← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله: " لأقررْتُ بها عينَك ": قال ثعلب: أقرَّ الله عينه، أى بلغه أمنيته حتى ترضى نفسه وتقر عينهُ، فلا تستشرف لشىء، ومنه قولهم لمن أدرك ثأره: وقعْتَ بِقرك، أى أدرك فؤادك (١) ما كان يتطلع إليه، وقال الأصمعى: معناه: أبرد الله دمعته؛ لأن دمعة الفرح باردة وسمعت الأستاذ أبا الحسين بن الأخضر النحوى يقول فى تفسير هذا: إنه من البرد، كما قال فى ضده من السخن بقوله: أسخن الله عينَه، وذلك أن الذى يرى ما يسوءه يبكى فتسخُن عينُه بالدموع، والذى يرى ما يسرُّه لا يبكى فتبقى عينه باردة، فيكون معنى " أقرَّ الله عينه ": أى أراه ما يسرُّه. وقوله: " فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها ويُعيدُ له تلك المقالة " كذا فى كافة الأصول، وعند جماعة شيوخنا وفى نسخة: " ويعيدان له تلك المقالة " وهو أشبه، يعنى أبا جهل وابن أبى أميَّة المذكورين أوَّل الحديث، المناقضين للنبى ﵇ فى أمره، ويصححه قوله فى الأم فى الحديث الآخر: " ويعودان بتلك المقالة " (٢).

стр. 247

(١٠) باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا ٤٣ - (٢٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ إِبْرَاهِيم، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ ". حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِى بِشْرٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ [[رَسُولَ]] اللهِ ﷺ يَقُولُ، مِثْلَهُ سَوَاءً. ــ وقوله: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنه "، قال الإمام: واختلف الناس فيمن عصى الله من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد فى النار إذا كانت معصية كبيرةً ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له وعُذب فلابد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة. وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره على صحة ما قالت به، قلنا: محمله أنه غُفِرَ له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة، فيكون المعنى فى قوله: " دخل الجنة ": أى دخلها بعد مجازاته بالعذاب، وهذا لابد من تأويله لما جاءت به ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة، فلابدَّ من تأويل هذا الحديث على ما قلناه لئلا تتناقض ظواهر الشرع (١) وفى قوله فى هذا الحديث: [وهو يعلم] (٢) إشارة إلى الردّ على من قال من غلاة المرجئة: إن يُظهِرَ الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قيد (٣) ذلك فى حديث آخر بقوله: " غير شاك فيها (٤) " وهذا أيضاً يؤكد ما قلناه. قال القاضى: وقد (٥) يحتج به أيضاً من يرى أن معرفة القلب مجردة نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم (٦)، ومذهب " أهل السنة ": أن المعرفةَ مُرْتَبطةٌ بالشهادتين، لا تنفع إحداهما ولا تنجى من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر عليها من آفة

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بلسانه، أو لم تمهله المدةُ لقولها: " حتى اختُرِم " (١)، ولا حجَّة للمخالف للجماعة بهذا اللفظ؛ إذ قد ورد مفسراً فى الحديث الآخر بقوله: " من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله "، وقد جاء هذا الحديث وأمثلةٌ له كثيرةٌ فى ألفاظها اختلاف، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف، وللناس فيها خبط كثير وعن السلف خلاف مأثور (٢)، فجاء هذا اللفظ فى هذا الحديث، وجاء فى رواية معاذ عنه ﵇: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة "، وعنه فى رواية أخرى: " من لقى الله لا يُشْرِك به شيئاً دخل الجنة "، وعنه فى رواية أخرى: " من لقى الله لا يُشْرِك به شيئاً دخل الجنة "، وعنه فى أخرى ﵇: " ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صادقاً من قلبه إلا حرَّمَه الله على النار " ونحوه في حديث عبادة بن الصامت وعتبان (٣) بن مالك، وزاد فى حديث عبادة: " على ما كان من عمل "، وفى حديث أبى هريرة: " لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة "، وفى حديث آخر: " فيحجب عن الجنة "، وفي حديث أبى ذر وأبى الدرداء: " ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق "، وفى حديث أنس: " حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله ". وهذه الأحاديث كلها قد سردها مسلم فى كتابه، فحكى عن جماعة من السلف منهم " ابن المسيب " وغيره أن هذا كان قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهى، وذهب بعضهم إلى أنها مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة وأدى حقَّها وفريضتها، وهو قول " الحسن البصرى " (٤) وذهب بعضهم إلى أن ذلك لمن قالها عند التوبة والندم ومات على ذلك. وهو قول البخارى (٥).

стр. 249

٤٤ - (٢٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِى النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ ابْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجْعِىُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى مَسِيرٍ. قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوادُ ــ وهذه التأويلات كلها إذا حملت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نُزِلت تنزيلها لم يُشكل تأويلها على ما بيَّنه المحققون. فنُقرّر أولاً أن مذهب " أهل السنة " بأجمعهم من " السلف الصالح " و " أهل الحديث " و" الفقهاء " و " المتكلمين " على مذهبهم من " الأشعريين ": أن أهل الذنوب فى مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان وشهد مخلصاً من قلبه بالشهادتين فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائباً أو سليماً من المعاصى والتبعات دخل الجنة برحمة ربه، وحُرّم على النار بالجملة، فإن حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بيناً، وهو التفات الحسن والبخارى فى تأويلهما، وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله عليه، أو فعل ما حرم عليه، فهو فى المشيئة لا يقطع فى أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاقه لأول حاله الجنة، بل يقطع أنه لابد له من دخول الجنة آخرًا، ولكن حاله له قبلُ في خطر المشيئة وبرزخ (١) الرجاء والخوف، إن شاء ربُه عذَّبه بذنبه أو غفر له بفضله، وإلى هذا التفت من قُدّم قوله من السلف، لكن قد يصح استقلال ألفاظ هذه الأحاديث بأنفسها على هذا التنزيل، فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدَّمناه من إجماع أهل السنة من أنه لابد له من دخول كل مُوَحّد لها إما مُعَجَّلاً مُعافى، أو مؤخراً بعد عقابه، والمراد بتحريم النار تحريم الخلود، خلافاً للخوارج والمعتزلة فى الوجهين (٢) وينزلُ حديث: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله " خصوصاً لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وإن كان قبل مخلّطاً، فيكون سبباً لرحمة الله له ونجاته رأساً من النار [وتحريمه عليها] (٣)، بخلاف من لمن يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين، وكذلك ما ورد في حديث عبادة من مثل هذا ودخوله من أى أبواب الجنة شاء، خصوصاً لمن قال ما ذكره ﵇ وقرن بالشهادتين من حقيقة الإيمان والتوحيد الذى ورد فى حديثه، فيكون له من الأجر ما يرجح بسيئاته ومعاصيه، ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة إن شاء الله تعالى، كما أشار إليه فى الحديث، والله أعلم بمراد نبيّه. وذكر (٤) مسلم حديث طلحة بن مُصرّف عن أبى هريرة: كنا مع النبى- ﵇ وهذا الحديث مما استدركه الدارقطنى على مسلم فقال: خالفه أبو أسامة فأرسلوه

стр. 250

الْقَوْمِ. قَالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائلِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِىَ مِنْ أَزْوَادِ القَوْمِ، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا. قَال: فَفَعَلَ. قَالَ فَجاء ذُو الْبُرِّ بُبرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ. قَالَ - وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَواهُ - قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ. قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا. حَتَّى مَلأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذلِكَ: " أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ، لَا يَلقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ". ٤٥ - (...) حدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، جَمِيعاً عَنْ أَبِى مُعَاوِيةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ - شَكَّ الأَعْمَشُ - قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا. فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ من هذا الطريق عن أبى صالح، واختُلف فيه عن الأعمش فقيل: عن أبى صالح عن جابر وكان الأعمش يشك فيه، ورواه أيضاً الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وأبى سعيد، وفى هذا الحديث قال: وقال مجاهد: وذو (١) النواة بنواه. قال عبد الغنى بن سعيد: طلحة بن مُصَرف هو الذى قال ذلك عن مجاهد (٢)، وكذا جاء فى الأمهات: ذو النواة بنواه، ووجهه وذو النواة بنواه، كما قال قبله: فجاء ذو التمر بتمره وذو البُر ببُره، وفى هذا الحديث: حتى ملأ القوم أزودَتَهم، كذا الرواية فيه فى جميع أصول شيوخنا، والأزودة غير الأوعية كما قال فى الحديث الآخر: أوعيتهم، ولعله مزاودهم، أو سمى الأوعية بما فيها كما سُميت الأسقية روايا بحامليها، وإنما الروايا الإبل التى تحملها. وسمى النساء ظعائن باسم الهوادج التى حملت فيها. قوله فيه: " لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا "، قال الإمام: النواضح من الإبل العاملة

