تَطَّوَّعَ، وَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ". فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: " لا، إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ ". وَذَكَرَ لَهُ رسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: " لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ، لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ".
٩ - (...) حدّثنى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أبى سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْن عُبَيْدِ اللهِ، عنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ، إِنْ صَدَقَ " أَوْ: " دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَأَبِيهِ، إِنْ صَدَقَ ".
ــ
وكذلك لم يرد فى حديث وفد عبد القيس ذكر الحج جملة، ولا ورد فيه الصوم من رواية حماد بن زيد عند مسلم وهو فى روايته عند البخارى، وفيه ذكر أداء الخُمسِ من المغنم والنهى عن أربع، وليس فى حديث مُعاذ ذكر الصوم ولا الحج، وكذلك لم يرد فى حديث جبريل ذكر الحج عن أبى هريرة وورد فيه من حديث ابن عمر (١).
ولم يأت فى حديث النجدى ذكر الإيمان (٢)، إما لأنه كان مُسلماً، وإنما سأل عن الفروع، بدليل قوله فى الرواية الأخرى: " يا رسول الله، أخبرنى بما فرَض الله علىَّ من الصيام ... " وذكر مثله فى الزكاة. وقد اختلف فى وقت فرض الحج فقيل: سنة تسع، وقيل: سنة خمس، والأول أصح، وذكر الواقدى أن وفادة ضمام كانت سنة خمس (٣)، فمعنى هذه الآثار كلها وزيادة بعضها على بعض فى أعداد الوظائف التى وعد النبى ﷺ [بنجاة من اقتصر عيها وفلاحِهِ ودخول الجنة أن تُضم هذه الزيادة التى زادها الثقة ويحكم بصحتها ويحمل إسقاط من أسقطها على الوَهْم والنسيان، إلا ما لم تختلف الرواية فى إسقاطه فيُحمل أَنَّ فرضه بعد هذا] (٤)، أو يكون قوله: " إلا أن تطوَّع " فى حديث النجدى مُنَبهاً على ما زاد على الفرائض من السنن، فيكون قوله: " لا أزيد " أى على ما
стр. 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكرت من الفرائض [إلا أن أتطوع] (١) وقد قيل: قد يكون معناه: لا أزيد على تبليغ ما ذكرت لى إلى قومى ولا أنقص منه.
وإذا نظرنا إلى زيادة حديث جابر من قوله: " وأحللتُ الحلال وحرمت الحرام " اشتملت هذه اللفظة على وظائف الإيمان وسنن النبى ﷺ (٢)، ولم يبق سؤال على قوله: لا أنقص منه. ومثله قوله فى رواية البخارى: " فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام " (٣) وأما اختصاصه فى حديث أبى أيوب صلة الرحم وفى حديث وفد عبد القيس الأوعية (٤)، فذلك -والله أعلم- بحسب ما يخص السائل ويعنيه من ذلك وسيأتى الكلام عليه.
стр. 213
(٣) باب السؤال عن أركان الإسلام
١٠ - (١٢) حدّثنى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَىْءٍ. فَكَانَ يُعجِبُنَا أَنْ يَجِىءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلَ الْبَادِيةِ، الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ؟ قَال: " صَدَقَ ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: " اللهُ ". قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: " اللهُ ". قَال: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: " اللهُ ". قَال: فَبِالَّذِى خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَال: " نَعَمْ ". قَالَ وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَومِنَا وَلَيْلَتِنَا. قَالَ: " صَدَقَ ". قَالَ: فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِى أَمْوَالنَا. قَالَ: " صَدَقَ "، قَالَ: فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَزَعَم رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِى سَنَتِنَا. قَالَ: " صَدَقَ ".
ــ
وقوله: " يا محمد ": لعل هذا كان قبل أن يُنهى الناسُ عن دعائه بمثل هذا وقبل نُزول قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (١) على أحد التفسيرين (٢)، قال قتادة: أمروا أن يعظموه ويفخموه، قال غيره: ويدعوه بأشرف ما يُحبُ أن يُنادى به؛ يا رسول الله، يا نبى الله، وقيل ذلك أيضاً فى قوله: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض﴾ الآية (٣)، وقد ورد فى هذا الحديث أيضاً أنه ناداه: يا رسول الله، ولعل ذلك كان بعد تعليمهم ما يجب عليه أو تمكن إسلامه ومَعْرِفَة حق الرسالة؛ لأنه أول (٤) وروده كان مسترشداً أو مستفسراً.
وقوله فى حديث النجدى: " أتانا رسولك ... " وتحليفه النبى ﷺ على ما سأله عنه يستدل به من يقول: أول الواجبات مُجرد التصديق، وقد يكون هذا الرجل لأوَّلِ ما جاء
стр. 214
قَال: فَبِالَّذِى أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَال: وَزَعَم رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً. قَال: " صَدَقَ " قَالَ: ثُمَّ وَلَّى. قَالَ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلا انْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ ".
١١ - (...) حدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ؛ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُهِينَا فِى الْقُرْآنَ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَىْءٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.
ــ
أراد الاستثبات وكشف الأمر، فلما كان فى أثناء ذلك ظهر له من دلائل النبَّوة ما ثبَّت له اليقين، ويصحح الإيمان والمعرفة، ألا تراه كيف استثبت فيمن خلق الأرض والسماء ونصب الجبال، وهذا أقوى طُرق الحجة على إثبات الصانع. وظاهر الحديث أنه لم يأت إلا بعد إسلامه وإجابته، وإنما جاء [مستثبتاً] (١) ومشافهاً للنبى ﷺ بدليل (٢) أنه لما فارقه إنما التزم ألا يزيد ولا ينقص، لكن جاء فى صحيح البخارى أنه قال فى آخر الحديث (٣): " آمنتُ بما جئت به وأنا رسول من ورائى ... "، والكلُ محتمل للوجهبن، وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هذا الحديث دليل على الرحلة فى علو الإسناد، إذ لم يُقْنِع هذا البدوىَّ ما سمعه عن رسول الله ﷺ وما بلغه حتى رحل بنفسه إليه وسمع منه، قال: ولو كان طلبه غير مستحب لأنكر ﵇ سؤاله إياه عما أخبره به رسولُه عنه، وأمره بالاقتصار على ما سمع منه (٤).
قال القاضى: ولا حجة له فى هذا؛ لأن الرجل فعل ما يجب عليه ورغب عن الاقتصار على غلبة الظن ممَّا أخبره به الرسول عن النبى ﵇ من الشرائع الذى يمكن للمبلغ أن يغلط فيها ويهم، ويدخل عليه الآفات، وحرص على اليقين بسماعه من النبى ﷺ الذى لا يجوز عليه الوهم فى باب التبليغ، وقد تقدّم الكلام فى علو الإسناد، قبل مع ما كان يجب من الهجرة والرحلة على المسلمين إلى النبى ﵇ أول الإسلام، ويتعين عليهم من لقائه والتبرك برؤيته.
وقوله: " كُنَّا نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ "، وقوله فى الحديث قبله: " سلونى
стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فهبنا أن نسأله " ليس فيه تعارُض، نُهُوا عن سؤاله عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم، ولم ينهوا عن غير ذلك، وإذا أذن لهم فى السؤال فلم يرتكبوا نهياً.
وقوله. " ثائر الرأس " (١) أى: قائمة منتفشة (٢)، وقوله: " يُسمَعُ دَوىُّ صوتهِ " (٣) بفتح الدال، أى: بُعده فى الهواء مأخوذ من دَوِى الرعْد.
وقوله: " أفلح إن صدَق أو دخل الجنة إن صدق ": هذه الجملة الأخيرة تفسير للأولى (٤)، وقد وردت فى الرواية الأخرى منفردة بمعناها، والفلاح البقاء، ومنه: (حىَّ على الفلاح)، أى: العمل المؤدى إلى الجنة والبقاء فيها وهو الفَلَح. قال الأعشى:
هل لحىِّ نال قومى من فَلَحٍ
أى: بقاء، قال الهروى: العرب تقول لكل من أصاب خيراً: مُفْلِح، وأفلح الرجلُ إذا فاز بما يغبط به، وقيل فى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾ (٥) أى: فازوا. [قال ابن دريد: أفلح الرجل وأنجح إذا أدرَك مطلوبه، وقال القاضى أبو الوليد الباجى: استعمل رسول الله ﷺ ] (٦) الصدق هنا فى خبر المستقبل، وقد قال القتبى: الكذب مخالفة الخبر فى الماضى والخلف فى المستقبل (٧) فيجب على هذا أن يكون الصدق فى الخبر عن الماضى والوفاء فى المستقبل. وما ورد عن النبى ﷺ هنا يرد على ابن قتيبة.
وفى قوله: " أفلح إن صدق ": ردٌّ على المرجئة (٨)، إذ فيه فلاحه بشرط صِدْقه فى ألا ينقص مما ألزمه من الأعمال والفرائض.
