стр. 1860
١٠٤ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى الليْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأتِى يَوْمَ القِيَامَةِ وَليْسَ فِى وَجْهِهِ مُزْعَة لحْمٍ ".
١٠٥ - (١٠٤١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنُ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ ".
١٠٦ - (١٠٤٢) حَدَّثَنِى هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ بَيَانٍ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِىَ بِهِ مِنَ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلاً، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اليَدَ العُليَا أَفْضَلُ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ ".
(...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِى قَيْسُ ابْنُ أَبِى حَازِمٍ، قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرةَ فَقَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " وَاللهِ، لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهُ ". ثُمَّ ذَكَرَ بِمثْلِ حَدِيثِ بَيَانٍ.
ــ
يعنى معاقبته عليه بالنار، إذ (١) غر من نفسه، وأخذ باسم الفقر ما لا يحل له، أو يكون مجازاً من ذل (٢) السؤال، وبذل الوجه لغير فاقة مضطرة، فاستعان لذلك احتراق الوجه بذلك، وأن الاحتطاب وتكلف صعب المعيشة ومشقة الكسب، خير له وأصون لإراقة ماء وجهه، ورونق محياه، وقد يكون الجمرُ على وجهه، أى يرد ما يأخذ جمرًا فيكوى به (٣)، كما جاء فى مانع الزكاة. وقد يكون عندى قوله: " لقى الله وما فى وجهه مزعة لحم " على ضرب المثل والاستعارة لحاله فى الدنيا، من ذهاب الجرمة عن وجهه، والصون بذل السؤال حتى مات ولم تبق له وجه عند الناس ولا قدر.
واختلف فيمن تحل له المسألة، فقيل: من معه ما يغديه ويعشيه فلا تحل له، وتأولوا