(٢١) - (...) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: فَإِنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَنِى عَنْ أَبِيهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلّ مُلَبِّدًا يَقُولُ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنَّعْمَةَ لَكَ، وَالمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ " لا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلاءِ الكَلِمَاتِ.
وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْكَعُ بِذِى الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ الحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلاءِ الكَلِمَاتِ.
وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - يُهِلُّ بِإِهْلالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَؤُلاءِ الكَلِمَاتِ. وَيَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِى يَدَيْكَ لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالعَمَلُ.
ــ
قال القاضى: بالفاء رواية الكافة، وقد رويناها " تلقيت " بالياء من طريق السجزى، ومعانيها متقاربة.
وقوله: أنه ﵇ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهلّ: " فقال: لبيك ": الإهلال رفع الصوت بالتلبية عند الدخول فى الإحرام، ومنه استهل الصبى: إذا صاح، ومنه: ﴿ومَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِه﴾ (١): أى رُفِعَ الصوت فيه بغير اسم الله، قالوا: وإنما سمى الهلال لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته.
وقوله: " كان ﵇ يركع بذى الحليفة ركعتين، فإذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهلّ ": الركعتان قبل الإحرام مشروعة وسنة [فى] (٢) الإحرام عند الكافة، أن يكون بإثر صلاة، واستحب مالك [أن يكون بإثر] (٣) صلاة ركعتى (٤) نفلٍ فأكثر، كما جاء عنه ﵇ واستحب الحسنُ إثر صلاة فرض، لأنه روى أن هاتين الركعتين [اللتين] (٥) صلى ﵇ كانتا (٦) صلاة الصبح، والأول أظهر، فإن أهَلَّ إثر صلاة فرض أجزأه عند مالكٍ وغيره، ولا دم عليه إن أحرم بغير إثر صلاة.
وقوله هنا: " إذا استوت الناقة "، وقوله فى الحديث الآخر: " حين استوت به
стр. 2102
٢٢ - (١١٨٥) وحدَّثنى عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ العَظِيمِ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ اليَمَامِىُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - يَعْنِى ابْنَ عَمَّارٍ - حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ. قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَيْلَكُمْ! قَدْ. قَدْ " فَيَقُولُونَ: إِلا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلكُهُ وَمَا مَلَكَ. يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطوفُونَ بِالبَيْتِ.
ــ
راحلته "، وقوله فى الرواية الأخرى: " حتى (١) تنبعث به ناقته " متفق (٢) لأن قيامها به هو انبعاثها، ولا تستوى به حتى تنبعث به، ولا يفهم منه أخذها فى المشى، وبيّنه قوله فى الحديث الآخر: " إذا وضع رجله فى الغرز وانبعثت به قائمة "، وبما جاء فى [هذا] (٣) الحديث أخذ مالك، وأكثر العلماء (٤) أن يهل إذا استوت به إن كان راكباً، ويتوجه بإثر ذلك، وإن كان راجلاً فحين يأخذ فى المشى، وقال الشافعى فى الراكب كذلك، وقال أبو حنيفة: إذا سَلّم من الصلاة أهل على ما جاء فى ذلك فى حديث ابن عباس (٥): أنه أحرم من المسجد بعد أن صلى فيه، وأوجبه فى مجلسه. وفيه أن سُنةَ التلبية عند الأخذ فى الإحرام والشروع فى العمل، لا قبله وفى أثناء العمل، وقطعها حيث لا عمل من أعمال الحج، قالوا: وفيه الإهلال مستقبل القبلة؛ لأنها إجابة الداعى إبراهيم ﵇ ولا تجيب أحداً مولياً ظهرك عنه.
وقوله: " يُهل ملبداً " التلبيد: هو ضفر الرأس بالخطمى أو الصمغ، وشبه ذلك مما يضم الشعر ويلزق بعضه ببعض، ويمنعه التمعط والتقمل، وفعله جائز، وهو مستحب فعله لمن يريد الحج أو العمرة قبل إحرامه.
стр. 2103
(٤) باب أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذى الحليفة
٢٣ - (١١٨٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ موسَى بْن عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - يَقُولُ، بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِى تَكْذِبُونَ عَلَى رسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ - يَعْنِى ذَا الحُلَيْفَةِ.
ــ
وقوله: " هذه البيداء التى تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، ما أهل إلا من عند الشجرة (١) "، وفى الحديث الآخر: " [ما أحرم إلا من المسجد] (٢) ": هذا - أيضاً - متفق وهو مسجد ذى الحليفة، وفيه كان ﷺ قبل إهلاله، وذو الحليفة على ستة أميال، وقيل: سبعة من المدينة، والشجرة هناك، والبيداء هناك، كله قريبٌ [بعضه] (٣) من بعض. قال الطحاوى: ويجمع بين ذلك ما جاء فى حديث ابن عباس: أن النبى ﷺ لما صلى فى مسجد ذى الحليفة أهل بالحج، فسمع ذلك أقوام فحفظوا، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه قومٌ ولم يشهدوه أولاً - لأن الناس كانوا يأتون أرسالاً - فسمعوه يهل حينئذٍ، فلما وقف على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه فى المرتين فنقل كل واحدٍ ما سمع (٤)، ولكن الحديث بإهلاله بعد ما استوت به ناقته أشهر وأصح، وفى حديث سعد بن أبى وقاص: كان ﵇ إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استوت به راحلته، وإذا أخذ طريق أُحدٍ أهل إذا علا شرف البيداء (٥). والبيداء كلها مُهل، لكن الأفضل من حيث أهل ﵇.
قال الإمام: البيداء: مفازة لا شىء فيها، وبين المسجدين أرض ملساء اسمها (٦) البيداء، فأنكر ابن عمر على من يقول: إن النبى ﷺ إنما أحرم من البيداء، وهو يقول: إنما أحرم ﵇ من المسجد.
стр. 2104
٢٤ - (...) وحدَّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - إِذَا قِيلَ لَهُ: الإِحْرَامُ مِنَ البَيْدَاءِ، قَالَ: البَيْدَاءُ الَّتِى تَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلا مِنْ عِنْد الشَّجَرِةِ، حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ.
ــ
قال القاضى: معنى قوله: " بين المسجدين ": أى مكة والمدينة، كذا بينه الناس، وكذلك هو، وهذه البيداء هو الشرف الذى أمام ذى الحليفة، وهى أقرب إلى مكة من ذى الحليفة، وكل مفازة بيداء، وجمعها بيد.
стр. 2105
(٥) باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة
٢٥ - (١١٨٧) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ المَقْبُرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا -: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: مَا هُنَّ يَا بْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلا اليَمَانِييْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النَّعَالَ
ــ
وقول ابن جريج لابن عمر: " رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من أصحابك يصنعها "، قال الإمام: وقوله: " تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ": محمول أنه أراد أن ذلك وقع منهم على جهة السهو، ولا يظن به أنه كان ينسب إلى الصحابة [تعمد] (١) الكذب الذى لا يحل.
وقوله: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. فيقول رسول الله ﷺ : " قَدٍ قَدٍ " (٢) أى كفاكم هذا الكلام الصحيح المستقيم الحق، إنكاراً لما كانوا يُذيلون به قولهم هذا من قولهم: " إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك " فعند قوله: " قَدْ قَدْ " تم كلام النبى ﷺ ، ثم رجع فى الحديث إلى حكاية كلام الكفار الذى (٣) حكيناه، وفيه إن لم يُبَين هكذا تلفيق فى الأم لمن لم يعلم، ومعنى " قَدٍ قَدٍ ": كفى كفى، مثل قط قط، تقال بكسر الدال فيهما وسكونها.
[وذكر (٤)] لمس الركنين اليمانيين، ولبس النعال السبتية ... الحديث، قال الإمام: يحتمل أن يريد لا يصنعها غيرك مجتمعة، وإن كان يصنع بعضها، ثم سمّى له علة فعله فى الثلاث، وأنه رأى النبى ﷺ فعل ذلك، ويحتمل [أنه] (٥) ﵇ إنما خصّ هذين الركنين بأنهما على قواعد إبراهيم ﵇ وترك الآخرين لما قصرا عن قواعد إبراهيم.
قال القاضى: على هذا اتفاق أئمة الأمصار والفقهاء، وإنما كان الخلاف فى ذلك قديماً من بعض الصحابة والتابعين.
стр. 2106
السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ.
فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الأَرْكَانُ، فَإِنِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلا الْيَمَانِيَيْنِ. وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِى لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنَّ أَلْبَسَهَا. وَأَمَّا الصُّفْرَةُ؛ فَإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبَغَ بِهَا. وَأَمَّا الإِهْلالُ، فَإِنِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلتُهُ.
٢٦ - (...) حدَّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى أَبُو صَخْرٍ،
ــ
قال الإمام: وأما قوله: " رأيْتُك تَصْبُغُ بالصفرة ": فقيل: المراد به صباغ الشعر، وقيل: صباغ الثوب، والأشبه أن يكون صبغ الثياب، لأنه أخبر أنه إنما (١) صبغ اقتداء بالنبى ﵇[وهو ﵇] (٢) - لم يذكر عنه أنه صبغ -[﵇] (٣) - شعره.
قال القاضى: هذا أظهر الوجهين وأصحهما، وإلا فقد جاءت آثار فى حديث ابن عمر بين فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتجاجه بأن النبى ﷺ كان يصفر لحيته بالورس والزعفران، ذكره أبو داود (٤). وذكر - أيضاً - فى حديث آخر احتجاجه بأن النبى ﵇ كان يصبغ بها ثيابَهُ حتى عمامته (٥).
قال الإمام: وأما إجابته له عن تأخير إهلاله إلى يوم التروية بأنه لم ير رسول الله ﷺ يُهل حتى تنبعث به راحلته، فإنه أجابه بضرب من القياس لما لم يتمكن له من فعل النبى ﷺ فى ذلك الشىء بعينه ما تمكن فى غيره مما سماه له، ووجه هذا القياس: أنه لما رآه ﷺ إنما أهل عند الشروع فى الفعل أخر [هو أيضاً] (٦) الإهلالَ إلى يوم التروية، [الذى] (٧) يبتدئ فيه بأعمال الحج، من الخروج إلى منى وغير ذلك. وأما وجه اختيار غيره من العلماء لمن أحرم من مكة أن يهل من أول العشر، فان ذلك ليحصل للمحرم (٨) من الشعث ما يساوى فيه من أحرم من المواقيت.
стр. 2107
عَنِ ابْنِ قُسِيْط، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - بَيْنَ حَج وَعُمْرَةٍ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ مَرَّةً. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكَ أَرْبَعَ خِصَالٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِهَذَا المَعْنَى إِلا فِى قِصَّةِ الإِهْلالِ فَإِنَّهُ خَالَفَ رِوَايَةَ المَقْبُرِىِّ. فَذَكَرَهُ بِمِعْنَى سِوَى ذِكْرِهِ إِيَّاهُ.
٢٧ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ
ــ
قال القاضى -[﵀] (١) -: اختلف اختيار [العلماء] (٢) والسلف فى ذلك، والقولان عند مالك، وحمل شيوخنا رواية الاستحباب أن يهل يوم التروية من كان خارجاً من مكة، ورواية استحباب الإهلال (٣) لأول الشهر لمن كان داخل مكة، وهو قول أكثر الصحابة والعلماء.
قال الإمام: وقوله: " النعال السبتية ": قال الأزهرى: إنما سميت بذلك؛ لأن شعرها قد سُبت عنها، أى حلق وأزيل، يقال: سبت (٤) رأسه: إذا حلقه. قال الهروى: وقيل: سميت سبتية؛ لأنها إن سبتت بالدباغ، أى لانت، يقال: رطبة مُنسِبتَة، أى لينة، قال: والسبت جلد البقر المدبوغ بالقَرظ.
قال القاضى: قال الشيبانى: السبت كل جلد مدبوغ، وقال أبو زيد: السبت جلود البقر مَدبوغَة كانتَ أو لا، وقيل: السبت ذراع (٥) من الدباغ يقلع الشعر، وقال ابن وهب: النعال السبتية كانت سوداً لا شعر فيها، وعلى هذا تدل حجة ابن عمر لقوله: " إن النبى ﷺ كان يلبس النعال التى ليس فيها شعر "، وهذا لا يخالف ما تقدم، فقد تكون مدبوغة بالقرظ ولا شعر فيها وسوداء (٦)، فإن ما يُدبغ منه ما يبقى فيه شعرة، ومنه ما يُنزع، وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة، وإنما يلبس المدبوغة مما كان يعمل بالطائف وغيره أهل الرفاهية، كما قال شاعرهم:
يحذى نعال السبت ليس [بتوأم] (٧).
والسين فى جميع هذه الكلمات مكسورة، والأصح [عندى] (٨) أن يكون اشتقاقها
стр. 2108
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِى الغَرْزِ، وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ ذِى الحُلَيْفَةِ.
٢٨ - (...) وحدّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً.
٢٩ - (...) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ بِذِى الحُلَيْفَةِ. ثُمَّ يُهِلُّ حِينَ تَسْتَوِى بِهِ قَائِمَةً.
ــ
وإضافتها إلى السبت، الذى هو الجلد المدبوغ، أو لدباغه بكسر السين فى نسبتها، ولو كانت من السِبْت الذى هو الحلقُ - كما قال الأزهرى وغيره - كان سَبَتيةً بالفتح، ولم يروها أحد فى هذا الحديث ولا غيره ولا فى الشعر فيما علمته إلا بالكسر.
قال الإمام: وقوله: " إذا وضع رجله فى الغرز ": هو ركاب الناقة.
стр. 2109
(٦) باب الصلاة فى مسجد ذى الحليفة
٣٠ - (١١٨٨) وحدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى - قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ - أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنِ عَبْد اللهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِى الحُلَيْفَةِ مبدَأَهُ، وَصَلَّى فِى مَسْجِدِهَا.
ــ
وقوله: " بات رسول الله ﷺ بذى الحليفة مُبدأه وصلى فى مسجدها ": ليس المبيت بها من السُنن، ولا من حدود الحج، لكن من فعله تأسياً بالنبى ﷺ فحسنٌ.
وقوله: " مبدأه " بضم الميم وفتحها وسكون الباء [أى] (١) ابتدأ حجَّه.
стр. 2110
(٧) باب الطيب للمحرم عند الإحرام
٣١ - (١١٨٩) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ.
٣٢ - (...) وحدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيدِى لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ.
٣٣ - (...) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عبدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ.
ــ
وقول عائشة: " كنت أطيَّبه لِحلِّهِ ولحرمه ": الحرم: الإحرام بالحج.
قال القاضى: ضبطناه بالوجهين هنا، والضَّمُ أكثر، وبالضم وحده ضبطناه فى كتاب الهروى [فى] (١) هذا الحديث على شيخنا أبى الحسين وفسره بالإحرام (٢)، وأنكر ثابت فى دلائله ضم المحدثين له، وقال: الصواب الكسر، كما يقال (٣): لحله، وكما فى هذا الحديث. وقرئ: " وحِرْمٌ عَلَى قَرْية " (٤) بالكسر.
وهذا الحديث مما يحتج به المخالفُ فى جواز تطيب المحرم لإحرامه، واستدامته، وإنما يمنع (٥) مما يستأنفه بعد الإحرام، وهو قول الشافعى وأبى حنيفة والثورى وفقهاء أصحاب الحديث، وجماعة من الصحابة والتابعين (٦). وخالفهم جماعة أخرى من الصحابة
стр. 2111
٣٤ - (...) وحدَّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحِلِّهِ وَلِحُرْمِهِ.
٣٥ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ - أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ وَالقَاسِمَ يخْبرَانِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدِى بِذَرِيرَةٍ - فِى حَجَّةِ الوَدَاعِ - لَلْحِلِّ وَالإِحْرَامِ.
٣٦ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا -: بِأَىِّ شَىْءٍ طَيَّبْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ حُرْمِهِ؟ قَالَتْ: بِأَطْيَبِ الطِّيبِ.