стр. 251

" افْعَلُوا ". قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ،. ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِى ذلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " نَعَمْ " قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ. قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِىءُ بكَفِّ ذُرَةٍ. قَالَ: وَيَجِىءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ. قَالَ: وَيَجِىءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النَّطَعِ مِنْ ذلِكَ شَىء يَسِيرٌ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: خُذُوا فِى أَوْعِيَتِكُمْ " قَالَ: فَأَخَذُوا فِى أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِى الْعَسْكَرِ وِعَاءً إلا ملأُوهُ. قَالَ: فأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضِلَتْ فَضْلَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاك، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ ". ٤٦ - (٢٨) حدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ - عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَيْرُ بْنُ هَانِئ، قَالَ: حَدَّثَنِى جُنَادَةُ بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ــ فى السقى، قال أبو عبيد: الناضح البعير الذى يستقى (١) الماء، والأنثى ناضحة. قال غيره: ومنه الحديث: " وما سقى من الزرع نضحاً ففيه نصف العشر " (٢). وقوله: " حمائلهم "، قال القاضى: يعنى: يحمل أثقالهم، واحدتها حمولة، قال الله تعالى: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ (٣) وهو [بمعنى] (٤) النواضح فى الرواية الأخرى. وهذا الحديث من أعلام النبوة الظاهرة وهو بابٌ عُلِم على القطع والتواتر مترادف الأحاديث بمعناه من تكثير الطعام القليل، وقد جمعنا مشهور أحاديث هذا الباب ومن رواه من الصحابة وحمله عنهم من التابعين فى باب معجزات نبينا ﷺ من القسم الأول من كتابنا المسمى بـ " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " ﵇ لأن هذا الحديث ومثله، إذا رواه الصاحب الواحد وذكره عن المواطن المشهورة والغزوات (٥) المحضورة والجموع الحفلة، وحدث به عنهم بما شاهدوه، وجرى بحضرته وهم غير منكرين ولا مكذبين، مع أنهم الملأ، لا يقرون على منكر، ولا يداهنون فى غير الحق، وكان إقرارهم على خبره، وسكوتُهم على ما حدث به عن ملئهم كالنطق، ولحق خبرهُ وإن كان واحداً خبر التواتر الصدق.

стр. 252

وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَىِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاء ". (...) وحدّثنى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيَمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنْ عُميْرِ بْن هَانئٍ، فِى هذَا الإِسْنَادِ بِمِثلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ " وَلَمْ يَذْكُرْ: " مِنْ أَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ ". ٤٧ - (٢٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْن حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الصُّنَابِحِىِّ، عَنْ عُبَادَة بْنِ الصَّامِتِ؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِى الْمَوْتِ، فَبَكَيْتُ. فَقَالَ: مَهْلاً، لِمَ تَبْكِى؟ فَوَاللهِ، لَئِنَ اسْتُشْهِدْتُ ــ [وفى هذا الحديث من الفقه ترك افتيات أهل العسكر بنحر ما يحملون عليه وإخراجه عن أيديهم إلا بإذن الإمام] (١)؛ لأن ذلك يضعفهم عن غزوهم وسفرهم، وكذلك الحكم فى أسلحتهم وجميع ما يحتاجون إليه فى غزوهم. وقوله: " وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ": سمى عيسى كلمته لأنه كان بكلمة الله، قيل: هى قوله: " كن " فكان، وقيل: هى الرسالة التى جاء بها الملك لأمه مُبَشّراً به عن أمر الله كما ذكر فى كتابه، وقال ابن عباس: الكلمة اسم لعيسى معنى ألقاها إلى مريم: أى أعلمها به، يقال: ألقيتُ إليك كلمة أى أعلمتُك بها، وسمى عيسى روح الله وروح منه، فقيل: لأنه حدث من نفخة جبريل فى درع مريم، فنسبه الله إليه لأنه كان عن أمره، وسُمى النفخ (٢) روحاً لأنه ريح يخرج من الروح، قاله مكى. وفى هذه العبارة مسامحة، وقيل: روح منه حياة منه، والروح الرحمة كما قال فيه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ (٣) وقيل: روح منه برهان لمن اتبعه، وقيل: لأنه لم يكن من أب كما قال فى آدم: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ (٤)، وإنما كان جَعْلُ الروح فيه بلا واسطةٍ. قاله: الحربى. وقوله: فى حديث عبادة: " دخلت عليه فى الموت فبكيت فقال: مهلاً ": ليس فيه

стр. 253

لأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفَعْتُ لأَشْفَعَنَ لَكَ، وَلئِنْ اسْتَطعْتُ لأَنْفَعَنَّكَ. ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ، مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمعْتُهُ منْ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتكُمُوهُ، إِلا حَدِيثاً وَاحِداً، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْم، وَقَدْ أحِيطَ بِنَفْسِى، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَرمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ ". ٤٨ - (٣٠) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِد الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ ابْنُ مَالِكٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِىّ ﷺ ، لَيْسَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ ــ نهى عن البكاء؛ لأن النهى إنما وقع بعد الوجوب والموت، وفى بكاء بصفة مخصوصة تأتى مُفسرةً إن شاء الله فى الجنائز. وقوله: " ما من حديث لكم فيه خير إلا حدثتكموه ": دليل على أنه كتم ما خشى عليهم المضى فيه والفتنة مما لا يحتمله كل أحدٍ، وذلك فيما ليس بحجة عملٍ، ولا فيه حدٌّ من حدود الشريعة، ومثل هذا عن الصحابة كثير من ترك الحديث مما ليس بحجة عمل ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحمله عقول الكافة، أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه، لا سيما مما تعلق بأخبار المنافقين، والإمارة وتعيين أقوام وصفوا بأوصاف غير مستحسنة وذم آخرين ولعنهم (١). وقوله: فى حديث معاذ: " كنت ردف رسول الله ﷺ ": رويناه بإسكان الدال وكسر الراء وبفتح الراء وكسر الدال عند الطبرى، وفى الحديث الآخر رديف- بزيادة ياء. والردف والرديف هو الراكب خلف الراكب، يقال منه: ردِفتُه أردفه، وبكسر الدال فى

стр. 254

الرَّحْلِ، فَقَالَ: " يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ " قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُول اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: " يَا مُعَاذ بْنَ جَبَلٍ " قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُول اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: " يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: " يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ " قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْديْكَ قَالَ: " هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ ". قَال: قُلْت: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ". ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: " يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ " قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسُول اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: " هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذلِكَ ". قَالَ: قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " ألا يُعَذبَهُمْ ". ٤٩ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلامُ بْنُ سُلَيْم، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ قَالَ: كُنْتُ رِدْف رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى حمَارٍ يُقالُ لَهُ: عُفَيْرٌ قَالَ: فَقَالَ: " يَا مُعَاذُ، تَدْرِى مَا حَقُّ الله عَلَى الْعِبَادِ ومَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله؟ ". قَال: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوَا اللهَ وَلَا يُشْركُوا بِهِ شَيْئًا، وحَقُّ الْعِبَادِ عَلى اللهِ أَلَّا يُعَذّب منْ لَا يُشْركُ بِهِ شَيْئًا ". قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشرُ النَّاسَ؟ قَالَ: " لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ". ــ الماضى وفتحها فى المستقبل، إذا ركبت خلفه، وتقول: أردفته أنا، رباعى، وأصله من ركوبه على الردف العجز، ولا وجه لرواية الطبرى (١) إلا أن يكون فَعَل هاهنا اسم فاعل مثل عَجِل وزَمِن وفَرِقٍ، إن صحت روايته. وقوله فيه: " مؤخِرة الرحل ": قيل: معروف كلام العرب آخرة الرحل، وكذا وقع فى حديث أبى ذر وقد جاء مؤخرة الرحل. وفى شعر أبى ذؤيب ردف بمؤخرة الرحل. وهو العود الذى خلف الراكب، وحكى أبو عبيد فيه الوجهين وكله بكسر الخاء وضم الميم، وأنكر ابن قتيبة فتح الخاء، وقال ثابت: مؤخرة الرحل ومقدمه بفتحهما. قال: ويجوز قادمته وآخرته. وأنكر ابن مكى الكسر وقال: لا يقال: مقدم ولا مؤخر إلا فى العين. وقوله [فى حديث معاذ] (٢): " هل تدرون (٣) ما حق العباد على الله "، قال الإمام: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أراد حقاً شرعياً لا واجباً بالعقل، كما تقول