стр. 216
(٤) باب بيان الإيمان الذى يدخل به الجنة وأن من تمسك بما أقر به دخل الجنة
١٢ - (١٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو أَيُّوبَ؛ أَنَّ أعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِى سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ - أَوْ بِزِمَامهَا - ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِى بِمَا يُقَربُنِى مِنَ الْجَنَّةَ وَمَا يُبَاعِدُنِى مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَكَفَّ النَّبِىُّ ﷺ ، ثُمَّ نَظَرَ فِى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: " لَقَدْ وُفِّقَ أَوْ لَقَدْ هُدِىَ " قَالَ: " كَيْفَ قُلْتَ؟ " قَالَ: فَأَعَادَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دَعِ النَّاقَةَ ".
١٣ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وعَبَدُ الرَّحْمنِ بْنُ بِشْرٍ؛ قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ، عَن النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.
١٤ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْنِينِى مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِى مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: " تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ به شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ ". فَلَمَّا أَدْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ". وَفِى رِوَايَةِ ابْنَ أَبِى شَيْبَةَ: " إِنْ تَمَسَّكَ بِهِ ".
ــ
وقوله: " وتصل ذا رحمك "، قال الإمام: ينبغى أن تتأمَّل هذا مع قول النحاة: إن لفظة " ذا " إنما تضاف إلى الأجناس، فلعل الإضافة هنا مقدر انفصالها، والإضافة بمعنى تقدير الانفصال موجودة.
قال القاضى: لفظة " ذا " و " ذى " و " ذو " عند أهل العربية إنما تضاف إلى الأجناس ولا تضاف عندهم لغيرها من الصفات، والمضمرات، والأفعال، والأسماء المفردات؛ لأنها فى نفسها لا تنفك عن إضافة. وقد جاءت مفردة ومضافة إلى مفرد وإلى فعل ومجموعة ومثناة وكله عندهم شاذٌ، كقولهم: ذو يزن، وذو نواس، وقالوا فيهم: الذَّوين والأذواء (١) وقالوا: افعل كذا بذى تسلم.
стр. 217
١٥ - (١٤) وحدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حدثنا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: " تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتؤَدِّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ". قَالَ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا، وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا ولَّى، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنظُرَ إِلَى رَجُلٍ منْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ".
١٦ - (١٥) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْبٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: أَتَى النَّبِىَّ ﷺ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَأَحْلَلتُ الْحَلالَ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " نَعَمْ ".
١٧ - (...) وحدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، وَأَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ
ــ
[وتقدير هذا عندهم على الانفصال كما قال، أى: الذى له كذا أو الذى تسلم] (١)، كذلك قوله: " ذا رحمك " أى: الذى له رحم معك أو يشاركك فيها، ونحوه، ومعنى ذو: صاحب. قيل: وأصله ذوو (٢) لأنهم قالوا فى تثنيته: ذوا مال. والله أعلم.
قال القاضى: استدل البخارى وغيره من حديث النجدى على جواز القراءة على العالم عليه والتحديث بها بقوله: " وأخبر به من ورائى " وهو الصحيح، والحجة فيه من هذا الحديث بيّنة، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى وقول النبى ﷺ فيه: " نعم " قد يحتج به من يُلزمَ من الظاهرية الشيخ الإقرار بنعم بعد تقرير الراوى له، وقوله له: هو كما قرأناه عليك؟ ولا حجة فيه؟ لأن هذا مستفهم للنبى ﷺ ، طالب منه جواب نعم، بخلاف القارئ والذى يعرض على الشيخ.
قال غيره: وفيه بسط الكلام بين يدى الحاجة لقوله: " إنى سائل فمشدّدٌ عليك "، وفيه جواز التحليف والتأكيد للأمور المهمة والأخبار الهائلة، وجواز الحلف فى ذلك كما قال
стр. 218
النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِمِثْلِهِ. وَزَادَا فِيهِ: وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا.
١٨ - (...) وحدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - وَهُو ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ - عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْت إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلتُ الْحَلَالَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَاللهِ! لا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا.
ــ
تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَق﴾ (١)، وفيه صبر العالم على جفاء
السائل الجاهل، وبيان ما يلزمه للمتعلم المسترشد، وإجابته لما يرى أنه ينفعه ويحتاج إليه فى دينه، وفيه جواز قول ما تدعو إليه الضرورة من خشن الكلام، وجواز الاعتذار منه، لقوله ما قال ثم قال: " لا تَجِدَنَّ علىَّ "، وتسويغ النبى ﷺ ذلك له (٢).
وقوله: " أفلح وأبيه " (٣): وقد نهى النبى ﷺ عن الحلف بالآباء، لعله كان قبل النهى، أو يكون على غير اعتقاد نية الحلف والتعظيم لمن حلف به، على ما جرت به عادة العرب، وانطلقت به ألسنتها، ونهى عن اعتقاد ذلك وقصده. [وقيل: كان ذلك أول الإسلام، وقريب عهدهم بميتات الجاهلية، فَنُهوا عن ذلك وقيًا لأجله، وقيل: أضمر ورب أبيه كما فى أقسام الله فى كتابه بمخلوقاته، أى: ورب الليل إذا يغشى، ورب الضحى، ونحوه] (٤).
стр. 219
(٥) باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام
١٩ - (١٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِى سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الأَحْمَرَ - عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " بُنِىَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسَةٍ؛ عَلَى أَنْ يُوحَّدَ اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالحَجِّ ". فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: لا، صِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ، هَكَذَا سَمعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٢٠ - (...) وحدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِىُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛
ــ
وقوله: فى حديث: " بنى الإسلام على خمس " ورد ابن عمر على الراوى لما قدَّم حج البيت على رمضان إلى (١) أن يقدّم ذكر رمضان، وقال: " هكذا سمعت من رسول الله ﷺ "، قال الإمام: يحتمل أن يكون مُشاحة ابن عمر فى هذا لأنه كان لا يرى نقل الحديث بالمعنى وإن أداه بلفظ (٢) يحتمل، أو يكون يرى الواوَ توجب الترتيب كما قال بعضُهم، فيجب التحفظ على الرتبة المسموعة من النبى ﷺ ؛ لأنه قد يتعلق بذلك أحكام، فقد يستدل على تقدمه إطعام [الفطر فى رمضان] (٣) على الهدايا الواجبة فى الحج إذا أوصى بها [وضاق] (٤) الثلث عنهما بهذه المتقدمة الواقعة فى الحديث، لإشعارها بأن ما قدم آكد، والمعتبر فى الوصايا [تقدمه] (٥) الآكد.
قال القاضى: قد مَرَّ من الكلام فى هذه المسألة واختلاف الناس فيها [ما فيه] (٦) كفاية، والصواب والاستحسان حماية هذا الباب كما تقدم؛ لئلا يتسلط الجاهل بأنه جاهل على ما لم يحط به علمًا، وأما فى أدَاء الرواية فآكد، وقد ذكرنا أنه مذهب مالك فى حديث النبى ﷺ ، وأنه كان يتحرى فيه الفاء والواو، وروى مثله عن أمثاله، وقد قال ﵇: " نضَّر الله امرأ سَمِع مقالتى، فأدّاها كما سمعها "، لكنه قد يُسَهّل فى إصلاح الحرف الذى لا يشك فيه سقوطه، [وقد] (٧) روى هذا عن مالك، وكذلك
стр. 220
قَالَ: " بُنِىَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ؛ عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ".
٢١ - (...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بُنِىَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ".
٢٢ - (...) وحدّثنى ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ ابْنَ خَالِدٍ يُحَدِّثُ طَاوُسًا؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَلا تَغْزُو؟ فَقَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ
ــ
اللحن البيّنُ. قال الشعبى (١): يُعْرَبُ، وقاله أحمد بن حنبل قال: لأنهم لم يكونوا يلحنون، وقال النسائى: إذا كان شيئًا تقوله العرب فلا يُغير، وإن لم يكن من لغة قريش؛ لأنه ﷺ كان يكلم الناس بألسنتهم، وإن كان لا يوجد فى كلام العرب فرسول الله ﷺ لا يلحن، وقد هاب بعضُهم أيضاً هذا، وروَوْا الحرف على ما وجدوه ونبَّهوا عليه، وهذا موجود فى الموطأ وكتب الصحيح وغيرها، حتى فى حروف القرآن تركوها فيها كما رووها ووقع الوهم فيها ممن وقع، وقد يكون رد ابن عمر على الرجل إلى تقديم رمضان لِتَقَدّم فريضة رمضان على فريضة الحج، فجاء بالفرائض على نسقها فى التاريخ، والله أعلم.
قول حنظلة: سمعت عكرمة بن خالد يُحدثُ طاوساً: أن رجلاً قال لعبد الله بن عُمَر: ألا تغزو (٢)، قال الإمام: هكذا أتى مُجوداً فى رواية الجلودى، وفى نسخة ابن
стр. 221
رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِن الإِسْلامَ بُنِىَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ انْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ ".