ــ
والتابعين (١)، ومالك والزهرى ومحمد بن الحسن فمنعوه، واحتجوا بحديث لابس الجُبة المتطيب المتقدم، وتأوَّلَ من قال بهذا حديث عائشة: أَنَّه طيبٌ لا يبقى له ريحٌ [أو أنه] (٢) أذهبه غسل الإحرام، ويعضد هذا التأويل الآخر ما ذكره مسلم فى الحديث بعد: " طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرمًا "، فقد ظهرت عِلَّة تطييبه إنما كانت لمباشرة نسائه، وأن غسله بعد ذلك منهن، وغسله للإحرام أذهبه، لاسيما وقد ذُكر عنه أنه كان يتطهر من كل واحدةٍ قبل مواقعة الأخرى، فأى طيب يبقى بعد أغسال كثيرة؟ ويكون قولها: " ثم أصبح ينضَخُ طيباً " بالخاء المعجمة، أى قبل غسلهِ وإحرامه، وقد جاء فى رواية شعبة فى هذا: " ثم يصبح (٣) محرماً ينضخ طيباً "، أى يصبح بنية الإحرام، أو يكون فيه تقديم وتأخير، أى فطاف على نسائه ينضخُ طيباً ثم يصبح محرماً، وقد ثبت أن الطيب الذى طيبته به فى كتاب مسلم أَنَّه " ذريرة " وهى مما يُذهبها الغسل، ولا يبقى ريحُها بعده.
وقولها: " بأطيب الطيب "، و " بأطيب ما أجد ". وبقولها (٤): [وفيه مسك] (٥) وهى الذريرة التى ذكرت والله أعلم، كانت مُمَسَّكَةً.
стр. 2112
٣٧ - (...) وحدَّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَأَطْيَبِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، ثُمَّ يُحْرِمُ.
٣٨ - (...) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ أَبِى الرِّجَالِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ، بِأَطْيَبِ مَا وَجَدْتُ.
٣٩ - (١١٩٠) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَسَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ وَخَلَفُ ابْنُ هِشَامٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيْبِ فِى مَفْرِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَلَمْ يَقُلْ خَلَفٌ: وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: وَذَاكَ طِيبُ إِحْرَامِهِ.
٤٠ - (...) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الأَعْمِشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
ــ
وفيه جواز استعمال المسك والتطيب به وطهارته، وقد ذكر بعضهم الإجماع عليه (١). وقد جاء فيه عن بعض السلف خلاف ما ذكرناه فى غير هذا الموضع مع تمام المسألة فيه (٢). وكل هذا يرد قول من تأول الحديث أنه من طيبٍ لا ريح له.
وأما قولها فى الأحاديث الأخر: " كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم " لا امتراء أن جسم الطيب وريحَه يذهبه الغسل للإحرام، ويبقى أثر دهنه فى الشعر، وقد بينته بقولها فى الرواية الأخرى: " ثم أرى وبيص الدهن فى رأسه ولحيته بعد ذلك " وبقية أثر الدهن وزينيَّة (٣) الطيب بعد ذهاب ريحه لا حكم لها، ولا
٤٩ - (...) وحدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ: لأَنْ أُصْبِحَ مُطَّلِيًا بِقَطِرانٍ، أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنَّ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - فَأَخْبَرْتُهَا بِقَوْلِهِ. فَقَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَطَافَ فِى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا.
ــ
رواية العذرى: " ينضخ بالطيب "، وقيل: النضخ كاللطخ، وقيل: النضخ ما يبقى له أثر، وقيل: النضخ دون النضح، وقيل بعكسه، وهذا أكثر وأشهر، واختلف أصحابنا فى تأويل المذهب فى استعمال الطيب قبل الإحرام، فحكى القاضى أبو الحسن أنه على الكراهة، ونحوه لابن عبد الحكم. واختلفوا هل عليه دم أم لا؟ وقولها: " ولحِلِّه ": فأما بعد تمام النسك، والحِلاق وطواف الإفاضة، وتمام عمل الحج فلا خلاف فيه ولا كراهة، وهذا يأتى على قولها فى بعض الأحاديث: " لحله " وأما على أكثر الروايات: " ولحلِّه قبل أن يفيض "، وإنما يكون بعد رمى جمرة العقبة، فكرهه مالك ولم ير عليه دماً، وعامة العلماء على جواز ذلك حينئذ، وحجتهم هذا الحديث.
وقوله: " لحله قبل أن يفيض ": دليل على أنه حِلّ، ولا خلاف أنه أحدُ الحلين وأنه حل من كل ما حرم على الحج إلا النساء، فأجمع أنهن غير حل له حتى يطوف. واختلف فى الطيب والصيد، فعامة العلماء على إباحة ذلك [له] (١)، ومالك يمنع منهما.
стр. 2116
(٨) باب تحريم الصيد للمحرم
٥٠ - (١١٩٣) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِىِّ؛ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
قَالَ: فَلَمَّا أَنْ رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا فِى وَجْهِى، قَالَ: " إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ، إِلا أَنَا حُرُمٌ ".
٥١ - (...) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ ابْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمِيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَهْدَيْتُ لَهُ حِمَارَ وَحْشٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. وَفِى حَدِيثِ اللَّيْثِ وَصَالِحٍ: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَخْبَرَهُ.
٥٢ - (...) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: أَهْدَيْتُ لَهُ مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ.
ــ
وحديث الصَّعْبِ بن جَثَّامَة: " أنه أهدى للنبى ﷺ حمارَ وحْشٍ وهو مُحرمٌ فرده عليه "، قال الإمام: بوّب البخارى على هذا الحديث (١) ما دل على أنه تأول أنَّ الحمار كان حياً، فعلى هذا يكون فيه حجة على أن المحرم يرسل ما كان بيده من صيد، وفيه أيضاً أن الهبة لا تدخل فى ملك الموهوب إلا بالقبول [لها] (٢)، وأن قدرته على ملكها لا تصيره مالكاً لها، وفيه إشارة إلى صحة القول بان من وهب لرجل أو أوصى له بمن (٣) يعتق عليه أنه لا يعتق عليه حتى يَقبله، وأنه لا يدخل فى ملكه قبل قبوله إياه وفيه تقوية لأحد القولين أن من اشترى إياه بالخيار لم يُعتق عليه؛ لأنه لم يجعله لقدرته على أن يملك بالقبول مالكاً،
стр. 2117
٥٣ - (١١٩٤) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: " لَوْلا أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ ".
ــ
وانظر هل يصح أن يحمل [على هذا] (١) أن الهبة تدخل فى الملك من قبل أن تقبلها فيكون إنما لم يُرسل الحمار لأنه لم يكن فى يد النبى ﷺ ، فأشبه من أحرم وفى نيته صيدٌ. فيقال: لا (٢) يصح هذا؛ لأنه ﵇ لو ملك الحمار لم يردَّه عليه فيكون قد عرَّض به للقتل، ولو أن محرماً فى نيته صيدٌ لم يبتغ أن يهبه فى حال الإحرام لمن يستبيح ذبحه، فيكون كمن عرّض بصيد للقتل.
وقد اختلف مالك والشافعى فيمن أحرم وفى نيته صيد، هل يرسله أم لا؟ وسبب الخلاف بينهما قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٣)، هل المراد بالصيد ها هنا الاصطياد، فلا يجبُ أن يرسل ما فى البيت من صيد؟ أو المصيد نفسه الذى هو الصيد فيرسله وإن كان يقدم اصطياده له قبل الإحرام؟ وفى بعض طرق حديث الصعب بن جثامة ما يقدح فى تأويل من تأول الحديث على أن الحمار حىّ، وهو قوله فيه: " رجْلُ حمارٍ "، [وفى طريق آخر: " عجز حمار وحشى يقطر دماً، وفى طريق آخر: " شق حمار] (٤)، وفى رواية زيد بن أرقم: أهدى للنبى ﵇ عضو من لحم صيدٍ فردَّه. وقال: " إنّا لا نأكله، إِنَّا حرمٌ " وبهذه الروايات يحتج مَنْ يقول من الناس: إن المحرم لا يأكل لحم صيد وإن لم يصد من أجله، ويذكر ذلك عن على وابن عباس وابن عمر وتلا: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وحمل الصيد على المصيد، والحجة على هؤلاء حديث أبى قتادة المذكور بعد هذا وفيه: أنه ﵇ أكل لحم الصيد، وأباحه لغيره من المحرمين ويمكن بناء حديث أبى قتادة مع حديث زيد على مذهب مالك، فيقال: امتنع من الأكل فى حديث زيد لأنه صيد من أجله، ولم يمتنع فى حديث أبى قتادة لأنه لم يصد من أجله، لكن قد يقدح فى هذا البناء أنه ﵇ إنما علل امتناع أكله بأنه حرم، ولم يقل: إنه صيد من أجلى.
стр. 2118
٥٤ - (...) وحدَّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا يُحَدِّثُ عَنِ الحَكَمِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا.
