← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

١٢٥ - (...) وحدَّثنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنِ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِى القِعْدَةِ، وَلا نُرَى إِلا أَنَّهُ الحَجُّ، حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ، إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ وَبَينَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَنْ يَحِلَّ. قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا -: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ: أَتَتْكَ، وَاللهِ، بِالحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ. (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَّهَابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِى عَمْرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا. ح وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ١٢٦ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ. ح وَعَنْ القَاسِمِ، عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: " انْتَظِرِى، فَإِذَا طَهَرْتِ فَاخْرُجِى إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَهِلِّى مِنْهُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وَكذَا - قَالَ: أَظُنَّهُ قَالَ: غَدًا - وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ أَوْ - قَالَ - نَفَقَتِكِ ". ١٢٧ - (...) وحدَّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ القَاسِمِ وَإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لا أَعْرِفُ حَدِيثَ أَحَدِهِمَا مِنَ الآخَرِ؛ أَنَّ أُمَّ المُؤْمِنِينَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسَكِيْنِ. فَذَكَرَ الحَدِيثِ. ١٢٨ - (...) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا. ــ وقوله: " ولكنه على قدر نصبك أو نفقتك ": أى أجرك فى هذا بقدر تعبك وسعيك فى العمرة، أو نفقتك فى ذلك، وهذا قد استدل به من يكره العمرة من مكة بعد الحج، وقد سئل عنها علىّ، فقال: هى خير من لا شىء. وقال على - أيضاً -: هى خير من مثقال ذرةٍ. وقالت عائشة: العمرة على قدر النفقة. وكرهها جماعةٌ من السلف.

стр. 2172

وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلا نَرَى إِلا أَنَّهُ الحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوّفْنَا بِالبَيْتِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْىَ أَنْ يَحِلَّ. قَالَتْ: فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْىَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الهَدْىَ، فَأَحْلَلْنَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟ قَالَ: " أَوْ مَا كُنْتِ طفْتِ لَيَالِىَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ ". قَالَتْ: قُلْتُ: لا. قَالَ: " فَاذْهَبِى مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّى بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُك مَكَانَ ــ وقوله فى حديث الأسود عن عائشة: " فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن ساق الهدى أن يحل ": ونحو هذا فى حديث جابر: لا يعارضه ما جاء فى الأحاديث الأخر: أنه أمرهم بذلك حين دنوا من مكة، ويحتمل على أن النبى ﷺ كرّر أمرهم بذلك وحضهم عليه، فأمرهم أولاً بفسخ الحج فى العمرة، فلما طافوا أمرهم بالتحلل، فعلى هذا يجمع بين الخبرين. وقوله: " فلقينى رسول الله ﷺ وهو مُصعد من مكة وأنا منهبطة "، أو " أنا مصعدة وهو منهبط منها ": كذا جاء فى حديث الأسود، وجاء فى حديث القاسم: فجئنا رسول الله ﷺ وهو فى منزله، فقال: " هل فرغت؟ " قلت: نعم، فأذن فى أصحابه فخرج فمر بالبيت وطاف، وفى حديث صفية بنت شيبة عنها: " فأقبلنا حتى أتينا رسول الله ﷺ وهو بالحصبة ": ووجه الجمع من هذه الروايات أن بعث النبى ﷺ بعائشة مع أخيها بعد نزوله بالمحصب هو مفسر فى الحديث، وأنه الموضع الذى جعلت [منزله] (١) ووعدها أن تلحقه به، وهو مفسر أيضاً فى حديث آخر، ثم إنه ﵇ خرج بطواف الوداع ثم رجع، وكذلك ذكر البخارى أنه ﵇ رقد رقدةً (٢) فى المحصّب، ثم ركب إلى البيت فطاف به (٣). ويدل عليه لقاؤها له وهى سائرة إلى مكة لقضاء عمرتها [وهو صادرٌ عنها] (٤)، فلقاؤها له قبل تمام عمرتها وفى عملها، وفى انصرافه هو من الطواف ونزولها عليه بالمحصب بعد تمامها.

стр. 2173

كَذَا وَكَذَا ". قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِى إِلا حَابِسَتَكُمْ قَالَ: " عَقْرى حَلْقَى، أَوْ مَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: " لا بَأْسَ، انْفِرِى ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا منهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مَنهَبِطٌ مِنْهَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: مُتَهَبِّطَةٌ وَمُتَهبِّطٌ. ١٢٩ - (...) وحدَّثناه سُويْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُلَبِّى، لا نَذْكُرُ حَجًّا وَلا عُمْرَةً. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَنْصُورٍ. ١٣٠ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ ــ ولكنه يبقى بعد هذا من الإشكال [قولها] (١): فجئنا رسول الله ﷺ وهو فى منزله، فقال: " هل فرغت؟ "، قلت: نعم، فأذن فى أصحابه، فخرج فمر بالبيت وطاف، فيحتمل أن طوافه هذا غير طواف الوداع، وأنه أعاد؛ لأن منزله بالأبطح كان بأعلى مكة، وخروجه من مكة إنما كان من أسفلها، فلما رحل إلى المدينة واجتاز بمكة ليخرج من أسفلها على عادته ومر بالمسجد، كرر الطواف ليكون آخر عهده البيت. وقد جاء فى البخارى من رواية الأصيلى فى هذا الموضع: " فخرج رسول الله ﷺ ، ومن طاف بالبيت لا (٢) فلم يذكر فى هذه الرواية أنه أعاد الطواف، وقد يحتمل أن طوافه ﵇ هذا هو طواف الوداع، وهو أولى تأويلاته، وأنه لم يطف قبل، وأن لقاءه لعائشة كان حين انتقل من المحصب كما روى عبد الرزاق فى مصنفه: أن النبى ﷺ كره أن يقتدى الناس بإناخته فى البطحاء فبعث حتى أناخ على ظهر العقبة أو من ورائها ينتظرها (٣) يحتمل أن لقاءه لها كان فى هذا الرحيل، ثم طاف بعد الوداع، والله أعلم.

стр. 2174

اللهِ ﷺ لأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِى الحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ. فَدَخَلَ عَلَىَّ وَهُوَ غَضْبَانُ. فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رسُولَ اللهِ! أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ. قَالَ: " أَوَ مَا شَعَرْتِ أَنِّى أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ؟ " - قَالَ الحَكَمُ: كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ أَحْسِبُ - وَلَوْ أَنِّى اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الهَدْىَ مَعِى حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحلُّ كَمَا حَلُّوا ". ١٣١ - (...) وحدَّثناه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، سَمِعَ عَلِىَّ بْنَ الحُسَيْنِ عَنْ ذَكَوَانَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ لأَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِى الحِجَّةِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ. وَلَمْ يَذْكُرِ الشَكَّ مِنَ الحَكَمِ فِى قَوْلِهِ: يَتَرَدَّدُونَ. ١٣٢ - (...) حدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا -: أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ، فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالحَجِّ. فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ يَوْمَ النَّفْرِ: " يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ " فَأَبَتْ. فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى ــ وقوله: " أو ما شعرت أنى أمرت الناس بأمر، فإذا هم يترددون - قال الحكم: كأنهم يترددون، أحسب - ولو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ... " الحديث: كذا وقع هذا الكلام، ومعناه صحيح وإن كان فيه إشكال، وزاد إشكاله تغييرٌ فيه فى قوله: قال الحكم: " كأنهم يترددون "، وإنما صوابه: كأنه يترددون، وكذا ذكره ابن أبى شيبة عن الحكم، ومعنى ذلك: أن الحكم شك فى لفظه ﵇ هذا، مع (١) ضبطه لمعناه، و [هل] (٢) قال: يترددون؟ أو مثل هذا اللفظ وما فى معناه، ألا تراه كيف قال بعده: " أحسب ": أى أظن أن هذا لفظه، ويدل عليه قول مسلم بعد فى حديث غندر: ولم يذكر الشك من الحكم فى قوله: " يترددون ". قوله ﵇: " لو [أنى] (٣) استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ثم أحل ": فيه حجة أنه كان مهلاً بالحج، ويفسره قوله فى الحديث الآخر: " ولأهللت بعمرة "، وقوله هذا تطييب لأنفسهم لما رأى من توقفهم عن الإحلال إذ لم يحل هو لما كانوا من التأسى به.

стр. 2175

التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ. ١٣٣ - (...) وحدَّثنى حَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابِ، حَدَّثَنِى إبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا؛ أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافكِ بَالصَّفَا وَالمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ ". ١٣٤ - (...) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، حَدَّثَتْنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا -: يَا رَسُولُ اللهِ، أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِأَجْرَيْنِ وَأَرْجِعُ بِأَجْرٍ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِى بَكْرٍ أَنْ يَنْطَلِقَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيمِ. قَالَتْ: فَأَرْدَفَنِى خَلْفَهُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ. قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِى أَحْسُرُهُ عَنْ عُنُقِى، فَيَضْرِبُ رِجْلِى بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ. قُلْتُ لَهُ: وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِالحَصْبَةِ. ــ وقوله: " فاعتمرت بعد الحج ": يدل أنها غير قاضية لعمرةٍ، وإنما هى مبتدئة لها. وقوله: فى الحديث الآخر بعده (١): " يجزئ عنك طوافك عن حجك وعمرتك ": احتج به من يقول: إنها قارنة، وأن القارن إنما عليه طواف واحد، أنها (٢) لم ترفض عمرتها قبل، [وقد] (٣) تقدم كلامنا على نسك عائشة فى خاصتها بما فيه كفاية ومعنى " يجزئ " هنا: يكفى. وقوله فى الحديث الآخر: " فأهللت بعمرة ": جزاء بعمرة الناس: أى عوضاً عنها، ومنه: جزاء الصيد، أى ما يقوم مقامه، وأصله مما يقوم من المكافأة عن الشىء. وقولها: " فأردفنى خلفه ": فيه جواز إرداف ذوى المحارم وقربهن من محارمهن، وهذا فى مراكب (٤) الجمال وما شاكلها مما لا يضغط الأرداف الأجسامَ بعضها إلى بعض، والله أعلم، وقد احتج بعضهم بحديث عائشة [هذا] (٥) واعتمارها الآن مع عمرتها الأولى؛ على جواز العمرة فى السنة مرتين. وسيأتى الكلام فى ذلك والخلاف فيه إن شاء الله.

