← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وَالْبِكْرُ تُسْتَأذَنُ فِى نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا "؟ قَالَ: نَعمْ. ٦٧ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانٌ، عَنْ زِيَادٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الْفَضْلِ، سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " الثَّيَبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا ". ــ صماتها] (١) "، وفى حديث آخر: " الثيب أحق بنفسها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها "، وفى بعض طرقه: " والبكر يستأذنها أبوها فى نفسها، وإذنها صماتها "، قال الإمام: الأيم هاهنا: هى الثيب خاصة، والأيم فى غير هذا: التى مات زوجها أو طلقها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى منكم﴾ (٢) والبكر: التى لا زوج لها أيم أيضاً، وكذلك الرجل الذى لا امرأة له، ويقال: تأيمت المرأة: إذا أقامت لا تتزوج. وأنشد ثعلب: وقولا لها يا حبذا أنت هل ... بدا لها أو أرادت بعدنا أن تأيما قال أبو عبيد: يقال: رجل أيّم وامرأة أيّم، وإنما قيل ذلك للمرأة؛ لأن أكثر ما يكون فى النساء فهو كالمستعار فى الرجال. يقال: أيمٌ بين الأَيَمة، ويقال: الغزو مأيمة، أى يقتل الرجال فيصير نساؤهم أيامى، وقد آمت تئيم وإمت أنا، قال الشاعر: لقد أمت حتى لامنى كل صاحب ... رجاء بسلمى أن يئيم كما إمت وفى الحديث: كان يتعوذ من الأيمة، والعيمة والغيمة. فالأيمة أن يطول العُزبة، والعيمة شدة الشوق إلى اللبن. يقال: ماله آم وعام، أى فارق امرأته وذهب لبنه. والغيمة شدة العطش. قال القاضى: وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام صحيح من روايات الثقات، وإن اختلفت ألفاظهم فى بعضه من قولهم: الأيّم. وقال بعضهم: والثيب مفسرًا [وفى رواية بعضهم " اليتيمة " مكان " البكر " مفسّرًا أيضاً، ولم يذكره مسلم] (٣)، وقد رواه شعبة كذا عند مالك، وعن مالك: رواه أكثر أقرانه ومن هو أكبر منهم، مثل أبى حنيفة، والليث ابن سعد وشعبة والثورى، وابن عيينة. وقد رواه مسلم أيضاً عن ابن عيينة عن زياد بن سعد بمثل تقييد مالك. واختلف فى معنى الأيّم هنا، مع اتفاق أهل اللغة أنه ينطلق على كل امرأة لا زوج لها، كانت صغيرة أو كبيرة، أو بكرًا أو ثيبًا. قاله الحربى وإسماعيل القاضى وغيرهما.

