(٤٤) باب بيان أن السعى لا يكرر
٢٦٥ - (١٢٧٩) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمْ يَطُفَ النَّبِىُّ ﷺ وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِلا طَوَافًا وَاحِدًا.
(...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَقَالَ: إِلا طَوَافًا وَاحِدًا. طَوَافَهُ الأَوَّلَ.
ــ
وقوله: " لم يطف النبى ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافه الأول ": يصحح ما قلنا: إنهم لم يسعوا فى غيرها من الأطراف المذكورة فى الحج.
стр. 2277
(٤٥) باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع فى رمى جمرة العقبة يوم النحر
٢٦٦ - (١٢٨٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ جَعفَرٍ عَن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى حَرْمَلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ الله ﷺ الشَّعْبَ الأَيْسَرَ - الَّذِى دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ - أَنَاخَ فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلاةَ، يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: " الصَّلاةُ أَمَامَكَ "، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِف الْفَضْلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ.
(١٢٨١) قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّى حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ.
٢٦٧ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كِلاهُمَا عَنْ عِيسىَ ابْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِى ابْنُ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ جَمْعٍ. قَالَ: فَأَخْبَرَنِى ابْنُ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ اَلنَّبِىَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
٢٦٨ - (١٢٨٢) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنِى اللَّيْثُ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
ــ
وقوله: " فلما بلغ رسول الله ﷺ الشعب الأيسر - الذى دون المزدلفة - أناخ فبال؛ ثم جاء فصببت عليه الوضوء، فتوضأ وضوءاً خفيفاً "، وفى حديث آخر: " ليس بالبالغ "، وفى آخر: " فلم يسبغ الوضوء " ثم قال: " حتى أتى المزدلفة فصلى "، وجاء بعد هذا فى الحديث الآخر: " فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم
стр. 2278
عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ فى عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: " عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ " وَهُوَ كَافٌ نَاقَتَهُ. حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا - وَهُو مِنْ مِنًى - قَالَ: " عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الِّذِى يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ ".
ــ
أقيمت الصلاة ": توهم لفظة: " لم يسبغ " أن الأول لم يكن وضوءاً للصلاة، وكذلك تأوله بعضهم، وقيل: بل وضأ بعض أعضاء وضوئه، وليس كذلك بل كان وضوؤه الأول للصلاة، ثم توضأ آخراً بالمزدلفة لعذر طرأ عليه، وليس يقال فى الاستنجاء: وضوءاً خفيفاً، ولا: ليس بالبالغ. ومعنى " لم يسبغ ": أى لم يكرره، وقد يكون وضوؤه بالمزدلفة لتمام الفضيلة بتكراره، وتمام عدده ثلاثاً - والله أعلم - ويدل على أنه وضوء للصلاة قوله: " ذهب إلى الغائط، فلما رجع صببت عليه من الإداوة فتوضأ وخففه " ليكون على طهارة أو لاستعجاله، فلما أتى مزدلفة أتم فضيلته بالتكرار، أو ابتدأ فرضه لحدث اعتراه - والله أعلم - ولا وجه لقول من قال: إنه توضأ وضوءين ليخص كل صلاة من الصلاتين التى جمع بعد بالمزدلفة بوضوء، على عادته من الوضوء لكل صلاة. إذ تكرار الوضوء قبل أداء فريضة به ممنوع، ومن السرف المنهى عنه، إنما الفضيلة فى تكراره بعد صلاة فرض به.
وقوله: " فبال، وما قال: أَهَرَاقَ الماء ": إشعار بما يراده الحديث، كما سمعه بلفظ محدثه إياه، وأنه لم يورده بمعناه.
وقوله: " الصلاة أمامك "، قال الإمام: اختلف عندنا فيمن صلى تلك الليلة الصلاتين فى وقتهما، هل يعيد إذا أتى المزدلفة أم لا؟ فقيل: يُعيد لهذا الحديث، وقيل: لا يعيد؛ لأن الجمع سُنة وذلك إذا ترك لا يوجب الإعادة، ولا يتوجه مثل هذا الخلاف فيمن ترك الجمع بين الظهر والعصر بعرفة؛ لأن المصلى للمغرب ليلة المزدلفة لما صلاها قبل الشفق صار كمن صلاها قبل وقتها، فإنه يعيدها فى وقتها، والذى أخر صلاة العصر يوم عرفة ولم يصلها مع الظهر، إن كان تركها بعد وقتها فصلاته لها بعد ذلك قضاء، فلا معنى لأن يقال له: صلها ثانيةً، كما قيل فى المغرب.
قال القاضى: وقد قدمنا الكلام فى هذه المسألة بأشبع من هذا فى حديث جابر، وكذلك على قوله: " جمع بمزدلفة بين المغرب والعشاء بإقامةٍ واحدةٍ ".
وقوله: " فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره فى منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها " (١): هذا سنة العمل عند العلماء اقتداء بفعل النبى ﷺ ، وأن يؤخر حط الرحال حتى تصلى المغرب.
стр. 2279
وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّى حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ.
(...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِى الْحَدِيثِ: ولَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّى حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ. وَزَادَ فِى حَدِيثِهِ: وَالنَّبِىُّ يُشِيرُ بِيَدِهِ كَمَا يَخْذِفُ الإِنْسَانُ.
٢٦٩ - (١٢٨٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ
ــ
وقوله: " فلم يزل يلبى حتى رمى الجمرة "، قال الإمام: اختلف عندنا متى يقطع الحاج التلبية، هل عند الزوال؟ أو عند الرواح إلى الصلاة أو [إلى الموقف] (١)؟ ذهب المخالف إلى أنه لا يقطع حتى يرمى الجمرة، وتعلق بهذا الحديث، واختار ذلك بعض شيوخنا المتأخرين، واختلف القائلون بأنه لا يقطع حتى يرمى الجمرة، هل يقطع التلبية إذا رمى أول حصاة أو حتى تتم السبع.
قال القاضى: اختلف عن الصحابة والسلف بالأقوال الثلاثة عن مالك، وذكر مسلم: " حتى رمى جمرة العقبة "، وذكر فى الحديث الآخر: " حتى بلغ الجمرة "، فالخلاف هنا مركب على هذين الحديثين، وقال الشافعى والثورى وأصحاب الرأى وأبو ثور: يقطعها مع أول حصاة، وقد حكى محمد بن المواز عن مالك أنه يكبر، وإن شاء لبى فى سفره من منى إلى عرفة. وقال ابن الجلاب: من أحرم من عرفة لبى حتى يرمى الجمرة (٢)، وأخذ مالك فى مشهور مذهبه بما روى فى موطئه عن على وعائشة وابن عمر على اختلاف بينهم، مع اتفاق أنه قبل الوقوف (٣)، هو مذهب أكثر أهل المدينة، وجمهور فقهاء الأمصار وجماعة من السلف على أنه يلبى حتى يرمى الجمرة (٤)، وقال الحسن: يلبى حتى يصلى الغداة يوم عرفة ثم يقطع، وتقدم الكلام (٥) على حصى الخذف وعلى ذكر محسرٍ فى حديث جابر. وقوله هنا: " والنبى ﷺ يشير بيده كما يخذف الإنسان " بيان وزيادة فى تفسير الخذف.
وذكر مسلم أحاديث التلبية بجمعٍ وفى الإفاضة، وفى السير إلى عرفات [فأما فى
стр. 2280
حُصَيْنٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ وَنَحْنُ بِجَمْعٍ: سَمِعْتُ الَّذِى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ فِى هَذَا الْمَقَامِ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ".
