يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِى قُوَّةً عَلى الصِّيَامِ فِى السَّفَرِ، فَهَلْ عَلىَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هِىَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَليْهِ ".
قَالَ هَارُونُ فِى حَدِيثِهِ: " هِىَ رُخْصَةٌ " وَلمْ يَذْكُرْ: مِنَ اللهِ.
١٠٨ - (١١٢٢) حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُوَلِ الله ﷺ فى شَهْرِ رَمَضَانَ، فِى حَرٍّ شَديدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا ليَضَعُ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ مَنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ.
١٠٩ - (...) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلمَةَ القَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ ابْنِ حَيَّانَ الدَّمَشْقِىِّ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، قَالَتْ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِى يَوْمٍ شَدِيدِ الحَرِّ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ ليَضَعُ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا مِنَّا أَحَدٌ صَائِمٌ إِلا رسُوَلُ اللهِ ﷺ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ.
ــ
وقوله: " إنى رجل أسرد الصوم "، وفى الرواية الأخرى: " إنى رجل أصوم فى السفر "، فقال له: " صُم إن شئت وأفطر إن شئت ": ظاهر كلامه أنه سأله عن التطوع. وقوله: فهل على جناح؟ قال: " هى رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه ": قد يحتج به من يرى الفطر أفضل لقوله فيه: " حسن "، وقوله فى الصوم: " لا جناح " ولا حجة فى هذا، فإن الأخذ بالرخصة حسن كما قيل.
وأما قوله فى الصوم: " فلا جناح " جواب قوله: " هل على جناح؟ " ولا يفهم أنه أنزل درجة من الفطر، ولا أنه ليس بحسن، بل قد جاء فى الحديث الآخر وصفهما جميعاً بحسن.
стр. 1997
(١٨) باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة
١١٠ - (١١٢٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، فِى صِيَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ليْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلَتُ إِليْهِ بِقَدَحِ لبَنٍ، وهُوَ وَاقِفٌ عَلى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ.
ــ
وقوله فى حديث مالك: عن أبى النضر، عن عمير مولى عبد الله بن عباس، كذا للطبرى والهوزنى، وعند الجلودى، وغيره: مولى عبد الله (١)، وإنما وقع فى الموطأ: مولى ابن عباس، [وقد ذكره البخارى وقال: مولى أم الفضل (٢)، ويقال: مولى ابن عباس] (٣). وقد ذكر مسلم هذين الوجهين فى كتابه، وذكر البخارى عن ابن إسحاق مولى عبيد الله بن عباس، وقال الباجى: يقال: مولى عبد الله بن عباس، وذكر شرب النبى ﷺ وهو واقف بعرفة [ليراه الناس، ويعلموا أنه مفطر كما فعل فى غزوة الفتح؛ لأن العيان أبلغ من الخبر] (٤)، وفيه جواز مثل هذا لأولى الهيئات للضرورة، وقد ترجم البخارى على هذا الحديث: من أفطر ليراه الناس (٥)، وفطر يوم عرفة مستحب للحاج عند جماعة من العلماء، وهو قول مالك والشافعى [والكوفيين] (٦) وجماعة من السلف؛ ليتقووا بذلك على ما هم بسبيله من الوقوف، والدعاء والسعى فى عمل الحاج. وروى عن جماعةٍ من السلف اختيار صَوْمه والترغيب فيه، وجاءت فيه آثار قد ذكرها مسلم وغيره، ويجمع بينهما أن الأفضل لسائر الناس غير الحاج صومها للآثار الواردة فى ذلك، والأفضل للحاج فطرها لاختيار النبى ﷺ ذلك لنفسه، وسنته ذلك لمن بعده (٧).
والحلاب: إناء يسع حلبة ناقة، قاله الخطابى، وقال أيضاً: الحلاب: اللبن المحلوب (٨)،
стр. 1998
(...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلمْ يَذْكُرْ: وَهُوَ وَاقِفٌ عَلى بَعِيرِهِ. وَقَالَ: عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلى أُمِّ الفَضْلِ.
(...) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِى النَّضْرِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَقَالَ: عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلى أُمِّ الفَضْلِ.
١١١ - (...) وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو؛ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عُمَيْرًا مَوْلى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ الفَضْلِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - تَقُولُ: شَكَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَنَحْنُ بِهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَرْسَلتُ إِليْهِ بِقَعْبٍ فِيهِ لبَنٌ، وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ.
١١٢ - (١١٢٤) وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِى صِيَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلتْ إِليْهِ مَيْمُونَةٌ بِحِلابِ اللَّبَنِ، وَهُوَ وَاقِفٌ فِى المَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِليْهِ.
ــ
وقال الهروى: هو الإناء الذى يحلب فيه ذوات الألبان، وحمله هنا على الآنية أولى، بدليل قوله: " بحلاب لبن "، وقوله فى الرواية الأخرى " بإناء فيه لبن " (١)، و " بقعْبٍ فيه لبن "، والقعب: إناء من خشب مقعر مدور يشرب فيه، تُشَبَّه به حَوافر الخيل، وكما جاء فى الرواية الأخرى: " بقدح لبن ".
وقوله فى رواية أبى النضر: " فأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث ": فيه قبول الهدية من القرابة والأصهار، وملاطفة الإخوان، نساءً كن أو رجالاً، قالوا: وفيه ترك السؤال مما (٢) ألقى بأيدى الفضلاء والأتقياء، إذ لم يسألها النبى ﵇ أنه من مالها، أو من مال العباس زوجها.
قال القاضى: وقد يكون هذا مما أذن للنساء بالتصرف فيه، أو لعلمها أن العباس يُسر بذلك من فعلها، ولعلم النبى ﵇ بذلك منه، وأنه عمه، وممن أذن للمؤمنين أن يأكلوا من بيت مثله.
стр. 1999
(١٩) باب صوم يوم عاشوراء
١١٣ - (١١٢٥) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا -؛ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِى الْجَاهِليَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: " مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ ".
١١٤ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِى أَولَّ الْحَدِيثِ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ. وَقَالَ
ــ
أحاديث صيام يوم عاشوراء
عاشوراء فاعولاء، وهو من أبنية المؤنث، صفة لليوم والليلة مضاف إليها، وقال الخليل: هو اليوم العاشر، ويقال: التاسع، فعلى هذا هو صفة لليوم، وهو فى التاسع من إضافة الشىء إلى نفسه؛ كمسجد الجامع. قال بعضهم: وإضافته لليلة أصح، وقال الحربى وغير واحدٍ: هو العاشر، وقال غيره: هو التاسع، وقيل: سمى التاسع [عاشوراء] (١) على عادة العرب فى الورد (٢)، وأنه مأخوذ من أعشار الإبل، وكانت إذا وردت لتسعة أيام سمّوه عِشْرًا (٣) وذلك أنهم يحسبون فى الإظماء يوم الورود، فإذا قامت فى الرعى يومين، ثم وردت فى الثالث، قالوا: وردت رِبْعًا، وإن رعت ثلاثاً ووردت فى الرابع، قالوا: وردت خمسًا؛ لأنهم حسبوا فى كل هذا بقية اليوم الذى وردت فيه قبل الرعى، وأول اليوم الذى ترد فيه بعده.
ذكر مسلم الأحاديث أنه كان تصومه قريش فى الجاهلية، وكان النبى ﵇ يصومه، وأنه لما ورد المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان قال: " من شاء صامه، ومن شاء تركه "، وفيه أولاً ما نبهنا عليه فى أول كتاب الصلاة، من أن
стр. 2000
فِى آخِرِ الْحَدِيثِ: وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَلَمْ يَجْعَلهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ ، كَرِوَايَةِ جَرِيرٍ.
(...) حدَّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ يُصَامُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ، مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ.