стр. 2487

٦٨ - (...) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " الثَّيِّبُ ــ والأيمة العزبة، ورجل أيّم وامرأة أيّم، وحكى أبو عبيد: أيّمةٌ، وحكى الحربى عن ابن الأعرابى فيما تقدم من قولهم: الغزو مأيمةٌ، ينبغى أن تكون ما أمه. ثم اختلف العلماء ما المراد بهذا الحديث؟ فذهب علماء الحجاز وكافة الفقهاء إلى أن المراد بها هاهنا: الثيب التى فارقها زوجها، واستدلوا بأنه أكثر استعمالاً فيمن فارق زوجه بموت أو طلاق، وبرواية الأثبات أيضاً فيه الثيب مفسرًا، وبمقابلته بقوله: " والبكر تستأمر فى نفسها ". فدل أن الأول من عدا البكر وهى الثيب، وأنه لو كان المراد بالأيّم كل من لا زوج له من الأبكار وغيرهن، وأن جميعهن أحق بأنفسهن، لم يكن لتفصيل الأيّم من البكر معنىً. وذهب الكوفيون وزفر إلى أن الأيّم هنا ينطلق على ظاهره فى اللغة، وأن كل امرأة - بكرًا أو ثيبًا - إذا بلغت أحق بنفسها من وليها، وعقدها على نفسها جائز. وهو قول الشعبى والزهرى وزفر، قالوا: وليس الولى من أركان صحة العقد، ولكن من تمامه [وجماله. وحجتهم: معنى اللفظ فى اللغة فى الأيّم] (١)، ولقوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، وذلك يصح من كل من لا زوج له. وقال الأوزاعى ومحمد بن الحسن وأبو يوسف: إن صحة العقد موقوف على إجازة القاضى. واختلف أيضاً فى قوله: " أحق من وليها " ما هو؟ هل هو بالإذن فقط، أو بالعقد والإذن؟ [فعند الكافة بالإذن لا غير، وعند هؤلاء: العقد والإذن] (٣)، قال القاضى إسماعيل: لم يدخل الأب فى جملة الأولياء المذكورين فى الحديث؛ لأن أمره فى ولده أرفع، يعنى بقوله فى البكر، وقوله: " تستأمر فى نفسها " وهو قول مالك من رواية جماعةٍ، وأن المراد به هنا، اليتيمة، وحمل غيره الاستئمار هنا والاستئذان فى البكر على ظاهره فى ذوات الآباء، وأنه على الندب والترغيب لا على الوجوب، وروى - أيضاً - نحوه عن مالك، وقاله الشافعى وأحمد وإسحاق وابن أبى ليلى وغيرهم. وقال الكوفيون والأوزاعى يلزم ذلك فى كل بكرٍ. قال إسماعيل القاضى: فى الحديث معنيان: أحدهما: أن الأيامى كلهن أحق بأنفسهن من أوليائهن، وهم من عدا الأب من الأولياء. والثانى: تعليم الناس كيف تستأذن البكر.

стр. 2488

أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتأذِنُهَا أَبُوهَا فِى نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتَهَا " وَرُبَّمَا قَالَ: ــ قال غيره: يحتمل قوله: " الأيّم أحق بنفسها ": فى كل من عقدٍ وغيره، كما قال داود وأبو حنيفة، ويحتمل أنه أراد أنها أحق بالرضا بخلاف البكر فى الأب، لكن لما قال ﵇: " أيما امرأةٍ نكحت بغير ولى فنكاحها باطل " (١) وقوله: " لا نكاح إلا بولى " (٢) دل أن المراد بقوله: " أحق بنفسها " أنه الرضا دون العقد، وحق الولى فى العقد. ودل قوله: " أحق بنفسها من وليها " أن وليها فى إنكاحها حقًا، لكن حقها هى أكثر؛ لأن لفظة " أفعل ": تقتضى المفاضلة مع المشاركة، وحقها: هو أنه لا يتم ذلك إلا برضاها. وقوله: " وإذنها صماتها " اختلف فى مذهبنا، هل من شرط ذلك إعلامها بأن إذنها صماتها أم لا؟ مع اتفاقهم على استحباب ذلك وهو حكم ذات الأب عند من تقدم، واليتيمة عند الجمهور، وحكى الاسفرايينى قولاً لأصحابه: أن اليتيمة لابد لها من النطق بالرضا بخلاف ذات الأب. قال الخطابى: وذات الجد، وحكاه عن الشافعى. قال الإمام: اختلف الناس فى افتقار النكاح إلى ولىّ، فأوجبه مالك على الإطلاق، وأوجبه داود فى البكر خاصة، وأسقطه أبو حنيفة فى الثيبات وفى الأبكار البوالغ الجائزات الأمر. واعتبر أبو ثور إذن الولى خاصة. فلمالك قول الله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) فخاطب الأولياء ولو لم يكن لهم فى ذلك حق لما خطابهم بذلك، وقوله ﷺ ، " لا نكاح إلا بولى " وقد قال بعض أهل العلم: إن لفظ النهى للذات الواقعة إذا ورد فى الشرع، فإنه وإن حمل على نفى الكمال أو تردد بينه وبين الجواز - على ما سبق القول فيه قبل هذا - فإن ذلك إنما يكون فى العبادات التى لها موقعان، موقع إجزاء، وموقع كمالٍ. وأما النكاح والمعاملات فليس لها إلا موقع واحد وهو نفى الصحة. وأما داود فله قوله ﷺ : " الثيب [أحق بنفسها " الحديث المتقدم، ففرق فيه بين البكر والثيب] (٤)، فلو كانا يستويان فى افتقارهما إلى الولاية لم يكن للتفرقة معنى، وقد نص فى الثيب أنها أحق بنفسها من وليها، وفى البكر أنها تستأمر، وهذا نص ما

