(٧٩) باب فى فضل الحج والعمرة ويوم عرفة
٤٣٦ - (١٣٤٨) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ عَنِ ابْنِ المُسَيِّب. قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مَنْ يَوْم عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ ليَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ المَلائِكَةَ. فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ؟ ".
٤٣٧ - (١٣٤٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ - مَوْلى أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: " العُمْرَةِ إِلَىَ العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، والحَجُّ المَبْرُورُ، ليْسَ لهُ جَزَاءٌ إِلا الجَنَّةُ ".
ــ
وقوله فى فضل يوم عرفة: " وإنه ليدنو، ثم يباهى بهم الملائكة "، قال الإمام: معناه يدنو دنو كرامة وتقريب، لا دنو مسافة ومماسة.
قال القاضى: يتأول فيه ما يتأول فى النزول على أحد الوجوه المتقدمة، كما قال فى الحديث الآخر: " من غيظ الشيطان يوم عرفة لما يرى فيه تنزل الرحمة " (١)، وقد روى عبد الرزاق فى هذا الحديث: " إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهى بهم الملائكة " (٢)، وقد يريد به دنو الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء الدنيا، بما نزل عليهم من رحمة الله، مباهاة الملائكة بهم عن أمره، كما جاء فى الحديث من قوله: " ثم يباهى بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء هنا؟ " تم الكلام فى كتاب مسلم مبتوراً، وذكر هذا الفضل كاملاً عبد الرزاق من رواية ابن عمر، وفيه ذكر وقوف عرفة، وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهى بهم الملائكة، يقول: " هؤلاء عبادى جاؤونى شعثاً غبراً، يرجون رحمتى، ويخافون عذابى ولم يرونى، فكيف لو رأونى؟ " (٣). وذكرتا فى الحديث.
وقوله: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما "، قال الإمام: معنى اعتمر البيت: زاره، والاعتمار: الزيارة، قال الشاعر:
стр. 2382
(...) وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عَيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْن المُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ.
ــ
يهل بالفدفد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر
وقال آخرون: معنى الاعتمار والعمرة: القصد، قال الشاعر:
لقد سما ابن معْمر حين اعتمر
أراد حين قصد.
[قال القاضى] (١): اختلف الناس فى العمرة، هل هى واجبة أم لا؟ فذهب جماعة من السلف إلى وجوبها، وهو قول الأوزاعى والثورى وابن حبيب وابن الجهم من أصحابنا، وحكاه ابن المنذر عن أبى حنيفة، وذهب آخرون إلى أنها ليست بواجبة، وهو قول مالك ومشهور قول أبى حنيفة وأصحابه [وداود] (٢). واختلفت الرواية فيها عن الشافعى، وأحمد وإسحاق وأبى عبيد وأبى ثور، إلا أن مالكًا يجعلها سنة مؤكدة، وبعض هؤلاء يجعلها مستحبة، وهو معنى قوله عند أصحابنا، ولا نعلم أحداً رخص فى تركها، خلافاً لمن تأول عليه وجوبها، والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، وليس فى الآية دليل على وجوبها إلا من حيث قرانها مع الحج والاستدلال بهذا ضعيف.
وقيل - أيضاً -: إذا كان الاتمام واجباً فالابتداء واجب، وهذا لا حجة فيه، لأن الطاعات غير الواجبات يلزم إتمامها بالدخول فيها، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤)، فقيل: معنى " أتموا ": أقيموا، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (٥)، أى فأتموا، وليس فى هذا - أيضاً - حجة؛ إذ ليس يلزم إذا وجدنا " أقيموا " بمعنى: " أتموا "، أن تجعلوا " أتموا " بمعنى " أقيموا "، فلا يستدل فى اللغة بالعكس مع اختلاف العلماء فى معنى تمامها، هل هو إكمالها بعد الشروع فيها وترك قطعها وهو الأظهر، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
وقيل: إتمامهما أن يحرم لكل واحد منهما ابتداء ويستأنف له سفراً. قال على وغيره: إتمامهما أن يحرم لهما من دويرة أهله، وقيل غير هذا، وقرأ الشعبى: " والعمرة لله "
стр. 2383
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
ــ
بالرفع، ففصل بهذه القولة عطفه على الحج ليزيل الإشكال.
وقوله: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ": بيّن المعنى فى تكفير السيئات بفعلها، وقيل: يحتمل أن يكون بمعنى، وفيه حض على تكرارها، واستدل به بعضهم على جواز العمرة فى السنة مراراً.
وقد اختلف السلف فى الاعتمار فى السنة مراراً، فأجاز ذلك كثير، منهم الثورى وأبو حنيفة والشافعى وأكثر الفقهاء، ومنعه آخرون وقالوا: يستحب ألا يعتمر فى السنة إلا مرة، وكذلك فعل النبى ﵇ فلم يكرر فى سفراته عمرة أكثر من مرة، وهو قول مالك، إلا أنه إن اعتمر أكثر من مرة لزمه تمام ذلك عنده، وقال كثير من أصحابه بجواز ذلك، وقال آخرون: لا يعتمر فى شهر أكثر من مرة.
وأما وقتها: فلغير الحاج السنة كلها، ويوم عرفة، ويوم النحر، وكل حين.
وأما للحاج فحين تغيب الشمس من آخر أيام التشريق، ونحوه للشافعى. قال مالك: سواء تعجل أو تأخر، فإن أحرم الحاج بعمرة قبل هذا لم تنعقد عندنا، إلا أن تكون فى آخر أيام التشريق بعد الرمى فتنعقد، وظاهر المدونة أنها لا تنعقد. وقد اختلف قول مالك، وقال أبو حنيفة: العمرة جائزة فى السنة كلها إلا يوم عرفة وأيام التشريق للحاج وغيره.
وقوله: " والحج المبرور "، قال الإمام: وهو على وزن مفعول، من البر. يحتمل أن يريد أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وأصله ألا يتعدى [بحرف] (١) جر، إلا أن يريد بمبرور وصف المصدر فيتعدى حينئذ إليه؛ إذ كل ما لا يتعدى من الأفعال فإنه يتعدى إلى المصدر. ومعنى " ليس له جزاء إلا الجنة ": أى لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، ولابد أن يبلغ به إدخاله الجنة.
قال القاضى: هذا الكلام كله إنما يتوجه على أن معنى المبرور ما أشار إليه، من أنه قصد به البر، وأما على غيره من التأويلات فلا يحتاج إلى حرف تعدية، فقد قيل: معنى " مبرور ": لا يخالطه شىء من مأثم، وقيل: المبرور: المتقبل، وقيل: الذى لا رياء فيه ولا سمعة، ولا رفث ولا فسوق، وقيل: الذى لم تعقبه معصية.
стр. 2384
٤٣٨ - (١٣٥٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَتَى هَذَا البَيْتَ فَلمْ يَرْفُثْ وَلمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلدَتْهُ أُمُّهُ ".
(...) وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى عَوَانَةَ وَأَبِى الأَحْوَصِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: " مَنْ حَجَّ فَلمْ يَرْفُثْ وَلمْ يَفْسُقْ ".
(...) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلهُ.
ــ
وقوله: " فلم يرفث ولم يفسق "، قال القاضى: هذا من قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ (١). والرفث: الفحش فى القول، وقيل: الجماع، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٢). قيل: هو كناية عن الجماع، يقال: رَفَثَ وَرَفِثَ يَرْفَثُ ويَرفِثُ بالفتح والكسر والضم فى المستقبل، وقد قيل: وأرفث. وقيل: الرفث: التصريح بذكر الجماع، قال الأزهرى: هى كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. وكان ابن عباس يخصه بما [خوطب] (٣) به النساء.
ومعنى " كيوم ولدته أمه ": يعنى بغير ذنب.
وقيل: الفسوق هنا: السيئات، وقيل: المعاصى، وقيل: ما أصاب من محارم الله والصيد، وقيل: الفسوق: قول الزور، وقيل: الذبح للأنصاب، وقيل: لم يذكر هنا الجدال المذكور فى الآية مع الرفث والفسوق؛ لأن المجادلة ارتفعت، إنما كانت من العرب وسائر قريش فى موضوع الوقوف بعرفة أو المزدلفة، فأسلمت قريش وارتفعت المجادلة، ووقف الكل بعرفة.
стр. 2385
(٨٠) باب النزول بمكة للحاج، وتوريث دورها
٤٣٩ - (١٣٥١) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ حُسَيْنٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَخْبَرَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنْزِلُ فِى دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ ".
وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلا عَلِىٌّ شَيْئًا؛ لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ.
ــ
وقوله: " وهل ترك لنا عقيل من دار؟! ": فسره فى الحديث نفسه؛ لأنه اختص هو وطالب بميراث أبى طالب؛ لأنهما كانا كافرين حين مات ولم يرثه علىٌ ولا جعفر؛ لأنهما كانا مسلمين، ولا يرث المسلم الكافر. وهذا الحديث أصل فى هذا - أيضاً - ولم يختلف فيه فقهاء الأمصار إلا ما روى عن إسحاق وبعض السلف، وأجمعوا أن الكافر لا يرث المسلم، وهذا بيّن فيما ترك أبو طالب، وبقى النظر فى قوله: " بترك دارك "، فأجاب بما تقدم. فلعله أضاف الدار إليه لسكناه فيها، وكان أصلها لأبى طالب؛ لأنه كان الذى كفله، وكان أكبر بنى عبد المطلب بعد موت عبد المطلب، فاحتوى على أملاكه وحازها لسنّه وعادة الجاهلية (*)، ويحتمل أن عقيلاً كان قد باع جميعها وأخرجها عن أملاكهم، كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين، وكذلك قال الداودى: إن عقيلاً باع ما كان للنبى ﵇ ولمن هاجر من بنى عبد المطلب. وقال محمد بن أبى صفرة: فى الحديث حجة بأن من خرج من بلده مسلماً، وبقى أهله وولده فى دار الكفر، ثم غزاها مع المسلمين - أن ما فيها من ولده وماله بحكم البلد، كما كانت دار رسول الله ﷺ على حكم البلد، ولم ير نفسه أحق بها، وهذا مذهب مالك والليث.
قال القاضى: فمذهب هذا القائل: إن النبى ﷺ إنما ترك النزول فيها لأنها ليست له، وهى كغيرها من دور مكة فى حقه، ولو أنه كان هذا لعلل به ﵇ ولم يعلل بما تقدم من أنه لم يترك لهم عقيل داراً، وقد قيل: إنه إنما ترك ﵇ النزول بها وكرهه؛ لأنه ترك ذلك حين هاجر لله، فلم يرجع فيما تركه لله، كما ذكر عن غير واحد من الصحابة فى هذا.