١١٥ - (...) حدّثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
ألفاظ العبادات واردة فى الشرع على ما عهده أهل اللغة. خلافاً لجماهير المتكلمين من الموافقين والمخالفين، إذ كانوا يصومون ويعرفون الصوم، ويحجون ويعرفون الحج، فخاطبهم الشرع بما علموه تحقيقًا، لا أنه أتاهُم بألفاظ مؤتنقة ابتدعها لهم كما قاله المخالف، أو بألفاظ لغوية لا يعلم منها المقصود إلا رمزًا كما أشار إليه المؤلف، وهناك بَسْطُها، وكشف الغطاء عن الحق فيها. واختلف العلماء فى صيام عاشوراء، فقيل: كان فرضًا فنسخ برمضان على ظاهر لفظ الحديث، وقيل: لم يكن فرضًا ولكنه كان مرغبًا فيه، فخفف أمره وحَصَل التخيير فى صيامه بعد ذلك، وروى عن بعض السلف (١) أن فرضه باق لم ينسخ، وقد انقرض (٢) القائلون بهذا وحصل الإجماع (٣) على خلافه. وروى عن
وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: تَرَكَهُ.
(...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَا: فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تَرَكَهُ.
١٢٣ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيد الْقَطَّانُ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى زُبَيْدُ الْيَامِىُّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن قَيْسِ بْنِ سَكَنٍ؛ أَنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللهِ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ - وَهُوَ يَأْكُلُ - فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، ادْنُ فَكُلْ. قَالَ: إِنِّى صَائِمٌ. قَالَ: كُنَّا نَصُومُهُ، ثُمَّ تُرِكَ.
١٢٤ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: دَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ - وَهُوَ يَأْكُلُ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ - فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ قَدْ كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكُ، فَإِنْ كُنْتَ مُفْطرًا فَاطْعَمْ.
١٢٥ - (١١٢٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا شَيْبَانَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِى الشَّعْثَاء، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِى ثَوْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَيَحُثُنَا عَلَيْهِ، وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا، ولَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ.
ــ
وقوله: عن عبد الله هو ابن مسعود: " كنا نصومه ثم ترك ": ليس فيه دليل على كراهة صومه وإنما هو إعلام بترك وجوبه ولزومه، وإنما ذكر ذلك لمن أنكر عليه الأكل فيه كما ذكر فى الحديث.
وقوله: " فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ": يحتج به من يحمل الأوامر على الوجوب.
وقول معاوية: " أين علماؤكم " وذكر الحديث، ظاهر كلامه هذا أنه سمع من يوجب صيامه أو من يمنعه، على ما قدمنا من الخلاف فيه عن السلف، فأخبرهم بما سمع منه ﵇ من قوله: " لم يكتب الله عليكم صيامه " الحديث، فهذا الحديث ردٌّ
стр. 2004
١٢٦ - (١١٢٩) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِى سُفْيَانَ، خَطِيبًا بِالْمَدِينَةِ - يَعْنِى فِى قَدْمَةٍ قَدِمَهَا - خَطَبَهُمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ - لِهَذَا الْيَوْم -: " هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكتُبَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ ".
(...) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ.
(...) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ فِى مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ: " إِنِّى صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ " وَلَمْ يَذْكُرْ بَاقِىَ حَدِيثِ مَالِكٍ وُيُونُسَ.
١٢٧ - (١١٣٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِى أَظهَرَ اللهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ "، فَأَمَرَ بصَوْمِهِ.
(...) وحدّثناه ابْنُ بَشَّارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ،
ــ
على الفرقتين (١).
وقوله: " وأنا صائم " ذكر فى كتاب النسائى من رواية صالح، عن الزهرى، عن حميد، قال معاوية [بقوله] (٢) ثم ذكر بقية الحديث، وذكر من رواية قتيبة عن سفيان، عن الزهرى، عن حميد، سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله ﷺ فى هذا اليوم يقول: " إنى صائم فمن شاء منكم أن يصوم فليصم " (٣)، وهذا نصٌّ أنه كله من قول النبى ﷺ ، فأما التخيير فى صيامه فنص عليه فى غير حديث. واستدعاؤه العلماء تنبيه
стр. 2005
عَنْ أَبِى بِشْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: فَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ.
١٢٨ - (...) وحدّثنى ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ
ــ
لهم على هذا الحكم أو استعانة بما عندهم منه، أو توبيخ إن كان رأى ما أنكره أو لم يبينوه وينكروه، كما قاله (١) أيضًا فى حديث قصة الشعر، وقد استدل بعضهم على أنه كان واجبًا بقوله: كان رسول الله ﷺ يصومه ويأمر بصيامه.
وقوله فى الحديث الآخر: " لم يكتب الله عليكم صيامه ": أى لم يفرضه، [ويحتمل أنه لم يكن فرضاً] (٢)، ويحتمل أنه لم يكتبه الآن وأنه نسخه.
وقوله: قدم المدينة فوجد اليهود تصومه، إلى قوله: " نحن أحق (٣) بموسى منكم " فصامه، قال الإمام: خبر اليهود غير مقبول، فيحتمل أن يكون ﵇ أوحى إليه يُصدقهم فيما حكوا من قصة هذا اليوم، أو يكون قد تواتر عنده ﵇ خبره، حتى وقع له العلم بذلك، ومع ذلك أيضاً فإنه ﵇ قد يكون من شرعه تعظيم الأيام التى أظهر الله [تعالى] (٤) فيها الرسل [﵈] (٥) [إدلاء لهم] (٦) على الكفرة، واستحسان الصوم فيها.
قال القاضى: قد تقدم أن قريشًا كانت تصومه، وأن النبى ﷺ كان يصومه، فلما قدم المدينة صامه؛ فلم يحدّث له حديث اليهود حكمًا يحتاج إلى التكلم عليه، وإنما هى صفة حالٍ وجواب سؤال، فدل أن قوله فى هذا الحديث: " فصامه " ليس أنه ابتدأ صومه حينئذ، ولو كان هذا [لوجب أن يقال] (٧): [صحيح هذا] (٨) ممن (٩) أسلم من علمائهم، ووثقه ممن (١٠) هداه الله من أحبارهم كابن سلام، وابن سعنة، وغيرهم.
وقد ذهب بعضهم إلى الجمع بين هذين الحديثين، بأنه يحتمل أنه ﵇ كان يصومه بمكة على مقتضى الحديث الأول، ثم ترك صيامه حتى علم ما عند أهل الكتاب من فضل صومه فصامه، وما ذكرناه أولى بلفظ الحديث.
وقوله فى حديث قتيبة: " إن قريشًا كانت تصوم عاشوراء فى الجاهلية، ثم أمر رسول الله ﷺ بصيامه حتى فرض رمضان ": كذا ضبطه فى كتابى، أراه عن القاضى الشهيد: " أُمِرَ " بالضم على الهمزة وكسر الميم، وهذا حجة لمن قال: إنه كان فرضًا.
١٣١ - (١١٣٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْم عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَامَ يَوْمًا، يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الأَيَّامِ، إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ. وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ - يَعْنِى رَمَضَانَ.
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أبىِ يَزِيدَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ.
ــ
لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١) وذكر مسلم حديث ابن عباس: " [إذا رأيت هلال المحرم فاعدد] (٢)، وأصبح يوم التاسع صائمًا " (٣)، قلت (٤): هكذا كان محمد يصومه؟ قال: نعم، وذكر حديثه الآخر: أنه قيل له: إنه يوم تعظمه اليهود، فقال ﵇: - " إذا كان فى العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع " (٥).
قال الإمام: عندنا أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وعند المخالف أنه التاسع، فمن قال: إنه العاشر تعلق بأن مقتضى [هذا] (٦) اللفظ أنه العاشر، وهو مأخوذ من العشر. ومن قال: إنه التاسع، تعلق بهذا الحديث، وبما ورد عن العرب فى تسميتها الثالث من أيام الورد ربعًا، وكذلك على هذا الحساب يحسبون أيام الإظماء، والأوراد، فيكون التاسع عشرًا على هذا.