стр. 2489

" وصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا ". ــ ذهب إليه من التفرقة. وأجاب أصحابنا عن ذلك: بأن المراد أنها أحق بنفسها فى تعيين الأزواج لا فى تولى العقد، كما قال داود: إنها أحق فيهما جميعاً. قال أصحابنا: والدليل لما قلناه: أن لفظة " أحق " من أبنية المبالغة وذلك يشعر بأن للولى حقاً ما معها، وليس إلا ما قلناه من تولى العقد. وأما أبو حنيفة فله القياس على البياعات، فإنها تنعقد وإن باشرتها المرأة بنفسها، وكذلك إجازتها لنفسها. وإذا ثبت أن بيعها وإجارتها لا يفتقر إلى ولاية، [والنكاح لا يخلو أن يكون بيعًا أو إجارة، وأى ذلك كان وجب ألا يفتقر إلى ولاية] (١) قياسًا على ما قلناه، وتحمل الظواهر الواردة بإثبات الولاية على الأمة والبكر الصغيرة، ويخص عمومها بهذا القياس وتخصيص العموم بالقياس مختلف فيه عند أهل الأصول. وأما أبو ثور فله قوله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل؛ فإن اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له "، ودليل هذا الخطاب: أنها إذا نكحت بإذن وليها فنكاحها صحيح، وأيضاً فإن الولى إنما أثبت لما يلحقه من المعرة بأن تضع نفسها فى غير كفء، فإذا أذن سقط حقه فى ذلك، فلا معنى لتوليه العقد. والولى إذا تولى العقد تولاه على قسمين: أحدهما: يفتقر إلى إذن المنكحة. الثانى: لا يفتقر إلى ذلك. فأما الذى يفتقر إلى ذلك فالعقد على سائر الثيبات إلا ذات الأب إذا تثيبت قبل البلوغ، ففى افتقار عقد أبيها إلى استئذانها ثلاثة أقوال عندنا: إثباته على الإطلاق، [وإسقاطه على الإطلاق] (٢)، وإثباته ما لم تبلغ فإذا بلغت سقط. وأما التى تثيبت بعد البلوغ فلا أعلم خلافاً بين الأئمة أنها لا تجبر، إلا شيئًا ذكر عن الحسن أن الأب يجبرها على الإطلاق، ولعله أراد التى تثيبت قبل البلوغ. وأما الذى لا يفتقر إلى إذن، فالسيد فى أمته، والأب فى ابنته البكر قبل أن تبلغ عند سائر العلماء، إلا من شذ منهم، ورأيت بعض العلماء حكى الاتفاق فى ذلك، والرد على هؤلاء الشواذ إن لم يثبت الاتفاق قبلهم قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيض﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْن﴾ (٣) فأثبت من لم تحض من نسائنا، فدل على صحة العقد عليها قبل البلوغ؛ إذ غير البالغ لا يصح منها أن تعقد. وهذا الجبر مختص بالآباء، فأما غيرهم من الأولياء فلا يملكون جبر هذه البكر، وإن كانت يتيمة على المشهور من المذهب عندنا. وعندنا قول شاذ: أن لغير الأب من الأولياء

