← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

١٠٠ - (١٠٣٧) وَحَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ، وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِى اللهُ ". ــ وقوله: " إنما أنا قاسم، والله يعطى "، وفى الآخر: " خازن ": فيه تفويض الأمور إلى الله تعالى، وكون جميعها بمشيئته وقدرته [والتسريح] (١) بأن الإنسان مصرف مسخر بحكمه، لا إله غيره، وأنه ﵇ لم يستأثر بشىء (٢) من الدنيا وإنما تصرفه فيها لمصلحة عباده، وأمر ربه لا لنفسه ولا لحوله وقوته.

стр. 1857

(٣٤) باب المسكين الذى لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه ١٠١ - (١٠٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ - يَعْنِى الحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " ليْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الذِى يَطُوفُ عَلى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللقْمَةُ واللقْمَتَانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ ". قَالوا: فَمَا المِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَالَ: " الذِى لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَليْهِ، وَلا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا ". ــ وقوله: " ليس المسكين بهذا الطواف " الحديث، قال الإمام: قال محمد بن سلام: قلت ليونس: ما [الفرق] (١) بين الفقير والمسكين؟ فقال: الفقير الذى يجد القوت، والمسكين الذى لا شىء له. وقال ابن عرفة: الفقير عند العرب: المحتاج، قال الله تعالى: ﴿أَنتُمُ الْفقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢)، أى المحتاجون، والمسكين: الذى قد أذله الفقر، فإذا كان هذا إنما مسكنته من جهة الفقر حلت له الصدقة وكان فقيراً مسكيناً، وإذا كان مسكيناً قد أذله شىء سوى الفقر فالصدقة لا تحل له، إذ كان شائعاً فى اللغة أن يقال: ضرب فلان المسكين، وظلم فلان المسكين، وهو من أهل الثروة واليسار، وإنما لحقه اسم المسكين من جهة الذلة، فمن لم تكن مسكنته من جهة الفقر فالصدقة له حرام، وقد سمى الله تعالى من له الفلك مسكيناً، فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (٣). قال الشافعى: الفقراء: هم الزمنى الذين لا حرفة لهم، وأهل الحرف الذين لا تقع حرفتهم من حاجتهم موقعاً، والمساكين: السوال، من له حرفة تقع موقعاً ولا تغنيه وعياله. قال القاضى: اختلف أهل اللغة والفقهاء فى المسكين والفقير، أيهما أشد فاقة؟ وفيه الحض على ارتياد الأولى بالصدقات والأحوج، وليس فى هذا الحديث من قوله: " ليس المسكين بهذا الطواف "، نفى المسكنة - عنه، وأنه ممن لا تحل له الصدقة، وإنما أراد المبالغة فى المسكنة فى غيره، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب﴾ الآية (٤)، وقال ﵇: " ليس الشديد بالصرعة " (٥) أى أن المسكين الكامل المسكنة هو الآخر المتعفف الذى لا يسأل ولا يفطن له فيتصدق عليه. وأما الطواف فطوافه كالكسب له.

стр. 1858

١٠٢ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - أَخْبَرَنِى شَرِيكٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلى مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " ليْسَ المِسْكِينُ بِالذِى تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلا اللقْمَةُ واللقْمَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ المُتَعَفِّفُ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١). (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ. أَخْبَرَنَاَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِى شَرِيكٌ. أَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى عَمْرَةَ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ. ــ وقوله: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا﴾: قيل: إلحاحاً، وقيل: عموماً وشمولاً بالسؤال، ومنه سمى اللحاف لعموم (٢) ستره، وقيل: معناه: أنهم لا يسألون جملة، أى لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف، بدليل قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّف﴾ (٣)، ولا يصح هذا مع السؤال. وينتصب " إلحافاً " على المصدر، وفى الوجوه الأول على الحال. وقوله: " ترده الأكلة والأكلتان " (٤): الأكلة بالضم، اللقمة، وأما بالفتح فالمرة الواحدة، والرواية هنا بالضم، وهو المراد بالحديث.

стр. 1859

(٣٥) باب كراهة المسألة للناس ١٠٣ - (١٠٤٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلى بْنُ عَبْدِ الأَعْلى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَخِى الزُّهْرِىِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لا تَزَالُ المَسْأَلةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلقَى اللهَ، وَليْسَ فِى وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ". (...) وَحَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَخِى الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلمْ يَذْكُرْ " مُزْعَةُ ". ــ [وقوله] (١): " لا تزال المسألة بأحدكم حتى [يلقى] (٢) الله ولما فى وجهه مزعة لحم "، قال الإمام: أى قطعة لحم، يقال: أطعَمَهُ مزَعَة لحم، [أى] (٣) قطعةً منه (٤)، نتفة لحم، أى قليلاً. ومَزَّعَتِ المرأةُ قُطنَها إذا زَبَّدَتْهُ، أى قَطَّعَتْهُ ثم [ألفَتْهُ] (٥) فَجَوَّدَهُ بذلك، وفى الحديث: " فصار أنفه كأنه يتمزع " (٦) أى يتشقق ويتقطع غضباً. قال القاضى: قيل: معناه: يأتى يوم القيامة ذليلاً ساقطاً لا وجه له عند الله، وقيل: هو على ظاهره، يحشر وجهُه عظماً دون لحم، عقوبة من الله، وتمييزاً له وعلامة بذنبه لما طلب المسألة بالوجه، كما جاء فى الأحاديث الأخرى من العقوبات فى الأعضاء التى كان بها العصيان، وقيل: ليس على وجهه لحم يقيه حر شمس المحشر، وهذا ضعيف، وهذا فيمن سأل لغير ضرورة وتكثراً، [كما جاء فى الحديث الآخر: " من سأل لغير ضرورة وتكثراً "، و] (٧) كما جاء فى الحديث الآخر: " من سأل تكثراً فإنما هو جمر " (٨)،

стр. 1860

١٠٤ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى الليْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأتِى يَوْمَ القِيَامَةِ وَليْسَ فِى وَجْهِهِ مُزْعَة لحْمٍ ". ١٠٥ - (١٠٤١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنُ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ ". ١٠٦ - (١٠٤٢) حَدَّثَنِى هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ بَيَانٍ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِىَ بِهِ مِنَ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلاً، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اليَدَ العُليَا أَفْضَلُ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ ". (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِى قَيْسُ ابْنُ أَبِى حَازِمٍ، قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرةَ فَقَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " وَاللهِ، لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهُ ". ثُمَّ ذَكَرَ بِمثْلِ حَدِيثِ بَيَانٍ. ــ يعنى معاقبته عليه بالنار، إذ (١) غر من نفسه، وأخذ باسم الفقر ما لا يحل له، أو يكون مجازاً من ذل (٢) السؤال، وبذل الوجه لغير فاقة مضطرة، فاستعان لذلك احتراق الوجه بذلك، وأن الاحتطاب وتكلف صعب المعيشة ومشقة الكسب، خير له وأصون لإراقة ماء وجهه، ورونق محياه، وقد يكون الجمرُ على وجهه، أى يرد ما يأخذ جمرًا فيكوى به (٣)، كما جاء فى مانع الزكاة. وقد يكون عندى قوله: " لقى الله وما فى وجهه مزعة لحم " على ضرب المثل والاستعارة لحاله فى الدنيا، من ذهاب الجرمة عن وجهه، والصون بذل السؤال حتى مات ولم تبق له وجه عند الناس ولا قدر. واختلف فيمن تحل له المسألة، فقيل: من معه ما يغديه ويعشيه فلا تحل له، وتأولوا

стр. 1861

١٠٧ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ مَوْلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ، فَيَحْمِلهَا عَلى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلاً، يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ ". ١٠٨ - (١٠٤٣) حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ وَسَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ - قَالَ سَلمَةُ - حَدَّثَنَا، وَقَالَ الدَّارِمِىُّ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِىُّ - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ العَزِيزِ - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الخَوْلانِىِّ، عَنْ أَبِى مُسْلمٍ الخَوْلانِىِّ، قَالَ: حَدَّثَنِى الحَبِيبُ الأَمِينُ - أَمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إلى، وَأَمَّا هُوَ عِنْدِى فَأَمِينٌ - عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِىُّ. قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: " أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ " وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ. فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ ثُمَّ قَالَ: " أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ". فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ ثُمَّ قَالَ: " أَلا تُبَايعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ". قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِينَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: " عَلى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلوَاتِ الخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلا تَسْأَلوا النَّاسَ شَيْئًا " فَلقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أولئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلهُ إِيَّاهُ. ــ عليه قوله فى الحديث: " من سأل ومعه ما يغنيه فإنما يستكثر من النار " قيل: وما يغنيه؟ قال: " يغذيه ويعشيه " (١)، وقال قوم: معناه: من وجد غداه وعشاه سائر الأوقات، فإذا كان معه ما يكفيه لقوته مدة طويلة حرمت عليه المسألة، قال آخرون: هذا منسوخ بغيره من الأحاديث التى تعارضت.

