سلاحٌ لِقِتَالٍ، وَلا يُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلا لِعَلفٍ. اللهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِى مَدِينَتِنَا. اللَّهُمَّ، بَارِكْ لنَا فِى صَاعِنَا. اللهُمَّ، بَارَكْ لَنَا فِى مُدِّنَا. اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى صَاعِنَا. اللهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِى مُدِّنَا. اللهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِى مَدِينَتِنَا. اللَّهُمَّ، اجْعَلْ مَعَ البَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ. وَالذِى نَفْسِى بيَدِهِ، مَا مِنَ المَدِينَةِ شِعْبٌ وَلا نَقْبٌ إِلا عَلَيْهِ مَلكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِليْهَا ". ثُمَّ قَالَ للنَّاس: " ارْتَحِلُوا "، فَارْتَحَلنَا، فَأَقْبَلْنَا إِلَى المَدِينَةِ، فَوَ الذِى نَحْلِفُ بِهِ أَوْ يُحْلفُ بِهِ - الشَّكُّ مِنْ حَمَّادٍ - مَا وَضَعْنَا رِحَالنَا - حِينَ دَخَلنَا المَدِينَةَ - حَتَّى أَغَارَ عَليْنَا بَنُو عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَىْءٌ.
ــ
فى حرمة مكة فى كل الأمور، ورد على أبى حنيفة. وقد جاء فى الحديث الآخر: " لا يختلى خلاها " كما قال فى مكة.
وقوله: " لا يخبط فيها شجرة إلا لعلف ": حجة على جواز أخذ الورق للعلف، وإنه بخلاف قطع الأغصان، وخبطها ليتكسر حطباً، ولم يقع هذا الاستثناء فى حديث تحريم مكة، ويفسر هذا الاستثناء - والله أعلم - الحديث الآخر: " لا يخبط ولا يعضد، ولكن يهش هشاً رفيقاً "، والهش: تحريك الغصن ليسقط ورقه [قال صاحب العين، وقال غيره: هو خبط الشجر بالعصا ليسقط ورقه] (١)، قال الله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ (٢) على ظاهره، ومعناه: لا تخبط لتكسر أغصانها، ولا يجوز أن يؤخذ منها إلا أن يحرك أو يضرب ضرباً رفيقاً لأخذ الورق للعلف.
وقوله: " ما من المدينة شِعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها ": فيه فضل المدينة وحمايتها فى حياة النبى ﵇ من العدو. والشِعب بكسر الشين: هو ما انفرج ما بين الجبلين. وقال يعقوب: هو الطريق فى الجبل. والنقَبُ، بفتح النون وضمها، مثله. وقيل: الطريق على رأس الجبل.
قال الإمام: قال الأخفش: أنقاب المدينة طرقها وفجاجها.
قال القاضى: وقوله: " ارتحلوا ": فيه ما كان عليه ﵇ من مساعدة المسلمين والتيسير عليهم فى أمورهم.
وقوله: " فما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة، حتى أغار علينا بنو عبد الله بن غطفان، وما يهيجهم قبل ذلك بشىء ": يعنى أن المدينة فى مغيبهم لم يحركهم عدو ولا
٤٨٠ - (١٣٧٦) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةَ، عن هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهِىَ وَبِيئَةٌ، فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ وَاشْتَكَى بِلالٌ، فَلْمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ: " اللَّهُمَّ، حَبِّبْ إليْنَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِى صَاعَهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلىَ الجُحْفَةِ ".
(...) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
اسمهم، كذا حدثنا به أبو محمد الخشنى عن الطبرى عن الفارسى: بنو عبد الله على الصواب، وعند سائر شيوخنا. ونسخ مسلم من طريق ابن ماهان والجلودى: بنو عُبيد الله وهو خطأ. والجلاء بالفتح والمد: الانتقال عن الوطن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ (١).
وقوله: " قدمنا المدينة وهى وبيئة ": يقال: أرض وبيئة، مهموز مخفف؛ إذا كانت ذات وباء. هذا - والله أعلم - غير مخالف لنهيه ﵇ عن القدوم عليه إذا سمع به بأرض؛ لأن ذلك فى الوباء العام، والطواعن النازلة، وهذا إنما هو من حال البلاد الوحمة بحرارة هَوائها، وقد يألفها الساكنون بها، ويختلف فيها حال النازل والوارد عليها، فتعتريهم أمراض لاختلاف الهواء عليهم، وقد نصب ذلك أهلها، وقد يستقلون منه كسائر الأمراض باختلاف. ووباء الطاعون إنما هو موت ذريع، وقد يقال: إن هذا قبل نهيه ﵇ عن ذلك، كما كان؛ لأن هذا الحديث فى أول الهجرة والإسلام.
وقوله: " وصححها وحول حماها إلى [الجُحفَةِ] (٢) "، قال الإمام: قال بعض أهل العلم: كان سكانها يومئذ كفارًا.
قال القاضى: قال الخطابى: كانوا يهوداً. وفيه جواز الدعاء على العدو الكافر بما يهلكه، ويشغله عن المسلمين، والدعاء للمسلمين بالصحة والسلامة، وفيه حجة لكافة المسلمين فى جواز الدعاء بالخير وكشف الضر، خلافاً لبعض المتصوفة فى أن [هذا] (٣) عندهم قدح فى التوكل والرضا، وللمعتزلة فى قولهم: إنه لا فائدة فى الدعاء مع سابق القدر. والدعاء عندنا عبادة لا يأتى ولا يستجاب منه إلا ما سبق فى القدر كونه، خلافاً لمن
стр. 2419
٤٨١ - (١٣٧٧) حَدَّثَنِى زُهَيْرٌ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ صَبَرَ عَلى لأَوَائِهَا، كُنْتُ لهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ ".
٤٨٢ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ الأَجْدَعِ، عَنْ يُحَنَّسَ مَوْلى الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِى الفِتْنَةِ، فَأَتَتْهُ مَوْلاةٌ لهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ. فَقَالتْ: إِنِّى أَرَدْتُ الخُرُوجَ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! اشْتَدَّ عَليْنَا الزَّمَانُ. فَقَالَ لهَا عَبْدُ اللهِ: اقْعُدِى، لكَاعٍ! فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا يَصْبِرُ عَلى لأَوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ، إِلا كُنْتُ لهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ ".
ــ
قال بالبداء إن الدعاء يصرف القدر، على ظاهر ما جاء فى الآثار، وقد تقدم من هذا فى حديث أم حبيبة.
وفى هذا آية للنبى ﷺ وعلامة من علامات نبوته، فإن الجحفة من يومئذ، وبيئة متجنبة، لا يشرب أحد من مائها إلا حُمّ. و " يُحَنَّسُ " مَولى الزبير المذكور فى حديث مالك، كذا ضبطناه هنا عن القاضى الشهيد، وكذا أثبتنا فيه، وضبطناه عن أبى بحر بالفتح، وكذا روى فى كتاب الحاكم، وبالوجهين ضبطناه عن غيره فى غير مسلم.
وقول ابن عمر لمولاته حين شكت إليه اشتداد الزمان، وشاورته فى الخروج عن المدينة: " اقعدى لكاع "، قال الإمام: يقال: امرأة لكَاع، وَرجل لُكَع. واللكع: اللئيم، وأيضاً: العبد، وأيضاً: العَىُ الذى لا يتجه لنطق ولا غيره أحد من الملاكيع، وهو الذى يجرح مع السَّلا من البطن. واللُكع - أيضاً -: الصغير، ومنه الحديث: أن النبى ﵇ طلب الحسن فقال: " أثم لكع أثم لكع " (١) أى أثم صغير، وسُئل بلال بن جرير عن اللكع، فقال: هو فى لغتنا: الصغير. وإلى هذا ذهب الحسن؛ إذ قال لإنسان: يا لكع، يُريد: يا صغير فى العلم. قال أهل النحو: ومما لا يقع إلا فى النداء خاصة ولا يستعمل فى غيره قولهم للمؤنثة: يا خباث، ويا لكاع. وربما استعمل [فى الشعر] (٢) فى غير النداء ضرورة قال الحطيئة:
أطَوَّف ما أطوْف ثم آوى ... إلى بيت قعيدته لكاع
стр. 2420
٤٨٣ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ قَطَنٍ الخُزَاعِىِّ، عَنْ يُحَنَّسَ مَوْلى مُصْعَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ صَبَرَ عَلى لأَوَائِهَا وَشِدَّتِهَا، كُنْتُ لهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ - يَعْنِى المَدِينَةِ ".
٤٨٤ - (١٣٧٨) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ جُحْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا يَصْبِرُ عَلى لأَوَاءِ المَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِى، إِلا كُنْتُ لهُ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَوْ شَهِيدًا ".
(...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى هَارُونَ مُوسَى بْنِ أَبِى عِيسَى؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللهِ القَرَّاظَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بِمَثْلِهِ.