قال القاضى: اختلف العلماء فى ذلك على ما ذكر، فمذهب مالك، والحسن، وسعيد بن المسيب: أنه العاشر (٧)، وهو قول جماعة من السلف، وهو الذى تدل عليه الأحاديث كلها، ومنها هذا الحديث الذى فيه: " لأصومن التاسع "؛ فدل أن صومه ﵇ كان العاشر، وهذا الآخر فلم يسنّه بعد، ولا بلغه، ولعله على طريق الجمع مع العاشر لئلا يتشبه باليهود، كما ورد فى رواية أخرى: " فصوموا التاسع والعاشر " (٨) وإلى هذا أيضاً ذهب جماعة من السلف، وبه قال الشافعى (٩) وأحمد إسحاق، إما لهذه العِلَة، أو للاحتياط للخلاف فيه، ولعل معنى هذا الحديث هو الذى
стр. 2008
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخبر به ابن عباس فى الحديث الآخر فى صيام التاسع: " أن محمدًا كان يصومه " (١)، لخبره أنه سيصومه قابلاً، واعتقاد ابن عباس أن النبى ﵇ كان مزمعًا على فعله؛ إذ ابن عباس - راوى الحديثين معًا، وذهب قوم إلى أنه التاسع (٢) وهو المروى عن الشافعى.
وقوله: " إن عاشوراء يوم من أيام الله من شاء صامه ": أى كسائر أيام السنة التى لم يفرض الله صيامها.
(٢١) باب من أكل فى عاشوراء فليكف بقية يومه
١٣٥ - (١١٣٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِى النَّاسِ: " مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ، فَلْيَصُمْ. وَمَنْ كَانَ أَكَلَ، فَلْيُتِمَّ صِيَامَه إِلَى اللَّيْلِ ".
١٣٦ - (١١٣٦) وحدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ
ــ
وقوله: " من كان صائماً فليتم صومه، ومن أصبح مفطرًا فليتم صيامه إلى الليل "، وفى الرواية الأخرى: " [و] (١) من أكل فليتم صومه "، قال الإمام: يحتج بهذا من يجيز إحداث النية فى الصوم بعد الفجر، وظاهر هذا الحديث استئناف النية، ومالك يمنع من ذلك على الإطلاق لقوله ﵇: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " (٢) فعم كل صيام.
قال القاضى: ذهب أبو حنيفة والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى جواز إحداث النية لصوم النافلة بالنهار لهذا الحديث. ثم اختلفوا هل يصح ذلك بعد الزوال [أم لا يصح إلا قبل الزوال؟ فأصحاب الرأى والطبرى يجيزونه فى النفل بعد الزوال] (٣)، وغيرهم يمنعه بعده، واختلف فيه قول الشافعى (٤)، وذهب مالك وابن أبى ذئب، والليث، والمزنى إلى أنه لا يصح صوم نافلة إلا بنية من الليل، وهو مذهب جماعة من
стр. 2011
لَاحِقٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بنُ ذَكْوَانَ عَنِ الرَّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ، الَّتِى حَوْلَ الْمَدِينَةِ: " مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ".
ــ
السلف للحديث المتقدم (١)، ولقوله ﵇: " إنما الأعمال بالنيات " (٢)، وهذا نهار قد مر جزء منه بغير نيةٍ، وذهب الكوفيون إلى أن كل فرض من الصوم فى وقت معين فإنه لا يحتاج إلى تبييت؛ لهذا الحديث، ويجزئه إذا نواه قبل الزوال، وهو قول الأوزاعى، وإليه ذهب عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا (٣)، ورواه عن مالك فيمن لم يعلم برمضان إلا فى يومه، وقد تأول قوم ذلك قولة لمالك، ولم يفرق هؤلاء بعد الزوال أو قبله فيما يحتمل، وذهب مالك - فى مشهور قوله - والشافعى وأحمد وعامتهم إلى أن الفرض لا يجزئ إلا بنية متقدمة (٤).
ثم اختلفوا هل النية أول الشهر تجزئه فى رمضان وكل صوم متصل عن سائر لياليه؟ وهو مشهور قول مالك والليث وروى عن إسحاق مثله، أم لابد من التبييت فيه كل ليلة؟ وهو قول أبى حنيفة والشافعى وأحمد، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك واختاره، وشذ زفر فقال: شهر رمضان لا يحتاج إلى نية إلا المسافر (٥)، وروى عنه مثل قول مالك، وشذ أبو حنيفة أيضاً فقال: يجزئه صوم شهر رمضان وإن لم [ينو به] (٦) رمضان، سواء صامه تطوعاً، [أو لنذر] (٧) أو كفارة لاستحقاق عيّنه بالصوم له، ولا حجة للمخالف فى أمر النبى ﷺ بصيام من لم يُبيت يوم عاشوراء لوجوه: أحدها: أنه إن كان عاشوراء الفرض حينئذ فما أمر النبى ﵇ فيه هو (٨) مما لا يختلف فيه أنه من تذكر فرض صومه أو أعلم به ممن نسيه، أو ثبت أنه يوم رمضان داخل النهار - أنه يلزمه [تمام] (٩) صومه، وهذا ما لا يختلف فيه، وإنما خلافنا: هل يجزئ أم لا؟ وليس فى الحديث غير تمام الصوم، وقد اختلف الأصوليون فى الأمر المؤقت إذا فات أداؤه هل يقتضى بنفسه إيجاب القضاء، أم [لا] (١٠) يحتاج إلى أمر آخر؟ فكيف، وقد روى أبو داود الحديث، وزاد فيه: " واقضوه " (١١)، وهذا قطعٌ لحجة المخالف، ونص ما يقوله
стр. 2012
فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللَّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ، أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الإِفْطَارِ.
١٣٧ - (...) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْعَطَّارُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رُسُلَهُ فِى قُرَى الأَنْصَارِ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ. غَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: وَنَصْنَعُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ
ــ
الجمهور فى المسألة، وقد قيل: يحتمل أن الفرض إذا سُلّم فمِه حينئذ وطرأ عليهم (١) وجوبُه، فأعلمهم بذلك وأمرهم به، وإن حكم عاشوراء فى ذلك كله منسوخ لما نسخ فرضه، فلا يقاس عليه فرضٌ ولا نفل، وأيضاً فقد قال فى الحديث: " ومن أكل فليتم صومه "، و [لا] (٢) هذا لا يقوله من يجيز النية فى النهار، وإنما يقول ذلك فيمن لم يأكل، فدل أن حكم عاشوراء فى ذلك، أما حكم غيره من الفرائض فيمن أفطر فيها ناسيًا أو جاهلاً أن ذلك يوم صومه، فيمه لزومًا، أو (٣) هذا حكم خاص بعاشوراء، ورخصة ليست لسواه، وزيادة فى فضله، وتأكيد صومه، كما ذهب إليه ابن حبيب، وحكاه عن أهل العلم. وذهب الخطابى أن هذا على معنى الاستحباب والإرشاد (٤) لأوقات الفضل؛ لئلا يغفل عنه عند مصادمة وقته (٥).
قال الإمام: خرّج مسلم فى هذا الباب: حدثنا ابن أبى شيبة، وابن نمير قالا: ثنا أبو أسامة، وذكر حديث أبى موسى، قال بعضهم فى نسخة ابن الحذاء: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، وابن أبى عمر قالا: ثنا أبو أسامة، جعل ابن أبى عمر مكان ابن نمير، وهو (٦) وَهْمٌ، والصواب الأول، وهى رواية الجلودى وغيره.
وقوله: " إنهم كانوا يُصَوِّمُون فيه صبيانهم، ويجعلون لهم اللعبة من العهن " العهن: الصوف، واحدتها عِهْنة، مثل صوفٍ وصوفة، وقيل: لا يقال للصوف: عهن، إلا إذا كان مصبوغًا، قال زهير:
стр. 2013
الْعِهْنِ، فَنَذْهَبُ بِهِ مَعَنَا، فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ، أَعْطَيْنَاهُمُ اللَّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ، حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ.