стр. 1862

(٣٦) باب من تحل له المسألة ١٠٩ - (١٠٤٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ. حَدَّثَنِى كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ العَدَوِىُّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الهِلالِىِّ، قَالَ: تَحَمَّلتُ حَمَالةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلهُ فِيهَا. فَقَالَ: " أَقِمْ حَتَّى تَأَتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنأمُرَ لكَ بِهَا ". قَالَ: ثُمَّ قَالَ: " يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ المَسْأَلةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالةً فَحلتْ لَهُ المَسْأَلةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثَمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ ــ قال الإمام: وقوله: " إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة " يكون الحمل (١) ها هنا على أنه يحمل حمالة جائزة. وقوله: " ورجل أصابته فاقة حتى يقوم (٢) ثلاثة من ذوى الحجا: لقد أصابت (٣) فلاناً فاقة " فكلفه هنا إثبات فقره، وفى حديث آخر: " صدقوا السائل ولو أتى على فرس " فيحمل الأول على من كان معروفاً، بالملاء، ثم ادعى الفقر، ويحمل الثانى على من جهل أمره (٤). قال القاضى: اشتراطه هنا ثلاثة وحكم الشهادة اثنان والخبر واحد، ولعله أراد أن يخرج بالزيادة عن حكم الشهادة إلى طريق اشتهار الخبر وانتشاره، وأن المقصد بالثلاثة هنا جماعة هى أقل الجمع لا نفس العدد، إذ ليس للثلاثة فى هذا الباب أصل. والحجا: العقل، مقصور. وشرط العقل هنا فى الشاهد دليل على اعتباره فى الشهادة والخبر، وأن المغفل لا يُلتفت لقوله، وشرط فى الذى أصابته فاقة معرفة الناس ذلك، ولم يشترط فى الذى أصابته جائحة؛ لأنها مشهورةٌ معلومةٌ. وهذا حكم من طلب بحق فادعى العدم، وقد عرف بمال أنه إن كاذت جائحة وتلف ماله معلوماً، وإلا كلف إثبات ذلك ولم ينفعه دعواه، وهكذا يكون حكمها فى الصدقة. وقوله: " ورجل أصابته جائحة " ثم قال: " حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال

стр. 1863

قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثةٌ مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ، فَحلَّتْ لَهُ المَسْأَلةُ؛ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا ". ــ سداداً ": كذا ضبطناه بكسر الكاف والسين وهما بمعنى. قال صاحب العين: قوام العيش: ما يغنى منه، والسداد: ما سددت به شيئاً. وقال الهروى: وقوله: " سداد من عيش " أى ما يسد به خلته، وكل شىء سددت به خلالاً فهو سداد، ومنه: سداد الثغر وسداد القارورة. وقوله: " فما سوى هذا يا قبيصة سحت ": على إضمار فعل، أى اعتقده سحتاً، أو إنما يأكل سحتاً، وبالرفع رواه غير مسلم (١). وفيه أن متحمل الحمالة يعطى من الزكاة وإن كان غنياً؛ لأنه من الغارمين، وهو الرجل يسعى فى صلاح ذات البين فى النائرة (٢) تقع بين القوم. والترات (٣) يتضمن ما لأصحاب الطوائل وديات القتلى (٤) فيهم، يترضاهم بذلك حتى تسكن الثائرة، فهذا يعان من الزكوات (٥) وغيرها من أموال الله على ما صنع من المعروف، ولا يلزم ذلك فى مال، قاله أبو سليمان.

стр. 1864

(٣٧) باب إباحة الأخذ لمن أعطى من غير مسألة ولا إشراف ١١٠ - (١٠٤٥) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - يَقُولُ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِيَنِى العَطَاءَ. فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِليْهِ مِنِّى، حَتَّى أَعْطَانِى مَرَّةً مَالاً. فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِليْهِ مِنِّى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ ". ــ وقول عمر للنبى ﷺ : " أعطه أفقر منى ": دليل على فضل عمر وزهده، وقلة حرصه على الدنيا والتكثر [منها] (١)، وإيثار غيره على نفسه. وقول النبى ﷺ : " ما جاءك غير مشرف ولا سائل فخذه " من معنى قوله المتقدم: " بإشراف نفس " أى بتطلع وحرص وشره إليه. وقوله: " [وما لا] (٢) فلا تتبعه نفسك " من الاختصار أى ما لا يكون بهذه الصفة ولم يأتك على هذه الحالة فلا تتبعه نفسك، أى فلا تعلقها بطلبه واتباعه. قال الطحاوى: وليس معنى الحديث فى الصدقات، وإنما هو فى الأموال التى يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم (٣). قال الطبرى: واختلف الناس فيما أمر النبى ﷺ عمر من ذلك، بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد، فقيل: هو ندب من النبى ﷺ لكل من أعطى عطية إلى قبولها، كانت من سلطان أو غيره، إذا كان ممن تجوز عطيته، وقيل: بل ذلك ندب إلى قبول عطية غير السلطان، [فأما السلطان] (٤) فبعضهم حرمها، وبعضهم كرهها، وقال آخرون: بل ذلك ندب لقبول عطية السلطان دون غيره. وقال المهلب فيه جواز إعطاء الإمام الرجل، وثم من هو أفقر منه، إذا رأى لذلك وجهاً.

стр. 1865

١١١ - (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عبدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعْطِى عَمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، العَطَاءَ، فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أَعْطِهِ يَا رَسُول اللهِ أَفْقَرَ إِليْهِ مِنِّى. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خُذْهُ فَتَمَوَّلهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا، فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ ". قَالَ سَالِمٌ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، وَلا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ. (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِىِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رَضىَ اللهُ عَنْهُ - عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ . ــ قال الإمام: جاء فى سند هذا الحديث: حدثنى أبو الطاهر، نا ابن وهب، نا عمرو - يعنى ابن الحارث - حدثنى ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن عبد الله بن السعدى؛ عن عمر (١) [الحديث] (٢) كذا روى هذا (٣) الإسناد، وفيه انقطاع، سقط منه رجل بين السائب بن يزيد وبين عبد الله بن السعدى، وهو حويطب بن عبد العزى (٤). قال النسائى: لم يسمعه السائب بن يزيد بن عبد الله بن السعدى، رواه عن حويطب. قال غيره: هو محفوظ من غير طريق عمرو بن الحارث، رواه أصحاب الزهرى، شعيب والزبيدى عن الزهرى، قال: اخبرنى السائب بن يزيد: أن حويطباً أخبره أن عبد الله أخبره [أن عمر أخبره] (٥)، وقد رواه يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب. ذكره أبو على بن السكن فى كتابه، وفى هذا الإسناد أربعة من الصحابة يروى بعضهم عن بعض، وهو السائب بن يزيد، وحويطب بن عبد العزى، وعبد الله بن السعدى، وعمر بن الخطاب - رضى الله عنهم.

стр. 1866

١١٢ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ليْثٌ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ السَّاعِدِىِّ المَالِكِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا، وَأَدَّيْتُهَا إِليْهِ، أَمَرَ لِى بِعُمَالةٍ. فَقَلتُ: إِنَّمَا عَمِلتُ لله، وَأَجْرِى عَلى اللهِ. فَقَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيْتَ، فَإِنِّى عَمِلتُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَمَّلنِى، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَال لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ، وَتَصَدَّقْ ". (...) وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ السَّعْدِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلنِى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - عَلى الصَّدَقَةِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ الليْثِ. ــ قال القاضى: وجاء فى الحديث بعده فى حديث قتيبة: بشر بن سعيد عن ابن الساعدى المالكى، وبعده فى حديث هارون: عن ابن السعدى، وهو الصواب. واسمه قدامة، وقيل: عمرو، وهو قرشى عامرى، مالكى، من بنى مالك بن حنبل بن عامر ابن لؤى. وإنما قيل له: السعدى؛ لأنه استرضع فى بنى سعد بن بكر، وأما الساعدى فلا أعرف (١) له وجهًا، وابنه عبد الله من الصحابة. وقوله: " أمر لى بعُمَالة " بضم العين، اسم أجرة العامل. وقوله: " فعمَّلنى ": أى جعل لى العُمالة، وهى أجرة العمل. فيه جواز الأجرة على أعمال المسلمين وولاياتهم الدينية، والدنيوية من الإمارة، والصدقات [والقضاء] (٢) والحسبة، وغيرها. [وقوله: كان يعطينى العطاء فأقول: أعطه أفقر منى، فقال: " خذه ": فيه جواز إعطاء الإمام من غيره أفقر منه لوجه يراه من المصلحة] (٣)، وفيه أخذ المال من أئمة العدل، وإن أخذ ما جاء من غير مسألة ولا منَّة خير من تركه إذا كان حلالاً.

стр. 1867

(٣٨) باب كراهة الحرص على الدنيا ١١٣ - (١٠٤٦) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ ، قَالَ: " قَلبُ الشَّيْخِ شَابٌ، عَلى حُبِّ اثْنَتَيْنِ: حُبِّ العَيْشِ، وَالمَالِ ". ١١٤ - (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلةُ قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " قَلبُ الشَّيْخِ شَابٌ عَلى حُبِّ اثْنَتَيْنِ: طُولُ الحَيَاةِ، وَحُبُّ المَالِ ". ١١٥ - (١٠٤٧) وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلّهُمْ عَنْ أَبِى عَوَانَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الحِرْصُ عَلى المَالِ، وَالحِرْصُ عَلى العُمُرِ ". (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ . قَالَ بِمِثْلِهِ. (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالا: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، بِنَحْوِهِ. ــ قال الإمام: وقوله: " قلب الشيخ شاب على حب اثنين العيش (١) والمال ": فيه الإشارة (٢) إلى أن الإرادة فى القلب، خلافاً لمن رأى [أن] (٣) ذلك [فى غير الأعضاء] (٤). قال القاضى: والعبارة [ها] (٥) هنا بالشباب عن كثرة الحرص، وبعد الأمل الذى هو فى الشباب أكثر، وبهم أليق للرجاء فى طول أعمارهم ودوام استمتاعهم ولذاتهم فى الدنيا.