стр. 2176

١٣٥ - (١٢١٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، أَخْبَرَهُ عَمْرُو بْن أَوْسٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، فَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ. ١٣٦ - (١٢١٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ. قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: " الحِلُّ كُلُّهُ "، فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّبْنَا بالطِيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلا أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - فَوَجَدَهَا تَبْكِى فَقَالَ: " مَا شَأَنُكَ " قَالَتْ: شَأْنِى أَنِّى قَدْ حِضْتُ وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الحَجِّ الآنَ. فَقَالَ: " إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِى ثُمَّ أَهْلِّى بِالحَجِّ "، فَفَعَلَتْ وَوَقَفَت المَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالكَعْبَة وَالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ــ وقولها فى هذا الحديث من رواية صفية بنت شيبة: " فجعلت أرفع خمارى أحسر عن عنقى ": بكسر السين وضمها، أى أزيله وأكشفه. وقولها: " فتضرب رجلى بِعِلَّةِ الراحلةِ، قلت له: وهل ترى من أحدٍ؟ ": كذا وقع فى كتاب مسلم من جميع الروايات، وهو كلام مختل. قال بعضهم: صوابه ثفنه (١) الراحلة، [أى] (٢) فخذها، يريد ما خشن من مواضع مباركها، قال أهل اللغة: كل ما والى الأرض من كل ذى أربع إذا برك فهو ثفنه. قال القاضى: وحتى الآن لا يستقيم الكلام على هذا، ولا جوابها بقولها: " هل ترى من أحد؟ ": ولأن رجل الراكب قلما تبلغ ثفنها، ووجدته بخط شيخنا القاضى التميمى:

стр. 2177

ثُمَّ قَالَ: " قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا ". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى أَجِدُ فِى نَفْسِى أَنَّى لَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ. قَالَ: " فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ "، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ. (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ ــ " بعلة " (١) بباء واحدة، وعلم عليه علامة الجيانى، وفى بعض الأصول: " ثقلة " (٢)، وكل ذلك وهم، والصواب عندى فى ذلك: فيضرب رجلى بنعلة (٣) السيف، يعنى أخاها لما حسرت خمارها عن عنقها، ولذلك قالت له: " وهل ترى من أحدٍ؟ " والله أعلم. وقوله فى حديث جابر عن عائشة: " حين طهرت وطافت ": يقال: طهرت المرأة من حيضها، بفتح الهاء وضمها، وقد تقدم. وقوله: " قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً ": يدل أن عمرتها لم ترتفض، كانت متقدمة على ظاهر حديث عروة أو متأخرة على حديث غيره، وأنها كانت قارنة على ما قدمناه، وفيه حجة أن الطواف الواحد يجزئ فى القران، وقد تقدم، وهو بيّن فى حديث طاوس، ومجاهد: " يجزئ [عنك] (٤) طوافك وسعيك، طوافك لحجك وعمرتك "، وفى حديثها الآخر: " فإنما طافوا طوافاً واحداً ". وقولها: " وقد أحل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت ": تريد من العمرة التى كان أمر ﵇ الناس بفسخهم حجهم بها. وقوله: " اغتسلى ثم أهلّى بالحج ": تقدم الكلام عليه، وقولها: " إنى أجد فى نفسى " الحديث، وأمر النبى ﵇ أخاها [بإعمارها] (٥)، يدل أن ذلك كله ليس بقضاء بل عمرة مبتدأة، ويدل عليه قوله فى الرواية الأخرى عنه: " وكان رسول الله ﷺ [سهلاً إذا هويت الشىء تابعها عليه ": وفيه حسن العشرة مع الأزواج ومساعدتهن،

стр. 2178

عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ - أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - وَهِىَ تَبْكِى، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى آخِرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ. ١٣٧ - (...) وحدَّثنى أَبُو غَسَّانَ المِسْمعىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - يَعْنِى ابْنَ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ مَطَرٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - فِى حَجَّةِ النَّبِىِّ ﷺ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ. وَزَادَ فِى الْحَدِيث: قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً سَهْلاً، إِذَا هَوِيَتِ الشَّىْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ. فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكرٍ فَأَهَلَّتْ بِعُمْرِةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ. قَالَ مَطَرٌ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ . ١٣٨ - (...) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، مَعَنَا النِّسَاءُ وَالوِلْدَانُ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالبيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ. فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ــ لاسيما فيما هو من باب الطاعات، وما كان عليه ﷺ من الخلق العظيم] (١) وهو معنى قوله: " سهلاً ": أى حسن الخلق ميسراً مساعداً، لما وصفه الله تعالى. وقوله: " فكانت إذا حجت صنعت كما صنعت مع رسول الله ﷺ ": معناه - والله أعلم - من إفراد الحج، وهو كان مذهبها، وأما اعتمارها بعد الحج من التنعيم، فقد روى عنها أنها قالت: " وددت أنى صمت ثلاثة أيام، أو أطعمت عشرة مساكين ولم أعتمر من التنعيم "، وقالت: " العمرة على قدر النفقة "، وقد تقدم قول النبى ﷺ لها نحو هذا. وقوله: " خرجنا (٢) معنا النساء والولدان ": فيه حج الصبيان والحج بهم، وأن لهم حجاً، ويلزمهم من أحكامه ما يلزم الكبير فى كل شىء، ولا يسقط عنهم الفرض إذا بلغوا، وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفتوى (٣)، والسلف الصالح، وخالف أبو

стр. 2179

" مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيَحْلِلْ ". قَالَ: قُلْنَا: أَىُّ الحِلِّ؟ قَالَ: " الحِلُّ كُلُّهُ ". قَالَ: فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَمَسِسْنَا الطِّيبَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهْلَلْنَا بِالحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الأَوَّلُ بِيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِى الإِبِلَ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِى بَدَنَةٍ. ١٣٩ - (١٢١٤) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا، أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى. قَالَ: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الأَبْطَحِ. ١٤٠ - (١٢١٥) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَمْ يَطُفِ النَّبِىُّ ﷺ ، وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، إِلا طَوَاَفاً وَاحِدًا. ــ حنيفة (١) فقال: لا يصح له إحرام ولا له حج، ولا يلزمه شىء من أحكامه، وإنما يحج به للتمرن (٢) ويتعلم، [ويتجنب محظوراته] (٣) للتعليم لا لغير ذلك، وكذلك يقول فى صلاته: إنها ليست له صلاة، وسيأتى الكلام على المسألة مستوعباً آخر الكتاب. وقوله: " فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك فى الإبل والبقر، كل سبعة منا فى بدنة ": يحتج به من يقول: الاشتراك (٤) فى واجب الهدى، إن كان هذا الهدى للقران، أو التمتع الذى فعلوه كما تقدم، على أن [ذكر] (٥) الاشتراك والهدى لم يأت فى هذا الحديث إلا فى هذه الرواية من طريق أبى خيثمة عن أبى الزبير عن جابر، وإنما قصة الاشتراك عمرة الحديبية، وسيأتى ذكرها إن شاء الله. وقوله: " أمرنا ﵇ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، فأهللنا من الأبطح ": قد تقدم الكلام على إهلال أهل مكة ومن بها، ومكانه ووقته، ويأتى منه أيضاً. والأبطح: هو بطحاء مكة، وهو المحصب والخيف، واستحباب مالك أن يكون إهلالهم من المسجد.

стр. 2180

زَادَ فِى حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكرٍ: طَوَافَهُ الأَوَّلَ. ١٤١ - (١٢١٦) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - فِى نَاسٍ مَعِىَ، قَالَ: أَهْلَلْنَا - أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقِدَمَ النَّبِىُّ ﷺ صِبحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِى الحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: "حِلُّوا وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ ". قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ. فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلا خَمْسٌ، أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِىَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِىَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا المَنى. قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ - كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُّهَا - قَال: فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ فِينَا. فَقَالَ: " قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّى أَتْقَاكُمْ للهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلا هَدْيِى لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْىَ، فَحِلُّوا "، فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِىٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ. فَقَالَ: " بِمَ أَهْلَلْتُ؟ ". قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا ". قَالَ: وَأَهْدى لَهُ عَلِىٌّ هَدْيًا. فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لأَبَدٍ؟ فَقَالَ: " لأَبَدٍ ". ــ وقول عطاء فى أمره ﵇ لهم أن يحلوا أو يصيبوا النساء، قال: " ولم يعزم عليهن ولكن أحلهن لهم ": يعنى لم يعزم فى وطء النساء، وأما فى الإحلال فكانت عزيمة. وقوله: " فقدم علىّ من سعايته ": أى من عمله، [قيل] (١) فى السعى فى الصدقات. قال بعض علمائنا: الذى فى غير هذا الحديث: إنما بعث علىّ أميراً لا عاملاً على الصدقة؛ إذ لا يجوز لبنى هاشم استعمالهم عليها، إذ لا تجوز لهم، وقد قال النبى ﵇ للفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: " إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد " (٢): قيل: يحتمل أن علياً ولى الصدقات وغيرها احتساباً، أو أعطى عمالته عليها من غير الصدقة، وهذا أشبه لقوله: " من سعايته "، والسعاية إنما

стр. 2181

١٤٢ - (...) حدَّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكَ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا، وَضَاقَتْ بهِ صُدُورُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىُّ ﷺ ، فَمَا نَدْرِى أَشَىْءٌ بَلَغَهُ مِنَ السَّمَاءِ، أَمْ شَىْءٌ مِنْ قِبَلِ النَّاسِ. فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، أَحِلُّوا، فَلَوْلا الهَدْىُ الَّذِى مَعِى فَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتُمْ ". قَالَ: فَأَحْلَلْنَا حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الحَلالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالحَجِّ. ــ تختص بالصدقة، [وقد تكون على ما قاله من ذكرنا من إمارته. قال أبو عبيد: كل من ولى شيئاً على قوم فهو ساعٍ عليهم] (١). وقوله: فقال له النبى ﷺ : " أهدِ وامكث حَراماً "، ومثله فى حديث أبى موسى فى الحديث [الذى] (٢) بعده، وكان - أيضاً - قدم من اليمن، وأهلّ بما أهلّ به النبى ﷺ ، فقال: " هل سقت من هدى؟ " قال: لا، فقال: " طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلّ ": اتفق أول الحديثين فى تعليق النية، واختلف آخرهما فى التحلل لأبى موسى والمكث لعلى حراماً. أخذ بظاهر هذين الحديثين الشافعى، وجوز الإهلال بالنية المبهمة، قال: ثم له بعد أن ينقلها لما شاء من حج أو عمرة، وله عنده أن ينتقل من نسك إلى غيره وخالفه سائر العلماء والأئمة، لقوله ﵇: " إنما الأعمال بالنيات " (٣)، ولقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه﴾ (٤)، ولقوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم﴾ (٥)، ولأن هذا كان لهؤلاء خصوصاً، إذ كان شرع الحج بعد، وما يفعله النبى ﷺ من ذلك لم يستقر ولم يكمل بعد، فلم يمكنها الإقدام على أمرٍ بغير تحقيق، وأمره لأبى موسى بالإحلال على معنى ما أمر به غيره من الفتح بالعمرة لمن ليس معه هدى، وأمره لعلىٍ أن يهدى ويمكث حَرَاماً، إما لأنه - والله أعلم - كان معه هدى، وفى الحديث: " اهد وامكث حَرَامٌ "، أو يكون قد اعتقد النبى ﷺ أنه يهدى عنه، أو يكون قد خصه بذلك، أو لما كان النبى ﵇ أمره بسوق هذه البدن من اليمن، فكان كمن معه هدى، ولا يظن أن هذه البدن من السعاية والصدقة بوجه؛ إذ لا يحل للنبى ﷺ الصدقة ولا يهدى منها، والأشبه