ــ
كأنَّ فُتَاتَ الْعِهْنِ فى كُلِّ مَنْزِلٍ ... نَزلْنَ به حَبُّ الغَنَا لَمْ يُحَطَّم (١)
قال القاضى: جاء فى حديث الربيع من رواية أبى بكر بن نافعٍ العبدى: " ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام، أعطيناها إياه عند الإفطار " كذا فى جميع نسخ مسلم الواقعة إلينا، وفيه بَتْر وتغيير اختل به الكلام، وصوابه حتى يكون عند الإفطار، وبه يتم الكلام، وكذا وقع عند البخارى من رواية مُسَدّد بهذا اللفظ (٢)، وهو معنى ما ذكر مسلم فى الرواية الأخرى: " فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا (٣) صومهم، وفى لفظ حديث ابن نافع المتقدم سياق مشكل غير هذا يدل أن فيه تغييرًا ليس هو وجه الكلام، وفيه تمرين الصغار على فعل الخير، ورجاء نزول الرحمة بصومهم والأجر بذلك (٤) لأوليائهم، والصبيان لا يلزمهم صوم، ولا يخاطبون به حتى يبلغوا، وقيل: [إنهم] (٥) مخاطبون بالطاعات على الندب، وهذا لا يصح، وروى عن عروة [أنهم] (٦) متى أطاقوا الصوم وجب عليهم.
стр. 2014
(٢٢) باب النهى عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى
١٣٨ - (١١٣٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - فَجَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرفَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ، نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ.
ــ
وقوله: " شهدت العيد مع عمر فصلى ثم انصرف فخطب ": حجة فى تقديم الصلاة على الخطبة، وقد تقدم هذا.
وقوله: " وهذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم " فيه تعليم الإمام الناس مناسكهم فى أوقاتها، وما يستحب له أن يبينه فى خطبته، كل عيد، وفصل من سننه ومناسكه، وقد أجمع العلماء على تحريم صيام هذين اليومين بأي وجه كان، من تطوع أو نذر، أو دخول فى صوم واجب متتابع (١). ثم اختلفوا فيمنن نذرهما قاصدًا لعينيهما هل عليه قضاؤهما؟ فذهب عامة العلماء إلى أنه لا يصومهما ولا يقضيهما، وهو قول مالك، وزفر، وأحد قولى الشافعى، قيل: عليه القضاء فيهما إلا أن يكون نوى الّا يقضيهما، وهو أحد قولى الأوزاعى، وذهب أبو حنيفة، وصاحباه، والشافعى، والأوزاعى - فى أحد قوليهما - إلى وجوب قضائهما. واختلف قول مالك وأصحابه إذا لم يقصد تعينهما، وإنما نذر نذرًا اشتمل عليهما، أو نذر يوم يقدم فلان فصادفهما، هل عليه فيهما قضاء أم لا قضاء عليه فى ذلك، أم عليه القضاء إلا أن ينوى أن لا قضاء، أم ليس عليه حتى ينوى القضاء؟ وقوله: " يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم ": أى أحدهما يوم فطركم على خبر المبتدأ، أو يوم فطركم أحدهما على البدل من " يومان " وصفهما بما وصف ليبين العلة لفطرهما، وهو الفصل من الصوم، واشتهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر لأجل النسك المتقرب بها [فيه] (٢) ليؤكل منها، ولو كان يوم صوم لم يؤكل منها فى ذلك اليوم فلم يكن لنحرها فيه [معنى] (٣)، وقيل: فطرهما شرع غير مُعللٍ، وقد استدل بعضهم بتخصيص هذين اليومين بالتحريم على أن أيام التشريق
стр. 2015
١٣٩ - (١١٣٨) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الأَضْحَى، وَيَوْم الْفِطْرِ.
١٤٠ - (٨٢٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ - وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ - عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا فَأَعْجَبَنِى. فَقُلت لَهُ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: فَأَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " لَا يَصْلَحُ الصِّيَامُ فِى يَوْمَيْنِ: يَوْم الأَضْحَى، وَيَوْم الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ ".
١٤١ - (...) وحدّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْم الْفِطْرِ، وَيَوْم النَّحْرِ.
١٤٢ - (١١٣٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ زيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ: إِنِّى نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ -: أَمَرَ اللهُ تَعَالَى
ــ
ليست مُحرّمة مثلهما، وأنها دون حكمهما فى الشدة؛ ولهذا أبيح صيامهما للمتمتع، واختلف فيهما لغيره، كما سنذكره.
وقوله: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إنى نذرت أن أصوم يومًا فوافق يوم أضحى [أو فطر] (١)، فقال ابن عمر: " أمر الله بوفاء النذر، ونهى النبى ﷺ عن صيام هذا اليوم "، قال الإمام: توقف ابن عمر عن الفتوى تورعًا، وأشار لتعارض (٢) الأدلة. وقد اختلف فيها فقهاء الأمصار فى ناذر صوم يوم الفطر والأضحى، والذى ذهب إليه مالك أنه لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤه ولا صومه، وقال أبو حنيفة: يصوم يومًا آخر عوضًا عنه (٣)، وإن صامه فى نفسه مع النهى عن صومه أجزأه، ولنا عليه قوله ﵇: " لا نذر فى معصية " (٤)، وصوم هذا اليوم معصية لثبوت النهى عنه، واتفاق العلماء على
стр. 2016
بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ.
١٤٣ - (١١٤٠) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَتْنِى عَمْرَةُ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ الأَضْحَى.
ــ
ذلك وتعويض يوم آخر ليس من مقتضى لفظ نذر فلا معنى لإلزامه إياه، وإن كان قد وقع عندنا قولان فيمن نذر صوم ذى الحجة، هل يقضى يوم النحر؟ وقد يكون من أوجب القضاء من أصحابنا رأى أن النذر منعقد بإجماع فيما سوى يوم النحر، وما نُهى عن صومه فأجرى يوم النحر فى الانعقاد مجرى [ما] (١) سواه بحكم التبع له، وألزم تعويضه لما امتنع صومه بعينه، بخلاف من جرد النذر ليوم النحر خاصةً.
стр. 2017
(٢٣) باب تحريم صوم أيام التشريق
١٤٤ - (١١٤١) وحدّثنا سُرَيجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ، عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِىِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ".
(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حدّثنا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، حَدَّثَنِى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ، عَنْ نُبَيْشَةَ. قَالَ خَالِدٌ: فَلَقِيتُ أَبَا الْمَلِيحِ،
ــ
وقوله فى الباب عن نبيشة الهُذَلى، وقع فى نسخة ابن ماهان: " الهُذلية " على التأنيث، ظنه اسم امرأة، وهو وَهْمٌ. ونبيشة اسم رجل معروف فى الصحابة (١)، وهو ابن عم سلمة بن المحبق الهذلى (٢).
قال القاضى: هو نبيشة، بضم النون وبالشين المعجمة، ابن عمرو بن عوف بن سلمة الهُذَلى، سماه رسول الله ﷺ نبيشة الخير، وبذلك يعرف، ولا أعلم فى النساء الصحابيات من يتسمى بهذا، وإنما فيهم نسيبة بتقديم السين المهملة، ومنهن بضم النون، ومنهن فتحها، معروفات.
قال الإمام: وقوله: " أيام التشريق أيام أكل وشرب ": تعلق به أبو حنيفة فى منع صيام أيام منى حتى للمتمتع الذى لا يجد الهدى، وبما (٣) روى أنه نهى عن صيام أيام منى، وخالفه مالك وأجاز له صومها لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٤)، وهذه الآية نزلت يوم التروية، وهو الثامن من ذى الحجة، وشرط فى القرآن أن تكون هذه الثلاثة [الأيام] (٥) فى الحج، [فإذا صام التاسع وأفطر العاشر للنهى عن صومه لم يبق له محل فى الحج] (٦) إلا أيام منى، وذلك يقتضى حجة [لما قال] (٧) مالك.
стр. 2018
فَسَأَلْتُهُ، فَحَدَّثَنِى بِهِ. فَذَكَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ. وَزَادَ فِيهِ: " وَذِكْرٍ للهِ ".