стр. 1868

(٣٩) باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثاً ١١٦ - (١٠٤٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَسُعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ - عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ تَابَ ". ــ وقوله: " لو كان لابن آدم واديان من مال " الحديث، وقول ابن عباس [فلا أدرى أمن القرآن هو أم لا؟ وقول أنس] (١): فلا أدرى أشىء نزل أم شىء كان، وقول أبى موسى أنه حفظها من سورة كانوا يشبهونها ببراءة، وأنه أنسيها، قال الإمام: يحتمل أن يكون إنما خص هذا العدد فقال: " واديان " ولم يقل ثلاثة أو أكثر؛ لأن أصول الأموال ذهب وفضة فعبر عن هذين الأصلين (٢). قال القاضى: قد جاء فى رواية ابن أبى شيبة: " واديان من ذهب ". قال الإمام: وأما قوله: " ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ": فإنه يحتمل أن يريد بالجوف القلب، وأنه لا يمل من محبة المال نحو ما تقدم من قوله: " قلب الشيخ شاب ": يحتمل أن يريد غير القلب، وأنه لا يشبع، ويُؤَيدُ ما تأولناه [من الاحتمال أن فى حديث بعد هذا: " لا يملأ فم ابن آدم "، وهذا يُشير إلى ما تأولناه] (٣) من أن المراد به [الأغذية، وفى حديث آخر: " لا يملأ نفس ابن آدم "، وهذا يشير إلى ما تأولناه من أن المراد به] (٤) المحبة، وما يكون بالقلب، وكأنه ﵇ عبر تارة بما يختص بالوجه بأحد الوجهين، وعبر تارة بما يختص بالوجه الآخر، وعبر بالجوف عن اجتماعهما جميعاً، إذ الجوف محل الأغذية، ومحل القلب الذى فيه المحبة والشهوات. قال القاضى: الأظهر فى هذا والذى قاله أكثر من تكلم على الحديث، والذى يقتضيه مَنْحَى الكلام ومقصده: أن المراد بالحديث حِرض (٥) القلب ورغبة النفس، لا الأكل وشهوة البطن؛ لأنه لم يجر للمطعوم هناك ذكر، إنما جرى ذكر المال والذهب. ولما كانت مُعظم جوارح الشهوات والرغبات فى الجوف، وفيه (٦) القلب الذى عنه يصدر الحرص والرغبة، والشّرهُ والأمل، أضاف ذلك إليه. وقد قيل: إن معنى " لا يملأُ جوف ابن آدم إلا التراب ": أى حتى يموت فيمتلئ تراباً، ويصير تراباً، وليقطع أمله، فعبّر

стр. 1869

(...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ - فَلا أَدْرِى أَشَىْءٌ أُنْزِلَ أَمْ شَىْءُ كَانَ يَقُولهُ - بِمِثْلِ حَدَيثِ أَبِى عَوَانَةَ. ١١٧ - (...) وَحَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " لوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنَّ لَهُ وَادِيًا آخَرَ وَلنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلا التُّرَابُ، وَاللهُ يَتُوبُ عَلى مَنْ تَابَ ". ١١٨ - (١٠٤٩) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ ابْنُ مُحَمَّد عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ مِلْءَ وَادٍ مَالاً لأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِليْهِ مِثلُهُ، وَلا يَمْلأُ نَفْسُ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ، وَاللهُ يَتُوبُ عَلى مَنْ تَابَ ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلا أَدْرِى أَمِنَ القُرْآنِ هُوَ أَمْ لا؟ وَفِى رِوَايَةِ زُهَيْرٍ قَالَ: فَلا أَدْرِى أَمِنَ القُرْآنِ؟ لمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ. ١١٩ - (١٠٥٠) حَدَّثَنِى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِى حَرْبِ بْنِ أَبِى الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِىُّ إِلى قُرَّاءِ أَهْلِ البَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَليْهِ ثَلاثُمِائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَؤُوا القُرْآنَ. فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ البَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلوهُ، وَلا يَطُوَلنَّ عَليْكُمُ الأَمَدَ فَتَقْسُوَ قُلُوُبكُمْ، كَمَا قَسَتْ قُلوبُ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ، وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً، كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِى الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ، فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّى قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: لوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لابْتَغَى وَادِيًا ثَالثًا، وَلا يَمْلأَ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ. وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى المُسَبِّحَاتِ، فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّى حَفِظْتُ ــ بانقطاع ذلك وتمامه. بملئه بالتراب، هو يعضُدُ ما رجحناه من التأويلين، وأمّا ما جاء أن هذا [كان] (١) قرآناً، أو شك راوية هل كان قرآناً؟ قال الإمام: " أما قول أبى موسى: كنا نقرأ سورة كنا نشبّهها بإحدى المسبّحات فأُنسيتها غير أنى قد حفظت منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)، فتكتب

стр. 1870

مِنْهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (١). فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِى أَعْنَاقِكُمْ، فَتُسْأَلونَ عَنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ. ــ شهادة فى أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ": فيحتمل أن تكون إحدى السور (٢) المتلوة الآن ونسيها هو، وحفظ منها الآية المنسوخة. قال القاضى: ونسخ ما نسخ من ذلك هو مما نسخ لفظه. والنسخ فى القرآن على ثلاثة وجوه: نسخ حكم بقى لفظه، وهو أكثر المنسوخ، ونسخ حكم ولفظ، كما حكى من شأن خمس رضعات، ونسخ لفظ وبقاء حكم، كما يذكر من آية الرجم، فأنسى الله تعالى من ذلك ما شاء لحكمة أرادها. وتوفى النبى ﷺ وقد كمل النسخ وحفِظ جميع القرآن، ثم تأمل ما يذكره: الصحابة مما نسخ من ذلك، فإنما أتَوْا به على المعنى وبعض اللفظ، لا على نص المعجز. وسياق نظم القرآن يشهد لذلك ما ذكروه من ذلك [المعنى] (٣) وبُعْده عن نظم القرآن وبلاغته.

стр. 1871

(٤٠) باب ليس الغنى عن كثرة العرض ١٢٠ - (١٠٥١) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ليْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ ". ــ وقوله: " ليس الغنى عن كثرة العرض، [ولكن الغنى غنى النفس ": العَرَض، بفتح العين والراء هنا، قال أبو عبيد: هو حطام الدنيا، يعنى متاعها، يدخل فيه جميع المال العرَوض وغيرها "] (١)، فأما العَرْضُ بسكون الراء، فيما خلا العقار والحيوان، وما يدخلهُ الكيل والوزن. هذا قول أبى عبيد، وفى كتاب العين: العَرَض: ما نيل من الدنيا، قال الله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ (٢)، وبه فسره بعضهم. وقال أبو زيد: العرْضُ، بالسكون، ما ليس بذهب ولا فضة، وجمعه عَرُوض. وفى العين: العَرضُ خلاف النَقْد وهو (٣) قول الأصمعى. ويعنى الحديث: أن حقيقة [الغنى والغنى] (٤) المحمُودُ هو: غنى النفس وشبعُها وقلة حرصها، لا كثرة المال، مع الحرص على التزيد منه والشح به، فذلك فقر بالحقيقة؛ لأن صاحبه لم (٥) يستعن به بعد. قال الإمام: يحتمل أن يُريد أنّ الغنى النافع الذى (٦) يكف عن الحاجة، وليس ذلك على ظاهره؛ لأنه معلوم أن الكثير المال غنى.