قوله: " هل ترك لنا عقيل من دار؟! ": دليل على بقاء ملك دور مكة لأربابها.
стр. 2386
٤٤٠ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ وَذَلِكَ فِى حَجَّتِهِ، حِينَ دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ. فَقَالَ: " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلاً؟! ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى حَفْصَةَ وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ،
ــ
وقد اختلف فى مكة ودورها ورباعها هل هى مملوكة لأحد أم لا؟ على اختلاف فى دخولها، هل هى عنوة أو صلح؟ ومذهب مالك وأبى حنيفة والأوزاعى أنها عنوة، ومذهب الشافعى أنها صُلحية، لكن من رآها عنوة، قد قال: إن النبى ﷺ منَّ على أهلها وسوى بينهم أموالهم ودورهم، ولم يجعلها فيئاً ولا قسمها. قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شىء من البلاد.
وكذلك اختلفوا فى كراء دورها وبيعها لهذا، وفى تأويل قوله: ﴿سوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١)، فقال جماعة من السلف: أهل مكة وغيرهم فى المنازل سواء، ولا يحل بيعها ولا كراؤها، وتأولوا الآية على هذا، وهو قول أبى حنيفة والثورى، وكره مالك بيعها وكراءها، وأجاز ذلك الشافعى وأبو يوسف وبعض السلف والصحابة، وتأولوا الآية على المسجد وهو للمصلين، ويكون الحديثان صحيحين.
قالوا: وفيه حجة على أن للإمام إبقاء الأرض بعد افتتاحها عنوة بأيدى أربابها إن أسلموا أو لم يسلموا؛ لما يراه من استيلائهم إن كانوا مسلمين، أو ليضرب الجزية عليهم إن بقوا على دينهم وأقرهم بها، ويكون تركها لهم بتطييب نفوس أهل الجيش، كما فعل فى سبى هوازن، أو بتقويمها من الخمس.
على أنه لم يرو أنه قسم من أموال أهل مكة شيئاً، وإنما كان تفضلاً منه وممن معه من المسلمين عليهم لقرباهم وليجبرهم، كما جاء فى لفظ الحديث الآخر؛ ولأن الله تعالى قد عوضهم بعد من أموال هوازن أضعاف ذلك.
وفيه حجة لمن يقول: إن الغانمين لا يملكون الغنيمة بحوزها إلا بتمليك الإمام وقسمها بينهم؛ ولهذا ما اختلف فى قطع سارقهم منها وحدّ زانيهم ومن فيها، وسيأتى هذا فى
стр. 2387
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللهُ؟ وَذَلِكَ زَمَنَ الفَتْحِ. قَالَ: " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ؟! ".
ــ
الجهاد. وفيه على قول من قال: إن عقيلاً باع ديار بنى عبد المطلب ملك المشركين لما حازوه من أموال المسلمين؛ إذ لو لم يملكوه لم يصح شراؤه لمن اشتراه منهم، ولأخذه من وجده فى المقاسم دون ثمن وسيأتى الكلام عليه أيضاً فى موضعه.
стр. 2388
(٨١) باب جواز الإقامة بمكة، للمهاجرين منها بعد فراغ الحج والعمرة، ثلاثة أيام بلا زيادة
٤٤١ - (١٣٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: هَلْ سَمِعْتَ فِى الإِقَامَةِ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِىِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " للمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلاثٍ - بَعْدَ الصَّدَرِ - بِمَكَّةَ " كَأَنَّهُ يَقُولُ: لا يَزِيدُ عَليْهَا.
٤٤٢ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِجُلسَائِهِ: مَا سَمِعْتُمْ فِى سُكْنَى مَكَّةَ؟ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ العَلاءَ - أَوْ قَالَ. العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِىِّ - قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يُقِيمُ المُهَاجِرُ بِمَكَّةَ - بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ - ثَلَاثًا ".
٤٤٣ - (...) وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ. فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِىِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " ثَلاثُ ليَالٍ يَمْكُثُهُنَّ المُهَاجِرُ بِمَكَّةَ، بَعْدَ الصَّدَرِ ".
٤٤٤ - (...) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ - وَأَمْلاهُ عَلَيْنَا إِمْلاءً - أَخْبَرَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
ــ
وقوله: " للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة لا يزيد عليها ": بين هذا بقوله فى الرواية الأخرى: " بعد قضاء نسكه " وهو وقت صدر الناس آخر أيام منى بعد تمام نسكهم، فيقيم هو بعدهم لحاجة، لا أنه يقيم بعد أن يطوف طواف الصدر ثلاثة أيام، ويجزيه ما تقدم من طوافه، بل يعيده عند كافتهم، إلا ما ذكرناه عن أهل الرأى وقد تقدم. وفى هذا الحديث دليل على أن الثلاث ليست مدة إقامة، وهذا الأصل فى إقامة المسافر
стр. 2389
عَوْفٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِىِّ أَخْبَرَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " مُكْثُ المُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاثًا ".
(...) وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ.
ــ
وإتمامه الصلاة، وما أخذ به مالك فى الزيادة على الثلاث وهو أن ينوى إقامة أربعة أيام؛ إذ لم يجعل هنا الثلاث إقامة. وهذا الحديث حجة لمن منع المهاجر بعد الفتح من المقام بمكة وهو قول الجمهور، وأجاز ذلك جماعة لهم بعد الفتح، مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح، ووجوب سكنى المدينة لنصرة النبى ﵇ ومواساتهم له بأنفسهم، ولفرارهم بدينهم من الفتنة. وأما لغير المهاجر - ممن أمن بعد ذلك - فلا خلاف فى جواز سكنى بلده له، مكة أو غيرها.
стр. 2390
(٨٢) باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد على الدوام
٤٤٥ - (١٣٥٣) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ -: " لا هِجْرَةَ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتنفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ". وَقَالَ يَوْمَ الفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ -: " إِنَّ هَذَا البَلدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإنَّهُ لمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِى، وَلمْ يَحِلَّ لِى إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلتَقِطُ إِلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلى خَلاهَا ". فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: " إِلا الإِذْخِرَ ".
ــ
وقوله: " لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ": فيه حجة لبقاء الجهاد، وكونه فرضاً. وقد اختلف العلماء فى هذا، هل سقط فرضه على الجملة إلا أن تقدح قادحة، أو يطرق العدو قوماً، أو هو باقٍ؟ والقولان عندنا، وسنبسطه فى الجهاد إن شاء الله تعالى.
وقوله: " إن هذا البلد حرمه الله " إلى قوله: " ولم تحل لى إلا ساعة من نهار "، وقد قال - أيضاً - فى الحديث الآخر: " إنه دخلها وعلى رأسه المغفر "، وفى الحديث الآخر: " وعلى رأسه عمامة سوداء بغير إحرام "، وسقط قوله: " بغير إحرام "، عند ابن أبى جعفر من شيوخنا، وثبت لسائرهم، ففى إثباتهم الحجة أنه لم يكن محرماً.
قال الإمام: قال بعض أصحابنا: لا تدخل مكة إلا بإحرام إلا لمثل إمام فى جيشه للضرورة، وقائل هذا اتبع الحديث على وجهه. واختلف قول مالك هل دخوله (١) بإحرام واجب أو مستحب؟ وأسقطه عمن يكثر تردده كالحطابين وأصحاب الفواكه.
قال القاضى: اختلف قول الشافعى فى ذلك كاختلاف قول مالك، ويمنعه إلا للحطابين ومن يكثر تردده عليها، وأجاز ذلك أبو حنيفة والليث. قال أبو حنيفة: إلا لمن
نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لنْ تَحلَّ لأَحَدٍ بَعْدِى، فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا يُخْتَلى شَوْكُهَا، وَلا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنَّ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ ". فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلا الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلهُ فِى قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِلا الإِذْخِرَ ". فَقَامَ أَبُو شَاهٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ - فَقَالَ: اكْتُبُوا لِى يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اكْتُبُوا لأَبِى شَاهٍ ".
قَالَ الوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِىِّ: مَا قَوْلهُ: اكْتُبُوا لِى يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ التِى سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٤٤٨ - (...) حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلمَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلوا رَجُلاً مِنْ بَنِى ليْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلتَهُ فَخَطَبَ فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلطَ عَليْهَا رَسُولهُ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلا وَإِنَّهَا لمْ تَحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى وَلنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِى، أَلا وَإنَّهَا أُحِلتْ لِى سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، ألا وَإِنَّهَا سَاعَتِى هَذِهِ، حَرَامٌ، لا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يَلتَقِطُ سَاقِطَتَهَا
ــ
وقوله: " ولا تحل لأحد بعدى ": قال الطبرى: أى للقتال الذى حل لى ومحاربة أهلها؛ لأنهم لا يكفرون فيقاتلون، ويحل منهم ما حل لى على طريق النهى، لا على طريق الخبر أنها تقاتل؛ إذ قد قاتلها الحجاج وغيره. وأخبر ﵇ عن غلبة ذى السويقتين عليها وتخريبه لها، وإنما أخبر عن حكم قتال أهلها أنه لا يحل لأحد بعده، وذهب الطحاوى إلى أن هذا كان [خصوصاً] (١) للنبى ﵇.
وقوله: " [لا] (٢) يعضد شجرها "، قال الإمام: أى [لا] (٣) يقطع، يقال: عضّد واستعضد بمعنى [واحد] (٤) كما يقال: علا واستعلا.
قال القاضى: وقع فى الرواية الأخرى: " شجراؤها " وهو الشجر، قال الطبرى: معنى " يعضد ": لا يفسد ويقطع، وأصله من عضد الرجل؛ أصاب عضداً ويسود فى العين المعضد من السيوف ما يمتهن فى قطع الشجر. ومعنى " لا يختلى خلاها ": أى لا
стр. 2393
إِلا منشِدٌ، وَمَنْ قُتِلَ لهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُعْطَى - يَعْنِى الدِّيَةَ - وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ -
ــ
يحصد كلؤها. والخلى المقصود الكَلأ الرطب، فإذا يبَس فهو حشيش وهشيم. واتفق الفقهاء أن النهى فيما نبت بأرضها مما لم يعانه البشر من الزراعة والخضر والقصيل، فإن هذا مُباحٌ زراعته واختلاؤه. واختلف فى الرعى فيما أنبته الله من خلاها، فمنع ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وأجازه غيرهما.
وقوله: " لا يخبط شوكها ": أى لا يضرب بالعصا ليتكسر ويتساقط رطبه من ورقه فتأكله الماشية.