стр. 2490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جبر البكر اليتيمة قياساً على الأب. وأما إذا بلغت البكر فجبر الأب إياها ثابت عندنا وعند الشافعى، استصحاباً لما اتفق عليه من ذلك، ولما ثبت بالدليل قبل البلوغ. وقال أبو حنيفة: لا يجبرها الأب إذا بلغت لما وقع هاهنا فى كتاب مسلم من قوله: " يستأمرها أبوها "، ويحمل هذا عندنا على الندب، وقد قال أبو داود: أبوها ليس بمحفوظ (١) فى هذا الحديث؛ لأن قوله: " الثيب أحق بنفسها " دليله أن البكر لا تكون أحق بنفسها، وقد جعل البكر البالغ أحق بنفسها كالثيب، وهذا ينافى دليل الخطاب الذى قلناه. فأما إذا عنَّستْ البكر فى بيت أبيها، فالمذهب عندنا على قولين فى جبره إياها على النكاح، فمن رأى أن العلة فى الجبر مجرد البكارة أثبته هاهنا لوجودها. ومن رأى أن العلة جهل البكر الصغيرة بالأمور نفاه هاهنا، لمعرفة هذه الأمور؛ لكبر سنها. وإذا كانت الثيوبة من زنًا، فالمذهب أيضاً عندنا على قولين فى تأثيرها فى رفع الجبر، فمن رأى أن الثيوبة من مجردها علة فى إسقاط الجبر أسقطه هاهنا. ومن رأى أنها تكون علة إذا انضاف إليها وصف آخر - وهو أن يكون بنكاح أو شبهة نكاح لم يسقط الجبر هاهنا. والولاية على قسمين: عامة وخاصة. فالعامة: ولاية الإسلام. والخاصة: ولاية النسب أو ما حل محله كالوصى أو ما تشبه به كالولى الأعلى، أو ما أقاله الشرع نائباً عنه كالسلطان. فولاية النسب أولى بالتقدمة من هذه الولايات المذكورة، إلا أن يكون وصّى من قبل الأب، ففى تقدمته فى البكر على أولياء النسب خلاف عندنا. وإنما دخل الولى لينفى عن نفسه المعرة أن تضع نفسها فى غير كفء. والمشهور عندنا أن الكفاءة معتبرة بالدين دون النسب. وفى اعتبار اليسار من الزوج فى الموسرة، واعتبار الحرية الأصلية فى متزوج العربية اضطراب فى المذهب. وحديث فاطمة بنت قيس فى تزويجها أسامة، وضباعة فى تزويجها المقداد بن الأسود - ردّ على من يقول: إن النكاح يفسخ. وقد حكى [أبو حامدٍ] (٢) عن ابن الماجشون من أصحابنا: أنها إذا تزوجت غير كفء فسخ النكاح وإن رضوا أجمعون، ولعله يريد: إذا تزوجت فاسد الدين، ممن يغلب