стр. 2182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنّ علياً اشتراها باليمن كما اشترى النبى ﷺ بقيتها وجاء بها من المدينة على ما جاء فى حديث جابر بعد هذا وغيره، وفى الحديث غير الأم: أنه اشترى ﵇ هديه بقديد (١)، وفى الأم بعد هذا فى حديث ابن عمر: " فساق الهدى معه من ذى الحليفة " (٢)، وكان النبى ﷺ قد أعلمه أنه سيعطيه هدايا منها، ففى حديث جابر: أنه قدم ببدن النبى ﷺ ، وقد يحتمل أنه كان له فيها هدى لم يحتج إلى ذكره فى الحديث، فلم يمكنه أن يحل، ويدل على هذا سؤال النبى ﷺ لأبى موسى: " هل ساق معه هدياً؟ "، ولم يسأل علياً، فدل على علمه بأنه كان ممن أهدى أو ممن حكمه حكم من أهدى، واحتج الخطابى بحديث علىّ أن النبى ﷺ كان قارناً، فلهذا أمر علياً أن يثبت، إذ لا يحل لقارن، واستدل بأمره بالهدى، والهدى لا يجب على غير القارن. قال القاضى: وهذا لا حجة فيه، لأنه قد أمر أبا موسى بالإحلال، وقد أهل بمثل ما أهل به علىّ من التعليق على إهلال النبى ﷺ ، فلو كان النبى ﷺ قارناً - كما زعم - كان حكمها سواء، وإنما ذلك لكون الهدى مع علىّ، كما قدمناه، ولا حجة له فى قوله: " وأهد "، وتخصيص ذلك بالقارن؛ لأن المتمتع - أيضاً - يلزمه الهدى، بل هو تنبيه - والله أعلم - على تسويغ الهدى الذى جاء به له، أى معك هدى فاهده (٣)، وتأول الخطابى أن إحرامهما كان مختلفاً، فإحرام علىّ بمثل إحرام النبى ﵇ وإحرام أبى موسى معناه عنده بمثل ما سنه وشرعه، وهذا تفريق (٤) بعيد. وقول سراقة فى هذا الحديث: لعامنا هذا أم لأبد. فقال: " لأبد "، وفى الحديث الآخر: فشبك رسول الله ﷺ أصابعه، وقال: " دخلت العمرة فى الحج - مرتين - لا، بل لأبد الأبد "، قال الإمام: جمهور الفقهاء (٥) على أن فسخ الحج فى العمرة إنما كان خاصاً للصحابة، وأنه ﵇ إنما أمرهم بذلك ليخالفوا ما كانت الجاهلية عليه، من أنها لا تستبيح العمرة فى أشهر الحج، [وتقول] (٦): إذا برأ الدّبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر. وقال بعض أصحاب الظاهر: [بل] (٧) ذلك جائز إلى الأبد، واحتجوا بقوله ﵇: لسراقة بل لأبد (٨)، ويحتمل عندنا أن يريد بقوله: " [بل] (٩) لأبد ": الاعتمار فى أشهر الحج لا فسخ الحج [فى العمرة] (١٠)، واحتجوا - أيضاً - بما فى بعض طرق هذا الحديث [لما قال سراقة: ألعامنا أم للأبد؟ فقال] (١١):

стр. 2183

١٤٣ - (...) وحدَّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمتِّعًا بِعُمْرَةٍ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ النَّاسُ: تَصِيرُ حَجَّتُكَ الآنَ مَكِّيَّةً، فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ فَاسْتَفَتيْتُهُ. فَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِىُّ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ سَاقَ الهَدْىَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَطُوفُوا بِالبَيْتِ وَبَيْنَ ــ " دخلت العمرة فى الحج، [لا] (١)، بل لأبد الأبد "، ويحتمل عندنا أن يريد بقوله: " دخلت العمرة فى الحج ": أى جازت فى أشهر الحج، خلافاً لما كانت الجاهلية تعتقده، ويحتمل أن يكون دخولها فى الحج فى عمل القارن، وقد تأوله بعض من لم ير العمرة واجبة على أن المراد به سقوط فرض العمرة بالحج، فمعنى دخول العمرة فى الحج: سقوط وجوبها، وقد ذكر النسائى (٢) [فى كتابه أنه سئل، فقيل له: ألعامنا أم للأبد؟ فقال] (٣): إنه قال ﵇ فى هذا الحديث: " لكم خاصةً "، فهذا يؤكد ما قلناه، ويحمل هذا - على الفسخ، وهو الذى لهم خاصةً، والأول على إجازة العمرة فى أشهر الحج، وهو الذى لهم، وللناس بعدهم. قال القاضى: قد ذكر مسلم بعد هذا فى حديث أبى ذرٍ: " كانت لنا رخصةٌ ": يعنى المتعة فى الحج (٤)، وفى الحديث الآخر: " لأصحاب محمدٍ خاصةً " (٥)، وذكر النسائى حديث سراقة، وفيه: تمتعنا مع رسول الله ﷺ فقلنا: لنا خاصة أم للأبد؟ فقال: " بل للأبد " (٦)، وذكر حديث الحارث بن بلال عن أبيه، وفيه: فقلت: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: " بل لنا خاصةً " (٧)، فقد تبين بمجموع هذه الأحاديث وتفسير ما فُسرَ منها فى روايةٍ وبيانه لما أجمل فى غيرها - أن الخصوص لفسخ الحج فى العمرة، وعموم الإباحة فعل العمرة فى أشهر الحج. وقوله لمن أمره بالحل: " طوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصروا ": بين [هذه الزيادة] (٨) ما لم يذكره فى الأحاديث الأخر، هذا لا خلاف فيه أن التحلل من العمرة بعد تمامها بالخلاف، وسيأتى الكلام على التحليق والتقصير بعد هذا.

стр. 2184

الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصَّرُوا، وَأَقِيمُوا حَلالاً، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِى قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةَ ". قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ؟ قَالَ: " افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَإِنِّى لَوْلا أَنِّى سُقْتُ الهَدْىَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِى أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ لا يَحِلُّ مِنِّى حَرَامٌ، حَتَّى يَبْلُغُ الهَدْىُ مَحِلَّهُ " فَفَعَلُوا. ١٤٤ - (...) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِىٍّ القَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ المُغِيرَةُ ابْنُ سَلَمَةَ المَخْزُومِىُّ، عَنْ أَبِى عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَنَحِلُّ. قَالَ: وَكَانَ مَعَهُ الهَدْىُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً. ــ وقوله: " حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا ما قدمتم به متعة " قالوا: كيف يجعلها متعةً وقد سمينا (١) الحج؟: دليل على أن إحرامهم كان بالحج، وأن معنى رواية من روى أنهم تمتعوا إنما أخبر عن ثانى حالٍ، وهو فسخهم الحج فى العمرة، ثم الحج بعدها، وفيه حجة [على] (٢) أن الإهلال للمكيين ومن بها يوم التروية، وقد تقدم الكلام فيه، وقد احتج داود بما جاءه فى هذه الأحاديث ومن روى فيها القران، على أنه لا دم على القارن؛ إذ لم يأتِ فى الحديث ذكر الدم، بخلاف ما جاء من النص على الدم على المتمتع، ولم ير القياس كما قاسه غيره.

стр. 2185

(١٨) باب فى المتعة بالحج والعمرة ١٤٥ - (١٢١٧) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بالمُتْعَةِ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ: عَلَى يَدَىَّ دَارَ الحَديثُ، تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ اللهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ، وَإِنَّ القُرآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ، فَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ، كَمَا أَمَرَكُمْ اللهُ، وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ، فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ، إِلا رَجَمْتُهُ بِالحِجَارَةِ. (...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِى الحَدِيثِ: فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُّمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ. ــ وذكر مسلم اختلاف ابن عباس وابن الزبير فى المتعة، وأن ابن الزبير كان ينهى عنها، وقول جابر: " على يدى دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله "، وفى بعض طرقه " فافصلوا حجكم من عمرتكم "، قال الإمام: اختلف فى المتعة التى نهى عنها عمر فى الحج، فقيل: هى فسخ الحج فى العمرة، وقيل: بل هى العمرة فى أشهر الحج، والحج بعدها، ولكون نهيه عن ذلك على جهة الترغيب فيما هو الأفضل الذى هو الإفراد، وليكثر تردد الناس إلى البيت. والتمتع عندنا له ستة شروط: أن يعتمر ويحج فى عام واحد، فى سفر واحد، ويقدم العمرة على الحج ويفرغ منها، ثم ينشئ الحج، ويوقع العمرة أو بعضها فى أشهر الحج، ويكون غير مكى، فإن اختل من هذه الشروط الستة شرط واحد لم يكن عليه دم. قال القاضى: جاء من الاختلاف فى المتعة فى الأم ما تقدم، وجاء فيه بعد هذا عن أبى موسى أنه كان يفتى بالمتعة، ويحتج بأمر النبى ﷺ له بالإحلال بها، كما تقدم عنه، وقول عمر له: أن تأخذ بكتاب الله، فإن الله يأمر بالتمام، وذكر عن عثمان - أيضاً - أنه كان ينهى عن المتعة أو العمرة، ومخالفة علىّ له فى ذلك، وأنه أهل بهما جميعاً، وقول أبى ذر: كانت المتعة فى الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصةً، وفى الرواية الأخرى: رخصةً، وقول عمران بن حصين: إن النبى ﵇ أعمر طائفة من أهله فى

стр. 2186

١٤٦ - (١٢١٦) وحدَّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثَ عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً. ــ العشر، فلم تنزل أنه فسخ ذلك، وفى الرواية الأخرى جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينه عنها، وظاهر هذا فى حديث جابر وعمران، وأبى موسى: أن المتعة التى اختلفوا فيها إنما هى فسخ الحج والعمرة، ولذلك جاء ضرب عمر عليها، وما كان ليضربهم على مجرد التمتع فى أشهر الحج، وإنما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة: أنه كان خصوصاً قبل ذلك فى تلك الحجة من فسخ الحج فى العمرة. قال أبو عمر الحافظ: لا خلاف بين العلماء فى [أن] (١) التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْي﴾ (٢): أنه الاعتمار فى أشهر الحج قبل الحج، على ما تقدم من صفته، ومن التمتع - أيضاً - عند العلماء القران؛ لأنه تمتع بسقوط سفِره الثانى من بلده كما صنع الأول. ووجه ثالث من التمتع: فسخ الحج فى العمرة. والوجه الرابع: ما ذهب إليه ابن الزبير من تمتع المحصر بعدها أو عذر حتى تذهب أيام الحج، فيحل بالطواف بالبيت والسعى، وتمتع بحله إلى قابل، ثم يحج ويهدى، وأما نهى عمر عن متعة النساء فهو أمر كان خاصاً أولاً - كما جاء فى حديث أبى ذرٍ - ثم نسخ، وكان فيه خلاف فى الصدر الأول ثم وقع الإجماع، وسيأتى بيانه فى كتاب النكاح إن شاء الله تعالى. وعلى ما ذكره من شروط التمتع الموجب للهدى الذى ذكر الله كافة فقهاء الأمصار، وروى عن الحسن إسقاط شرط الحج من عامه، ورأى أن على التمتع (٣) فى أشهر الحج هدياً حج أو لم يحج، وروى عنه - أيضاً - إسقاط شرط العمرة [فى أشهر الحج] (٤) وقال: إن اعتمر فى غير أشهر الحج ثم حج من عامه فعليه الهدى، وهذان القولان شاذان لم يقل بهما أحد من العلماء غيره، وروى عنه [أيضاً] (٥) إسقاط شرط الإقامة وإلزام الهدى، وإن حج من عامه بعد أن رجع بعد العمرة إلى بلده.