فِى رِوَايَةِ مَنْصُورٍ عَنِ الحَكَمِ: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ.
وَفِى رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنِ الحَكَمِ: عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا.
وَفِى رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبٍ: أُهْدِىَ لِلنَّبِىِّ ﷺ شِقُّ حِمَارِ وَحْشٍ فَرَدَّهُ.
ــ
قال القاضى: إلى الجمع بين الأحاديث أشار القاضى إسماعيل، وأن حديث الصعب إما أن يكون حياً كما روى عن مالك وغيره، أو صيد من أجل النبى ﷺ ، وليس اعتذاره بـ " إنا حرم " بالذى يقدح فى هذا التأويل، إذ لم يذكر فيه: من أجله، إذ ليس كل صَيْدٍ [صِيدَ] (١) من أجل أحد يحرم [على من يكون محرماً] (٢).
وقوله: فى بعض الروايات: " يقطر دماً ": يدل على قرب صيده، ويشعر أنه صيد من أجله، لكن يبقى (٣) على هذا أن النبى ﵇ قد تركه له، ولو كان صيد من أجله لم يحل له ولا لغيره على ما تقدم. وقال الأصيلى: إنما رد رسول الله ﷺ حمار الصعب، وقيل: حمار البهْزى (٤)، وأمر بقسمته بين الرفاق؛ لأن البهزى كان رجلاً متكسباً بصيده فحمله ﵇ على عادته لا من أجله، ورد حمار الصعب لظنه أنه صاده من أجله لتحققه [أنه] (٥) بطريق النبى ﷺ ، وكذلك إباحته حمار أبى قتادة لصيده إياه لنفسه وأصحابه المحلين.
وأجمع المسلمون على تحريم الاصطياد لما يؤكل من حيوان البر على المحرم، فى الحرم كان أو خارجه، وأن عليه جزاءه، وأن أكلَهُ عليه حَرامٌ، وأنه لا يجوز له قبول الصيد إذا
стр. 2119
٥٥ - (١١٩٥) وحدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ:
ــ
وهب له بعد إحرامه، ولا شراؤه، ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه وهو محرم. واختلف فى حكم صيد المحرم لغيره، وكافة العلماء على أن ما قتله المحرم من الصيد أو ذبحه خطأ أو عمداً أو ابتدأ أو عوداً فهو سواء فى الجزاء والإثم، إلا الخاطئ فلا إثم عليه، وأن الصيد فى كل هذا لا يؤكل وهو بمنزلة الميتة، وذهب الحسن وسفيان، وأبو ثور، والحكم فى آخرين أنه يؤكل بمنزلة ذبيحة السارق، وروى عن الشافعى، والأول أصح عنه، وقال قوم: هذا فى المتعمد، وأما الخاطئ فلا جزاء عليه؛ لقوله [تعالى] (١): ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ (٢)، وهو قول جماعة من السلف، وأبى ثور. وقال بعضهم: إن عاد المتعمد فلا جزاء عليه، وإثمه أعظم لقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْه﴾، وقال مجاهد مثله ممن تعمد ذاكراً لإحرامه.
واختلفوا فيما صاده [الحلال، هل يأكل منه] (٣) المحرم؟ فذهب مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أن المحرم يأكل منه ما لم يُصَدْ من أجله، قال مالك وأصحابه: فإن صيد من أجله لم يأكله (٤) هو ولا غيره فهو (٥) كالميتة، قيل: وهذا فيما صيد له بعد إحرامه من أجله، وأما قبل أن يحرم فله أكله بعد اصطياده، كان من أجله أم لا، كما لو صاده (٦) حينئذ، وكذا فسره مالك، وروى عن عطاء، وابن عباس نحوه، وقال جماعة من السلف وأهل الرأى: إن المحرم يأكل من كل الصيد إذا صاده الحلال أو ذبحه، وذهبت طائفة من السلف أن المحرم لا يأكل الصيد كله، وهو قول سفيان وإسحاق، وذكر نحوه عن مالك والليث، وقيل: إنما يحرم على المحرم المصيد له وحده دون غيره من محرم وحلال، وهو مذهب عثمان ﵀.
وفى اعتذار النبى ﵇ دليل على استجاز قبول هدية الصديق، وكراهة ردها لما يقع فى نفسه، ألا ترى تطييب النبى ﵇ قلبه بذكره [له] (٧) عند رده لهما، وجواز رد ما لا يجوز للمهدى إليه الانتفاع به؟!
وقوله: " لم نَرُدَّه عليك ": كذا رواية المحدثين فى هذا الحرف بفتح الدال، ورده
стр. 2120
قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ: كَيْفَ أَخْبَرْتَنِى عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِىَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ حَرَامٌ؟ قَالَ: قَال: أُهْدِىَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ. فَقَالَ: " إِنَّا لا نَأْكُلُهُ، إِنَّا حُرُمٌ ".
٥٦ - (١١٩٦) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحٍ بْنِ كَيْسَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالقَاحَةِ فَمِنَّا المُحْرِمُ وَمِنَّا غَيْرُ المُحْرِمِ، إِذْ بَصُرْتُ بِأَصْحَابِى يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ، فَأَسْرَجْتُ فَرَسِى وَأَخْذْتُ رُمْحِى، ثُمَّ رَكِبْتُ، فَسَقَطَ مِنِّى سَوْطِى، فَقُلْتُ لأَصْحَابِى - وَكَانُوا مُحْرِمِينَ -: نَاوِلُونِى السَّوْطَ. فَقَالُوا: وَاللهِ، لا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَىْءٍ. فَنَزَلْتُ فَتَنَاوَلْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ، فَأَدْرَكْتُ الحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِى فَعَقَرْتُه، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِى. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
ــ
محققو شيوخنا من أهل العربية: " [لم] (١) نردُه " بضم الدال، وكذا وجدته بخط بعض الأشياخ - أيضاً - وهو الصواب عندهم على مذهب سيبويه فى مثل هذا من المضاعف، إذا دخلت الهاء أن يضم ما قبلها فى الأمر ونحوه من المجزوم، مراعاة للواو التى توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء؛ فكان ما قبلها ولى الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضموماً، وهذا فى المذكر، وأما المؤنث مثل: لم نردها وأختها، فمفتوح الدال مراعاة للألف.
قال الإمام: وفى حديث أبى قتادة أنهم قالوا له: لا نُعِينُك عليه، وسألهم ﵇: " هل أعانوه؟ ": وفى إطلاق المعونة حجة على أبى حنيفة الذى يرى أن المعونة لا تؤثر، إلا أن يكون الصيد لا يصح صيده دونها، وهذا الحديث هاهنا إنما ذكر فيه معونة مطلقة ولم يشترط، وذكر فيه أن بعضهم أكل من الصيد، وبعضهم لم يأكل، وأنه ﵇ لم يَلُمْ أحداً منهم على ما فعل، وهو دليل على أن الاجتهاد فى مسائل الفروع يسوغ.
قال القاضى: قيل: إنما جاز (٢) بقاء أبى قتادة هاهنا غير محرم، أنه لم يكن وقت المواقيت بعدُ، وقيل: لأن النبى ﷺ كان بعثه فى أصحابه لكشف عدو لهم لجهة الساحل
стр. 2121
لا تَأْكلُوهُ. وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ أَمَامَنَا، فَحَرَّكْتُ فَرَسِى فَأَدْرَكْتُهُ. فَقَالَ: " هُوَ حَلالٌ، فَكُلُوهُ ".
٥٧ - (...) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا. فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَنَالُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبُوْا عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبُوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: " إِنَّمَا هِىَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ ".
٥٨ - (...) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - فِى حِمَارِ الوَحْشِ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِى النَّضْرِ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَىْءٌ؟ ".
ــ
على ما ذكره مسلم، وقيل: لعله لم ينو معهم حجاً، وهذا بعيد، وقيل: بل أرسله أهل المدينة إلى النبى ﷺ يعلموه أن بعض العرب تنوى غزو المدينة.
