٣٩٤ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أُغْلِقَتْ عَلَيْهِمْ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَأَخْبَرَنِى بِلالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فِى جَوْفِ الْكَعْبَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ.
٣٩٥ - (١٣٣٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ بَكْرٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جَرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَسَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالطَّوَافِ وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِدُخُولِهِ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَنْهَى عَنْ دُخُولِهِ، وَلَكِنِّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ دَعَا فِى نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، حَتَّى خَرَجَ. فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِى قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ: " هَذِهِ الْقِبْلَةُ ". قُلْتُ لَهُ: مَا نَوَاحِيهَا؟ أَفِى زَوَايَاهَا؟ قَالَ: بَلْ فِى كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ.
ــ
قال القاضى: وهذا الذى ذكره مسلم من سائر الطرق: " فسألت بلالاً "، فقال: إلا إنه وقع عنده فى حديث حرملة عن ابن وهب: " فأخبرنى بلال - أو عثمان بن طلحة - أن رسول الله ﷺ صَلَّى فى جوف الكعبة " كذا عند عامة شيوخنا، وفى بعض النسخ: " وعثمان بن أبى طلحة " وكذا كان فى كتاب شيخنا الخشنى، وهذه تعضد رواية ابن عون، والمشهور انفراد بلال بالحديث بذلك. قالوا: ولا تتهاتر رواية أسامة ومخالفته لبلال فى قصة حضراها؛ إذ قد يمكن أن يغيب أسامة عنهم بعد دخوله لحاجة أو أمرٍ فلم يشاهد صلاته، وكيف وقد روى ابن المنذر فى ذلك حديثاً عن أسامة قال: " رأى النبى ﷺ صوراً فى الكعبة، فكنت آتيه بماء فى الدلو يضرب به الصور "، فهذا قد ذكر أن أسامة خرج لنقل الماء، وهذا الحديث فى يوم الفتح (١)، وكذلك حديث الصلاة فى الكعبة إنما كان يوم الفتح لا فى حجة الوداع، ألا ترى كيف قال فيه فى الأم: " أقبل عام الفتح "؟! وفيه: طلب المفاتيح من عثمان وإباية أُمّه إعطاءها، إلى آخر الخبر (٢)، وهذا
стр. 2347
٣٩٦ - (١٣٣١) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَفِيهَا سِتُّ سَوَارٍ، فَقَامَ عِنْدَ سَارِيَةٍ فَدَعَا، وَلَمْ يُصَلِّ.
٣٩٧ - (١٣٣٢) وحدّثنى سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنِى هُشيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى - صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَدَخَلَ النَّبِىُّ ﷺ الْبَيْتَ فِى عُمْرَتِهِ؟ قَالَ: لَا.
ــ
كله إنما كان فى الفتح، وجاء فى بعض الروايات: " ليفتح " وفى بعضها: " المفتاح "، وهما صحيحان.
وقوله: " جعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه " ووقع فى الموطأ عكس هذا: " جعل عمودين عن يمينه وعموداً عن يساره " (١)، وجاء فى الرواية الأخرى: " أن صلاته كانت بين العمودين اليمانيين ".
وذكر مسلم فى الباب: ثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، جميعاً عن ابن بكر، قال عبد: أنا محمد بن بكر، وذكر حديث ابن عباس عن أسامة، كذا عند شيوخنا، وفى بعض النسخ جميعاً: عن أبى بكر، قال عبد: أنا محمد بن بكر، والصواب الأول، وهو محمد بن بكر البرسانى، يكنى بأبى عثمان، خرج عنه البخارى ومسلم عن ابن جريج، يروى عنه عبد بن حميد (٢)، وأما حديث ابن أبى أوفى، وقوله حين سئل: أدخل النبى ﷺ البيت فى عمرته؟ فقال: لا، فهذا مما يختلف فيه أنه لم يدخل ولم يصل وهى عمرة القضاء. قيل: لما كان فى البيت من الصور والأصنام ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها فلما فتح الله عليه وغيرها دخل البيت وصلى فيه (٣).
(٦٩) باب نقض الكعبة وبنائها
٣٩٨ - (١٣٣٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ، لنَقَضْتُ الكَعْبَةَ، وَلجَعَلتُهَا عَلى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ البَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ، وَلجَعَلتُ لهَا خَلفًا ".
(...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
ــ
وقوله ﵇: " لولا حداثة [عهد] (١) قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، [فإن قريشاً حين بنت البيت استقصرت " وفى الرواية الأخرى: " اقتصرتها " وفى الأخرى: " قصّروا فى البناء " وفى الأخرى: " إن قومك قصرت بهم النفقة ": فيكون معنى " استقصرت ": أى قصرت عن تمام بنائها واقتصرت على هذا القدر، إذ قصرت بهم النفقة عن تمامها فتتفق الألفاظ كلها] (٢).
قال الإمام: [أخبر ﵇ أن قريشاً اقتصرت عن تمام البيت على قواعد إبراهيم] (٣)، وهذا دليل على أن الحِجْر من البيت. وعند مالك والشافعى: أن من طاف داخل الحِجر كمن لم يطف، وعند أبى حنيفة: يعيد إلا أن يرجع إلى بلده فعليه الدم، [وقد بين فى الكتاب ما جرى من قصة ابن الزبير وهدمه للكعبة وتغير بنائها ثم ما كان بعد ذلك من تغير بناء ابن الزبير] (٤).
قال القاضى: قد جاء مبيناً فى كتاب مسلم وغيره فى هذا الحديث شأن الحجر، وأنه من البيت. عن عائشة قالت: " سألت رسول الله ﷺ عن الجدر أمن البيت هو؟ " وفى الرواية الأخرى: " عن الحجر "، قال: " نعم "، قلت: " فلم لم يدخلوه " وفى الأخرى: " ولا دخلت فيها الحجر أو الجَدر ": بفتح الجيم والدال المهملة الجدار. وذكر الخبر وهو قول كافة العلماء، وهم مجمعون أن الطواف من ورائه، وإنما اختلفوا فيمن طاف فيه، هل يجزيه أم لا؟ على ما تقدم، وجمهورهم على أنه لا يجزيه، وكمن لم يطف أو لم يتم طوافه، إلا أبا حنيفة كما تقدم.
стр. 2350
٣٩٩ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَلمْ تَرَىْ أَن قَوْمَكِ، حِينَ بَنَوْا الكَعْبَةَ،
ــ
وفى قول النبى ﵇ هذا ترك بعض الأمور التى يستصوب عملها إذا خيف تولد ما هو أضرّ من تركه واستلاف الناس على الإيمان، وتمييز خير الشرين وإن سهل على الناس أمرهم، ولا ينفروا ويتباعدوا من الأمور على ما ليس فيه تعطيل ركن من أركان شرعهم. وقد اقتدى بهذا مالك ﵀ فى هذه المسألة، فذكر أن الرشيد ذكر له أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة ويردها على بنيان ابن الزبير لهذا الحديث الذى جاء وامتثله ابن الزبير، وقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشأ أحد إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس، فرحم الله مالكاً.
وقوله: " ولجعلت لها خلفاً ": كذا بفتح الخاء وسكون [اللام] (١) ومعناه: باباً من خلفها، وقد جاء مفسرًا فى الحديث الآخر: " ولجعلت لها باباً شرقياً وباباً غربياً "، وفى البخارى: قال هشام بن عروة: " خلفاً " يعنى باباً (٢). وفى الرواية الأخرى هنا: " أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه "، وقد رواه البخارى: " ولجعلت لها خلفين " (٣)، وقد ذكر الحربى هذا الحديث هكذا وضبطه: " خِلفين " بكسر الخاء (٤) وقال: الخالفة عمود فى مؤخر البيت، يقال: ورأيته خلف جمد، وقاله الهروى: " خلفين " بفتح الخاء وكذا ضبطناه على شيخنا أبى الحسين ﵀ وذكر الهروى عن ابن الأعرابى: أن الخلف الظهر (٥)، وهذا يفسر أن المراد الباب كما فسرته الأحاديث الأخر. وقول ابن عمر: " لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ليس على طريق التضعيف والتشكك فى روايتها، فقد كانت من الحفظ والضبط بحيث لا يستراب فيما تنقله، لكن كثيراً ما يأتى
٤٠٢ - (...) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى سُليْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ البَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ المَوْسِمَ، يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ - أَوْ يُحَرِّبَهُمْ - عَلى أَهْلِ الشَّامِ، فَلمَّا صَدَرَ النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلىَّ فِى الكَعْبَةِ، أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِى بِنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّى قَدْ فُرِقَ لِى رَأَىٌ فِيهَا، أَرَى أَنْ تُصلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ بَيْتًا أَسلمَ النَّاسُ عَليْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلمَ النَّاسُ عَلَيْهَا،
ــ
وقوله: " لما احترق البيت زمان يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم ": يريد أن يجرئهم على أهل الشام أو يحزبهم، كذا لابن أبى ... (١) سعيد والفارسى، وغيرهما فى الأول: " يجرئهم " بالجيم والراء وهمزة بعدهما من الجرأة، أى شجعهم عليهم بإظهار قبيح أفعالهم. ورواه العذرى: " يجربهم " بالباء مكان الهمزة، ومعناه: يختبر ما عندهم فى ذلك من حمية وغضب لله وبيته، وعندهم كلهم فى الحرف الثانى: " يحربهم " بالحاء المهملة والراء والباء بواحدة، ومعناه: يغضبهم بما رأوه فُعل بالبيت، من قولهم: حزبت الأسد، وأسد محزّب، وقد يكون معنى " يحربهم " يحملهم على الحرب، ويحضهم عليها، ويؤكد عزائمهم منها لذلك، ورواه غير هؤلاء فى الحرف الثانى: " أو يحزبهم " بالحاء المهملة والزاى والباء بواحدة، ومعناه: أى يشد منهم، ويثبت عزائمهم عليهم ويمالئهم على حربهم، من قولهم: أمر حزيب، أى شديد، أو يكون: " يحزبهم ": يميل بهم إلى نفسه ونصرته فحزب الرجل من مال إليه، وتحازب القوم: تمالؤوا.