قال الإمام: الخبط، بالإسكان، مصدر خَبَطْت، وخَبْطُ الشجر: ضربه بالعصا ليتحات ورقه، واسم ذلك الورق خَبَط، بالفتح، وهو من علف الإبل والذى [يضرم به] (١) مِخبط، بكسر الميم، ويقال: خبطت واختبطت بمعنى.
قال القاضى: قال الطبرى: فلا يجوز قطع أغصان شجر مكة التى أنشأ الله فيها مما لا صنع فيه لآدمى، وإذا لم يَجُز قطع أغصانها - يعنى وهو تفسير العضد - فقطع شجرها أحرى بالنهى. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم.
قال الإمام: اختلف الناس فى قطع شجر الحرم، هل فيه جزاء أم لا؟ فعند مالك: لا جزاء فيه، وعند أبى حنيفة والشافعى: فيه الجزاء. واحتجوا بأن بعضَ الصحابة حكم فى دَوْحة ببقرة. ويحتج لمالك أن الجزاء لا يجب إلا بشرع، والأصل براءة الأمة، ولم يرد شرعٌ بذلك.
قال القاضى: مذهب أبى حنيفة وصاحبه، وهو قول الشافعى على ما ذكره الطبرى: أن ذلك فيما لم يغرسه الآدمى من الشجر، وأما ما غرسه الآدمى فلا شىء عليه فيه، وهذا مذهب مالك عند شيوخنا، وحكى الخطابى أن مذهب الشافعى منع قطع ما غرسه الآدمى من شجر البوادى ونماه، وأنه وغيره مما أنبته الله سواء. واختلف قوله فى جزاء الشجر على اختلاف مالك وأبى حنيفة، وعند الشافعى: فى الدوحة بقرة، وما دونها شاة. وعند أبى حنيفة: يؤخذ منه قيمة ما قطع، يشترى به هدى، فإن لم يبلغ تصدق به بنصف صاع لكل مسكين.
وأما قوله: " لا ينفر صيده "، قال الإمام: [فإن] (٢) مذهب مالك أن صيد الحلال فى الحرم (٣) يوجب عليه الجزاء، ولم ير ذلك داود ورأى الجزاء مختصاً بالإحرام لا بالحرم
стр. 2394
أَهْلُ القَتِيلِ - قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، يُقَالُ لهُ: أَبُو شَاهٍ. فَقَالَ: اكْتُبْ لِى
ــ
[كما اختص منع الطيب واللباس بالإحرام لا بالحرم] (١) وهذا غير صحيح؛ لأن الصيد محرم فى الحرم، ولو كان كاللباس والطيب لحل كما حلا. وحجة مالك عليه قوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢)، ويعبر عمن حل بالحرم بأنه مُحرم، كما يقال فيمن حل بنجد: مُنجد، وبتهامة: مُتْهِم، قال الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة مُحرماً ... ودعا فلم ير مثله مخذولاً
يعنى ساكناً بالحرم، ولأن حرمة الحرم متأبدة والإحرام مؤقت فكان المؤبد أكثر. واختلف الناس - أيضاً - فى الحلال إذا صاد صيداً فى الحل، ثم أتى به الحرم فأراد ذبحه، فأجاز ذلك له مالك، ومنعه أبو حنيفة وقال: يرسله، ولمالك عليه: أنه لا يسمى صيداً ما كان فى اليد والقهر، فلم يكن داخلاً فى قوله: " لا ينفر صيده "، ولذلك اختلف مالك وأبو حنيفة فيمن صاد فى الحرم، هل يدخل فى جزائه الصيام؟ فأثبته مالك، ونفاه أبو حنيفة. ولمالك عموم الآية وفيها الصيام، ورأى أبو حنيفة أن ما يضمن ضمان إتلاف الأملاك فلا معنى لدخول الصيام فيه، واستدل بانه لو أطلقه لكان ضامناً له حتى يعود الصيد إلى الحرم، فصارَ الحرم كيد رجل فى ملك، يبرأ الغاصب بإعادة الملك إليه.
قال القاضى: وقال الطبرى فى قوله: " لا ينفر صيدها ": حجة على تحريم اصطياده؛ لأنه إن نهى عن تنفيره فاصطياده آكد فى التحريم، وقال عكرمة: هو أن ينحيه من الظل إلى الشمس، ولا خلاف أنه إن نفره فسلم أنه لا جزاء عليه، إلا أن يهلك، لكن عليه الإثم لمخالفة نهى النبى ﷺ ، إلا شىء روى عن عطاء أنه يطعم.
وقوله: " ولا يحل سقطتها إلا لمنشد ": قال أبو عبيد: لمُعرف، وأما الطالب فيقال له: ناشد، وأنشدوا عليه:
إصاخة الناشد للمنشد
يقال: نشدت الضالة: إذا طلبتها، فإذا عرفتها قلت: أنشدتها. وأصل الإنشاد رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر.
قال الإمام: عند مالك أن حكم اللقطة فى سائر البلاد حكم واحد، وعند الشافعى أن لقطة مكة بخلاف غيرها من البلاد، وأنها لا تحل إلا لمن يعرّفها، تعلقاً بهذا الحديث، ويحمل اللفظ على أصلنا على المبالغة فى التعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود إلا بعد أعوام فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بها بخلاف غير مكة.
стр. 2395
يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: " اكْتُبُوا لأَبِى شَاهٍ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا
ــ
قال القاضى: معنى ما ذهب إليه أبو عبيد هو ما ذهب إليه المخالف، أى أنه لا تحل لملتقطها البتة، وليس يحل له إلا إنشادها والتعريف بها كما جاء فى الرواية الأخرى: " إلا لمعرف " وحكى معناه عن ابن مهدى، وحكى عن غيره: المنشد: الطالب، أى ربها، قال: ولا يجوز أن يقال للطالب: منشد، قال: وفيها قول ثالث: أراد أنه [إن] (١) لم ينشدها لم تحل له، أى لا تحل له إلا بعد الإنشاد وألا يجىء لها طالب.
قال القاضى: وهذا يأتى على أنها وغيرها من لقطات البلاد سواء، وقال ابن قتيبة: معناه: أنه لا يحل التقاطها إلا بنية الإنشاد دون التعريف وإلا فليدعها، قال: لعل صاحبها ربما تذكَّرها، فطلبها حيث تركها فلم يجدها، فالواجب على من وجدها ألا يتعرض لها، إلا أن يأخذها لِيُعرفها. وقال غيره: معناه: لا يحل التقاطها إلا أن يسمع من ينشدها فيأخذها ويرفعها، وهذا حكم هذه.
قال القاضى: وإنما فرّق من فرّق بين لقطة مكة وغيرها؛ لأن سائر المسافرين من البلاد النائية لغيرها لا يتكررون فى أسفارهم إليها غالباً، والغالب ترددهم سَنةً فى أسفارهم، فضرب الإنشاد للضالة هذه فى غير مكة سنة لهذا؛ لأنه إن كان صاحبها من أهل البلد أو مسافراً فيه أو بقربه، لابد يبلغه خبرها بالإنشاد سَنة، فإذا كملت السنة غلب اليأس أنها لغير حاضر، وأنها إما لميتٍ أو منقطع الغيبة بعيد. ومكة فكثير من الناس يرجع إليها ويتردد للحج والعمرة عليها، وإن لم يكن هو فلا ينفك الجماعة من أهل بلده وقرابته [من] (٢) للحج، فيبلغه خبر لُقَطَتِه، فخصت بذلك دون غيرها عند هؤلاء، وهذا قول الشافعى وعبد الرحمن بن مهدى وغيرهما، وأما مالك وأصحابه فلقطة مكة وغيرها عندهم سواء، فى أنها لا تُملك وإنما له إمساكها بعد السَنة على ربها، أو تكرار إنشادها، أو يتصدق بها ويضمها لصاحبها، أو يستنفقُها على وجه السلف إن احتاج إليها ليغرمها لصاحبها، وقيل: ليس له هذا إلا أن يكون له وفاؤها وهو صحيح. فعلى هذا هم مجمعون على أنه لا يحل استنفاق لقطة مكة، وإنما اختلفوا فى غيرها بعد السنة، إلا ما ذكرناه على تأويل بعضهم، وسيأتى بقية الكلام عليها فى موضع ذلك من كتاب مسلم.
وقول العباس: إلا الإذخر. فقال: " إلا الإذخر ": وهو نَبْت معلوم، وقد قال ﵇: " إن الله حرمها ولم يحرمها الناس " (٣) فاستثناء النبى ﷺ الإذخر يدل على أنه مما لم يحرمه الله، وأن حرمتها هى فى نفسها من تحريم الله. ومن هذه المحرمات ما حرم الله ومنها ما حرمه ﵇ أو جميعها من تحريمه ﵇. وقال المهلب: وقد
стр. 2396
نَجْعَلهُ فِى بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِلا الإِذْخِرَ ".
ــ
يكون الجميع مما حرمه الله، لكن قد أعلم رسوله بتحليل المحرمات عند الاضطرار، فكان هذا من ذلك الأصل، فحكم فيه بذلك الحكم باجتهاده [﵇] (١).
وقوله: " ولا فاراً بخربة ": كذا رويناه هنا بفتح الخاء وبالراء والباء بواحدة، وفسره بعضهم بالبليّة، وبعضهم بالسرقة فى جامع البخارى (٢). وقال الخليل: هو [مشتق من] (٣) الخَارب وهو اللص المفسد فى الأرض. ويقال: ما رأيتُ من فلان خربة، أى فساداً فى دينه أو شيئاً. والخربة: الفساد فى الدين، وقد تقدم الكلام على معنى " لا يعيذ عاصياً ولا فارًا بدمٍ " والخلاف فيه، ويأتى بعد منه إن شاء الله. وضبطه الأصيلى فى صحيح البخارى (٤) بضم الخاء، ويصح على الفعلة الواحدة مما تقدم. ورواه الترمذى من بعض الطرق: " بِجزية " (٥)، وأراه وهماً.
وقوله: " اكتبوا لأبى شاه "، قال الإمام: فيه دليل على جواز تدوين العلم والسنن وكتبه فى الصحائف، ويحكى عن بعض السلف كراهية ذلك.
قال القاضى: من كرهه من السلف فلأحاديث رويت فى ذلك منها عن أبى سعيد: " استأذنا رسول الله ﷺ فى الكتابة فلم يأذن لنا " (٦)، وعن زيد بن ثابت: " أمرنا ﵇ ألا نكتب شيئاً " (٧)، وأخذ بذلك جماعة من الصحابة ومن بعدهم من التابعين، ومخافة الاتكال على الكتاب وترك الحفظ، ولئلا يكتب شىء مع القرآن، ثم جاءت أحاديث بالإذن فى الكتاب فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٨)، وأجازه معظم الصحابة والتابعين، ووقع عليه بعد الاتفاق، ودعت إليه الضرورة، لانتشار الطرق، وطول الأسانيد، واستنباط المقالات، وكثرة النوازل، مع قلة الحفظ وكلال الفهم.