стр. 1872

(٤١) باب تخوّف ما يخرج من زهرة الدنيا ١٢١ - (١٠٥٢) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الليْثُ بْنُ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ابْنُ سَعِيدٍ - وَتَقَارَبَا فِى اللفْظِ - قَالَ: حَدَّثَنَا ليْثٌ عَنْ سَعِيد بن أَبِى سَعِيدٍ المَقْبَرِىِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِىَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: " لا وَاللهِ، مَا أَخْشَى عَليْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِلا مَا يُخْرِجُ اللهُ لكُمْ منْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيأتِى الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ رسُولُ اللهِ ﷺ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: " كَيْفَ قُلْتَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِى الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ لَهُ ــ وقوله فى الحديث: " فقالوا (١): وهل يأتى الخير بالشر " ربما وقع كالمعارضة التى تطلب بها (٢) الفائدة ويسرع (٣) إلى النفوس قبولها (٤) لمضادة الخير [للشر] (٥)، فيمكن أن يكون [عَلِمَ] (٦) ﵇[أنهم] (٧) لم يفهموا قصده فقال: " لا يأتى الخيرُ بالشر "، ثَم قال ﷺ : " [أو خير هو] (٨) " كأنه يقول: وإن سلمتُ قولكم فليس هذا الخير، لما يؤدى إليه ويوقع فيه، ثم ضرَب ﵇ لهم مثلاً يشير إلى حالة البطر والمقتصد والمكثر الذى يفرق ما جمع على صفة ينتفع بها، فقال ﵇: " إن مما ينبت الربيع يقتل (٩) حَبطاً أو يُلم "؛ لأنه قال: أنتم تقولون: إن الربيع خيرٌ وبه قوامُ الحيوان، وها هو منه [ما] (١٠) يقتل (١١) للتخمة عاجلاً، أو يكاد يقتل (١٢)، فحالة المتخوم (١٣) كحالة البطر (١٤) الذى يجمع ولا يصرف، فأشار بهذا إلى أن الاعتدال والتوسط فى الجمع أحسن، ثم خشى أن يقع فى النفس أن من المكثرين من لا ينفعه إكثاره، فضرب لهم المثل بأكلة الخضَر، وشبهها بمن يجمع ثم يفرقه فى وجوه المعروف، ووصف ﷺ هذه الدابة بأنها تأكل حتى تمتلئ (١٥) خاصرتاها ثم تَثْلِطُ (١٦)، فذكر أنها

стр. 1873

رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ الخَيْرَ لا يأتِى إِلا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ، إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ، إِلا آكِلةَ الخَضِرِ، أَكَلتْ حَتَّى إِذَا امَتلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلتِ الشَّمْسَ، ثَلطَتْ أَوْ بَالتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ، فَعَادَتْ فَأَكَلتْ، فَمَنْ يَأخُذْ مَالاً بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ. وَمَنْ يَأخُذْ مَالاً بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلهُ كَمَثَلِ الذِى يأكُلُ وَلا يَشْبَعُ ". ــ تمتلئ (١) فى أول ذكره لها لما كان التشبيه يقتضى إيراده (٢)، ثم قال بعد ذلك: " ثم عادت فأكلت، ولم يقل: حتى امتلأت " كما قال أول مرة، وهذا يحتمل أن يريد به أنها تأكل من جنس الأكل الأول، فاستغنى عن إعادته ها هنا بالإشارة إليه، ويحتمل أن يريد أنها تعود إلى أكل معتدل، وكذلك حالة الجامع للمال فى غالب الحال أنَّه يفنى فى جمعه أكثر عمرهِ، فإذا صرَّفه ثم عاد إلى الكسب كان كسبه متوسطاً. وقد قال الأزهرى: فى هذا الحديث مثلان: أحدهما: للمفرّط فى الجمع المانع من الحق، وإليه الإشارة بقوله ﵇: " وإنّ مما ينبت الربيع ما يقتل (٣) "، وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول، فتستكثر منه الماشية [حتى تهلك] (٤). والثانى: للمقتصد، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : " إلا آكلة الخَضِر " [لأن الخَضِر] (٥) ليس (٦) من أحرار البقول، هذا معنى قول الأزهرى فى هذا الحديث. قال الإمام: يروى هذا الحديث أبو سعيد الخدرى فقال فى طريق منه: " استقبلت الشمس ثلطت وبالت واجْترَّتْ "، وقال فى طريق آخر: " استقبلت الشمس ثم اجترَّت وبالت وثلطت " وهذا يوهم ظاهره (٧) الاختلاف، وليس بمختلف؛ لأن الحديثين جميعاً تضمنا أنها اجترت بعد استقبال الشمس، ففى الأول منهما: ذكر بولها قبل أن تجتر، وفى الثانية منهما: ذكره بعد الاجترار، ولكن بحرف (٨) الواو التى لا توجب الرتبة، وإنما حصل الترتيب فى كون الاجترار وما عطف عليه بعد استقبال الشمس، ولكن الأول من هذه المعطوفات غيرُ مستفادٍ من حرف (٩) الواو. وأما قوله: " ثلطت " فقال أبو عبيد فى المُصنف: ثلط البعير يثلِطُ ثلطاً: إذا ألقاهُ سهلاً رقيقاً.

стр. 1874

١٢٢ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَليْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللهُ لكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا "، قَالوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " بَرَكَاتُ الأَرْضِ " قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَأْتِى الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ قَالَ: " لا يَأْتِى الخَيْرُ إِلا بِالخَيْرِ، لا يَأتِى الخَيْرُ إِلا بِالخَيْرِ، لا يَأتِى الخَيْرُ إِلا بِالخَيْرِ، إِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلا آكِلةَ الخَضِرِ، فَإِنَّهَا تَأكُلُ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلتِ الشَّمْسَ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ وَبَالتْ وَثَلِطَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلتْ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِى حَقِّهِ، فَنِعْمَ المَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ كَالذِى يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ ". ١٢٣ - (...) حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ صَاحِبَ الدَّسْتَوَائِىِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، قَالَ: جَلسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى المِنْبَرِ، وَجَلسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: " إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَليْكُمْ بَعْدِى، مَا يُفْتَحُ عَليْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ". فَقَالَ رَجُلٌ: أَوَ يَأتِى الخَيْرُ بِالشَّرِّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقِيلَ لَهُ: مَا شأنُكَ؟ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلا يُكَلِّمُكَ؟ قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاء. وَقَالَ: " إِنَّ هَذَا السَّائِلَ " - وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ - فَقَالَ: " إِنَّهُ لا يَأْتِى الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ ــ قوله ﵇: " إنَّ هذه الدنيا حلوة خضرة " (١): قال الهروى: " خضرة ": يعنى غضةً ناعمة طرية، وأصله من خضرة الشجر، وسمعت الأزهرى يقول: أخذ الشىء خضراً مضراً: إذا أخذه بغير ثمن، وقال (٢): غضاً طرياً. وقوله: " فأفاق يمسح عنه الرحضاء ": يعنى العرق من الشدة، وأكثر ما يسمى (٣) عرق الحُمى.

стр. 1875

الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلا آكِلةَ الخَضِرِ، فَإِنَّهَا أَكَلتْ حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلطَتْ وَبَالتْ ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلَ - أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَإِنَّهُ مَنْ يَأخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالذِى يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَليْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ ". ــ قال القاضى: قوله: " أو خير هو " هكذا رويناه بفتح الواو وهو وجه الكلام، وقد يحتمل أن يكون معناه: أو تحسبون أنَّ كل مالٍ خيراً، بل فيه خير وشر، ثم قسمه على ما تقدم بالمثل الذى ضربه، وقال بعضهم: قد روى [إلا أكلة] (١) الخضر، بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى استفتاح الكلام، أى انظروا أكلة الخضر وما كان منها. وقوله: " ثم اجترت ": أى مضغت جرتها، وهو ما أخرجته من جوفها إلى فمها (٢) مما رعتهُ قبلُ فيه، ثم ضرب المثل للمقتصد فى اكتساب المال، فشبه جمعه له على الوجه الذى يحمده بأكل الخضر المحمود رعيه (٣)، ثم اقتصارها عن الأكل عند امتداد خاصرتيها لأول شبعها بالمقتصد فى كسبه، الذى إذا جمع كفايته استغنى بها وترك الطلب وتودع (*)، ونظر فى استعمال ما جمعه وإنفاقه فى [مصالحه ومنافعه] (٤) وسقوط (**) بقاء التباعات فيه بخروجه من يده فى وجوهه، كهذه التى اجترت ما جمعته قبلُ فى كرشها ليسهل لها هضمه وتجرى منفعته فى جسمها، ثم امتدت (...) [للشمس] (٥) ليستريح جسمها، ويصلح هضمها، وتنضج أخلاط جسمها حتى تم لها مرادها، وبقى فى جسمها منفعته، وخرج عنها ثفله ومضرته (****) بخلاف غيرها، إذا (٦) لم ترفع رأسها حتى أثقلها ذلك ولم ينهضم لها لكثرة ما رعته منه، ووباله، فماتت تخمة (٧) وحبطاً، كذلك الحريص على الجمع المكثر الذى لا يملأُ عينه شىء ولا يصرف ما جرعه (*****) [منه] (٨) فى وجوهه وتكثيره حتى يأتيه أجله، وقد بقيت عليه تباعاته، فكان سبب هلاكه فى آخرته. وقال بعضهم احتج بعضهم (٩) بهذا الحديث فى تفضيل الفقر على الغنى لأن النبى ﵇ لم يخش عليهم [ما يفتح عليهم] (١٠) من الدنيا، إلا ضيّعوا فيها ما أمرهم الله به من إنفاقه فى حقوقه، وإذا كسبوه من غير وجه، ويوضحه قوله (١١): " فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم " إلى ما جاء بعده.

стр. 1876

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومعنى قوله: " أَوْ يُلِمُّ ": أى يقرب من الإهلاك والقتل. ألم بالشىء: قرُب منه، وسمى متاع الدنيا زهرة تشبيهاً بزهر النبات لحسنه (١) عند الناس، وإعجاب النفوس به. " والخضر " كلأ الصيف، وقال الأزهرى: هو هنا ضرب من الجنبة، وهى من الكلأ ما له أصل غامض فى الأرض، واحدتها خَضِرةٌ. قال القاضى: وقد وقع فى الأصل من رواية العذرى فى حديث أبى الطاهر: " [إلا آكلة الخُصرة "] (٢) على الإفراد كما قاله الأزهرى، وعند الطبرى: " الخُضرة " بالضم، وروى (٣) بعضهم ألا بفتح الهمزة والتخفيف على الاستفتاح. [قال الإمام: وقوله: " يمسح الرُحضاء ": أى العرق من الشدة، وأكثر ما يسمى به عرق الحُمى. قال القاضى] (٤): وقوله: " أين السائل ": كذا لابن سعيد وابن أبى جعفر، وعند السمرقندى: " أنَّى " ويقرب من معناه، وعند العذرى: " أى السائل " (٥) كأنهُ يقول: أيكم [السائل] (٦)؟ وفى هذا الحديث تسمية المال خيراً، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٧).