стр. 2187

(١٩) باب حجة النبى ﷺ ١٤٧ - (١٢١٨) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ حَاتِمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِىُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَىَّ. فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىِّ ابْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِى فَنَزَعَ زِرِّى الأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّى الأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَىَّ وَأَنَا يَوْمئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ. يَا ابْنَ أَخِى، سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَر وَقْتُ الصَّلَاةِ. فَقَامَ فِى نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكَبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤهُ إِلَى جَنْبِهِ، عَلَى الْمِشجَبِ فَصَلَّى بِنَا. ــ حديث جابر الطويل قال القاضى ﵀: قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وقد ألف فيه أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيراً وخرج فيه من الفقه مائة نوع ونيفاً وخمسين [نوعاً] (١)، ولو تقصى لزيد على هذا العدد قريب منه، وقد تقدم الاحتجاج أثناء ما تقدم فيه من الكلام بنكت منه وسنذكر هنا فصولاً مما يحتاج إليه إلى التنبيه عليه من غامض فقه، أو مما يحتاج الاحتجاج به فى موضع الخلاف إن شاء الله، ففيه أولاً قول محمد بن على بن حسين لما دخل عليه: أنه سأل عن القوم حتى انتهى إلىَّ، لأن جابراً كان قد عمى حينئذٍ، وفيه الاهتيال بالداخلين على الرجل والسؤال عنهم لينزل كل واحدٍ منزله، كما جاء فى الحديث (٢) ويعرف لأهل الحق حقه، كما فعل جابر وتقديمه فى السؤال لمحمد [بن على] (٣) وتأنيسه له، وقوله: " مرحباً بك يا ابن أخى، سل عما شئت وحله إزاره بيده، وجعله كفه بين ثدييه ": كل هذ برأ بالزائر، ويستفاد من هذا إكرام الزائر بنزع ردائه، وخلع خفيه. وقوله: " وأنا يومئذ غلام شاب ": تنبيه أن موجب فعل جابر له ذلك تأنيساً له لصغره، ورقةً عليه؛ إذ لا يفعل هذا بالرجال الكبار، من إدخال اليد فى جيوبهم إكباراً لهم، وفيه أن لمس الغلمان الأجانب على وجه الرقة ولغير التلذذ جائز، بخلاف شباب الجوارى، وحكم لمسهم كالنظر إليهم، وإنما يحرم من لمس الغلمان والنظر إليهم، ما كان من ذلك على وجه التلذذ [وقد] (٤) تقدم تفسير " مرحباً " (٥).

стр. 2188

فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِى عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ بِيَدِهِ، فَعَقَدَ تِسْعًا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُول اللهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِى النَّاسِ فِى الْعَاشِرَةِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأَتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُليْفَةَ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِى بَكْرٍ، ــ وقوله: " وحضر وقت الصلاة فقام فى ساجة ملتحفاً بها " وذكر صِغرها، قال: " ورداؤه على المشجب ": السّاجة: ثوبٌ كالطيلسان وشبهه، وكذا فى رواية الجمهور وهو الصواب، وعند الفارسى: " نساجة "، وفى كتاب ابن عيسى: " نساجَة "، وكذا رواه أبو ذر (١): " نساجة "، وقال: تعنى ثوباً ملففاً [وكذا] (٢) قال بعضهم: وهو خطأ وتصحيف، والمشجب: أعواد توضع عليها الثياب، ومتاع البيت، وفيه جواز الصلاة بمثل هذا، وإمامة الأعمى، وقد مر منه فى الصلاة أتم من هذا. وقوله: " مكث رسول الله ﷺ تسع سنين لم يحج ": يعنى فى المدينة، وقد روى أنه ﵇ حج بمكه حجتين (٣). وقوله: " ثم أذن فى الناس فى العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة خلق كثير "، يحتج به من لم ير الحج على الفور، وقد تقدم أن فرض الحج كان فى سنة تسع، وقيل: خمس، والأول أصح. وأول من أقام للمسلمين الحج عتَّاب بن أَسِيْد (٤) سنة ثمان، ثم أبو بكر سنة تسع. وحج ﵇ فى سنة عشر، وقد يجيب عنه من خالفه بأنه ﵇ إنما أخره حتى لا يرى منكراً بالمسجد الحرام؛ من حج المشركين وتلبيتهم، وطواف العراة، وقد جاء ذلك فى حديث مبيناً، وأن النبى ﷺ أراد أن يحج ذلك العام، ثم ترك ذلك لأجل المشركين، ووجّه أبا بكر وعلياً، وقيل: بل كان النبى ﵇[قد] (٥) أدى فرضه بمكة، وهذا يعترض عليه بأن الفرض إنما نزل بالمدينة، وبأنه لم يأمر الناس بالمبادرة للحج من فريضته.

стр. 2189

فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: " اغْتَسِلِى، وَاسْتَثْفِرِى بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِى، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْواءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى ــ وقد اختلف العلماء فى حجة أبى بكر سنة تسع، هل كانت حجة الإسلام بعد نزول فرضها، وهو الأظهر لوقوف جميع الناس بعرفة ولإنذار علىّ فيها ببراءة، وفيها ذكر النسىء وشرائع الحج، وقيل: بل كانت على غير الفرض، وعلى ما كانت عليه قبل الإسلام، والأول أظهر، وقيل بل كان يقع حج الناس تلك السنة فى ذى القعدة على تحقيق الحساب لأجل نسئ الجاهلية، فتركه ﵇ للعام الثانى حتى وقع الحج بموضعه. ولهذا قال: " إن الزمان قد استدار كهيئة (١) يوم خلق الله السماوات والأرض " (٢)، وقد أنكر هذا بعضهم، وقيل: بل كان حجه فى ذي الحجة صحيح كما تقدم، ذكره القاضى إسماعيل، وسيأتى الكلام على حديث استدارة الزمان فى موضعه من الكتاب. وفيه ما يستحب [من فعل الأئمة] (٣) من إنذار الناس للتأهب للأمور العظيمة، لاسيما فى مثل هذه العبادة المفترضة ابتداء، الكثيرة الأحكام، المحتاجة إلى البيان بالقول والفعل، المضطر فيها إلى الاقتداء به ﵇ ولهذا قال: " خذوا عنى مناسككم " (٤). وقوله: " كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ : هذا مما يبين أنهم كانوا كلهم حجاجاً؛ إذ كان ﵇ أحرم بالحج لائتمامهم به، وبعيدٌ أن يخالفوه فيما أحرم به، وهذا جائز، يقول فى حديثه: " وما عمل من شىء عملنا به "، ومن هذا [فى] (٥) الحديث توقفهم عن التحلل بالعمرة لما لم يتحلل حتى أغضبوه واعتذر لهم، وقال: " افعلوا ما آمركم به "، وهذا علىٌّ وأبو (٦) موسى لما غابا لم يقدما على تعيين شىء، وعلقا إحرامهما بما أحرم به ﵇ وتقدم الكلام فى قصة أسماء بنت عميس. وقوله: " استثفرى " (٧): أى اجعلى لنفسك كثفر (٨) الدابة؛ ليمتنع ذلك الموضع من سيلان شىء من الدم، تنزيهاً للعبادةِ عن إظهار هذه النجاسة على صاحبها. إذ لم يقدر على أكثر من هذا، وتقدم الكلام على إحرامه من المسجد والخلاف فيه، وذكر الصلاة قبل الإحرام. وقوله: " ثم ركب القصواء ": ممدود بفتح القاف، ووقع عند العذرى بضم القاف

стр. 2190

الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِى بَيْنَ يَدَيْهِ، مِنْ رَاكبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أُظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأَوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَىْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنَّعْمَةَ لَكَ وَالْملْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ". وَأَهَلَّ ــ والقصر، وهو خطأ فى هذا الموضع، والصواب الفتح هنا والمد. قال الإمام: يعنى ناقته. قال ابن قيتبة: كانت للنبى ﵇ نوق، منها: القصواء، والجدعاء، والعضباء. قال أبو عبيد: العضباء: اسم ناقة للنبى ﵇ ولم تسم بذلك لشئ أصابها. قال القاضى: جاء هنا أنه ركب القصواء، وفى آخر الحديث أنه خطب على القصواء، وفى غير مسلم أنه خطب على ناقته الجدعاء (١) وفى حديث آخر على ناقةٍ خرماء (٢)، وفى آخر مخضرمة (٣). وفى الحديث: أنه كانت له ناقة لا تسبق تسمى: القصواء، وفى حديث آخر تسمى: العضباء (٤)، فدليل هذا كله أنها ناقة واحدة، خلاف ما قال ابن قتيبة، وأن ذلك كان اسمها، أو وصفها لهذا الذى بها، خلاف ما قال أبو عبيد. لكن يأتى فى كتاب النذور ما يدل أن العضباء غير القصواء على ما بيناه هناك. قال الحربى: العضب والجدع والحزم والقصو والخضرمة مثلةٌ فى الأذن، قال ابن الأعرابى: القصواء التى قطع طرف أذنها، والجدع أكثر منه، وقال الأصمعى فى القصواء مثله، قال: وكل قطع فى الأذن جدع، فإن جاوز الربع فهى عضباء، والمخضرم: المقطوع الأذنين، فإذا اصطلمتا فهى صلماء، وقال أبو عبيدة: القصواء: المقطوعة الأذن عرضاً، والمخضرمة: المستأصلة، والعضباء: النصف فما فوقه، قال الحربى: فالحديث يدل أنه اسمها كان كانت عضباء الأذن، فقد جعل اسمها، قال الخليل: الخضرمة: قطع الواحدة، والعضباء: المشقوقة الأذن. وقوله: " نظرت إلى مد بصرى من بين راكب وماشٍ ": فيه جواز الحج للركبان