وقوله: " من قتل له قتيل فهو بِخيْر النظرين؛ إما أن يُفدى، وإما أن يقتل ": فى الكلام اختصار، ومعناه: يفدى أى يقتل قاتله أو يَفدى، وتقيد عند بعض شيوخنا " يُقتل "، وهو أبين لا سيما مع رواية من روى: " يفادى "، ووقع فيه فى البخارى (٩) اختلاف فى
стр. 2397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللفظين، ووهم فى بعضها. وفى بعض رواياته: " إما أن يُفاد، وإما أن يعقل " وهو بمعنى ما تقدم. ففى قوله: " يَعْقل " و " يُفدى " حجة لإحدى الروايتين عن مالك أن أولياء القتيل بالخيار فى القتل، أو إلزام الدية للقاتل إجباراً، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور، وروى عن ابن المسيب وابن سيرين، وقال مالك أيضاً: ليس له إلا القتل أو العفو، ولا يجبر القاتل على الدية. وقد احتج من يقول بهذا القول بقوله فى بعض روايات البخارى: " يُفادى " (١) قال: وهذا لا يكون من اثنين، أى بتراضيهما وصلحهما على ذلك لا إجباراً.
стр. 2398
(٨٣) باب النهى عن حمل السلاح بمكة بلا حاجة
٤٤٩ - (١٣٥٦) حَدَّثَنِى سَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " لا يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السَّلاحَ ".
ــ
وقوله: " لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة ": هذا محمول عند أهل العلم على حمله لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كان خوف وحاجة إليها جاز وهو قول مالك والشافعى [وعطاء] (١)، وكرهه الحسن البصرى تمسكاً بظاهر هذا الحديث، وحجة الآخر: دخول النبى ﷺ عام القضية بأشرطة من السلاح؛ القراب بما فيه، ودخوله يوم الفتح وعلى رأسِه المغفر، وأنَّ للضرورة حالة، وشذ من الجماعة عكرمة فرأى عليه إذا احتاجَ إليه [وحمله] (٢) الفدية، ولعل هذا فى حاجته إلى المغفر والدرع وأشباهها، ولا يكون خلافاً منه فى دخول النبى ﵇ وعلى رأسه المغفر، وجاء فى الرواية الأخرى: " وعلى رأسه عمامة سوداء "، ووجه الجمع بينهما: أن أول دخوله كان وعلى رأسه المغفر، وبعد ذلك كانت عليه العمامة؛ بدليل حديث عمر وابن حريث عن أبيه، وذكره مسلم؛ أن النبى ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء، ولأن خطبته ﵇ إنما كانت بعد غلبته على مكة وعند باب الكعبة، ويحتمل أن جابراً الذى ذكر أنه دخل مكة وعليه عمامة، ولم يتعرض الذى دعته إليه ضرورة الحرب، فلا يستدل به على أنه دخلها حلالاً، ويعرض لما رآه عليه بعد نزعه المغفر من العمامة بعد روال عذر الخوف ووضع أوزار الحرب؛ بدليل قوله: " بغير إحرام " والأظهر أنه دخل ﵇ مكة غير محرم، وقد جاء فى حديث يحيى وقتيبة: " ولم يكن محرماً ". قال الباجى: وقد يحتمل أنه غطى رأسه لأذى أصابه، واضطره إليه ذلك الوقت، لو ثبت أنه دخل محرماً.
قال القاضى: وقول الكافة إن هذا خصوص للنبى ﵇ لقوله: " إنما أحلت لى ساعة من نهار " فخص منها بما لمَّ به غيره، ويكون كيف كان محرماً أو غيره مضطراً للباس المغفر، لما كان دخلها محارباً، ألا تراه لما غلب عليها وألقى أهلها بأيديهم، نزع المغفر عن رأسه، فيحتمل أن العمامة كانت تحت المغفر، صيانة لرأسه من برد المغفر وخشونته، فلما نزع المغفر ظهرت العمامة التى ذكر من ذكر أنه دخل مكة وهى على رأسه على ما ذكرناه. قال الخطابى: قيل: إنما أُحلت له فى تلك الساعة إراقةُ الدم دون الصيد وغيره، ما يحرم على المحرم.
стр. 2399
(٨٤) باب جواز دخول مكة بغير إحرام
٤٥٠ - (١٣٥٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلمَةَ القَعْنَبِىُّ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - أَمَّا القَعْنَبِىُّ فَقَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. وَأَمَّا قُتَيْبَةُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ - وَقَالَ يَحْيَى - وَاللفْظُ لهُ -: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَحَدَّثَكَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلىَ رَأْسِهِ مِغْفَرٌ، فَلمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: " اقْتُلوهُ "؟ فَقَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.
٤٥١ - (١٣٥٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارٍ الدُّهْنِىُّ - عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ - وَقَالَ قُتَيْبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - وَعَليْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
وَفِى رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ.
(...) حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حَكِيمٍ الأَوْدِىُّ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِىِّ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ يوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَليْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.
ــ
وقول القائل له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: " اقتلوه ": حجة للمالكية أنها يقام بها الحدود، وقد تقدم الخلاف فى ذلك، ولا حجة للمخالف بأنها أُحلت للنبى ﷺ ساعة من نهار. فالذى أحل له منها قتالها حتى استولى عليها. وقتله ابن خطل إنما كان بعد استيلائه عليه وإذعان أهلها. وإنما قتله بعد قوله: " ومن دخل المسجد فهو آمن " (١)، وقد دخل هذا المسجد؛ لأنه ممن لم يدخل فى أمانه، واستثناه وأمر بقتله وإن وجد متعلقاً بأستار الكعبة، على ما جاء فى الأحاديث الأخر، وقيل: لأنه ممن لم يلتزم الشرط وقاتل وبعد ذلك دخل المسجد، وكان قد ارتدّ عن الإسلام، وقتل مسلماً كان يخدمه، وجعل يهجو النبى ﷺ ويسبه. وقد احتج بعض أصحابنا بقتله على قتل من سب النبى ﷺ ، وهذا يضعف فى حق هذا للموجبات لقتله من غير هذا مما ذكرناه.
وقوله فى آخر الحديث من رواية مالك: فقال: " اقتلوه "، فقال: نعم، أى أن
стр. 2400
٤٥٢ - (١٣٥٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالا: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُسَاوِرٍ الوَرَّاقِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ وَعَليْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.
٤٥٣ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَالحَسَنُ الحُلْوَانِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُسَاوِرٍ الوَرَّاقِ. قَالَ: حَدَّثَنِى - وَفِى رِوَايَةِ الْحُلْوَانِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ عَمْرِو ابْنِ حُرَيْثٍ - عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى المنْبَرِ، وَعَليْه عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَلمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: عَلىَ المَنْبَرِ.
ــ
مالكاً قال ليحيى بن يحيى حين أكمل الحديث: نعم؛ لأن يحيى قال أولاً فى روايته: قلت لمالك: حدثك ابن شهاب، وذكر الحديث، فلما أكمله قال مالك: نعم، أى كذا حدثنى ابن شهاب. وقد وقع فى بعض نسخ مسلم ما ذكرناه مفسراً بهذه الزيادة، يريد به عندى، فقال مالك: نعم، ولم تكن هذه الزيادة عند أحد من شيوخنا، لكنه صحح المعنى على ما قلناه، وهذا هو الذى يسميه أهل الحديث الإقرار فى العرض، ويشترط بعض الظاهرية هذا القول من الشيخ فى صحة العرض عليه والقراءة، وقد جاء فى هذا الحديث وغيره أن مالكاً عمل به، وجاء عنه أنه أنكره مرة لمن سأله إياه وقال: لم أفرغ لكم نفسى وسمعت عرضكم، وأقمت سقطه وزلله. والصحيح أنه غير لازم؛ إذ سكوت الشيخ إقرار كنطقه؛ إذ لا يحتج من ذى دين أنه يقرّ على خطأ فى مثل هذا، فلا معنى لاشتراطه، وهو مذهب الكافة، ومن فعله فعلى طريق التأكيد لا اللزوم والشرط.
стр. 2401
(٨٥) باب فضل المدينة، ودعاء النبى ﷺ فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها. وبيان حدود حرمها
٤٥٤ - (١٣٦٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِىِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإِنِّى حَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّى دَعَوْتُ فِى صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَىْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ ".
ــ
وقوله: " إن إبراهيم حرّم مكة ودعا لأهلها ". وقد تقدم أن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ (٢)، وفى الحديث الآخر: " ولم يحرمها الناس " (٣)، [أى لم يعرفها الناس] (٤) من قبل أنفسهم كما حرم الجاهلية أشياء، وأما إبراهيم فيحتمل أن تحريمه إياها بإعلام الله له أنه حرمها، فتحريمه لها بتحريم الله لا من قبل اجتهاده ورأيه، أو وكل الله إليه تحريمها فكان عن أمر الله، فأضيف إلى الله مرة لذلك، ومرة إلى إبراهيم بحكمه، أو لأنه كما جاء فى الحديث: " دعا لها فكانت تحريم الله لها بدعوته ".
وقوله فى العمامة: " أرخى طرفها بين كتفيه ": حجة فى جواز إرخاء ذؤابة العمامة واستحبابه؛ لفعل النبى ﷺ له، وسيأتى فى كتاب اللباس حكمها وسنتها، ورواه بعض الرواة: " طرفيها " والأول الصواب المعروف.
وقوله ﵇: " وإنى حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة "، قال الإمام: مذهب مالك أن المدينة حرم لهذه الأحاديث، وأنكره أبو حنيفة، واحتجوا له بأن هذا مما يعم فلا يقبل فيه خبر الواحد، وبقوله ﵇ فى الحديث الآخر: " ما فَعل النغير يا أبا عمير؟ " (٥)
стр. 2402
٤٥٥ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ المُخْتَارِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلدٍ، حَدَّثَنِى سُليْمَانُ بْنُ بِلالٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا المَخْزُومِىُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، كُلهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى - هُوَ المَازِنِىُّ - بِهَذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا حَدِيثُ وُهَيْبٍ فَكَرِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِىِّ: " بِمِثْلَىْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ ". وَأَمَّا سُليْمَانُ بْنُ بِلالٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ المُخْتَارِ، فَفِى رِوَايَتِهِمَا: " مِثْلَ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ ".