стр. 1877

(٤٢) باب فضل التعفف والصبر (١) ١٢٤ - (١٠٥٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئ عَليْهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ الليْثِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ؛ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلوا رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: " مَا يَكُنْ عِنْدِى مِنْ خَيْرٍ فَلنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرُهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِىَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ ". (...) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1878

(٤٣) باب فى الكفاف والقناعة ١٢٥ - (١٠٥٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِئُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى أَيُّوبَ، حَدَّثَنِى شُرَحْبِيلُ - وَهُوَ ابْنُ شَرِيكٍ - عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ ". ١٢٦ - (١٠٥٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، كِلاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ، اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ". ــ وقوله: " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا ": فيه ما كان ﷺ (١) من القصد فى أموره والتقلل من دنياه والاقتصاد منها على الحاجة، فدعاؤه ﵇ أن يكون رزق آله قوتًا يقيم حالهم، ويصلح أمرهم، ويكفيهم الجهد، وليس فيه فضول تخشى عليهم فتنتهُ، ويُخاف وباله.

стр. 1879

(٤٤) باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة ١٢٧ - (١٠٥٦) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ -: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا. فَقُلْتُ: وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، لغَيْرُ هَؤُلاءَ كَانَ أَحَقَّ بِهِ منْهُمْ. قَالَ: " إِنَّهُمْ خَيَّرُونِى أَنْ يَسْأَلونِى بِالفُحْشِ أَوْ يُبَخِّلونِى، فَلسْتُ بِبَاخِلٍ ". ١٢٨ - (١٠٥٧) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُليْمَانَ الرَّازِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا. ح وَحَدَّثَنِى يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلى - وَاللفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعَليْهِ رِدَاءٌ نَجْرَانِىٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِىُّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، نَظَرْتُ إِلى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ ــ وقوله حين قسم قسماً: فقال له عمر: [غير هؤلاء] (١) كان أحق به فقال: " إنهم خيرونى بين أن يسألونى بالفحش أو يبخلونى، فلست بباخل ": معناه: أنه اشتطوا (٢) عليه فى المسألة، التى تقتضى إن أجابهم إليها حابهم، وإن منعهم آذوه وبخلوه، فاختار ﵇ إعطاءهم، إذ ليس البخلُ من طباعه، ومداراة لهم وتآلفاً كما قال ﵇: " إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره " (٣)، كما أمر بإعطائه المؤلفة قلوبهم. وضحك النبى ﷺ للأعرابى، الذى جبذه بردائه حتى أثر فى عنقه، وانشق البرد، وقال له: " مر لى يا محمد من مال الله الذى عندك "، وإعطاؤه إياه من هذا. وفيه ما كان عليه ﷺ من الصبر والحلم والخلق العظيم والإغضاء عن الجاهلين والإعراض عنهم كما أدبه الله به، ومعنى حتى رجع النبى ﵇ فى نحر الأعرابى أن جبذته، ضمته إليه.

стр. 1880

الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِى مِنْ مَالِ اللهِ الذِى عِنْدَكَ، فَالتَفَتَ إِليْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (...) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرَمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. ح وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِهَذَا الحَدِيثِ. وَفِى حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَالَ: ثُمَّ جَبَذَهُ إِليْهِ جَبْذَةً. رَجَعَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ فِى نَحْرِ الأَعْرَابِىِّ. وَفِى حَدِيثِ هَمَّامٍ: فَجَاذَبَهُ حَتَّى انْشَقَّ البُرْدُ، وَحَتَّى بَقِيَتْ حَاشِيَتُهُ فِى عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ١٢٩ - (١٠٥٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ليْثٌ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُليْكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْبِيَةً وَلمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا. فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَىَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَانْطَلقتُ مَعَهُ. قَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِى. قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ. فَخَرَجَ إِليْهِ وَعَليْهِ قَبَاءٌ مِنهَا. فَقَالَ: " خَبأتُ هَذَا لكَ ". قَالَ: فَنَظَرَ إِليْهِ فَقَالَ: " رَضِىَ مَخْرَمَةُ ". ــ وقوله: " حتى بقيت حاشيته فى عنقه " (١): فيحتمل أنه على وجهه، بدليل قوله: " حتى انشق البرد "، ويحتمل أن يريد بقى (٢) أثر الحاشية، بدليل قوله فى الحديث الآخر: " حتى أثر البرد فى عنقه " وقوله: " فجاذبه " (٣) بمعنى " فجبذه " فى الرواية الأخرى، يقال: جذب وجبذ، وهو من المقلوب، وكذلك فعله مع مخرمة [فى القباء وعرضه محاسنه عليه. وقوله: " فخبأت هذا لك " كله من مداراة الناس، وكان مخرمة] (٤) من مشايخ قريش، وكذلك [وقوله] (٥) بعد هذا فى حديث سعد: " إنى لأعطى الرجل وغيرُه أحب

стр. 1881

١٣٠ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو الخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الحَسَّانِىُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتيَانِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى مُليْكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: قَدِمَتْ عَلى النَّبِىِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ، فَقَالَ لِى أَبِى - مَخْرَمَةُ - انْطَلِقْ بِنَا إِليْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: فَقَامَ أَبِى عَلى الْبَابِ فَتَكَلمَ، فَعَرَفَ النَّبِىُّ ﷺ صَوْتَهُ فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: " خَبَّأَتُ هَذَا لكَ، خَبَّأتُ هَذَا لكَ ". ــ إلى منه، خشية أن يكبَّه الله [فى النار] (١) على وجهه " (٢) إما بذم النبى ﷺ وسبه وتخيله إن لم يعطه فيكفر، أو لأنه بالعطاء يستألفه، حتى يتمكن الإيمان فى قلبه، ويصح يقينه فينجو من النار، وكذلك [قوله] (٣) فى الحديث [الآخر بعد هذا: " إنى لأعطى قوماً حديثى عهد بكفر أتألفهم "] (٤).

стр. 1882

(٤٥) باب إعطاء من يخاف على إيمانه ١٣١ - (١٥٠) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ؛ أَنَّهُ أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ. قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلاً لمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبَهُمْ إِلىَّ، فَقُمْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالكَ عَنْ فُلانٍ؟ وَاللهِ! إِنِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ: " أَوْ مُسْلِمًا "، فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلبَنِى مَا أَعْلمُ مِنْهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَ اللهِ، إِنِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ. " أَوْ مُسْلِمًا " فَسَكتُ قَليلاً، ثُمَّ غَلَبنِى مَا أَعْلم مِنْه. فَقْلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالَكَ عَنُ فُلانٍ؟ فَوَ اللهِ، إِنِّى لأَرَاهُ مُؤمِنًا. قَالَ: " أَوْ مُسْلمًا ". قَالَ: " إِنِّى لأُعْطِى الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلىَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِى النَّارِ عَلى وَجْهِهِ ". وَفِى حَدِيثِ الحُلوَانِىِّ تَكْرَارُ القَوْلِ مَرَّتَيْنِ. ــ [وقوله فى الحديث] (١): " ما لك عن فلان، والله [إنى] (٢) لأراه مؤمناً "، قال الإمام: يحتمل أن يكون إنما حلف على ما ظهر له [منه] (٣) لا على معتقده؛ لأن البواطن لا تعلم. قال القاضى: [قوله: " والله] (٤) إنى لا أراه [مؤمناً] (٥) " يبين هذا، ولم يقل: " [والله] (٦) إنه لمسلم (٧)، إنما حلف على ما رآه [منه] (٨) وظهر له. وقول النبى ﷺ [له] (٩): " أو مسلماً " [بسكون الواو غير، ومن حركها أحال المعنى؛ لأن النبى ﷺ لم يرد استفهامه، وإنما أشار له إلى القسم الآخر المختص بالظاهر، فجاء بـ " أو " التى للتقسيم] (١٠). قال الإمام: فيه دليل على الفرق (١١) بين الإسلام والإيمان؛ [لأن الإيمان التصديق، والإسلام الاستسلام والانقياد للشرائع] (١٢)، والإيمان شعبة من ذلك، فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمان؛ لأنه قد ينقاد فى الظاهر وهو منافق، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية (١٣).