٢٧٠ - (...) وحدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٍ، عَنْ كَثِيرٍ بْنِ مُدْرِكٍ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيْدَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ لَبَّى حِينَ أَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ، فَقِيلَ: أَعْرَابِىٌّ هَذَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنَسِى النَّاسُ أَمْ ضَلُّوا؟ سَمِعْتُ الَّذِى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ يَقُولُ فِى هَذَا الْمَكَانِ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ".
(...) وحدّثناهُ حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٢٧١ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِىُّ، حَدَّثَنَا زِياَدٌ - يَعْنِى الْبَكَّائِىَّ - عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وَالأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالا: سَمِعْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ، بِجَمْعٍ: سَمِعْتُ الَّذِى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، هَاهُنَا، يَقُولُ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ "، ثُمَّ لَبَّى وَلَبَّيْنَا مَعَهُ.
ــ
التلبية] (١) فهم متفقون على ذلك، وأنه يرجع إليها بعد الطواف والسعى الذى للقدوم. واختلفوا متى يقطعها قبل ذلك؟ هل إذا دخل الحرم؟ أو إذا دخل مكة؟ أو إذا طاف؟ والثلاث روايات عن مالكٍ (٢) وهذا فى أهل المواقيت، وأما التلبية بجمعٍ وفى الإفاضة فقد يحتج به من يقول: يلبى حتى يرمى الجمرة.
стр. 2281
(٤٦) باب التلبية والتكبير فى الذهاب من منى إلى عرفات فى يوم عرفة
٢٧٢ - (١٢٨٤) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مِنَّا الْمُلَبِّى وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ.
٢٧٣ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَدَاةِ عَرَفَةَ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ، فَأَمَّا نَحْنُ فَنُكَبِّرُ. قَالَ: قُلْتُ: وَاللهِ، لَعَجَبًا مِنْكُمْ، كَيْفَ لَمْ تَقُولُوا لَهُ: مَاذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ؟
٢٧٤ - (١٢٨٥) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ الثَّقَفِىِّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِى هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ المُهِلُّ مِنَّا، فَلا يُنكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّر الْمُكَبِّرُ مِنَّا، فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ.
ــ
وقوله فى الحديث الآخر: " غدونا مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفة "، وفى حديث آخر: " غداة عرفة، فمنا الملبى ومنا المكبر "، وفى الحديث الآخر: " يهل المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه ": قد ذكرنا عن مالك أنه قال بمثل هذا وهذا فى الحج، وأما فى المعتمر فإن أحرم من التنعيم فإنه يقطع التلبية عند مالك إذا رأى البيت، وأما من أحرم بها من المواقيت فيقطع التلبية إذا انتهى إلى الحرم، وعنه إن أحرم من الجعرانة أنه يقطع إذا دخل مكة، وعند الشافعى وأبى حنيفة: يقطعها المعتمر إذا ابتدأ الطواف، ولم يفرقا بين القرب والبعد.
وقوله: " ونحن بجمع " (١): أى بمزدلفة، بفتح الجيم. سميت بذلك للجمع فيها
стр. 2282
٢٧٥ - (...) وحدّثنى سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، غَدَاةَ عَرَفَةَ: مَا تَقُولُ فِى التَّلْبِيةِ هَذَا الْيَوْمَ؟ قَالَ: سِرْتُ هَذَا الْمَسِيرَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ، وَلا يَعِيبُ أَحَدُنَا عَلَى صَاحِبِهِ.
ــ
بين العشاءين، وقد يقال: لاجتماع الناس بها للوقوف. قال ابن حبيب: هى جمع ومزدلفة وقزحٌ والمشعر الحرام، وسميت مزدلفة لذلك؛ من جمع [الناس بها] (١)، وقيل: لقربهم من منازلهم بعد الإفاضة. والازدلاف: القربُ.
٢٨٤ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ حُمَيْدٍ: قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
٢٨٥ - (١٢٨٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِى عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِىَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ.
(...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِى رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيَدَ الْخَطْمِىِّ، وَكَانَ أَمِيَراً عَلَى الْكُوفَةِ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
٢٨٦ - (٧٠٣) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا.
٢٨٧ - (١٢٨٨) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ.
ــ
من زحام الناس الذى رفق فى السير بسبب ذلك، وليسرع إلى المناسك ليأتيها متسع الوقت، ويتمكن من تنسكه بها وعمله فيها من غير تضيق ولا استعجال وأصل الفجوة ما اتسع من الأرض، وقد رواه بعض رواة الموطأ: " فرجة " (١) والنص: الإسراع فى السير، وهو أرفعه. وقوله: " الذى أنزلت عليه سورة البقرة " (٢) حجةٌ فى جواز قولك: سورة البقرة، [وسوره آل عمران، وهو هذا، وقد اختلف السلف، فأجازه بعضهم، وكرههُ بعضهم، فقال: يقال للبقرة التى يذكر فيها: البقرة] (٣) والتى يذكر فيها آل عمران، قالوا: وخص هنا سورة البقرة: لأن معظم مناسك الحج فيها.
وقوله: " صلى المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة ": أى صلاة نافلة، وقد
стр. 2286
فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّى بِجَمْعٍ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ تَعَالَى.
٢٨٨ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِجَمْعٍ، وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ. ثُمَّ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عمَرَ؛ أَنَّهُ صَلَّى مِثْلَ ذَلِكَ. وَحَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَنَعَ مَثْلَ ذَلِكَ.
٢٨٩ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: صَلاهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ.
٢٩٠ - (...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِىُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، صَلَّى الْمَغْرِب ثَلَاثًا، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ.
ــ
جاءت السجدة بمعنى الركعة، وبمعنى الصلاة، وهذا حكم صلاة الجمع بين صلاتين؛ أنه لا تنفل بينهما، وقد تقدم الكلام عليه، ومن رخص فى ذلك مدة أذان المؤذن للآخرة.
وقوله: " وصلى المغرب ثلاث ركعات والعشاء ركعتين ": أصل فى السنة فى تقصير الحاج بمنى وعرفة ومكة الصلاة الرباعية، مكياً كان أو غير مكى، إلا أهل منى بمنى، وأهل عرفه بعرفة، وأهل مكة بمكة، هذا قول مالك والأوزاعى، إلا الإمام فإنه يقصر وإن كان عندهم من سكان هذه المواضع، وذهب جمهور العلماء إلى أن هؤلاء يُتمون، وإنما يقصر من كان فى سفره ما تقصر فيه الصلاة على سنة القصر، ولا يختص الحاج بشىء من غيره، وذهب بعض السلف إلى مثل قول مالك، إلا أنه سوى الإمام وغيره، وأنه يقصر إن كان من أهل الموضع، وهو مذهب إسحاق.
وقوله: فى حديث ابن عمر: " صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامةٍ واحدةٍ ": حجة لمن قال بذلك، وقد تقدم الكلام عليه، أو يكون بإقامة واحدة لكل صلاة دون أذان، فيحتج به من قال بذلك أيضاً، وهو يحتمل أن يكون بأذان كما ثبت فى حديث جابر وهو حج واحد، لكن لم يتعرض هنا لذكر الأذان ولا نفيه، فيجمع بين الروايتين على هذا، ويبقى الإشكال فى إثبات جابر إقامتين، ونص ابن عمر على إقامةٍ واحدةٍ، فلعله يعنى بواحدة فى العشاء الآخرة. يعنى دون أذانٍ فيها، وبقيت الأولى بأذانٍ وإقامةٍ - والله أعلم.
стр. 2287
٢٩١ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ أَبِى خَالِدٍ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَفَضْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ حَتَّى أَتَيْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى هَذَا الْمَكَانِ.