ــ
الحذّاء عن أبى [العلاء: سمعت] (١) عكرمة يُحدث عن طاوس: [أن رجلاً] (٢)، وهذا وَهْم، والصحيح الأول.
قال القاضى: وقول ابن عمر لهذا السائل عن الغزو: سمعت رسول الله ﷺ ، وذكر حديث: " بُنى الإسلام على خمسٍ "، يُستدل به على سقوط فرض الجهاد، وأنه ليس من مبانى الإسلام، وإنما هو من فروض الكفايات (٣)، وهو قول جماعة من العلماء أن فرضه نسخ بعد فتح مكة، وذكر أنه مذهب ابن عمر والثورى وابن شبرمة، ونحوه لسحنون من أصحابنا، إلا أن ينزل العدو بقومٍ، أو يأمر الإمام بالجهاد، ويستنفر الناس فتلزمهم (٤) طاعته. وقال الداودى: لما فتحت مكة سقط فرض الجهاد عمن بَعُد من الكفار وبقى فرضه على من يليهم، وكان أولاً فرضاً على الأعيان.
стр. 222
(٦) باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ وشرائع الدين والدعاء إليه، والسؤال عنه، وحفظه، وتبليغه من لم يبلغه
٢٣ - (١٧) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبى جَمْرَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنُ عَبَّاسٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِى جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا هَذَا الحَىَّ مِنْ رَبِيعَة، وَقَدْ حَالَتْ بَيْننَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَر، فَلا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلا فِى شَهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَعْمَلُ بِهِ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيْمَانِ بِاللهِ - ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ فَقَالَ -: شَهَادةِ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ
ــ
وقوله فى حديث عبد القيس: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع؛ الإيمان بالله، ثم فسَّرَها لهم فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة وأداء الخمس "، وفى بعض طرقه: " أمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: هل تدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وذكر الصلاة والزكاة والصوم وأداء الخُمس " (١)، وفى رواية أخرى: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وذكر الصلاة والزكاة والصوم وأداء الخُمس " (٢)، قال الإمام: ظن بعض الفقهاء أن فى هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة من الإيمان، خلافاً للمتكلمين من الأشعرية القائلين بأن ذلك ليس من الإيمان (٣)، وهذا الذى ظنه غير صحيح؛ لاحتمال أن يكون الضمير فى قوله: ثم فسرها لهم (٤) عائداً على الأربع لا على الإيمان كما ظن هذا الظان، ويحتمل فى الحديث الثانى أن يكون قوله: " وأقام الصلاة " معطوفاً على الأربع.
стр. 223
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الدُّبَاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُقَيَّرِ ". زَادَ خَلَفٌ فِى رِوَايَتَهِ: " شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ " وَعَقَد وَاحِدَةً.
٢٤ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُترْجِمُ بَيْنَ يَدَىِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ
ــ
قال القاضى: أشكل معنى هذا الحديث على بعض الناس حتى تكلف له ما لا يحتاج إليه لما ذكر أربعاً (١)، ثم جاء فى بعض الروايات الأخر بأربع غير الشهادتين قال (٢): وفَّىَ لهم بما وعدهم ثم زادهم، وهذا ليس بسديد، بل الأربع التى أخبرهم بها لا يُعَدُّ فيها الإيمان ولا عبادة الله، وترك الإشراك المذكور فى الحديث؛ إذ كان هذا قد تقرر عندهم وأتوه، وإنما سألوه عن غيره بما لم يعلموا من قواعد الشريعة، ويدل عليه قوله: " آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان بالله؟ " ثمَّ فسَّره لهم بالشهادتين، ثم ذكر الأربع بعد ذلك، وأما على الرواية الأولى فهى أربع بالشهادة وقد قال فى آخر الحديث: وذكر الشهادة قال: وعقد واحدة، وإسقاط الصوم منه وهمٌ والله أعلم، لاتفاق الروايات الأخر عليه. وأما الحج لم يكن فرض بعد؛ لأن وفادة عبد قيس كانتُ عام الفتح قبل خروج النبى ﷺ إلى مكة، وفريضة الحج بعدها سنة تسع على الأشهر، والله أعلم. وقد يحتمل أن يكون الأربع التى أمرهم بها الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام التى سألوا عنها، وهى قواعد الإسلام وأصول العبادات، وفروض الأعيان، ثم أخبرهم أنه يلزمهم إخراج خمس ما غنموه وأداؤه للمسلمين، لما أخبروه بمجاورتهم كفار مضر وعداوتهم لهم يقصد إلى ذكر مجاهدتهم بعدها من قواعد الإسلام (٣) والجهاد بعد لم يكن فُرض (٤)؛ لأن فرضه العام نزل فى سورة براءة سنة ثمان بعد الفتح، بل نبههم على أداء خمس ما يأخذونه منهم، ولا يبعد إطلاق اسم الإيمان على هذه الجملة؛ إذ بها يتم الإيمان ويكمل الإسلام، ويكون قوله: " آمركم بالإيمان بالله " عائد على كل ما أمرهم به ونهاهم عنه، أو يكون إضراباً عن تفصيل الأعداد، وأمر بالإيمان الشامل لها ولغيرها، والله أعلم.
стр. 224
النَّاسِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَر. فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنِ الْوَفْدُ؟ أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟ ". قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَال: " مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلا النَّدَامَى ". قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَأتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَىَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأتِيكَ إِلا فِى شَهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ. قَال: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ. وَقَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟ ". قَالُوا: اللهُ
ــ
وقوله: " مرحباً بالقوم أو الوفد غير خزايا ولا نداماً " ويروى: " ولا النّدامى " (١).
وقوله: " ولا ندَامى ": مراده به جمع الواحد الذى هو نادم، ولكنه جاء هاهنا على غير القياس اتباعاً لخزايا. قال ابن قتيبة وغيره: قال الفراءُ وغيره: العربُ إذا ضمت حرفاً إلى حرف فربما أجروه على بنيته، ولو أفردوه لتركوه على جهته الأولى، من ذلك قولهم: إنى لآتيه بالغدايا والعشايا، فجمعوا الغداة غدايا، لما ضُمَّت إلى العشايا.
وأنشد:
هنَّاك (٢) أخبية ... ولاج أبْوِية
تخلط بالجدمنه ... البُرُّ واللينا
فجمع الباب أبويةً؛ إذ كان مُتَّبعاً لأخبية، ولو أفرده لم يجُز.
قال الفرَّاء: وأرى قوله فى الحديث: " ارجعن (٣) مأزورات غير مأجورات " (٤) من هذا، ولو أفردوا لقالوا: موزورات.
قال غيره: وإنما يجمع على ندامى النَّدمان الذى هو النديم، وقال القَّزاز فى جامعه: يقال فى النادم (٥): ندمان، فعلى هذا يكون الجمع جارٍ (٦) على الأصل، لا على جهة الاتباع.
стр. 225
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ ". وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: النَّقِير. قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ. وَقَالَ: " احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ ". وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِى رِوَايَتِهِ: " مَنْ وَرَاءَكُمْ " وَلَيْسَ فِى رِوَايَتِهِ الْمُقَيَّرِ.
ــ
قال القاضى: قال الهروى فى الحديث المأثور: " غير خزايا ولا نادمين ": أى غير مستحيين، مأخوذ من الخزاية وهى الاستحياء، فجاءت رواية الهروى هذه على جمع نادم، والمعنى: إنكم بادرتم بإسلامكم دون حرب تفضحكم وتخزيكم، أو توجب الاستحياء من تأخر إسلامكم، أو من عنادكم وحربكم لنا، والندم على ما فاتكم من المبادرة. وقوله: " مرحباً " نُصِب على الصدر، استعملته العرب فى البر وحسن اللقاء، ومعناه: صادف رُحباً وسعةً وبراً.
وفيه جواز قول مثل هذا، وقد جاء فى غير حديث (١).
وقوله فيه: " وأنهاكم عن الدُّبَّاء والحنتم والنَّقير والمُقَيَّر ": هذا موضع ذكره، ووقع فى المُعلم مُقدَّماً فى غير موضعه (٢)، قال الإمام: الدُّبَّاء ممدود، قال الهروى: الدُّبا القرعَةُ، كانت يُنتبَذُ فيها وتُخَمَّر (٣). قال أبو عبيد: الحنتم (٤) جرار خُضرٌ كانت تحمل فيها إلى المدينة الخمر، وذكر ابن حبيب أن الحنْتَم الجَر، وكل ما كان من فخارٍ أبيض أو أخضر (٥). قال بعض أهل العلم: ليس كما قال ابن حبيب، وإنما الحنتم ما طلى من الفخار بالحنتم المعمول من الزجاج وغيره، وهو يعجل الشدة فى الشراب، وأما الفخار الذى لم يُطْلَ فليس كذلك، وحكمه حكم الجرّ. قال أبو عبيد: النقير أصله النخلة يُنْقَر جوفها ثم يُشْدَخُ فيه الرطبُ والبُسْرُ فيدعونه (٦) حتى يَهْدُر ثم يموتَ، وفى كتاب مسلم أن
стр. 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النقير جذع يُنْقَرُ [فيه] (١) فيقذفون فيه من القُطيعاء. قال ابن ولاد (٢) [وغيرُه] (٣): القُطيعاء [بالمد] (٤) نوع من التمر يقال له: السهريزُ (٥).