(...) وَحَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلى لأَوَاءِ المَدِينَةِ " بِمِثْلِهِ.
ــ
قال القاضى: وقول ابن عمر لها ذلك على طريق الإنكار، والتبسيط بمثل هذا لمن يدل عليه الإنسان من حاشيته وآله، لا سيما استعماله فى الموالى. وقد يكون معناه هنا على نحو ما ذكر فى تأويل قول الحسن، أى يا قليلة العلم وصغيرة الحظ منه؛ لما فاتها من معرفة فضل المدينة، والذى عندى فى معنى قول الحسن إنما أورده على جهة الذم والسَّب، وعلى أصله بمعنى الوغد واللئيم؛ لأنه لم يخاطب به معياً، إنما خاطب به فى وعظه من صور اغتراره بالدنيا، وجمعه لها، ومخادعتِه الله ومرأياتِه بعمله، وشبه هذا. ومثل هذا جدير بغليظ القول والتأديب بالسبّ.
وفى هذه الأحاديث دليل على فضل سُكنى المدينة، وأن ذلك محمول عندهم على استمرار هذا الفضل بعد وفاة النبى ﷺ وإلى يوم القيامة، وقد بينه فى حديث أبى هريرة بقوله: " لا يصبر على لأوائها أحد من أمتى ".
(٨٨) باب المدينة تنفى شرارها
٤٨٧ - (١٣٨١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَأْتِى عَلى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمَّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، هَلمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لهُمْ لوْ كَانُوا يَعْمَلونَ. وَالذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَخْلَفَ اللهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ، أَلا إِنَّ المَدِينَةَ كَالكِيرِ، تُخْرِجُ الخَبِيثَ، لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِىَ المَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِى الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ ".
٤٨٨ - (١٣٨٢) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا قُرِئَ عَليْهِ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: " سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأكُلُ القُرَى، يَقُولونَ: يَثْرِبَ وَهِىَ المَدِينَةُ، تَنْفِى
ــ
وقوله: " تنفى شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد " وذكر أيضاً خبث الفضة، وخبثهما هو ما يخرج النار من قناهما وتخلصه منهما، الأظهر هنا أنه فى زمن النبى ﷺ ، فإنه كان لا يصبر على الهجرة والمقام معه، إلا من ثبت إيمانه، وأما المنافقون وجهلة الأعراب ومن آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، فلا يصبرون على شدة المدينة ولا يحتسبون أجرهم فى ذلك، أولئك شرار الناس وخبثاؤهم، كما جرى للأعرابى فى الحديث الآخر لما أصابه وعك الحمى بها، واستقال النبى ﷺ من بيعته ولم يقلها النبى ﵇ لأنه لا يحل ذلك، ولا يجوز للمهاجر أن يترك هجرته ويرفض بيعته على ذلك، وقد لعن النبى ﷺ من فعل ذلك، وارتدَّ أعرابياً بعد هجرته، وهذا الأعرابى - والله أعلم - كان ممن بايع على المقام معه فيها، ولذلك ما سأله الإقالة من ذلك، وهذا أظهر الوجوه، وقيل: يحتمل أنه كان بعد الفتح وسقوط الهجرة، وإنما استقال من الإسلام فلم يقله النبى ﷺ ؛ إذ لا تحل الرجعة إلى الكفر بعد الإيمان، ولا يسوغه النبى ﷺ لأحد، وفى قصته ضرب النبى ﷺ هذا المثل لمن خرج من المدينة، ولم ينتظر الإذن والإباحة، فدل على خبث طويته وضعف دينه. والوعك: الحمى، وما يوجد من الألم لها، ووعك كل شىء معظمه وشدته. وسيأتى الكلام على الهجرة وبيعة الأعراب فى الجهاد.
وقوله: " أمرت بقرية تأكل القرى ": أى أمرت بالهجرة إليها وسُكناها. و " تأكل القرى " قيل: منها تُفتح، وقيل: منها يكون أكلها لما جلب من فى القرى المفتتحة إليها
стр. 2423
النَّاسَ كَمَا يَنْفِى الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ ".
(...) وَحَدَّثَنَا عمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالا: كَمَا يَنْفِى الكِيرُ الخَبَثَ. لمْ يَذْكُرَا اَلحَدِيدَ.
٤٨٩ - (١٣٨٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًا بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَأَصَابَ الأَعْرَابِىَّ وَعَكٌ بِالمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقِلنِى بَيْعَتِى. فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ . ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلنِى بَيْعَتِى، فَأَبَى. ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلنِى بَيْعَتِى، فَأَبَى. فَخَرَجَ الأَعْرَابِىُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا المَدِينَةُ كَالكِيرِ، تَنْفِى خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا ".
ــ
وغنيمة أهلها من المهاجرين والأنصار أموالها.
وقوله: " يقولون: يثرب وهى المدينة ": يعنى أنها تسمى يثرب، قيل: خص النبى ﷺ اسمها بالمدينة، وتسميتها فى القرآن يثرب حكاية عن قول من قالها من المنافقين والذين فى قلوبهم مرض. قال عيسى بن دينار: من سماها يثرب كتبت عليه خطيئة. وسماها أيضاً ﵇ طيبة وطابة، وهذا على ما كان عليه ﵇ من استحبابه الاسم الحسن وكراهته القبيح.
ففى اسم " يثرب " من الثرب، والتثريب هو المؤاخذة بالذنب، يقال لمن فعل ما يلام عليه ولم يؤاخذ به: لا تثريب عليك، وثرّب فلان فلاناً على فعله، أى بكّته، والثرب الفساد أيضاً، قيل: وإنما كانت سميت يثرب بأرض هناك، المدينة ناحية منها، ولما فى اسم طيبة من الطيب الذى هو الرائحة المستحسنة، وهذا موجود فى المدينة. ذكروا أنه يوجد أبداً فى رائحة هوائها أو تربتها أو سائر أمورها، أو من الطيب الذى هو الاستحسان والموافقة، وكل موافق طيب، قال الله تعالى: ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (١)، ويقال: طاب لى هذا الأمر والعيش، أى فارقته المكاره ووافقنى حاله، أو من الطهارة التى هى ضد الخبث، كقوله تعالى: ﴿الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (٢)، سماها بذلك لفشو الإسلام بها، وتطهرها من الكفر والطيب والطاب لغتان بمعنى.
وقوله: " تنفى خبثها " و " ينصع طيبها " أى خرج منها من لم يخلص إيمانه على ما تقدم، ويبقى من خلص إيمانه، قيل: معنى " ينصع ": يخلص، وقيل: يتقى ويطهره.
стр. 2424
٤٩٠ - (١٣٨٤) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ - وَهُوَ العَنْبَرِىُّ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِىٍّ - وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ - سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " إِنَّهَا طَيْبَةٌ - يَعْنِى المَدِينَةَ - وَإِنَّهَا تَنْفِى الخَبَثَ كَمَا تَنْفِى النَّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ ".
٤٩١ - (١٣٨٥) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللهَ تَعَالى سَمَّى المَدِيَنَةَ طَابَةَ ".
ــ
قال الإمام: معناه: يخلص ويصفو، أو الناصع الصافى النقى اللون، يعنى أنها تنفى من لا خير فيه، ويبقى فيها الطيبون.
ذكر مسلم فى الباب: ثنا قتيبة وهناد وأبو كريب وأبو بكر بن أبى شيبة، قالوا: ثنا أبو الأحوص، كذا عند العذرى، وسقط أبو كريب لغيره.
стр. 2425
(٨٩) باب من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله
٤٩٢ - (١٣٨٦) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ ابْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَبدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُحَنَّسَ عَنْ أَبِى عَبْدِ اللهِ القَرَّاظِ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلى أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : " مَنْ أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ البَلدَةَ بِسُوءٍ - يَعْنِى المَدِينَةَ -
أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ فِى المَاءِ ".
٤٩٣ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنَ عُمَارَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ القَرَّاظَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِى هُرَيْرَةَ - يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ - يُرِيدُ المَدِينَةَ - أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ فِى المَاءِ ".
قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ، فِى حَدِيثِ ابْنِ يُحَنَّسَ، بَدَلَ قَوْلِهِ: " بسُوءٍ ": " شَرّا ".
(...) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى هَارُونَ مُوسَى بْنِ أَبِى عِيسَى. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِىُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو، جَمِيعًا سَمِعَا أَبَا عَبْدِ اللهِ القَرَّاظَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
٤٩٤ - (١٣٨٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ عُمَرَ ابْنِ نُبَيْهٍ، أَخْبَرَنِى دِينَارٌ القَرَّاظُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
ــ
وذكر فى حديث محمد بن حاتم وإبراهيم بن دينار: ثنا حجاج بن محمد، قال: وحدثنى محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، كلاهما عن ابن جريج، قال: أخبرنى عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس [عن أبى عبد الله القراظ، كذا لكافة الرواة، والذى عند الطبرى: أخبرنى عبيد الله بن عبد الرحمن بن يحنس] (١)، والصواب الأول.