стр. 255

٥٠ - (...) حدّثنا مُحمدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ وَالأَشْعَثِ بْن سُلَيْمٍ؛ أَنَّهُما سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ يُحَدثُ عَنْ مُعَاذ بْنِ جبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : " يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِى مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد؟ ". قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ ". قَالَ: " أَتَدْرِى مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذلِكَ؟ ". فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " أَلا يُعَذبَهُمْ ". ــ المعتزلة، وكأنه لما وعد به تعالى [ووعده الصدق] (١) صار حقاً من هذه الجهة، والوجه الثانى: أن يكون خرج مخرج المقابلة [منه] (٢) للفظ الأول [لأنه قال فى أوله: " ما حق الله على العباد "، ولاشك أن لله على عباده حقاً، فأَتْبعَ اللفظ الثانى الأول] (٣) كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه﴾ (٤)، قال تعالى: ﴿[فَيَسْخَرونَ مِنْهُمْ سَخِرَ] (٥) اللَّهُ مِنْهُم﴾ وأما قوله [فى الحديث] (٦): " وأخبر (٧) به معاذ عند موته تأثماً "، قال الهروى فى تفسير غير هذا الحديث: تأثَّمَ الرجلُ إذا فعل فعلاً يخرج به من الإثم، وكذلك تحنث ألقى الحنث عن نفسه وتحرج ألقى الحرج عن نفسه (٨). قال الإمام: والأظهر عندى أنه لم يرد فى هذا الحديث هذا المعنى لأن فى سياقه ما يدل على خلافه (٩). قال القاضى: لعله لم ير هذا التفسير بيّناً لما ورد أول الحديث: " ألا أُبَشّر الناسَ؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا " فأى إثم في كتم ما أمر به النبى ﵇ بكتمه؟ لكنى أقولُ لعل معاذاً لم يفهم من النبى ﷺ النهى لكن كسر عزمه عما عرض عليه من بشراهم به بدليل حديث أبى هريرة حين قال: " من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة "، ثم لما قال عمر للنبى ﷺ : أخشى أن يتكل الناس [عليها فخلهم يعملوا] (١٠)، قال: " فخلهم "، أو يكون معاذ بلغه بعد أمر النبى ﷺ بذلك لأبى هريرة، وحذر أن يكتم علماً علمه ويأثم بذلك فأخبر به (١١)، أو يكون حمل النهى على إذاعته

стр. 256

٥١ - (...) حدّثنا القَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هلالٍ؛ قَالَ: سمِعْتُ مُعَاذًا يَقُولُ: دَعَانى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَجَبْتُهُ. فَقَالَ: " هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ اللهِ عَلَى النَّاسِ " نَحْوَ حَدِيثهمْ. ٥٢ - (٣١) حدّثنى زُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عِكْرمَةُ ابْنُ عَمَّارٍ، قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رَسُولِ اللهِ ــ للعموم، كما كان قال له أوَّلاً: " كل من لقيتَ .. " ورأى هو أن يخُص به كما خصَّه هو به ﵇ أو يكون أمره بذلك لأبى هريرة على الخصوص للذين (١) كانوا معه قبل قيامه بدليل قوله: " من لقيت وراء هذا الحائط، وقد أخبره أبو هريرة أنه جاء والناس وراءه، وسياق الحديث يدل أنهم الذين كانوا معه، ويكون قوله: " من شهد أن لا إله إلا الله " حذراً أن يكون فيمن يلقى غير من يقولها من كافر أو لا يعتقدها (٢) من منافق؛ ولهذا ترجم البخارى -رحمة الله عليه (٣) -: من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا. واحتج بعض الشارحين بالحديث على هذا الفصل، وأما على قوله: " فبشر من لقيت " ليس فيه تخصيص. وقوله فى الحديث من رواية القاسم بن زكرياء: حدثنا حسين، ثنا زائدة. كذا هو فى أكثر النسخ والأصول ووقع فى بعضها: " حُصين "، وكذا وجدته مصلحاً فى كتابى بخطى: " حصين "- بالصاد المهملة- ولست أدرى من أين كتبته، وهو خطأ والصواب " حسين " بالسين، وكذا وجدته مصلحاً مغيراً من حصين فى كتاب شيخنا القاضى أبى عبد الله التميمى، وهو حسين بن على مولى الجعفيين. قال البخاري: سمع القاسم بن الوليد وزائدة وأخاه الوليد، وقال أحمد (٤) بن أبى رجاء: توفى سنة ثلاث ومائتين (٥)، وتكررت (٦) روايته عن زائدة فى غير موضع من الأم، ولا يعرف حصين بالصاد عن زائدة. وقوله: " فاحتفزتُ كما يحتفز الثعلب ": رواه عامة شيوخنا فى الثلاث كلمات عن العُذّرى وغيره بالراء، وسمعناه على (٧) الأسدى عن أبى الليث الشاشى عن عبد الغافر

стр. 257

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فِى نَفَر. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ أَظهُرِنَا. فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقتطَعَ دُونَنا وَفَزِعْنَا، فَقُمنا. فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِى رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ لِبَنِى النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا، فَلمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِى جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجةٍ - وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ - فَاحتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ. فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " أَبُو هُرَيْرَةَ؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " مَا شَأنُكَ؟ ". قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هذَا الْحَائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهؤْلاءِ النَّاسُ وَرَائِى. فَقَالَ: " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ " - وَأَعْطَانِى نَعْلَيْهِ - قَالَ: " اذْهَبْ ــ الفارسى عن الجلودى بالزاى، وهو الصواب، ومعناه: تضاممتُ وتداخلتُ، ليسمع من مدخل الجدول الذى ذكر، ومنه حديث على: " إذا صلت المرأة فلتحتفز " (١)، أى لتضام وتنزوى إذا سجدت، ويدل عليه تشبيهه إياه بفعل الثعلب وهو انضمامه للدخول من المضايق (٢). وقوله: " كنت بين أظهرنا "، وفى رواية الفارسى: " ظهْرَينا ": قال الأصمعى: العربُ تقول: نحن بين ظهريكم على لفظ الاثنين (٣) [وظهرانيكم، قال الخليل: أى بينكم والعرب تضع الاثنين] (٤) موضع الجمع. وقوله: " ففزعنا وقمنا وكنتُ أوَّل من فزع " (٥): الفزع يكون بمعنى الروع، وبمعنى الهبوب للشىء والاهتمام، وبمعنى الإغاثة، فتصح هذه المعانى الثلاثة، أى ذُعِرْنا لاحتباس النبى ﷺ عنا، ألا تراه كيف قال: " وخشينا أن يُقتطع دوننا " أى يحوزه العدو عنا، ويكون بمعنى الوجهين الآخرين بدليل قوله: ففزعنا وقمنا، وكنتُ أول من فزع، فخرجت أبتغى رسول الله ﷺ ، وقوله فيه: " فجهشت بالبكاء " هو فزع الإنسان إلى آخر وهو متغير الوجه متهيئ للبكاء ولما يبك بعد، يقال فيه: جهشتُ وأجهشت جهشاً وإجهاشاً، قال