١٤٥ - (١١٤٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَة، حَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَن أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَن أَبِيهِ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ وَأَوْسَ بْنَ الْحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. فَنَادَى: " أَنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَأَيَّامُ مِنَى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ".
(...) وحدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بن عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ طَهْمَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَنَادَيَا.
ــ
قال القاضى: بقول مالك قال الشافعى، والأوزاعى وإسحاق، وعن الشافعى كقول أبى حنيفة، وروى عن بعض السلف صومها مطلقاً، وفى المذهب عندنا خلاف فيمن نذرها، أو نذر صومًا (١) متصلاً قبلها هل يصُومها أم لا؟ وأيام التشريق هى الثلاثة بعد يوم النحر وهو قول الأكثر، وقيل: بل أيام النحر سميت بذلك؛ لتشريق الضحايا فيها، وهو تقديدها ونشرها للشمس، وقيل: بل لصلاة العيد عند شروق الشمس فى أول يوم منها، وهذا يعضد دخول يوم النحر فيها، ويدل عليه - أيضاً - قوله فى الحديث: " أيام التشريق أيام أكل وشرب "، وفى الرواية الأخرى: " أيام منى ".
وقوله: " وذكر لله " يستفاد به الحُجة للتكبير أيام العيد، وقد تقدم الكلام [فيه] (٢).
стр. 2019
(٢٤) باب كراهة صيام يوم الجمعة منفرداً
١٤٦ - (١١٤٣) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - وَهُو يَطُوفُ بِالْبَيْتِ: أَنَهَى رَسُولُ اللهِ ص عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ.
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى
ــ
وقوله: " نهى عن صيام يوم الجمعة "، وفى الحديث الآخر: " لا تخصوا يوم الجمعة بصيام إلا أن يكون فى صوم يصومه أحدكم "، وفى الآخر: " إلا أن يصوم قبله أو بعده "، قال الإمام: قال مالك فى موطئه: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسنٌ، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه (١).
[قال الإمام] (٢): ذكر بعض الناس أن الذى كان يصومه ويتحراه أنه محمد بن المنكدر، قال الداودى: لم يبلغ مالكاً هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه.
قال القاضى: أخذ بظاهر الحديث الشافعى، ولعل قول مالك إليه يرجع لأنه إنما قال: وصومه حسنٌ، ومذهبه معلوم فى كراهة تخصيص يومٍ ما بالصوم، وهذا محتمل من معنى ما جاء فى الحديث: لا تخصوه بصيام، عند بعضهم، وإنما حكى مالك عمن حكى صومه، وظن أنه كان يتحراه، ولم يقل مالك: إنى أرى هذا ولا أحبه، أعنى يجزئه، فيحتمل أنه مذهبه. قال المهلب: ووجه النهى عنه خشية أن يستمر عليه فيفرض، أو خشية أن يلتزم الناس من تعظيمه ما التزمه اليهود والنصارى فى سبتهم وأحدهم من ترك العمل، وأنه (٣) يرجع نهيه عن اختصاص قيام ليلتها، وقد أشار الباجى (٤) إلى أن مذهب مالك هذا يحتمل قولة له أخرى فى صيام يوم الجمعة فوافق الحديث، وقال الداودى فى كتاب النصيحة ما معناه: إن النهى إنما هو عن تحريه واختصاصه دون غيره، وأنه متى صام مع صومه يومًا غيره (٥) فقد خرج عن النهى؛ لأن ذلك اليوم قبله أو بعده، إذ لم
стр. 2020
عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا، بِمِثْلِهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
١٤٧ - (١١٤٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَة، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمعَةِ، إِلَّا أَنْ يصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ ".
١٤٨ - (...) وحدّثنى أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ - يَعْنِى الْجُعْفِىَّ - عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " لا تَخْتصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِى، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّام، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِى صَوْمِ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ ".
ــ
يقل اليوم الذى يليه. وقد يرجح ما قال: قوله فى الحديث الآخر فى الأم: " لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، ولا ليلة الجمعة بقيام من بين الليل " وذكر الطحاوى فيه بمعنى آخر جاء فى أثرٍ رواه عن النبى ﷺ أنه قال: " يوم الجمعة يوم عيدكم، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده " (١).
стр. 2021
(٢٥) باب بيان نسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (١) بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)
١٤٩ - (١١٤٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُضَرَ - عَنْ عَمْرِو ابْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِىَ، حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِى بَعْدَها، فَنَسَخَتْهَا.
١٥٠ - (...) حدّثنى عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا
ــ
وقول سلمة: " لما نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدى حتى نزلت الآية التى بعدها ونسختها، وفى الرواية الأخرى: حتى نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين﴾، قال القاضى: اختلف السلف فى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين﴾، هل هى محكمة [أو مخصوصة] (٣) أو منسوخة كلها، أو منسوخ بعضها؟ فذهب جمهورهم إلى [ما] (٤) قاله سلمة من نسخها، ثم اختلفوا هل بقى منها ما لم ينسخ؟ فرُوى عن ابن عمر والحسن وجمهورهم أن حكم الإطعام باق على من لم يطق الصوم من كبر (٥)، وقال مالك وجماعة من السلف وداود وأبو ثور: جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير إذا لم يطق الصوم إطعام، وعن مالك - أيضاً - استحباب الإطعام له، وقال قتادة: إنما كانت الرخصة خاصةً للكبير الذى يقدر على الصَّوم ثم نسخ ذلك عنه وبقيت للذى لا يطيق، وقال ابن عباس وغيره: نزلت فى الكبير والمريض لا يقدران على الصوم، فهى على قوله محكمة، ويعضدها قراءة (٦): " يطوقونه " أو " يطوقونه " (٧) بفتح الياء وضمها، أى يتكلفونه أو يكلفونه ولا يقدرون عليه، إلا أن المريض يقضى إذا صح.
وأكثر العلماء على أنه لا إطعام على المريض، وجعلوا المرضع والحامل مثلهما، إلا أنهم اختلفوا فى قضاء الحامل والمرضع، فقيل: يطعمان ويقضيان إذا زال عذرهما، وهو
стр. 2022
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا فِى رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَر؛ فَافْتَدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، حَتَّى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١).
ــ
أحد قولى الشافعى وجماعة، وأحد أقوال مالك، وقيل: يقضيان ولا يطعمان، [وهو قول أبى حنيفة وأحد أقوال مالك، وقيل: عليهما الإطعام ولا قضاء] (٢)، وقيل: عليهما القضاء ولا إطعام، وهو الذى روى عن ابن عمر (٣) وابن عباس، وإسحاق، وقيل: ليس على الحامل إطعام وهى كالمريض، وتطعم المرضع وهو مشهور قول مالك، وقاله - أيضاً - الشافعى، وقال إسحاق: إن شاءتا قضتا ولم تطعما، [أو] (٤) أطعمتا ولم تقضيا. قال ابن القصار: وهذا كله إذا كان الخوف على ولديهما، فأما إن خافا على أنفسهما فلا يختلف المذهب فى ذلك. قالوا: وهو الإجماع، يُريد إلا من أوجب الفدية على المريض، وروى عن ابن شهاب أنها فى المريض والمسافر خاصةً ثم نسخت، فألزموا القضاء حتمًا وبطل الخيار، وقال زيد بن أسلم وابن شهاب ومالك: الآية محكمة، وإنما نزلت فى المريض يفطر ثم يبرأ فلا يقضى حتى يدركه رمضان آخر من قابلٍ، فعليه أن يصومه، ثم يقضى بعدما أفطر، ويُطعم عن كل يوم مُدًّا من حنطة، فأما من اتصل مرضه إلى رمضان آخر، فليس عليه إطعام وعليه القضاء، ومعنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ على هذا القول: أى يطيقون قضاء ما عليهم، فلا يقضون إلى رمضان آخر. وذكر عن الحسن أن الهاء فى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ عائدة على الإطعام والكفارة، لا على الصوم، ثم نسخ ذلك، فهى عنده عامة، وقال بعض السلف مثل هذا فى عود الضمير على الإطعام وأنه خاصة فى الكبير الهرم، وهى عندهم محكمة غير منسوخة.