стр. 2491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على الظن أنه يفسد دينها، فيصير ذلك حقًا لله سبحانه، فيفسخ حينئذ. ولو تزوجت بغير ولى والزوجان يعتقدان إباحة ذلك أو يجهلان الحكم فيها، لم يكن فى ذلك حد. ولو كانا يعتقدان تحريم ذلك لم يكن فى ذلك حد أيضاً، إلا عند الصيرفى من أصحاب الشافعى فإنه [رأى] (١) فيه الحد وطرد. وقوله: ألا يكون فيه صداق ولا يلحق فيه نسبٌ، وحجته قوله: الزانية التى تنكح نفسها. ويحتج بأن النبيذ يحد شاربه ولا يرفع عنه الحد وجود الخلاف فيه، ومجمل قوله: الزانية التى تنكح نفسها على المبالغة عندنا فى التشبيه وشدة الزجر، لقوله فى حديث آخر فيمن تزوجت بغير إذن وليها: " فإن أصابها فلها مهرها ". وأما النبيذ فإنما لم يعتبر الخلاف فيه؛ لأن شاربه يحد وإن اعتقد تحليله، ولو اعتقد هذا تحليل النكاح بغير ولى ما حد، وقد قال بعض الناس: إنما حد شارب النبيذ وإن اعتقد تحليله؛ لأنها من مسائل الأصول التى لا يسوغ فيها طرق الاجتهاد المختلفة، وهذا عندى فيه نظر، وإثباتها من مسائل الأصول قد يعسر. وقال أبو حامد: النكاح بغير ولى له أصلان: أحدها الزنا. والآخر: النكاح الصحيح. والنكاح بغير ولى وقع جنسه صحيحًا، وإنما فسد للإخلال ببعض شروطه، والنبيذ ليس له أصل محلل يُرَد إليه، ولا أصله الإباحة، فحرم للإخلال ببعض شروطه، فلهذا افترقا فى الحد عندهم. قال القاضى: ناقض داود فى استعمال هذه الأحاديث أصله فى موضعين، فقضى بالمفسر منها على المجمل على طريق الكافة، وترك ظاهر اللفظ على مذهبه وليس من أصله، فخالف أبا حنيفة ومن قال بقوله فى البكر: أنها لا يعقد عليها إلا الولى، لعموم قوله: " لا نكاح الا بولى "، ووافقهم فى الثيب، لظاهر قوله: " هى أحق بنفسها من وليها "، وأصله فى مثل هذه الظواهر: إذا تعارضت طرحها، والرجوع إلى أستصحاب حال الأصل قبل ورود الشرع. فهذا موضع واحد ناقض فيه أصله. والآخر: أن مذهبه: أن إحداث قول ثالثٍ فى مسألة الخلاف فيها على قولين خرق إجماع، وهو مذهب بعض أهل الأصول، وقوله هو - هذا فى التفريق بين البكر والثيب - فى اشراط الولى فى العقد، وكونه ركناً من أركان صحة العقد فى البكر دون الثيب قولٌ لم يقلهُ قبله غيره، وإنما الخلاف فى أن ذلك فى الجميع لازم أو غير لازم. واتفقوا أن المراد بالولى فى هذا الحديث ذو الولاية الخاصة دون العامة. ثم اختلف القائلون باشتراط الولى فى صحة عقد النكاح، أو استحبابه من هو؟ أهو ولى الديانة عمومًا أو ولى النسب وما فى معناه من الولاء والوصاء خصوصًا؟ ثم الرجوع

стр. 2492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لولاية الديانة أو الحكم إنما يكون عند عدم ذلك، فمشهور مذهب مالك اشتراط ولاية القرابة، ومراعاة الأقعد فالأقعد، وهو قول الشافعى والليث بن سعد. وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور فى اشتراط ولى النسب نحوه، إلا أن أبا ثور قال: كل من يقع عليه اسم ولى فله أن ينكح، ولم يجعل للقعود حقًا. وقاله بعض أصحابنا، وحجتهم: قول عمر: " لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذى الرأى من أهلها أو السلطان " فحملوه على التسوية، وحمله الآخرون على الترتيب، قالوا كلهم: ويفسخ إذا وقع بغير ولى خاصٍ، وليس للولى الخاص إجازته. وحكى البغداديون عن مالكٍ قولاً آخر: أن ولاية الديانة ولاية فى كل أحد يمضى عقدها، وليس للولى الخاص فسخه، وقاله أبو حنيفة ومن وافقه ممن يستحب الولى، ولا يوجبه إلا أن تضع المرأة نفسها فى غير كفءٍ، فللولى فسخه عندهم للمعرة. وعلى هذا الخلاف يأتى توقف مالكٍ فى فسخه وإجازته فى المدونة على اختلاف لفظه والتأويل عليه، وعليه يأتى اختلاف أصحابه فى منع الولى من إجازته أو إباحة ذلك له، ومراعاة طول الدخول والإقامة عند بعضهم أو قربها. وهل الولاية من حقوق الله؟ فلا يلتفت إلى إمضاء الولى، أو من حقوق الولى؟ فيلتفت إلى ذلك، ولكثرة الاختلاف فى ذلك ومراعاته إذا نزل. وكذلك اختلف المذهب عندنا فى إنكاح الأبعد، مع وجود الأقعد مراعاة للخلاف، وهل تقديمه لقعدده (١) من حقوق الله فيفسخ على كل حالٍ، وهو قول المغيرة، أو من حقوق الولى فيكون له الخيار فى إمضائه أو رده، وبه قال جماعة منهم، أو من باب الأولى والأكمل فلا يكون له اعتراض فيه إذا وقع، وهو قول مالكٍ وقول الصحابة. وهذا كله فيمن عدا الأب فى ابنته البكر، والسيد في أمته، فلا خلاف فى أن لهما فسخ ما عقد بغير إذنهما واختلف هل لهما إجازته؟ فعندنا فى ذلك قولان، وعن مالك قول ثالث مشهور فى التفريق بين الشريفة والدنية (٢) فأمضى ولاية الديانة فى الدنية وعند الضرورة فيها، ولم يمضها فى الشريفة وذات القدر، فلم يحك عن غيره مثله. واختلف مذهبنا من هم الأولياء الذين إليهم الإنكاح؟ أهم البطن أم الفخذ أم العشيرة أم العصبة؟ واختلف هل الولد من الأولياء الخاصة إذا لم يكن من عصبتها أم لا؟ فعندنا أنه ولى بكل حال.