стр. 258

بِنَعْلَى هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ "، فَكانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتَ عُمَرُ. فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلا رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بَعَثَنِى بِهِمَا، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَىَّ، فَخَرَرْتُ لاِسْتى. فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَاهُرَيْرَةَ. فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِى عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِى. فَقَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ ". قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرتُهُ بالَّذِى بَعَثْتَنِى بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَىَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لاسْتِى. قَالَ: ارْجِعْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ " يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِىَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ، بَشرهُ بِالجَنَّةِ؟ قَالَ. " نَعَمْ ". قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّى أَخْشى أَنْ يَتكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهمْ يَعمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ــ الطبرى: هو الفزع والاستغاثة، وقال ابن زيد: جهشت للبكاء وللحزن (١) والشوق جهوشاً. وقوله: " ركبنى عمر فإذا هو على أثرِى ": أى اتبعنى فى الحين دون تمهل ولا تثبت، ومنه حديث حذيفة: " إنما تهلكون إذا صرتم تمشون الركبات كأنكم يعاقيب حجل " (٢). قال القتبى: أراد أنكم تمضون على وجوهكم دون تثبت ولا روية ولا استئذان من هو أسنُ منكم يركب (٣) بعضكم بعضاً فعل اليعاقيب. وقوله: " فضربنى عمر بيده بين ثديى (٤) فخررت لاستى ": أى سقطت على [عجزى] (٥) " وقال: ارجع ". الأولى أن عمر لم يقصد بضربه فى صدره إلا رده، والدفع فى صدره، ليرجع كما قال له، لا ليؤذيه ويوقعه، وكان سقوطه من غير تعمد لذلك، بل لشدة الدفع، وليس فعل عمر ومراجعة النبى ﷺ فى ذلك اعتراضاً عليه ورد الأوامر؛ إذ ليس فيما وجّه به معاذ (٦) غير تطييب قلوب أمته وبشراهم، فرأى عمر أن كتم هذا عنهم أصلح لهم، وأذكى لأعمالهم، وأوفر لأجورهم ألا يتكلوا، وأنه أعود بالخير عليهم من مُعَجَّلةِ هذه البشرى، فلما عرض ذلك على النبى ﷺ صوَّبه له، وقد يكون رأى عمر للعموم وأمر النبى ﷺ وسلم للخصوص، وخشى عمر إن حصل فى الخصوص أن يفشو ويتسع. وفى هذا الحديث من الفقه والذى قبله: إدخال المشورة على الإمام من أهل العلم والدين

стр. 259

" فَخَلِّهمْ ". ٥٣ - (٣٢) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: " يَا مُعَاذُ " قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: " يَا مُعَاذُ " قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: " يَا مُعَاذُ ". قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ الله وسَعْدَيْكَ - قال: " مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا حَرَمَّهُ اللهُ عَلَى النَّارِ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ــ ومن وزرائه وخاصته، وعرض النصائح له وإن لم يستشرهم، وفيه توقيف [أمثال] (١) هؤلاء لما لم ينْفَذْ بعد من أوامره حتى يعرضوا عليه ما ظهر لهم ورأوه فى ذلك من رأى، ورجوع الإمام إلى ما رآه من الصواب فى ذلك، وأن النبى ﵇ فى أمور الدنيا كان يأخذ باجتهاده ويرجع عن رأيه فيها أحياناً إلى رأى غيره (٢) كما فعل فى تلقيح النخل (٣)، وفى النزول ببدر (٤) وفيما هم به من مصالحة [الأحزاب] (٥)، ولا خلاف فى ذلك. واختلف العلماء هل كان يجتهد برأيه فى الشرعيات فيما لم تنزل عليه فيه شىء أم لا؟ وهل هو معصوم فى اجتهاده أو هو كسائر المجتهدين؟ والصواب جواز الاجتهاد له ووقوعه منه، وعصمته فيه على كل حال، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٦)، ودَلَّت الآثار الصحيحة على اجتهاده فى نوازل، وحكمه فيها برأيه كقصة أسرى بدر (٧)، وأما كونه أبداً مصيباً فى اجتهاده فى ذلك -على القول بأن كل مجتهد مصيب- الذى هو الحق والصواب، أو على المذهب الآخر (٨)، فإن اجتهاده أصلٌ من أصول الحق، وركن من أركان الشريعة الذى يجتهد المجتهدون فى الاستنباط منها والقياس عليها، ويكون خطؤهم وصوابهم بقدر توفيقهم إلى فهمها ومعرفتهم بمراده ﵇ فيها، فكيف يتصور الخطأ عليه فى ذلك ومخالفة الصواب، وإنما ألحق والصواب ما فعله، وإنما الشرع ما أجتهد فيه، وقد تقصَّينا هذا الباب فى القسم الرابع من كتاب الشفا (٩).

стр. 260

أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: " إِذاً يَتَّكِلُوا فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ، تَأَثُّماً. ٥٤ - (٣٣) حدّثنا شَيْبانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُغِيرَةِ - قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عِتْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيث بَلَغَنى عَنْكَ. قَالَ: أَصَابَنى فِى بَصَرِى بَعْضُ الشَّىْءِ، فَبَعَثْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّى أُحِب أَنْ تأتِيَنى فَتُصَلِّى فِى مَنزِلِى، فأَتَّخِذَهُ مُصَلَّى. قَالَ: فَأَتَى النَّبِىُّ ﷺ وَمَنْ شَاءَ اللهُ منْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ وَهُوَ يُصَلِّى فِى مَنْزِلِى، وأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذلِكَ وَكُبْرَهُ إلَى مَالِكِ بْنِ دخْشُمٍ. قَالوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّو أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ، فَقَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلاة وَقَالَ: " أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ الله؟ ". قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذلِكَ، وَمَا هُوَ فِى قَلْبِهِ. قَالَ: " لا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهَ وَأَنِّى رَسُولُ الله فَيَدْخُلَ النَّارَ، أَوْ تَطْعَمَهُ ". قَالَ أَنسٌ: فَأَعْجَبَنِى هذَا الْحَدِيثُ، فَقُلْتُ لابنى: أكْتُبْهُ. فَكَتَبَهُ. ــ وفيه من الفقه: قول الرجل للآخر: بأبى أنت وأمى، وقد كرهه بعض السلف وقال: لا يُفدَّى بمسلم، والأحاديث الصحيحة تدل على جوازه، كان المفدى بهما مسلمين أو غير ذلك، كانا حيين أو ميتين. وفيه جواز قول الرجل للرجل فى الجواب عند دعائه له لبيك وسعديك، ومعنى لبَّيك: إجابة لك بعد إجابة، وقيل: لزوماً لطاعته وطوعاً بعد لزوم، وسعديك: أى إسعاداً لك بعد إسعادٍ. وقيل: لبيك مداومة على طاعتك، وسعديك: أى مساعدة أوليائِك عليها. وقال سيبويه: معناه: قرباً منك ومتابعة لك، من ألب فلان على كذا إذا داوم عليه ولم يفارقه، وأسعد فلان فلاناً على أمره وساعده، قال: وإذا استعمل فى حق الله تعالى فمعناه: لا أنأى عنك فى شىء تأمرنى به وأنا متابع أمرك وإرادتك. وقوله فى حديث ابن الدُخْشُم: " أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله؟ " فقالوا: [إنه] (١) يقول ذلك وما هو فى قلبه فقال ﷺ : " لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله فيدخل النار " [الحديث] (٢)، قال الإمام: إن احتجت به الغلاة من المرجئة فى أن الشهادتين تنفع وإن لم تُعتَقدُ بالقلب، قيل لهم: معناه: أنه لم [يصح] (٣) عند النبى ﷺ ما حكوا عنه من أن ذلك ليس فى قلبه، والحجة فى قول النبى ﷺ ، وهو لم يقل ذلك ولم يشهد به عليه.

стр. 261

٥٥ - (...) حدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبدِىُّ، حَدَّثَنَا بهزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ عَمِىَ. فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: تَعَالَ فَخُطَّ لى مَسْجِداً فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَجَاءَ قَوْمُهُ. وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: ــ قال القاضى: وقد ورد فى الحديث من رواية البخارى: " ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغى بها وجه الله " (١)، فهذه الزيادة تُخرِسُ غلاة المرجئة، وأن الحجة فى هذا الحديث، وفعل عتبان [بن مالك] (٢) وطلبه للنبى ﵇ للصلاة فى بيته لعذره الذى ذكر فى الحديث، وليحصل له الفضل فى أمر الصلاة، حيث رسم له [﵇] (٣) [وصلى فى بيته بعض ما فاته من الصلاة فى جماعة قومه وأن كان أمامهم] (٤) لعذر (٥) بصره، وأن ذلك ربما منعه من النهوض إلى مسجد قومه إذا كان السيل والظلام، كما قال فى الحديث نفسه من غير هذه الرواية (٦). وفيه: إباحة مثل هذا العذر التخلف عن الجماعة، وإباحة التحدث مع المصلين فى غير المساجد [ما لم يكن المحدثان عن يمين المصلى وعن شماله] (٧) لقوله: " فهو يصلى وأصحابه يتحدثون "، وقد وقع فى هذا الحديث من طرق كثيرة " أن النبى ﷺ أمَّ بأهل الدار " (٨) فلعل حديثه وصلاته هذه كان فى حين آخر غير الصلاة التى أمهم فيها، أو يكون أمَّ بجماعة