وشورى ابن الزبير كافة الناس فى نقضها وبنائها ما يلزم الأمور العامة والقصص العظيمة التى لا تخص وتعم من المشورة، وألا يستبد بها ذو أمر بأمر، وقد أمر الله تعالى بهذا نبيه، ورأى ابن عباس أن تترك على ما هى، ويرم ما فسد ولا تنقض، اقتداء بما كان ﵇ رآه أيضاً من تركها على ما وجدها عليه، وترجيح ابن الزبير رأيه فى نقضها بعد الاستخارة لاختلاف الصحابة عليه فى ذلك، واعتماد على ما ذكره النبى ﵇ لعائشة من حرصه على ذلك: " لولا حدثان قومها بالكفر فتنفر قلوبهم "، وإذنه فى الرواية الأخرى لهم فى ذلك إن بدا لهم أن يبنوه، وأنه ليس عنده من النفقة ما يقوى به على بنائه، وأن العلتين قد زالتا لاستقرار الإسلام وفناء تلك الجهالة القريبة العهد بكفر وتمكن الإسلام ممن بقى منهم وفتح الله على المسلمين، ووجد ما ينفق فيها.
стр. 2353
وَبُعِثَ عَليْهَا النَّبِىُّ ﷺ . فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لوْ كَانَ أَحَدُكُمُ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، مَا رَضِىَ حَتَّى يُجِدَّهُ، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبكُمْ؟ إِنِّى مُسْتَخِيرٌ رَبِّى ثَلاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلى أَمْرِى. فَلمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمَعَ رَأيَهُ عَلى أَنْ يَنْقُضَها، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ، أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلمَّا لمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَىْءٌ تَتَابَعُوا، فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلغُوا بِهِ الأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَليْهَا السُّتُورَ، حَتَّى ارْتَفَعَ بِناؤُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّى سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لوْلا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِى مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّى عَلى بِنَائِهِ، لكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلجَعَلتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ ".
ــ
وليس فى قوله ﵇: " ليس عندى من النفقة ما يقوينى به على بنائه "، وبين قوله فى الحديث الآخر: " لأنفقت كنز الكعبة فى سبيل الله " تنافر؛ إذ قد يمكن أنه ﵇ لم يرد إنفاق كنز الكعبة فى بنائها الذى هو فى سبيل الله ولا غيره؛ لئلا تتقول قريش فى ذلك وتنكره كما تنكر البناء للكعبة؛ لعادتها فى تعظيم تغيير ذلك وتناول شىء من مالها، وإنما كان ﵇ أراد استئلافهم وتسكين الأمور وتركها حتى يتمكن الإيمان فى قلوبهم؛ ولذلك - والله أعلم - لم يغير حجابة البيت ولا أخرجها عمن كانت بيده، وقد طلبها له آله، وقد كان عمر - رضى الله عنه - هَمَّ بقسمة مال الكعبة فخالفه بعض الصحابة فى ذلك، واحتجوا عليه بأن صاحبيه لم يفعلا فوقف عن ذلك، وقال له أُبى: إن الله قد بيّن موضع كل مال، ولأن فى إبقاء مالها وحليتها ترهيباً على العدو وإظهاراً للإسلام.
وفى هذا الخبر من الفقه أن الأوقاف لا تصرف غير مصارفها. وفى تجويز النبى ﵇ لفعله لولا مراعاة كفار قريش، دليل على جواز نقل ما جعل فى سبيل [من سبل] (١) الله إلى سبيل آخر، وهى إحدى الروايتين عندنا.
وقول ابن عباس: " قد فرق لى فيها رأى ": أى كشف وبين، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ (٢): فصلناه وأحكمناه.
стр. 2354
قَالَ: فَأَنَا اليَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ، وَلسْتُ أَخَافُ النَّاسَ. قَالَ: فَزَادَ فِيه خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ الحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى أُسا نَظَرَ النَّاسُ إِليْهِ، فَبَنَى عَليْهِ البِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الكَعْبَةِ ثَمَانِىَ عَشَرَةَ ذِرَاعًا، فَلمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ، فَزَادَ فِى طُولِهِ عَشَرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لهُ بَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ. فَلْمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ المَلِكِ ابْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ البِنَاءَ عَلى أُسٍّ نَظَرَ إِليْهِ العُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَكَتَبَ إِليْهِ عَبْدُ المَلِكِ: إِنَّا لسْنَا مِنْ تَلطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِى شَىْءٍ، أَمَّا مَا زَادَ فِى طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ البَابَ الذِى فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ.
ــ
وقوله: " تتابعوا فنقضوه " ضبطنا هذا الحرف على أبى بحر وحده، " تتابعوا " بالتاء باثنتين تحتها، وعند غيره بالباء بواحدة، وهو بمعنى واحد، إلا أنه أكثر ما يُستعمل الياء باثنتين تحتها فى الشر خصوصاً، وليس هذا موضعه.
وقوله: " فنقضوه - يعنى البيت - حتى بلغ الأرض، فجعل [ابن] (١) الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه ": صنع ذلك ليصلى الناس إلى تلك الستور وتكون قبلة لهم؛ إذ المقصود بالاستقبال البناء لا البقعة، ولو كان المقصود البقعة لاتفقوا على جواز الصلاة فى الكعبة وعلى استقبال الحجر مجرداً، وقد كان ابن عباس أشار عليه نحو هذا وقال له: إن كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة (٢)، فقال له جابر: صلوا إلى موضعها فهى القبلة. وقد أجاز الشافعى الصلاة على هذه السبيل أن يصلى فى أرض الكعبة ويجزئه (٣). وكذلك يجىء على قوله: " يجزئه أن يستقبل أرضها ". وتحديده ﵇ أن يدخل من الحجر خمسة أذرع، وفى الرواية الأخرى: ستة أذرع، تحديد بين لمقدار ما فى الحجر من الكعبة.
وقول عبد الملك: " لسنا من تلطيخ ابن الزبير فى شىء " يريد بذلك العيب لعمله، يقال: لطخت فلاناً بأمر قبيح، ورجل لطيخ: قذر.
стр. 2355
٤٠٣ - (...) حَدثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَالوَلِيدَ بْنَ عَطَاءٍ يُحَدِّثَانِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِى رَبِيعَةَ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدٍ: وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلى عَبْدِ المَلِكَ بْنِ مَرْوَانَ فِى خِلافَتِهِ. فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ - يَعْنِى ابْنَ الزُّبَيْرِ - سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا. قَالَ الحَارِثُ: بَلى، أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا. قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ البَيْتِ، وَلوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِى أَنْ يَبْنُوهُ، فَهَلمِّى لأُرَيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ ". فَأَرَاهَا قَرِيبًا منْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ. هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدٍ. وَزَادَ عَلَيْهِ الوَلِيد بْنُ عَطَاءٍ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " وَلجَعَلتُ لهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَينِ فِى الأَرْضِ شَرْقِيًا وَغَرْبِيًا، وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟ " قَالَتْ: قُلْتُ: لا. قَالَ: " تَعَزُّزًا أَلا يَدْخُلهَا إِلا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِى، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ ".
قَالَ عَبْدُ المَلِكِ لِلحَارِثِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّى تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ.
(...) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ.
٤٠٤ - (...) وَحَدَّثَنِى محمد بْن حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِىُّ، حَدَّثَنَا
ــ
وذكر مسلم فى الباب: ثنا محمد بن حاتم، ثنا محمد بن بكر. وفيه: قال عبد الله ابن عبيد: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان. كذا لهم، وعند الفارسى: وفد الحارث بن عبد الأعلى، وهو خطأ. وهو الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة (١) المذكور أول الحديث وبعده فى الحديث الآخر فى الأم.
(٧٠) باب جدر الكعبة وبابها
٤٠٥ - (...) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ أَبِى الشَّعْثَاءِ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، عَنِ الجَدْرِ؟ أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قُلْتُ: فَلِمَ لمْ يُدْخِلوهُ فِى البَيْتِ؟ قَالَ: " إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ ". قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِه مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: " فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلوا مَن شَاؤُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُوا، وَلوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِى الجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلوبُهُمْ، لنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِى البَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ ".