ــ
وذكر مسلم: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا عبد الله بن نمير، ثنا إسماعيل بن أبى خالد، عن أبى إسحاق قال: قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعاً - وذكر الحديث، قال الدارقطنى: هذا عندى وهم من إسماعيل، وقد خالفه منهم شعبة والثورى وإسرائيل وغيرهم، فرووه عن أبى إسحاق، عن عبد الله بن مالك، عن ابن عمر، وإن كان إسماعيل ثقةً فهؤلاء أقوم بحديث أبى إسحاق منه، وهو أحد المائتين من الأحاديث التى استدركها وتتبعها الدارقطنى على مسلم والبخارى فى صحيحيهما (١).
стр. 2288
(٤٨) باب استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحرِ بالمزدلفة، والمبالغة فيه بعد تحقق طلوع الفجر
٢٩٢ - (١٢٨٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلاةً إِلا لِمِيقَاتِهَا، إِلا صَلاتَيْنِ: صَلاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا.
(...) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: قَبْلَ وَقْتِهَا بِغَلَسٍ.
ــ
وقول ابن مسعود: " ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاةً إلا لميقاتها إلا صلاه المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها "، قال الإمام: من يقول إن الإسفار بالصبح أفضل تعلق بهذا الحديث، قال: وقول ابن مسعود يدل على أنه ﵇ كان يؤخر صلاة الصبح، وأنه عجلها يومئذ قبل وقتها المعتاد.
قال القاضى: لا حجة للمخالف فى هذا الظاهر، فقد تقدم من تغليس النبى ﷺ بالصبح، وصلاته لها والنجوم بادية مشتبكة، وأن النساء ينصرفن ما يعرفن من الغلس، وغير ذلك ما لا يدفع فيه تأويل من تأول هذا ولا غيره. والمراد بهذا الحديث مخالفة عادته فى التغليس؛ إذ كان فى غير هذا اليوم يغلس بعض التغليس، وينتظر - والله أعلم - من يأتى المسجد من الجماعة ممن يصلى به وإن لم ينتظر كافتهم، وهاهنا الناس كلهم مستعدون، وجميعهم مستعجلون للإفاضة، فكان تغليسه الآن أكثر من سائر أوقاته وقبل ميقاته المعلوم له، كما كانت صلاته المغرب والعشاء مؤخرتين عن ميقاتهما المعهود لصلاته لهما فى غير جمع.
стр. 2289
(٤٩) باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى فى أواخر الليالى قبل زحمة الناس، واستحباب المكث لغيرهم حتى يصلوا الصبح بمزدلفة
٢٩٣ - (١٢٩٠) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ - يَعْنِى ابْنَ حُمَيْدٍ - عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، تَدْفَعُ قَبْلَهُ، وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً - يَقُولُ الْقَاسِمُ: والثَّبِطَةُ الثَّقِيلَةُ - قَالَ: فَأَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ، وَحَبَسنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ. وَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأَكُونَ أَدْفَعُ بِإِذْنِهِ، أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ.
٢٩٤ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِىِّ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةً ضَخْمَةً ثَبِطَةً، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُفِيضَ مَنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، فَأَذِنَ لَهَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَيْتَنِى كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ لا تُفِيضُ إِلا مَعَ الإِمَامِ.
ــ
وقوله: " استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة مزدلفة تدفع قَبْلَهُ وقَبْلُ حُطْمَة الناسِ، فأذن لها، وكانت امرأةً ثَبِطَةً " فسره فى الحديث: " الثقيلة "، وفى الرواية الأخرى: " ضخمةً ثبطة "، وحقيقته: المتأنية؛ لثقلها وضخامتها. ومعنى: " حَطْمَةِ الناس ": أى زحمتهم، ومنه سمى الحطيم لانحطام الناس عليه: أى ازدحامهم. واحتجت الشافعية بحديث سودة على مذهبهم فى جواز الرمى بعد نصف الليل قبل الفجر (١) وإنما حديث سودة هذا رخصة لأولى الأعذار فى الدفع من جمع الإفاضة بليل، والسنة المبيت بها، وصلاة الفجر بها غلساً، والوقوف بالمشعر حتى يسفر جداً، ثم الدفع قبل طلوع الشمس، كما فعل النبى ﷺ فى حديث جابر وغيره من الأحاديث.
قال الإمام: عندنا أن من ترك المبيت بالمزدلفة والوقوف بالمشعر حجه تام، وعليه دم
стр. 2290
٢٩٥ - (...) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَدِدْتُ أَنِّى كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأُصَلِّى الصُّبْحَ بِمِنًى، فَأَرْمِى الْجَمْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِى النَّاسُ. فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ اسْتَأْذَنَتْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، إِنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً ثَقِيلَةً ثَبِطَةً، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَذِنَ لَهَا.
٢٩٦ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٢٩٧ - (١٢٩١) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ قَالَ: قَالَتْ لِى أَسْمَاءُ - وَهِىَ عِنْدَ دَارِ
ــ
وعند المخالف: يبطل حجه لقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (١)، والأمر على الوجوب.
قال القاضى: لا خلاف أنه مشروع من المناسك والسنن المذكورة، إلا شيئاً روى عن عطاء، والأوزاعى: أن جمعاً منزل كسائر المنازل السفر، من شاء طواه ومن شاء نزل به رحل متى شاء.
وفى إذن النبى ﵇ بالليل لسودة وظعنه وضعفة أهله، وأن وقوفه هو بعد صلاة الصبح دونهم ولم يأمرهم بالوقوف - يدل أنه ليس بواجب، خلافاً للشافعى والنخعى وغيرهما القائلين أن من فاته الوقوف به بعد: فاته الحج، وذكر عن الأوزاعى (٢)، واختلف عن الثورى، واختلف من لم يوجبه وهم الجمهور، هل على تاركه دم؟ فأوجب ذلك عليه الكوفيون وفقهاء أصحاب الحديث، وقال الشافعى: إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شىء عليه، وإن كان قبلُ ولم يعد إليها افتدى بشاة، وقال مالك؛ من نزل بها فلا دم عليه، وإن مر ولم ينزل فعليه دم، وقد جاء عن ابن عمر فى تقديم ضعفة أهله: أنهم كانوا يقفون قبل أن يدفعوا قبل وقوف الإمام، فجعل الرخصة فى تعجيل الوقوف لا فى
стр. 2291
الْمُزْدَلِفَةِ - هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لا. فَصَلَّتْ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَى، هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتِ: ارْحَلْ بِى. فَارْتَحَلْنَا حَتَّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ صَلَّتْ فِى مَنْزِلِهَا. فَقُلْتُ لَهَا: أَىْ هَنْتَاهُ، لَقَدْ غَلَّسْنَا. قَالَتْ: كَلا، أَىْ بُنَىَّ، إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَذِنَ للْظّعُنِ.
(...) وَحَدَّثَنِيهِ عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى رِوَايَتِهِ: قَالَتْ: لا. أَىْ بُنَىَّ، إِنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِظُعُنِهِ.
٢٩٨ - (١٢٩٢) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِى عَلِىُّ ابْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ؛ أَنَّ ابْنَ شَوَّالٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ فَأَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ بِهَا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
٢٩٩ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عُمْرُو بْنُ دِينَارٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ، عَنْ أُمَّ حَبِيبَة، قَالَتْ: كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ ، نُغَلِّسُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنىً. وَفِى رِوَايَةِ النَّاقِدِ: " نُغَلِّسُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ".
٣٠٠ - (١٢٩٣) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يقُولُ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ الثَّقَل - أَوْ قَالَ فِى الضَّعَفَةِ - مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
ــ
إسقاطه. واختلف عن مالك فى القدر المستحق من الزمان بمزدلفة، هل هو الليل كله أو جله، أو أقل زمان؟ حكى ذلك ابن خويز منداد.