قال غيرُه: والمقَيَّرُ: ما طُلى بالقار وهو الزفتُ.
قال الإمام: أما الحنتَم فروى ابن حبيب (٦) عن مالك أنه أرخصَ فى الحنتم. وروى القاضى أبو محمد المنع منه على التحريم، وأما المنقور فروى عن مالك الكراهية والرخصةُ فيه، وأما الدُّبَّاء والمزفتُ فكره مالك نبيذهما، قال ابن حبيب: والتحليل أحبُّ إلى (٧).
قال القاضى: حكى أبو إسحاق الحربى عن أنس بن مالك: الحناتم قلالٌ يجاء بها من مُضرَ مقيّراتُ الأجواف، وذكر نحوه عن ابن أبى ليلى (٨)، وزاد جُمْراً، قال: وليست بالخضر الطويلة؛ إذْ أنها ضيّقَة أفواهها يُساق فيها الخمرُ، وفى رواية أخرى عنه: يؤتى بها من الشام، وعن عائشة هى جرار حُمر أعناقها فى جنوبها، يُجلبُ فيها الخمر من مُضَر. وعن أبى هريرة وابن مُغَفّلٍ، هو كل جرٍّ أخضر وأبيض، وعن ابن أبى ليلى أيضاً: أفواهها فى جنوبها، يجلب فيها الخمرُ من الطائف، وكان ناسٌ ينتبذون فيها يَضاهون به الخمر. وعن إبراهيم: هى جرٌّ مُقَيَّرَةٌ يؤتى بها من الشام. وعن ابن المسيب مُزفَّتَة يؤتى بها من الشام، فحدثت هذه الخضرُ، فشرب فيها [ناس] (٩) وكرهه آخرون.
стр. 227
٢٥ - (...) وحدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى جَمْرَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، نَحْو حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَقَالَ: " أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ فِى الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ "، وَزَادَ ابْنُ مُعَاَذٍ فِى حَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ قَال: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للأَشَجِّ، أَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: " إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ".
ــ
وقال أبو سلمة: الحنتم الجر كله، وعن ابن عمر وسعيد بن جبير نحوه. وعن عطاء: كانت تعمل من طين يعجن بالدمِ والشعر.
فلنهيه ﷺ عنها ثلاثة أوجه (١):
إما لكونها مُزَفَّتة فَتُعينُ على شِدَّة ما يُلقى فيها ويُنبَّذ، لأجل الزفت (٢)، أو لأن الخمرَ كان يُحمَلُ فيها (فَنهى عن ذلِكَ؛ مخافة أن تنبذ فيها قبل حسن غسلها وذهاب طعم الخمر منها، ومخافة ضراوتها بالخمر، قيل: أو لنجاستها وقذارتها لعملها بالدم والشعر، وليُمتنعَ من عملها بذلك إذا نُهى عن استعمالها.
وقوله: " لأشج عبد القيس ": واسمه المنذر بن عائذ، بذال معجمة، وقيل: عائذ ابن المنذر، وقيل: المنذر بن الحارث، وقيل: عبد الله بن عوف: " إِنَّ فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة " الحلم: العقلُ، والأناة: التثبتُ وترك العجلة، ويقال: تأنى يتأنَّى تأنياً، ومنه قول الشاعر:
أناةً وحِلماً وانتظارًا بهم غدا ... [فما أنا بالوانى ولا الضَّرِع الغُمْرِ] (٣)
وإنما قال له النبى ﷺ هذا؛ لأنه ورد فى هذا الخبر فى غير الأم أن وفد (٤) عبد القيس لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبى ﷺ ، وأقام الأشجّ فجمع رحالهم وعقَل ناقَتَه، ولبس ثياباً جُدداً، ثمَّ أقبل إلى النبى ﷺ فقربه النبى ﷺ وأجلسه لجانبه، ثم إن النبى ﷺ قال لهم: " تبايعون على أنفسكم وقومكم؟ " فقال القوم: نعم، فقال الأشجُّ: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل عن شىء أشدَّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا وترسِل معنا من يدعوهُم، فمن أتبعنا كان معنا ومن أبى قاتلناه، قال: " صدقت، إن
فيك لخصلتين ... " الحديث.
стр. 228
٢٦ - (١٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِىَ الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ عَبْد الْقَيْسِ. قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فِى حَدِيثِهِ هَذَا؛ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، إِنَّا حَىٌّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلا نَقْدرُ عَلَيْكَ إِلا فِى أَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَأمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: اعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِن الغَنَائِمِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الدُّبَاءِ، والحَنْتَمِ، وَالمُزَفِّتِ، وَالنَّقِيرِ ". قَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: " بَلَى، جِذعٌ تَنْقُرُونَهُ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنْ الْقُطَيْعَاءِ " - قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: " مِنْ التَّمْرِ - ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ إِنَّ أَحَدَهُمْ - ليَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ ". قَالَ وَفِى الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤَهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " فِى أَسْقِيَةُ الأَدَمِ، الَّتِى يُلاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا ".
ــ
فالأولى: تربصه حتى نظَر فى مصالِحه ولم يعجل، وهى الأناة.
والثانية: الحلم، وهى هذه الآخرة الدالَة على صحة عقله وجودة نظره للعواقب.
وقوله: " اشربوا فى آنية الأدم التى يُلاث على أفواهها "، قال الإمام: الأدمُ جمع أديم، وهو (١) الجلد الذى [قد] (٢) تم دباغة وتناهى. قال السيرافى: لم يجمع فعيل على فَعَلٍ إلا أديم وأدَمٌ وأفيق وأفَقٌ وقضَيمٌ وقضَمٌ - القضيمُ: الصحيفة، والأفيق: الجلد الذى لم يتم دباغة.
قال القاضى: وقوله: " يلاث على أفواهها " أى: يربط ويلف بعضها على بعض، قال العتبى: أصل اللوث الطى، ولثتُ العمامةَ: أى لففتُها، وهذا بمعنى اللفظ الوارد فى الرواية الأخرى: " عليكم بالمُوكى " مقصورٌ، أى: بالأسقية التى توكأ، أى تُربَط أفواهها بالوكاء، وهو الخيط الذى يربط به. والقضيمُ: الصحيفة كما قال، لكنَّها البيضاء التى لم يكتب فيها بعدُ. وإنَّما حضَّهم ﷺ على الشراب فى آنية الأدم -وهى الأسقية- والموكى المذكور فى الأحاديث الأخر (٣) وفى كتاب الأشربة، لأنها لرقة جلودها لا يمكن أن يتم فيها فسادُ الأشربة وتخميرها حتى تنشق ويظهر فيها، بخلاف غيرها من الأوانى، فكانت آمَنَ من هذا، وقد بينَّاه فى كتاب الأشربة.
стр. 229
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ، وَلا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الأَدَمِ. فَقَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ " قَالَ: وَقَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: " إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ؛ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ".
٢٧ - حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادةَ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى غَيْرُ وَاحِدٍ لَقِىَ ذاكَ الْوَفْدَ. وَذَكَرَ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: " وَتَذِيفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ أَوِ التَّمْرِ وَالمَاءِ ". وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ سَعِيدٌ، أَوْ قَالَ: مِنَ التَّمْرِ.
ــ
وقوله: " وتُذيقون فيه القُطيعاء ": رويناه بالدال المهملة والذال المعجمة، وتُضمُّ التاء مع المهملة، وكلاهما صحيح بمعنى (١). وقال بعض المتعقبين: صوابه: تدُوفون إذا أهملت، أو تذيفون إذا أعجمت كله ثلاثى، وخلاف هذه الرواية هو خطأ؛ لأنه ثلاثى وغيرُه قد حكى أذافَ، فالرواية صحيحة. قال ابن دُرَيد: دُفت الدواء وغيرَه بالماء أدوفُه- بإهمال الدال، وقال غيرُه: وذُفتُه أذيفه وسُمٌ مذوف ومَذيف ومدوف ومدووف (٢)، من ذاءفتُ (٣) وهو السم المُذاف.