٤٠٦ - (...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ - يَعْنِى ابْنَ مُوسَى - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِى الشَّعْثَاءِ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الحِجْرِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِى الأَحْوَصِ. وَقَالَ فِيهِ: فَقُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا لا يُصْعَدُ إِليهِ إِلا بِسُلمٍ؟ وَقَالَ: " مَخَافَةَ أَنْ تَنْفِرَ قُلوبُهُمْ ".
ــ
وقوله فى حديث سعيد بن منصور: " فأخاف أن تنكره قلوبهم ". كذا لجمهور الرواة، وحدثنا به الخشنى عن الهَوْزنى: " تنكه قلوبهم " هكذا كان عنده، وإن لم [يكن] (١) تصحيفاً ووهماً فوجهه بعيد ولا يكاد يصح له ها هنا معنى، وفى هذا الحديث: " لنظرت أن أدخل الجدر فى البيت "، قال الشيخ: لعله قال: " الحجر فى البيت " ثبت قول الشيخ فى الأصل للسمرقندى والعذرى، ولا وجه لتوهيمه الرواية؛ إذ المراد بالجَدْر أسُ الحجر، وقد تقدم أنه روى بالوجهين الجَدْر، الحائط، ويكون - أيضاً - ما يرفع من جوانب الشربات فى أصول النخل وهى كالحيطان لها، ومنه الحديث: " اسق حتى تبلغ الجَدْر " (٢)، وهى فى هذا الحديث بقايا حائط البيت الذى لم يتم عليه.
стр. 2358
(٧١) باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما، أو للموت
٤٠٧ - (١٣٣٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُليْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِليْهَا وَتَنْظُرُ إِليْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلىَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلى عِبَادِهِ فِى الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِى شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُت عَلى الرَّاحِلةِ، أَفَاحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ "، وَذَلِكَ فِى حَجَّةِ الوَدَاعِ.
ــ
وقول الخثعمية: إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركت أبى شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفاحج عنه؟ قال: " نعم ". قال الإمام: يرى المخالف أن من عجز عن الحج وله مال، فعليه أن يستنيب من يحج عنه، ويحتج بهذا [الحديث] (١)، وبقوله فى حديث آخر: " أرأيت لو كان على أبيك دين " (٢) الحديث. وعندنا أنه لا يعلم (٣) الاستنابة، ولنا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٤)، وهذا ظاهره استطاعة البدن، ولو كان المال لقال: إحجاج البيت، وكأن الحج فرع بين أصلين: أحدهما: عمل بدن مجرد؛ كالصلاة والصوم فلا يستناب فى ذلك، والثانى: المال؛ كالصدقة وشبهه (٥)، فهذا يستناب فيه. والحج عمل بدن ونفقة مال، فمن غلب حكم البدن رده إلى الصلاة والصوم، ومن غلب حكم المال ردَّه إلى الصدقات والكفارات.
قال القاضى: لا حجة للمخالف بظاهر هذا الحديث؛ إذ ليس قولها: " إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركت أبى شيخاً كبيراً " مما يوجب دخوله فى هذا الفرض، بل أخبرت أن إلزام الله عباده الحج الذى وقع بشرط من استطاع إليه سبيلاً، كان وأبوها بصفة من لا يستطيع، وهذه الزيادة هنا بقوله: " على عباده " تقضى على الأحاديث التى فيها: " أدركته " ولم يذكر فيها هذه الزيادة، ثم استأذنته فى: هل لها أن تحج عنه؟ وهل يباح
стр. 2359
٤٠٨ - (١٣٣٥) حَدَّثَنِى عَلِىّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ
ــ
لها ذلك أو له فيه أجر ومنفعة؛ هذا أظهر معانى الحديث وهو مذهب مالك ومن شايعه، وقال بقوله من السلف والخلف: إن الاستطاعة على العموم، وهى القدرة على الوصول كيف تأتى، وليس من شرطه الراحلة لمن يقدر على الوصول على رجليه من غير مشقة فادحة.
واختلف شيوخنا: هل تراعى فى ذلك عادته أم لا؟ قال مالك: ما ذلك إلا قدر طاقة الناس، ولا صفة فيها أبلغ مما قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (١)، وذهب معظم الفقهاء إلى أن الاستطاعة الزادُ والراحلة، ولم يلزموا من لا يقدر على الراحلة ويقدر على المشى الحج. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن الاستطاعة الزاد والراحلة (٢)، ولكن لا يوافقون المخالف فى مآل قوله: وقد جاء حديث بهذا فى تفسير الاستطاعة، وتأويله عندنا: أنها أحد أنواع الاستطاعات لا أنه تفسير كلية الاستطاعة، وعليه يتأول ما أطلقه من ذلك بعض أصحابنا بدليل حال أبى الخثعمية، وهو ممن يستطيع مع وجود الزاد والراحلة (٣)، مع أن أهل الحديث قد ضعّفوا راوى هذا التفسير فى الحديث، ولعمرى إنه ليبين إن صح ويشير إلى معنى الاستطاعة وهو السبب الموصل للبيت من الزاد والراحلة، وما فى معناها من صحة الجسم وأمان الطريق؛ إذ الزاد والراحلة فى طيهما، فما قام مقامهما من صحة البدن قام مقامهما فى الوجوب.
стр. 2360
شِهَابٍ، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الفَضْلِ؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ:
ــ
وقد اتفقوا أنه لا يلزم المريض والشيخ والضعيف ومن لا يقدر على مشى الحج بنفسه؛ إذ ليس بمستطيع لهذا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، وقد قال ﵇: " لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذى مرة سوى " (٢)، فقد ألحق صحة الجسم بوجود المال، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِر﴾ (٣). ثم اختلفوا بعد إذا عجز لجسمه، كالشيخ الهرم ومن لزمته علة، أو خفت أعضاؤه عن الركوب والمشى، وهذا هو المعضوب وله مال، هل تلزمه الاستنابة فى الحج عن نفسه على ما تقدم؟ فمالك لا يوجبه (٤)، ومعظمهم يوجبونه؛ أخذاً بظاهر الحديث، وأن الاستطاعة بالمال استطاعة، فيحج غيره عن نفسه ممن يطيقه لذلك بأجر أو بغير أجر، فإذا وجد ذلك وقدر عليه وجب عليه الحج. وهذه النيابة عنه، وهذا مذهب (٥) الشافعى ومن شايعه، وأبو حنيفة (٦) وغيره يقول: إذا لم يجد ما يكرى به من يحج عنه لم يلزمه، وإن تطوع له به متطوع من ولدٍ أو غيره.
ثم اختلفوا إذا صح هذا المعضوب وقد حج عنه، فجمهور هؤلاء أنه يستأنف الحج ولا يجزئه تلك النيابة، وقال أحمد وإسحاق (٧): يجزئه ذلك، وإذا أوصى بها وهو ضرورة كانت عند مالك وأبى حنيفة من ثلثه، وعند الشافعى من رأس ماله. وقد قلنا: إنه لا ظاهر فيه للوجوب، وأن قولها: " فريضة الله على عباده أدركت أبى " حين فُرض الحج على عباده المستطيعين كان أبى بصفة من لم يُفرض عليه من عدم الاستطاعة، وما فى الرواية الأخرى: " إن أبى شيخ كبير، عليه فريضة الله فى الحج، وهو لا يستطيع أن يستوى على ظهر بعيره "، فقد قلنا: إن الرواية الثانية بقوله: " على عباده " تبين هذا الإشكال وترفعه، وقيل: يحتمل أنها ظنت أن ذلك يجب عليه، وقيل: يحتمل أن يكون على ظاهره، وأنه كان حين فرض الحج ممن يستطيع، وهو الآن ممن لا يستطيع. وقد اختلف فى فرض الحج متى كان؟ فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة تسع، وإذا احتمل هذا لم يكن فى قولها ذلك، وإقرار النبى ﵇ لها عليه حجة للمخالف، ومما استدلوا به قوله فى كتاب مسلم فى الحديث الآخر: " أرأيت لو كان على أبيك دين
стр. 2361
يَا رَسُولَ اللهِ، إِن أَبِى شَيْخٌ كَبِيرٌ، عَليْهِ فَرِيضَةُ اللهِ فِى الحَجِّ، وَهُوَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِىَ
ــ
أكنت تقضينه؟ " (١) والدين واجب وليس هذا بظاهر، إذ لا يلزم الولى قضاء دين وَليه، وإنما تمثيله بقضاء الدين فى المنفعة لحجها عنه من الأجر بما تنفق عنه فيه، ولا سيما إن كان الميت قد نذره، كما جاء فى الحديث الآخر: " وعليها نذر " (٢)، فصارت تلك النفقة كالدين عليها؛ إذ الحج يجمع عمل المال والبدن، فمن أداه عنه أبرأ ذمته منه كالدين، وبما يناله من بركة دعائها هناك كما ينتفع بأداء الدين وزوال تباعته إذا قضاه عنه، وقد روى فى هذا: " قيل: أينفعه؟ قال: كما لو كان على أحدكم الدين فيقضيه وليُّه " (٣)، وليس هذه صورة الوجوب، وقد روى عبد الرزاق عن الثورى: أن رجلاً سأل النبى ﵇: أأحج عن أبى؟ قال: " إن لم يزده خيراً لم يزده شراً " (٤) لكنه مما تفرد به عبد الرزاق عن الثورى.