وقوله: " إن رسول الله ﷺ أذن لظُعُنِه (١) ": أى نسائه.
قال الإمام: سميت المرأه ظعينة باسم الهودج الذى تكون فيه، وظعينة الرجل: امرأته.
قال القاضى: وقوله: " أى هنتاه ": وأصله من الهن، يكنى به عن الشىء، والأنثى هنة، فإذا وصلتها بالهاء قلت: يا هنتاه، ومن العرب من يقول: يا هنوه، وللرجل: يا هناه، ولا تستعمل كذا إلا فى النداء.
وقوله: " لقد غلسنا ": أى رمينا بغلس، وهو أعلى السحر، وثقل الشىء بفتح القاف، نقل المسافر متاعه وجسمه.
стр. 2292
٣٠١ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ ابْنُ أَبِى يَزِيدَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى ضَعَفَةِ أَهْلِهِ.
٣٠٢ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عُمْرٌو عَنْ عَطَاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى ضَعَفَةِ أَهْلِهِ.
٣٠٣ - (١٢٩٤) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِن جَمْعٍ فِى ثَقَلِ نَبِىِّ اللهِ ﷺ . قُلْتُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِى بِلَيْلٍ طَوِيلٍ؟ قَالَ: لا، إِلا كَذَلِكَ، بِسَحَرٍ. قُلْتُ لَهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَأَيْنَ صَلى الْفَجْر؟ قَالَ: لا، إِلا كَذَلِكَ.
٣٠٤ - (١٢٩٥) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَبْدِ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، وقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِك، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِى أُوْلَئِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
ــ
وقوله: " كان ابن عمر يُقَدِّم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعرالحرام بالمزدلفة بالليل "، وذكر قبل أن يقف الإمام، قال: ومنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وقال: أَرْخَص فِى أولئك رسول الله ﷺ الحديث.
قال الإمام: مذهب الشافعى رمى الجمرة من نصف الليل، ويتعلق بأن أم سلمة قدمت قبل الفجر، وكان ﵇ أمرها أن تفيض وتوافيه الصبح بمكة، وظاهر هذا عنده تعجيل الرمى قبل الفجر، ومذهب الثورى والنخعى: أنها لا ترمى إلا بعد طلوع الشمس (١)، ويتعلقان بحديثٍ فيه: أنه ﵇ يقدم ضعفة أهله وأمرهم ألا يرموا حتى تطلع الشمس. ومذهب مالك: أن الرمى يحل بطلوع الفجر، ويتعلق بما ذكر [من حديث] (٢) ابن عمر (٣).
قال القاضى: قد تقدم فى حديث جابر استحباب ما فعل النبى ﵇.
стр. 2293
(٥٠) باب رمى جمرة العقبة من بطن الوادى، وتكون مكة عن يساره، ويكبر مع كل حصاة
٣٠٥ - (١٢٩٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، مِنْ بَطْنِ الْوَادِى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ.
ــ
وقوله: " رمى عبد الله جمرة العقبة من بطن الوادى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة "، وقال: " هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة "، وإنكاره رميها من فوق العقبة، وفى الحديث الآخر: " فاستبطن الوادى، فاستعرضها فرماها من بطن الوادى ": كله بمعنى واحد، أى وقف فى بطنه ووسطه، ومعنى: " استعرضها ": أى وقف فى عُرض الجمرة، أى جانبها، وفى الحديث الآخر: " وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه ".
رمى الجمرة من مناسك الحج، واختلف هل هى من واجباته وأركانه أم لا؟ وفى مذهبنا فيه الوجهان، وحكى الطبرى عن بعض الناس أن الجمار إنما جعل حفظاً للتكبير، ولو ترك الرمى تارك وكبر أجزأه، ونحوه عن عائشة. ورمى جمرة العقبة من حيث تَيسَّر من أعلى العقبة، أو أسفلها، أو أوسطها يجزئ، والمستحب من بطن الوادى من أسفلها، كما جاء فى الحديث: هذا كله قول كافة العلماء، أما سائر الجمرات فمن فوقها، ورميها بسبع حصيات. واختلفوا فيمن رماها بأقل، فجمهور العلماء على أن تارك ذلك دماً إذا فاته جبره أيام الرمى، وهو قول مالك والأوزاعى، وذهب الشافعى وأبو ثور إلى أن على تارك حصاةٍ مدّا من طعام وفى اثنتين مدين، وفى ثلاث فأكثر دماً وقال أبو حنيفة وصاحباه: لو ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث ففى كل حصاة نصف صاع، وإن كان أكثر من نصفها فعليه دم. وقال مالك: إن نسى جمرةً تامةً أو الجمار كلها عليه بدنةٌ، وإن لم يجد فبقرةٌ، فإن لم يجد فشاةٌ، وقال البصريون: على ناسى الجمرة والجمرتين دم، وقال عطاء فيمن رمى بخمسٍ، ومجاهد فيمن رمى بست: لا شىء عليه. واتفقوا أن بخروج أيام التشريق يفوت الرمى إلا العقبة، إلا ما قاله أبو مصعب: إنه يرمى متى ذكر، كمن نسى صلاةً يُصلها متى ذكرها (١).
وقوله: " يكبر مع كل حصاة ": هى السنة، وبها أخذا مالك والشافعى، وبه عمل
стр. 2294
قَالَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أُنَاسًا يُرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: هَذَا وَالَّذِى لا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَقَامُ الَّذِى أُنْزِلَتْ عَلَيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
٣٠٦ - (...) وحدّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ، وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَلِّفُوا الْقُرْآنَ كَمَا أَلَّفَهُ جِبْرِيلُ، السُّورَةُ الَّتِى يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةَ، وَالسُّورَةُ الَّتِى يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، وَالسُّورَةُ الَّتِى يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ.
قَالَ: فَلَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ فَسَبَّهُ وَقَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ؛ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَأَتَى جَمْرَةً الْعَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِىَ فَاسْتَعْرَضَهَا، فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ النَّاسَ يَرْمُونَهَا منْ فَوْقِهَا. فَقَالَ: هَذَا وَالَّذِى لا إلَهَ غَيْرُهُ، مَقَامُ الَّذِى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
(...) وحدّثنى يَعْقُوبُ الْدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ: لا تَقُولُوا سُورَةُ الْبَقَرَةِ. وَاقْتَصَّا الْحَدِيثَ بِمِثلِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ.
٣٠٧ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا
ــ
الأئمة، وأجمعوا أنَّ من لم يكبر لا شىء عليه. والتكبير هنا برفع الصوت، وكان بعض السلف يدعو مع ذلك.
وقوله: " هذا والذى لا إله إلا هو مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة ": حجة فى جواز سورة البقرة، وسورة آل عمران وسنة ذلك، وقد أنكر إبراهيم النخعى على الحجاج فى الأم نهيه عن ذلك، وقوله: " السورة التى يذكر فيها البقرة " وهو اختيار بعضهم أيضاً.