واختلف فى مقدار الإطعام، فمالك وجمهور العلماء على مُدّ عن كل يومٍ، وأبو حنيفة يقولُ: نصف صاعٍ، وقاله صاحباه. وقال أشهب من أصحابنا: مُدٌ وثلث لغير أهل المدينة، وجمهور العلماء على أن المرض المبيح للفطر هو ما يشقُ معه الصَّوم، أو تخشى زيادته بسبب الصوم هذا معنى يختلف (٥) ألفاظ أئمة الفتوى فى ذلك، وحُكى عن فرقةٍ أن كل مريض يباح له [] (٦) الصوم كان مطيقًا له أو لا.
стр. 2023
(٢٦) باب قضاء رمضان فى شعبان
١٥١ - (١١٤٦) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ
ــ
وقول عائشة: " يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا فى شعبان للشغل برسول الله ﷺ ": فيه حجة على أن قضاء رمضان ليس واجبًا على الفور، خلافًا لداود فى إيجابه [من] (١) ثانى شوال، وأنه أثم متى لم يصمه، وكذلك يقول فيمن وجبت عليه رقبة وتعيينه فى أول رقبةٍ يمكنه ملكها أو ملكها حينئذٍ، فإذا لم يكن على الفور فوقته موسعٌ مقيد بتقييد السَّنة، ما لم يدخل رمضان آخر كوقت الصلاة، والإنسان مخيّر فى إيقاع ذلك أى وقت شاء من الوقت، لكن الاستحباب المبادرة وتقديم ذلك على غيره من صيام النفل كالصلاة، وبهذا قال الشافعى: والأصل فيه حديث عائشة هذا، وأمرها غير خفى على النبى ﷺ ، فلو كان ما فعلته غير جائز لما أقرها. قال بعض العلماء: ولا يقضى بموته بعد مضى اليوم الثانى من شوال على شرط العزم، وهذا - أيضاً - على ما قالوا فى الصلاة، لاسيما على قولنا وقول الشافعى: إن الخطاب يتعين بها لأول الوقت، وقال أبو بكر الرازى الحنفى: إنه لا يقضى إلى السنة المقبلة، وقال أبو القاسم الكياالهراسى الشافعى: هذا خلاف قول الجماعة، قال: وقد أجمعوا أنه لو مات قبل السنة على وجوب الفدية، لا لكونه عاصيًا، كما يجب على الشيخ الكبير وعلى من مات أول يوم من شوال، وقال أبو الحسن [ابن] (٢) القصار وغيره من شيوخنا: إنه عاص إذا أمكنه القضاء فلم يقض حتى دخل رمضان آخر.
وقد اختلف العلماء فى وجوب الفدية على المفرط فى الفطر حتى دخل عليه رمضان آخر، فمذهب مالك والشافعى [] (٣)، ومعظمهم وجوبها عليه مُدا لكل يوم، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وداود إلى أنه لا كفارة على المفرط، وجمهورهم أنه إذا مرض بقية عامه ولم يفرط، حتى دخل عليه رمضان آخر، أنه لا فدية عليه. وحكى عن بعض السلف: عليه الفدية. قال بعض شيوخنا: واختلف مذهبنا بما يكون به مفرّطاً حتى يلزمه [بالذى عليه] (٤)، فالبغداديون (٥) منهم ومعظم الشيوخ: أنه ليس بمفرط إلا بترك ذلك عند آخر السنة وبقية عدد تلك الأيام من شعبان، ولو صح فيما مضى من سنته [ثم جاءه ما منعه حتى دخل عليه رمضان آخر لم يلزمه كفارة، وقال بعضهم] (٦): إنه يراعى
стр. 2024
مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِى شَعْبَانَ. الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ بِرَسُولِ الله ﷺ .
(...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ ابْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى
ــ
صحته أو إقامته من أول عامه، فمن صح من شوال فما بعده مُدَّةً يمكنه فيها قضاء ما عليه فلم يفعل حتى جاء ما منعه حتى دخل عليه رمضان آخر، فقد لزمه القضاء، ونحوه فى المدوّنة (١).
وعلى هذين القولين اختلف تأويلهم على مذهب المدوّنة، قال بعض شيوخنا: فعله على هذا مترقباً ليس على الفور ولا على التراخى، فإن صح منه القضاء فى شعبان وكان قادرًا على تعجيله لم يكن عليه إطعام، قال: والقياس إما أن يقالُ على الفور كالصلاة المنسية، فمتى لم يفعل كان مفرطاً، ووجبت عليه الفدية، أو على التراخى، فلا شىء عليه مما صح فيه أو أقامه عاش أو مات، يعنى حتى يضيق الوقت عليه بآخر العام كالصلاة المؤقتة.
واختلف فى قضاء رمضان، هل من شرطه التتابع؟ وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وأهل الظاهر، وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وكافة علماء الأمصار أنه ليس من شرطه، ويجوز مفترقاً.
وقولها: " الشغل برسول الله ﷺ ": نص منها لِعلةِ ذلك، وارتفع الشغل عنها بتقدير فعل أنه يمنعنى منه الشغل أو شغلنى ونحوه، وبيان فى أن أمرها بتمادى الفطر غير خافٍ عنه ﵇ ورد على من ضعف تعليل حالها بذلك، إذ هى نفسها قد أخبرت بذلك وعلة فطرها فسقط التأويل، وفيه ما يجب من حق الزوج، ولا أعلم خلافًا، فى التنفل أن من حق الزوج منعها منه لحديث أبى هريرة: " لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه " (٢). قال بعض شيوخنا: وأما فى قضاء رمضان فليس له
стр. 2025
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: فَظَنَنْتُ أَن ذَلِكَ لمَكَانِهَا مِنَ النَّبِىِّ ﷺ . يَحْيَى يَقُولُهُ.
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرَا فى الْحَدِيثِ: الشُّغْلُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ .
١٥٢ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِىُّ، عَن يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِى زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقْضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى يَأْتِىَ شَعْبَانُ.
ــ
منعها إلا باختيارها، إذ لها حق فى إبراء ذمتها، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن عائشة فى هذا إنما فعلت ذلك للرخصة لا لأجل النبى ﵇ وأن ذكر الشغل برسول الله ﷺ من قول يحيى لا من قول عائشة، وقد قال البخارى: قال يحيى: " الشغل من رسول الله ﷺ " (١). وفى مسلم فى حديث ابن رافع عن يحيى قال: فظننت أن ذلك لمكان النبى ﵇ ولسقوط هذه العلة جملة من رواية سُفيان وغيره، قالوا: وقد كان له ﵇ نساء غيرها، وكان يقسم بينهن، أى فقد كانت تتفرغ لصومها.
قال القاضى: لكنه قد جاء فى حديث ابن أبى عمر ما يدل أن العلة من قولها، فقالت: " إن كانت إحدانا لتفطر فى زمان رسول الله ﷺ ، فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتى شعبان ".
قالوا: وفى هذا الحديث وشبهه أن منافع العشرة والمتعة من الزوجة مُتملكةً للزوج فى عامة الأحوال، وحقها فى نفسها محصور فى وقت دون وقت، وقد ذكر مسلم فى كتاب الزكاة: " لا تصم (٢) المرأة وبعلها شاهدٌ " (٣)، وهذا أصل فى الباب، ومحمول على ما لم يتعين عليها فرض صومه.
стр. 2026
(٢٧) باب قضاء الصيام عن الميت
١٥٣ - (١١٤٧) وحدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ".
١٥٤ - (١١٤٨) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا
ــ
وقوله: " من مات وعليه صيام، صام عنه وليه "، قال الإمام: أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد وإسحاق وغيرهما، وجمهور الفقهاء على خلاف ذلك، ويتأولون الحديث على [معنى] (١): طعام الحىّ عن وليه، إذا مات وقد فرط فى الصوم، فيكون الإطعام قائمًا مقام الصيام.