стр. 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ممن كان على طهارة، وجلس قوم يتحدثون. ففى تلك الزيادة أن الإمام أحق بالإمامة من صاحب الدار ومن كل من حضر، وقد ترجم عليه البخارى بإمامة الزائر (١)، وقد جاء فى الحديث النهى عن ذلك وعن أن يؤم الرجل فى سلطانه، وأن صاحب الدار، أحق بالإمامة (٢)، لكنه حق له، فإن تركه وقدم غيره جاز ذلك، بل يستحب له أَنْ يُقَدِّم أفضل من حضر، فإن لم يفعل وكان ممن تجوز إمامته كان أولى، إلا أن يحضر الإمام أو أبو رب المنزل، أو عمه، وهما ممن يصلح إمامتهما، فهؤلاء أولى منهم، والنبى ﵇ هنا هو الإمام، وهو المدعو ليصلى ويتقدم، فلا حجة فيه لترجمة البخارى إلا على تخصيص عموم الحديث. وفيه جواز الصلاة جماعة فى المنزل وفى النوافل، وجواز التنبيه على أهل الريب فى الدين والمتهمين فيه، على طريق النصيحة للمسلمين وإمامهم، وذلك لما رأوا من تخلف هذا عنهم فى موطنٍ مشهود كثير البركة، ولا ظهر عنه من الاغتباط به والفرح بوصول النبى ﵇ إلى دارهم والاستكثار منه، والمبادرة إلى لقيّه، والسلام عليه بما (٣) يجب، مع ما رأوا منه قبل هذا من الصغْو إلى المنافقين، كما ذكر فى هذا الحديث من غير هذا الطريق (٤)، فقوى سوء ظنهم به، واشتد غيظهم عليه، ولكنه لما كان عند النبى ﵇ من أهل الشهادتين، وممن لم يظهر منه نفاقٌ لم يسقط صحة الظاهر لريبة الباطن، بل (٥) قد قال ﵇ فى رواية البخارى: " ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغى بها وجه الله ". وقوله: " فيدخل النار ": على ما قدمناه من الحكم على الظاهر وحسن الظن بكمال إيمانه وصحة إسلامه، فلا يدخلها بالوفاء بحق الشهادتين، إذ كان ذلك فى أول الإسلام وتخفيفه (٦) وقبل نزول الشدائد (٧) والأوامر والنواهى، أو دخول خلود، وكذلك تأويل اللفظ الآخر: " فتطعمه النار " أو يكون تطعم جميعه، لما جاء أن أهل التوحيد لا تأكل النار جملة أجسادهم وأنها تتحاشى عن مواضع سجودهم وقلوبهم ودارات وجوههم ومواضع من

стр. 263

مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُم، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. ــ أجسادهم، كما نص فى الحديث (١). وقوله: " فتغيَّب رجل منهم يقال له: مالك بن الدخشم ": هكذا رواية العُذرى والجماعة، ورويناه من طريق السمرقندى: " فنعت " وهو وهمٌ، والأول الصواب بدليل افتقاده فى الأحاديث الأخر. وقولهم فى بعض الروايات: ابن مالك بن الدخشم، ورويناه فى الأم بالميم مكبراً وجاء مصغراً فى رواية السمرقندى فى حديث أبى بكر بن نافع، ورويناه بالنون أيضاً مكان الميم مكبراً ومصغراً فى غير الأم (٢). وقوله: " وأسندوا [عُظْمَ] (٣) ذلك وكُبْرَهُ ": أى جل حديثهم، بمعنى عظم المتقدم، قال الخليل: كبرُ كل شىء معظمه ويقال: بالكسر أيضاً، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم﴾ (٤) وقيل: الكبر الإثم فى الآية (٥).

стр. 264

(١١) باب الدليل على أن من رضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً فهو مؤمن، وإن ارتكب المعاصى الكبائر ٥٦ - (٣٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِى عُمَرَ الْمَكِّىُّ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - الدَّرَاوَرْدِىُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِر بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " ذَاقَ طَعْمَ الإيمَانِ، مَنْ رَضِىَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً ". ــ وقوله ﵇: " ذاق طعم الإيمان " الحديث: معناه: صح إيمانه، واطمأنت به نفسه، وخامر باطنه؛ لأن رضاه بالله رباً، وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً دليل ثبوت معرفته ونفاذ بصيرته بما رضى به من ذلك ومخالطة بشاشته قلبه، وهذا كالحديث الآخر: " وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " الحديث (١)، وذلك أن الإنسان إذا رضى أمراً واستحسنه سهل عليه أمره، ولم يشق عليه شىء منه، فكذلك المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان، سهلت عليه طاعات ربه ولذت له، ولم يشق عليه معاناتها.

стр. 265

(١٢) باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء، وكونه من الإيمان ٥٧ - (٣٥) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العقَدِىُّ، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ". ٥٨ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَة؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُون - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً - فَأَفْضَلُها قَوْلُ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْناَهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ". ٥٩ - (٣٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَعَمْرو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: ــ وقوله ﵇: " الإيمان بضع وسبعون شعبة ": البضع والبضعة [واحد] (١) بكسر الباء، ويقال بفتحها أيضاً فيهما، [فأما من اللحم] (٢) فالبضعة بالفتح لا غير، وهو القطعة من الشىء والفرقة منه، واستعملت العرب البضع فيما بين الثلاث الى العشر وقيل: من ثلاث إلى التسع. وقال الخليل: البضع سبع، وقيل: هو ما بين اثنين إلى عشرة وما بين اثنتى عشرة إلى عشرين، ولا يقال: فى أحد عشر ولا اثنى عشر، وقال أبو عبيدة: هو ما بين نصف العقد، يريد من واحد إلى أربعة، والشعبة أيضاً القطعة من الشىء والفرقة منه، ومنه شعب الإيمان وشُعب (٣) القبائل، وشعبها الأربع، وواحد شعوب [القبائل] (٤) شعب الفتح، وقيل: بالكسر، وهم القبائل العظام، وشعب (٥) الإناء أيضاً صَدعه بالفتح، ومنه قوله فى الحديث: " واتخذ مكان الشعب سلسلة " (٦)، قال الخليل: الشَعبُ الاجتماع والشعب الافتراق، وقال الهروى: هو من الأضداد (٧)، وقال ابن دريد: ليس كذلك لكنها لغة لقوم، فمراده والله أعلم: أنه سبع وسبعون

стр. 266

حَدَّثَنَا سُفيَانُ بْنُ عُيينة، عَنِ الزُّهْرِىّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ سَمِعَ النَبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَعِظُ أَخَاهُ فِى الْحَيَاءِ، فَقَالَ: " الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ ". (...) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىّ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ. ــ خصلة، وقد تقدم أن أصل الإيمان فى اللغة: التصديق وفى عرف الشرع: تصديق القلب واللسان، وظواهر الشرع تطلقه على الأعمال كما وقع هنا: " أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وآخرها إماطة الأذى عن الطريق "، وقدمنا أن تمام الإيمان بالأعمال وكماله بالطاعات، وإن التزام الطاعات وضم هذه الشُعَب من جملة التصديق ودلائل عليه، وأنها خلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعى ولا اللغوى، وقد نبه ﵇ على أفضلها بالتوحيد المُتَعَيّن على كل مسلم، والذى لا يصح شىء من هذه الشعب إلا بعد صحته، وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم وإن لم يقع الأذى بعد، وبقى بين هذين الطرفين من أعداد أبواب الإيمان ما لو تُكُلف حصرها بطريق الاجتهاد وتعينها بغلبة الظن إلى حصر عدته (١) [لأمكن] (٢)، وقد أشار إلى نحو هذا بعد من تقدم، وعليه بنى الفقيه إسحاق بن إبراهيم القرطبى كتابه المسمى بالنصائح، ولكن القطع أن تعيين ما نَقَّحه الاجتهاد وترتيبه على تلك الأبواب هو مراد النبى ﵇ يصعب، ولن يعدم من يرتب ترتيباً آخر، ويداخل بعض الأبواب فى بعض، ويفصل بعض الأقسام من بعض، والله أعلم، ولكنه قد جاء فى الأحاديث النص على [بعض] (٣) تلك الشعب كما سيأتى، ووقع فى الأم فى حديث زهير الشك فى سبعين أو ستين، وكذلك وقع، فى البخارى من رواية أبى زيد المروزى أول الكتاب: " ستون " (٤). والصواب ما وقع فى سائر الأحاديث ولسائر الرواة: [سبعون] (٥)، ولا يلزم معرفة تعيينها، ولا يقدح جهل ذلك فى الإيمان، إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة، والإيمان بأنها هذا العدد من الحديث وأجب على الجملة وتفصيل تلك الأصول وتعينها على هذا العدد يحتاج إلى توقيف. وقوله: " والحياء شعبة من الإيمان "، قال الإمام: إنما كان الحياء وهو فى الأكثر غريزةٌ من الإيمان الذى هو اكتسابٌ " لأن الحياء يمنع من المعصية كما يمنع الإيمان منها، والحياء هاهنا ممدود من الاستحياء.