стр. 1883

(...) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَلى مَعْنَى حَدِيثِ صَالِحٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ. (...) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ بِهَذَا الحَدِيثِ - يَعْنِى حَدِيثَ الزُّهْرِىِّ، الذِى ذَكَرْنَا - فَقَالَ فى حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِى وَكَتِفِى، ثُمَّ قَالَ: " أَقِتَالاً؟ أَىْ سَعْدُ، إِنِّى لأُعْطِى الرَّجُلَ ". ــ وقوله: " أقتالاً أى سعد ": أى مدافعة ومكابرة لما كرر عليه سعدُ الكلامَ فى الرجل، والنبى ﷺ يراجعه، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بأوعب من هذا فى كتاب الإيمان (١). وفى سند حديث المسور: زياد بن يحيى الحسانى، كذا ضبطناه عن شيوخنا بفتح الحاء المهملة وسين مهملة، وضبطه بعضهم بضم الحاء وهو غلط (٢). وقوله (٣): " لصناديد نجد ": أى ساداتهم. الصنديد: السيد العظيم القدر، وفى العين: الصنديد: الملك الضخم الشديد. وقوله (٤): " بعث بذهبة (٥) ": كذا لكافة رواة مسلم من شيوخنا عن الجلودى، وعند ابن ماهان: " بذهيبة " على التصغير.

стр. 1884

(٤٦) باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه ١٣٢ - (١٠٥٩) حَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالوا يَوْمَ حُنَيْنٍ، حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِى رِجَالاً مِنْ قُرَيْشٍ، المِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالوا يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ، يُعْطِى قُرَيْشًا، وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ!. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَحُدِّثَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلى الأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَلمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ. " مَا حَدِيثٌ بَلغَنى عَنكمْ؟ " فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الأَنْصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأيِنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَلمْ يَقُولوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانهُمْ، قَالوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ، يُعْطِى قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَإِنِّى أُعْطِى رِجَالاً حَدِيثِى عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلفُهُمْ، ــ [وذكر مسلم: ما أعطاه المؤلفة قلوبهم يوم حنين من قريش ولم يعط الأنصار] (١). قال الإمام: هذا حجة لأحد القولين؛ أن الغنيمة لا يملكلها الغانمون حتى يملكهم إياها الإمام. وهذا أصل مختلف فيه عندنا، وينبنى عليه الخلاف ممن سرق من الغنيمة أو زنا بأمة منها قبل أن تقسم. قال القاضى: ليس فى الحديث نص أنه فعل ذلك ﵇ قبل إخراج الخمس، [أو أنه لم يحسب ما أعطاهم من الخمس] (٢)، والمعروف من الأحاديث الأخر: أن إعطاء النبى ﷺ لمن أعطى، إنما كان من الخمس. وفيه أن للإمام تصريف الخمس ومال (٣) الفىء فى مصالح المسلمين، وأنه حل للأغنياء، وأن له أن يفضل فيه الناس على قدر ما يراه، وأن يعطى منه الكثير.

стр. 1885

أَفَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ إِلى رَحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللهِ؟ فَوَ اللهِ لمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ ". فَقَالوا: بَلى، يَا رسُولَ اللهِ قَدْ رَضِينَا. قَالَ: " فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلقَوُا اللهَ وَرَسُولهُ، فَإِنِّى عَلىَ الحَوْضِ ". قَالوا: سَنَصْبِرُ. (...) حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: لمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مَا أَفَاءَ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ. وَاقْتَصَّ الحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: فَلمْ نَصْبِرْ. وَقَالَ: فَأَمَّا أُنَاسٌ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ. (...) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: قَالوا: نَصْبِرُ. كَرِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ. ١٣٣ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الأَنْصَارَ، فَقَالَ: " أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ ". فَقَالوا: لَا، إِلا ابْنُ أُخْتٍ لنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ ابْنَ أُخْتِ القَوْمِ مِنْهُمْ "، فَقَالَ: " إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ ــ وقوله: " فإنكم ستجدون (١) أثرة شديدة ": كذا رويناه عن أبى بحر، وبعضهم بضم الهمزة وسكون الثاء، ورويناه على القاضى أبى على عن العذرى وعلى (٢) الفقيه أبى محمد الخشنى عن الطبرى: " أثَرَة " بفتحهما معًا، وكلاهما صحيح، وبالوجهين ضبطنا الحرف على أبى الحسين بن سراج فى هذا الحديث فى كتاب الهروى، أى تفضيلاً، أى يستأثر غيركم فَيُفَضل نفسه عليكم. قال الأزهرى [فى] (٣) الأَثَرَةُ: الاستئثار، وجمعه أثر وأثر، وحكى [لنا] (٤) الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان النحوى عن أبى على القالى: أن الأثرة: الشدة، وبه كان تفسير هذا الحديث. وفى هذا من ظهور صدق ما أخبر به النبى ﵇ مما يكون.

стр. 1886

بِجَاهِليَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّى أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلفَهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلى بِيُوتِكُمْ؟ لوْ سَلكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلكَ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لسَلكَتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ ". ــ قال الإمام: وقوله: " لو سلك الناس (١) [وادياً أو] (٢) شعباً ": الشعب: هو الطريق فى الجبل. قال القاضى: هذا قول يعقوب. وقال الخليل: هو ما انفرج بين جبلين، وهذا أكثر، ومنه: شعب مكة وغيرها. قال الإمام: وقوله: " الأنصار شعار والناس دثار ": الشعار: الثوب الذى يلى الجسد، والدثار: الثوب الذى يلى الشعار، فمعناه: الأنصار هم الخاصة والبطانة. قال القاضى: وذكر مسلم فى الباب: ثنا (٣) مخلد بن خالد الشعيرى، نا سفيان، حدثنى (٤) عمر بن سعيد، كذا قيدنا اسمه ونسبه عن كافة شيوخنا فى أصل ابن عيسى بخط ابن العسال، روايته من طريق ابن الحذاء: نا خالد بن مخلد الشعيرى (٥)، ولم أجد الحاكم ولا الباجى ولا الجيانى ومن تكلم على رجال الصحيحين ذكر خالد بن مخلد السحترى، ولا مخلد بن خالد الشعترى (٦)، ولا ذكر هذين النسبين مع أحد هذين الاسمين أحد من أصحاب المؤتلف والتقييد، [ولا أحد ممن تكلم على رجال الصحيحين إلا أبا داود فى مصنفه عن خالد بن مخلد الشعيرى] (٧)، ولا ذكروا [فى رجال الصحيحين] (٨) مخلد بن خالد غير منسوب، ولا خالد بن مخلد سوى خالد بن مخلد القطوانى. قيل منسوب إلى قرية بباب الكوفة، وهو قول أبى ذر والباجى. وقال البخارى والكلاباذى: معناه: البقال، فلعله سُمى بذلك لبيعه القطانى، فنسبته (٩) إن كان [هو أن يكون] (١٠) شعيرياً أيضاً [لذلك] (١١) لبيعه الشعير، أو (١٢) إن لم يكن هو منسوب إلى الشعيرة إقليم بحمص من الشام، كما قيل فى أبى قتيبه سالم بن قتيبة الخراسانى الشعيرى، خرج عنه البخارى ولم ينسبه فى الصحيح ونسبه فى التاريخ. وقوله: " أتجعل نهبى ونهب العبيد "، هو اسم فرسه، [والنهب: الغنيمة والاستيلاب] (١٣).

стр. 1887

١٣٤ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ لمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَسَمَ الغَنَائِمَ فِى قُرَيْشٍ، فَقَالتْ الأَنْصَارُ: إِنَّ هَذَا لهُوَ العَجَبُ، إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، وَإِنَّ غَنَائِمَنَا تُرَدُّ عَليْهِمْ. فَبَلغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: " مَا الذِى بَلغَنِى عَنْكُمْ؟ " قَالوا: هُوَ الذِى بَلغَكَ، وَكَانُوا لا يَكْذِبُونَ. قَالَ: " أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا إِلى بُيُوتِهِمْ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلى بُيُوتِكُمْ؟ لوْ سَلكَ النَّاسُ وَادِياً - أَوْ شِعْبًا - وَسَلكَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا - أَوْ شِعْبًا - لسَلكْتُ وَادِىَ الأَنْصَارِ - أَوْ شِعْبَ الأَنْصَارِ ". ١٣٥ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلى الآخَرِ الحَرْفَ بَعْدَ الحَرْفِ - قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ؛ قَالَ: لمَّا كَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَقْبَلتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ بِذَرَارِيهِمْ وَنَعَمِهِمْ، وَمَعَ النَّبِىِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ عَشْرَةُ آلافٍ، وَمَعَهُ الطُّلقَاءُ. فَأَدْبَرُوا عَنْهُ، حَتَّى بَقِىَ وَحْدَهُ. قَالَ: فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نَدَائَيْنِ، لمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. قَالَ: فَالتَفَتَ عَنْ يَمينِهِ فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ". فَقَالوا: لبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ. قَالَ: ثُمَّ التَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ". قَالوا لبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ. قَالَ: وَهُوَ عَلى بَغْلةٍ بَيْضَاءَ. فَنَزَلَ فَقَالَ: " أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُوُلهُ ". فَانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنَائِمَ كَثِيرَةٍ، فَقَسَمَ فِى المُهَاجِرِينَ وَالطُّلقَاءَ، وَلمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا. فَقَالتِ الأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ فَنَحْنُ نُدْعَى، وَتُعْطَى الغَنَائِمُ غَيْرَنَا! ــ وقوله: " ومعه الطلقاء ": هم الذين أسلموا عند الفتح من قريش ومنَّ عليهم النبى ﵇. وقوله: " بذراريهم ونَعَمِهم ": أى بعيالاتهم ونسائهم، والذرية تطلقها العرب على هذا، وكذلك كان أمر هوازن كان معهم نساؤهم، والنَّعم، بالفتح، الإبل خاصة، جمع لا واحد له من لفظه، وقيل ينطلق - أيضاً - على جماعة (١) المواشى إذا كان فيها إبل، وكذلك كان أمر هوازن، والأنعام: المواشى (٢) من الإبل وغيرها، وقيل: إن النعم والأنعام بمعنى واحد.