стр. 2191

النَّاسُ بِهَذَا الَّذِى يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ الله ﷺ ــ والمشاة، وقد اختلف العلماء أيهما أفضل؟ فذهب مالك والشافعى فى آخرين إلى أن الركوب أفضل؛ لأنه الذى فعله النبى ﵇ ولفضل النفقة فيه، ولأن فى راحة جسمه [من تعب المشى] (١) توفيراً على إقامة وظائف [مناسك الحج، والصبر على استيعابها. قال بعضهم: ولما فيه من تعظيم شعائر الحج بأبَّهة الركوب فى تلك] (٢) المناسك. ولا خلاف بينهم أن الركوب فى الوقوف بعرفة أفضل لما ذكرناه، وذهب غيرهما إلى أن المشى أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس، ولأنها عبادة فى نفسها. وقد اختلف على هذا فى الراحلة، هل هى شرط فى الاستطاعة أم لا؟ فذهب أكثرهم على أنها القدرة على الحج على العموم، إما بنفسه إن قدر على المشى، أو بالراحلة إن لم تكن ممن تقدر على المشى مع الزاد ووجود السبيل. والاستطاعة فى اللغة: القدرة، وهو قول مالك فى كافتهم، وذكر (٣) عن جماعة من السلف أن الاستطاعة: الزاد والراحلة، وهو قول أبى حنيفة والثورى وأحمد وإسحاق، وبه قال الشافعى (٤). فلم يروا على من لا يملك راحلة حجاً، وإن قدر على المشى؛ لما فيه من المشقة، وأنه ليس من الاستطاعة، وأن الاستطاعة هنا بالمال، قاله مرة لمن قدر على هذا، وإن لم يستطع الركوب يستأجر عنه من يحج عنه، وسيأتى [تمام] (٥) الكلام على هذا، وقد تأول القاضى إسماعيل ما جاء عن السلف من هذا التغليظ لمن ترك الحج بعد قدرته على الزاد والراحلة. وقوله: " فأهلّ بالتوحيد ": إشارة إلى قوله: " لا شريك لك "، ومخالفة لقول المشركين فى تلبيتهم، وقد تقدّمت، وتقدم الكلام على تفسير التلبية. وقوله: " وأَهَلَّ الناس بهذا الذى يهلون به، فلم يردّ [عليهم] (٦) رسول الله ﷺ عليهم شيئاً منه ": إشارة إلى ما رُوى من زيادة الناس فيها فى الثناء على الله والذكر، كما روى فى ذلك عن عمر، وذلك أنه كان يزيد: " لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك "، وعن ابن عمر " لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل "، وعن أنس: " لبيك حقاً تعبداً ورقاً ". والاستحباب عند أكثر العلماء أن تلبى بما لبى به النبى ﷺ ، قال مالك: وإن اقتصر عليها فحسن، وإن زاد فحسن. وقال الشافعى: الأفضل الاقتصار عليها إلا أن يزيد

стр. 2192

تَلْبِيَتَهُ. قَالَ جَابِرٌ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ -: لَسْنَا نَنْوِى إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا ــ ألفاظاً رويت عن النبى ﷺ ، مثل قوله: " لبيك إله الحق " (١) ونحوه. وقول جابر: لسنا ننوى إلا الحج ولا نعرف العمرة، مع قوله فى الحديث الآخر قبل: " مهلّين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد ": يرد كل ما خالفه من رواية: أن منهم من كان معتمراً أو متمتعاً وقارناً، وكيف وهو يقول: " لا نعرف العمرة " وكذلك كانوا لا يعرفون العمرة فى أشهر الحج حتى جاء الإسلام؛ ولذلك جعل النبى ﷺ عُمرَه كلها فى أشهر الحج على الصحيح، وسيأتى هذا، وقد أثبتنا قبل ترتيب هذه الأخبار وتأليف مختلفها، ومن خالف حديث جابر ومن وافقه، إنما هو إخبار عن مآل الحال واستقرار العمل كما تقدم. وقوله: " حتى أتينا [البيت] (٢) ": فيه أن الواجب على داخل مكة لنسك البداية به، إلا مضطراً (٣) يخشى على رَحْلِهِ، فله الصبر على تثقيفه وحرزه. والبداية بذلك لئلا يضيع. وفى قوله: " لا ننوى ": حجةٌ على أن التسمية [غير] (٤) واجبة، وقد تقدم. وذكر البداية باستلام النبى ﷺ للركن وَرَملِه ثلاثاً ومشيه أربعاً؛ هذا طواف الورود. الحج ثلاثة أَطْوَاف: أولها: طواف الورود: وهو طواف القدوم، وهو سُنة لغير المكى عند جميعهم وأنه [لا] (٥) رجوع على تاركه. واختلف هل على تاركه دم؟ فعن مالك روايتان، وإن كان مراهقاً فلا شىء عليه، فقال مالك مرة: إن كان غير مراهق فعليه دم، وقال - أيضاً - إنه يجزئه منه طواف الزيارة، وهو قول الشافعى وأصحاب الرأى، وأوقع مالك [عليه] (٦) مرة أنه واجب، قالوا: معناه: وجوب السنن، وقال أبو ثور: عليه لغير المكى دم. والطواف الثانى: طواف الزيارة: وهو طواف الإفاضة، وهو فريضة بغير خلاف. والثالث: طواف الوداع: وهو طواف الصَّدْر، وهو سنة، وسيأتى الكلام على كثير منها فى مواضعها إن شاء الله.

стр. 2193

أتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَملَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيم ﵇ فَقَرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ (١) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِى يَقُولُ - وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : كَانَ يَقْرَأ فِى الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيَّهَا الْكَافِرُون﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّه﴾ (٢) " أَبْدَأُ بِمَا ــ والبداية [باستلام] (٣) الركن الأسود (٤) سُنة، وهى تحية المسجد ولا يبتدئ بالركوع. وقوله: " ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾، فجعل المقام بينه وبين البيت " وذكر ما قرأ به فى الركعتين: أجمع المسلمون على أن صلاة [الركعتين] (٥) على الطائف بالبيت، وأن سنة ذلك أن تكون عند المقام، وأن من صلاها حيث شاء من المسجد أجزأه، وأن يُتبع كل أسبوع ركعتين. واختلفوا فى جواز جمع أسابيع ثم يركع آخرها ركوعا واحداً، فكرهه مالك وكافة فقهاء الأمصار (٦)، وروى عن بعض السلف إجازته (٧)، وهو قول أبى يوسف وأحمد وإسحاق (٨) فمن نسيهما وهو بمكة ركعهما. واختلف عندنا هل يعيد الطواف لهما أم لا؟ واختلفوا فيمن نسى الطواف حتى خرج من الحرم أو رجع إلى بلاده، فرأى مالك عليه الدم (٩)، ولم ير غيره عليه دماً، وقالوا كلهم: يركعهما متى ما ذكرهما حيث كان. قال الثورى: ما لم يخرج من الحرم (١٠). وقوله: " نبدأ بما بدأ الله به "، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبله: هذا المستحب فعله، وكلما فعل الراقى من ذلك أجزأه، ويُكره الجلوس عليهما، وهذا حكم الرجال، وأما النساء فيقفن أسفلهما لأجل مخالطة الرجال، إلا أن يكون الموضع

стр. 2194

بَدَأَ اللهُ بِهِ " فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِىَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ "، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِى بَطْنِ الْوَادِى سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَىَ أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ ــ دون رجال فحكمهن حكم الرجال حينئذ. [وبالبداية] (١) بالصفا هى السنة (٢)، واحتجاج النبى ﵇ بما بدأ الله به، احتج به من قال: إن الواو ترتيب لامتثال النبى ﷺ ذلك، واحتج به من قال: لا ترتيب لقوله ﵇: " بما بدأ الله به "، وأنه إنما امتثل ذلك تأنيسًا لا التزاماً، ولو كانت الواو تعطى الرتبة لما احتاج إلى هذا التوجيه، وقد تقدم من هذا. واختلف فى وجوب السعى بين الصفا والمروة وسيأتى الكلام عليه فى حديث عائشة. واختلف فيمن نسى وبدأ بالمروة، فرأى مالك أن يلغى ذلك ويحسب من سعيه [من] (٣) الصفا ويعد شوطاً (٤)، وهو قول الشافعى والحسن وأصحاب الرأى والأوزاعى، وروى عن عطاء أنه إن جهل ذلك أجزأ عنه. وسنته أن يكون بعد الطواف، فمن سعى قبله كمن لم يسع عند مالك وجملة العلماء، وعليه ما على من لم يسع، إلا الثورى فإنه [قال] (٥): يجزئه، فى أحد قوليه. وقال أبو حنيفة وصاحباه: عليه دم ولا إعادة عليه (٦)، وحكمه عندنا إذا كان بالقرب أن يعيد السعى وحده حتى يأتى به بعد الطواف. وقوله: " فوحّد الله وكبّره " إلى آخر ما ذكره من الذكر والدعاء: مما يستحب أن يفعل، وهو من مواطن الدعاء، ويستحب تبيين الذكر والتكبير والتهليل ما جاء عن النبى ﵇ وليس فيه دعاء مؤقت. وقوله: " حتى إذا انصبت قدماه فى بطن الوادى حتى إذا صعدنا مشى ": كذا فى جميع النسخ الواصلة إلينا من مسلم، ليس فى أصول شيوخنا فيها اختلاف، وفيه وَهْم وإسقاط لفظة رَمَل وبها يتم الكلام، وكذا جاء فى غير مسلم: " حتى إذا انصبت قدماه

стр. 2195

عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَقَالَ: " لَوْ أَنَّى اسْتقْبلْتُ مِنْ أَمْرِى ما اسْتَدبَرتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدِىَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً "، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ، أَلعَامِنَا هَذَا أَمْ لأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِى الأُخْرَى، وَقَالَ: " دَخَلَتَ الْعُمْرَةُ فِى الْحَجِّ " مَرَّتَيْنِ " لا بَلْ لأَبَدٍ أبَدٍ "، وَقَدِمَ عَلِىُّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِىِّ ﷺ ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَانْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِى أَمَرَنِى بِهَذَا. قَالَ: فَكَانَ عَلِىٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَة، لِلَّذِى صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّى أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: " صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضتَ الْحَجَّ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ، إِنِّى أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: " فَإِنَّ مَعِىَ الْهَدْىَ فَلَا تَحِلّ ". قَالَ: ــ فى بطن الوادى رَمَل، حتى إذا صعدنا مشى " وعلى هذا ذكره الحميدى فى اختصار الصحيح، وفى الموطأ: " حتى إذا انصبت قدماه من بطن الوادى سعى حتى يخرج منه " (١) وهو بمعنى رَمِل، وهذه سنة - أيضاً - فى السعى. وقد اختلف على من لم يرمل فى الطواف والسعى، هل عليه إعادة أو دم؟ واختلف [فيه] (٢) قول مالك. واختلف فى علة ذلك، فقيل: فعله النبى ﵇ ليرى المشركون جلد أصحابه، كما فعل فى الطواف، وقيل: بل اقتدى بهاجر فى سعيها لطلبها الماء لولدها، على ما جاء فى الحديث. وقوله: " حتى إذا كان آخر طواف (٣) على المروة ": قيل: فيه استحباب ما يقال فى الطواف بالبيت بين الصفا والمروة، وتسمية (٤) ذلك طوافاً وسعياً، ولا يقال: شوطاً ولا دوراً. وقد كره ذلك الشافعى [وغيره من السلف] (٥)، وتقدم أمره لهم بالإحلال. وقوله [لسراقة] (٦): " دخلت العمرة فى الحج، لا بل لأبد أبدٍ "، وما ذكر من إحلال فاطمة على ما تقدم من إحلال غيرها بعمرة، وقول علىّ: فذهبت إلى النبى ﷺ مُحرّشاً عليها: أى مغرياً بها، لما أنكر من إحلالها حتى أعلمه النبى ﵇ بأمره بذلك، وتقدم الكلام على إهلال على كإهلال النبى ﷺ وعلى إحلال الناس.