стр. 267

٦٠ - (٣٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمثنى، ومُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْحَيَاءُ لَا يَأْتِى إِلا بِخَيْرٍ "، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِى الحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا وَمِنْهُ سَكِينَةً. فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِى عَنْ صُحُفِكَ. ٦١ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِى رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بشَيرُ ــ قال القاضى: الحياء أحد الشعب المحصورة، فهذا من [الأعداد المحصورة بالنص] (١)، وقد يعد الحياء من الإيمان بمعنى التخلق والتزام ما يوافق الشرع ويحمد منه، فرب حياء مانع من الخير مُجبن عن قول الحق، وفعله مذموم، ورب حياء عن المآثم والرذائل مأمور به يجازى عليه، كما جاء فى الحديث الآخر: " لكل دين خلق، وخُلق الإسلام الحياء " (٢). وكان الحياء من خلق نبينا محمد ﷺ . وقد يكون الحياءُ فى بعض الناس غريزة وطبعاً جُبل عليه، ولكن استعماله على قانون الشريعة وحيث يجب يحتاج إلى اكتساب ونيَّةٍ وعلم. وقد يكتسبه من لم يجبل عليه ويتخلق به؛ ولهذا كله قال: " الحياء لا يأتى إلا بخير ". وقول عمران بن حصين لبشير بن كعب لما حدَّثه بهذا الحديث فقال بُشير: إنا لنجد فى بعض الكتب: إن منه سكينةً ووقاراً ومنه ضَعْفٌ: أُحدِّثك عن رسول الله ﷺ وتُعارض فيه وتحدثنى عن صحيفتك. وغضبه عليه كما جاء فى الحديث حتى شهد له الحاضرون أنه لا بأس به، حماية أن يذكر مع السُنة ما ليس منها أو تعارض بغيرها مما يخالفها، لقوله: " ومنه ضعف "؛ ولئلا يتطرق من [فى] (٣) قلبه ريب إلى مثل هذا. وأبو نُجَيد - المذكور هنا - هى كنية عمران بن الحصين بضم النون وفتح الجيم [مصغراً] (٤) وآخره دال مهملة. ومعنى تعارضه: أى يأتى بمقال يضاهيه، ويعترض عليه بما يخالفه.

стр. 268

ابْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ ". قَالَ: أَوْ قَالَ: " الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ "، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِى بَعْضِ الْكُتُبِ أَوِ الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَاراً لله، وَمِنْهُ ضَعْفٌ. قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلا أَرَانِى أُحَدثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ. قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأس بِهِ. حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ يَقُولُ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. ــ وقوله: " يعظ أخاه فى الحياء ": أى يؤنبه ويُقَبح له كثرته، وأنه من العجز وينهاه عنه، ولذلك قال: " دعه، فإن الحياء من الإيمان "، ولم يقل مسلم: " دعه "، وقاله البخارى (١)، أى إنما فعله خيرٌ كله، كما قال فى الحديث الآخر، فلم يأت ما يُزجَر عليه ويلام فيه.

стр. 269

(١٣) باب جامع أوصاف الإسلام ٦٢ - (٣٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِىِّ؛ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِى فِى الإِسْلَامِ قَولاً، لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ: غَيْرَكَ - قَالَ: " قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ ". ــ وقوله ﵇ للذى سأله: " قل آمنتُ بالله ثم استقم " (١): هذا من جوامع كلمه ﵇ وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٢) أى: وحدوا الله وآمنوا به، ثم استقاموا فلم يحيدوا عن توحيدهم ولا أشركوا به غيره والتزموا طاعته إلى أن توفوا على ذلك. وعلى ما قلناه أكثر المفسرين من الصحابة فمن بعدهم وهو معنى الحديث، إن شاء الله تعالى. قال عمر بن الخطاب: استقاموا والله على طاعة الله، ولم يروغوا روغان الثعالب (٣).

стр. 270

(١٤) باب بيان تفاضل الإسلام، وأى أموره أفضل ٦٣ - (٣٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا الليْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَىُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأَ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ". ٦٤ - (٤٠) وحدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَىُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: " مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ". ٦٥ - (٤١) حدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِى عَاصِمٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ". ــ وقوله ﷺ للسائل: أى الإسلام خير؟ قال: " تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ": معناه: أى خصال الإسلام خير، وهذا حضٌّ منه ﷺ على تأليف قلوب المؤمنين، وأن أفضل خلقهم الإسلامية ألفة بعضهم بعضاً، وتحببُهم وتوادّهم، واستجلاب ما يؤكد ذلك بينهم بالقول والفعل، وقد حضَّ ﷺ على التحابب والتودد وعلى أسبابهما من التهادى، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، ونهى عن أضدادها من التقاطع، والتدابر، والتجسس، والتحسس، والنميمة، وذى الوجهين. والألفة أحد فرائض الدين وأركان الشريعة ونظام شمل الإسلام. وفى بذل السلام لمن عرفت ولمن لم تعرف إخلاص العمل فيه لله تعالى لا مصانعة ولا مَلقاً، لمن تعرف دون من لا تعرف، وجاء فى الحديث: " إن السلام آخر الزمان يكون معرفة ". وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة، من لفظ السلام ومن قوله: " أفشوا السلام بينكم ". وقوله: " تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ": أى تُسلم. قال أبو حاتم: تقول: اقرأ ﵇ وأقرئه الكتاب ولا تقول: أقرأه السلام إلا فى لغة سوء، إلا أن يكون مكتوباً فتقول: أقرأه السلام، أى جعله يقرأه. وقوله: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ": أى الكامل الإسلام والجامع

стр. 271

٦٦ - (٤٢) وحدّثنى سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأمَوِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى، عَن أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَىُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ". وَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِى بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِهذَا الإِسْنَادَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَىُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. ــ لخصاله من لم يؤذ مسلماً بقولٍ ولا فعلٍ. إذ أكثر الأفعالِ بالأيدى، فأضيفت عامتها إليها. وهذا من جامع كلامه، وفصيحه، ومحاسنه، ولا يفهم من هذا أن من ليس بهذه الصفة ليس بمسلم. وهو كما يقالُ: المالُ الإبل، والناسُ العرب، على التفضيل لا على الحصر، وجوابه بعد هذا بأن هذا أفضل الإسلام، وقد تقدم فى الحديث الآخر جواب آخر دلَّ أنه ﷺ أجاب كل واحد من السائلين بما رآه أنفع له، وأخص به، وقد يكون ظهر من أحدهما كبر وإمساك وانقباض عن الناس، فأجابه بما فى الحديث الأول من إطعام الطعام وإفشاء السلام، وظهر من الآخر قلة مراعاة ليده ولسانه فأجابه بالجواب الآخر، أو يكون ﷺ تخوف عليهما ذلك، أو كانت الحاجةُ فى وقت سؤال كل واحد ممهما للعامة أمس بما جاوب به.

стр. 272

(١٥) باب بيان خصال من اتصف بهنّ وجد حلاوة الإيمان ٦٧ - (٤٣) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِى عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، جَمِيعاً عَنِ الثَّقَفِىِّ. قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ ". ٦٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَد طَعْمَ الإِيمَانَ؛ مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلا للهِ، ومَن كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِى النَّار أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْه ". ــ وقوله: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان " الحديث، هو بمعنى الحديث المتقدم: " ذاق طعم الإيمان "، وذلك أنه لا تتضح محبة الله ورسوله حقيقة، والحبُ للغير فى الله وكراهة الرجوع إلى الكفر، إلا لمن قوى [بالإيمان يقينه] (١)، واطمأنت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط دمه ولحمه، وهذا هو الذى وجد حلاوته. والحب فى الله من ثمرات الحب لله. ومعنى حب العبد لله: استقامتهِ فى طاعته، والتزامه أوامره ونواهيه فى كل شىء ولهذا قال بعضهم: المحبةُ مواطأة القلب على ما يُرضى الرب، فيحبُ ما أحب ويكره ما كره. واختلفت عبارات المتكلمين فى هذا الباب بما لا يؤول إلى اختلاف إلا من حيث اللفظ والالتفات إلى أسباب المحبة أو إلى ثمراتها، وبالجملة [فأصل] (٢) المحبة الميلُ لما يوافق المحبَّ والله - جل اسمه - منزَّة عن أن يميل أو يمال إليه (٣)، وأما المحبةُ للرسول فيصح منه الميل؛ إذ ميل الإنسان لما يوافقه إما لأنه يستلذه ويستحسنه كميله للصورة الجميلة