قال أبو عمرو: حديث الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها، كما خص سالم مولى أبى حذيفة برضاعة الكبير عنده وعند المخالف، وقال غيره: فى حديث الخثعمية اضطراب لا تقوم به حجة، مرة جاء: " إن فريضة الله أدركت أبى " كما هنا، ومرة جاء: " إن أمى ماتت وعليها نذر " (٥)، ومرة جاء: أن السائل رجل، ولكن قد يحتمل - أيضاً - أنها قصص متفرقة، ومذهب مالك والليث والحسن بن حيى: أنه لا يحج أحد عن أحد، إلا عن ميت (٦) لم يحج حجة الإسلام ولا ثبوت عن فرضه. قال مالك (٧): إذا أوصى، وكذلك عنده ولو كان أوصى بالتطوع. وحكى عن النخعى وبعض السلف: لا يحج أحد عن أحد جملة، وحكى عن مالك مثله وإن كانت وصية، وقال جمهور الفقهاء: يجوز أن يحج عن الميت عن فرضه ونذره (٨)، وإن لم يوص بذلك ويجزى عنه، واختلف قول الشافعى فى الإجزاء عن الفرض، وأجاز أبو حنيفة والثورى وصية الصحيح بالحج عنه تطوعاً، وروى مثله عن مالك، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز ذلك إلا الابن عن أبيه (٩)، وقال آخرون: أو عن ذوى القرابة القريبة (١٠)، يعنون من الموتى. وقال سفيان والحسن بن على: لا تحج فى الوصية بالحج من لم يحج عن نفسه، وقاله
стр. 2362
عَلى ظَهْرِ بَعِيرِهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " فَحُجِّى عَنْهُ ".
ــ
الشافعى (١) فيمن حج عن ميت، وأجاز ذلك مالك، والاختيار عنده أن يكون من حج عن نفسه، وقال مرة: لا يحج عنه ضرورة ولا من فيه رق، وجمهورهم يكره الإجازة فى ذلك. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وأجازها الشافعى (٢)، وله قول بكراهتها ابتداء، فإذا وقعت مضت وهو قول مالك (٣). وقد قال بعض أصحابنا بإجازتها فى الميت دون غيره.
وفى قوله: ﵇ لها: " نعم " دليل على صحة الرخصة فى ذلك، وجواز النيابة فيه على سبيل التطوع، كما قدمناه. وعلى أحد القولين عندنا فى هذا الأصل، وجواز حج المرأة عن الرجل، خلافاً للحسن (٤) بن حيى وحده، لمخالفتها إياه فى الإحرام، ولباس المخيط والخلاف وغير ذلك. وهدا الحديث يرد عليه، لا سيما على مذهبهم فى أنها تقضى عنه حجة الفريضة، وقد تقدم الكلام على الاستنابة [فى العبادات وما يجوز منها فيه] (٥) وما لا يجوز صدر الكتاب، وتقدم فى حديث جابر الكلام على نظر الفضل.
وقيل: فيه جواز حج المرأة بغير ذى محرم؛ إذ لم يسألها النبى ﵇ عن ذلك، وفى هدا ضعف، وفيه ما يلزم الأئمة من تغيير ما تخشى فتنته ومنع ما ينكر فى الدين. وفى صرف النبى ﷺ وجه الفضل عن جهتها وتغطيته وجهه على ما جاء فى الحديث الآخر تغيير الأمر من الجهتين، وفيه دليل على إحرام المرأة فى وجهها، قيل: وفيه أن الحجاب مرفوع عن النساء، ثابت على أزواج النبى ﷺ على نص التلاوة؛ إذ لم يأمرها النبى ﵇ بستر وجهها، وقد يقال: إن هذا كان قبل نزول الآية بإدناء الجلابيب والستر. قال أبو عبد الله: والاستتار للنساء سنة حسنة والحجاب على أزواج النبى ﷺ فريضة.
وفيه الحُجة للقول بالقياس وتشبيه ما اختُلف فيه أو أشكل على ما اتفق عليه وحُقِّق؛ ولهذا ترجم البخارى عليه فى بعض تراجمه: من شبه أصلاً بنظر ما بأصل مبين. قالوا: وفيه أن العمرة غير واجبة؛ إذ ذكرت الحج وفرضه وعجز أبيها عن ذلك ولم تذكر العمرة.
стр. 2363
(٧٢) باب صحة حج الصبىّ، وأجر من حج به
٤٠٩ - (١٣٣٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ - مَوْلى ابْنِ عَبَّاسٍ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، لقِىَ رَكْبًا بِالَرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: " مَنْ القَوْمُ؟ ". قَالوا: المُسْلِمُونَ. فَقَالوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: " رَسُولُ اللهِ "، فَرَفَعَتْ إِليْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًا فَقَالتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَلكِ أَجْرٌ ".
ــ
وقوله: إنه ﵇ لقى ركباً بالروحاء فقال: " من القوم؟ " قالوا: المسلمون. قالوا: من أنت؟ قال: " رسول الله ": يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلاً، ويحتمل أن يكون نهاراً، لكنهم ممن لم يهاجروا إلى المدينة ولا وفد عليه من الأعراب والقبائل الذين أسلموا، وقد تقدم فى حديث جابر أنه أُذّن فى الناس أن النبى ﷺ حاج، فقدم المدينة خلق كثير ليأتموا به (١)، فلعل هؤلاء ممن قدم فلم يلقوه إلا هناك، ولذلك لم يعرفوه.
وقوله: فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: " نعم، [ولك أجر] (٢) "، قال الإمام؟ فيه حجة لنا وللشافعى (٣) على أن الصغير ينعقد عليه الحج، ويجتنب ما يجتنب المحرم، وأبو حنيفة (٤) لا يرى ذلك، وقد يقول أصحابه: يُحمل هذا على أنه يراد به تمرين الصغار على الحج. وإن قالوا: [يحتمل] (٥) أن يكون هذا كان بالغاً. قلنا: فما فائدة السؤال: هل له حج؟ وهذا يبطل تأويلهم، وأيضاً فى بعض طرق الحديث فى غير كتاب مسلم: أن الصبى كان صغيراً (٦).
قال القاضى: قوله فى حديث مسلم: " رفعت امرأة صبياً لها ". يدل على صغره؛ إذ لا ترفعه غالباً إلا وهو بتلك الحال، لا سيما رفعه بذراعه، على ما جاء فى الموطأ (٧): فأخذت بضبعى صبى لها، قال: وهى فى محفتها، وفى غيره: فأخرجته من محفتها (٨). ولا خلاف بين أئمة العلم فى جواز الحج بالصبيان، إلا قوماً من أهل البدع منعوه، ولا يلتفت لقولهم.
وفعل النبى ﷺ أيضاً - لذلك وإجماع الأئمة والصحابة يرد قولهم، وإنما الخلاف
стр. 2364
٤١٠ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًا لهَا، فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ " " نَعَمْ، وَلكِ أَجْرٌ ".
٤١١ - (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًا فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ - " نَعَمْ، وَلكِ أَجْرٌ ".
(...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِمِثْلِهِ.
ــ
للعلماء هل ينعقد حكم الحج عليهم كما ذكره، وفائدة الخلاف فى ذلك إلزامهم من الفدية والدم والجبر ما يلزم الكبير أم لا (١)؟ فأبو حنيفة لا يلزمهم شيئاً، وإنما يجتنب عنده ما يجتنب المحرم على طريق التعليم والتمرين. وسائرهم يلزمونه ذلك، ويرون حكم الحج منعقداً عليه؛ إذ جعل له النبى ﷺ حجًا. وأجمعوا أنه لا يجزئه إذا بلغ من الفريضة، إلا فرقة شذت، فقالت: إنه يجزئه ولم يلتفت العلماء إلى قولها.
ثم اختلفوا فيمن أحرم وهو صبى فبلغ قبل عمل شىء من الحج، فقال مالك (٢): لا يرفض إحرامه ويتم حجه، ولا يجزئه عن حجة الإسلام، قال: وإن استأنف الإحرام قبل الوقوف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام، وقال: يجزئه إن نوى بإحرامه الأول حجة الإسلام، وقال أبو حنيفة: يلزمه تجديد النية للإحرام ورفض الأول؛ إذ لا يترك فرض النافلة، وقال الشافعى: تجزئه ولا يحتاج إلى تجديد نية، ولذلك اختلفوا على هذا فى العبد يحرم ثم يعتق سواء. واختلف عن مالك فى الرضيع ومن لا يفقه، هل يحج به؟ وحمل أصحابنا أن قوله بالمنع إنما هو على الاستحباب لتركه والكراهة لفعله لا على التحريم، فقال كثير من العلماء: إن الصبى يثاب على طاعته ويكتب له حسناته دون سيئاته، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب.
وقد اختلف هل هم مخاطبون على جهة الندب أم غير مخاطبين، إنما يخاطب أولياؤهم بحملهم على آداب الشريعة وتمرينهم عليها، وأخذهم بأحكامها فى أنفسهم وأموالهم؟ وهذا هو الصحيح، ولا يبعد مع هذا أن يتفضل الله بادخار ثواب ما عملوه من ذلك لهم.