стр. 2196

فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدِىِ الَّذِى قَدِمَ بِهِ عَلِىٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَالَّذِى أَتَى بِهِ النَّبِىُّ ﷺ مِائَةً. قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إِلا النَّبِىَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَت الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ الله ﷺ وَلا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ ــ وقوله: " فحل الناس كلهم وقصّروا إلا النبى ﷺ ومن كان معه الهدى ": دليل على ما تقدم من أنهم كانوا مفردين، وفسخوا فى عمرة إلا من كان معه الهدى، ولو كانوا قارنين لم يمكنهم الإحلال. وفيه الإخبار بالعموم عن الأكثر، وقد صحت الأخبار أن عائشة لم تحلّ لعذرها المذكور، ولم تكن ممن معه هدى. وقوله: " فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج ": يوم التروية - وهو اليوم الثامن من ذى الحجة - سمى بذلك لأن قريشاً كانت تحمل الماء من مكة إلى منى تسقيهم وتطعمهم فيرووا منه وهذا هو المستحب عند كثير من العلماء، ليكون إحرامهم متصلاً بسيرهم، وتلبيتهم مطابقة لمبادرتهم للعمل. واستحب بعضهم أن يكون ذلك أول هلال ذى الحجة ليلحقهم من الشعب إلى وقت الحج ما لحق غيرهم، والقولان عن مالك، وقد تقدم. وورد فى بعض طرق حديث جابر: " أهللنا من البطحاء "، وأجمع العلماء أن مُهلَّ أهل مكة من مكة بالحج، وقد تقدم هذا، وقد تقدم فى المواقيت الكلام على من أهلّ بالحج من مكة من أهلها، أو غيرهم من المتمتعين بها، والخلاف فى وقت استحبابه وموضعه، واستحباب مالك أن يكون من المسجد. وفيه أنه لا يتقدم إلى منى قبل يوم التروية، وقد كره ذلك مالك وأباحه غيره، واستحب مالك أن يكون خروجه إلى منى قدر ما يصلى، فيصلى بها الظهر. وذكر صلاة النبى ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بمنى، فيه سنة هذه الصلوات بمنى، والمبيت فيها وهو مستحب عند جميع العلماء، ولا حرج عليهم فى تركه. وفيه أن النبى ﷺ لم يأمرهم بطواف قبل الخروج، وأن ذلك غير لازم، ولو كان لأمرهم به ﵇. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى استحبابه. وقوله: " ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس فأمر بقيّة من شعر فضربت بنمرة فسار ": فى هذا أن السنة فى الخروج من منى هذا الوقت بعد طلوع الشمس، وفيه جواز

стр. 2197

الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِى، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: " إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلا كُلُّ ــ الركوب فى أعمال الحج، لاسيما ولما فيه من القوة على طول الوقوف للدعاء والذكر، ولاسيما فى حق النبى ﵇ فى الوقوف بعرفة، فقد استحبه العلماء اقتداء بالنبى ﵇ وما رُوى من طوافه راكباً وسعيه راكباً فليراه الناس، وليسمعوا قوله، ويروا فعله فيقتدوا به، وسيأتى الكلام على طوافه ﵇ راكباً. وفيه جواز استظلال المحرم فى القباب والخيام ولا خلاف فيه. واختلف فى استظلال الراكب فى حال الوقوف، وكرهه مالك وأهل المدينة وأحمد بن حنبل، وأجاز ذلك غيرهم، وعليه عند مالك الفدية، وكذلك استظلاله عندنا فى سائر سفره فى الحج حال ركوبه، وكذلك لو كان نازلاً بالأرض أو راجلاً فاستظل بما يقرب من رأسه، وسيأتى بقية الكلام عليه. ونمرة المذكورة فى هذا الحديث موضع بعرفة، وهو الجبل الذى عليه أيضاً (١) الحرم على يمين الخارج من مأزَمَىْ منى إلى الموقف. ونمرة أيضاً موضع بقديد آخر. وقوله: " حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت ": أى ردّ عليها رحلها الذى تركب عليه. فيه أن وقت زيغ الشمس - وهو ميلها وزوالها - وقت الرواح إلى عرفة. وقوله: " فخطب ": هى من سنن الحج للأئمة عندنا فى قول جميع المدنيين والمغاربة، وقال الشافعى وأبو حنيفة: ليس عرفة بموضع خطبة، وهو قول العراقيين من أصحابنا، وزعموا أن هذه الخطبة إنما هى تعليم. وخطب الحج ثلاثة قبل يوم التروية بيوم: خطبة بعد صلاة الظهر فى المسجد الحرام عندنا، وقيل: قبل الزوال. الثانية: بعرفة، خطبتان يجلس فيهما (٢)، وهو تعليم للناس لمناسكهم. والثالثة: بعد يوم النحر بيوم، وهو أول أيام الرمى، واحدة أيضاً بعد صلاة الظهر تعليم لما بقى من المناسك. ووافق أبو حنيفة فى جميعها وخالف الشافعى فى خطبة ثانى النحر وزاد خطبة [يوم النحر بعد الظهر] (٣) ذلك [بعد] (٤) يوم النفر. وفيه استدلال

стр. 2198

شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمىَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِى بَنِى سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ ــ بخطبة النبى ﷺ على راحلته لاتخاذ المنابر للخطابة (١)، مع اتخاذه هو له ﵇. وفيه أن الوقوف على ظهور الدواب لمنافع وأغراض لراكبها جائز، ما لم يكن ذلك مجحفاً بالدابة أو لغير غرض صحيح، وأن النهى فى ذلك فى الأغلب والأكثر، ولمن يتخذ ذلك عادة للتحدث عليها لا لغير ذلك وشبهه، كما كانت تفعله الجاهلية، وأما من كان راكباً عليها فأخذه الحديث مع جماعة ولم [يطل] (٢) ذلك كثيراً حتى يضرّ بها فلا يدخل فى النهى، ومن فعل ذلك قاصدًا لغرض صحيح كفعل النبى ﵇ فى تبليغ كلامه من لم يسمعه، أو لخوف على الدابة إن تركها، أو على نفسه، فركبها ليحرزها أو يحرز نفسه بذلك - فلا حرج. وفيه أن تحريم الأموال والدماء على حد واحد ونهاية من التحريم وفيه ضرب الأمثال وقياس ما لم يعلم على ما علم [لقوله] (٣): " كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا ": لإصفاقهم (*) على تحريم ذلك وتعظيمه. وفيه وضعه ﵇ أمور الجاهلية ورباها ودخولها، والبداية فى ذلك بما يختص به ليتأسى بذلك غيره، ويطيب بذلك نفس من بقى فى نفسه شىء من قرب عهده بالإسلام. وقوله: " وأول دم أضعه دم ابن ربيعة بن الحارث، [كان مسترضعاً فى بنى سعد فقتلته هذيل ": كان طفلاً صغيراً اسمه إياس بن ربيعة بن الحارث] (٤) بن عبد المطلب، وقيل: اسمه حارثة، وقيل: آدم. قال الدارقطنى: وهو تصحيف، وما أراه تصحيفاً إلا من دم المذكور قبل، ويقال: " تمام " كان صبياً يحبو من البيوت، فأصابه حجر فى حرب كانت بين بنى سعد وبنى ليث بن بكر، [قاله] (٥) الزبير، وسماه آدم. ورواه بعض رواة مسلم: " دم ربيعة بن الحارث " وكذا رواه أبو داود (٦) عن سليمان بن عبد الرحمن، قيل: وهو وَهْم بين، وإنما هو ابنه [و] (٧) ربيعة [و] (٨) قد عاش بعد النبى - عليه

стр. 2199

كُلُّهُ، فَاتَّقُوا الله فِى النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وَلَهُنَّ عَلَيْكُم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابَ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ". قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بإِصْبَعِهِ السَّبَابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتهَا إِلَى النَّاسِ: " اللَّهُمَّ، اشْهَدْ. اللَّهُمَّ، اشْهَدْ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ــ السلام - إلى زمان عمر، وقال أبو عبيد: معنى قوله: " دم ربيعة " لأنه وَلىّ الدم فنسبه إليه. وقوله فى الوصاة بالنساء: " استحللتم فروجهن بكلمة الله "، قال الإمام: قيل: المراد " بكلمة الله "، قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان﴾ (١)، ويحتمل أن يكون " بكلمة الله " بإباحة الله تعالى لمنزله فى كتابه. قال القاضى: وقيل: المراد " بكلمة الله ": التوحيد وقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ إذا لا يحل لمن كان على غير الإسلام أن يتزوج مسلمة، قاله بكر القشيرى، وعن مجاهد فى قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٢): هى كلمة النكاح التى تستحل بها الفروج. وقوله: " ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرّح "، قال الإمام: قيل: المراد بذلك ألا يستخلين مع الرجال، ولم يرد زناها؛ لأن ذلك يوجب حدها، ولأن ذلك حرام مع من نكرهه نحن أو لا نكرهه، وقد قال: " أحداً تكرهونه ". قال القاضى: كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء، ولم يكن عيباً ولا ريبة عندهم، فلما نزلت آية الحجاب نهى عن ذلك. ومعنى " غير مبرح ": أى شديد شاق. والبرح: المشقة. وفيه إباحة تأديب الرجل زوجته. وفى قوله: " ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ": وإيجاب ذلك لهن. وقوله: فقال بإصبعه السّبابة ينكتها إلى الناس " اللهم اشهد ": كذا الرواية بالتاء باثنتين من فوقها،

стр. 2200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو بعيد المعنى قيل: صوابه (١): " ينكبها " بباء واحدة، وكذا رويناه عن شيخنا أبى الوليد هشام بن أحمد من طريق ابن الأعرابى عن أبى داود (٢) فى تصنيفه (٣) بالباء بواحدة وبالتاء اثنتين من طريق أبى بكر النجار عنه، ومعناه: يردها ويقلبها إلى الناس مشيراً إليهم. ومنه: نكَت كتابته: إذا قلبها، ثم ذكر أنه صلى بعد ذلك. فيه أن سنة خطبة عرفة قبل الصلاة كخطبة الجمعة دون غيرها. قال القاضى: [قال] (٤) أبو عبد الله: أجمعوا أن الخطبة يوم عرفة قبل الصلاة، وأنه لو صلى الظهر فيها بغير خطبة أجزأته صلاته. وقوله: " ثم أذن ثم أقام ": دليل على أن الأذان متصل بالصلاة، وهو أحد أقوال مالك: أنه يؤذن فى آخر خطبة الإمام، حتى يكون فراغ الإمام من الخطبة، [مع] (٥) فراغ المؤذن من الأذان، وهو قول الشافعى، وروى عن مالك - أيضاً - أنه يؤذن بعد تمام الخطبة، فيجلس الإمام على المنبر ويؤذن المؤذن، وروى عنه أنه يؤذن لها إذا جلس بين الخطبتين، وقال أبو ثور: يؤذن المؤذنون والإمام يخطب على المنبر قبل خطبته كالجمعة، وروى - أيضاً - مثله عن مالك، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً، وقال مثله بعد فى صلاته بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً (٦)، أى لم يتنفل. هذه سنة صلاة الجَمْع فى عرفة ومزدلفة وليلة المطر ألا تتنفل بينهما إلا لمن يرى الأذأن لكل صلاة، فيباح التنفل ما دام يؤذن المؤذن لمن يخف [عليه] (٧) ذلك، فقد رخص فيه، وجمعه فى عرفة والمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، اختلف العلماء فى جمع الصلاة بمزدلفة للإمام لاختلاف الآثار؛ إذ روى هذا وروى الجمع بإقامة واحدة لهما، ولم يذكر أذاناً، وقد ذكر مسلم بعد هذا [وروى الجمع] (٨) ولم يذكر إقامة لكل صلاة، فقيل بأذان واحد وإقامتين على حديث جابر، وإلى هذا ذهب أحمد وأبو ثور وعبد الملك ابن الماجشون والطحاوى، وقال مالك: يؤذن ويقيم لكل صلاة قياساً على سائر الصلوات، وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أذان واحد وإقامة واحدة، وقال الشافعى وأحمد - فى أحد قوليه - بإقامتين دون أذان لهما، وروى هذا عن القاسم وسالم، ومثله عندنا فى كتاب " الجلاب " فى عرفة ومزدلفة، وقال الثورى: تجزئ إقامة واحدة لا أذان معها، وحكى عن ابن عمر (٩)، وأما جمع عرفة فقال