стр. 2493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واختلف فى تقديمه على الأب أو تقديم الأب عليه، وقال الخطابى: ليس بولى إلا أن يكون من العصبة، وقال أبو عمر: اختلفوا فى غير العصبة كالوصى [وذى] (١) الرأى والسلطان، مع اتفاقهم أن السلطان ولى من لا ولى له. ولا خلاف عندنا أن الوصى كالولى، وإنما اختلف من أحق بعقد نكاح البكر؟ هو أو الولى؟ كما تقدم. وأما الثيب فكلاهما ولىٌ لها وليس له. وفى قوله: " وليها ": ظاهره استواء الأنثى والذكر فى الولاية إذا كان له النظر عليها، وألا تنكح إلا بإذنهما ورأيهما؛ إذ لفظ " الولى " يقع للأنثى والذكر سواء كلفظ الوصى، وأن ذلك إنما يكون ممن له الرأى؛ ولهذا لا يجوز عند كافة من اشترط الولاية عقد الولى غير البالغ ولا العبد، ولا المجنون، ولا الكافر، ولا غير الرشيد. وكذلك فى معنى مراعاة الولى للذب عن حرمته والغيرة على عورته فى قوله: " لا نكاح إلا بولى " ما يشعر أنه بولى مخصوص بالرجال دون النساء، ولأنهم القوامون عليهن. ولا خلاف بين الحجازيين فى ذلك، إلا أنه روى عن مالك: أنها إن عقدت على الذكور مضى بخلاف الإناث. وعمدة مذهبه أنها لا تعقد على ذكر ولا أنثى، وكذلك عموم الولاية يقتضى كون ذلك الكافر فى ابنته الكافرة وفى أمته، وفى ذلك خلاف عندنا، والمشهور جوازه فى الأمة بحق الملك ومنعه فى الحرة، وكذلك اشترط الشافعى فيها العدالة وأبطلها بالفسق، وليس العدالة من شروطها عندنا على المشهور.