стр. 273

(...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَن ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِياً أَوْ نَصْرَانِياً ". ــ والأصوات الحسان والمطاعم الشهية وأشباهها من المستلذات بالحواس الظاهرة أو يستلذه بحاسة عقله من المعانى الباطنة الجميلة والأخلاق الرفيعة، كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضائل، والخصال العليَّة، وإن لم يَرَهم ولا قارب زمانهم، أو ميله لمن يحسن إليه وينعم عليه، ويدفع المضار والمكاره عنه، فقد جبلت النفوس (١) على حب من أحسن إليها. وهذه المعانى كلها موجودة فى حق النبى ﷺ ، مُسَبِّبة حبه لما خُلِق عليه من كمال صورة [الباطن والظاهر] (٢) وكمال خلال الجلال، وجماع (٣) الفضائل، وإحسانه إلى المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعيم: الإبعاد من الجحيم، وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصَوَّرٌ فى حق الله تعالى، وحب العبد له على قدر معرفته لجلاله وكمال صفاته وتقدسه عن النقائص، وفيض إحسانه وأن الكل منه، وكل جمال وجلال فمضاف إليه، وكل فضل وإجمال فمن بسط يديه لا إله غيره. ومن محبته ومحبة رسوله التزام شريعته، ووقوفه عند حدوده ومحبة أهل ملته، وهو تمام محبته، فيُحب العبد لا يحبه إلا لله؛ لأن من أحبَّ شيئاً أحبَّ ما يُحبهُ، ومن يحبه، ومن هو من سببه، قال النبى ﷺ : " من أحبَّ العربَ فَبِحُبِّى أحبَّهم " (٤)، وإذا حصل هذا بين المؤمنين حصلت منه الألفةُ الموجبة للتعاون على البر والتقوى، والمزيدة (٥) لأمر الدين والدنيا والمحبة لله والبغض فيه من واجبات الإسلام، وهو قول مالك وغيره من [العلماء] (٦).

стр. 274

(١٦) باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة ٦٩ - (٤٤) وحدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ؛ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: الرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ". ٧٠ - (...) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قالَ: سَمِعْتُ قَتادَةَ يُحدِّثُ عَنْ أَنَسَ بْنُ مَالِكٍ؛ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ". ــ وقوله [﵇] (١): " لا يؤمنُ أحدُكُم (٢) حتى أكون أحبَّ إليه من ولدِه ووالده والناس أجمعين " [الحديث] (٣)، قال الإمام: أخرج مسلم هذا الحديث عن محمد بن المثنى قال: ثنا رجلٌ - أراه غُندراً - أنا شعبة عن قتادة عن أنس. هكذا (٤) عند ابن ماهان، ورواه أبو أحمد الجلودى: ثنا ابن مثنى وابن بشار [قالا] (٥): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة. مجوَّد الإسناد. قال القاضى: قال بعض المتكلمين على الحديث: جمع ﷺ تحت لفظه هذا القليل معانى كثيرة؛ إذ أقسام المحبة ثلاثة، محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد؛ ومحبة رحمة وإشفاق كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة الناس بعضهم بعضاً، فجمع ﷺ ذلك كله فى محبته. وهو من نحو ما أشرنا، إليه فى أسباب محبته، ومن الإشفاق فى محبته نصرة سنته،

стр. 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والذَبُّ عن شريعته، وتمنى حضور حياته، فيبذل نفسه وماله دونه. وإذا تحقق ما ذكرناه (١)، تبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بذلك، ولا يصحُّ الإيمان إلا بتحقيق إنافة (٢) قدر النبى ﷺ ومنزلته على كل والد وولد، ومحسن ومُفْضِلٍ، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه فليس بمؤمن.

стр. 276

(١٧) باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير ٧١ - (٤٥) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قالَ: " لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ - أَوْ قالَ: لِجَارِهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ". ٧٢ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قالَ: " وَالَّذِى نَفْسِىِ بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ قَالَ: لأَخِيهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ". ــ وقوله ﷺ : " لا يؤمن أحدُكم حتى يحب لأخيه - أو لجاره - ما يحب لنفسه " (١): أى لا يتم إيمانه (٢) حتى يكون بهذه الصفة للمؤمنين، من كفه الأذى عنهم، وبذله المعروف لهم، ومودته الخير لجميعهم وصرف الضر عنهم (٣). قيل: ظاهره التسوية وباطنه التفضيل؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه كان هو من المفضولين، وقد روى هذا المعنى عن الفضيل بن عياض أنه قال لسفيان بن عيينة - رحمهما الله -: إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم مثلك فما أديت لله [الكريم] (٤) نصيحة، فكيف وأنت تود أنهم دونك.

стр. 277

(١٨) باب بيان تحريم إيذاء الجار ٧٣ - (٤٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلى بْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنْ إسْماَعِيلَ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِى الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ". ــ وقوله ﷺ : " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ": البوائق الغوائل والدواهى، أى: من لا يؤمن شره ولا مضرته، ومن كان بهذه الصفة من سوء الاعتقاد للمؤمن، فكيف بالجار وتربصه به الدوائر وتسبيبه له المضار، فهو من العاصين المتوعدين بدخول النار، وأنه لا يدخل الجنة حتى يُعاقب ويجازى بفعله، إلا أن يعفو الله عنه (١). وهذا وعيد شديد وفيه من تعظيم حق الجار ما فيه. وفى الحديث الآخر: " والله لا يؤمن - ثلاثاً - من لا يأمن جاره بوائقه " (٢): أى لا يتم إيمانه ولا يكمل. وقد تكون هذه الأحاديث إن حملت على ظاهرها خصوصاً فيمن جاور المسلمين من المنافقين (٣).

стр. 278

(١٩) باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير، وكون ذلك كله من الإيمان ٧٤ - (٤٧) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قاَل: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنْ ابْن شِهَاب، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قالَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ". ٧٥ - (...) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَة، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَن أَبِى حسينٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ــ وقوله: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذى جاره "، وفى الحديث الآخر: " فليحسن إلى جاره "، وفى الآخر: " فليُكرم جاره " معنى ذلك: أن من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام جاره وبره، وأمَر أهل الإيمان بذلك. وكل هذا تعريف بحق الجار وحض على حفظه؛ وقد أوصى الله بالإحسان إليه فى كتابه، وقال ﵇: " ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه ". وعن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله، إن لى جارين فإلى أيهما أهدى؟ قال: " إلى أقربهما منك باباً " (١).

стр. 279

الآخِرِ فَلا يُؤذِى جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ". ــ وكذا قوله - أيضاً -: " فليكرم ضيفه " (١) بمعنى ما تقدم. والضيافة من آداب الإسلام، وخلق النبيين والصالحين، وقد أوجبها الليث (٢) وقال: هى حق واجب ليلة واحدة، واحتج بالحديث: " ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم " (٣)، وبحديث عقبة: " إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بحق الضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى لهم " (٤). وعامة الفقهاء على أنها من مكارم الأخلاق، وحجتهم قوله ﷺ : " جائزته يوم وليلة "، والجائزة العطية والمنحة والصلة، وذلك لا يكون إلا مع الاختيار. وقوله: " فليكرم وليحسن " تدل عليه، إذ ليس يستعمل مثله فى الواجب (٥)، مع

стр. 280

٧٦ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى حَصِينٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قالَ: " فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ ". ٧٧ - (٤٨) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ ــ أنه جمعه مع إكرام الجار والإحسان إليه، وذلك غير واجب، فهو مثله. (١). وتأولوا الأحاديث أنها كانت فى أول الإسلام، إذ كانت المواساة واجبةً، وقيل: لعل هذا كان للمجاهدين أول الإسلام ولم يكن لهم سعةٌ للزاد، فأُلزِم من مرَّ بهم ضيافَتهم، وقيل: لعل ذلك على من أُلزِم الضيافة من أهل الذمة لمن يجوز بهم. واختُلِفَ: هل الضيافة على الحاضر والبادِ؟ فذهب لكون ذلك عليهما الشافعى ومحمد بن عبد الحكم (٢). وقال [مالك] (٣) وسحنون: إنما ذلك على أهل البوادى ولا يلزم أهل الحاضرة؛ لأن المسافر يجد فى الحضر المنازل فى الفنادق ومواضع النزول وما يشترى فى الأسواق، وقد جاء فى حديث: " الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر "، لكن هذا الحديث عند أهل المعرفة موضوع (٤). وقد تتعين الضيافة لمن اجتاز محتاجاً وضيف عليه، وعلى أهل الذمة إذا شرطت عليهم فى الأصل. وقوله: " فليقل خيراً أو ليصمت ": أى ليقل خيراً يثاب عليه، أو يصمت عن الشر فيسلم. وهو متل الحديث الآخر: " من صمت نجا " (٥)، فعرَّفَك بهذا أن من آمن بالله واليوم الآخر فليلزم هذه الأخلاق الحسنة، من إكرام الضيف، والجار، ودفع أذاه

стр. 281

عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو؛ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْن جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْخُزَاعِىِّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسن إِلى جَاره، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُل خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ". ــ عنه، وإمساك لسانه إلا فى خير ينفعه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ (١). واختلف السلف والعلماء: هل يكتب على العبد جميع ما يتكلم به؟ [أو] (٢) إنما يكتب ما يجازى عليه من خير أو شر دون لغو الكلام، وما يعنى الإنسان منه. وإلى هذا ذهب ابن عباس وغيره فى تفسير الآية (٣).