стр. 2201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطحاوى: إنهم لم يختلفوا أن الأولى فيهما يؤذن لها ويقام (١)، وقد حكى شيوخنا الخلاف فى ذلك كالخلاف فى صلاة المزدلفة سواء. وقوله: فى صلاة عرفة ومزدلفة سواء، خالف أبو حنيفة فقال فى صلاة عرفة مثل قول الشافعى سواء، بأذان وإقامتين، وهو مذهب أبى ثور وقال أحمد: هما سواء بإقامتين دون أذان، وهو قول إسحاق، قالا: أو بأذان (٢) وإقامتين إن شاء، واختار الطبرى على مذهبه العمل بما شاء من ذلك، ولا خلاف أن صلاتهما بعرفة هكذا بالجمع، وصلاة العشاءين بمزدلفة هكذا مع الإمام، وإنما اختلفوا [فيمن فاتته صلاة عرفة مع الإمام (٣) فجمهورهم على أنه يجمع بينهما إتباعاً لفعله ﵇ ولقوله: " خذوا عنى مناسككم " (٤)، و " صلوا كما رأيتمونى أصلى " (٥) وقال الكوفيون: يصليها من فاتته لوقتها، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام. قال الطحاوى: ولم يختلفوا أنَّ من صلاهما فى وقتهما غير الإمام أن صلاته جائزة، واختلفوا] (٦) فيمن صلى قبل أن يأتى المزدلفة العشاءين، فذهب الكوفيون أنه لا يجزئه ويعيدهما، وإن صلّاهما بعد مغيب الشفق، وقاله ابن حبيب من أصحابنا، وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إلا من به عذر أو بدابته، ولا يجمع هذا بينهما حتى يغيب الشفق، وقال محمد: يصليهما كل صلاة لوقتها، وقيل: يجزئه صلاته لهما فى وقتهما قبل مزدلفة، كان إمام الحاج أو غيره، وهو مروى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الشافعى والأوزاعى وأبو يوسف وأشهب من أصحابنا وفقهاء أصحاب الحديث (٧)، وفيه دليل أنه لا يجهر بالقراءة فى ظهر عرفة، وكونها سراً؛ إذ لو كان جهراً لنقل إلينا، وهو اتفاق من العلماء. وفيه دليل أن (٨) أوقات هذه الصلوات للجمع. قال القاضى [﵀] (٩): قال الخطابى: سميت مزدلفة لاقتراب الناس بها إلى منى للإفاضة من عرفات (١٠)، يقال: ازدلف القوم: إذا اقتربوا، وقال ثعلب: لأنها منزلة من الله وقربة، قال: ومنه قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَة﴾ (١١). وقال الهروى: سميت بذلك لاجتماع الناس بها. والازدلاف: الاجتماع. وقال الطبرى: سميت بذلك لازدلاف آدم إلى حواء، أو تلاقيهما بها. وقد يقال: سميت بذلك للنزول بها بالليل وفى زلفه

стр. 2202

ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَل حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ــ وصلاة العشاءين بها ليلاً وهى (١) المشعر سميت بذلك بمعنى الأعلام، والمشاعر: المعالم، وهى جمع، سميت بذلك للجمع فيها بين العشاءين، وقيل: لاجتماع الناس [بها] (٢). قال ابن حبيب: وهى قُرح أيضاً. قال القاضى: وقرح إنما هو موضع منها، فيه كانت تقف قريش فى الجاهلية، وهو داخل الحرم. [و] (٣) سميت منى لما يُمْنَى بها من الدم، أى يراق، وقيل: لأن آدم تمنى بها الجنة. قال الطبرى: واختلف فى تسمية عرفة، فقيل: لأن جبريل حج بإبراهيم ﵇ فكان يعرفه المواضع والمناسك، فيقول: قد عرفت (٤)، وقيل: بل عرّفه عرفةَ، فقال: قد عرفت لأنه كان قد رآها مرة قبل ذلك، [والمعُرَّف] (٥) موضع الوقوف بعرفة، والتعريف - الوقوف بها. وقوله: " حتى يأتى الموقف، فجعل نظرنا فيه إلى الصخرات، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة ": فيه أن سنة الوقوف هذه إلهية، واستحبوا هذا الموضع. والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا خلاف فيه. وقوله: " حتى غربت الشمس ": إبانة عن وقت الوقوف وأنه من بعد الزوال، ولا خلاف أنه لا يجزئ قبله. واختلف هل يكفى فيه وقوف النهار دون الليل؟ وهل محل الفرض الليل وحده، أو النهار والليل؟ مع أن الاتفاق على أن وقوف الليل يجزئ، وأكثرهم على أن وقوف النهار يجزئ إلا مالكاً، فإنه عنده فى معروف قوله كمن لم يقف (٦) وفيه الاحتياط بالمكث حتى تزول الصفرة، وأن تحقق المغيب ليأخذ جزءاً من الليل، وكذا يجب الاحتياط للفطر والصلاة، لاسيما فيما تستره الجبال وخرج عنه أيضاً كقول الكافة، واختلف القائلون بالجواز، هل عليه إذا لم يقف دمٌ أم لا؟ وأجمعوا على أنه لا دم على من وقف بالليل دون النهار. وقوله: " وذهبت الصفرة حتى غاب القرص ": كذا فى النسخ كلها، قيل: لعل

стр. 2203

وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لَلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: " أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَة "، كُلَّمَا أَتَى حَبْلاً مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلاً، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وِإقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ــ صوابه ووجه الكلام: " حين غاب القرص ". وقوله: " وجعل حبل المشاة بين يديه ": يريد صفهم ومجتمعهم. وحبل الرمل: ما طال منه وضخم، وقيل: حبل المشاة حيث تسلك الرّجالة، أى طريقهم، والأول أشبه بالحديث. وقوله: " وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مَوْركِ رَحْلِه ": مورك الرحل، بفتح الراء، ومَوْرَكَتُهُ أيضاً: قطعةٌ من أدم، يتورك عليها الرَاكب، تُجعل فى مُقدَّم الرحل، شبه المخدة الصغيرة. فيه الرفق فى السير من الراكب بالمشاة، كما جاء فى الحديث بعد هذا: " وهو كافّ ناقته " (١). وشنق: ضمّ وضيق، وما جاء فى الحديث من ضم رأسها يفسر (٢) ذلك. وقوله: ويقول بيده: " أيها الناس، السكينة [السكينة] (٣) ": فيه صفة الدفع من عرفة وسنتها، وهو سنة العبادات، لاسيما فى الجموع الكثيرة، مع ما فيه من الرفق والتؤدة لهم ولركابهم، وأمن الأذى مع ذلك، بخلاف العجلة. وقوله: " كلما (٤) أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى يصعد "، قال الإمام: الحبال دون الجبال. قال ابن السكيت: الحبل [مستطيل] (٥) من الرمل. قال القاضى: قال غيره: هو ما ضخم من الرمل وطال، وفى هذا الفعل الرفق بالدواب؛ لئلا يتكلف فى صعود ذلك مشقة مع مشقة الشنق، مع عادة الدواب من الترسل فى المشى فى الصعود. وقوله: " حتى تصْعَد ": ويروى تصعد ثلاثى ورباعى، ويقال: صَعِدَ فى الحبل،

стр. 2204

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الحَرَامَ فَاسْتَقبَل الْقِبْلَةَ، فَدعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَر جِدًا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، ــ وأصْعَدَ وصعَّدَ وأصَعَد فى الأرض، ذهب مبتديًا للذهاب، وفى الرجوع: انحدر، وتقدم الكلام فى صلاته بالمزدلفة. وقوله: " ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى حين تبين لهُ الصبح بأذان وإقامة ": فيه سنة المبيت بمزدلفة (١) وصلاة الصبح بها غلساً، إلا لمن رخص له النبى ﵇ ممن ضعف من أهله. وفيه الأذان فى السفر لصلاة (٢) الأئمة حيث كانوا، خلافاً لمن قال: يقتصر المسافر على الإقامة. وقوله: " ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس ": فيه الوقوف بالمشعر، وكونه من المناسك، وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام﴾ (٣)، وقد اختلف فى وجوب الوقوف، فيه (٤) وفيما تقدم استقبال القبلة للدعاء والذكر، وفيه سنة الذكر فيه بما فعله ﵇ من التكبير والتهليل والدعاء، وفيه أن " جمعاً " (٥) كلها موقف؛ إذ لم يخص منها موضعاً إلا ما خصَّهُ بقوله فى الحديث الآخر: " ارتفعوا عن بطن محسر " (٦)، وفيه كون الدفع من مزدلفة بعد أن أسفر قبل طلوع الشمس، خلافاً للجاهلية، كانوا لا يفيضون من جمع حتى يروا الشمس على رؤوس الجبال، ويقولون: أشرق ثبير كما نغير (٧)، وفى إردافه أولاً أسامة وآخراً الفضل، جواز ركوب الاثنين على الدابة، وخاصية هذين به ﵇ من بين من حضره من آله، وأن ذلك من سنة أهل الفضل والتواضع، وقد روى - أيضاً - أنه أردف عليًا.