وقوله: " إنَّهم اعتذروا بكثرة الجرذان فى أرضهم وأنها تأكلها فلم يعذرهم بذلك "، قال الإمام: يحتمل أن يكون إنما راجعوه؛ لأنهم اعتقدوا أنه إنما يبنى كثيراً من شرعه على المصالح، وأنَّ من المصلحة الرخصة عند الضرورات، فلم يعذرهم ﷺ ؛ لأنه اعتقد أنه ليس بأمرٍ غالبٍ يشق التحرزُ منه، وأن هذا ليس مما يباح للضرورة. وواحد الجرذان جُرَذ -بضم الجيم وفتح الراء وبالذال المعجمة، على مثال نُغَرٍ وحُدَدٍ.
قال القاضى: ذكر فى هذا الحديث قول أبى جمرة: " كنت أترجم بين يدى ابن عباس " ترجم عليه البخارى: الترجمة بين يدى الحاكم (٤). قال بعضهم: كان
стр. 230
٢٨ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو قَزْعَةَ؛ أَنَّ أَبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ، وَحَسَنًا أَخْبَرَهُمَا؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا نَبِىَّ اللهِ ﷺ قَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ، مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِنْ الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: " لا تَشْرَبُوا فِى النَّقِيرِ " قَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، جَعَلَنَا اللهُ فدَاءَكَ، أَوَ تَدْرِى مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: " نَعَمْ. الْجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلا فِى الدُّبَّاءِ وَلا فِى الْحَنْتَمَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى ".
ــ
أبو جمرة يتكلم بالفارسية، فكان يترجم لابن عباس عمن يتكلم بها.
وفيه جواز الترجمة وقبولها والعمل بها، وجواز المترجم الواحد؛ لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة، وفى هذا الأصل تنازعٌ وخلاف فى مذهبنا، والأشهر الجواز. وفيه جواز قول الرجل لأخيه: مرحباً، وقد ترجم البخارى عليه بذلك (١). وفيه وفودُ الرعيَّةِ على إمامها وتبليغُها عنه أوامره لغيرها، كما قالوا فى الحديث: " ونُبَلّغُه مَن وراءنا " كذا روايتنا فيه بنصب مَنْ ونصب وراءنا على الظرف، وفى آخر الحديث فى الأم الخلاف فى قوله: " وأخبروا به مَن وراءَكم " أو " مِن ورائكم " مُفَسرٌ فى الأمِ، وكلاهما صحيح بمعنى، وقوله فى الحديث: " وفى القوم رجل أصابته جراحة وقيل: اسمه جهمُ بن قُثَم " ذكر ذلك ابن أبى خيثمة، وكانت الجراحة فى ساقه. وفيه علم من أعلام النبوة، لإخبار النبى ﷺ لهم بحالة مَن شرِب النبيذ، ووصف لهم صفةً قد وقعت لهم على نصّ ما أخبر ﷺ به، وظاهره أن النبى ﷺ أخبرهم بما جرى لهم، لكنه لم يواجههم بذلك أدباً وحسن عشرة.
واختصاصُه فى هذا الحديث النهى عن هذه الأربع من الأشربة دون غيرها من المحرمات؛ لأنهم سألوا النبى ﷺ عما يصلح لهم منها فأجابهم بذلك، وهو مذكور فى الأم فى حديث محمد بن بكارٍ.
وقوله فى حديث يحيى بن أَيوبَ (٢): قال سعيد، وذكر قتادة أبا نضرة عن أبى سعيد [الخدرى معناه: أن قتادة حُدِّث بالخبر عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى] (٣)
стр. 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذا ذكره سعيد بن منصور مفسراً عن سعيد بن أبى عروبة، قال قتادة: فذكر أبو نضرة عن أبى سعيد.
وقوله فى حديث محمد بن بكار البصرى: " ثنا أبو عاصم عن ابن جريج ثم قال فيه: أخبرنى أبو قزعَة أن أبا نضرة أخبره وحسناً أخبرهما أن أبا سعيد الخدرى أخبره أن وفد عبد القيس ... " [الحديث] (١)، قال الإمام: فى هذا الضمير من قوله: " أخبرهما " إشكالُ، على من يرجع؟ فقال بعضهم: أبو نضرة هو المخبر لأبى قَزْعة وللحسن معَه، وإنما اغتر هذا بظاهر سياقة مسلم، والصواب فى الإسناد عن ابن جريج: أخبرنى أبو قزعة أن أبا نضرة وحسناً أخبراه أن أبا سعيد أخبره، وإنما قال: أخبره، ولم يقل: أخبرهما؛ لأنه ردَّ الضمير إلى أبى نضرَة وحده، وأسقط الحسن لموضع الإرسال.
والحسن ها هنا هو الحسن البصرى (٢)، ولم يسمع من أبى سعيد، وبهذا اللفظ خرجه ابن السَّكَن فى مصنفه عن ابن جُريج أخبرنى أبو قزعة أن أبا نضرة العبدىّ وحسناً أخبراه أن أَبَا سعيد أخبره. وأظنه من إصلاح ابن السَّكن، وكذلك خرَّجه أبو مسعود الدمشقى عن مسلم بن الحجاج عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبى قزعة عن أبى نضرة [وحده] (٣) عن الخدرى، ولم يذكر الحسن؛ لأنه لم يلق الخدرىَّ ولا سمع منه. وفى مسند البزار (٤) الكبير عن ابن جريج أخبرنى أبو قزعة قال: ثنا أبو نضرة وحسن عن الخدرى أن وفد عبد القيس ... الحديث، قال البزار: حسن هذا هو الحسن البصرى.
стр. 232
(٧) باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام
٢٩ - (١٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِىَّ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ربَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: " إِنَّكَ تَأتِى قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّى رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنيَائِهِمْ فَتُردُّ فِى فُقَرَائِهِم، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالهِمْ، وَاتَقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ ".
٣٠ - (...) حدّثَنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمِيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصم، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى
ــ
قال القاضى [﵀] (١): وبعضهم المذكور أولاً هو عبد الغنى بن سعيد الحافظ المصرى، ولم يقل شيئًا، والصواب ما ذكره الإمام مما رده عليه أبو على الجيانى بنص ما تقدم.
وأبو قَزْعة يقال: بفتح الزاءِ وسكونها.
وقوله فى حديث معاذٍ: حدَّثنى يحيى بن عبد الله بن صيفىّ، عن أبى معبد عن ابن عباس عن معاذ [وقال: بعثنى رسول الله ... الحديث. قال بعضُهم] (٢): وقع عند ابن ماهان عن أبى معبد الجهنى، و [ذكر] (٣) الجهنى ها هنا وهم، وإنما هو أبو معْبَدٍ مولى ابن (٤) عباس، واسمه نافذ -يعنى بالنون والفاء والذال المعجمة.
وقوله فيه: " ستأتى قوماً أهل كتاب " إلى قوله: " فإذا عرفوا الله فأخبرهم " هذا يدل [على] (٥) أنهم غيرُ عارفين بالله تعالى، وهو (٦) مذهب حذاق المتكلمين فى اليهود والنصارى، أنهُم غير عارفين بالله تعالى، وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرِفته، لدلالة
стр. 233
ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِىٍّ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَن. فَقَالَ: " إِنَّكَ سَتَأَتِى قَوْمًا " بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيع.
٣١ - (...) حدّثنا أُمَيةُ بْنُ بِسْطَامَ العَيْشِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرِيْع، حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِىٍّ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: " إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ".
ــ
السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذَّب رسوله وظَنَّه ساحراً ومُخرفاً (١)؛ لأنهما معلومان- لا يشترط ارتباط كل واحد منها بالآخر، ودلالة السمع الواردة بالمنع عند هؤلاء [مع] (٢) ما ورد من الظواهر المخالفة لها مستقصاة فى أصول الديانات.
قال القاضى: ما عَرَف الله تعالى من شبَّهه وجسَّمه من اليهود، وأجاز عليه البِدا (٣)، وأضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، أو أجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريكَ والمعاند فى خلقه ومُلكه من المجوس والثنوية، فمعبودهم الذى عبدوه ليس بالله، وإن سموه به؛ إذ ليس موصوفاً بصفات الإله الواجبة له، فإذاً ما عرفوا الله ولا عبدوه (٤)، فتحقق هذه النكتَة واعتمد عليها، وقد رأيت معناها لمتقدمى أشياخنا، وبها قطع الكلام أبو عمران الفاسى بين عامة أهل القيروان عند (٥) تنازعهم فى هذه المسألة.
وفى قوله ﵇ لمعاذٍ دليل بَيِّنٌ ألَّا يطالب أحدًا بفروع الشريعة إلا بعد ثبات الإيمان، وحجة لمن يقول: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة (٦) لقوله: " فليكن
стр. 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أول ما تدعوهم (١) إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات ".
وفى الرواية الأخرى: " فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ... "، وقد يحتج من يقول بالقول الآخر بأن هذا على تقديم الآكد فى التعليم، ألا تراه كيف رتب ذلك فى الفروع وبدا بعضها على بعض؟!