وقوله: " ولك أجر ": يعنى فيما تتكلفه من أمره بالحج وتعليمه إياه، وتجنبه ما يلزم فيه، وقد تقدم شىء من هذا الباب.
стр. 2365
(٧٣) باب فرض الحج مرة فى العمر
٤١٢ - (١٣٣٧) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ ابْنُ مُسْلِمٍ القُرَشِىُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا ". فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلّ عَامٍ يَا رَسُولَ
ــ
وقوله: " قد فرض الله عيكم الحج [فحجُّوا] (١) "، فقال رجل: أكُلّ عام؟ [فسكت] (٢) ثم قال: " لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم " الحديث، قال الإمام: اختلف الناس فى الأمر المطلق، فقال بعضهم: يُحمل على فعل مرة واحدة، وقال بعضهم: على التكرار. وقال بعضهم: بالوقف (٣)، فيما زاد على مرة، وظاهر هذا أن السائل لرسول الله ﷺ إنما سأله لأن ذلك عنده يحتمل، فيصح أن يكون ذهب إلى بعض هذه الطرق، ويصح أن يكون إنما احتمل عنده من وجه آخر. وذلك أن الحج فى اللغة: قصد فيه تكرير، فيكون احتمل عنده التكرير من جهة اشتقاق اللفظ، وما يقتضيه من التكرار وقد تعلق بما ذكرنا عن أهل اللغة ها هنا من قال بإيجاب العمرة، وقال: لما كان قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٤) يقتضى على حكم الاشتقاق المتكرر، واتفق على أن - الحج لا يلزم إلا مرة واحدة - كانت العودة إلى البيت تقتضى أن تكون فى عمرة حتى يحصل التردد إلى البيت، كما اقتضاه الاشتقاق.
قال القاضى: فيه ما كان ﵇ من صفة الرأفة والرحمة بأمته، وفيه دليل على أنه كان له أن يشرع فى الدين برأيه ويجتهد فيه. وقد اختلف فى هذا الأصل لقوله: " لو قلت: نعم، لوجبت ".
وقوله: " ذرونى ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم " الحديث: دليل على أن الأشياء على استصحاب حال الإباحة فيما لم ينزل فيه حكم.
стр. 2366
اللهِ؟ فَسَكَتَ. حَتَّى قَالهَا ثَلاثًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لوَجَبَتْ. وَلمَا اسْتَطَعْتُمْ "، ثُمَّ قَالَ: " ذَرُونِى مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بَشَىْءٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَدَعُوهُ ".
ــ
وقوله: " فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "، من قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، وقد قيل: إنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢)، وقيل: لا نسخ فيها، وهى مفسرة ومُبينّة؛ لأن حق تقاته تعالى: هو امتثال العبد ما أمر به، وما أمره إلا بما استطاع، وما جعل عليه فى الدين من حرج.
стр. 2367
(٧٤) باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره
٤١٣ - (١٣٣٨) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ القَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثًا، إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ".
(...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَة. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
ــ
وقوله: " لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم "، قال الإمام: أبو حنيفة يشترط فى وجوب الحج على المرأة وجود ذى محرم (١)، والشافعى يشترط ذلك، أو امرأة واحدة (٢)، ومالك لا يشترط شيئاً من ذلك (٣). وسبب الخلاف معارضة عموم الآية لهذا الخبر، فعموم الآية قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ (٤) وهو يقتضى الوجوب وإن لم يكن ذو محرم، والحديث يخصص الآية (٥)، فمن خصص الآية به اشترط المحرم، ومن لم يخصصها لم يشترط. وقد تحمل مالك الحديث على سفر التطوع، ويؤيد [مذهبه] (٦) - أيضاً - أن يقول: اتفق على أن عليها أن تهاجر من دار الكفر وإن لم تكن ذو محرم، لما كان سفراً واجباً فكذلك الحج، وقد ينفصل عن هذا بأن يقال: إقامتها فى دار الكفر لا تحل، وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التأخر عن الحج، وأيضاً فإن الحج يختلف (٧) فيه، هل هو على الفور أو التراخى؟
قال القاضى: لا خلاف فى وجوب الحج على المرأة كالرجل إذا استطاعته، وأن حكمها حكمه فى الاستطاعة على اختلاف العلماء فيها كما تقدم ذكره، إلا أن الحج لا يلزمها إن قدرت على المشى عندنا بخلاف الرجل، لأن مشيها عورة إلا فيما قرب من مكة، وجعل أبو حنيفة فيها ذا المحرم من جملة الاستطاعة (٨) كما ذكر، إلا أن تكون دون مكة
стр. 2368
فِى رِوَايةِ أَبِى بَكْرٍ: فَوْقَ ثَلاثٍ. وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِى رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ: " ثَلاثَةً إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ".
٤١٤ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةً ثَلاثِ ليَالٍ، إِلا وَمَعَهَا ذُو محْرَمٍ ".
٤١٥ - (٨٢٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ - وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ - عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا فَأَعْجَبَنِى، فَقُلْتُ لهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَأَقُولُ عَلىَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لمْ أَسْمَعْ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ؛ مَسْجِدِى هَذَا، وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى ". وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " لا تُسَافِرِ المَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ زَوْجُهَا ".
ــ
بثلاث ليال، ووافقه على ذلك جماعة من أصحاب الرأى وفقهاء أصحاب الحديث، وروى عن النخعى والحسن، وذهب الحسن وعطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين ومالك والأوزاعى والشافعى إلى أنه ليس بشرط (١)، ويلزمها حج الفريضة دونه، وروى عن عائشة، لكن الشافعى - فى أحد قوليه - يشترط أن يكون معها نساء ولو كانت واحدة تقية مسلمة (٢)، وهو ظاهر قول مالك على اختلاف فى تأويل قوله: " تخرج مع رجال ونساء " هل لمجموع ذلك أم فى جماعة من أحد الجنسين؟ وأكثر ما نقله أصحابنا عنه اشتراط النساء. وقال ابن عبد الحكم من أصحابنا: لا تخرج مع رجال ليسوا منها بمحرم، ولعل مراده على الانفراد دون النساء، فيكون وفاقاً لما تقدم عندنا. ولم يختلفوا أنه ليس لها أن تخرج فى غير فرض الحج إلا مع ذى محرم. وقال الباجى: وهذا عندى فى الانفراد والعدد اليسير، فأما فى القوافى العظيمة فهى عندى كالبلاد، يصح فيها سفرها دون نساء وذوى محارم، قال غيره: وهذا فى الشابة، فأما المتجالة فتسافر كيف شاءت للفرض والتطوع مع الرجال ودون ذوى المحارم (٣).
стр. 2369
٤١٦ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِىَّ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْبَعًا، فَأَعْجَبْنَنِى وَآنَقْنَنِى، نَهَى أَنْ تُسَافِرَ المَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إِلا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ. وَاقْتَصَّ بَاقِىَ الحَدِيثِ.
٤١٧ - (...) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثًا، إِلا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ ".
٤١٨ - (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ. قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلاثِ ليَالٍ، إِلا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ ".
ــ
وقوله فى الرواية الواحدة عن أبى سعيد: " ثلاث ليال " وفى الأخرى: " يومين " وفى الأخرى: " أكثر من ثلاث " وفى حديث ابن عمر: " ثلاث " وفى حديث أبى هريرة: " مسيرة ليلة " وفى الأخرى عنه: " يوم وليلة " وفى الأخرى عنه: " ثلاثاً ": وهذا كله ليس يتنافر ولا يختلف، فيكون ﵇ منع من ثلاث، ومن يومين، ومن يوم، أو يوم وليلة وهو أقلها، وقد يكون قوله ﵇ هذا فى مواطن مختلفة، ونوازل متفرقة، فحدث كل من سمعها بما بلغه منها وشاهده، وإن حدث بها واحد فحدث مرات بها على اختلاف ما سمعها، وقد يمكن أن يلفق بينها بان اليوم المذكور مفرداً، والليلة المذكورة مفردة بمعنى اليوم والليلة المجموعين؛ لأن اليوم من الليل والليل من اليوم، ويكون ذكره يومين مدة مغيبها فى هذا السفر فى السير والرجوع، فأشار مرة بمسافة السفر ومرة بمدة المغيب، وهكذا ذكر الثلاث، فقد يكون اليوم الوسط بين السير والرجوع التى تقضى فيه حاجتها بحيث سافرت له، فتتفق على هذا الأحاديث، وقد يكون هذا كله تمثيلاً لأقل الأعداد؛ إذ الواحد أول العدد وأقله، والاثنان أول التكثير وأقله، والثلاث أول الجمع، فكأنه أشار أن مثل هذا فى قلة الزمن لا يحل لها السفر فيه مع غير ذى محرم (١)، فكيف بما زاد؟ ولهذا قال فى الحديث الآخر: " ثلاثة أيام فصاعداً " وبحسب اختلاف هذه الروايات اختلف الفقهاء فى تقصير المسافر وأقل السفر، فأبو حنيفة بالثلاث، ومالك
стр. 2370
(...) وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ، إِلا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ ".