стр. 2205

وَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضٌ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْل، فَحَوَّل الفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْههُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُر، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلاً، ثُمَّ سَلَكَ الطَّريِقَ الْوُسْطَى الَّتِى تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتِى عِنْدَ ــ وقوله: " فمرت ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل ": فيه سنة غض البصر خوف الفتنة، وأن [ذلك] (١) فى حق النساء والرجال جميعاً بعضهم لبعض، ألا تراه كيف قال فى الفضل: " وكان أبيض وسيماً حسن الشعر " يخاف فتنة الظعن به، وفتنته بهن. ولهذا وضع النبى ﷺ يده على وجه الفضل ليمنع من الفتنتين، قال بعضهم: وهذا يدل على أن هذا ليس بواجب إذ لم ينهه. قال القاضى: أبو عبد الله بن المرابط: الاستتار للنساء سنة حسنة، والحجاب على أزواج النبى ﵇ فريضة. قال القاضى وعندى أن فعله فى ذلك أبلغ فى النهى من القول، ولعل الفضل لم ينظر إليهن نظراً ينكره النبى ﵇ وإنما خشى فتنة بعضهم لبعض أو كان هذا قبل نزول الآية بإدناء الجلابيب (٢) عليهن. وقوله: " حتى أتى بطن محسّر فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى ": وهذه سنة السير فى هذا الموضع أن تحرك فيه الدابة، وسلوك هذه الطريق اتباعاً لفعله ﵇. وقوله: " حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، ليكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف ": كذا فى أكثر الأصول، وصوابه مثل: " حصى الخذف " وكذا رواه غير مسلم (٣)، وكان فى كتاب القاضى ابن عيسى: " كل حصاة منها مثل حصا الخذف " وهو صوابٌ، لا خلاف أن جمرة العقبة - وهى هذه - من مناسك الحج، واختلف عندنا هل هى من فروضه وأركانه (٤) أم لا (٥)؟ فقال مالك: إن لم يرمها حتى

стр. 2206

الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِى، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًا، فَنَحَرَ مَا ــ خرجت أيام السنة، انفسد حجه وعليه دمٌ، وقال عبد الملك: يفسد حجه، وجمهور العلماء على أن عددها سبع (١) كما جاء فى الحديث، وسيأتى الكلام على تمامها بعده. وقوله: " مثل حصى الخذف " قال الإمام: قال الليث: الخذف رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك، أو تجعل مخذفة من خشبٍ ترمى بها بين إبهامك والسبابة. قال القاضى: [و] (٢) هذا حد حصى الرمى، وقد روى نهى النبى ﵇ عما سواه، وقال: " لا يقتل بعضكم بعضاً " (٣). وقوله: " رمى من بطن الوادى ": هى سنة رمى جمرة العقبة، أن يكون من أسفلها، وحيث ما رمى فواسع، وسيأتى الكلام على هذا، وفيه أن رميها بعد طلوع [الفجر. وقد استدل بعضهم من هذا الحديث بأن رميها بعد طلوع] (٤) الشمس، إذ دفع النبى ﷺ وقد أسفر جداً فلا تبلغ إليها إلا بعد طلوع الشمس، مع أمره ﵇ بذلك فى حديث ابن عباسٍ، وسيأتى الكلام عليها وخلاف العلماء فيها بعد. وقوله: " ثم انصرف إلى المنحر ": دليل على أنه موضع معلوم بمنى، وقد قال ﵇ فى الحديث الآخر: " هذا المنحر، وكل منى منحر " (٥). قال مالك: إلا ما خلف العقبة، وقد قال ابن الأنبارى: إنما سميت منى من منيت الدم: إذا صببته، وذلك لما تمنى بها من الدماء، وقال غيره: بل لأن آدم تمنى بها الجنة. والنحر للحاج بمنى إجماع من العلماء. والنحر [بها] (٦) عندنا بثلاثة شروط، إن انخرم منها واحد لم يصح النحر بها: أحدها: أن يكون الهدى قد وقف بعرفة. الثانى: أن يكون النحر فى أيام منى، وهى أيام التشريق، وهى الأيام المعدودات. الثالث: أن يكون النحر فى حج لا فى عمرة. ولا يجوز النحر بهذه الشروط بمكة ولا بغيرها، وهذا فى نقل (٧) محمد، ومذهب

стр. 2207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مالك، وقال القاضى إسماعيل: إنه [يجوز] (١) إن نحر بمكة فى أيام منى، وحكى غيره أنه مذهب مالك (٢)، وأجاز عبد الملك أن ينحر بمنزله ما لم يوقف به بعرفة، وأما فى العمرة فالنحر فى هديها بمكة حيث شاء منها، ولا خلاف فى هذا أيضاً فيما اشتملت عليه بيوتها، وقد قال ﵇: " فى العمرة هذا المنحر ": يعنى المروة وكل فجاج مكة وطرقها منحر (٣)، وقد اختلف عندنا فيما خرج عن بيوتها من فجاجها، ويجزئ عند مالك (٤) أن ينحر فى العمرة بمنى، فإن نحر بغير مكة ومنى فى الحج أو العمرة لم يجز عنده، وأجزأ عند أبى حنيفة (٥) والشافعى إذا كان يأتى موضعاً (٦) من الحرم، قالا: والمقصود مساكين الحرم [إلا لموضع] (٧) منه، وأجمعوا (٨) أنه لا يجوز فيما عدا الحرم، ولا يجوز لأحدٍ فى البيت والمسجد ذبح ولا نحر. وقوله: " فنحر ثلاثًا وستين [بدنة] (٩) بيده ": [كذا لهم، وعند ابن ماهان: " بدنة " مكان " بيده "، وكلٌّ صوابٌ، لكن نحر النبى ﷺ بيده هو المروى، وهو أصوب هنا إن شاء الله؛ لقوله] (١٠): " ثم أعطى عليًا فنحر ما نحر وكانت عدتها مائة ": على ما جاء فى الحديث. فيه تولى الرجل نسكه بيده (١١)، وأنه أفضل. ويكره له إذا كان يقدر على ذلك توليته [لغير] (١٢)، وقوله: " إلى المنحر ": يدل أن البدن يختص بمنحر، وسيأتى تفسيره، وفيه كون النحر بعد الرمى. وقوله: " ثم أعطى عليًا فنحر ما نحر ": أى ما بقى، قال بعضهم: فيه جواز الاستنابة فى نحر النسك لغير صاحبها، وهو جائز بغير خلاف إذا كان المستناب مسلمًا. واختلف عندنا إذا كان كتابياً، لكن يضعف الاستدلال بها هنا؛ إذ جاء فى غير كتاب مسلم: أنه أعطاها عليًا يهديها عن نفسه (١٣)، وحكى بعض شيوخنا أنه رأى رواية أن من نحر أضحيته غيره كان عليه الإعادة (١٤) ولم تجزه، وتحمل هذا - والله أعلم - أنه بغير أمره، وهو موضع خلاف من أهل العلم فأما بأمره فلا. وقوله: " وأشركه معه فى هديه ": استدلوا به - أيضاً - على الاشتراك فى الهدايا، وقد تقدم ويأتى بعد، وعندى - أيضاً - أنه يضعف الاستدلال بكل حالٍ لما قدمناه من

стр. 2208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رواية من روى أنه لم يكن بشريك إشاعةً، وإنما أعطاه منها عددًا، وقال هنا: " إن النبى ﷺ نحر ثلاثاً وستين [بدنة] (١) بيده ": قيل: إشارة إلى [منتهى عمره] (٢)، ونحر علىٌّ ما بقى. ذكر بعض أصحاب المعانى أن نحر النبى ﵇ ثلاثاً وستين بدنة بيده إشارة إلى منتهى عمره، ويكون قد نحر عن كل عام من عمره بدنة. قال القاضى: والذى يظهر لى أن النبى ﷺ نحر بدن نفسه بيده، وهى التى أتى بها من ذى الحليفة، على ما ذكر مسلم فى حديث ابن عمر وهى التى كانت عدد ما جاء به من المدينة (٣)، على ما ذكره الترمذى فى الحديث ثلاثاً وستين (٤)، وأن البقية هى التى أتى بها علىّ، هى التى أعطاها له النبى ﷺ ، على ما تقدم فى بعض الروايات، فلم يكن بها (٥) حجة فى الاستنابة، ولا فى التشريك، ولكن يبقى هنا إشكال فى هبتها (٦) بعد تقليدها وإشعارها، وقد وجبت بذلك لمقلدها ومهديها، وقد ذكر أصحاب الأخبار والمغازى أن علياً ساقها على أن لرسول الله ﷺ ما شاء منها، فإن كان قلدها وأشعرها عن نفسه على هذه النية، فقد أبقاها له النبى ﵇ وتركها هدياً عنه، وأهدى هو ما أتى به من المدينة. وقوله: " ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت فى قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها (٧) "، قال الإمام: لما كان الأكل من جميع لحمها فيه كلفة، جمعه فى قدرٍ واحدٍ ليكون تناوله من المرق كالأكل من الجميع. قال القاضى: يحتج بهذا على قولنا: إن من حلف ألا يأكل لحماً فشرب مرقه، أنه حانث لحصول اللحم فيه، إلا أن يكون له مقصد ونية، وذكر الداودى أنه روى أنه: " أخذ من كل بدنةٍ بضعةً صغيرة فينظمها فى خيطٍ فتطبخ ويأكلها " لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٨)، والأكل باتفاق ليس بواجبٍ، لكنه من سننها، ويطعم باقيها، وقال النخعى: من شاء أكل ومن شاء لم يأكل، وسيأتى الكلام على الأكل من الهدايا، والخلاف فيها بعد هذا، وما ذكره الداودى حديث غير معروف منكر، وفى هذا الحديث من خصائص على - رضى الله عنه - فى تشريكه معه فى هديه وتفضيلِه بذلك دون غيره، واستدل به على جواز الأكل من هدى المتعة والقران، على القول أنه كان متمتعاً أو قارناً، ولا حجة فيه؛ لأن هذا لم ينص أنه كان للمتعة ولا للقران، وقد بينا أنه كان غير متمتع ولا قارن،

стр. 2209

غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِى هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِى قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ. فَقَالَ: " انْزِعُوا، بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ "، فَنَاولُوهُ دَلْوًا فَشَربَ مِنْهُ. ١٤٨ - (...) وحدَّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدثنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ــ وسيأتى الكلام على الأكل من الهدايا والبدن. وقوله: " ثم ركب فأفاض بالبيت ": فيه أن وقت طواف الزيارة هو يوم النحر، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (١)، وهذا هو الطواف الواجب [بإجماع] (٢) وهو طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج عند جميعهم لا يجزئ دونه، واختلفوا فيمن طاف [غيره من] (٣) طواف قدوم أو وداع أو تطوع، وترك طواف الإفاضة أو نسيه (٤) حتى رجع إلى بلاده، فعن مالكٍ وأصحابه فى إجزاء طواف الوداع عنه روايتان، فأكثر العلماء ومشهور قوله أنه لا يجزئ، واختلف - أيضاً - عندنا هل يجزئ عن طواف الإفاضة طواف الوداع؟ الأشهر هنا أنه يجزئ، وكذلك طواف التطوع، ولم يختلف [العلماء] (٥) أنه لا رمل فيه ولا سعى بعده، إلا لمن لم يطف طواف القدوم ولم يسع فيه. وقوله: فصلى بمكة الظهر فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: " اتركوا بنى عبد المطلب لولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ": فيه بقاء هذه الحظية (٦) والتكرمة لبنى [العباس] (٧) كبقاء الحجابة لبنى شيبة وسنذكره، وفيه إشفاقه عليها حوطة على مكرمتهم؛ إذ لو نزع أحد الناس ذلك من النسك فاستعملوا ذلك [فيخرج الأمر] (٨) عن يد بنى عبد المطلب، وقيل: لعله إشفاق - أيضاً - على أمته؛ لئلا يلحقهم بذلك حرج، والأول أظهر لمقتضى لفظه، وتعليله بغلبتهم لا بغير ذلك، والنزع: الاستقاء بالرشا، يقال منه: نزع بالفتح، ينزع بالكسر، ولم يأت فى هذا الباب على فعل

стр. 2210

حَدَّثَنِى أَبِى، قَالَ: أَتَيْتُ جَابَر بْنَ عَبْدِ اللهِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ. وَزَادَ فِى الْحَدِيثِ: وَكَانَت الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ عَلَى حِمَارٍ عُرْىٍ، فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، لَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ. فَأَجَازَ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ. حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ. ــ [يفعل] (١) إلا نزع ينزع، وهنا يهنى، وإلا فكل ما جاء على فعل مما عينه أو لامه حرف حلق فمستقبله يفعل، بالفتح أيضاً. والنرح، بالحاء، الاستقاء بالدلو. وقوله: " فناولوه دلواً فشرب ": فيه استحباب الشرب من زمزم.
следующие страницы →