٤٥٦ - (١٣٦١) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُضَرَ - عَنِ ابْنِ الهَادِ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ،
ــ
والجواب عن الأول: أن الحديث شهر (١) عند أهل النقل وكثر واتفق على صحته، وقد يكون بيانه ﵇ بياناً شافياً، ولكن اكتفى الناس بنقل الآحاد فيه، استغناء ببعض (٢) عن بعض.
وحديث النغير أجاب بعض أصحابنا [فيه] (٣) بجوابين:
أحدهما: أنه يمكن أن يكون قبل تحريم المدينة.
والثانى: يمكن أن يكون أدخله من الحل ولم يعده فى حرم المدينة.
قال: وهذا الجواب لا يلزم عندى على أصولهم، وقد ذكرنا من قولهم: إن الحلال إذا دخل الحرم بالصيد وجب عليه إطلاقه.
واختلف عندنا إذا صاد الصيد فى حرم المدينة، فالمشهور ألا يجزأ عليه؛ لأن إثبات الحرمة لا يوجب إثبات الجزاء، والأصل براءة الذمة. وقال ابن نافع: فيه الجزاء، وقاسه على حرم مكة.
قال القاضى: ومثل قول ابن نافع هذا قال ابن أبى ذئب وابن أبى ليلى وحكى القاضى أبو الحسن بن القصار عن بعض أصحابنا أنه لا يشبه بمذهب مالك. واختلف قول الشافعى فى ذلك، وكافة الناس على خلاف هذا القول، كما أنهم مخالفون لأبى حنيفة فى إباحة صيدها وقطع شجرها وحلها، وقد روى عن مالك كراهة أكله، قال: وليس كالذى يُصاد بمكة. قال بعض شيوخنا: وعلى القول فيه بالجزاء يكون حراماً.
стр. 2403
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا " - يُرِيدُ المَدِينَةَ.
٤٥٧ - (...) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ خَطَبَ النَّاسَ، فَذَكَرَ مَكَّةَ وَأَهْلهَا وَحُرْمَتَهَا، وَلمْ يَذْكُرِ المَدِينَةَ وَأَهْلهَا وَحُرْمَتَهَا. فَنَادَاهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ. فَقَالَ: مَالِى أَسْمَعُكَ ذَكَرْتَ مَكَّةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، وَلمْ تَذْكُرِ المَدِينَةَ وَأَهْلهَا وَحُرْمَتَهَا، وَقَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا، وَذَلِكَ عَنْدَنَا فِى أَدِيمٍ خَوْلانِىٍّ، إِنْ شِئْتَ أَقْرَأتُكَهُ. قَالَ: فَسَكَتَ مَرْوَانُ ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ ذَلِكَ.
ــ
وقوله: " ما بين [لابتيها] (١) حرام "، قال الإمام: قال الأصمعى: اللابة: الأرض ذات الحجارة السود، وجمعها لابات فى القليل، ولاب ولوب فى الكثير، مثل قارة وقور، وشاجة وشوج، وباحة وبوح. قال الهروى: يقال: ما بين لابتيها أجهل من فلان، أى ما بين طرفى المدينة.
قال القاضى: قال ابن حبيب: اللابتان: الحرتان؛ الشرقية والغربية. وللمدينة حرتان أخريان؛ حرة فى القبلة وحرة فى الجوف، ويرجع كلها إلى الحريين الغربية والشرقية لاتصالهما بهما؛ ولذلك حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتيها جميع دورها كلها فى اللابتين، وقد ردها حسان كلها حرة واحدة لاتصالها، فقال:
لنا حَرّة ما طورة بجبالها ... بنى العز فيها بيته فتأثَّلا
ومعنى " ما طورة " معطوفة بجبالها لاستدارتها.
وقوله: " لا تقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها ": نص فى تحريم الصيد وقطع شجرها، على ما تقدم لجمهور العلماء، خلافاً لأبى حنيفة وأصحابه فى إباحة ذلك فيها.
والعضاه، مقصور: شجر له: شوك، واحده عضاهة وعِضهة وعضة، كالطلح والعوسج والبينوت. قال الخليل: ويقال له السدر أيضاً، مما له أرومة تبقى على الشتاء. قال أبو زيد: هو ما غلظ منه. قال ابن حبيب: أو تحريم النبى ﷺ ما بين لابتى المدينة إنما ذلك فى الصيد خاصة، وأما فى قطع الشجر فبريد فى بريد فى دور المدينة كلها، بذلك أخبر مُطَرِّف عن مالك، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن وهب.
وقد ذكر مسلم فى بعض طرقه: " إنى أحرم ما بين جبليها " وفى حديث أبى هريرة: " وجعل اثنى عشر ميلاً حول المدينة حِمًى " وهذا تفسير لما ذكره ابن وهب ورواه مطرف
стр. 2404
٤٥٨ - (١٣٦٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى أَحْمَدَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّى حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا، لا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلا يُصَادُ صَيدُهَا ".
٤٥٩ - (١٣٦٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابِتَىِ المَدِينَةِ، أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا ". وَقَال: " المَدِينَةُ خَيْرٌ لهُمْ لوْ كَانُوا يَعْلمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَبْدَلَ اللهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلى لأَوَائِهَا وَجَهْدِهَا، إِلا كُنْتُ لهُ شَفِيعًا - أَوْ شَهِيدًا - يَوْمَ القِيامَةِ ".
ــ
عن مالك وعمر بن عبد العزيز، قال المهلب: قَطع النبى ﷺ النخل فيها حتى بنى مسجده، يدل أن النهى لا يتوجه لقطع شجرها للعمارة وجهة الإصلاح، وأن يقطع شجراؤها وشوكها ليتخذ موضعه بنياناً وعمارة، وأنَّ توجّه النهى إنما هو القطع للفساد لبهجة المدينة وخضرتها، فى عين الوارد عليها والمهاجر إليها.
قال القاضى: وقد ذكر ابن نافع عن مالك نحو هذا، قال: إنما نهى عنه لئلا يتوحش، ويبقى فيها شجرها ليستأنس به، ويستظل به من هاجر إليها. وحكى الخطابى وغيره أن قطع الشوك غير ممنوع لما فيه من الضرر، وقد ذكر مسلم فى حديث نغير: " ولا يختلا شوكها "، وقيل: بل قطعه ﵇ للنخيل إنما هو قطع لما غرسه الآدمى، والنهى إنما يتوجه إلى ما أثبته الله مما لا صنع فيه لآدمى.
وقوله: " لا يثبت أحد على لأوائها "، وفى الرواية الأخرى: " لا يصبر على لأوائها وجهدها ": اللأواء، ممدود، قال الإمام: هو الجوع وشدة الكسب.
قال القاضى: وتفسيره قوله: " وجهدها "، وقيل: يحتمل أن تعود الشدة على الجوع، وعلى كل ما يشتد معه سُكناها ويستضر به.
وقوله: " إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة ": سئلنا قديماً عن معنى هذا ولم خصص ﵇ ساكن المدينة بهذا من شفاعته، ومع ما يثبت من ادخاره إياها لجميع أمته، وهل " أو " هنا للشك أو لغيره؟ ولنا على هذا جواب شافع مقنع فى أوراق اعترف بصوابه كل من وقف عليه، نذكر منه هنا لمعنى تليق بالموضع: والأظهر أن " أو "
стр. 2405
٤٦٠ - (...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الأَنْصَارِىُّ، أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
ــ
هنا ليست للشك، خلاف من ذهب من شيوخنا إلى ذلك؛ إذ قد روى هذا الحديث جابر، وأبو هريرة، وابن عمرو، وأبو سعيد، وسعد بن أبى وقاص، وأسماء بنت عميس، وصفية بنت أبى عبيد، عن النبى ﷺ بهذا اللفظ، وبعيد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك ووقوعه من جميعهم وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه كذا قاله النبى ﵇ فإما أن يكون أعلم ﵇ بهذه الجملة هكذا أو تكون [أو] (١) للتقسيم، ويكون أهل المدينة صنفين؛ شهيداً لبعضهم، وشفيعاً لآخرين، إما شفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين، أو شهيداً لمن مات فى حياته وشفيعاً لمن مات بعده، أو غير ذلك مما الله [أعلم] (٢) به، وهذه خاصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين فى القيامة، وعلى شهادته على جميع الأمة، وقد قال ﵇ فى شهداء أحد: " أنا شهيد على هؤلاء " فيكون لتخصيصهم بهذا كله زيادة منزلة وغبطة وحظوة.
وقد تكون " أو " هنا هى التى بمعنى الواو، فيكون لأهل المدينة شهيداً وشفيعاً، وقد روى: " إلا كنت له شهيداً أو له شفيعاً "، وإذا جعلناها للشك - كما ذهب إليه المشايخ - فإن كانت اللفظة الصحيحة الشهادة اندفع الاعتراض؛ إذ هى زائدة على الشفاعة المدخرة المجردة لغيرهم، وإن كانت اللفظة الصحيحة الشفاعة فاختصاص أهل المدينة بهذا، مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع أمته، أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التى هى لإخراج أمته من النار، ومعافاة بعضهم منها بشفاعته فى القيامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو ما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة والمبرة؛ من إيوائهم فى ظل عرش الرحمن، أو كونهم فى روح وعلى منابرٍ، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص المبرات الواردة لبعض دون بعض فى الآخرة - والله أعلم.
وقوله: " لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه ": ذهب بعضهم أن هذا خصوص مدة حياته ﵇ وقال آخرون: هو عموم أبداً، وهذا أظهر؛ لقوله فى الحديث الآخر أول الكلام: " يأتى على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذى نفسى بيده، لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف الله فيها من هو خير منه " الحديث، وأن كلامه ﵇ ممن يخرج عنها ممن كان مستوطناً بها.
стр. 2406
قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. وَزَادَ فِى الحَدِيثِ: " وَلا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلا أَذَابَهُ اللهُ فِى النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أَوْ ذَوْبَ المِلحِ فِى المَاءِ ".