стр. 2426
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ أَرَادَ أَهْلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ، أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ فِى المَاءِ ".
(...) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ عُمَرَ بْنِ نُبَيْهٍ الكَعْبِىِّ، عَنْ أَبِى عَبْدِ اللهِ القَرَّاظَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " بِدَهْمٍ أَوْ بِسُوءٍ ".
٤٩٥ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أُسَامَةُ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِى عَبْدِ اللهِ القَرَّاظِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَعْدًا يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ، بَارِكْ لأَهْلِ المَدِينَةِ فِى مُدِّهِمْ " وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَفِيهِ: " مَنْ أَرَادَ أَهْلهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ فِى المَاءِ ".
ــ
وقوله: " من أراد أهلها بِدَهْم أو بسوء " وهو بفتح الدال، قال الإمام: أى بغائلة وأمر عظيم.
قال القاضى: ويقال: جيش دَهْم، أى كبير. والدهيماء والدُهَيم من أسماء الدواهى. وقد يصح هنا أن يكون من غزاها بجيش - والله أعلم. وقد تقدم الكلام فى هذا.
стр. 2427
(٩٠) باب الترغيب فى المدينة عند فتح الأمصار
٤٩٦ - (١٣٨٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِى زُهَيْرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَخْرُجُ مِنَ المَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ، يَبُسُّونَ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لهُمْ لوْ كَانُوا يَعْلمُونَ. ثُمَّ يُفْتَحُ اليَمَنُ، فَيَخْرُجُ مِنَ المَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ، يَبُسُّونَ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لوْ كَانُوا يَعْلمُونَ. ثُمَّ يُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَخْرُجُ مِنَ المَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ، يَبُسُّونَ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لهُمْ لوْ كَانُوا يَعْلمُونَ ".
٤٩٧ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى هِشَامُ بْنُ عُرْوةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِى زُهَيْرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " يُفْتَحُ اليَمَنُ، فَيَأْتِى قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ
ــ
وقوله: " يفتح اليمن، فيأتى قومٌ يَبِسون " بفتح الياء وكسر الباء وضمها، وبضم الياء وكسر الباء رباعياً أيضاً، قال الإمام: يعنى يتحملون بأهليهم، ويزينون لهم الخروج عنها إلى غيرها. يقال: فى زجر الدابة إذا سبقتها: بُس بس، لغة يمانية، زجر للسوق. ويقال فيه: بَسَسْت وأبَسسْت، وقول الله : ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (١): أى فتتت فصارت أرضاً.
قال القاضى: وقال الحربى: يقال: بسسْت الغنم والنوق للعلف: إذا دعوتها، والرجل: دعوته للطعام، فمعناه عنده: يدعون الناس إلى بلاد الخصب. قال أبو عبيد: معناه: يسوقون، والبس: سوق الإبل. وقال ابن حبيب: معناه: يزيّنون لهم البلاد، ويحببونها إليهم، ويدعونهم إلى الرحيل إليها عن المدينة، مأخوذ من إبساس الحلوبة كى يدر لبنها، وقوله فى الحديث: " ومن أطاعهم " يدل عليه، وكذلك ما جاء فى الحديث المتقدم: " يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء " (٢). وقال الداودى: معناه: يبسون يزجرون الدواب إلى المدينة، فيفتون ما يطوون من الأرض، فيصير غباراً أو يفتنون من بها بما يضعون لهم من رغد العيش. وظاهر الحديث عندى أنه إنما أخبر عمن يحمل عنها لا من أتى إليها كما ذكر.
стр. 2428
أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خيرٌ لهُمْ لوْ كَانُوا يَعْلمُونَ. ثُمَّ يُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأتِى قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لهُمْ لوْ كَانُوا يَعْلمُونَ. ثُمَّ يُفْتحُ العِرَاقُ فَيَأتِى قَوْمٌ يَبُسُّوَنَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لهُمْ لوْ كَانُوا يَعْلمُونَ ".
ــ
ومعنى: " يأتى قوم ": أى إلى المواضع التى ذكر أنها فتحت لا إلى المدينة. وهذا الحديث من أعلام نبوته ﷺ ؛ إذ كان ذلك من فتح البلاد التى ذكر وانتقال الناس إليها، وقد ثبت فتح هذه البلاد على الترتيب الذى رتبه لهم ﵇.
стр. 2429
(٩١) باب فى المدينة حين يتركها أهلها
٤٩٨ - (١٣٨٩) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللفْظُ لهُ - أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلمَدِينَةِ: " ليَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَللةً للِعَوَافِى " يَعْنِى السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ.
قَالَ مُسْلِمٌ: أَبُو صَفْوَانَ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، يَتِيمُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَشْرَ سِنِينَ، كَانَ فِى حَجْرِهِ.
٤٩٩ - (...) وَحَدَّثَنِى عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ الليْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لا يَغْشَاهَا إِلا العَوَافِى - يُرِيدُ عَوَافِىَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ - ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ،
ــ
وقوله: " للعوافى ": فسره فى الحديث: السباع والطير، وهو صحيح معروف فى اللغة.
قال الإمام: هو مأخوذ من عفوته أعفوه: إذا أتيته تطلب معروفه، يقال: [فلان] (١) كثير الغاشية والعافية: أى يغشاه السؤال والطالبون.
قال القاضى: وهذه من علامات نبوته ﵇ فقد تركت على أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة عنها إلى الشام والعراق، وذلك الوقت أحسن ما كانت للدين علماً وكمالاً من رجاله، وديناً لتمام عمارتها، وغرسها، واتساع حال أهلها. ثم ذكر الإخباريون فى بعض الفتن التى تعاورتها وخاف أهلها على أنفسهم رحل عنها أكثر الناس، وبقيت ثمارها أو أكثرها للعوافى، وخلت مدة ثم تراجع الناس إليها، وحالها اليوم قريب من هذا، وقد خربت أطرافها وزالت أغلاقها. وقد حكى كثير من الناس أنهم رأوا ما أنذر به ﵇ من تغذيه الكلاب على سوارى مسجدها، ومعنى: " تغذّى ": تبول، وأصله البول دفعة بعد دفعة، وهى صفة بول الكلاب.
وقوله: " يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما ": أى يصيحان،
стр. 2430
يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلى وُجُوهِهِمَا ".
ــ
قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ﴾ (١).
وقوله: " فيجدانها وحشاً ": أى خلاء، قال الحربى: وحشى من الأرض أى خلاء، ويمشى وحشاً: أى وحده. وروى فى كتاب البخارى (٢): " وحوشاً " فمعناها بين؛ لخلائها، عمرتها الوحوش كما قال للعوافى فى الطير والسباع، ويكون " وحشاً " أيضاً بمعنى وحوش، والوحش كل شىء توحش من الحيوان وجمعه وحوش. وقد يعبر بواحدة عن جنسه. وقال ابن المرابط: قوله: " فيجدانها وحوشاً ": أى أن غنمها صارت وحوشاً. قال: فيحتمل أن تصير وحوشاً غير غنم، ويحتمل أن تتوحش وتنفر من أصواتها.
قال القاضى: وليس يدل الحديث على أن الضمير فى خرابها يعود على الغنم، وإنما يعود على المدينة كما قدمنا. رواية البخارى لهذا الحديث أتم، قال: " آخرُ من يحشر راعيان من مزينة " وذكر الحديث (٣)، قيل: معناه: آخر من يموت بها فيحشر؛ لأن الحشر إنما هو بعد الموت، ويحتمل أن يتأخر حشرهما بحسب تأخر موتهما، وإن لم يكن بين حشر الناس أمد بعيد، قال الله تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (٤)، وكذلك صعقها أيضاً الصيحة الأولى يكون آخر من يموت بها، قال الله تعالى: ﴿إن كَانَتْ إلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ (٥).
стр. 2431
(٩٢) باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة
٥٠٠ - (١٣٩٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ عَبْد اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ المَازِنِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةَ ".
٥٠١ - (...) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ المَدَنِىُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الهَادِ، عَنْ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا بَيْنَ مِنْبَرِى وَبَيْتِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ ".
٥٠٢ - (١٣٩١) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ منْ رِياضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِى عَلَى حَوْضِى ".
ــ
وقوله: " ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة "، قال الإمام: يحتمل أن يكون يريد أن ذلك الموضع ينتقل بعينه إلى الجنة، ويحتمل أن يريد أن العمل فيه يؤدى إلى الجنة.
قال القاضى: قال الطبرى: فى قوله: " بيتى " معنيان:
أحدهما: أن المراد بالبيت هنا القبر، وهو قول زيد بن أسلم فى هذا الحديث، كما روى مفسراً " بين قبرى ومنبرى ".