وقول الحجاج " ألِّفُوا القرآن كما ألفه جبريل ﵇ السورةُ التى يذكر فيها البقرة " الحديث، ولم ينكر عليه إبراهيم قوله: " ألفه جبريل " كما أنكر عليه ما تقدم، فإن كان يريد بقوله تأليف الآى فى كل سورة ونظمها على ما هى عليه فى المصحف الآن، فهو إجماع المسلمين، وأن ذلك توقيف من النبى ﵇ وإن كان يريد تأليف السور بعضها إثر بعض، فهو قول بعض الفقهاء والقراء والمحققون على خلافه، وأنه اجتهاد من
стр. 2295
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ؛ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ عَبْد اللهِ، قَالَ: فَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ. وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
٣٠٨ - (...) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
٣٠٩ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُحَيَّاةِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظ لَهُ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى أَبُو الْمُحَيَّاةِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ: إِنَّ نَاسًا يَرمُونَ الْجَمْرَةَ مِنْ فَوْقِ العَقَبَةَ. قَالَ: فَرَمَاهَا عَبْدُ اللهِ مِنْ بَطْنَ الْوَادِى، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَاهُنَا وَالَّذِى لا إِلَهَ غَيْرُهُ، رَمَاهَا الَّذِى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
ــ
الأمة وليس بتوقيف، وقد تكلمنا على هذا فى كتاب الصلاة (١) وتقديمة هنا النساء على آل عمران يدل أنه لم يرد إلا نظم الآى؛ لأن الحجاج إنما كان يتبع مصحف عثمان ولا يخالفه، ولم يرد فى الظاهر ترتيب السور - والله أعلم.
стр. 2296
(٥١) باب استحباب رمى جمرة العقبة يوم النحر راكباً. وبيان قوله ﷺ : " لتأخذوا مناسككم "
٣١٠ - (١٢٩٧) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُول: رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَرْمِى عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحَرِ، وَيَقُولُ: " لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّى لا أَدْرِى لَعَلىِّ لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ ".
٣١١ - (١٢٩٨) وحدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُهَا
ــ
وقوله: " حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، [وفيه قرابته على راحلته، ومعه بلال وأسامة، أحدهما يقود به، والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس] " (١)، قال الإمام: ذهب بعض الفقهاء إلى جواز استظلال المحرم راكباً، وتعلق بهذا الخبر. ومالك يكره ذلك، وأجاب بعض أصحابه عن هذا بأن هذا القدر الذى وقع فى الخبر لا يكاد يدوم، وقد أجاز مالك للمحرم أن يستظل بيده، وقال ما يثبت ذلك. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذا الاستظلال المذكور فى الحديث عند مقاربة الإحلال؛ لأن يرمى الجمرة يباح ذلك، فلعله يسهل فيه كما يسهل فى الطيب عند طواف الإفاضة، وقد روى أن عمر رأى رجلاً جعل ظلالةً على محمله، فقال: " أضح لمن أحرمت له " يعنى: أبرز إلى الضحاء. قال الرياشى (٢): رأيت أحمد بن المعذل (٣) فى يوم شديد الحرِّ فقلت
стр. 2297
تَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَانْصَرفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلالُ وَأُسَامَةُ، أَحَدُهُمَا يَقُودُ به رَاحِلتَهُ، والآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الشَّمْسِ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلاً كَثِيرًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدُ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ - أَسُوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكَتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ".
٣١٢ - (...) وحدّثنى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنيْسَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ جَدَّتِهِ، قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلالاً، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِىِّ ﷺ ، والآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
ــ
له: يا أبا الفضل، هلا استظللت، فإن فى ذلك توسعة للاختلاف فيه، فأنشد:
ضحيت له كى استظل بظله ... إذا الظل أضحى فى القيامة قالصًا
فوا أسفا إن كان سعيك باطلاً ... وواحسرتى إن كان حجك (١) ناقصا
قال صاحب الأفعال: يقال ضحيت وضحوت ضحياً وضحواً: [إذا] (٢) برزت للشمس، وضحيت ضحاء (٣) أصابتنى الشمس، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ (٤).
قال القاضى: قد قدمنا من الكلام فى هذا وكافة العلماء على جوازه.
وقوله فى هذا الحديث: " وإن أمر عليكم عبدٌ مجدعٌ يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا ": الجدع: القطع، نبه بهذا على نهاية الخساسة والضعة فى أوصاف العبيد؛ إذ لا يكون بهذه الصفة إلا الوغدُ الدَّنِىُ منهم، المستعمل فى أرذل الأعمال وأخسها. وفيه ما يلزم من طاعة الأئمة إذا كانوا متمسكين بالإسلام، والدعوة لكتاب الله كيف ما كانوا هم فى أنفسهم وأنسابهم وأخلاقهم.
قال الإمام: خرّج مسلم فى هذا الباب: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن سلمة، عن أبى عبد الرحيم، عن زيد بن أبى أُنيْسَة - الحديث. ثم قال مسلم: واسم أبى عبد الرحيم خالد بن أبى يزيد، وهو خال محمد بن سلمة، روى عنه وكيعٌ وحجاج الأعور،
стр. 2298
قَالَ مُسْلِمٌ: وَاسْمُ أَبِى عَبْدِ الرَّحِيْمِ، خَالِدُ بْنُ أَبِى يَزِيدَ. وَهُوَ خَالُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ. رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ وَحَجَّاجٌ الأَعْوَرُ.
ــ
قال بعضهم: هكذا فى رواية أبى أحمد والكسائى، وفى نسخة ابن ماهان: روى عن وكيع وحجاج، والأول هو الصواب.
(٥٣) باب بيان وقت استحباب الرمى
٣١٤ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ وَابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَن جَابِرٍ، قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَما بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ.
(...) وحدّثناه عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
ــ
وقوله: " رمى ﵇ الجمرة يوم النحر ضحىً، وأما بعدُ فإذا زالت الشمس "، قال القاضى: هذا أصل فى هذه السنة، وأراد بيوم النحر جمرة العقبة؛ إذ لا يُرمى يوم النحر غيرها، وقد تقدم أنه وقت استحباب رميها، وأما الجمارُ الآخر فبعد الزوال كما جاء فى الحديث، وهو قول كافة العلماء والسلف، إلا أن أبا حنيفة قال: يستحسن أن يكون فى اليوم الثالث قبل الزوال، قال: والقياس أنه لا يجوز إلا بعد الزوال، وخالفه صاحباه، وقال إسحاق: يجزئه فى اليوم الثالث قبل الزوال، وقال عطاء وطاوس: يجزئه فى الثلاثة الأيام قبل الزوال والسنة ترد هذا كله (١)، وقد قال ﵇ وهو يرمى: " خذوا عنى مناسككم " (٢).
وجمرة العقبة يوم النحر ترمى بسبع حصيات - كما تقدم - والجمراتُ الأخر الثلاث فى الثلاثة الأيام بعدها ترمى كل يوم بأحدٍ وعشرين، كل جمرة بسبع، يبدأ بالتى تلى المسجد، وهى الدنيا، ثم الوسطى عند العقبة الأولى قرب مسجد منى، ويقف فى هاتين - عند مالك - ويدعو ويستقبل القبلة، ويقوم طويلاً للدعاء والذكر، وقيل: إنما يفعل هذا فى الأولى، وأما الوسطى فيأخذ إذا رماها ذات الشمال فى بطن المسيل، ثم يقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً، ويدعو ويهلل ويذكر الله على ما جاء فى حديث ابن عمر، وقاله محمد من أصحابنا، وأما الجمرة الثالثة فى العقبه حيث يرمى يوم النحر، ولا يقف عند هذه، وكذا جاء فى حديث ابن عمر، خرجه البخارى (٣). يفعل هذا فى كل يوم من
стр. 2301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأيام الثلاثة بعد يوم النحر فعدد الجمار فى هذه الأيام الثلاثة ثلاث وستون، وتتم بسبع جمرة العقبة يوم النحر سبعين حصاة.
واختلف فى رفع الأيدى عند الدعاء عند الجمرتين، فقال به الكافة على ما جاء فى الحديث (١) واختلف فيه قول مالك. واختلفوا فيمن لم يقف عند الجمرتين، فكافتهم على أنه لا شىء عليه، إلا الثورى فإنه رأى أن يطعم شيئاً أو يُهريق دماً.