٤٦١ - (١٣٦٤) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنِ العَقدِىِّ. قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالعَقيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أَوْ يَخْبِطَهُ، فَسَلبَهُ. فَلْمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ العَبْدِ، فَكَلمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلى غُلامِهِمْ،
ــ
وقوله: " من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله فى النار ذَوْبَ الرصاص ": هذه الزيادة فى النار ترفع إشكال الأحاديث التى لم تذكر فيها، وأن هذا حكمه فى الآخرة، وقد يكون المراد به من أرادها فى حياة النبى ﷺ فى الدنيا، فيكفى أمره، ويضمحل كيده كما يضمحل الرصاص، ويكون فى " النار " مقدماً فى اللفظ، كما قال فى الحديث الآخر: " كما يذوب الملح فى الماء "، أو يكون ذلك لمن أرادها فى الدنيا فلا يمهله الله، ولا يُمكن سلطانه، ويذهبه عن قرب، كما انقضى من شأن من حاربها أيام بنى أمية مثل مسلم بن عقبة، وهلاكه منصرفه عنها، ثم هلاك يزيد بن معاوية مرسلة على إثر ذلك، وغيرهم ممن صنع مثل صنيعهم.
قيل: قد يكون الحديث فيمن كادها مغتالاً وطلب غرتها، فلا يتم له ذلك، خلاف من أتى ذلك جهارًا كالأمراء الذين استباحوها على ظاهر لفظة الحديث: " لا يكيد "، وهى فى الباب: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعمرو الناقد، كلاهما عن أبى حامد، قال أبو بكر: ثنا محمد بن عبد الله الأسدى (١)، وعند العذرى: الأزدى، وهو خطأ. وفيه فى حديث ابن أبى شيبة ثنا عامر بن سعد (٢): " فسلبه " الذى يقطع شجراً، عن أبيه. وعند الصفدى: عمرو، والصواب عامر.
وذكر فى الحديث عن سعد: سَلبَهُ الذى يقطع شجرًا أو يخبطه. وقال لما كلم فى ذلك: " معاذ الله أن أرد شيئاً نفَّلنيه رسول الله ﷺ ". حجة فى تحريم المدينة ومنع لقطع شجرها، وعضد للحديث الآخر عنه ﵇: " من وجدتموه يصيد فى حرم المدينة
стр. 2407
أَوْ عَليْهِمْ، مَا أَخَذَ مِنْ غُلامِهِمْ. فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ، أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلنِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَليْهِمْ.
٤٦٢ - (١٣٦٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْن أَبِى عَمْرٍو، مَوْلى المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِى طَلْحَةَ: " التَمِس لِى غُلامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِى ". فَخَرَجَ بِى أَبُو طَلْحَةَ يَرْدِفُنِى وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُلمَا نَزَلَ. وَقَالَ فِى الحَدِيثِ: ثُمَّ أَقَبَلَ، حَتَّى إِذَا بَدَا لهُ أُحُدٌ قَالَ: " هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ "، فَلمَّا أَشْرَفَ عَلى المَدِينَةِ قَالَ: " اللهُمَّ، إِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَليْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ. اللهُمَّ، بَارِكْ لهُمْ فِى مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ ".
ــ
ويقطع شجرها فخذوا سلبه " (١)، ولم يثبت عند أئمة الفتوى هذا الحكم، فلم يقله أحد منهم بعد زمن الصحابة إلا الشافعى فى قوله القديم، فى صيد المدينة يؤخذ سلبه وفى فعل سعد (٢). وما روى عن غيره من الصحابة فى الأمهات، من إنكارهم صيد حرم المدينة، وإطلاقه من يد من وجدوه، وتأديبهم عليه، واحتجاجهم تحريم النبى ﷺ لها، وكثرة من روى ذلك - يرد حجة أبى حنيفة المتقدمة. وقد ذكر مسلم من ذلك حديث أنس ورافع ابن خديج وعبد الله بن زيد بن عاصم وجابر وسعد وعلى وأبى هريرة وأبى سعيد وسهل ابن حنيف سوى من ذكر غيره.
وقوله: [فى جبل أحد] (٣) " هذا جبل يحبنا ونحبه "، قال الإمام: قيل: المراد: يحبنا أهله، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (٤)، أى حب العجل، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥) أى أهلها.
قال القاضى: وقيل: هو على ضرب آخر من المجاز، أى نحن نحبه ونستبشر برؤيته، فلو كان هو ممن يعقل لأحبنا على سبيل مطابقة الكلام ومجانسة الألفاظ. وقيل: يحتمل
стр. 2408
(...) وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ القَارِىُّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " إِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابِتَيْهَا ".
٤٦٣ - (١٣٦٦) وَحَدَّثَنَاهُ حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا. قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِى: هَذِهِ شَدِيدَةٌ: " مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلاً ". قَالَ: فَقَالَ ابْنُ أَنَسٍ: أَوْ آوَى مُحْدِثًا.
ــ
أن يكون حقيقة، وأن الله جعل فيه أو [فى] (١) بعضه إدراكاً ومحبة، كما قيل فى تسبيح الحصى، وحنين الجذع وشبه ذلك، وتكون هذه من خوارق العادات، وجملة الآيات، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: أن محبتنا له محبة من يعتقد أنه يحبنا، وقيل: أن تكون المحبة هنا عبارة عن الانتفاع بمن يحبنا فى الحماية والنصرة.
وقوله: " من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً ": [أى أتى إثماً، أو آوى من أتاه وحماه وضمه إليه، وهو نحو قوله تعالى فى مكة: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢)، ويقال: آوَى وَأوَى، فى اللازم والمتعدى، والقصر فى اللازم أشهر، والمد فى المتعدى أكثر، ولم نرو هذا الحرف إلا محدثاً، بالكسر] (٣).
قال الإمام: " فى محدث " روايتان، فتح الدال وكسرها، فمن فتح نسبة إلى نفس الأحداث، ومن كسر نسبة إلى فاعل الحدث.
قال القاضى: وقوله ﵇: " فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً ": وعيد شديد لمن فعل ذلك، ممن استحل حرمتها، أو أحدث فيها. وقد استدلوا لما جاءت به اللعنة أنه من الكبائر.
وقوله آخر الحديث من رواية حامد بن عمر: " قال: فقال ابن أنس: أو آوى محدثاً ": كذا عند عامة شيوخنا: " فقال ابن أنس " وهو الصحيح إن شاء الله، أن ابن أنس ذكّر أباه هذه الزيادة، وإلا فسياق الحديث كان من أوله من كلام أنس، فلا وجه لاستدراكه على هذا هو تلك اللفظة. وقد وقعت أول الحديث نفسه فى سياق أنس فى أكثر الروايات،
стр. 2409
٤٦٤ - (١٣٦٧) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ
ــ
وسقطت عند السمرقندى. وسقوطها هناك، يشبه أن يكون الصحيح؛ ولذلك استدركت آخر الحديث - والله أعلم.
وقوله: " لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً "، قال الإمام: اختلف فى تفسير ذلك، فقيل: الصرف: الفريضة، والعدل: التطوع. وقال الحسن: الصرف: النافلة، والعدل: الفريضة. وقال الأصمعى: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية. وروى ذلك عن النبى ﷺ . وقال يونس: الصرف: الاكتساب، والعدل: الفدية. وقال أبو عبيدة: العدل: الحيلة، وقال قوم: العدل: المثل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (١) [معناه: صومتك ذلك صياماً] (٢)، وقال بعضهم: العَدل والعِدل لغتان، لا فرق بينهما كالسَّلم والسِّلم. وقال الفراء: العَدل: ما عادل الشىء من غير جنسه. والعدلُ: ما عادل الشىء من جنسه. يقال: عندى عَدل ثوبك، أى قيمته.
قال القاضى: وقيل: الصرف: الدية، والعدل: الزيادة، وروى عن الحسن فى معنى الصرف هنا التصرف فى العمل، فيحتمل أن يكون ما أوعد به من ترك قبول التوبة على ما فسّر به الصرف، وهى معرضة لجميع العاصين فى قبوله الطاعات، ولا يحبطها إلا الكفر على ما فسر به الصرف. والعدل إما أن يكون فعل ذلك مستحلاً، فأحبط الكفر أعماله، ولا يصح توبته إلا برجوعه إلى الإسلام، لا بإقلاعه عن ذلك الذنب وحده.
وقيل: المراد هاهنا: لا يقبل توبته فى الآخرة، وهو فى الحديث مفسر: " لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً "، أى لا يعف عن ذنبه هذا فى الآخرة، واعترافه بخطئه فيه، إن لم يتب منه فى الدنيا، وأما توبة الدنيا فمقبولة إن شاء الله من كل ذنب. وسيأتى الكلام على ذلك فى موضعه إن شاء الله.
وقيل: يكون أيضاً معنى: لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضى، وإن قبلت قبول جزاء؛ لأن الله لا يظلم عباده مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها. وقيل: قد يكون القبول هنا عبارة عن تكفير تلك السيئة والذنب بها، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٣). وتكون معنى الفدية هاهنا: لا يجد فى القيامة فِدى يفتدى به، بخلاف غيره من المذنبين الذين جاء من تفضل الله على من شاء منهم أن يفديه من النار باليهود والنصارى، ومن شاء من الكفار.
وقيل: معنى لعنة الله هنا: يحتمل أن يراد به العذاب الذى يستوجبه على ذنبه، والطرد عن الجنان أولاً، ودخول النار حتى يخرجه الله منها. واللعنة معناها: الإبعاد،
стр. 2410
الأَحْوَلُ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، هِىَ حَرَامٌ، لا يُخْتَلى خَلاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
٤٦٥ - (١٣٦٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا قُرِئ عَلَيْهِ - عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لا اللهُمَّ، بَارِكْ لهُمْ فِى مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لهُمْ فِى صَاعِهِمْ، وَبَارِكْ لهُمْ فِى مُدِّهِمْ ".
٤٦٦ - (١٣٦٩) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّامِىِّ، قَالا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ يُحَدَّثُ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ، اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَىْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ ".
ــ
ولا يكون هذا كلعنة الكفار الذين يبعدون عن رحمة الله رأساً.
ولعنة الملائكة والناس هنا: الدعاء عليهم بمثل هذا. وقد يكون لعنة الملائكة هنا ترك الدعاء لهم والاستغفار وإبعادهم عنه، وإخراجهم من جملة المؤمنين الذين يستغفرون لهم، كما حكى الله تعالى عنهم.
وقوله: " اللهم بارك لهم فى مكيالهم وصاعهم ومدهم ": البركة تكون بمعنى النماء والزيادة، وتكون بمعنى الثبات واللزوم.
فقيل: يحتمل أن تكون هذه البركة دينية بما تتعلق بهذه المقادير من حقوق الله فى الزكوات والكفارات، فيكون هنا بمعنى الثبات والبقاء بها للحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها.