قال القاضى: أما أحمد [فإنما] (٢) يخصصُ أن يصومه وليه عنه فى النذر، وهو قول الليث وأبى عبيد، وروى عن الشافعى، وأما قضاء رمضان فلا عندهم، ولكنه يطعم عنه واجبًا من رأس [ماله] (٣) وهو مشهور قول الشافعى فى وجوب الإطعام عليهم من رأس ماله دون الصوم، وهو قول كافة العلماء، ومالك لا يوجب عليهم الإطعام إلا أن يوصى بذلك، أو يتطوعوا.
وأجمعوا بغير خلاف أنه لا يصلى أحدٌ عن أحدٍ فى حياته ولا موته، وأجمعوا أنه لا يصوم أحد عن أحد فى حياته، وإنما الخلاف فى ذلك بعد موته، وقد خرج النسائى من رواية ابن عباس عن النبى ﷺ : " لا يصلى أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدًا من حنطةٍ " (٤).
وذكر الترمذى من رواية ابن عمر: " من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه وليه مكان كل يوم مسكينًا " (٥)، وإذا تعارضت الأحاديث (٦) رجع إلى قوله تعالى:
стр. 2027
الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّى مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ. فَقَالَ: " أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ ". قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: " فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ ".
١٥٥ - (...) وحدّثنى أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِىُّ، حَدَّثَنَا حُسَينُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: يَاَ رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّى مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: " لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى ".
ــ
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١).
وذكر مسلم فى الباب الأحاديث المروية عن ابن عباس: " إن أمى ماتت وعليها صوم [شهر] (٢) ... " الحديث إلى قوله: فذكر أنه أحق بالقضاء، وذكر اختلاف الروايتين فيه وزيادة ابن أبى أنيسة عن الحكم فيه قولها: " صوم نذر "، وقد ذكر البخارى حديث ابن عباس هذا واضطراب الرواية فيه، وقول من قال فيه: " إن أختى ماتت "، وقول من قال: " وعليها خمسة عشر يومًا "، وقول من قال: " صوم نذر "، وقول من قال: " جاء رجل " وكثرة الاضطراب فيه عن مسلم البطين، وعلى من فوقه وغيرهم (٣)، وذكر الدارقطنى ذلك وقول من قال فيه: " صوم شهرين متتابعين " (٤)، وقد ذكر البخارى حديث أبى خالد الأحمر مُعلقًا ولم يُسنده (٥)، وذكر مسلم حديث أبى سعيد الأشج: حدثنا أبو خالد الأحمر عن سلمة بن كهيل، والحكم بن عيينة ومسلم البطين عن سعيد بن جبير، ومجاهدٍ وعطاء عن ابن عباس، ووهم الدارقطنى أبا خالد الأحمر فى هذا الحديث؛ لمخالفته رواية الأعمش فيه، كما قد ذكر مسلم وقال، وقد بين زائدة فى " روايته الوجه الذى دخل عليه (٦) الوهم
стр. 2028
قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الْحَكَمُ وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ جَمِيعًا، وَنَحْنُ جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ. فَقَالَا: سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(...) وحدّثنا أَبُو سَعيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا. الْحَدِيثِ.
١٥٦ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِى خَلَفٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ عَدِىٍّ. قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِى زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّى مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَاصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: " أَرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّى ذَلِك عَنْهَا؟ ". قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: " فَصُومِى عَنْ أُمِّكِ ".
١٥٧ - (١١٤٩) وحدّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ. فَقَالَتْ: إِنِّى تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّى بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ. قَالَ: فَقَالَ: " وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ ". قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ
ــ
منه أعنى على أبى خالدٍ، وهو قول زائدة فى حديثه (١): قال سليمان: فقال الحكم وسلمة ابن كهيل جميعًا ونحن جلوس حين حدث - يعنى البطين - بهذا الحديث، فقالا: سمعنا مجاهدًا يذكر هذا عن ابن عباس، وقال الترمذى: سالت محمدًا - يعنى البخارى - عن هذا الحديث، فقال: جوده أبو خالد الأحمر، واستحسن حديثه جدًا، وقد رواه بعض أصحاب الأعمش كذلك (٢).
قال القاضى: وقد ذكر مسلم من رواية [زيد] (٣) بن أبى أنيسة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، [عن ابن عباس] (٤) بمعناه، فوافق أبا خالد الأحمر.
وقوله فى الحديث [الآخر] (٥): " حجى عنها ": هذا أيضاً مما اختلف العلماء فيه،
стр. 2029
عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: " صُومِى عَنْها ". قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ. أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: " حُجِّى عَنْهَا ".
١٥٨ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثلِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: صَوْمُ شَهْرَيْنِ.
(...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيَدْةَ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرٍ.
(...) وحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرَيْنِ.
(...) وحدّثنى ابْنُ أَبِى خَلَفٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءً الْمَكِّىِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثهِمْ. وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرٍ.
ــ
هل يلزم حجُ الولى عن وليه إذا عجز أو (١) لا يلزم؟ أو يجوز أو لا يجوز؟ ومذهبنا: أنه لا يلزم عن ذى العذر، واختلف هل يجوز لأنه عمل له تعلق بالمال أو يُكره له ابتداءً، فإن أوصى به نفذت وصيته به؟ واختلف أصحابنا فى ذلك اختلافًا كثيرًا، وسيأتى مُسْتوعبًا فى كتاب الحج، واضطراب حديث ابن عباسٍ يُسقط الحجة [به] (٢)، أو يحمل على ما جاء مفسراً بقوله: " صوم نذر "، وهو حجة أحمد، لكن يكون حكمه عند الجمهور على ما تقدم من فعل الخير بالمال عنه، فيقوم مقام ما لم يوفِ به من نذره، وتنبيه البخارى ومسلم على مختلف رواياتها واضطراب رواته للتعليل لها.
стр. 2030
(٢٨) باب الصائم يدعى لطعام فليقل: إنى صائم
١٥٩ - (١١٥٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ: رِوَايَةً. وقَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ . وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ: إِنِّى صَائِمٌ ".
ــ
وقوله: " إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إنى صائم ".
قال الإمام: أعمال [البر] (١) النوافل يستحب إخفاؤها غالبًا، ولكن دعت الضرورة لذكر هذا فيها على جهة العذر؛ لئلا يحدث بتخلفه تشاجرًا أو بغضاء، إذا كان المراد أن يقول ذلك نطقًا ليعذر به.
قال القاضى: فيه حجة أن ليس للمتنفل إفساد نيته وفطر يومه لغير عذر، ولو كان الفطر مباحًا [له] (٢) ابتداء لم يُرشده إلى العذر بصومه، وسنذكره، وفيه الحض على حسن المعاشرة وحسن الصحبة، ومراعاة الألفة وحسن الاعتذار.
стр. 2031
(٢٩) باب حفظ اللسان للصائم
١٦٠ - (١١٥١) حدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - رِوَايَةً قَالَ: " إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّى صَائِمٌ، إِنِّى صَائِمٌ ".
ــ
وقوله: فى الحديث الآخر: " فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إنى صائم "، وقوله: " فلا يرفث ولا يجهل ": الرفث: السخف والفحش من الكلام والجهل مثله، يقال منه: رفث يرفث بالضم، ورفث بالكسر، يَرْفثُ بالفتح رَفْثًا، ساكنة فى المصدر، ورَفَثا محركة فى الاسم، ويقال: أرفث أيضاً.
وقوله فى الحديث الآخر: " لا يصخب " (١) بمعناه، هو اختلاط الأصوات وكثرة الكلام ورفع الصوت، يقال بالسين والصاد، وعند الطبرى: " ولا يسخر " وهو من السخرية بالناس، والأول هو المعروف، وقد يكون بالقول والفعل ومعنى " قاتله ": أى دافعه ونازعه، وتكون بمعنى شاتمهُ ولاعنه. وقد جاء القتل بمعنى اللعن. وقد اختلف فى معنى قوله فى هذا الحديث: " فليقل: إنى صائم "، أهو على وجهه كما تقدم وليُسمع ذلك مشاتمه ليعلم اعتصامه بالصوم فلا يؤذيه.