وقوله: " وهو يرمى على راحلته " (٢)، قال القاضى: ليس من سنة الرمى الركوب له ولا الترجل ولكن يرمى الرجل على هيئته التى يكون حينئذ عليها من ركوب أو مشى، ولا ينزل إن كان راكباً لرمى، ولا يركب إن كان ماشياً، وهذا فى جمرة العقبة، وأما الأيام بعدها فيرمى ماشياً لأن الناس نازلون بمنى منازلهم فيها، فيمشون للرمى ولا يركبون لأنه خروج عن التواضع حينئذ هذا مذهب مالك، واستحب أحمد وإسحاق الرمى ماشياً، وروى ذلك عن بعض الصحابة.
وقوله: " ويرمى " يدل أنه رمىٌ لا طرحٌ، ولا وضع، وهو قول أصحابنا: أن الطرح والوضع لا يجزئ، وقال أصحاب الرأى: يجزئ الطرح، ولا يجزئ الوضع، ووافقنا أبو ثور، إلا أنه قال: إن كان يسمى الطرح رميًا أجزأ.
стр. 2302
(٥٤) باب بيان أن حصى الجمار سبع
٣١٥ - (١٣٠٠) وحدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - وَهُو ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْجَزَرِىُّ - عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الاِسْتِجْمَارُ تَوٌّ، وَرَمْىُ الْجِمَارِ تَوٌّ، وَالسَّعْىُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وَإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ ".
ــ
وقوله: " الاستجمار تَوٌّ، والسعى تَوٌّ، والطواف تَوٌّ ": قال الإمام: معناه وترٌ. وفى حديث الشَّعْبى: " فما مضت إلا توَّة ": أى ساعة واحدة، ويقال فى غير هذا: جاء فلان توًا، أى قاصداً لا يعرج على شىء.
قال القاضى: وأما قوله آخراً: " إذا استجمر أحدكم فليستجمر بتوٍّ " وقد ذكر الاستجمار أولاً، فتكراره إما أن يكون المراد أولاً الفعل والثانى عدد الأحجار، أو يكون أحدهما الاستطابة والثانى: البخور، والأول أظهر، واختلف الفقهاء، هل برمى جمرة العقبة يتم تحلل الحاج من كل شىء منع منه إلا النساء؟ وهو قول أبى ثور. أم حتى يحلق فيحل له - أيضاً - كل شىء إلا النساء؟ وهو قول الشافعى وأصحاب الرأى وجماعة من العلماء، أم يحل له بعض ويمنع من بعض حتى يطوف طواف الإفاضة؟ فذهب مالك إلى التفريق بين التحللين، وأنَّ برمى الجمرة حلٌ له كل شىء إلا النساء والطيب والصيد، وأن تحلله إنما يتم بطواف الإفاضة، وحينئذ يحل له كل شىء [مما] (١) منع من النساء والصيد والطيب وغير ذلك، وروى عن عمر. أن برمى جمرة العقبة يحل له كل شىء إلا النساء [والطيب، وعن عطاء: إلا النساء] (٢) والصيد، ولا خلاف بينهم أن النساء لا يبحن إلا بعد الإفاضة (٣). واختلف قول مالك إذا تطيب قبل الإفاضة فى وجوب الدم عليه للخلاف فى ذلك.
وموانع الإحرام عندنا ضربان:
أحدهما: فعل ما لا يباح استحلاله وهو الصيد والرفث، والرفث: الجماع، وكل ما فى معناه من الاستمتاع بالنساء، وما يدعو إلى ذلك من الطيب والعقود المختصة به كالنكاح.
стр. 2303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثانى: إزالة ما لا يباح له اجتنابه وهو التفث، وهو الشعث، وترك حلق شعره وإزالته ومشطه وغسله بالغسول، وترك التنظيف، وقص الأظفار، والتطيب، ولبس المخيط والخفاف، وما يستر الرأس والوجه والأطراف فهذا الفصل وهو التفث يقع التحلل منه عندنا بالخلاف والفصل الأول لا يقع التحلل منه إلا الطواف، وهو آخر التحللين وغايته عند الجميع.
стр. 2304
(٥٥) باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير
٣١٦ - (١٣٠١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ " مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: " وَالْمُقَصِّرِينَ ".
٣١٧ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " وَالْمُقَصِّرِينَ ".
ــ
أحاديث الحلق والتقصير
ودعاؤه ﵇ بالرحمة والغفران للمحلقين وتكريره ذلك دون المقصرين حتى سئل فدعا للجميع وقال: " للمقصرين،: قال الإمام: زعم بعض العلماء أن ذلك تحضيض على الحلاق لأجل أنه ﵇ لما أمرهم فحلوا ولم يحل توقفوا استثقالاً لمخالفة أفعاله، فلفا عزم عليهم مالوا إلى التقصير لأنه أخف وأقرب شبهاً به ﵇ إذ لم يحل، أو لأنهم لم يكونوا اعتادوا الحلاق. وقد اختلفوا فى الحلاق، فمذهبنا أنه عند التحلل نسك مشروع لأجل ظاهر الحديث، ولقوله سبحانه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُون﴾ (١) فوصفهم بذلك يقتضى كونه مشروعاً، وقال الشافعى: ليس بنسك وهو مباح كاللباس والطيب لأنه ورد بعد الحظر فحمل على الإباحة، ولأنه لو حلق فى حال الحج لافتدى كما إذا لبس وتطيب، ولو كان من النسك لم يلزمه فدية، كما لو رمى الجمار قبل وقتها، فان أقصى ما عليه أن يعيدها ولا يلزمه دم، وما ذكرنا من الظاهر يرد قوله.
هذا وقد استقر فى الشرع تحريم السلام فى أثناء الصلاة المفروضة وأمر به فى آخرها ولم يكن ذلك على وجه الإباحة بل حمل على الوجوب، واختلف الناس أيضاً فى القدر الذى تتعلق به الفدية إذا حلق، والمشروع منه عند التحلل، فعند الشافعى أقله ثلاث
стр. 2305
٣١٨ - (...) أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ "، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " رَحَمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ ". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " وَالْمُقَصِّرِينَ ".
٣١٩ - (...) وحدّثناه ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فى الْحَدِيثِ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ: قَالَ: " وَالْمُقَصِّرِينَ ".
٣٢٠ - (١٣٠٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: " اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: " اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: " وَلِلْمُقَصِّرِينَ ".
(...) وحدّثنى أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا روْحٌ عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ.
ــ
شعرات، وعند أبى حنيفة: ربع الرأس، وعند أبى يوسف: نصفه، وعند مالك: كله فى التحلل، وتتعلق الفدية عنده بما يماط به الأذى (١).
قال القاضى: ذكر بعضهم أن قول النبى ﷺ هذا إنما كان يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق، فما قام أحد له؛ لما وقع فى نفوسهم من الصلح. وذكر ابن إسحاق وغيره الخبر بذلك بكماله، وذكر عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصّر آخرون، فقال رسول الله ﷺ : " اللهم ارحم المحلقين " ثلاثاً، قيل: يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم، قال: " لأنهم لم يشكوا " (٢). قال أبو عمر وكونه فى الحديبية هو المحفوظ (٣).