وتكون دنيوية من تكثير المكيل، والقدر بهذه الأكيال حتى يجزئ منه، ويكفى ما لا يجزى من غيره فى غير المدينة ومكانتها، أو ترجع البركة إلى التصرف بها فى التجارة وأرباحها، أو إلى كثرة ما يكال بها من غلاتهم وثمارهم، أو يكون للزيادة فيما يكال بها؛ لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم، ووسع من فضله لهم وملكهم من بلاد الخصب والريف من الشام والعراق ومصر، حتى كثر الحملُ إلى المدينة، واتسع عيشهم، وانتقلوا عن ذلك إلى حال آخر، ورغد سائغ، حتى صارت هذه البركة فى الكيل نفسه غير ذلك، فانتقلوا عن مقاديرهم فى عيشهم المعلوم، من مد النبى ﵇ إلى المد الهاشمى فزادوا فى مدهم مثل نصفه أو ثلثه أو مثله على الخلاف فى مقداره، فى هذا كله ظهور إجابة دعوة النبى ﷺ لهم، وقبولها، قالوا: وفيه الندب إلى استعمال الكيل فيما يكال، وقيل: يحتمل أن هذا خاص بزمنه وزمن من تلاه من أئمة الحق بعده.
стр. 2411
٤٦٧ - (١٣٧٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلا كِتَابَ اللهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ - قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلقَةٌ فِى قِرَابِ سَيْفِهِ - فَقْدَ كَذَبَ، فِيهَا أَسْنَانُ الإِبْلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا قَالَ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ
ــ
وقوله فى حديث على - رضى الله عنه -: " من زعم أن عندنا شيئاً نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب ": ردّ على الرافضة والشيعة فيما تدّعيه من إيداع أسرار العلم والشريعة لآل البيت، وتخصيصهم بما لم يطلع عليه سواهم، وتكذيب لهم، وهو مراد على - رضى الله عنه - بقوله هذا، وفيه أن علياً ممن كتب العلم قديماً، وممن كان يجيز كتب الحديث والعلم، وقد تقدم الكلام فى ذلك والخلاف فيه.
وقوله: " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور ": كذا للرواة، وللعذرى: " عاير " بألف، هذان الاسمان هما اللذان جاءا فى الحديث الآخر، من كذا إلى كذا، فإما أن يكون فى ذاك الحديث لم يضبط الراوى الاسمين، أو كنى عنهما لإنكار مصعب الزبيرى وغيره هذين الكلمتين، وقال: ليس بالمدينة عير ولا ثور. قالوا: وإنما ثور بمكة. وقال الزبير: عير جبل بناحية المدينة. وأكثر الرواة فى كتاب البخارى (١) ذكروا عيراً. وأما ثور، فمنهم من كنى عنه [بكذا] (٢)، ومنهم من ترك مكانه بياضاً، إذ اعتقدوا الخطأ فى ذكره.
قال الإمام: قال بعض العلماء: ثور ها هنا وهْمٌ من الراوى؛ لأن ثوراً بمكة، والصحيح الى أُحد.
قال القاضى: كذا قال أبو عبيد، كان الحديث أصله: " من عير إلى أحد " (٣)، وذكر ما جاء فى هذا الحديث من الوعيد واللعنة على من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى لغير مواليه، مما يدل على عظم ذلك، لما فيه من كفر النعمة للمنعمين بالعتق وحق الآباء وولائهم وتربيتهم صغاراً، وتكلف مؤنهم من قطع الأنساب والأرحام التى أمر الله أن
стр. 2412
أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهِ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلاً، وَذِمَّةُ المُسْلِمينَ وَاحدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلاً ".
وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِى بَكْرٍ وَزُهَيْرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: " يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ " وَلمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثَيْهِمَا: مُعَلقَةٌ فِى قِرَابِ سَيْفِهِ.
٤٦٨ - (...) وَحَدَّثَنِى عَلى بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِى كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ إِلَى آخِرِهِ. وَزَادَ فِى الحَدِيثِ: " فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَليْهِ لعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌ، وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهِمَا: " مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ "، وَلَيْسَ فِى رِوَايَةِ وَكِيعٍ ذِكْرُ يَوْمِ القِيَامَةِ.
(...) وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ المُقَدَّمِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَوَكِيعٍ. إِلا قَوْلهُ: " مَنْ تَوَلى غَيْرَ مَوَالِيهِ " وَذِكْرَ اللعْنَةِ لهُ.
ــ
توصل، واختلاط ذلك، ونقل المواريث وحقوق الولاء والولاية لغير أربابها، وظلمهم بذلك. وليس قوله: " بغير إذنهم " كالشرط لهذا المنع حتى يباح بالإذن، لكنه كالتأكيد والتنبيه على حق من له حق فى ذلك، والافتيات عليهم فيه، وقد يحتج بهذه اللفظة من يجيز هبة الولاء وبيعه، وسيأتى فى العتق. قال الداودى: ويحتمل قول: " من تولى قوماً بغير إذن مواليه " الحلف. ويحتمل الموالاة. قال: وفى الحديث المنع من مولاة من أقام بمكة من المسلمين بعد خروج النبى ﷺ عنها إلى أن فتحت.
وقوله: " وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم "، قال الإمام: فيه دلالة لمن أجاز أمان المرأة، ومن فى معناه، وقد تقدم القول فى ذلك.
وقوله: " فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله ": يعنى نقض عهده.
قال القاضى: يقال: أخفرت الرجل: إذا غدرته، وخفرته: إذا أجرته.
وقوله: " لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها ": يعنى أن ترعى، وقيل: معنى " ترتع ": تسعى وتنبسط. والرتْعة بسكون التاء: حركتها للاتباع فى الخصب.
جَاؤُوا بِهِ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: " اللهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِى ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِى مَدِينَتِنَا، وَبَارك لَنَا فِى صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فى مُدِّنَا. اللَّهُمَّ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّى عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّى أَدْعُوكَ لِلمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ ". قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ.
٤٧٤ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ المَدَنِىُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِأَوَّلِ الثَّمَرِ فَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِى مَدِينَتِنَا وَفِى ثِمَارِنَا وَفِى مُدِّنَا وَفِى صَاعِنَا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ ". ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الوِلدَانِ.
ــ
دعائه فيه. وفى المدينة كانوا يفعلون ذلك رغبة فى دعائه، ورجاء تمام ثمرهم لبركة ذلك، وإعلاماً له ﵇ بابتداء صلاحها؛ لما يتعلق بها من حقوق الزكاة [والشرع وتوبة الخرّاص وبيان الزكاة] (١) وقد روى الخشنى هذا الحديث عن مالك أنه ﵇ كان إذا أخذ ذلك، وضعه على وجهه، ثم قال ما تقدم.
وفيه تخصيص الرئيس فى العلم والسلطان بالهدية والطرفة تفضيلاً له، وتقديماً ورجاء بركة دعائه. وفيه ما كان عليه ﵇ من الرفق بالصغير والكبير، ومراعاة حقوق كل صنف منهم بحسبه، ودفع هذه الطرفة للصغار؛ إذ هم أولى بذلك لشدة حرصهم على مثل ذلك، وإعجابهم به، وقيل: يحتمل أن يفعل ذلك لطلب الأجر بدفعه لمن لا ذنب له، وإدخال المسرة عليه بذلك، وتخصيصه ذلك بأصغر وليد يحضره، لما لم يكن لقلتِه فيه ما نقسم على الولدان رحم أصغرهم به؛ إذ هو أولى بالألطاف ولقلة صبره، وحرصه وشرهه على مثل هذا بحسب صغره، وكلما كبر تخلق بأخلاق الرجال من الصبر والحياء وسماحة النفس، وقلة الشره.
قال الإمام: وقد يكون لى فى معناه: أنه ﵇ فعله تفاؤلاً بنمو الثمرة وزيادتها بأن يدفعها إلى من هو فى سن النماء والزيادة، ويكون هذا نحو ما تأول أهل العلم فى قلب الرداء فى الاستسقاء؛ أنه تفاءل لأن ينقلب الجدب خصباً.
стр. 2415
(٨٦) باب الترغيب فى سكنى المدينة، والصبر على لأوائها
٤٧٥ - (١٣٧٤) حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُليَّةَ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ مَوْلى المَهْرِىِّ؛ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بِالمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ، وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، فَقَالَ لهُ: إِنِّى كَثِيرُ العِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُلَ عِيَالِى إِلى بَعْضِ الرِّيفِ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ، لَا تَفْعَلِ، الزَمِ المَدِينَةَ، فَإِنَّا خَرَجَنَا مَعَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ: حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بِهَا ليَالِىَ. فَقَالَ النَّاسُ: وَاللهِ، مَا نَحْنُ هَاهُنَا فِى شَىْءٍ، وَإِنَّ عِيَالنَا لخُلوفٌ. مَا نَأْمَنُ عَليْهِمْ. فَبَلغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: " مَا هَذَا الذِى بَلغَنِى مِنْ حَدِيثِكُمْ؟ - مَا أَدْرِى كَيْفَ قَالَ - وَالذِى أَحْلِفُ بِهِ، أَوْ وَالذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لقَدْ هَمَمْتُ أَوْ إِنْ شِئْتُمْ - لا أَدْرِى أَيَّتُهُمَا قَالَ - لآمُرَنَّ بِنَاقَتِى تُرْحَلُ، ثُمَّ لَا أَحُلُّ لهَا عُقْدَةً حَتَّى أَقْدِمَ المَدِينَةَ ". وَقَالَ: " اللهُمَّ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّم مَكَّةَ فَجَعَلهَا حَرَمًا، وَإِنِّى حَرَّمْتُ المَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأزِمَيْهَا، أَلا يُهَرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلا يُحْمَلَ فِيهَا
ــ
وقوله فى حديث أبى سعيد: " إن عيالنا لخُلوف " بضم الخاء، قال الإمام: أى لا راعى لهم ولا حامى. قال الأزهرى: يقال: الحى الخلوف، بمعنى المتخلفين المقيمين فى الدار، وبمعنى الغُيَّب الطاعنين.
وقوله فى هذا الحديث: " ما هذا الذى يبلغنى من حديثكم - ما أدرى كيف قال - والذى أحلف به، أو الذى نفسى بيده ": شك من أبى سعيد فى أحد القسمين، وتحرى رواية لفظ النبى ﷺ .
وقوله: " لآمرن براحلتى ترحل ثم لا أحل لها عقدة حتى آتى المدينة ": أى لا أحل من رباط رحلى عليها شيئاً، بل أصل سيرى، وأدأبه حتى أصل المدينة ولا أريح ركابى، ولا أنزل عنها منزلاً لا أحط فيه عنها.