والأبواء، بفتح الهمزة ممدود، قرية من أعمال الفُرْع، بينها وبين الجحفة مما يلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً. وَوَدَّان، بفتح الواو كذلك، بينهما نحو ثمانية أميال بقرب من الجحفة. والسقيا: قريةٌ جامعة هناك - أيضاً - بينها وبين الفرع مما يلى الجحفة سبعة عشر ميلاً. وتَعْهَن، بفتح التاء وكسرها وسكون العين، وروايتنا عن أكثرهم بالكسر، وكذا قيدها البكرى فى معجمه، وبلغنى عن أبى ذر أنه قال: سمعت العرب يقولها بضم التاء وفتح العين وكسر الهاء، وهى عين ماءٍ على ثلاثة أميال من السقيا. ومعنى " قائل السقيا ": أى يقبل بها. والقاحة، بالقاف والحاء المهملة مخففة، وادٍ على ميل من السقيا، وهو وادٍ القَبَاديد، على ثلاث مراحل من المدينة، كذا قيدها الناس بالقاف ورواها بعض الرواة عن البخارى بالفاء (١)، ولعله وَهمٌ، والصواب القاف. وغيقة، بالغين
стр. 2122
٥٩ - (...) وحدَّثنا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ السُّلَمِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِى قَتَادَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ أَبِى مَعَ رسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ عَدُوا بِغِيْقَةَ. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ، يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، إِذْ نَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ. فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يَعِينُونِى، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشَيْنَا أَنْ نُقْتَطَعَ. فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُرَفِّعُ فَرَسِى - أَرْفَعُ فَرَسِى - شَأْوًا، وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ غِفَارٍ فِى جَوْفِ اللَّيْلِ. فَقُلْتُ: أَيْنَ لَقِيتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتِعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا، فَلَحِقْتُهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَصحَابَكَ يَقْرَؤُونَ عَلَيْكَ السَّلامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُوَنَكَ، انْتَظرْهُمْ، فَانْتَظَرَهُمْ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى أَصَدْتُ وَمَعِى مِنْهُ فَاضِلَةٌ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِلْقَوْمِ: " كُلُوا " وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
ــ
المعجمة المفتوحة وبالقاف وبينهما ياء باثنتين تحتها، موضع من بلاد (١) بنى غفار بين مكة والمدينة، وقيل: هو قليبُ ماء لبنى ثعلبة.
وقوله: " فجعل يضحك بعضهم إلى بعض " ليس فيه دليل على إشارتهم إليه به، وجمهور العلماء على أنه [لا يجوز] (٢) للمحرم أن يشير إلى الحلال بالصيد، ولا يدله عليه، وأجاز ذلك المزنى. وما جاء فى رواية العُذْرى: " فجعل بعضهم يضحك إلىَّ " خطأ وتصحيف، إنما سقط بعده [بعض] (٣) على ما جاء فى سائر الروايات [و] (٤) الأحاديث، ولو ضحكوا إليه لكانت أكبر إشارة، وقد سألهم النبى ﷺ فى هذا الحديث: " هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ "، قالوا: لا، قال: " فكلوا "، وإذا دل المحرم الحلال على الصيد لم يؤكل.
واختلف فى وجوب الجزاء على الدال، فقال مالك والشافعى وأبو ثور: لا شىء عليه، وقال الكوفيون، وأحمد وإسحاق، وجماعة من الصحابة والتابعين: عليه الجزاء. وكذلك اختلفوا إذا دل محرمٌ محرماً، فذهب الكوفيون، وأشهب من أصحابنا [إلى] (٥) أن على واحد منهما جزاءٌ، وقال الشافعى ومالك وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل وحده،
حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - وَهُوَ ابْنُ سَلامٍ - أَخْبَرَنِى يَحْيَى، أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِى قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَبَاهُ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ الحُدَيْبِيَةِ. قَالَ: فَأَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ، غَيْرِى. قَالَ: فَاصْطَدْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، فَأَطَعَمْتُ أَصْحَابِى وَهُمْ مُحْرِمُونَ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَنْبَأَتُهُ أَنَّ عِنْدَنَا مِنْ لَحْمِهِ فَاضِلَةً. فَقَالَ: " كُلُوهُ " وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
٦٣ - (...) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازَمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُحِلٌّ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَفيه: فَقَالَ: " هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَىْءٌ؟ ". قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ. قَالَ: فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَكَلَهَا.
٦٤ - (...) وحدَّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَإِسْحَاقُ عَنْ جَرِيرٍ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ. قَالَ: كَانَ أَبُو قَتَادَةَ فى نَفَرٍ مُحْرِمِينَ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُحِلٌّ. وَاقْتَصَّ الحَدِيثَ. وَفيه: قَالَ: " هَلْ أَشَارَ إِليهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ أَوْ أَمَرَهُ بِشَىْءٍ؟ " قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " فَكُلُوا ".
ــ
وقول النبى ﷺ : " هل منكم أحد أمره وأشار إليه؟ " قالوا: لا دليل واضح [فى] (١) أن للإشارة تأثيراً (٢) فى الصيد والجزاء، وفسر شيوخنا هذه الإشارة المؤثرة والدلالة: أن يكون ليصطاد للمشير، والدال والكلام فى أكل ما كان بهذه السبيل كالكلام فيما ذبحه المحرم أو صاده. وقال الداودى في هذا الحديث: إن المحرم إذا ضحك ليفطن الحلال بالصيد لم يمنع من أكله، وهو نحو مما تقدم، وليس فى الحديث أنهم ضحكوا لينبهوه، ولعلهم إنما ضحكوا إعجاباً بتأتى هذا الصيد، وتأتى صائدة الحلال ولم يفطن له.
وقوله: " هل معكم من لحمه شىء؟ " وأكله منه، وقوله لهم: " كلوه ": دليل واضح على جواز أكل المحرم ما صاده الحلال، إذا لم يُصَدْ من أجله، وقد تقدم الكلام فيه قبل.
وقوله: " هل معكم من لحمه شىء؟ " وأكله منه: إنما فعل ذلك استطابة لنفوسهم لا على المسألة، وعندى أن ذلك ليبين لهم أكله، وجواز ذلك ابتداء؛ لأنه قال - لما قالوا: نعم -: " كلوه ".
стр. 2125
٦٥ - (١١٩٧) حدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِىَ لَهُ طَيْرٌ، وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ. فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ، وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رسُولِ اللهِ ﷺ .
ــ
وقوله: " ارفع إلى شأوا " الشأو (١): الطَّلَقُ والغاية، أى أجريته طلقاً وأرجته من الجرى أخر.
وقوله: " هل أشرتم أو أعَنْتم أو أصدتم؟ ": كذا رويناه بتخفيف الصاد فى حديث شعبة فى اللفظ الأول، ومعناه: أمرتم بالصيد، أو جعلتم من يصيد، وقيل: معناه: أثرتم الصيد من موضعه، يقال: أصَدْتُهُ مخفف، أى أثرتُه، وهو أولى ممن رواه: " صدتم " أو " أصدتم؟ " بالشدِ؛ إذ قد علم ﵇ أنهم لم يصيدوا، وإنما سألوه عن صيد غيرهم.
وقوله: " فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكله " قيل: معناه: وفقتُ، أى صوّب له ذلك، كذا ضبطنا اللفظة عن كافة شيوخنا، وغيْرها خطأ.
وقوله: فى الرواية الأخرى: عن يحيى بن أبى كثير، عن [ابن] (٢) أبى قتادة: انطلق أبى مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، وفى رواية ابن موهب عنه [عن أبيه] (٣) فى الحديث: خرج رسول الله ﷺ [حاجاً] (٤)، وخرجنا معه.
стр. 2126
(٩) باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب فى الحلّ والحرم
٦٦ - (١١٩٨) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدِ اللهِ بْنَ مِقْسَمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " أَرْبَعٌ كُلَّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِى الحَلِّ وَالحَرَمِ: الحِدَأَةُ، وَالغُرَابُ، وَالفَارَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ ".