والثانى: أن البيت بيت سُكناه على ظاهره. وقد روى ما بينه: " بين حجرتى ومنبرى ". قال الطبرى: وإذا كان قبره فى بيته اتفقت الروايات؛ لأن قبره فى حجرته وهو بيته.
وقوله: " ومنبرى على حوضى ": قيل: يحتمل أن منبره بعينه الذى كان فى الدنيا، وهو أظهر وعليه أكثر الناس، وأنكر كثير منهم غيره، وقيل: إن له هناك منبراً على حوضه، وقيل: إن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة، يورد الحوض والشرب منه.
(٩٤) باب فضل الصلاة بمسجدى مكة والمدينة
٥٠٥ - (١٣٩٤) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللفْظُ لِعَمْرٍو - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، يَبْلغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ ، قَالَ: " صَلاةٌ فِى مَسْجِدِى هَذَا، أَفْضَلُ مِنْ أَلفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلا المَسْجِدَ الحَرَامَ ".
ــ
وقوله: " صلاة فى مسجدى هذا أفضل (١) من ألف صلاة فيما سواه " [ثم قال] (٢): " [من المساجد] (٣) إلا المسجد الحرام ".
قال الإمام: اختلف الناس فى المراد بهذا الاستثناء، فعندنا أن المراد إلا المسجد الحرام، فإن مسجدى يفضله بدون الألف، وهذا بناء على أن المدينة أفضل [من مكة] (٤)، وهو مذهب مالك، ويحتج له بما [تقدم] (٥) قبل هذا من الأحاديث المرغبة فى سكناها، الدالة على فضلها. وقيل: إلا المسجد الحرام، فإنه أفضل من مسجدى، وهذا على أن مكة أفضل من المدينة ما سوى قبره ﵇.
قال القاضى: اجتمعوا على أن موضع قبره ﵇ أفضل بقاع الأرض، وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، ثم اختلفوا فى أيّهما أفضل ما عدا موضع قبره ﵇ فذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة، وجعلوا الاستثناء على تفضيل الصلاة بألف على سائر المساجد إلا المسجد الحرام فبأقل من ألف، على ما تقدم عنهم، واحتجوا بما قال عمر: " صلاة فى المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه ". فيأتى فضل مسجد الرسول ﵇ بتسعمائة، وعلى غيره بألف. وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة، وهو قول ابن وهب وابن حبيب من أصحابنا، وحكاه الساجى عن الشافعى، وحملوا الاستثناء على ظاهره، إلا المسجد الحرام فالصلاة فيه أفضل، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير عن النبى ﷺ ، وفيه: " وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجدى بمائة صلاة "، فيأتى فضل الصلاة فى المسجد الحرام على غير مسجد النبى ﵇ بمائة ألف صلاة.
قال الباجى: الذى يقتضيه الحديث مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد، ولا يعلم منه حكمها مع المدينة.
стр. 2434
٥٠٦ - (...) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " صَلاةٌ فِى مَسْجِدِى هَذَا، خَيْرٌ مِنْ أَلفِ صَلاةٍ فِى غَيْرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ، إِلا المَسْجِدَ الحَرَامَ ".
٥٠٧ - (...) حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ المُنْذِرِ الحِمْصِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِى عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ مَوْلى الجُهَنِيِّينَ - وَكَانَ منْ أَصْحَابِ أَبِى هُرَيْرَةَ - أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلاةٌ فِى مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَفْضَلُ مِن أَلفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَسَاجِدِ، إِلا المَسْجِدَ الحَرَامَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ آخِرُ الأَنْبَيَاءِ، وَإِنَّ مَسْجِدَهُ آخِرُ المَسَاجِدِ.
قَالَ أَبُو سَلمَةَ وَأَبُو عَبْدِ اللهِ: لمْ نَشُكَّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ عَنْ حَدِيث رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَنَعَنَا ذَلِكَ أَنْ نَسْتَثْبِتَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ. حَتَّى إِذَا تُوُفِّىَ أَبُو هُرَيْرَةَ، تَذَاكَرْنَا ذَلِكَ. وَتَلاوَمْنَا أَلّا نَكُونَ كَلمَّنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِى ذَلِكَ حَتَّى يُسْنِدَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِنْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ. فَبَيْنَا نَحْنُ عَلى ذَلِكَ، جَالسَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ الحَدِيثَ، وَالذِى فَرَّطْنَا فِيهِ مِنْ نَصِّ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْهُ. فَقَالَ لنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَشْهَدُ أَنِّى سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَإِنِّى آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ مَسْجِدِى آخِرُ المَسَاجِدِ ".
ــ
ثم اختلفوا هل هذا مخصوص بصلاة الفرض أو غير ذلك من العبادات؟ فذهب الطحاوى إلى تخصيص هذا التفضيل بصلاة الفرض، وذهب مطرف من أصحابنا إلى عموم ذلك فى النافلة وغيرها، قال: وجمعة بها خير من جمعة، ورمضان بها خير من رمضان، وقد روى عبد الرزاق فى تفضيل صوم رمضان بالمدينة ما فيه حجة لهم.
قال القاضى: وقوله: " أفضل من ألف. صلاة " [أو " خير من ألف صلاة] (١) ": يقتضى الزيادة على هذا العدد والتضعيف بما أعلم الله به. وأما على قوله: " كألف صلاة ": فحد بين فى التضعيف.
وقوله ﵇ فى آخر الحديث من رواية ابن قارظ عن أبى هريرة: " فإنى آخر الأنبياء، وإن مسجدى آخر المساجد ": ظاهر جلى فى تفضيل مسجده لهذه العلة.
أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى، فَقَالتْ: إِنْ شَفَانِى اللهُ لأَخْرُجَنَّ فَلأَصَليَنَّ فِى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَبَرَأَتْ، ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الخُرُوجَ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوجَ النَّبِىِّ ﷺ تُسَلمُ عَليْهَا، فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ. فَقَالتِ: اجْلِسِى فَكُلِى مَا صَنَعْتِ، وَصَلى فِى مَسْجِدِ الرَّسُولِ
ــ
هكذا إسناده من جميع طرق هذا الكتاب، عن إبراهيم بن عبد الله، وكذلك أخرجه أبو مسعود الدمشقى عن مسلم من حديث ابن عباس عن ميمونة، اتّبع فى ذلك الرواية ولم ينبه على ذلك، وإنما يحفظ هذا الحديث عن إبراهيم بن عبد الله عن ميمونة، ليس فيه ابن عباس. قال بعضهم: هكذا رويناه فى حديث الليث بن سعد. قال النسائى (١): روى هذا الحديث الليث عن نافع، عن إبراهيم، عن ميمونة، ولم يذكر ابن عباس، قال غيره: وكذلك رواه ابن جريج، وكذلك أخرجه البخارى (٢) عن الليث، ولم يذكر فيه ابن عباس. قال الدارقطنى فى كتاب العلل (٣): قد رواه بعضهم عن ابن عباس عن ميمونة، وليس يثبت.
قال القاضى: قال البخارى فى التاريخ الكبير: إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس ابن عبد المطلب عن أبيه وميمونة، وذكر حديثه، هذا من طريق الليث وابن جريج ولم يذكر فيه ابن عباس، ثم قال: وقال لنا المكى عن ابن جريج، سمع نافعاً؛ أن إبراهيم بن معبد حدث [أنَّ] (٤) ابن عباس حدثه عن ميمونة، قال: ولا يصح فيه ابن عباس (٥).
قال القاضى: وقال بعضهم: صوابه: إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس؛ أنه قال: إن امرأة اشتكت. وعن ابن عباس خطأ.
وقد ذكر مسلم قبل هذا فى الباب حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وحديث موسى الجهنى عن نافع عن ابن عمر، وأتبعه بمعمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، وهذا مما استدركه الدارقطنى على مسلم، قال: ليس بمحفوظ عن أيوب، وعلل الحديث عن نافع بذلك، وقال: وقد خالفهم ابن جريج والليث، فروياه عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ميمونة. وقد خرج مسلم القولين، ولم يخرج البخارى رواية نافع بوجه (٦). وقال البخارى فى التاريخ، وذكر رواية عبيد الله وموسى عن نافع، قال: والأول أصح (٧)،
стр. 2437
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " صَلاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مَنْ أَلفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَسَاجِدِ، إِلا مَسْجِدَ الكَعْبَةِ ".
ــ
يعنى رواية إبراهيم بن عبد الله عن ميمونة كما قال الدارقطنى.