стр. 2306
٣٢١ - (١٣٠٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِىُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهِ؛ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاثًا. وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً. وَلَمْ يَقُلْ وَكِيعٌ: فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
٣٢٢ - (١٣٠٤) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىُّ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - كِلاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
ــ
قال القاضى: وذكر مسلم فى الباب خلاف ما قالوا، وإن كانت جاءت أحاديثه مجملة غير مفسّرة موطن ذلك؛ لأنه ذكر من رواية ابن أبى شيبة ووكيع فى حديث يحيى بن الحصين عن جدته؛ أنها سمعت النبى ﷺ فى حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين مرة واحدة، إلا أن وكيعاً لم يذكر حجة الوداع، وقد ذكر مسلم قبل هذا فى باب رمى الجمرة حديث يحيى بن حصين عن جدته هذه أم الحصين: " حججت مع النبى ﷺ حجة الوداع " (١) فقد جاء الأمر فى حديثها مفسّراً أنه فى حجة الوداع، فلا يبعد أن النبى ﷺ قاله فى الموضعين ووجهه أن التحليق أبلغ فى العبادة، وأدلّ على صدق النية فى التذلل لله لأن المقصر مُبق على نفسه من زينته التى أراد الله أين يكون الحاجُ مجانباً لها، لأنه الذى فعله ﵇. وفيه دليل على أنه من النسك " إذ لو كان مباحاً لم يكن لتخصيص فاعل أحدهما بتكرار الترحم ولا لترحم لفاعلهما معنى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منى، وذهب الشافعى وأبو ثور وأبو يوسف وعطاء أنه لا شىء عليه فى ترك ذلك جملة، وهذا على قول الشافعى أنه ليس بنسك، وله قول آخر أنه نسك، فيوافق على قوله هنا الأول، واختلف القائلون أنه نسك هل هو على المحصر؟ فقال أبو حنيفة: ليس عليه ذلك وقاله صاحباه، واختلف فيه على أبى يوسف فأوجبه مرة، وقول كافة العلماء: أن المحصر فى الحلاق والتقصير كغيره.
ولا خلاف أن الحلاق أفضل من التقصير، وأن التقصير يجزئ وأن الحلاق لا يلزم النساء، وأن شأنهن التقصير، وعند الكثير منهم أن الحلاق لا يباح لهن إلا من عذر لأنه مثلة فيهن (١)، وشذ الحسن فرأى أن الحلاق واجب فى أول حجة يحجها الإنسان، وجمهورهم على أنه من لبدّ أو عقص أو ضفّر، لزمه أن يحلق ولا يقصّر للسنة الواردة بذلك، قالوا: وعليه أن التقصير فى ذلك لا يعم شعره ومن سنته عموم تقصير شعره وهذا فيه ضعف، إلا أصحاب الرأى فجعلوا الملبّد والمضفّر لغيره يجزئه التقصير.
وفى بداية النبى ﵇ يحلق رأسه بالشق الأيمن مشهور سنته فى التيامن فى العبادات وغيرها (٢)، وقسمته شعره ﵇ على الناس تبركاً به واستشفاعاً إلى الله بأجزائه هو وما هو منه وتقرباً بذلك. وفيه حجة على طهارة الشعر وشعر الإنسان إذا انفصل عنه، وان كان قد اختلف العلماء فى ذلك كما تقدم فى كتاب الطهارة، وتخصيص شعر النبى ﷺ وجميع ما منه حياً وميتاً بالطهارة على أحد القولين هو الصحيح، وقد بسطنا الكلام فى ذلك فى كتاب الشفاء (٣). وحكم الحلاق وسنته أن يكون بعد النحر وقيل الإفاضة، على ما جاء من فعله ﵇ سواء فى هذا القارن والمفرد عند كافتهم، وذهب ابن الجهم من أصحابنا أن القارن لا يحلق حتى يطوف ويسعى.
стр. 2309
(٥٧) باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمى
٣٢٧ - (١٣٠٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، بِمِنًى، لِلْنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ. فَقَالَ: " اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ آخَرُ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ. فَقَالَ: " ارْمِ وَلا حَرَجَ ".
ــ
وقوله: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى، قال: " ارم ولا حرج " وقال آخر: لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر، قال: " انحر ولا حرج " وفى بعض طرقه: حلقت قبل أن أرمى، قال: " ارم ولا حرج "، [وفى بعضها هؤلاء الثلاثة، وفى بعضها: أفضت إلى البيت قبل أن أرمى، قال: " ارم ولا حرج " وفيه: كلما سئل رسول الله ﷺ عن شىء قدم ولا أُخر إلا قال: " افعل ولا حرج "] (١)، قال الإمام: الذى يفعله الحاج فى منى ثلاثة أشياء: رمى، ونحر، وحلق فإن قَدّم من ذلك واحداً على صاحبه فلا فدية عليه، إلا فى تقديم الحلاق على الرّمى، فإن عليه الفدية عندنا لأنه حلق قبل حصول شىء من التحلل، فأشبه من حلق عقيب الإحرام. وعند المخالف: لا فدية عليه؛ لما وقع فى بعض طرق هذا الحديث أنه قال: " ارم ولا حرج ": ويحمل هذا عندنا على نفى الإثم لا الفدية، وحمله المخالف على نفيها جميعًا، وهكذا حمل ابن الماجشون أيضاً قوله فى الحلق قبل النحر: " انحر ولا حرج "، على نفى الإثم لا الفدية؛ لأنه يرى أن من حلق قبل الذبح فقد أخطأ وعليه الفدية لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ (٢) والمشهور عندنا: لا فدية عليه، ويحمل قوله ﵇: " ولا حرج " على نفى الإثم والفدية جميعاً، ويحمل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ على وصوله إلى منى [موضع نحره] (٣) لا نحره، وفى بعض طرق هذا الحديث من غير كتاب مسلم: سعيت قبل أن أطوف (٤)، وهذا لا أعلم أحداً قال به، واعتد بالسعى قبل الطواف إلا ما ذكر عن عطاء.
وممنوعات الحج المتعلقة بأحوال نفس الإنسان المعتادة غالبًا [شيئان] (٥): رفث، وإلقاء تفث. فالرفث: الجماع وما فى معناه، وإلقاء التفث: حلق الرأس، وتقليم
стр. 2310
قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَىء قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ، إِلا قَالَ: " افْعَلْ وَلا حَرَجَ ".
٣٢٨ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ التَّيْمِىُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَه. فَيَقُولُ الْقَائِلُ مِنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْىَ قَبْلَ النَّحْرِ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ الرَّمْىِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَارْمِ وَلا حَرَجَ ". قَالَ: وَطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ: إِنِّى لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ النَّحْرَ قَبل الْحَلْقِ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ. فَيَقُولُ: " انْحَرْ وَلا حَرَجَ ". قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ، مِمَّا يَنْسَى الْمَرء وَيَجْهَلُ، مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ، وَأَشْبَاهِهَا، إِلا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " افْعَلُوا ذَلِكَ وَلا حَرَجَ ".
(...) حدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ إِلَى آخِرِهِ.
ــ
الأظفار، وما فى معنى ذلك. ويمنع أيضاً من الصيد.
والمحلل من جميع ذلك شيئان أيضاً:
أحدهما: تحليل أصغر وهو جمرة العقبة فيحل به عندنا إلقاء التفث، وإن كنا نكره منه استعمال الطيب، ولكن إن فعله بعد الرّمى لم يفتد، ويمنع من النساء والصيد، خلافاً للمخالف فى إجازة الصيد (١)، ولنا عليه قول الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ [صَيْد] (٢) الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٣)، وهذا يسمى محرماً حتى يفيض لأن طواف الإفاضة أحد أركان الحج وفرض من فروضه، فلا تذهب عنه تسمية المحرم حتى يفعله، ولا معنى لتفرقة الشافعى فى إصابة النساء بين الفرج وغيره، لأن المنع فيهما واحد (٤)،
والثانى: تحليل أكبر وهو طواف الإفاضة فيحل به من كل شىء على الإطلاق؛ [إذ] (٥) لم يبق بعده من أركان الحج وفروضه شىء إذا أتى به وقد رمى الجمرة.