ــ
وقوله ﵇ فى حديث القاسم عن عائشة: " أربعٌ كُلهن فاسق (١) يُقتلن فى الحل والحرم: الحِدَأَة، والغراب، والفارة، والكلب العقور "، وفى حديث سعيد عنها: " خمس " وزاد " الحية "، وفى حديث عروة عنها: " خمس "، وقال: " العقرب " مكان " الحية " ومثله فى حديث ابن عمر وحفصة، وفى الرواية الأخرى عن ابن عمر زاد " الحية والعقرب " فجاءت ستة، وذكر فى حديث سعيد بن المسيب عن عائشة: " الغراب الأَبْقَعُ "، وفى غير كتاب مسلم (٢) ذكر " الأفعى " فيها فهى سبعة، قال الإمام: مالك والشافعى يريان [أن] (٣) التحريم يتعلق (٤) بمعانى هذه الخمس دون أسمائها، وأنها إنما ذكرت لينبه بها على ما شاركها فى العلة، لكنهما اختلفا فى العلة ما هى؟ فقال الشافعى: العِلةُ أن لحومها لا تؤكل، وكذلك كل ما لا يؤكل لحمهُ من الصيد مثلها، ورأى مالك (٥): أن العلة كونها مُضِرة، وأنه إنما ذكر الكلب العقور؛ لينبه به على ما يضر بالأبدان على جهة المواجهة والمغالبة، وذكر العقرب؛ لينبه به على ما يضر بالأجسام على جهة الاختلاس، وذكر الحدأة والغراب؛ للتنبيه على ما يضر بالأموال مُجاهرة وذكر الفأرة؛ للتنبيه على ما يضر بالأموال اختفاء.
وقد اختلف فى المراد بقوله: " الكلب العقور "، فقيل: هو الكلب المألوف، وقيل: المراد به كل ما يفترس لأنه يسمى فى اللغة كلباً، ومذهب مالك أن ما لا يتبَدى جنسُه
стр. 2127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالأذى كسباع الطير لا يقتل، إلا أن يخافه المرء على نفسه فتؤدى مدافعته إياها إلى قتلها فلا شىء عليه. وأما صغار ما يجوز قتله، فهل يقتل أم لا؟ فيه قولان، فعلى القول بأنها لا تقتل، فإن (١) قتلت هل على قاتلها جزاء؟ فيه قولان.
قال القاضى: ومعنى تسميتها فواسق: أصل الفسق فى كلام العرب الخروج، وسمى الفاسق لخروجه عن أمر الله، وطريق طاعته، قيل: فسميت هذه لخروجها عن الحرمة التى لغيرهن وأن قتلهن للمحرم. وفى الحرم مُباحٌ، وهذان (٢) الوجهان أولى ما قيل فيهما من قول الفَرَّاء: سُميت الفأرة بذلك لخروجها من جُحْرها، [وهو] (٣) قول ابن قتيبة: سُمى الغراب بذلك لتخلفه عن نوح؛ إذ يسمى كل متخلف وكل خارج فاسقاً فى عرف الاستعمال، وكذلك قول من قال: سُميت بذلك من التحريم؛ لقوله تعالى بعد ذكر المحرمات: ﴿ذَلِكُمْ فِسْق﴾ (٤)، ولقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه﴾ (٥)؛ إذا ليس المراد هنا بالفسق مجرد الأكل، بل الأفعال المنهى عنها، ولا خلاف بين العلماء فى استعمال هذا الحديث والأخذ به، وجواز قتل ما ذكر فيه للمحرم، إلا شذوذاً يروى عن على ومجاهد: لا يُقتل الغراب، ولكن يرمى (٦)، ولا يصح عن على. وروى فى ذلك حديث فيما يقتل المحرم، وفيه: " ويرمى الغراب ولا يقتله " (٧)، وقالت طائفة أخرى: لا يقتل من الغربان إلا الأبقع، وهو الذى فى بطنه وظهره بياض، على ما جاء فى حديث سعيد عن عائشة.
وحكى الباجى (٨) عن النخعى: أنه لا يقتل المحرم الفأرة فإن قتلها فداها، وهذا خلافُ النص، وحكى الخطابى (٩) عن مالك أنه لا يقتل الغراب الصغير، وتأول أنه نوع من الغربان تأكل الحب، وعندى أنه تحريف على مالك من قوله فى قتل صغارها، يعنى فراخها، فمالك وكثير من أصحابه يقولون: لا يقتلها المحرم حتى تكبر وتؤذى؛ لأن صغارها لا تؤذى. ولم يرد مالك بصغار الغربان جنساً دون جنس.
واختلف العلماء هل المراد بما سمى فى الحديث أعيانها أم التنبيه على المعانى المتأذى به منها؟ فظاهر قول جمهورهم على أن المراد أعيانها لأمور اختصت بها وتسميتها فواسق، وهو ظاهر قول مالك وأبى حنيفة، قال مالك (١٠): لا يقتل المحرم الوزغ وإن قتله فداه، ولا يقتل خنزيراً، ولا قرداً مما لا ينطلق عليه اسم كلبٍ فى اللغة؛ إذ جعل الكلب صفة
стр. 2128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا اسماً. وهو قول كافة العلماء، وأنه لا يختص بالكلب نفسه، ولا من الطير ذوات المخالب سوى ما ذكر فى الحديث، وقال: إنما قال رسول الله ﷺ : " خمس "، فليس لأحدٍ أن يجعلهن ستاً ولا سبعاً (١). ورأى أن لفظة الكلب لم يختص بالإنسىّ، وأنها تنطلق على كل عادٍ مفترس غالباً كالسباع والنمور والفهد والذئب، ووافقه أكثر العلماء على أنه لم يرد بالكلب المسمى به عرفاً، بل كل ما ينطلق عليه هذا الاسم فى السباع العادية المفترسة، وهو قول الثورى (٢) وأحمد وابن عيينة، وزيد بن أسلم (٣)، وإليه نحا الشافعى، وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بنُ صالح والأوزاعى: يقصر اسم الكلب على الكلب العرْفى، وقالوا: الذئب مثله، وحمل زفر الكلب (٤) على الذئب وحده.
وقيل: بل المراد بتعيين هذه الخمسة التنبيه على ما شابهها فى الأذى، وقاسوا سائر السباع على الكلب العقور، وسائر ما يتصدى للافتراس من السباع، وعلى الحدأة والغراب ما فى معناهما (٥)، وإنما خص لقربهما من الناس، ولو وجد ذلك من الرخم (٦) والنسور لكانت مثلها، وكذلك نبه بالفأرة على ما ضرره مثلها وأشدّ منها كالوزغ، وكذلك نبه بالعقرب على الزنبور (٧)، وبالحية والأفعى على أشباهها من ذوات السموم والمهلكات، وإلى هذا نحا القاضى أبو الحسن بن القصار فى تفسير المذهب، وذهب الشافعى إلى أن التنبيه بذكر ما ذكر على تحريم أكلهن وجعله العلة فى كل ما يقتله المحرم، فيقتل عنده كل سبع، وكل ذى مخلبٍ من الطير كالنسور والرخم، وكذلك البازى، وكل ما ليس بصيد، ويقتل صغار كل ذلك عنده وكباره، ولا يقتل عنده الضبع والثعلب والهر لجواز أكلها عندهم، وكذلك لا يقتل عنده السِّمْع (٨)، ولا يقتلها - أيضاً - عند مالك؛ لأنها ليست من المفترسة غالباً، ولا مما يُسَمى كلباً، ولا عند أبى حنيفة؛ لأنها ليست مما نص عليه.
واتفقوا على أن كل سبع مما رأوا قتله ابتداء جائزاً (٩)، أو مما لا يرى منهم أحد قتله أنه إذا ابتدأ المحرم وخافه أنه يقتله ولا فدية عليه، كما لو ساوره (١٠) ابن آدم، إلا زفر
стр. 2129
قَالَ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ: أَفَرَأَيْتَ الحَيَّةَ؟ قَالَ: تُقْتَلُ بِصُغْرٍ لَهَا.
٦٧ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ:
ــ
فمن قتل عنده ما لا يباح (١) له قتله ابتداءً فداه، وإن صال عليه، ووقع لبعض أصحابنا فى سباع الطير غير الحدأة والغراب إذا قتلها المحرم الفدية، وإن ابتدأته، والمعروف خلافه، وروى عن مالك - أيضاً - فى الغراب والحدأة أنه لا يقتلها المحرم إلا أن تبتديه، والمشهور والظاهر من مذهبه خلافه كما تقدم، وروى عنه - أيضاً - فى الذئب أنه لا يقتله (٢) المحرم ابتداءً، وكأنه ضعف عنده أمر افتراسه غالباً، والله أعلم. ولم يختلف فى قتل الحية والعقرب، ولا اختلف (٣) فى قتل الحلال الوزغ فى الحرم. قال مالك: ولو تركت لكثرت، وشأن المحرم يسير، وقد خرج مسلم الأمر بقتلها آخر الكتاب (٤).