(وفيه بيان لا إله إلا الله محمد رسول الله).
وفيه ترتيب الفروض فى التأكيد، وتبديةُ حقوق الإيمان على حقوق الأموال (٢).
وفيه دليل على أن الإيمان لا يصح إلا بالمعرفة وانشراح الصدر، ولا يكفى فيه نطق اللسان (٣) كما تقوله الجهميَّةُ، ولا التقليد المجردُ كما يظنه الجهلة. ولم يجئ فى حديث معاذٍ فرض الصيام والحج، ولا يصح أن يُقال: إن إرسال معاذٍ كان قبل فرضهما، فإن توجيه معاذ إلى اليمن كان من آخر أمر النبى ﷺ سنة تسع، وفيها فرض الحجُّ، والصيامُ فُرض سنة ثنتين، ومات ﵇ ومعاذ باليمن، وهذه الفروض متقدمة (٤).
وقوله: " إياك وكرائم أموالهم ": نهاه عن أن ياخذ فى الصدقة فوق السن الذى يلزمه، أو كريمة ماله، ونُخْبَتَه إن كانت فى ذلك السن، وليأخذ الوسط منه كما نُبينُه فى الزكاة.
стр. 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: " واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ": أى أنها مسموعة مستجابة لا تُردُ، وقد ورد مفسَّراً من قول عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- فى الموطأ (١)، وروى أيضاً فى حديث رفعه أبو هريرة (٢).
стр. 236
(٨) باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبىّ ﷺ وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها، ووكلت سريرته إلى الله تعالى، وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام، واهتمام الإمام بشعائر الإسلام
٣٢ - (٢٠) حدثنا قتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِى بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلهَ إِلَّا اللهِ، فَمَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا الله فَقَدْ عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ "؟!. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ، لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكاة. فَإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ الْمالِ. وَاللهِ، لَوْ مَنَعُونِى عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلى رَسُول اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ لِلْقِتَالِ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.
ــ
وقوله: فى حديث أبى بكر مع عمر -رضى الله عنهما- فى الردَّة: " والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة "، قال الإمام: فيه دليل على القول بالقياس، وكذلك فى قوله: " أرأيت لو لم يُصلوا " فكأنه إذا سلَّم له القتال على الصلاة قاسَ الزكاة عليها لما وردا فى القرآن مورداً واحداً.
قال القاضى [رضى الله عنه] (١): قد ورد فى الحديث نفسه وخرَّجه فى الكتاب من رواية عبد الله بن عُمَرَ: " أُمرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم
стр. 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأموالهم ... " الحديث، فعلى هذا هو نص فى قتال من لم يصَلّ ولم يؤت الزكاة، وإن لم يفعل ذلك لم يَعْصم دمه وماله، كمن لم يشهد بالشهادتين، لكن يَدُلَّ من احتجاج عمر على أبى بكر بالحديث - وليس فيه غير ذكر الشهادتين دون غيرهما، أنهما لم يسمعاهُ وأن ابن عُمَر سَمعَ ذلك من موْطنٍ آخر، والله أعلم، ولو سمع ذلك عُمر لما احتج بالحديث دونها؛ إذ تلك الزيادة عليه حجةٌ، ولو سَمِعها أبو بكر لاحتجَّ بها على عُمَرَ ولم يُحوج إلى الحجة [بالقياس ولا] (١) بعموم قوله: " إلا بحقها ".
وفيه الحجةُ للقول بالعموم لاحتجاج أبى بكر بقوله: " إلا بحقها ".
وقوله لعُمَر: " فإن الزكاة حقُّ المال "، وقد أجمع المسلمون على قتل الممتنع عن أداء الصلاة والزكاة مكذباً بهما، وجمهورهم على قتل الممتنع من الصلاة أو المتهاون بها مع اعترافه بوجوبها، وأجمعوا على قتال الممتنع عن أداء الزكاة [قال ﵊]: (٢) " بنى الإسلام على خمس "، فهى دعائم الإسلام، فمن جحد واحدة منها كفر، ومن ترك واحدة منها لغير عذر وامتنع من فعلها مع إقراره بوجوبها قُتل عندنا وعند الكافة، وأخذت الزكاة من الممتنع كرهاً وقوتل إن امتنع، إلا الحج لكونه على التراخى.
واختلف العلماء فى قتل تارك (٣) غير الشهادتين، فأكثرهم على أن ذلك حدٌ لا كفرٌ، [وهو الصحيح، وقيل: كفر] (٤) والقول بهذا فى تارك الصلاة أكثر، وعليه تأولوا سبي أبى بكر لنساء مانعى الزكاة وأموالهم لاعتقاده كفرهم، ولقوله: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ الآية (٥)، وللحديث المتقدم، وحَكَم فيهم حكم الناقض للعهد، فلما توفى ووَلى عمر ردَّ عليهم ذريَّتِهم وحكم فيهم حكم المرتدين.
وكان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف كفر بعد إسلامه ولم يلتزم شيئاً وعاد لجاهليته أو (٦) اتبع مسيلمة أو العنسىَّ وصدَّق بهما، وصنف أقرَّ بالإسلام إلا الزكاة فجحدها وأقر بالإيمان والصلاة، وتأول بعضهم أن ذلك كان خاصاً للنبى ﷺ لقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة ...﴾ الآية (٧)، وصنف اعترف بوجوبها ولكن امتنع من دفعها إلى أبى بكر وقال: إنما كان قبضُها للنبى ﷺ خاصةً لا لغيره ممن يقوم مقامه بعده، وفرقوا صدقاتهم بأيديهم،
стр. 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فرأى أبو بكر والصحابة -رضى الله عنهم- قتال جميعهم، الصنفان الأوَّلان لكفرهم والثالث لامتناعه بزكاته، شمل جميعهم اسم الردة؛ إذ كانوا الأكثر، حتى لم يكن صُلى لله إلا فى المدينة ومكة وجُوَاثا (١).
وفيمن كفر منهم اختلف فى سبى ذراريه لا فى مانعى الزكاة، قاله الخطابى. ثم لم ينقرض العصرُ حتى أجمعوا على أنه لا يسبى المرتد، وإنما اختلف العلماء فى سبى أولاد المرتدين. وإلى مذهب أبى بكر فيهم وتأويله ذهب أصبُغ بنُ الفرج من أصحابنا (٢)، وبرأى عمر قال جمهور العلماء، ولا يصح أن يكون خلافاً بين الصحابة فى قتال الصنف الأول إذ هم كفار بغير خلاف، وإنما وقع النزاع أولاً فى هذين الصنفين الآخرين إذ هم [متأولون] (٣)، ولعذرهم بجهلهم بحقيقة أركان الشريعة لقرب عهد كثير منهم بالإسلام، وقِصَر مُدتهم فيه، وأما الآن فقد وقع الإجماع أنه من جحد فريضةً من الفرائض فهو كافر (٤).
وقول عمر: " فوالله ما هو إلا أن رأيتُ الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق " يعنى بما ظهر له من حجته عليه وبينه له من ذلك، لا أنَّ عمر قَلَّده واعتقد عصمته كما يذهب إليه الروافض من عصمة الإمام ويحتج بمثل هذا. وفيه حجة بإجماع الصحابة على قتال أهل البغى (٥) والتأويل، وتميز قتالهم خاصة من زمان على -رضى الله عنه.
قال الإمام: [قوله] (٦): " لو منعونى عقالاً ": قيل: المراد به صدقةُ عام، يقال: أُخذ منه عِقال هذا العام إذا أخذ صدقته. قال الكسائى: قال الشاعر:
стр. 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سعى (١) عقالاً فلم يترك لنا سبَداً ... فكيف لو قد سعى (٢) عمرو عِقالين
قال أبو عُبيد: والعقال أيضاً اسم لما يُعقل به البعيرُ، قال: وقد بَعثَ ﵇ محمد بن مسلمة (٣) على الصدقة فكان يأخذ مع كل فريضتين عقالهما وقِرانَهُما، وكان [أيضاً] (٤) عمر [رضى الله عنه] (٥) يأخذ مع كل فريضة عقالاً [ورواء] (٦)، [فيحتمل أن يكون هذا هو المراد بالحديث، وقاله على جهة المبالغة فى التقليل] (٧).
قال القاضى: قال الواقدى عن مالك وابن أبى ذئب: العقالُ هنا عِقال الناقة، وروى ابن وهب (٨) [قيل] (٩): [إنه الفريضة من الإبل، ونحوه عن النضر بن شُميل] (١٠)، وقال أبو سعيد الضرير (١١): العقال كل شىء يؤخذ للزكاة من أنعام وثمار لأنه عن مالكه (١٢). وقال المُبَردُ: العِقَالُ ما أُخذ لمُصَدِق من الصدقةِ بعينها فإن أخذ عِوضاً عنها
стр. 240
٣٣ - (٢١) وحدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى سَعِيِدُ بْنُ الْمُسَيّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إله إِلَّا الله، فَمَنْ قَالَ: لَا إلهَ إِلَّا الله عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفسَهُ إِلَّا بِحَقّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ".