وقوله: " [أن امرأة اشتكت] (١)، فنذرت أن تصلى فى بيت المقدس إن شفيت، فقالت لها ميمونة -[تعنى زوجة النبى] (٢) -: اجلسى وصلى فى مسجد الرسول " الحديث، قال الإمام: ذهب بعض شيوخنا إلى ما قالت ميمونة، وأن المكى والمدنى إذا نذرا الصلاة فى بيت المقدس لا يخرجان إليه؛ لأن مكانهما أفضل. ولو نذر المقدسى الصلاة فى أحد الحرمين لأتاه؛ لأنه أفضل من مكانه. وقياس قول مالك على هذه الطريقة: أن المكى إذا نذر إتيان مسجد المدينة أتاه، وإن نذر مدنى إتيان مسجد مكة لم يأته؛ لأن مسجد المدينة عنده أفضل من مسجد مكة. وقال بعض شيوخنا: الأولى أن يأتى المكى مسجد المدينة، والمدنى مسجد مكة، [إذا نذراه] (٣) ليخرجا من الخلاف الذى وقع فى فضل أحدهما على الآخر.
стр. 2438
(٩٥) باب لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد
٥١١ - (١٣٩٧) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، يَبْلغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ : " لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِى هَذَا، وَمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى ".
ــ
وقوله: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد "، قال القاضى: وقد تقدّم لنا كلام فيه قبل، وأن مقتضى شد الرحال إنما يكون فيما بَعُد لا فيما قرب؛ ولهذا فرق شيوخنا بين نذر ما قرب من ذلك وما بعد، فيما عدا هذه الثلاثة مساجد؛ لفضلها الزائد، ولكونها مساجد الأنبياء.
قال الإمام: إنما خص ﵇ هذه المساجد لفضلها على ما سواها، فمن قال: لله علىّ صلاة فى أحدها، وهو فى بلد غير بلادها، فعليه إتيانها، وإن قال: ماشياً، فلا يلزمه المشى إلا فى حرم مكة خاصة. وأما المسجدان الآخران، فالمشهور عندنا أنه لا يلزمه المشى إليهما ويأتيهما راكباً إن شاء. وقال ابن وهب: بل يأتيهما ماشياً كما سمى، وهذا قياس على أصل المذهب؛ لاتفاقهم على أن من قال: علىَّ المشى إلى مكة، فعليه أن يمشى إليها. فدل ذلك على أن المشى طاعة.
وقد نبه النبى ﵇ على ذلك بقوله: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا " فذكر كثرة الخطا إلى المساجد (١). [وقيل أيضاً] (٢): إن كان على أميال يسيرة أتى ماشياً، والمشى ضعيف.
وقد ذهب القاضى إسماعيل إلى أن من قال: علىَّ المشى إلى المسجد الحرام أُصلى فيه، فإنه يأتى راكباً إن شاء، ويدخل مكة محرماً. وأحلَّ [الثلاثة مساجد] (٣) محلاً واحداً فى سقوط المشى إليها، وإن نطق به إذا قصد الصلاة فيها.
وإن نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة فلا يأتى إليها إذا لم تكن ببلده. قال بعض أصحاب مالك: إلا أن تكون قريبة على أميال يسيرة فيأتيها. وإن نذر أن يأتيها ماشياً، أتى ماشياً [كما قال] (٤)، ورأى أن ذلك خارج عن شد الرحال المذكور فى الحديث. قال ابن حبيب: مثل أن ينذر صلاة فى مسجد بموضعه، ومسجد جمعة، والذى يصلى فيه. وألزم ابن عباس المدنىّ إذا نذر الصلاة بمسجد قباء أن يأتيه، واحتج لهذا ابن حبيب بما ذكره مسلم بعد هذا؛ لأنه ﵇ كان يأتيه كل سبت.
стр. 2439
٥١٢ - (...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ ".
٥١٣ - (...) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الحَمِيدِ ابْنُ جَعْفَرٍ؛ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ أَبِى أَنَسٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ سَلمَانَ الأَغَرَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ؛ أَنَّ رَسُوَلَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدِ: مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِى، وَمَسْجِدِ إِيليَاءَ ".
ــ
قال الإمام: فإن قيل: إن مسجد النبى ﷺ أفضل، فكيف أتاه وأنتم أصّلتم، ألا يؤتى إلا ما كان أفضل؟ قلنا: قد ذكرنا عن بعض أصحابنا أن هذا إنما يعتبر فى شد الرحال وأعمال المطى، وأما ما كان على أميال يسيرة فيؤتى إليه، وإن كان المسجد الأقرب منه مثله فى الفضل، ومسجد قباء قريب من المدينة.
فإن قيل: هذا ما تساوى الفضل على ما قاله بعض أصحابكم على ما حكيت، والفضل ها هنا مختلف، ومسجده ﵇ أفضل. قيل: الغرض من هذا أن النهى إنما وقع على أعمال المطى، وأما إذا لم تعمل ووجب الوفاء بالنذر، مع تساوى البقاع على ما حكيناه عن بعض أصحابنا، وجب وإن اختلف الفضل على هذه الطريقة؛ لأجل ورود الشرع بالوفاء بالنذر، فهو على عمومه. وخُص منها (١) أعمال المطى، وبقى ما سواه على أصله. وهذا اعتذار عما قاله ابن عباس وابن حبيب.
وأما إتيان النبى ﷺ فلم يكن عن نذر، فلا مانع يمنع منه؛ لأن المتقرب حيث اتفق له أو خف عليه فعل القُربة. وقد ألزم مالك المكى إذا نذر الرباط بعسقلان - وشبه ذلك من السواحل - أن يخرج إليها وإن كان فيه أعمال المطى لغير المساجد الثلاثة؛ لأنَّ المطى أعملت لمعنى وهو الرباط، وذلك لا يوجد فى الثلاثة، والحديث إنما ورد فى أعمالها للصلاة لوجود ذلك المعنى من الصلاة فيها وزيادة [عليه] (٢).
قال القاضى: وقوله: " ومسجد الأقصى ": كذا جاء فى كتاب مسلم فى حديث عمرو الناقد، وهو من إضافة الشىء إلى نفسه وصفته، كما قالوا: مسجد الجامع، وتقدم مثله، قوله فى كتاب الصلاة: " ماء البارد " (٣)، وفى الحديث الآخر: " مسجد إيلياء " وهو بيت المقدس بكسر الهمزة واللام ممدودة، وحكى فيه القصر أيضاً، ولغة ثالثة: " إليا " بسكون اللام.
دِينَارٍ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْتِى قُبَاءً كُلَّ سَبْتٍ، وَكَانَ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَأتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ.
٥٢١ - (...) وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتِى قُبَاءً، يَعْنِى كُلَّ سَبْتٍ، كَانَ يَأْتِيهِ، رَاكِبًا وَمَاشِيًا. قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلهُ.
٥٢٢ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلمْ يَذْكرْ كُلَّ سَبْتٍ.
ــ
وقوله: " كل سبت ": فيه جواز تخصيص مثل هذا، وقد كره ابن مسلمة هذا مخافة أن يظن أن ذلك سنة له فى ذلك اليوم، ولعله لم يبلغه هذا الحديث. وفيه أيضاً حجة لجواز تخصيص الأئمة والصالحين بعض الأيام من الجمعة بنوع من القربات، أو بزيارة الإخوان، أو افتقاد بعض أمورهم، أو بجعله يوم راحته من أشغال العامة. وأمّا فى نفسه كان سبتًا أو غيره مما لم يتمالأ الناس كلهم على هذا فى يوم واحد فيظنه الجاهل سنة، ولعل مثل هذا هو الذى كره ابن مسلمة، وإن كان متقدّمو شيوخنا كرهوا تخصيص ذلك للحاكم بيوم معلوم، قالوا: ولكن إذا احتاج إلى ذلك من إجمام نفسه أو افتقار ضيعته، فعله أىَّ وقت احتاجه.
стр. 2443
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٦ - كتاب النكاح
(١) باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم
١ - (١٤٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الْهَمْدَانِىُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِى مَعَ عَبْدِ اللهِ بِمِنًى، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ، فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً، لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاءٌ ".
٢ - (...) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
ــ
كتاب النكاح
قال القاضى: ذكر مسلم أول الباب حديث عثمان وعبد الله بن مسعود - رضى الله عنهما - لما فيه من الأمر بالنكاح، ثم جاء بأحاديث النهى عن التبتل فاستفتح بهما الكتاب؛ ليعلم أنه مشروع، وهذا من حسن التأليف، ثم عطف بعد ذلك على فصول أحكام النكاح وتوابعه على نسق التصنيف، وفى استخلاء عثمان لعبد الله فى الأخذ معه. فالتزويج توقير الخلة والمشايخ أن يتفاوضوا فى هذه الأمور بحضرة الناس وعوام الخلق.
وقوله: " ألا نزوجك جارية شابة تذكرك بعض ما مضى من زمانك "، وفى الرواية الأخرى: " ترجع إليك ما كنت تعهد ": دليل على أن معظم المطلوب من النكاح الاستمتاع، وهو [من] (١) الشباب أمكن، وفيهن ألذ؛ لما هن عليه من رونق الشباب ونشاط الصغر وطيب الأفواه، وما يرغب من النساء، وإظهار الرغبة فى الاستمتاع الذى يتوفر عنه مساؤهن.