стр. 282

(٢٠) باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر واجبان ٧٨ - (٤٩) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ كِلاهُما عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهابٍ - وَهذَا حَدِيثُ أَبِى بَكْرٍ - قالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ، يَوْمَ الْعَيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقالَ: الصَّلاةُ قبْل الْخُطْبَةِ، فَقالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنالِكَ. ــ وقوله: " أول من بدأ الخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان " (١). قال القاضى: اختلف فى هذا، فوقع هنا ما تراه، ونحوه فى حديث أبى سعيد. وروى: أول من بدأ بالخطبة فيهما عثمان، وروى: أول من فعل ذلك عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - لما رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة ولا ينتظرون الخطبة، وقيل: بل ليدرك الصلاة من تأخر وبَعُدَ منزلُه، وقيل: أول من فعل ذلك معاوية، وروى: أن ابن الزبير فعله أيضاً، وتأول فى فعل بنى أمية فى ذلك لما أحدثوا من سب علىٍّ فيها - رضى الله عنه - فكان الناس يتفرقون لئلا، يسمعوا ذلك، فأخروا الصلاة ليُجلسوا الناس. والذى ثبت عن النبى ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان وعلى - رضى الله عنهم - تقديم الصلاة، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وقد عدَّه بعضهم إجماعاً - يعنى والله أعلم - بعد الخلاف، أو لم يلتفت إلى خلاف بنى أمية بعد إجماع الخلفاء والصدر الأول، قال مالك: وهى السُنَّة، قال أشهب (٢): إن بدأ بالخطبة أعادها بعد الصلاة. وقوله: " فقام إليه رجل " ثم قال (٣) بعدُ، فقال أبو سعيد: " أما هذا فقد قضى ما عليه ": يدل أن الرجل غير أبى سعيد، وجاء فى الحديث الآخر (٤): أن أبا سعيد هو

стр. 283

فَقالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هذَا فَقَدْ قَضى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغيِّرْهُ بِيدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذلِكَ أَضعَفُ الإِيمانِ ". ٧٩ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ. وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهابٍ، عَن أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، فِى قِصَّةِ مَرْوَانَ، وَحَدِيثِ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ ــ الذى جبذ بيد مروان إذ رآه يصعد المنبر وكانا جاءا معاً، فرد عليه مروان بمثل ما قال هذا الرجل، فيحتمل أنهما حديثان، جرى أحدهما لأبى سعيد، والآخر لغيره بحضرته. وقوله: " فقد قضى ما عليه " بمحضر ذلك الجمع، دليل على استقرار السنة عندهم على خلاف ما فعل مروان، وتبينه احتجاجه بقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من رأى منكم منكراً فليغيره " الحديث، ولا يسمى منكرًا ويعتقده هو ومن حضر [إلا] (١) ما استمر به عمل أو مضت به سنة. و (٢) فيه أدل دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل، وأن ما روى فيه عمن ذكرناه لا يصح، إذ لا ينبغى للآمر بالمعروف والناهى عن المنكر أن يحمل الناس على اجتهاده ومذهبه، وإنَّما يغيِّر منه ما اجتمع على إنكاره وإحداثه. واختلف العلماء فيمن قلده السلطان الحسبَة فى ذلك، هل يحمل الناس على رأيه ومذهبه إن كان من أهل الاجتهاد (٣)، أم لا يُغير على غيره ما خالف مذهبه؟ على قولين. وقوله: " فليغيره بيده " أصل فى هذا الباب. والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من واجبات الإيمان ودعائم الإسلام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا خلاف فى ذلك إلا ممن لا يعتد بخلافه من الرافضة (٤). ووجوبه شرعاً لا عقلاً (٥) خلافاً للمعتزلة.

стр. 284

النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَة وَسُفْيَانَ. ٨٠ - (٥٠) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيسَانَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَعْفَر بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم؛ عَنْ عبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْمِسْوَرِ، عَنْ أَبِى ــ وقوله: " فليغيره بيده فإن لم يستصع فبلسانه " الحديث: أصل فى صفة تغيير المنكر، وعلمٌ على العلم فى عمله، فمن حق المغيّر أولاً أن يكون عالمًا بما يُغيّره، عارفًا بالمنكر من غيره، فقيهًا بصفة التغيير ودرجاته، فيغيره بكل وجه أمكنه زواله به، وغلبت على ظنه منفعة تغييره بمنزعه ذلك من فعل أو قول، فيكسر آلات الباطل، ويريق ظروف المسكر بنفسه، أو يأمر بقوله من يتولى ذلك، وينزع المغصوب من أيدى المتعمدين، بيده أو يأمر بأخذها منهم، ويمكّن منها أربابها، كل هذا إذا أمكنه، ويرفق فى التغيير (١) جهده بالجاهل، أو ذى العزَّة الظالم المخوف شره، إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله، وامتثال أمره، وأسمع لوعظه وتخويفه، كما يستحب أن يكون متولى ذلك من أهل الفضل والصلاح، لهذا المعنى، ويغلظ على المغتِّر (٢) منهم فى غيِّه، والمسرِف فى بطالته، إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غيره، أو كان جانبه محميًا عن سطوة الظالم، فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرًا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسببه، كفّ يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ والتخويف، فإن خاف - أيضاً - أن يُسبّبَ قولُه مثل ذلك غير بقلبه، [وكان فى سَعَة، وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله، وإن وَجد من يستعين به على ذلك استعان، ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى من له الأمرُ - إن كان المنكر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه] (٣). هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافاً لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حالٍ وإن قُتِلَ ونيل منه كل أذى.

стр. 285

رَافِع، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ نَبِىِّ بَعَثَهُ اللهُ فِى أُمَّةٍ قَبْلِى، إِلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأخُذُونَ بِسُنَّتِهِ ويَقْتَدُونَ بِأمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّها تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِم خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ الإيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ". ــ وقوله: فى حديث ابن (١) مسعود: " ما من نبى بعثه الله ... " الحديث، وفيه: " إلا كان له من أمته حواريون .. " (٢)، قال الأزهرى: الحواريون خلصاءُ الأنبياء، ومعناه: الذين أُخلِصوا ونُقُّوا من كل عيب، وحوارِى الدقيق الذى نُخل. وقال يونس: هم خلصاؤهم وخاصتُهم، وقال السُلمى: هم الأَخِلاءُ، وقال ابن الأنبارى: هم المختصون المفضلون، وسُمى خبر الحوارى لأنه أشرف الخبر وأرفعه. وقال غيره: إنما سُمى بذلك أنصار عيسى؛ لأنهم كانوا يغسلون الثياب ويُحوّرونها أى يبيضونها، وقيل: لكل ناصر لسُنَّةٍ (٣): حَوارى تشبيهاً بأولئك. قال ابن الأنبارى: فى الحواريين خمسة أقوال: قال أهل اللغة: هم البيض الثياب، وقيل: هم المجاهدون، وقيل: الصيادون، وقيل: القصارون (٤)، وقيل: الملوك. وقوله: " ويخلفُ من بعدهم خلوف " هو جمع خلْف بالإسكان، وهو الذى يأتى بعد الآخر. قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْف﴾ (٥). ويقال فيه: خَلف بالفتح أيضاً، ومنه الحديث: " يحمل هذا العلم من كل خلفٍ
следующие страницы →