ــ
قيل: أخذ نقداً.
ومنه قول الشاعر:
ولم يأخذ عقالاً ولا نقدا (١)
وقد روى فى هذا الحديث: " لو منعونى عناقاً " وروى: " جَدْيًا " وهو تفسير عناق وقد احتج من يرى أخذ العناق فى الزكاة من الغنم إذا كانت سخالاً (٢) كُلَّها بهذا وهو [أحد الأقوال عندنا ولا حجة فيه؛ لأنه إنما ورد على ضرب المثل للتقليل على الصحيح، واحتج بعضهم فى الزكاة فى العروض إذا كانت للتجارة بقوله: " لو منعونى عقالاً "، وفيه حجة] (٣) [أن الردة لا تسقط الزكاة عن مال المرتد] (٤) وفيه حجه على أن حول الأولاد حول الأمهات إذ لم يأت للعناق حول.
ومعنى " عصموا ": منعوا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٥) و ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٦) [و ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾] (٧)، وقد فسَّره بعدُ فى الحديث الآخر بقوله: " حَرُم مالُه ودمه "، واختصاصه ذلك بمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا (٨) مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يُقِرُّ بالصانع ولا يُوحده، وهم كانوا أول من دُعى إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيره ممن يُقر بالتوحيد والصانع فلا يُكتَفى فى عصمة دَمِه بقوله ذلك، إذ كان يقولها فى كفره، وهى من اعتقاده، فلذلك جاء فى الحديث الآخر: " وأنى رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة ".
وفيه من الفقة اجتهاد الأئمة فى النوازل، وردها إلى الأصول والمناظرة فيها، ورجوع
стр. 241
٣٤ - (...) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدىَّ - عَنِ الْعَلَاءِ. ح وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنِ الْعلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَيُؤمِنُوا بِى وَبِمَا جئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّها، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ".
٣٥ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبىِ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنُ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ " بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيرَةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِى شَيْبَة، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ - قَالَا جَمِيعاً: حَدَثَنَا سُفْيانُ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَال: قَالَ رسُولُ اللهِ
ــ
من ظهر له الحق وتركه رأيه الأول، كما فعل عُمَرُ وغيرهُ. وترك تخطئة المتناظرين المجتهدين المختلفين فى الفروع بعضهم لبعضٍ، أو إنكار بعضهم لبعضِ ذلك، إذ كل واحد منهم مجتهد، فإن عمر لم يُخَطّئ أولاً أبا بكر، وإنما احتج عليه، ثم إن أبا بكر لم يُخَطّئ عمر ولا أنكر خلافه إذ خالفه، لكنه احتج عليه حتى بان له الحق ورجع إلى قوله.
وفيه الحجة لمن ذهب أن فعل الإمام إذا لم يُعرَف له مخالف إجماع (١)، لشهرة فعله، وأنهم كانوا ممن لا يُقرون على باطل، ويقومون بما عندهم من حق، ولا يكتمون ما عندهم من علم، ولا يداهنون فى دين الله، فإذا ظهر فعل إمام بحضرتهم، ولم يُسمع من أحد منهم له نكير، دلَّ على موافقتهم له، وإجماعهم على صواب فعله. وأكثر الأصوليين لا يرون هذا إجماعاً (٢).
стр. 242
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ، فإِذَا قَالُوا: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّها. وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ " ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر. لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِر﴾ (١).
٣٦ - (٢٢) حدّثنا أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِك ابْنُ الصَّبَّاحِ، عَن شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدِ [[بن]] مُحَمَّدِ بْنِ زَيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا ان لَا إلهَ إِلاًّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَيُقيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّها، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ".
٣٧ - (٢٣) وحدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِيَانِ الْفَزَارِىَّ - عَنْ أَبِى مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ قَالَ: لَا إلهَ إِلَّا الله، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبدُ مِنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ".
٣٨ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِى مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " مِنْ وَحَّدَ اللهَ " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
ــ
وفيه أن الواحد إذا خالف الجماعة فخلافه معتبر، ولا ينعقد به إجماع، خلافاً لمن رأى غير ذلك من الأصوليين (٢).
وفيه أن الخلاف إذا وقع ثم انعقد الإجماع قبل انقراض العصر أن الخلاف غير معتبر (٣).
وقوله: " وحسابهم على الله ": أى حساب سرائرهم إن أظَهروا ما يحقن دماءهم ويعصمهم وأبطنوا خلافه كما فعله المنافقون، فذلك إلى المطلع على السرائر، وأن حكم النبى ﵇ والأئمة بعده إنما كان على الظاهر.
стр. 243
(٩) باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع فى النزع، وهو الغرغرة ونسخ جواز الاستغفار للمشركين والدليل على أن من مات على الشرك فهو فى أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شىء من الوسائل
٣٩ - (٢٤) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِى أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ
ــ
وقوله (١) فى حديث أبى طالب: " كلمةً أشهد لك بها عند الله "، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢).
وشهادة النبى ﷺ له بذلك لو كان لطيب قلب النبى ﷺ بعلمه بموته على الإسلام، لقوله فى شهداء أُحُدٍ: " أمَّا أنا فشهيد على هؤلاء " (٣)، وقال فى الآخَرِ: " لا أدرى ما يُحدِثُون بعدى " (٤)،
стр. 244
الله ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنِ أَبِى أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَىَ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَبى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَمَا وَالله، لأَسْتَغْفِرِنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْك "، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١). وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِى أَبِى طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ (٢).
٤٠ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ صَالِحٍ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ. وَلَمْ يَذكُرِ الآيَتَيْنِ. وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: وَيَعُودَانِ فِى تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَفِى حَدِيثِ مَعْمَرٍ مَكَاَنَ هذِهِ الْكَلِمَةِ، فَلَمْ يَزَالَا بِهِ.
ــ
وهى أيضاً فضيلة لمن رُزِقها كما قال فى المقيم بالمدينة: " والصابر على شدتها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة " (٣)، ويكون هذا أيضاً لتطييب قلب عمه إن قالها؛ لما يرجوه من الخير بشهادته له وطلبه بها له من ربه جزيل ثوابه، مع ما تقدم له من نصره والذبّ عنه، كما قال فى الرواية الأخرى: " أُحاج لك بها يوم القيامة "، وإن كانت الأعمال فى الكفر غير نافعةٍ لكن رجا له ﵇ بموته على الإسلام من تفضل الله بما شاء من ثوابه، وشفاعته له ومكانته منه، وقد نالته بركتهُ مع موته على الكفر وخُفّفَ عذابُه بذلك، فكيف لو أسعده الله باتباعه؟! وسيأتى إكمال الكلام على هذا الفصل فى حديث حكيم
стр. 245
٤١ - (٢٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّهِ عِنْدَ المَوْتِ: " قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، أشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فَأَبى، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت﴾ الآيةَ (١).
٤٢ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ الأَشْجَعِى، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّه: " قُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، أشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعيِّرَنِى قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ، عَلَى ذلِكَ، الجَزَعُ، لأَقْرَرتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾.
ــ
وحديث الشفاعة.
وقوله: " إنما حمله على ذلك الجزع ": كذا روايتنا فى هذا الموضع فى " الأم " وغيرها من كتب الحديث والخبر عن جملة شيوخنا بالجيم والزاى، إلا فيما قرأناه على أبى الحسن سراج بن عبد الملك اللغوى الحافظ فى كتاب أبى عبيد الهروى، فإنه ذكره الخَرَعُ -بالخاء والراء- وكذا نبهنا عليه غير واحد من شيوخنا أنه الصواب، وحكى أبو سُليمان الخطابىُّ أنَّ ثعلباً كان يقول ذلك، وفسَّره بالضعف والخور، وقال شمُر بن حَيْدُويه (٢): كل رخو ضعيفٌ خريعٌ وخرِع، قال: والخَرَع الدَهَشُ، ومنه قول أبى طالب. فذكره، وفسّرَه بالضَعْفِ والخورَ.
وقوله: " حين حضرته الوفاة ": أى قرُب حاله وظهرت دلائل موته، وذلك كله قبل المعاينة، ولو كان بعد المعاينة والحضور الحقيقى لما نفعه، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ للَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن﴾ (٣)، ويدلُ على أنه لم يكن يُعاين ما جرى من محاوره النبى ﷺ وكفار قريش معه ومجاوبتهم بما جاوب. وقد رأيتُ بعضَ المتكلمين على الحديث جعل الحضور على حقيقة الاحتضار وأن النبى- ﵇ رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته ﵇ ولهذا قال: " أشهد وأُحَاجُّ لك بها " ولا يصح لما قدمناه.