قال الإمام: ويحتمل أن يكون المراد به أن يخاطب بذلك نفسه على جهة الزجر لها عن السباب والمشاتمة.
قال القاضى: قد جاء آخر الحديث فى مصنف النسائى مفسرًا قال: ينهى بذلك عن مراجعة الصائم (٢) وقد جاء هنا لفظ المشاتمة والمقاتلة، وهى لا تكون إلا من اثنين؟ فقيل: معناه هنا: إن امرؤ أراد هذا منه فليمتنع، وأيضاً فإن المفاعله قد تجىء لفعل الواحد؛ كقوله: سافر، وعالج الأمر، وعافاه الله، وأيضاً فقد يكون على وجهه، [أى] (٣) إن بدا ذلك منهما فليرجع إلى نفسه ويذكرها بصومه فتكف.
стр. 2032
(٣٠) باب فضل الصيام
١٦١ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُوُنسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، هُوَ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عَنْدَ اللهِ مِنْ رِيْحِ الْمِسْكِ ".
١٦٢ - (...) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُغِيْرَةُ - وَهُوَ الْحِزَامِىُّ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ ".
ــ
وقوله: " الصيام جنة ": أى ستر ومانع من الرفث والآثام، أو مانع من النار وساتر منها، أو مانع من. جميع ذلك، ومنه: المُجْن للترس الذى يُسْتَتَر به، ومنه سميت الملائكة والشياطين جنًا لاستتارهم عن أعين الناس [ورؤيتهم. وفى] (١) بعض الروايات: " فلا يصخب " وهو من معنى يجهل، والصخب بالسين والصاد: الصياح، ورواه الطبرى: " فلا يسخر " بالراء ومعناه صحيح؛ لأن السخرية بالقول والفعل كله من الجهل وبمعناه (٢)، وقد ذهب الأوزاعى إلى أن السبَّ والغيبة يفطران الصائم، وخص النهى عن الرفثِ والجهل هنا، وهو فى كل حال منهى عنه؛ لتأكيد حق الصوم ولتضعيف الإثم بفعل ذلك به (٣) لإهانته حق الشهر، ومراعاة الصوم، أَوْ لِئَلا يفسد صومه على مذهب من يراه.
وقوله: " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لى، وأنا أجزى به "، قال الإمام: تخصيصه الصوم هاهنا بقوله: " لى " وإن كانت أعمال البر المخلصة كلها له تعالى؛ لأجل أن الصوم لا يمكن فيه الرياء، كما يمكن فى غيره من الأعمال؛ لأنه كف وإمساك، وحال الممسك شبعًا أو فاقة كحال الممسك تقرباً، وإنما القصد وما يبطنه القلب هو المؤثر فى ذلك، والصلوات والحج والزكاة أعمال بدنية ظاهرة يمكن فيها الرياء والسمعة، فلذلك خص الصوم بما ذكره دونها.
стр. 2033
١٦٣ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ الزَّيَّاتِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قَالَ اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّى امْرؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ
ــ
قال القاضى: وقال أبو عبيدة معناه: أنا أتولى جزاءه، إذ لا يظهر فتكتبه الحفظة، إذ ليس من أعمال الجوارح الظاهرة، وإنما هو نيةٌ وإمساك، فأنا أجازى (١) به من التضعيف على ما أحبُ. وفى قوله: " الصوم لى "، وتخصيصه بيان عظيم فضله، وكثرة ثوابه، ويدل عليه قوله: " أنا أجزى به "، وقال الخطابى: قوله: " لى ": أى ليس للصائم فيه حظ، قال: وقيل: إن الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى، فكأنه يتقرب إلى الله بما يتعلق بِشبْهِ صفة من صفاته، وإن كان تعالى لا شبه له فى صفاته (٢). وقيل: فيه تخصيص الصوم وتشريفه بإضافته إليه تعالى، فقال كما قال: بيت الله، والكل لله تعالى، وقيل: " لى ": أى المنفرد [بعلم] (٣) مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، كما قال: " وأنا أجزى به " قال: وغيره من الحسنات اطلعت على مقادير أجُورها، كما قال: " كل حسنة بعشرٍ أمثالها " الحديث، والصوم موكّل إلى سعة جوده وغيب علمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغِيْرِ حِسَاب﴾ (٤).
وقوله: " لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ": هكذا الرواية الصحيحة بضم الخاء، وكثير من الشيوخ يرونه بفتحِها. قال الخطابى: وهو خطأ، وحكى عن القابسىّ فيه الفتح والضم، وقال: أهل المشرق يقولونه بالوجهين.
قال الإمام: قال الهروى: يُقال: خَلُفَ فُوه: إذا تغير، يخلف خلوفًا. ومنه حديث عَلِىّ وسُئل عن قبلة الصائم قال: وما أُريك إلى خُلوف فيها، ويقال: نؤمة الضحى مخلفة للفم، أى مغيرة.
قال القاضى: قال صاحب الأفعال: خَلْفَ فوه وأخلف. وذكر مسلم من بعض الطرق: " لخلفةُ " وهو صحيح المعنى اسم ما خلف فى الفم، والخلوف مصدره. قال الباجى: قال البرقى: هو تغييرُ طعم الفم وريحه لتأخر الطعام، قال: وليس هذا على
стр. 2034
الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَللِصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَومِهِ ".
ــ
أصل مالك، إنما هو على مذهب الشافعى، وإنما هو تغيير ريح الفم بما يحدث من خلو المعدة بترك الأكل (١).
قال القاضى: احتج الشافعى (٢) بالثناء على الخلوف لمنع السواك بعد نصف النهار، وهو وقت وجود الخلوف؛ لأن السواك يذهبه، وفى بقائه من الأجر والفضل ما لا يجب عنده إزالته، وذهب مالك إلى جوازه فى النهار كله؛ لأنه عنده إن كان من المعدة فلا يذهبه السواك، وأيضاً فإن جعلنا الكلام فى الثناء على الخلوف استعارة وتنبيهًا على فضل الصوم، لا على نفس الخلوف، فذهابه وبقاؤه سواء. وقد اختلف الناس (٣) فى معنى قوله: " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ".
قال الإمام: هو مجاز واستعارة؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذى له طبائع تميل إلى شىء فتستطيبه، وتنفر عن آخر فتستقذره، والله تعالى يتقدس عن ذلك، لكن جرت العادة فينا بتقريب الروائح الطيبة منا، واستعير ذلك فى الصوم لتقريبه من الله.
قال القاضى: وقيل: يجزيه الله فى الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك كما قال (٤) فى المكلوم فى سبيل الله: " الريح ريح مسك " (٥)، وقيل: بل ينال صاحبُها من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا، لاسيما بالإضافة إلى الخلوف وهما ضدان، وقيل: يعتدّ بها وتدخر على ما هى عليه [أكثر] (٦) مما يعتد بريح المسك لصاحبه، وأيضاً فيكون رائحتها عند ملائكة الله أطيب من المسك، وإن كانت عندنا نحن بخلافه، وقال الداودى: يثاب عليها ما لا يثاب على رائحة المسك إذا تطيب به للصلاة والجمعة.
وقوله: " للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه ": أما فرحته عند لقاء ربه فبينة لما يراه من الثواب وحسن الجزاء، كما قال فى الرواية الاخرى: " إذا لقى الله فجزاه فرح "، وأما عند إفطاره فلتمام عبادته وسلامتها من الفساد وما يرجوه من ثوابها، وقد يكون معناه: لما طبعت النفس عليه من الفرح بإباحة (٧) لذة الأكل وما منع منه الصائم، وحاجته إلى ذهاب ألم الجوع عنه، وهو ظاهر فى بعض الروايات