وقوله: " حراما ما بين مأزمَيْها " بكسر الزاى، أى جبليها، كما قال فى الحديث الآخر: " جبليها "، وبه فسر ابن شعبان " مأزمى مكة ". وأما ابن دريد فى الجمهرة فقال: المأزم: المضايق، ومنه: مأزمى مِنى، وهذا يقرب مما تقدم؛ لأن المضايق متقطع الجبال بعضها من بعض.
وقوله فى هذا الحديث: " لا يحمل فيها سلاح، ولا يخبط فيها شجرة ": تسويتها
стр. 2416
سلاحٌ لِقِتَالٍ، وَلا يُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلا لِعَلفٍ. اللهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِى مَدِينَتِنَا. اللَّهُمَّ، بَارِكْ لنَا فِى صَاعِنَا. اللهُمَّ، بَارَكْ لَنَا فِى مُدِّنَا. اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى صَاعِنَا. اللهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِى مُدِّنَا. اللهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِى مَدِينَتِنَا. اللَّهُمَّ، اجْعَلْ مَعَ البَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ. وَالذِى نَفْسِى بيَدِهِ، مَا مِنَ المَدِينَةِ شِعْبٌ وَلا نَقْبٌ إِلا عَلَيْهِ مَلكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِليْهَا ". ثُمَّ قَالَ للنَّاس: " ارْتَحِلُوا "، فَارْتَحَلنَا، فَأَقْبَلْنَا إِلَى المَدِينَةِ، فَوَ الذِى نَحْلِفُ بِهِ أَوْ يُحْلفُ بِهِ - الشَّكُّ مِنْ حَمَّادٍ - مَا وَضَعْنَا رِحَالنَا - حِينَ دَخَلنَا المَدِينَةَ - حَتَّى أَغَارَ عَليْنَا بَنُو عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَىْءٌ.
ــ
فى حرمة مكة فى كل الأمور، ورد على أبى حنيفة. وقد جاء فى الحديث الآخر: " لا يختلى خلاها " كما قال فى مكة.
وقوله: " لا يخبط فيها شجرة إلا لعلف ": حجة على جواز أخذ الورق للعلف، وإنه بخلاف قطع الأغصان، وخبطها ليتكسر حطباً، ولم يقع هذا الاستثناء فى حديث تحريم مكة، ويفسر هذا الاستثناء - والله أعلم - الحديث الآخر: " لا يخبط ولا يعضد، ولكن يهش هشاً رفيقاً "، والهش: تحريك الغصن ليسقط ورقه [قال صاحب العين، وقال غيره: هو خبط الشجر بالعصا ليسقط ورقه] (١)، قال الله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ (٢) على ظاهره، ومعناه: لا تخبط لتكسر أغصانها، ولا يجوز أن يؤخذ منها إلا أن يحرك أو يضرب ضرباً رفيقاً لأخذ الورق للعلف.
وقوله: " ما من المدينة شِعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها ": فيه فضل المدينة وحمايتها فى حياة النبى ﵇ من العدو. والشِعب بكسر الشين: هو ما انفرج ما بين الجبلين. وقال يعقوب: هو الطريق فى الجبل. والنقَبُ، بفتح النون وضمها، مثله. وقيل: الطريق على رأس الجبل.
قال الإمام: قال الأخفش: أنقاب المدينة طرقها وفجاجها.
قال القاضى: وقوله: " ارتحلوا ": فيه ما كان عليه ﵇ من مساعدة المسلمين والتيسير عليهم فى أمورهم.
وقوله: " فما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة، حتى أغار علينا بنو عبد الله بن غطفان، وما يهيجهم قبل ذلك بشىء ": يعنى أن المدينة فى مغيبهم لم يحركهم عدو ولا
٤٨٠ - (١٣٧٦) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةَ، عن هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهِىَ وَبِيئَةٌ، فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ وَاشْتَكَى بِلالٌ، فَلْمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ: " اللَّهُمَّ، حَبِّبْ إليْنَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِى صَاعَهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلىَ الجُحْفَةِ ".
(...) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
اسمهم، كذا حدثنا به أبو محمد الخشنى عن الطبرى عن الفارسى: بنو عبد الله على الصواب، وعند سائر شيوخنا. ونسخ مسلم من طريق ابن ماهان والجلودى: بنو عُبيد الله وهو خطأ. والجلاء بالفتح والمد: الانتقال عن الوطن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ (١).
وقوله: " قدمنا المدينة وهى وبيئة ": يقال: أرض وبيئة، مهموز مخفف؛ إذا كانت ذات وباء. هذا - والله أعلم - غير مخالف لنهيه ﵇ عن القدوم عليه إذا سمع به بأرض؛ لأن ذلك فى الوباء العام، والطواعن النازلة، وهذا إنما هو من حال البلاد الوحمة بحرارة هَوائها، وقد يألفها الساكنون بها، ويختلف فيها حال النازل والوارد عليها، فتعتريهم أمراض لاختلاف الهواء عليهم، وقد نصب ذلك أهلها، وقد يستقلون منه كسائر الأمراض باختلاف. ووباء الطاعون إنما هو موت ذريع، وقد يقال: إن هذا قبل نهيه ﵇ عن ذلك، كما كان؛ لأن هذا الحديث فى أول الهجرة والإسلام.
وقوله: " وصححها وحول حماها إلى [الجُحفَةِ] (٢) "، قال الإمام: قال بعض أهل العلم: كان سكانها يومئذ كفارًا.
قال القاضى: قال الخطابى: كانوا يهوداً. وفيه جواز الدعاء على العدو الكافر بما يهلكه، ويشغله عن المسلمين، والدعاء للمسلمين بالصحة والسلامة، وفيه حجة لكافة المسلمين فى جواز الدعاء بالخير وكشف الضر، خلافاً لبعض المتصوفة فى أن [هذا] (٣) عندهم قدح فى التوكل والرضا، وللمعتزلة فى قولهم: إنه لا فائدة فى الدعاء مع سابق القدر. والدعاء عندنا عبادة لا يأتى ولا يستجاب منه إلا ما سبق فى القدر كونه، خلافاً لمن
стр. 2419
٤٨١ - (١٣٧٧) حَدَّثَنِى زُهَيْرٌ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ صَبَرَ عَلى لأَوَائِهَا، كُنْتُ لهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ ".
٤٨٢ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ الأَجْدَعِ، عَنْ يُحَنَّسَ مَوْلى الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِى الفِتْنَةِ، فَأَتَتْهُ مَوْلاةٌ لهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ. فَقَالتْ: إِنِّى أَرَدْتُ الخُرُوجَ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! اشْتَدَّ عَليْنَا الزَّمَانُ. فَقَالَ لهَا عَبْدُ اللهِ: اقْعُدِى، لكَاعٍ! فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا يَصْبِرُ عَلى لأَوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ، إِلا كُنْتُ لهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ ".
ــ
قال بالبداء إن الدعاء يصرف القدر، على ظاهر ما جاء فى الآثار، وقد تقدم من هذا فى حديث أم حبيبة.
وفى هذا آية للنبى ﷺ وعلامة من علامات نبوته، فإن الجحفة من يومئذ، وبيئة متجنبة، لا يشرب أحد من مائها إلا حُمّ. و " يُحَنَّسُ " مَولى الزبير المذكور فى حديث مالك، كذا ضبطناه هنا عن القاضى الشهيد، وكذا أثبتنا فيه، وضبطناه عن أبى بحر بالفتح، وكذا روى فى كتاب الحاكم، وبالوجهين ضبطناه عن غيره فى غير مسلم.
وقول ابن عمر لمولاته حين شكت إليه اشتداد الزمان، وشاورته فى الخروج عن المدينة: " اقعدى لكاع "، قال الإمام: يقال: امرأة لكَاع، وَرجل لُكَع. واللكع: اللئيم، وأيضاً: العبد، وأيضاً: العَىُ الذى لا يتجه لنطق ولا غيره أحد من الملاكيع، وهو الذى يجرح مع السَّلا من البطن. واللُكع - أيضاً -: الصغير، ومنه الحديث: أن النبى ﵇ طلب الحسن فقال: " أثم لكع أثم لكع " (١) أى أثم صغير، وسُئل بلال بن جرير عن اللكع، فقال: هو فى لغتنا: الصغير. وإلى هذا ذهب الحسن؛ إذ قال لإنسان: يا لكع، يُريد: يا صغير فى العلم. قال أهل النحو: ومما لا يقع إلا فى النداء خاصة ولا يستعمل فى غيره قولهم للمؤنثة: يا خباث، ويا لكاع. وربما استعمل [فى الشعر] (٢) فى غير النداء ضرورة قال الحطيئة:
أطَوَّف ما أطوْف ثم آوى ... إلى بيت قعيدته لكاع
стр. 2420
٤٨٣ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ قَطَنٍ الخُزَاعِىِّ، عَنْ يُحَنَّسَ مَوْلى مُصْعَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ صَبَرَ عَلى لأَوَائِهَا وَشِدَّتِهَا، كُنْتُ لهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ - يَعْنِى المَدِينَةِ ".
٤٨٤ - (١٣٧٨) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ جُحْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا يَصْبِرُ عَلى لأَوَاءِ المَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِى، إِلا كُنْتُ لهُ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَوْ شَهِيدًا ".
(...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى هَارُونَ مُوسَى بْنِ أَبِى عِيسَى؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللهِ القَرَّاظَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بِمَثْلِهِ.
(...) وَحَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلى لأَوَاءِ المَدِينَةِ " بِمِثْلِهِ.
ــ
قال القاضى: وقول ابن عمر لها ذلك على طريق الإنكار، والتبسيط بمثل هذا لمن يدل عليه الإنسان من حاشيته وآله، لا سيما استعماله فى الموالى. وقد يكون معناه هنا على نحو ما ذكر فى تأويل قول الحسن، أى يا قليلة العلم وصغيرة الحظ منه؛ لما فاتها من معرفة فضل المدينة، والذى عندى فى معنى قول الحسن إنما أورده على جهة الذم والسَّب، وعلى أصله بمعنى الوغد واللئيم؛ لأنه لم يخاطب به معياً، إنما خاطب به فى وعظه من صور اغتراره بالدنيا، وجمعه لها، ومخادعتِه الله ومرأياتِه بعمله، وشبه هذا. ومثل هذا جدير بغليظ القول والتأديب بالسبّ.
وفى هذه الأحاديث دليل على فضل سُكنى المدينة، وأن ذلك محمول عندهم على استمرار هذا الفضل بعد وفاة النبى ﷺ وإلى يوم القيامة، وقد بينه فى حديث أبى هريرة بقوله: " لا يصبر على لأوائها أحد من أمتى ".