стр. 1888

فَبَلغَهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِى قُبَّةٍ، فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، مَا حَدِيثٌ بَلغَنِى عَنْكُمْ؟ " فَسَكَتُوا. فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِمُحَمَّدٍ تَحُوزُونَهُ إِلى بُيُوتِكُمْ؟ ". قَالوا بَلى يَا رَسُولَ اللهِ، رَضِينَا. قَالَ: فَقَالَ: " لوْ سَلكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لأَخَذْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ ". قَالَ هِشَامٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، أَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟ قَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ؟ ١٣٦ - (...) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلى. قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُليْمَانَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِى السُّمَيْطُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: افْتَتَحْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا فَجَاءَ المُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ. قَالَ فَصُفَّتِ الخَيْلُ، ثُمَّ صُفَّتِ المُقَاتِلةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ الغَنَمُ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ. قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، قَدْ بَلغْنَا سِتَّةَ آلافٍ. وَعَلى مُجَنِّبَةِ خَيْلِنَا خَالِدٌ بْنُ الْوَلِيدِ. قَالَ: فَجَعَلتْ خَيْلنَا تَلوِى خَلفَ ظُهُورِنَا، فَلمْ نَلبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا، وَفَرَّتِ الأَعْرَابُ، وَمَنْ نَعْلمُ مِنَ النَّاسِ. قَالَ: فَنَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَالَ المُهَاجِرِينَ، يَالَ المُهَاجِرِينَ ". ثُمَّ قَالَ: " يَالَ الأَنْصَارِ، يَالَ الأَنْصَارِ ". قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ. قَالَ: قُلْنَا: لبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَايْمُ اللهِ، مَا أَتَيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ. قَالَ: فَقَبَضْنَا ذَلِكَ المَالَ، ثُمَّ انْطَلقَنَا إِلى الطَّائِفِ، فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ ليْلةً، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلى مَكَّةَ فَنَزَلنَا. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِى الرَّجُلَ المِائَةَ مِنَ الإِبِلِ. ــ وقوله فى حديث ابن معاذ فى هذه القصة: " ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف ": هذا على الحذر منه لا على التحقيق، أو على الوهم من الراوى عن أنس، وإنما كان المسلمون ذلك اليوم فى اثنى عشر ألفاً، أهل الفتح، على ما قاله أهل السير، وألفان من أهل مكة ومن انضاف إليهم. وقد ذكر مسلم فى الحديث الآخر عن أنس: " ومع النبى ﷺ يومئذ عشرة آلاف ومعهم الطلقاء " فهذا هو الصحيح المطابق لما قاله أهل السير. وقول أنس: " هذا حديث عِمِّيَّةٍ " بكسر العين والميم وتشديدها وفتح الياء وتشديدها، كذا رواينا (١) فى هذا الحرف عن عامة شيوخنا، وفسر بالشدة، وروايتنا فيه عن التميمى: " عَمية " بفتح العين وتخفيف الياء، ويكون معناه عندى جماعتى، أى هذا حديثهم.

стр. 1889

ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِى الحَدِيثِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ قَتَادَةَ، وَأَبِى التَّيَّاحِ، وَهِشَامِ بْنِ زَيْدٍ. ١٣٧ - (١٠٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ المَكِّىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسَّرُوقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ؛ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَالأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذَلِكَ. فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَتَجَعْلُ نَهْبِى وَنَهْبَ العُبَيْـ ... ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ؟ فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِى المَجْمَعِ وَمَا كُنْتَ دُونَ امْرِئ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَخْفِضِ اليَوْمَ لا يُرْفَعِ قَالَ: فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِائَةً. ١٣٨ - (...) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ ابْنِ مَسْروُقٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مَائِةً مِنَ الإِبِلِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِنَحْوِهِ. وَزَادَ: وَأَعْطَى عَلْقَمَةَ بْنَ عُلاثَةَ مِائَةً. (...) وَحَدَّثَنَا مَخْلدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلمْ يَذْكُرْ فِى الحَدِيثِ عَلقَمَةَ بْنَ عُلاثَةَ، وَلا صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ. وَلمْ يَذْكُرِ الشِّعْرَ فِى حَدِيثِهِ. ١٣٩ - (١٠٦١) حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لمَّا فَتَحَ حُنينًا قَسَمَ الغَنَائِمَ، فَأَعْطَى المُؤَلفَةَ قُلوبُهُمْ، فَبَلغَهُ أَنَّ الأَنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ ــ قال صاحب العين: العم: الجماعة، وأنشد عليه ابن دريد فى الجمهرة: أفنيت عماً وجيرت عما. وهذا أشبه بالحديث ومعناه، وذكره ابن أبى نصر الحميدى كذلك، إلا أنه شدّد الياء، وفسره بعمومتى، وتخفيفها، أى هذا حديث فضل أعمامى، أو هذا الحديث الذى حدثنى به أعمامه، كأنه حدث عما شاهد أول الحديث ثم لعله لم يضبط هذا الموضع ولا

стр. 1890

النَّاسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَليْهِ. ثُمَّ قَالَ: " يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلمْ أَجِدْكُمْ ضُلالاً فَهَدَاكُمُ اللهُ بِى؟ وَعَالةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِى؟ وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِى؟ " وَيقُولونَ: اللهُ وَرَسُولهُ أَمَنُّ. فَقَالَ: " أَلا تُجِيبُونِى؟ " فَقَالوا: اللهُ وَرَسُولهُ أَمَنُّ. فَقَالَ: " أَمَا إِنَّكُمْ لوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولوا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنَ الأَمْرِ كَذَا وَكَذَا ". لأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا، زَعَمَ عَمْرٌو أَنْ لا يَحْفَظُهَا. فَقَالَ: " أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالإِبِلِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلى رِحَالِكُمْ؟ الأَنْصَارُ شعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلوْلا الهِجْرَةُ لكُنْتُ امْرأ مِنَ الأَنْصَارِ، وَلوْ سَلكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشعْبًا، لسَلكْتُ وَادِىَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ، إِنَّكُمْ سَتَلقَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلقَوْنِى عَلى الحَوْضِ ". ١٤٠ - (١٠٦٢) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لمَّا كَانَ يَوْمُ حنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا فِى القِسْمَةِ، فَأَعْطَى الأَقْرَعُ بْنَ حَابِسٍ مَائةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ العَرَبِ، وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى القِسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ، إِنَّ هَذِهِ لقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدُ فِيهَا وَجْهُ اللهِ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ، لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ. قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ. ثُمَّ قَالَ: " فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولهُ ". قَالَ: ثُمَّ قَالَ: " يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِىَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ". قَالَ قُلْتُ: لا جَرَمَ لا أَرْفَعُ إِليْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا. ١٤١ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا. فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّهَا لقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَسَارَرْتُهُ، فَغَضِبَ مَنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّى لمْ أَذْكُرْهُ لَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: " قَدْ أُوذِىَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ". ــ حضره لتفرق الناس وانهزامهم، فحدثه به من شهده من أعمامه، أو جماعته (١) الذين شاهدوه، ألا تراه كيف قال عنهم، قال: قلنا: لبيك يا رسول الله.

стр. 1891

(٤٧) باب ذكر الخوارج وصفاتهم ١٤٢ - (١٠٦٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ المُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا الليْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالجِعْرَانَةِ، مُنْصَرفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِى ثَوْبِ بِلالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبِضُ مِنْهَا، يُعْطِىَ النَّاسَ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ. قَالَ: " وَيْلكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لقَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لمْ أَكُنْ أَعْدِلُ ". فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ: دَعْنِى يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَقْتُلَ هَذَا المُنَافِقَ. فَقَالَ: " مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّى أَقْتُلُ أَصْحَابِى، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرؤونَ القُرْآنَ، لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيةِ ". (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحبَابِ، حَدَّثَنِى قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ مَغَانِمَ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. ١٤٣ - (١٠٦٤) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى نُعْمٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ قَالَ: بَعَثَ عَلِىٌّ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - وَهُوَ بِاليَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِى تُرْبَتِهَا إِلى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الحَنْظَلِىُّ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الفَزَارِىُّ، وَعَلقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ العَامِرِىُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِى كِلابٍ، وَزَيْدُ الخَيْرِ الطَّائِىُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِى نَبْهَانَ. قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ. فَقَالوا: أَيُعْطِى صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا؟ فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّى إِنَّمَا فَعَلتُ ذَلِكَ لأَتَأَلفَهُمْ "، فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ العَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ مَحْلوقُ الرَأسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَمَنْ يُطِعِ اللهَ إِنْ عَصَيْتُهُ! أَيَأَمَنُنِى عَلى أَهْلِ الأَرْضِ وَلا تَأمَنُونِى؟ ". قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأذَنَ رَجُلٌ ــ وقوله: " مشرف الوجنتين ": أى عاليهما، ومثله قول: " ناشز الجبهة ": والنشز:

стр. 1892

مِنَ القَوْمِ فِى قَتْلِهِ - يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ مَنْ ضِئْضِئْ هَذَا قَوْمًا يَقْرؤونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلونَ أَهْلَ الإِسْلامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ. يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لئِنْ أَدْرَكَتُهُمْ لأَقْتُلنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ ". ١٤٤ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى نُعْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِىَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ اليَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِى أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ، لمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا. قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزَيْدِ الخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقُّ بِهَذَا مِنْ هَؤلاءِ. قَالَ: فَبَلغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: " أَلا تَأمَنُونِى؟ وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ، يَأَتِينِى خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ". قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنَ، مُشْرِفُ الوَجْنَتيْنِ، نَاشِزُ الجَبْهَةِ، كَثُّ اللحْيَةِ، مَحْلوقُ الرَّأسِ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ. فَقَالَ: " وَيْلكَ! أَوَ لسْتُ أَحَقُّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِى اللهَ ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى ــ المرتفع من الأرض. وقوله: " فتغير وجهه حتى صار كالصِّرف ": الصرف: صبغ أحمر تصبغ (١) به الجلود، وقد سمى (٢) الدم صرفاً، قاله ابن دريد. وقوله للذى قال له: اتق الله واعدل، وأن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله، قال الإمام: من سبَّ النبى ﷺ قتل (٣)، ولم يذكر فى هذا الحديث أن رسول الله ﷺ انتقم من هذا [القائل] (٤)، ويحتمل أن [يكون] (٥) لم يفهم عنه الطعن فى النبوة، وإنما نسبه إلى أنه لم يعدل فى القسمة. والمعاصى على قسمين؛ فأما الكبائر فهو ﵇ معصوم منها إجماعاً، وأما الصغائر فإن المجيزين لوقوعها من الرسل يمنعون أن تضاف إليه ﵇ على جهة الانتقاص، ولعله ﵇ لم يعاقب القائل لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم على هذا الوجه. قال القاضى: مما يدفع هذا التأويل قوله: اعدل يا محمد، واتق الله [يا محمد] (٦)،

стр. 1893

الرَّجُلُ. فَقَالَ خَالِدٌ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: " لا لعَلهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلّى ". قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا ليْسَ فِى قَلبِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّى لمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلوبِ النَّاسِ، وَلا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ". قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِليْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ، فَقَالَ: " إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضَئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلونَ كَتَابَ اللهِ رَطْبًا لا يُجَاوِزُ ــ وأنه خاطبه خطاب المواجهة بمحضر الملأ، حتى استأذن عمر وخالد النبى ﷺ فى قتله، فقال: " معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه "، فهذه هى العلة، وسلك فيها مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه وسمع منهم فى غير موطن ما كرهه، لكنه صبر وحلم استبقاءً وتأليفاً لغيرهم، ولئلا يتحدث أنه يقتل أصحابه. وقد رأى الناس هذا الصنف فى جماعاتهم وعدوه [من جملتهم] (١)، وقد أشبعنا الكلام على هذا الفصل وعلى خطايا الأنبياء والكلام فى تنقصهم، وتكفير قائله، فى القسم الرابع من كتابنا المسمى بالشفاء، وتقصيناه غاية التقصى مما لا مزيد عليه. وما جاء فى أحد الأحاديث أن عمر استأذن فى قتله، وفى الآخر ذكر ذلك عن خالد ابن الوليد، فليس بخلاف وقد بيّنه فى الحديث الآخر أنهما هما استأذنا فى ذلك أحدهما بعد الآخر. وقول النبى ﷺ لهذا القائل: " خبت وخسرت إن لم أعدل ": رويناه بضم التاء فيهما وفتحهما. قال الإمام: فأما الضم فظاهر المعنى، وأما الفتح فتقديره: خبت أنت وخسرت إن لم أعدل أنا إذ كنت أنت مقتدياً بى وتابعاً لى. وقوله: " يخرج من ضئضئ هذا "، قال القاضى: قيل: بهذا اللفظ سموا خوارج، وقيل: بل لخروجهم عن الجماعة، وقيل: بل لخروجهم عليها، كما سموا مارقة من قوله: " يمرقون من الدين " وروايتنا فى هذا الحرف بالمعجمة عن أكثرهم، وفى كتاب ابن عيسى معاً بالضاد المعجمة والصاد المهملة. قال الإمام: الأصل ويقال - أيضاً -: بصادين مهملتين، والمعنى واحد، والأصل أسماء كثيرة، منها: النجار، والنحاس، والنسخ، [والمحَيْدَ] (٢)، والعنصر، والعيص وغير ذلك، مما حكى عامتها أبو على القالى فى كتاب (٣) الأمالى. وقوله: " وهو مُقَفّ ": أى موَلّ ذاهب.

стр. 1894

حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ". قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: " لئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ ". ١٤٥ - (...) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: وَعَلقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ. وَلمْ يَذْكُرْ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ. وَقَالَ: نَاتِئُ الجَبْهَةِ. وَلمْ يَقُلْ: نَاشِز. وَزَادَ: فَقَامَ إِليْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَضْرِبُ عُنَقَهُ؟ قَالَ: " لا ". قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَامَ إِليْهِ خَالِدٌ، سَيْفُ اللهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: " لا "، فَقَالَ: " إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلونَ كِتَابَ اللهِ ليِّناً رَطْباً ". وَقَالَ: قَالَ عُمَارَةُ: حَسِبْتُهُ قَالَ: " لئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقتُلنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ ". ــ قال القاضى: وقوله: " يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ": أى يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ الصيد من جهة أخرى ولم يتعلق به شىء منه. والرمية: الصيد الذى يرمى، فعيلة بمعنى مفعولة. والدين هنا الإسلام. وقال الخطابى: هو هنا الطاعة، أى من طاعة الإمام. وقوله: " يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ": فيه تأويلان، أى لم تفقهه قلوبهم ولا انتفعوا بما تلوا (١) منه، ولا لهم فيه (٢) حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق، إذ بهما تقطيع الحروف. والتأويل الآخر: أنه لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا تتقبلُ (٣). وقوله فى الرواية الأخرى: " يتلون كتاب الله لينا (٤) رطباً ": أى سهلاً لكثرة حفظهم له. وقد رواه بعض شيوخنا: " ليناً " بالنون، وهو بمعنى رطب، وقيل: [معنى] (٥) " لياً " أى يلوون ألسنتهم به، أى يحرفونه، وقيل: هذا بعيد لا يلتئم مع قوله: " رطباً " وليست صفة الخوارج، وإنما هى صفة أهل الكتاب الذين وصفهم به الله، لكن قد يرجع هذا " اللَّى " إلى تحريف معانيه وتأويله، وقد يكون من اللى فى الشهادة وهو الميل، قاله القتبى. وناشز الجبين [أى] (٦) مرتفعة، والنصل: حديدة السهم، والقدح: عوده. قال الإمام: والقُذَذُ: ريش السهم، والبصيرة: طريقة الدم وجمعها بصائر، والفوق: الحز الذى يجعل فيه الوتر، والرصاف: مدخل السهم فى النصل. قال الهروى:

стр. 1895

١٤٦ - (...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: زَيْدُ الخَيْرِ، وَالأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنُ حِصْنٍ، وَعَلقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ أَوْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ. وَقَالَ: نَاشِزُ الجَبْهَةِ. كَرِوَايَةِ عَبْدِ الوَاحِدِ. وَقَالَ: إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ، وَلمْ يَذْكُرْ: " لئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلنَّهُمْ قَتْل ثَمُودَ ". ١٤٧ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحيَى ابْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن أَبِى سَلمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِىَّ فَسَأَلاهُ عَنِ الحَرُورِيَّةِ؟ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُهَا؟ قَالَ: لا أَدْرِى مَنِ الحَرُورِيَّةُ، وَلكِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " يَخْرُجُ فِى هَذِهِ الأُمَّةِ - وَلمْ يَقُلْ: مِنْهَا - قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَعَ صَلاِتِهِمْ. فَيَقْرَؤُونَ القُرْآنَ، لا يُجَاوِزُ حُلوَقَهُمْ - أَوْ حَنَاجِرَهُمْ - يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِى إِلى سَهْمِهِ، إِلى نَصْلِهِ، إِلى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى فِى الفُوقَةِ، هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَىْءٌ ". ١٤٨ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى يُوُنسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلةُ ابْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفِهْرِىُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالضَّحَّاكُ الهَمْدَانِىُّ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِىَّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْماً، أَتَاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى تَمِيمٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْدِلْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَيْلكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لمْ أَعْدِلْ ". فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ -: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِى فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " دَعْهُ، فَإِنْ لَهُ ــ والرصفة عقبة تلوى على مدخل السهم فى النصل، يقال منه: سهم مرصوف، والنَّضِى: القدح، وقد فسره الحديث. قال القاضى: هذا قول الأصمعى، وقال الشيبانى: هو النضل وهو بفتح النون وكسر الضاد المعجمة، والأول هو الصواب. وقد ذكر فى الحديث النصل أولاً ثم ذكره بعده وفسره بالقدح.
следующие страницы →