والحدأة، بكسر الحاء مهموز، والجمع حِدأٌ مقصور مهموز، وكذا (٥) جاء فى بعض الروايات، وقد يكون مفرداً يراد به المذكر، وأما رواية " الحديا " فكذا جاء هنا مقصوراً. قال ثابت: وصوابه الهمز على معنى التذكير، وإلا فحقيقته الحدياةُ (٦)، وكذا قيده الأصيلى فى صحيح البخارى فى موضع (٧) أو " الحدية " على التسهيل والإدغام.
وقوله [فى] (٨) الحية: " تقتل بصُغر لها ": أى بمذلةٍ وقهرٍ، كما قال: ﴿وَهُمْ صَاغِرُون﴾ (٩)، ومن رواه " صُغْر لها " [بضم الصاد وإسكان الغين ضبطه فى المشارق] (١٠)، فمعناه: أى ذاك (١١) ذلٌّ لها. معنى لفظ " العقور " هنا: الجارح، يقال: سرج مغفر: إذا كان يجرح [ظهر] (١٢) الدابة، قال الشاعر:
.... فتنفست ... كتنفس الظبى العَقير (١٣)
стр. 2130
" خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِى الحِلِّ وَالحَرَمِ: الحَيَّةُ، وَالغُرَابُ الأَبْقَعُ، وَالفَارَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ، وَالحُدَيَّا ".
٦٨ - (...) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِى اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : " خمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِى الحَرَمَ: العَقْرَبُ، والفَارَةُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ ".
(...) وحدُّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٦٩ - (...) وحدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِى الحَرَمِ: الفَارَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالغُرَابُ، وَالحُدَيَّا، وَالكَلْبُ العَقُورُ ".
٧٠ - (...) وحدَّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِى الحِلِّ وَالحَرَمِ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يزَيدَ بْنِ زُرَيْعٍ.
٧١ - (...) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ
ــ
أى المجروح، وقيل: الدهش، وجاء فى أكثر الأحاديث قتل هؤلاء الفواسق فى الحرم، فيقاس عليه قتل كل من يجب قتله فيه، وإقامة الحدود به ممن اجترحها فيه، أو فى غيره ثم لجأ إليه، وهذا قول لمالك وأصحابه والشافعى وغيرهما، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى التفريق بين ما اجترحه خارجاً (١) أو فيه، وبين ما فيه النفس و (٢) غيرها، فقال: ما اجترحه خارجاً ووجب فيه إتلاف النفس من الحدود لا تقام فيه، ويضيق عليه، ولا
стр. 2131
الله ﷺ : " خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلِّهَا فَوَاسِقُ، تُقْتَلُ فِى الحَرَمِ: الغَرَابُ، وَالحَدَأَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَارَةُ ".
٧٢ - (١١٩٩) وحدَّثنى زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " خَمْسٌ لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِى الحَرَمِ وَالإِحْرَامِ: الفَارَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ ".
وَقَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ فِى رِوَايَتِهِ: " فِى الحُرُمِ وَالإِحْرَامِ ".
٧٣ - (١٢٠٠) حدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَتْ حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِىِّ ﷺ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَاسِقٌ، لا
ــ
يُكلمُ ولا يجالس ولا يبايع، حتى يضطر إلى الخروج منه فيقام عليه خارجاً.
وما كان دون النفس أو اجترحه فى الحرم فيقام عليه، وروى عن ابن عباس وعطاء والشعبى والحكم نحوه، إلا أنهم لم يفرقوا بين ما فيه النفس أو غيره، وحجتهم قوله تعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١) والحجة عليهم أن من ضيق عليه هذا التضييق ليس بآمن، ومعنى الآية عندنا وعند أكثر المفسرين: أنه خبر عما كان من قبل الإسلام، وعطفٌ على ما نص فيه (٢) من الآيات، وقيل: آمن من النار، وحكى بعضهم أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُم﴾ (٣)، وروى عن ابن عمر وعائشة مثله، إلا أنه لا يهاج ولا يضيق عليه، فإذا خرج أقيم عليه الحد، وقال آخرون نحوه فى التفريق، إلا أنهم قالوا: يخرج [اللاجئ إليه من غيره] (٤) فيقام عليه الحد خارجاً، وهو قول ابن الزبير والحسن ومجاهد [وحماد] (٥)، وقيل: ظاهر الآية على البيت لا على الحرم. وقد اتفقوا أنه لا يقام ذلك عليه فى البيت ولا فى المسجد، ويخرج (٦) منه فيقام خارجاً؛ لأن المساجد تُنزهُ عن إقامة الحدود.
(١٠) باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية لحلقه، وبيان قدرها
٨٠ - (١٢٠١) وحدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِىَ اللهِ عَنْهُ - قَالَ: أَتَى عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ - قَالَ القَوَارِيرِىُّ: قِدْرٍ لِى. وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: بُرْمَةٍ لِى - وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِى. فَقَالَ: " أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأسِكَ؟ "
ــ
وذكر حديث كعب بن عجرة فى [حلق الرأس] (١)، وقوله ﵇: " هل يؤذيك هوام رأسك؟ " قال: نعم، قال: " فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم [ثلاثة آصع على] (٢) ستة مساكين "، أو " أنسك نسيكة "، [وفى الرواية الأخرى: " أو نسك ما تيسر " وفى الأخرى: " ثم ذبح شاة نسكاً "] (٣)، وفى الأخرى: " أو تصدق بِفَرَقٍ بين ستة مساكين "، " وأطعم فرقاً بين ستة مساكين " والفرق: ثلاثة آصعٍ، وفى الأخرى: " أو أطعم ثلاثة آصُعٍ من تمر على ستة مساكين "، وفى الأخرى: " [أو] (٤) أطعم ستة مساكين نصف صاع طعاماً لكل مسكين "، وكلها أحاديث متفقة المعنى فى التقدير والتخيير، على ما جاء فى كتاب الله تعالى من قوله : ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٥)، إلا ما جاء من التغيير فى رواية العذرى فى حديث عبد الله بن مَعْقلٍ، من رواية ابن أبى شيبة، بقوله: " أو يطعم ستة مساكين، لكل مسكين صاع " (٦) وهو وَهْم، وصوابه: رواية غيره: " لكل مسكينين " على التثنية.
وفى هذا الحديث خلاف آخر فى قوله أولاً: " هلْ عندَك نسك؟ " قال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، أو يُطعم ستة مساكين، ورواية ابن [مثنى] (٧)، وابن بشارٍ: " هل تجد شاة؟ "، وعند ابن ماهان: " شيئاً " وهو وَهمٌ، وأما قوله فى
стр. 2135
قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " فَاحْلِق وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً ".
ــ
بعض الروايات: " أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين ": معناه: مقسومةً على ستة مساكين.
قال الإمام: إن حَلَق رأسه لعذر فعليه أحد ثلاثة أشياء: صيام، أو صدقة، أو نسك. وكذلك إذا حلقه لغير عذر فهو مخير - أيضاً - عندنا (١)، خلافاً لمن قال فى المختار: عليه الدم. وذهب بعض الناس إلى أنه إذا حلق رأسه ناسياً فلا دم عليه.
قال القاضى: مذهب (٢) أبى حنيفة والشافعى وأبى ثور إلى أنه لا يخير مع العمد وعدم الضرورة، ومعظم العلماء على وجوب الدم على الناسى (٣)، وقال الشافعى فى أحد قوليه، وداود وإسحاق: لا دم عليه (٤). وحكم التطييب واللباس فى هذا سواء عند هؤلاء كلهم، على ما تقدم من التخيير، والخلاف فى وجوهه، قال أحمد بن صالح: حديث كعب بن عجرة معمول به عند جميع العلماء.
قال القاضى: ولم يقع فى شىء منه خلاف إلا فى الإطعام، فقد روى عن أبى حنيفة والثورى أن النصف صاع إنما هو البُرّ، وأما من التمر والشعير فصاع لكل مسكين، وهذا خلاف للحديث؛ لنصه على ثلاثة آصُعٍ من تمرٍ على ستة مساكين. ذكره مسلم، وذكر مثله فى الزبيب فى كتاب أبى داود (٥)، وعن أحمد بن حنبل فى روايته: مُدٍّ من البُر أو نصف صاع من غيره (٦)، وكذلك روى عن الحسن وبعض السلف: أن الإطعام لعشرة مساكين، والصيام عشرة أيام ولم يتابَعُوا عليه، واتفق غيرهم ومن جاء بعدهم على ستة مساكين وثلاثة أيام، ونص الحديث يحج هؤلاء المذكورين قبل.