стр. 2444
عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: إِنِّى لأَمْشِى مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنًى، إِذْ لَقَيهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. فَقَالَ: هَلُمَّ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَاسْتَخْلَاهُ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَالَ: قَالَ لِى: تَعَالَ يَا عَلْقَمَةُ. قَالَ: فَجِئْتُ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: أَلَا نُزَوِّجُكَ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَارِيَةً بِكْرًا، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ قلْتَ ذَاكَ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ.
٣ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ لَنَا
ــ
وقوله: " فلما رأى عبد الله أن لا حاجة له قال: تعال يا علقمة ": دليل أن لمن كان المكتوم سره، والإخلاء من أجل حشمته، الأمر فى استدناء من شاء وإحضاره له لا لغيره؛ إذ السر سره، إن شاء أبداه، وإن شاء كتمه.
قال الإمام: وقوله: " من استطاع منكم الباءة فليتزوج " [الحديث] (١): أصل الباءة فى اللغة: المنزل، ثم قيل لعقد النكاح؛ لان من تزوج امرأة بوأها منزلاً. والباه هاهنا: التزويج، وفيه أربعُ لغات: " الباءة " بالمد والهاء، و " الباء " بالمد بلا هاء، و " الباهة " بهاءين دون مد، و " الباه " بهاء واحدة دون مد وقد سمى الجماع نفسه: باه. وليس المراد بالذى وقع فى الحديث على ظاهره الجماع؛ لأنه قال: " ومن لم يستطع فعليه بالصوم "، ولو كان غير مستطيع للجماع لم يكن له حاجة للصوم.
قال القاضى: لا يبعد أن تكون الاستطاعتان مختلفتين، فيكون المراد أولاً بقوله: " من استطاع منكم الباءة ": الجماع، أى من بلغه وقدر عليه فليتزوج، ويكون قوله بعد: " ومن لم يستطع ": يعنى على الزواج المذكور ممن هو بالصفة المتقدمة " فعليه بالصوم ".
وأما قوله: " فليتزوج " فيتعلق به من يوجب النكاح بمجرد الأمر وهو عنده وعند جماعة من الفقهاء والمتكلمين على الوجوب. ولم يقل بوجوبه إلا داود ومن شايعه من أهل الظاهر مدة فى العمر. والواجب منه عندهم العقد لا الدخول لمجرد الأمر بالتزويج، وحكى بعضهُم عنهم أن الوجوب فى ذلك والأمر على الخصوص لا على العموم، وذلك لمن خشى على نفسه العنت بدليل قوله: " فإنه أغض للبصر "، فبين السبب للوجوب والعلة، وهذا إذا صح من مذهبهم فغير مخالف لمذهب الكافة.
стр. 2445
رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءُ ".
ــ
قال الإمام: [المشهور] (١) من قول فقهاء الأمصار: أن النكاح مستحب على الجملة. وذهب (٢) داود إلى وجوبه، وسبب الخلاف: تعارض الظواهر فلداود قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ (٣)، والأمر على الوجوب، وله الحديث المذكور، وله قوله ﵇ بعد هذا فى حديث ذكر فيه التزويج، وقال فيه: " فمن رغب عن سنتى فليس منى ".
ولفقهاء الأمصار عليه أن الله تعالى خير فى الآية بين النكاح وملك اليمين، والتسرى غير واجب باتفاق، فلو كان النكاح واجبًا ما صح التخيير بينه وبين ملك اليمين؛ إذ لا يصح على مذهب أهل الأصول التخيير بين واجب وبين ما ليس بواجب؛ لأن ذلك مؤد إلى إبطال حقيقية الواجب، وأن يكون تاركه غير آثم، ولهم - أيضًا - قول الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٤) ولا يقال فى الواجب: أنت غير ملوم إن فعلته، وهذا نحو ما قاله عروة لعائشة فى السعى: إنه لو كان واجبًا لم يقل لاجناح عليك فى فعله (٥). وينفصلون عن حديث الباءة بأن داود إنما يوجب العقد خاصة دون الوطء، وذلك لا يحصل معه ما ذكر فى الحديث من تحصين الفرج وغض البصر.
وقد قال بعض أصحابنا: إن قوله ﵇ فى هذا الحديث: " ومن لم يستطع فعليه بالصوم " [فيه حجة على أن النكاح ليس بواجب؛ لأنه خيَّر بينه وبين الصوم] (٦)، والصوم المذكور [هاهنا] (٧) ليس بواجب، ونحى فى هذا إلى ما ذكرنا من التخيير بين النكاح وملك اليمين، وليس الأمر كذلك، لأنه فى الحديث رتب فقال: " ومن لم يستطع فعليه بالصوم "، وهذا غير مستحيل أن نجمع فيه بين واجب وغير واجب. ويصح أن يقول قائل: أوجبت عليك أن تفعل كذا، فإن لم تستطع فأندبك إلى كذا.
وأما الحديث الذى فيه: " فمن رغب عن سنتى " فمحمله على من أراد أن يفعل من التبتل، وتحريم المحللات على نفسه ما قد فسر فى الحديث.
قال الإمام: والذى يطلق من مذهب مالك: أن النكاح مندوب إليه، وقد يختلف
стр. 2446
٤ - (...) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
ــ
حكمه بحسب اختلاف الأحوال. فيجب تارة عندنا فى حق من لا ينكف عن الزنا إلا به، وقد وقع لبعض أصحابنا إيجابه على صفة، ومحمله أنه على مثل من هو على هذه الحالة.
ويكون مندوبًا إليه فى حق من يكون مشتهيًا له، ولا يخشى على نفسه الوقوع فى المحرم، ولا ينقطع به عن أفعال الخير.
ويكون مكروهًا لمن لا يشتهيه وينقطع به [عن عبادته وقرباته.
وقد يختلف فيمن لا يشتهيه ولا ينقطع به] (١) عن فعل الخير، فيقال: يندب إليه للظواهر الواردة فى الشرع بالترغيب فيه. وقد يقال: يكون فى حقه مباحًا.
قال القاضى: أما فى حق كل من يرجى منه النسل ممن لا يخشى العنت على نفسه، وإن لم يكن له إليه شهوة؛ فهو فى حقه مندوب [إليه] (٢) لقوله ﵇: " فإنى مكاثر بكم الأمم " (٣)، ولظواهر الحضِ على النكاح والأمر به، وكذلك فى حق كل من له رغبة فى نوع من استمتاع النساء، فإن كان ممنوعًا عن الوطء، لكن النكاح يغض بصره، وأما فى حق من لا ينسل ولا أرب له فى النساء جملة ولا مذهب له فى الاستمتاع بشىء منهن، فهذا هو الذى يقال فى حقه: إنه مباح إذا علمت المرأة بحاله، وقد يقال حتى الآن: إنه مندوب لعموم الأوامر بالتزويج، ولقوله: " لا رهبانية فى الإسلام " (٤).
وقوله: " فعليه بالصوم "، قال الإمام: [فيه إغراءٌ بالغائب، ومن أصول النحاة: ألا يغرى بغائب، وقد جاء شاذًا قول بعضهم: عليه رجلاً ليسنى، على جهة الإغراء] (٥). قال القاضى: هذا الكلام الذى قاله ﵀ موجود لبعضهم كما ذكره، وإن كان مجموعه ليس من قول أحد. ولكن على قائليه فى ذلك أغاليط ثلاثة: أولها: قول من قال: لا يجوز الإغراء بالغائب كما ذكره، وهو غفلة ووهم من قائله. ولفظ جاء على غير تأمل وتحصيل، وهو لفظ أبى محمد بن قتيبة وأبى القاسم الزجاجى وبعضهم، وصوابه: لا يجوز إغراء الغائب ولا يغرى غائب، وإنما يغرى الحاضر والشاهد.
وأما الإغراء بالشاهد والغائب فجائز. وهذا نص أبى عبيد على الصواب فى هذا
стр. 2447
عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يْنِ يَزِيدِ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعَمِّى عَلْقَمَةُ وَالأَسْوَدُ، عَلَى عَبْدِ اللهِ
ــ
الحديث. فقال: فأغرى غائباً. ولا تكاد العرب تغرى إلا الشاهد. يقولون: عليك زيدًا ودونك عمراً وعندك، ولا يقولون: عليه، إلا فى هذا الحديث.