٤١٩ - (١٣٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةً ليْلةٍ، إِلَا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا ".
ــ
والشافعى باليوم والليلة واليومين، التى هى أقل ما وقع عليها اسم السفر بمقتضى هذا الحديث، على ما ذكرناه فى الصلاة.
وقوله: " إلا ومعها ذو محرم ": عموم فى ذوى المحارم، وكراهة مالك سفرها مع ابن زوجها وإن كان ذا محرم منها، فإنما ذلك لفساد الناس بعد، وأن المحرمية عنهم فى هذا ليست فى المراعاة كمحرمية النسب، والمرأة فتنة ممنوع الانفراد بها لما جبلت عليه نفوس البشر من الشهوة فيهن، وسلط عليهم من الشيطان بواسطتهن، ولأنهن لحم على وضم (١) إلا ما ذب عنه، وعورة مضطرة إلى صيانة وحفظ وذى غيرة يحميها ويصونها، وطبع الله فى ذوى المحارم من الغيرة على محارمهن والذب عنهن ما يؤمن عليهن فى السفر معهم ما يخشى.
وقوله: " فأعجبننى وآنقننى ": معنى " آنقننى ": أى أعجبتنى، وإنما جاز تكرار المعنى لاختلاف اللفظ، والعرب تفعل ذلك كثيرًا للبيان والتأكيد، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٢)، والصلاة من الله الرحمة، وقال الله تعالى: ﴿فَكَلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا﴾ (٣)، والطيب هنا الحلال، وأنشد للحطيئة:
ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد
وقال آخر:
يبكيك نأى بعيد الدار مغترب ... يا للكهول وللشبان للعجب
والنأى: هو البعيد والمغترب، ومثله كثير فى حديث ابن مسعود - رضى الله عنه -: " إذا وقعت فى آل حاميم وقعت فى روضات أتأنق فيهن " (٤) قال أبو عبيد: أى أتتبع محاسنهن. وقال أبو حمزة: معناه: أستلذ بقراءتهن. والمونق: المعجب، ومنه: منظر مونق.
قال القاضى: وقوله: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " الحديث: فيه تعظيم
стр. 2371
٤٢٠ - (...) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إِلا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ ".
٤٢١ - (...) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ المَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَليْلةٍ، إِلا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ عَليْهَا ".
ــ
هذه المساجد وخصوصها بشد الرحال إليها، ولأنها مساجد الأنبياء، ولفضل الصلاة فيها، وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها مما لا يلزم ولا يباح بشد الرحال إليها إلا لناذر، ولا لمتطوع لهذا النهى، إلا ما ألحقه محمد بن مسلمة من مسجد قباء، وإلزامه إتيانه لمن نذره؛ لما روى أن النبى ﷺ كان يأتى قباء راكباً وماشياً، وما روى عنه من فضل الصلاة فيه كما ذكر فى المساجد الأُخر، ولما روى أنه المسجد الذى أسس على التقوى على خلاف فيه، هل هو أو مسجد المدينة؟ وإنه مسجد المدينة (١) مذهب الجمهور والمذكور عن النبى ﷺ ، وقال الداودى: إتيان النبى ﷺ مسجد قباء يدل أن ما قرب من المساجد الفاضلة من المصر فلا بأس أن يؤتى مشياً وركوباً، ولا يدخل فى النهى فى أعمال المطى لغير المساجد الثلاثة تأيد؛ لأن الأعمال وشد الرحال لا يكون لما قرب غالباً، وذهب بعضهم إلى أنه إنما يمنع أعمال المطى للناذر، وأما لغير الناذر ممن يرغب فضل مشاهد الصالحين فلا.
قال الإمام: خرج مسلم فى باب " لا يحل لامرأة ": ثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك بن أنس، عن سعيد بن أبى سعيد، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبى ﷺ . قال بعضهم: هكذا وقع فى نسخ عن أحمد وأبى العلاء والكتانى، وكذا رواه مسلم عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد، ومسلم - أيضاً - والبخارى عن ابن أبى ذئب، [عن سعيد، عن أبيه، واستدرك عليهما الدارقطنى (٢) إخراجهما عن ابن أبى ذئب] (٣)، وعلى مسلم حديث الليث، واحتج بأن مالكاً ويحيى بن أبى كثير وسهيلاً قالوا: عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة، [فلم يذكروا " عن أبيه "] (٤)، والصحيح عن مسلم فى
стр. 2372
٤٢٢ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُفَضَّلٍ - حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا، إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا ".
٤٢٣ - (١٣٤٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إِلا وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوْ أَبْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا ".
(...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ.
٤٢٤ - (١٣٤١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: " لا يَخْلوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ "، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِى خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّى اكْتُتِبْتُ فِى غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: " انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ ".
ــ
حديثه هذا عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن سعيد عن [أبى هريرة] (١)، ليس فيه والد سعيد، ولذلك خرجه أبو مسعود الدمشقى، وكذا (٢) رواه [جل] (٣) أصحاب مالك من رواة الموطأ عنه (٤).
قال القاضى: قال الدارقطنى: ورواه الزهرانى والفروى عن مالك فقالا: عن أبيه.
وقوله: " لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ": كما تقدم من أمن غلبة الشهوة والفتنة عليهما لحضور ذى المحرم لغيرته عليها وذبه عنها.
стр. 2373
(...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
(...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ - يَعْنِى ابْنَ سُليْمَانَ - المَخْزُومِىِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلمْ يَذْكُرْ: " لا يَخْلوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ".
ــ
وقوله: " فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتى خرجت حاجة، وإنى اكتتبت فى غزوة كذا، قال: انطلق فحج مع امرأتك ": فيه وجوب الحج على النساء، وإلزام أزواجهن تركهن وندبهم (*) إلى الخروج معهن، وأن ذلك أفضل من خروجه للغزو؛ لأن المعونة على أداء الفريضة مؤكدة، وقد تكون فريضة فى بعض الوجوه.
стр. 2374
(٧٥) باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره
٤٢٥ - (١٣٤٢) حَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مَحْمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَليًا الأَزْدِىَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَلمَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (١) اللهُمَّ، إِنَّا نَسْأَلكَ فِى سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ العَمَلِ مَا تَرْضَى. اللهُمَّ، هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ. اللهُمَّ، أَنْتَ الصَّاحِبُ فِى السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِى الأَهْلِ. اللَّهُمَّ، إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المَنْظَرِ وَسُوءِ المُنْقَلبِ، فِى المَالِ وَالأَهْلِ ". وَإِذَا رَجَعَ قَالهُنَّ. وَزَادَ فِيهِنَّ: " آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ ".
٤٢٦ - (١٣٤٣) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُليَّةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ، يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المُنْقَلبِ، وَالحَوْرِ بَعْدَ الكُوْنِ، ودَعْوَةِ المَظْلومِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ فِى الأَهْلِ وَالمَالِ.
ــ
وقوله ﷺ : " أعوذ بك من وعثاء السفر "، قال الإمام: معناه: شدته ومشقته. وأصله من الوَعْث وهو الدَّهش، وهو الرمل الرقيق، والمشى فيه يشتد (٢) على صاحبه، فجعله مثلاً لكل ما يشق على صاحبه.
وقوله: " من الحور بعد الكور "، قال القاضى: هكذا رواية العذرى، وبعضهم بالراء، ورواه الفارسى وابن سعيد " بعد الكون " بالنون.
قال القاضى: وهو المعروف فى رواية عاصم الأحول الذى ذكره مسلم، قال أبو إسحاق الحربى: يقال: إن عاصماً وهم فيه، وصوابه: " الكور " بالراء.
قال الإمام: معنى " الحور بعد الكور ": النقصان بعد الزيادة، وقيل: معناه:
стр. 2375
٤٢٧ - (...) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنِى حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، كِلاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ عَبْدِ الوَاحِدِ: " فِى المَالِ وَالأَهْلِ ". وَفِى رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَازمٍ قَالَ: يَبْدَأُ بِالأَهْلِ إِذَا رَجَعَ. وَفِى رِوَاَيَتِهِمَا جَمِيعًا: " اللَّهُمَّ، إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعَثَاءِ السَّفَرِ ".
ــ
أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة [بعد الكورى: أى] (١) بعد أن كنا فى الكور، [أى] (٢) فى الجماعة، يقال: كار عمامته: إذا لفها، وحارها: إذا نقضها، وقيل: يجوز أن يكون أراد بذلك أعوذ بك أن تفسد أمورنا وتنتقض بعد صلاحها، كنقض العمامة بعد استقامتها على الرأس.
ومن رواه: " بعد الكون " بالنون فقال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه، فقال: ألم تسمع إلى قولهم: حار، بعد ما كان يقول: إنه كان على حالة جميلة فما عن ذلك، أى رجع قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ لَّن لن يَحُورَ﴾ (٣) أى لن يرجع. والحور: الرجوع.
قال القاضى: وقال الحربى فى قوله: " الحور بعد الكور " بعد ذكره جميع ما تقدم ذكره. وقيل: فيه تعوذ من القلة بعد الكثرة.