стр. 2311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القاضى: وقوله: " ارم ولا حرج " قيل: هى إباحة لما فعل وقدم وإجازة له، لا أمرٌ بالإعادة، كأنه قال: افعل ذلك كما فعلته قبل أو متى شئت ولا حرج عليك؛ لأن السؤال إنما كان عما انقضى وتم.
قال القاضى: وَأَجمع العلماء أن سنة الحاج أن يرمى جمرة العقبة يوم النحر ثم يحلق بمنى، ثم يطوف طواف الإفاضة (١). ثم اختلفوا فيمن قدم شيئاً من ذلك على ما قبله، فمذهب مالك ما تقدم فى الثلاثة - النحر والحلق والرمى - من التفريق. واختلف قوله إذا قدم الإفاضة على الرّمى، فقيل: يجزيه وعليه الهدى، وقيل: لا يجزيه، وهو كمن لم يفض، وقال: يعيدها بعد الرمى والنحر، وكذلك قال: إذا رمى ثم أفاض قبل الحلاق، فقال مرة يجزيه، وقال: يعيد الإفاضة (٢) بعد الحلاق، وقال فى الموطأ: أحبّ إلى أن يهريق دماً وإن قدّمها على الذبح (٣)، وقال الشافعى وفقهاء أصحاب الحديث فى جماعة من السلف: لا شىء عليه فى الجميع، قدم منها ما قدم، وأخر ما أخر؛ لظاهر الحديث. وقال أبو حنيفة: على من حلق قبل أن يرمى أو ينحر دم، وخالفه صاحباه، (٤)، وقال: وإن كان قارناً فحلق قبل النحر فدمان، وقال زفر: عليه ثلاثة (٥)، وروى عن ابن عباس فيمن قدم شيئًا من النسك أو أخره: عليه دم، وليس بالثابت عنه (٦). ونحوه عن ابن جبير وقتادة والحسن والنخعى، ولم يختلفوا فيمن يحل قبل الرمى: أنه لا شىء عليه.
وفى قوله: لم أشعر فقال: " لاحرج " -، وهذا بيّن فى رفع الإثم والفدية معاً كما قال عطاء: هو عام فيهما وهذا بيّن فى رفع الحرج عن السّاهى ولم يفرق العلماء بين العامد والسّاهى فى ذلك، لكن رفع الحرج فى الإثم بالكلية عن السّاهى بيّن، وعنهما جميعاً فى الفدية (٧)، ويبقى حكم المتعمد المتهاون فى الإثم، والأصل أن تارك سنة غير مؤثم إلا أن يتركها متهاوناً، فهاهنا يؤثم بالتهاون لا من نفس تركها وكذلك يختلف عندنا فى فساد العمل بترك السنة متهاوناً.
آخرُ فَقَالَ: إِنِّى أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ. قَالَ: " ارْمِ وَلا حَرَجَ ". قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهُ سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَىْءٍ إِلا قَالَ: " افْعَلُوا وَلا حَرَجَ ".
٣٣٤ - (١٣٠٧) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: فِى الذَّبْحِ، وَالْحَلْقِ، وَالرَّمْىِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِير، فَقَالَ: " لا حَرَجَ ".
ــ
الرواية الأخرى] (١): " ووقف على راحلته وطفق ناس يسئلونه "، وفى الرواية الأخرى: " وهو واقف عند الجمرة ": ذهب بعضهم إلى الجمع بين هذه الروايات وأنه موقف واحد. قال الداودى: ومعنى " خطب " هنا: أى وقف للناس يعلمهم، لا أنها من خطب الحج، وحكاه عن مالك. وقد يحتمل أن ذلك فى موطنين؛ أحدهما: على راحلته عند الجمرة، ولم يقل فى هذا: خطب، وإنما فيه: أنه سئل، وأنه وقف للناس يسألونه، والموطن الثانى: قيل: ذلك يوم النحر بعد صلاة الظهر، وذلك وقت الخطبة الثالثه من خطب الحج وهو أول أيام الرمى، يعلم فيها الإمام ما بقى للناس من مناسكهم، والله أعلم.
стр. 2314
(٥٨) باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر
٣٣٥ - (١٣٠٨) حدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى.
قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفِيضُ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّى الظُّهْرَ بِمِنًى. وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَهُ.
٣٣٦ - (١٣٠٩) حدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ، قُلْتُ: أَخْبَرْنِى عَنْ شَىْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ. ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ مَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
ــ
وقوله: " أفاض يوم النحرَ ": هى سنة الإفاضة ووقتها. وأجمع العلماء أنها لطواف الواجب من أطوفة الحج، ولم يختلفوا أن من أخره عن يوم النحر وأتى به أيام التشريق أنه يجزيه ولا شىء عليه، واختلفوا فيمن أبعده في أيام التشريق، فقال مالك: إن تطاول ذلك فعليه دم، وهو قول أبى حنيفة وقال مرة: لا شىء عليه، وهذا قول الكافة، فإن تركه حتى رجع إلى بلده فكافتهم على أنه يرجع فيطوف ولا يجزيه إلا ذلك، وروى عن عطاء والحسن: يحج من العام المقبل. قال عطاء: ويعتمر.
стр. 2315
(٥٩) باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر، والصلاة به
٣٣٧ - (١٣١٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابِن عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَنْزِلُونَ الأَبْطَحَ.
٣٣٨ - (...) حَدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا صَخْرُ ابْنُ جُوَيْرِيَة، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى التَّحَصِيبَ سُنَّةً، وَكَانَ يُصَلِّى الظُّهْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْحَصْبَةِ.
قَالَ نَافِعٌ: قَدْ حَصَّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ.
ــ
وذكر مسلم نزول النبى ﷺ بالمحصّب، واختلاف الصحابة هل هو من نسك الحاج أو لا؟ وقوله: " كان ابن عمر يَرى التحصيب (١) "، قال الإمام: سنة التحصيب (٢) النوم بالشعب الذى يخرجه إلى الأبطح ساعة من الليل.
قال القاضى: مذهب مالك الاقتداء بفعل النبى ﷺ فى ذلك، وأن يخرج إلى مكة آخر أيامها فيصلى الظهر بها، وينزل بأبطح مكة حيث المقيرة فيصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويدخُل مكة أول الليل لاسيما للآية، وهو واسع لغيرهم. والمحصّب: هو الأبطح، وهو البطحاء، وهو خيف بنى كنانة. والخيف: ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل.
وقوله: " حالفت على بنى هاشم وبنى المطلب ": هذا هو الصحيح وفى بعض الروايات: " عبد المطلب " وهو خطأ، و " حالفت " بالحاء المهملة هنا: أى عاقدت حلفاءها وتقاسموا، واشتقاقه من الحلف باليمين، يعنى فى شأن الصحيفة التى تمالؤوا فيها على مقاطعة بنى هاشم بن عبد مناف وإخوتهم بنى المطلب بن عبد مناف.
وقول النبى ﷺ : " ننزل غداً إن شاء الله بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر ": يريد به هذا، ونزوله فيه شكراً لله بما عوضه من الظهور فيه على عداه، الذين تقاسموا فيه على قطيعته ومضرته، وغيظ - أيضاً لعدوّه بذلك. وهو مستحب عند جميع العلماء، وهو عند الحجازيين أوكد منه عند الكوفيين، وكلهم مجمعون على أنه ليس من المناسك التى تلزم وإنما فيه اقتداء بأفعال النبى ﷺ ، وتبرك بمنازله.
وقوله: " أسمح لخروجه ": أى أسهل وأقرب، يريد لخروجه إلى المدينة،