وكذلك كلام سيبويه ومن بعده من أئمة هذا البيان فى هذا الباب، قالوا: وإنما يؤمر بمثل هذا الحاضر والخاطب، ولا يجوز: دونه زيدًا، ولا عليه عمرًا، وأنت تريد غير المخاطب لأنه ليس بفعل. ولا تصرف يصرفه، ولئلا يشبهوا ما لم يوجد من أمثلة الفعل بالفعل، وإنما جاز فى الحاضر لما فيه من معنى الفعل ودلالة الحال، ولأنك فى الأمر للغائب تحتاج له فعلاً آخر، كأنك قلت لحاضر: قل له أو أبلغه ليضرب زيدًا. فضعف عندهم ما يدخله من الالتباس فى أمر واحد أن يضمر فيه فعلين لشيئين. ولأنه ليس للمخاطب فعل ظاهر ولا مضمر عليه دلالة بأنك أمرته بتبليغ ذلك الغائب؛ ولأن هذه الكلمات وأخواتها ليست بأفعال، ولا تصرفت تصرفاتها، وإنما هى بمنزلة الأسماء المفردة، سميت بها الأفعال للإغراء والتحذير، فهى فى الحاضر تدل على الفعل. واستغنى بها عن إظهار الفعل، كما قد يستغنى أحياناً فى مجرد الأمر والنهى باسم المأمور به والمنهى عنه بدلالة الأحوال كقوله: لمن شام سيفاً، أو رفع سوطًا زيدًا، فأغنت الحال عن قولك: اضرب. ومثله: الطريق الطريق، الصبى الصبى، والأسد الأسد. أغنت الحال عن قوله: احذر، أو افسح، أو اتق.
وكذلك إذا تشكى رجل من اهتضام، فتقول: عليك الأمير، أو دونك القاضى، دل ذلك على المراد. واستغنيت بهذا عن قولك: اشك، أو الزم.
جاء من هذا كله، أن الإغراء والتحذير والأمر والنهى بهذه الكلمات، إنما هو للحاضر لما فيها من معنى الفعل الدال عليه الحال. فأما الغائب فلا يوجد ذلك فيه؛ لعدم حضوره، ومعرفته بالحالة الدالة على المراد، وعدم سماعه لهذه الأوامر، لكنه يغرى به، كما يغرى بالحاضر لا أنه يغرى هو كما يغرى الحاضر؛ لأن الإغراء والتحذير يصح فى الحاضر لمن يغرى به، أو يحذر منه من غائب وحاضر، كما تقدم.
الغلط الثانى: عدَّ (١) جميعهم من هذا قولهم: عليه رجلاً ليْسنى. وإن هذا من إغراء الغائب. قال سيبويه: وهذا قليل، شبهوه بالفعل. وقال السّيرافى: وإنما أمر الغائب بهذا الحرف على شذوذ؛ لأنه قد جرى للمأمور ذكره، فصار كالحاضر، واشتبه أمره أمر الحاضر.
стр. 2448
ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: وَأَنَا شَابٌ يَوْمَئِذٍ. فَذَكَرَ حَدِيثًا رُئِيتُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجْلِى. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبَى مُعَاوِيَةَ. وَزَادَ: قَالَ: فَلَمْ أَلْبَثْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ.
(...) حدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَشَجُ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ
ــ
قال القاضى: كان فى التقدير قابلاً، قال له: إن فلاناً يريد [بك] (١) كذا وكذا، وينازعك فى كذا، فقال: عليك غيرى، وأما أنا فلا أبالى به، ولست ممن أنازعه. ولكن تعليل سيبويه وما تقدم من حاجة هذا إلى فعل آخر يبلغ الغائب هذا. وضعفه عندهم، إذ ليس ثمّ ما يدل عليه يرد قوله. والذى عندى أن هذه الكلمة، ليس المراد بها حقيقة الإغراء، وإن كانت صورته؛ ولهذا ما استجازوه وخصوه من إغراء الغائب [وإن كانت صورته فلهذا الغائب] (٢) ولم يرد هذا القائل تبليغ هذا الغائب، ولا أمره بالتزام غيره، وطلبه ومعاندته بما جرى ذكره من ذلك، وإنما أراد الإخبار عن نفسه بقلة مبالاته للغائب، وأنه غير متأتٍ له منه ما يريد، وجاء بهذه الصورة التى تدل على تركه، حتى لا يصل منه إلى مراده، حتى يكون كمن اشتغل عنه بغيره. وكثيرًا ما يستعمل الناس فى كلامهم مثله، ونحوه قولهم: إليك عنى! أى اجعل شغلك بنفسك عنى، ولم يرد أن يُغريه بنفسه ولا أمره حقيقة بالشغل بها، وإنما مراده: تنح عنى ودعنى، وكن كمن شُغل عنى.
الغلط الثالث: عدهم هذه اللفظة فى الحديث من إغراء الغائب حتى قال: قال أبو عبيد: فيه حجة لمن أجاز ذلك، وجعلها السيرافىّ من باب: عليه رجلاً ليْسنى، على ما تقدم. وأن ما جرى من الذكر له صار كالحاضر، فلذلك جاز. وكان بعض من لقيناه من أئمة العربية يقول: إنما جاز هذا فى هذا الحديث؛ لأن فى تبليغ الشاهد للغائب ما يغنى عن إضمار فعل التبليغ للغائب المستقبح.
قال القاضى: والصواب: أنه ليس فى الحديث إغراء بغائب جملة، والكلام كله والخطاب للحضور الذين خاطبهم ﵇ من الشباب، فقال: " من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ". قالها هاهنا فى عليه ليست لغائب، وإنما هى لمن خصه من الحاضرين بعدم الاستطاعة؛ إذ لا يصح خطابه بكاف المخاطب؛ لأنه لم يتعين منهم، ولإبهامه بلفظة " مَنْ "، وإن كان حاضرًا، وهذا كثير فى القرآن
стр. 2449
ابْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ. بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَلَم يَذْكُرْ: فَلَمْ أَلْبَثْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ.
ــ
والحديث والكلام. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ [الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء﴾ الآية (١)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ] (٢) الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ الآية (٣)، وقال: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا﴾ (٤). فهذه الهاءات الضمائر كلها للحاضر لا للغائب. ومثله لو قلت لرجلين: من قام الآن منكما فله درهم. فهذه الهاء من قام من أحد الحاضرين، وليست لغائب.
وأما حكم تبليغ الشاهد الغائب، ودخول الغائب فى خطاب الحاضر، فحكم آخر من غير هذا الباب، وبأمر آخر غير هذا ممن حضه ﵇ وأمره بتبليغ الشاهد الغائب، وقوله: " بلغوا عنى [رحمكم الله] (٥)، ورحم الله امرأ سمع مقالتى فوعاها " وبعموم ألفاظ الجموع وألفاظ الإبهام، على ما يتحقق فى أصول الفقه والحمد لله. وكلام العرب فى الإغراء، قيل هذا كله.
وقوله: " فإنه لو وجاء "، قال الإمام: قال ابن ولّاد وغيره: الوِجاء بكسر الواو ممدود (٦) قال أبو عبيد: إذا كان الصوم يقطع النكاح. ويقال: للعجل إذ رُضّت أنثياه. وقد وجى وجاء، قال غيره: الوجاء أن يوجى العروق والخصيتان باقيتان بحالهما. والخصاء: شق الخصيتين واستئصالهما. والجب: أن يحمى الشفرة ثم تستأصل بها الخصيتان.
قال القاضى: أصل الوجاء من الغمز، ومنه: وجى فى عنق فلان، إذا غمز عنقه ودفع. ومنه: وجاه بالخنجر وشبهه وَجْأ ساكن الجيم إذا نخسه به وطعنه. والوجؤ المصدر ساكن الجيم. وهو أيضاً الزق، ومنه: الوجيه، تمر يُبل باللبن أو السمن ويرض حتى يلزق بعضه ببعض. ومنه أخذ الوجاء، وهو غمز الأنثيين، أو رضهما بحجر ونحوه. قال أبو عبيد: وقد قال بعض أهل العلم: وَجاء، بفتح الواو، مقصور من الحفا، قال: والأول أجود فى المعنى. وقال أبو زيد: لا تقولوا: الوجاء إلا فيما لم يبرأ، وكان قريباً عهده. فإذا برأ لم يقولوه.
قال الخطابى: وفى الحديث دليل على جواز المعاناة لقطع الباءة بالأدوية. ودليل على أن مقصود النكاح الوطء. ووجوب الخيار فى العُنّه.
стр. 2450
٥ - (١٤٠١) وحدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ سَأَلُوا أَزوَاجَ النَّبِىِّ ﷺ عَنْ
ــ
وذكر مسلم فى هذا الباب عن عبد الرحمن بن يزيد، [قال] (١) دخلت أنا وعمى علقمة والأسود على عبد الله بن مسعود - الحديث. كذا عند شيوخنا، وهو الصواب.
وفى بعض الروايات: دخلت أنا وعماى علقمة والأسود، وهو خطأ، إنما الأسود بن يزيد ابن قيس أخو عبد الرحمن بن يزيد لا عمه، وإنما عمه علقمة بن قيس.