стр. 2376
(٧٦) باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره
٤٢٨ - (١٣٤٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ القَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الجُيُوشِ أَوِ السَّرَايَا أَوِ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ، إِذَا أَوْفَى عَلى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَد كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: " لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، لهُ اَلمُلكُ وَلهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ ".
ــ
وقوله: " إذا أوفى على ثنية أو فدفد "، قال الإمام: الفدفد: الموضع الذى فيه غلظ ارتفاع، وجمعه فدفاد.
قال القاضى: هذا قول أبى زيد، وقال ابن الأنبارى: الأرض الغليظة ذات الحصى، فلا تزال الشمس تبرق فيها، وقال غيرهما: فلاة فدفد: لا شىء فيها. ومعنى " آيبون ": راجعون، وقيل: تكبيره ﵇ فى رجوعه إظهار لكلمة الإسلام، وتعظيم لله؛ لأن سفره ﵇ إنما كان فى طاعته وإقامة شريعته ونصرة دينه من حج أو غزوٍ أو عمرة، وخصوصه بذلك كلما علا شرفاً، حيث قوى ما فتحه الله عليه من الأرض ومكن دينه فيها، ولأن مواضع الإعلان بالذكر مما علا وشرف كالأذان، وحمده له تعالى لما يستوجبه تعالى من ذلك، ولتمام نعمته بقفوله ومن معه سالمين ظاهرين مبلغين الأمل، عزيز الجانب، عائداً له تائباً مما لا يرضاه، ومثله مما عدده من نعم ربه وأظهره من نصره له، وصدقه بذلك وعده، وهزمه عدوه.
وقوله: " وهزم الأحزاب وحده ": الظاهر أنه أراد بالأحزاب: قصة يوم الأحزاب خصوصاً، فيكون معنى " وحده ": أن هزمهم كان من قبله تعالى، وعلى غير أيدى البشر، كما قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَروْهَا﴾ (١) وعلى هذا المعنى ينعطف قوله: " صدق الله وعده " تكذيباً لقول المنافقين فى هذه القصة: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلَّا غُرُورًا﴾ (٢)، وقيل: يحتمل أنه أراد به أحزاب الكفر فى سائر الأيام
стр. 2377
(...) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، كُلهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. إِلا حَدِيثَ أَيُّوبَ، فَإِنَّ فِيهِ التَّكْبِيرَ مَرَّتَيْنِ.
٤٢٩ - (١٣٤٥) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُليَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَقْبَلنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَا وَأَبُو طَلْحَةَ، وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ عَلى نَاقَتِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ المَدِينَةِ قَالَ: " آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ "، فلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا المَدِينَةَ.
(...) وَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
ــ
والمواطن، وقيل: يحتمل أن قوله ﷺ : " صدق وعده " إلى آخره خبر عما تفضل الله به عليه وعلى أمته، ويحتمل أن يكون دعاء، كما يقال: غفر الله لك، وسمع الله لمن حمده.
فيه جواز السجع فى الدعاء والكلام إذا كان بغير تكلف، وإنما نهى عنه من ذلك ما كان باستعمال وبروية؛ لأنه يشغل عن الإخلاص، ويقدح فى النية، وأما ما ساقه الطبع وقذف به قوة الخاطر دون تكلف ولا استعمال يباح فى كل شىء. وفى استعاذته ﵇ هنا دعوة المظلوم، وتعظيم أمر الظلم، التنبيه على الحذر من دعوته، والإشعار أنها متقبلة، كما جاء فى غير هذا الحديث.
стр. 2378
(٧٧) باب التعريس بذى الحليفة، والصلاة بها إذا صدر من الحج أو العمرة
٤٣٠ - (١٢٥٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ التِى بِذِى الحُليْفَةِ، فَصَلى بِهَا. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
٤٣١ - (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ المُهَاجِرِ المِصْرِىُّ، أَخْبَرَنَا الليْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ - وَاللفْظُ لهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُنِيخُ بِالبَطْحَاءِ التِى بِذِى الحُليْفَةِ، التِى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنِيخُ بِهَا، وَيُصَلى بِهَا.
٤٣٢ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ المُسَيَّبِىُّ، حَدَّثَنِى أَنَسٌ - يَعْنِى أَبَا ضَمْرَةَ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ، أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ التِى بِذِى الحُليْفَةِ، التِى كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
٤٣٣ - (١٣٤٦) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ مُوسَى - وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ - عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِىَ فِى مُعَرَّسِهِ بِذِى الحُليْفَةِ، فَقِيلَ لهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ.
ــ
وقوله: " إنه ﷺ أناخ بالبطحاء، الذى بذى الحليفة وصلى بها "، وذكر أن عبد الله ابن عمر وسالماً كانا يفعلان ذلك، وابنه سالم يتحرى معرس رسول الله ﷺ . المعرس: تقدم تفسيره أنه موضع. قال أبو زيد: عرس القوم فى المنزل: نزلوا به، أى وقت كان من ليل أو نهار. وقال الخليل والأصمعى: التعريس: النزول آخر الليل.
والنزول بالبطحاء بذى الحليفة فى الرجوع للحاج ليس من مناسك الحج، فعله من أهل المدينة من فعله تبركاً بأفعال النبى ﷺ ، وتتبعًا لمواضع نزوله ومواطنه، وهو كان شأن ابن عمر، وطلباً - أيضاً - لفضل الموضع، ولما جاء فيه من أنه قيل للنبى ﵇: إنك ببطحاء مباركة، وقد استحب مالك النزول فيه والصلاة به، وألا يجاوز
стр. 2379
٤٣٤ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ - واللفْظُ لِسُرَيْجٍ - قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ، وَهُوَ فِى مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِى الحُليْفَةِ فِى بَطْنِ الوَادِى. فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ.
قَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالمُنَاخِ مِنَ الْمَسْجِدِ الذِى كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الذِى بَبَطْنِ الوَادِى، بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلةِ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ.
ــ
حتى يصلى فيه، وإن كان فى غير وقت صلاة، أقام به حتى يحل وقت الصلاة فيصلى فيه، وقيل: إنما كان مراد النبى ﷺ بالتعريس ببطحاء مباركة ذى الحليفة فى رجوعه، وللمقام به حتى يصبح؛ لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليْلاً، كما نهى عنه تصريحاً فى غير هذا الحديث، حتى يبلغهم الخبر فتمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة، ويصلح النساء من شأنهن؛ لئلا تقع عين أو أنف منهن على ما يكره، فيقدح فى الألفة ودوام الصحبة. وقد تقدم اختلاف حاليه فى الخروج والدخول أول الكتاب وعلة ذلك.
стр. 2380
(٧٨) باب لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وبيان يوم الحج الأكبر
٤٣٥ - (١٣٤٧) حَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَنِى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِى الحَجَّةِ التِى أَمَّرَهُ عَليْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فِى رَهْطٍ، يُؤَذِّنُونَ فِى النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: لا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوفُ بَالبَيْتِ عُرْيَانٌ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ.
ــ
وقوله: " بعثنى أبو بكر فى الحجة التى أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع فى رهط، يؤذنون فى الناس يوم النحر: لا يحج بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريان ": قد تقدم الكلام فى هذا الفصل.
قال الإمام: وهذا قول مالك، وذهب الشافعى إلى أنه يوم عرفة، وحجتنا أن يوم النحر هو الذى يجتمع فيه جميع أهل الموسم من الحمس وغيرهم، وفيه كان الأذان، [وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذانٌ] (١) مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ (٢).
стр. 2381
(٧٩) باب فى فضل الحج والعمرة ويوم عرفة
٤٣٦ - (١٣٤٨) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ عَنِ ابْنِ المُسَيِّب. قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مَنْ يَوْم عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ ليَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ المَلائِكَةَ. فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ؟ ".
٤٣٧ - (١٣٤٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ - مَوْلى أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: " العُمْرَةِ إِلَىَ العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، والحَجُّ المَبْرُورُ، ليْسَ لهُ جَزَاءٌ إِلا الجَنَّةُ ".
ــ
وقوله فى فضل يوم عرفة: " وإنه ليدنو، ثم يباهى بهم الملائكة "، قال الإمام: معناه يدنو دنو كرامة وتقريب، لا دنو مسافة ومماسة.
قال القاضى: يتأول فيه ما يتأول فى النزول على أحد الوجوه المتقدمة، كما قال فى الحديث الآخر: " من غيظ الشيطان يوم عرفة لما يرى فيه تنزل الرحمة " (١)، وقد روى عبد الرزاق فى هذا الحديث: " إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهى بهم الملائكة " (٢)، وقد يريد به دنو الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء الدنيا، بما نزل عليهم من رحمة الله، مباهاة الملائكة بهم عن أمره، كما جاء فى الحديث من قوله: " ثم يباهى بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء هنا؟ " تم الكلام فى كتاب مسلم مبتوراً، وذكر هذا الفضل كاملاً عبد الرزاق من رواية ابن عمر، وفيه ذكر وقوف عرفة، وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهى بهم الملائكة، يقول: " هؤلاء عبادى جاؤونى شعثاً غبراً، يرجون رحمتى، ويخافون عذابى ولم يرونى، فكيف لو رأونى؟ " (٣). وذكرتا فى الحديث.