وفى قوله فى الحديث: " أطعم فرقا بين ستة مساكين "، وفى الروايات الأخر: " أطعم ثلاثة آصعٍ ": بيان مقدار الفرق، وأنه - كما قيل -: مقدار خمسة عشر رطلاً، إذ الثلاثة آصُعٍ ستة عشر رطلاً على مذهب أهل الحجاز، وهو بإسكان الراء، وقيل بالفتح أيضاً، وقد تقدم فى الطهارة.
стр. 2136
قَالَ أَيُّوبُ: فَلا أَدْرِى بِأَىِّ ذَلِكَ بَدَأَ.
(...) حدَّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ. بِمِثْلِهِ.
٨١ - (...) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: فِىَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) قَالَ فَأَتَيْتُهُ. فَقَالَ: " ادْنُهْ "، فَدَنَوْتُ. فَقَالَ: " ادْنُهْ "، فَدَنَوْتُ. فَقَالَ ﷺ : " أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ".
قَالَ ابْن عوْنٍ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَمَرَنِى بِفَدْيَةٍ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، مَا تَيَسَّرَ.
٨٢ - (...) وحدَّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى لَيْلَى، حَدَّثَنِى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلاً. فَقَالَ: " أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " فَاحْلِقْ رَأْسَكَ ". قَالَ: فَفِىَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا أَوْ
ــ
وقوله: " انسك شاة " (٢)، وفى الرواية الأخرى: " انسك ما تيسر ": يدل أنه الشاة لتفسيره بها فى الحديث، وتسميتها نسكاً دليل أن فدية الأذى ليس حكمها حكم الهدى فى سوقها إلى مكة، وكذلك الإطعام، وليفعلها حيث شاء، وهو قول مالك وغيره، ولم يختلف قول الشافعى أن الدم والإطعام لا يكون إلا بمكة (٣)، واختلف فيه قول أبى حنيفة، فقال مرة بقول الشافعى، ومرة قال: إنما ذلك فى الدم دون الإطعام، وهو قول أصحابه (٤)، وقول عطاء، ولم يختلف فى الصيام أنه يكون حيث شاء (٥).
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللغْوَ وَالاخْتِلافَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَال رسُولُ اللهِ ﷺ : " قُومُوا ".
ــ
" إن النبى ﷺ اشتد به وجعه، حسبنا كتاب الله ".
وقوله: " أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ": المراد بالمشركين هنا: اليهود، وكذا جاء مفسراً فى غير هذا الحديث. وقد كان المشركون قتلوا ودخلوا فى الإسلام. قال أبو عبيد عن الأصمعى: جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق فى الطول، وأما فى العرض فمن جدة وما والاها إلى أطوار الشام. وقال أبو عبيد: هى ما بين حفر أبى السماوة فى العرض (١) (*).
وإنما سميت جزيرة؛ لإحاطة البحار بها وانقطاعها من الماء. وأصل الجَزْر: القطع، وأضيفت إلى العرب؛ لأنها الأرض التى كانت بأيديهم قبل الإسلام. وذكر الهروى عن مالك: جزيرة العرب المدينة. وقال المغيرة المخزومى: جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة بإخراج على مَنْ كان على غير الإسلام من هذه البلاد، ولا يمنع من التردد فيها مسافرين، وقاله مالك والشافعى وغيرهما، إلا أن الشافعى خص هذا الحكم بالحجاز وحده من أرض العرب والحجاز عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن. قالوا: ويضرب لهم حيث حلوا منه أجل ثلاثة أيام لينظروا فى حوائجهم، كما ضرب لهم ذلك عمر - رضى الله عنه - حين أجلاهم، ولا يدفنون فيه - عند الشافعى - موتاهم، ويخرجون إلى الدفن لغيرها ما لم يتغيروا. وأجاز أبو حنيفة استيطانهم هذه البلاد.
قال الطبرى: سنّ رسول الله ﷺ لأمته إخراج كل من دان بغير الإسلام من كان بلد للمسلمين كانت، مما أسلم عليها أهلها، أو من بلاد العنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم، يريد إما لعمارة أرض ونحوها، كما أبقى عمر - رضى الله عنه - مَنْ أقر من ذمة الشام والعراق لعمارة أرضها، وإنما خص فى هذا الحديث جزيرة العرب لأنه لم يكن يومئذٍ للإسلام ظهور فى غيرها. فأما إقرارهم مع المسلمين فى مصر لم يتقدم لهم عقد صلحٍ قبل عقد الإقرار به فما لا نعلمه عن أئمة الهدى. وذكر أحاديث منها عن النبى ﷺ : " لا يبقى قبلتان بأرض " ومنها إخراج أهل الذمة من الكوفة إلى الحيرة. وعن ابن عباس - رضى الله عنه -: " لا يساكنكم أهل الكتاب فى مضاربها ". قال الطبرى: فالواجب على كل إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه الإسلام، إذا لم يكن من بلادهم التى صولحوا عليها، إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم لعمارتها، فإذا كان فلا يدعوهم فى مصر مع المسلمين أكثر من ثلاثة أيام، وليسكنهم الخارج عنهم، وليمنعهم اتخاذ المساكن فى مصار المسلمين ويبيعها
стр. 2139
(١١) باب جواز الحجامة للمحرم
٨٧ - (١٢٠٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
٨٨ - (١٢٠٣) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا المُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِى عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ احْتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأْسِهِ.
ــ
وقوله: " احتجم النبى ﷺ وهو محرم وسط رأسه ": لا خلاف بين العلماء فى جواز ذلك له للضرورة، حيث كان من رأسه أو جسده، وأما لغير ضرورة فى جسده، وحيث لا يحلق شعراً فجمهورهم على جوازه، وهو قول سحنون من أصحابنا، ومالك يمنعه لغير ضرورة، وروى عن ابن عمر. قال الداودى: وروى عن النبى ﵇ أنه قال فى حجامة وسط الرأس: " شفاء من النعاس والصداع والأضراس " (١). قال الليث: وليس وسط الرأس، لكن فى فاس الرأس وهو مؤخره، وأما وسط الرأس فقد يعمى، وإباحة الحجامة للمحرم لضرورة إخراجه الدم عند هيجانه وغلبته، وخوف تبيّغِهِ فيقتل إن لم يبادر بإخراجه، كما جاء فى الحديث الآخر من أمره ﵇ بذلك لهذه العلة.
واتفقوا إذا احتجم برأسه يحلق لها شعراً أنه يفتدى (٢)، وجمهورهم على أن حكم حلق شعر الجسد كذلك، إلا داود فلا يرى فى حلق شعر الجسد لضرورة الحجامة دماً، والحسن يُوجب عليه الدم فى الحجامة، وفى هذا الحديث حجة لكل ما يدعو إليه المحرم من ضرورة، وزوال أذى عنه، وقطع عرقٍ وَبَطّ جراحٍ، وقطع ما انكسر من أظفاره ولا شىء عليه، ولا خلاف فى هذا.
стр. 2140
(١٢) باب جواز مداواة المحرم عينيه
٨٩ - (١٢٠٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَلَلٍ اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَ أَنِ اضْمدْهُمَا بِالصَّبِرِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ.
٩٠ - (...) وحدَّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنِى نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مَعْمَرٍ رَمِدَتْ عَيْنُهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَكْحُلَهَا فَنَهَاهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُضَمِّدَهَا بِالصَّبِرِ، وَحَدَّثَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ.
ــ
وقوله فى المحرم إذا اشتكى عينيه: " ضمدها بالصبر ": معناه: لطخهما، ولا خلاف فى مثل هذا، إذ ليس بطيب ولا زينة، [ولا] (١) المعاناة بكل الأدوية غير المطيبة، فإن اضطر إلى المطيب افتدى. ولا خلاف أن للمحرم أن يكتحل إذا احتاج إليه، والحجة عندهم ما جاء فى [هذا] (٢) الحديث، ولا فدية عليه فيه ما لم يكن فيه طيب، وأما إن اكتحل فأباحه قوم وكرهه آخرون، وفى مذهبنا فى ذلك قولان: المنع، والكراهة، وعلى القول بالمنع فى إيجاب فدية عليه قولان، وبكراهة ذلك للزينة قال أحمدُ وإسحاق والثورى، وقال الشافعى: لا أرى عليه دماً، رجلاً كان أو امرأة.