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: " لأقررْتُ بها عينَك ": قال ثعلب: أقرَّ الله عينه، أى بلغه أمنيته حتى ترضى نفسه وتقر عينهُ، فلا تستشرف لشىء، ومنه قولهم لمن أدرك ثأره: وقعْتَ بِقرك، أى أدرك فؤادك (١) ما كان يتطلع إليه، وقال الأصمعى: معناه: أبرد الله دمعته؛ لأن دمعة الفرح باردة وسمعت الأستاذ أبا الحسين بن الأخضر النحوى يقول فى تفسير هذا: إنه من البرد، كما قال فى ضده من السخن بقوله: أسخن الله عينَه، وذلك أن الذى يرى ما يسوءه يبكى فتسخُن عينُه بالدموع، والذى يرى ما يسرُّه لا يبكى فتبقى عينه باردة، فيكون معنى " أقرَّ الله عينه ": أى أراه ما يسرُّه.
وقوله: " فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها ويُعيدُ له تلك المقالة " كذا فى كافة الأصول، وعند جماعة شيوخنا وفى نسخة: " ويعيدان له تلك المقالة " وهو أشبه، يعنى أبا جهل وابن أبى أميَّة المذكورين أوَّل الحديث، المناقضين للنبى ﵇ فى أمره، ويصححه قوله فى الأم فى الحديث الآخر: " ويعودان بتلك المقالة " (٢).
стр. 247
(١٠) باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
٤٣ - (٢٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ إِبْرَاهِيم، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ ".
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِى بِشْرٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ [[رَسُولَ]] اللهِ ﷺ يَقُولُ، مِثْلَهُ سَوَاءً.
ــ
وقوله: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنه "، قال الإمام: واختلف الناس فيمن عصى الله من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد فى النار إذا كانت معصية كبيرةً ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له وعُذب فلابد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة. وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره على صحة ما قالت به، قلنا: محمله أنه غُفِرَ له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة، فيكون المعنى فى قوله: " دخل الجنة ": أى دخلها بعد مجازاته بالعذاب، وهذا لابد من تأويله لما جاءت به ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة، فلابدَّ من تأويل هذا الحديث على ما قلناه لئلا تتناقض ظواهر الشرع (١) وفى قوله فى هذا الحديث: [وهو يعلم] (٢) إشارة إلى الردّ على من قال من غلاة المرجئة: إن يُظهِرَ الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قيد (٣) ذلك فى حديث آخر بقوله: " غير شاك فيها (٤) " وهذا أيضاً يؤكد ما قلناه.
قال القاضى: وقد (٥) يحتج به أيضاً من يرى أن معرفة القلب مجردة نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم (٦)، ومذهب " أهل السنة ": أن المعرفةَ مُرْتَبطةٌ بالشهادتين، لا تنفع إحداهما ولا تنجى من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر عليها من آفة
стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بلسانه، أو لم تمهله المدةُ لقولها: " حتى اختُرِم " (١)، ولا حجَّة للمخالف للجماعة بهذا اللفظ؛ إذ قد ورد مفسراً فى الحديث الآخر بقوله: " من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله "، وقد جاء هذا الحديث وأمثلةٌ له كثيرةٌ فى ألفاظها اختلاف، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف، وللناس فيها خبط كثير وعن السلف خلاف مأثور (٢)، فجاء هذا اللفظ فى هذا الحديث، وجاء فى رواية معاذ عنه ﵇: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة "، وعنه فى رواية أخرى: " من لقى الله لا يُشْرِك به شيئاً دخل الجنة "، وعنه فى رواية أخرى: " من لقى الله لا يُشْرِك به شيئاً دخل الجنة "، وعنه فى أخرى ﵇: " ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صادقاً من قلبه إلا حرَّمَه الله على النار " ونحوه في حديث عبادة بن الصامت وعتبان (٣) بن مالك، وزاد فى حديث عبادة: " على ما كان من عمل "، وفى حديث أبى هريرة: " لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة "، وفى حديث آخر: " فيحجب عن الجنة "، وفي حديث أبى ذر وأبى الدرداء: " ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق "، وفى حديث أنس: " حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله ".
وهذه الأحاديث كلها قد سردها مسلم فى كتابه، فحكى عن جماعة من السلف منهم " ابن المسيب " وغيره أن هذا كان قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهى، وذهب بعضهم إلى أنها مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة وأدى حقَّها وفريضتها، وهو قول " الحسن البصرى " (٤) وذهب بعضهم إلى أن ذلك لمن قالها عند التوبة والندم ومات على ذلك. وهو قول البخارى (٥).
стр. 249
٤٤ - (٢٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِى النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ ابْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجْعِىُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى مَسِيرٍ. قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوادُ
ــ
وهذه التأويلات كلها إذا حملت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نُزِلت تنزيلها لم يُشكل تأويلها على ما بيَّنه المحققون.
فنُقرّر أولاً أن مذهب " أهل السنة " بأجمعهم من " السلف الصالح " و " أهل الحديث " و" الفقهاء " و " المتكلمين " على مذهبهم من " الأشعريين ": أن أهل الذنوب فى مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان وشهد مخلصاً من قلبه بالشهادتين فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائباً أو سليماً من المعاصى والتبعات دخل الجنة برحمة ربه، وحُرّم على النار بالجملة، فإن حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بيناً، وهو التفات الحسن والبخارى فى تأويلهما، وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله عليه، أو فعل ما حرم عليه، فهو فى المشيئة لا يقطع فى أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاقه لأول حاله الجنة، بل يقطع أنه لابد له من دخول الجنة آخرًا، ولكن حاله له قبلُ في خطر المشيئة وبرزخ (١) الرجاء والخوف، إن شاء ربُه عذَّبه بذنبه أو غفر له بفضله، وإلى هذا التفت من قُدّم قوله من السلف، لكن قد يصح استقلال ألفاظ هذه الأحاديث بأنفسها على هذا التنزيل، فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدَّمناه من إجماع أهل السنة من أنه لابد له من دخول كل مُوَحّد لها إما مُعَجَّلاً مُعافى، أو مؤخراً بعد عقابه، والمراد بتحريم النار تحريم الخلود، خلافاً للخوارج والمعتزلة فى الوجهين (٢) وينزلُ حديث: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله " خصوصاً لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وإن كان قبل مخلّطاً، فيكون سبباً لرحمة الله له ونجاته رأساً من النار [وتحريمه عليها] (٣)، بخلاف من لمن يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين، وكذلك ما ورد في حديث عبادة من مثل هذا ودخوله من أى أبواب الجنة شاء، خصوصاً لمن قال ما ذكره ﵇ وقرن بالشهادتين من حقيقة الإيمان والتوحيد الذى ورد فى حديثه، فيكون له من الأجر ما يرجح بسيئاته ومعاصيه، ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة إن شاء الله تعالى، كما أشار إليه فى الحديث، والله أعلم بمراد نبيّه.
وذكر (٤) مسلم حديث طلحة بن مُصرّف عن أبى هريرة: كنا مع النبى- ﵇ وهذا الحديث مما استدركه الدارقطنى على مسلم فقال: خالفه أبو أسامة فأرسلوه
стр. 250
الْقَوْمِ. قَالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائلِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِىَ مِنْ أَزْوَادِ القَوْمِ، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا. قَال: فَفَعَلَ. قَالَ فَجاء ذُو الْبُرِّ بُبرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ. قَالَ - وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَواهُ - قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ. قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا. حَتَّى مَلأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذلِكَ: " أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ، لَا يَلقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ".
٤٥ - (...) حدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، جَمِيعاً عَنْ أَبِى مُعَاوِيةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ - شَكَّ الأَعْمَشُ - قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا. فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
من هذا الطريق عن أبى صالح، واختُلف فيه عن الأعمش فقيل: عن أبى صالح عن جابر وكان الأعمش يشك فيه، ورواه أيضاً الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وأبى سعيد، وفى هذا الحديث قال: وقال مجاهد: وذو (١) النواة بنواه.
قال عبد الغنى بن سعيد: طلحة بن مُصَرف هو الذى قال ذلك عن مجاهد (٢)، وكذا جاء فى الأمهات: ذو النواة بنواه، ووجهه وذو النواة بنواه، كما قال قبله: فجاء ذو التمر بتمره وذو البُر ببُره، وفى هذا الحديث: حتى ملأ القوم أزودَتَهم، كذا الرواية فيه فى جميع أصول شيوخنا، والأزودة غير الأوعية كما قال فى الحديث الآخر: أوعيتهم، ولعله مزاودهم، أو سمى الأوعية بما فيها كما سُميت الأسقية روايا بحامليها، وإنما الروايا الإبل التى تحملها. وسمى النساء ظعائن باسم الهوادج التى حملت فيها.
قوله فيه: " لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا "، قال الإمام: النواضح من الإبل العاملة