وقوله: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما "، قال الإمام: معنى اعتمر البيت: زاره، والاعتمار: الزيارة، قال الشاعر:
стр. 2382
(...) وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عَيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْن المُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ.
ــ
يهل بالفدفد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر
وقال آخرون: معنى الاعتمار والعمرة: القصد، قال الشاعر:
لقد سما ابن معْمر حين اعتمر
أراد حين قصد.
[قال القاضى] (١): اختلف الناس فى العمرة، هل هى واجبة أم لا؟ فذهب جماعة من السلف إلى وجوبها، وهو قول الأوزاعى والثورى وابن حبيب وابن الجهم من أصحابنا، وحكاه ابن المنذر عن أبى حنيفة، وذهب آخرون إلى أنها ليست بواجبة، وهو قول مالك ومشهور قول أبى حنيفة وأصحابه [وداود] (٢). واختلفت الرواية فيها عن الشافعى، وأحمد وإسحاق وأبى عبيد وأبى ثور، إلا أن مالكًا يجعلها سنة مؤكدة، وبعض هؤلاء يجعلها مستحبة، وهو معنى قوله عند أصحابنا، ولا نعلم أحداً رخص فى تركها، خلافاً لمن تأول عليه وجوبها، والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، وليس فى الآية دليل على وجوبها إلا من حيث قرانها مع الحج والاستدلال بهذا ضعيف.
وقيل - أيضاً -: إذا كان الاتمام واجباً فالابتداء واجب، وهذا لا حجة فيه، لأن الطاعات غير الواجبات يلزم إتمامها بالدخول فيها، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤)، فقيل: معنى " أتموا ": أقيموا، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (٥)، أى فأتموا، وليس فى هذا - أيضاً - حجة؛ إذ ليس يلزم إذا وجدنا " أقيموا " بمعنى: " أتموا "، أن تجعلوا " أتموا " بمعنى " أقيموا "، فلا يستدل فى اللغة بالعكس مع اختلاف العلماء فى معنى تمامها، هل هو إكمالها بعد الشروع فيها وترك قطعها وهو الأظهر، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
وقيل: إتمامهما أن يحرم لكل واحد منهما ابتداء ويستأنف له سفراً. قال على وغيره: إتمامهما أن يحرم لهما من دويرة أهله، وقيل غير هذا، وقرأ الشعبى: " والعمرة لله "
стр. 2383
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
ــ
بالرفع، ففصل بهذه القولة عطفه على الحج ليزيل الإشكال.
وقوله: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ": بيّن المعنى فى تكفير السيئات بفعلها، وقيل: يحتمل أن يكون بمعنى، وفيه حض على تكرارها، واستدل به بعضهم على جواز العمرة فى السنة مراراً.
وقد اختلف السلف فى الاعتمار فى السنة مراراً، فأجاز ذلك كثير، منهم الثورى وأبو حنيفة والشافعى وأكثر الفقهاء، ومنعه آخرون وقالوا: يستحب ألا يعتمر فى السنة إلا مرة، وكذلك فعل النبى ﵇ فلم يكرر فى سفراته عمرة أكثر من مرة، وهو قول مالك، إلا أنه إن اعتمر أكثر من مرة لزمه تمام ذلك عنده، وقال كثير من أصحابه بجواز ذلك، وقال آخرون: لا يعتمر فى شهر أكثر من مرة.
وأما وقتها: فلغير الحاج السنة كلها، ويوم عرفة، ويوم النحر، وكل حين.
وأما للحاج فحين تغيب الشمس من آخر أيام التشريق، ونحوه للشافعى. قال مالك: سواء تعجل أو تأخر، فإن أحرم الحاج بعمرة قبل هذا لم تنعقد عندنا، إلا أن تكون فى آخر أيام التشريق بعد الرمى فتنعقد، وظاهر المدونة أنها لا تنعقد. وقد اختلف قول مالك، وقال أبو حنيفة: العمرة جائزة فى السنة كلها إلا يوم عرفة وأيام التشريق للحاج وغيره.
وقوله: " والحج المبرور "، قال الإمام: وهو على وزن مفعول، من البر. يحتمل أن يريد أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وأصله ألا يتعدى [بحرف] (١) جر، إلا أن يريد بمبرور وصف المصدر فيتعدى حينئذ إليه؛ إذ كل ما لا يتعدى من الأفعال فإنه يتعدى إلى المصدر. ومعنى " ليس له جزاء إلا الجنة ": أى لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، ولابد أن يبلغ به إدخاله الجنة.
قال القاضى: هذا الكلام كله إنما يتوجه على أن معنى المبرور ما أشار إليه، من أنه قصد به البر، وأما على غيره من التأويلات فلا يحتاج إلى حرف تعدية، فقد قيل: معنى " مبرور ": لا يخالطه شىء من مأثم، وقيل: المبرور: المتقبل، وقيل: الذى لا رياء فيه ولا سمعة، ولا رفث ولا فسوق، وقيل: الذى لم تعقبه معصية.
стр. 2384
٤٣٨ - (١٣٥٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَتَى هَذَا البَيْتَ فَلمْ يَرْفُثْ وَلمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلدَتْهُ أُمُّهُ ".
(...) وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى عَوَانَةَ وَأَبِى الأَحْوَصِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: " مَنْ حَجَّ فَلمْ يَرْفُثْ وَلمْ يَفْسُقْ ".
(...) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلهُ.
ــ
وقوله: " فلم يرفث ولم يفسق "، قال القاضى: هذا من قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ (١). والرفث: الفحش فى القول، وقيل: الجماع، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٢). قيل: هو كناية عن الجماع، يقال: رَفَثَ وَرَفِثَ يَرْفَثُ ويَرفِثُ بالفتح والكسر والضم فى المستقبل، وقد قيل: وأرفث. وقيل: الرفث: التصريح بذكر الجماع، قال الأزهرى: هى كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. وكان ابن عباس يخصه بما [خوطب] (٣) به النساء.
ومعنى " كيوم ولدته أمه ": يعنى بغير ذنب.
وقيل: الفسوق هنا: السيئات، وقيل: المعاصى، وقيل: ما أصاب من محارم الله والصيد، وقيل: الفسوق: قول الزور، وقيل: الذبح للأنصاب، وقيل: لم يذكر هنا الجدال المذكور فى الآية مع الرفث والفسوق؛ لأن المجادلة ارتفعت، إنما كانت من العرب وسائر قريش فى موضوع الوقوف بعرفة أو المزدلفة، فأسلمت قريش وارتفعت المجادلة، ووقف الكل بعرفة.
стр. 2385
(٨٠) باب النزول بمكة للحاج، وتوريث دورها
٤٣٩ - (١٣٥١) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ حُسَيْنٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَخْبَرَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنْزِلُ فِى دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ ".
وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلا عَلِىٌّ شَيْئًا؛ لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ.
ــ
وقوله: " وهل ترك لنا عقيل من دار؟! ": فسره فى الحديث نفسه؛ لأنه اختص هو وطالب بميراث أبى طالب؛ لأنهما كانا كافرين حين مات ولم يرثه علىٌ ولا جعفر؛ لأنهما كانا مسلمين، ولا يرث المسلم الكافر. وهذا الحديث أصل فى هذا - أيضاً - ولم يختلف فيه فقهاء الأمصار إلا ما روى عن إسحاق وبعض السلف، وأجمعوا أن الكافر لا يرث المسلم، وهذا بيّن فيما ترك أبو طالب، وبقى النظر فى قوله: " بترك دارك "، فأجاب بما تقدم. فلعله أضاف الدار إليه لسكناه فيها، وكان أصلها لأبى طالب؛ لأنه كان الذى كفله، وكان أكبر بنى عبد المطلب بعد موت عبد المطلب، فاحتوى على أملاكه وحازها لسنّه وعادة الجاهلية (*)، ويحتمل أن عقيلاً كان قد باع جميعها وأخرجها عن أملاكهم، كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين، وكذلك قال الداودى: إن عقيلاً باع ما كان للنبى ﵇ ولمن هاجر من بنى عبد المطلب. وقال محمد بن أبى صفرة: فى الحديث حجة بأن من خرج من بلده مسلماً، وبقى أهله وولده فى دار الكفر، ثم غزاها مع المسلمين - أن ما فيها من ولده وماله بحكم البلد، كما كانت دار رسول الله ﷺ على حكم البلد، ولم ير نفسه أحق بها، وهذا مذهب مالك والليث.
قال القاضى: فمذهب هذا القائل: إن النبى ﷺ إنما ترك النزول فيها لأنها ليست له، وهى كغيرها من دور مكة فى حقه، ولو أنه كان هذا لعلل به ﵇ ولم يعلل بما تقدم من أنه لم يترك لهم عقيل داراً، وقد قيل: إنه إنما ترك ﵇ النزول بها وكرهه؛ لأنه ترك ذلك حين هاجر لله، فلم يرجع فيما تركه لله، كما ذكر عن غير واحد من الصحابة فى هذا.
قوله: " هل ترك لنا عقيل من دار؟! ": دليل على بقاء ملك دور مكة لأربابها.