وقوله: " إن نفرًا من أصحاب النبى ﵇ سألوا أزواج النبى ﷺ عن عمله فى السر " الحديث، وقوله ﵇: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكنى أصلى وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى ": يحتج به من يقول بوجوب النكاح كما تقدّم. ولا حجة له فيه؛ إذ ذكر فى أول الحديث أن بعضهم قال: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش، ثم قرن ﵇ ذكر النكاح بالأكل والنوم. وعلى جميعه رد قوله: " فمن رغب عن سنتى [فليس منى] (٢) لا على النكاح وحده. ولا قائل يقول: بوجوب النوم على الفرش وأكل اللحم. فرد الكلام على النكاح وحده دون قرينة ولا دليل عليه: دعوى لا يلتفت إليها، فلم يبق إلا أن معناه ما تقدم.
قال الطبرى: وفيه رد على من منع من استعمال الحلال والمباحات من الأطعمة الطيبة والملابس اللينة وآثر عليها غليظ الطعام وخشن الثياب من الصوف وغيره، وإن كان صرف فضلها فى وجوه البر؛ لأن حياطة جسم الإنسان، وصيانة صحته بذلك، آكد وأولى، واحتج بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّه﴾ الآية (٣)، وقوله: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُم﴾ الآية (٤).
قال القاضى: وهذا باب قد اختلف فيه السلف كثيرًا، فمنهم من آثر ما قال الطبرى، ومنهم من آثر ما أنكره. واحتج هؤلاء بقوله فى ذم أقوام: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ (٥)، وقد احتجّ عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - بذلك. وحجة الآخر عليهم: أن الآية نزلت فى الكفار؛ بدليل أول الآية وآخرها.
والنبى ﷺ قد أخذ بالأمرين، وشارك فى الوجهين، فَلبِس مرةً الصوف، والشملة الخشنة، ومرة البردة والرداء الحضرمىّ، وتارة أكل القثاء بالرطب وطيب الطعام إذا وجده
стр. 2451
عَمَلِهِ فِى السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: " مَا بَالُ أَقْوَام قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّى أُصَلِّى وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى ".
٦ - (١٤٠٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ ابْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ، لا خْتَصَيْنَا.
٧ - (...) وحدّثنى أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: رُدَّ عَلَى
ــ
ومرة أكل الخوارى، ومختلف الطعام. كل ذلك - ليدل على الرخصة بالجواز مرة، والفضل والزهد فى الدنيا وملاذّها أخرى. وكان يحب الحلواء والعسل، ويقول: " حُبّب إلىّ من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وجعلت قرة عينى فى الصلاة ". وسيأتى الكلام على هذا الحديث.
وفى قوله: " ما بال أقوام قالوا كذا ": فيه ما كان عليه ﵇ من حسن معاشرته، وأدبه، وتركه مواجهة الناس بما يكرهون، وتسميتهم بأسمائهم على رؤوس الجميع، وتوبيخهم مُعَيَّنين، بل أبهم الأمر، وترك التعيين.
وقوله: " ردّ على عثمان بن مظعون التبتل "، قال الإمام: التبتل: [هو]، (١) الانقطاع عن النساء، وترك النكاح [لمن استغنى عنه إلى] (٢) الانقطاع إلى الله تعالى. ومنه الحديث: " لا رهبانية فى الإسلام ولا تبتل " (٣)، قال الليث: البتول: كل امرأة منقطعة عن الرجال، لا شهوة لها فيهم. وقال أحمد بن يحيى: سميت فاطمة بالبتول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها، وعن نساء الأمة ديناً، وفضلاً، وحسبًا.
قال القاضى: قال الطبرى: التبتل: هو ترك لذات الدنيا وشهواتها، والانقطاع إلى
стр. 2452
عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبْتُلُ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاَخْتَصَيْنَا.
٨ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ يَقُولُ: أَرَادَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أَنْ يَتَبَتَّلَ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَوْ أَجَاز لَهُ ذَلِكَ، لَاخْتَصَيْنَا.
ــ
الله بالتفرغ لعبادته. ومنه قيل لمريم: البتول؛ لانقطاعها إلى الله بالخدمة. ومنه قولهم: صدقة بتلة، أى منقطعة عن مالكها. قال غيره: التبتل حرام. يعنى عن النساء. ومن الناس من يكون أصلح لدينه وأما الاختصاء فلا يحل أصلاً.
стр. 2453
(٢) باب ندب من رأى امرأة، فوقعت فى نفسه إلى أن يأتى امرأته أو جاريته فيواقعها
٩ - (١٤٠٣) حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِى عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً، فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَهِىَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: " إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِى صُورَة شَيْطَانٍ، وتُدْبِرُ فِى صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِى نَفْسِهِ ".
(...) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ أَبِى الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أن النَّبِىَّ ﷺ رَأَى امْرَأَةً. فَذَكَرَ
ــ
وقوله: " تمعس منيئة "، قال الإمام: أى تدبغ. وأصل المعس: الدلك، يقال منه: معسه يمعسه معساً. والمنيئة: الجلد أول ما يدبغ. قال الكسائى: يسمى منيئة، ما دام فى الدباغ. قال أبو عبيد: اسمه أول ما يدبغ منيئة على وزن فعيلة. ثم هو أفِيق وجمعه أَفَق، ثم يكون أديمًا.
قال القاضى: هذا صواب الرواية، ووقع عند بعضهم فيه تصحيف لا يلتفت إليه، ولم تثبت روايته.
وقوله ﵇: " إن المرأة تقبل فى صورة شيطان وتدبر فى صورة شيطان ": معناه: الإشارة إلى الهوى والدعوى إلى الفتنة بحالها. وما جعل الله فى طباع الرجال من الميل إليها، كما يدعو الشيطان بوسوسته وإغوائه لذلك، وتزيينه.
وقوله: " فإذا أبصر أحدكم امرأة "، وفى الحديث الآخر: " فأعجبته ووقعت [فى] (١) قلبه، فليأت أهله، فإن ذلك يردّ ما فى نفسه ": نبّه ﵇ لدواء ذلك الداء المحرك للشهوة للنساء يُطفئها بالمواقعة، وإراقة ما تحرك من الماء، فتسكن الشهوة، وتذهب ما فى النفس. ولا يظن بفعل النبى ﷺ ذلك مع زينب، حين رأى المرأة، أنه وقع فى نفسه مما رآه شىء، وقالت نفسه، فهو منزه ﵇ عن ذلك، لكنه فعل ذلك
стр. 2454
بِمثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِىَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ: تُدْبِرُ فِى صُورَةِ شَيْطَانٍ.
١٠ - (...) وحدّثنى سَلَمَة بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ جَابِرٌ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَوَقَعَتْ فِى قَلْبِهِ، فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِى نَفْسِهِ ".
ــ
ليقتدى به فى الفعل، ويمتثل أمره بالقول. وقد يكون ﵇ عند رؤية شخص ظاهر الحسن يذكر من عنده به، فذهب فقضى حاجته منه.
стр. 2455
(٣) باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة
١١ - (١٤٠٤) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى وَوَكِيعٌ وَابنُ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قيسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبدَ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ. فَقُلْنَا: أَلا نَسْتَخْصِى؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١).
(...) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا هَذِهِ الآيَةَ. وَلَمَ يَقُلْ: قَرَأَ عَبْدُ اللهِ.
١٢ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: كُنَّا، وَنَحْنُ شَبَابٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا نَسْتَخْصِى؟ وَلَمْ يَقُلْ: نَغْزُو.
١٣ - (١٤٠٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
ــ
وقوله: " قلنا: ألا تستخصى فنهانا ﵇ عن ذلك ": [فيه ما تقدم من النهى عن الخصاء والتبتل والانقطاع عن النكاح، وترك النسل الذى حض ﵇ على تكثيره، وإبطال الحكمة فى خلق ذلك العضو، وتركيب الشهوة فيه لبقاء النسل، وعمارة الأرض، وذرء عباد الله فيها ليبلوا كيف يعملون، وليعبدوه جل اسمه، وتغيير خلق [عباد] (٢) الله، وإفساد خاصية الذكورية] (٣).
وقوله: " ثم رخص لنا أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل "، قال الإمام: ثبت أن نكاح المتعة كان جائزًا فى أول الإسلام، ثم ثبت أنه نسخ بما ذكر من الأحاديث فى هذا الكتاب وفى غيره، وتقرر الإجماع على منعه، ولم يخالف فيه إلا طائفة من المبتدعة، وتعلقوا بالأحاديث الواردة فى ذلك، وقد ذكرنا أنها منسوخة، وبالحديث الذى فيه: " نهى عمر - رضى الله عنه - عن المتمتعين " الحديث. ويحمل ذلك على أن من خاطبه عمر قد خفى عنه النسخ، وأن عمر نهى عن ذلك تأكيدًا وإعلاناً بنسخه. وقد يتعلق