стр. 2494

(١٠) باب تزويج الأب البكر الصغيرة ٦٩ - (١٤٢٢) حّدثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِى كِتَابِى عَنْ أَبِى أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: تَزَوَّجَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسِتِّ سَنِينَ، وَبَنَى بِى وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ. قَالَتْ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَوُعِكْتُ شَهْرًا؛ فَوَفَى شَعْرِى جُمَيْمَةً، فَأَتَتْنِى أُمُّ رُومَانَ، وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ، وَمَعِى صَوَاحِبِى، فَصَرَخَتْ بِى فَأَتَيْتُهَا، وَمَا أَدْرِى مَا تُرِيدُ بِى، فَأَخَذَتْ ــ وقول عائشة: " تزوجنى رسول الله ﷺ وأنا بنت ست سنين، وبنى بى [وأنا] (١) بنت تسع " الحديث، قال الإمام: رأيت لابن حنبل أنه جعل التسع سنين حداً للسن الذى يزوج فيه الأولياء البكر اليتيمة إذا رضيت؛ لأجل حديث عائشة هذا. وهذا لا معنى له، إلا أن يريد [أنه] (٢) السن الذى تميز فيه ويعتد برضاها، أو يكون أراد أن هذا السن قد تحيض فيه بعض الجوارى. قال القاضى: قد التفت مالك إلى نحو هذا بشريطة الضرورة في صبيةٍ بنت عشر سنين تتكفف الناس، فقال: لا بأس أن تزوج برضاها وإن كانت لم تنبت. وحديث عائشة هذا أصل فى جبر الآباء بناتهن الأبكار وتزويج الصغار منهن. ولا خلاف بين العلماء فى جواز تزويج الأب ابنته الصغيرة التى لا يوطأ مثلها، ثم لا خيار لها فى ذلك إذا بلغت عند مالك والشافعى وفقهاء أهل الحجاز. وذهب أهل العراق إلى أن لها الخيار إذا بلغت. واختلف فى غير الأب، فمنع مالك والشافعى تزويج غير الأب من الأوصياء والأولياء صغار اليتامى، وهو أحد قول أحمد، وقاله الثورى وابن أبى ليلى وأبو ثور وأبو عبيد، واستثنى الشافعى من الأولياء الجد وجعله كالأب، قالوا: ويفسخ النكاح إذا وقع. واختلف عندنا إذا لم ينظر فيه حتى بلغت، هل يفسخ أبداً أم يفوت بالدخول؟ وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعى وجماعةٍ من السلف: يجوز ذلك ولها الخيار إذا بلغت، إلا أبا يوسف فقال: لا خيار لها، قالوا: ولا يزوجها وصىّ إلا أن يكون ولياً. وحكى

стр. 2495

بِيَدِى، فَأَوْقَفَتْنِى عَلَى الْبَابِ. فَقُلْتُ: هَهْ هَهْ، حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِى. فَأَدْخَلَتْنِى بَيْتًا، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَأَسْلَمَتْنِى إِلَيْهِنَّ. فَغَسَلْنَ رَأسِى وَأَصْلَحْنَنِى، فَلَمْ يَرُعْنِى إِلا وَرَسُوَلُ اللهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمْنَنِى إِلَيْهِ. ٧٠ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ - هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ - عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِائِشةَ، قَالَتْ: تَزَوَّجَنِى النَّبِىُّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِى وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ. ــ الخطابى عن مالك وحماد بن أبى سليمان: للوصى أن يزوجها قبل البلوغ، وقاله شريح وعروة بن الزبير. وهذا الحديث أصل فى حد وقت الدخول إذا حصل التشاجر فى ذلك، فأوجب طائفة إجبار بنت تسع سنين على الدخول، وهو قول أحمد وأبى عبيد، وقال مالك والشافعى: حد ذلك أن تطيق الرجل، قال الشافعى: وتقارب البلوغ. قال أبو حنيفة: حد ذلك إطاقة الرجال وإن لم تبلغ التسع، ولأجلها منع زوجها منها إذا لم تطق ذلك وإن بلغت التسع، وهو نحو قول مالك. وحكم الزوج - أيضاً - فى ضمها والنفقة عليها حكم هذا، فحيث تجبر على الدخول يجبر هو على الإنفاق. قال الداودى: وكانت عائشة قد شبَّت شباباً حسناً. وقولها: " فوعكت شهراً فوفى شعرى جُمَيَمةً ": أى كمل وانتهى لتمعطه بالمرض. والوعك: ألم الحمى، والأرجوحة: خشبة يلعب عليها الغلمان والجوارى، يوضع وسطها على مكان مرتفع، ويجلسون على طرفيها ويتحركون بها، فترتفع جهة وتنزل الأخرى، وتميل أحدهما بالآخر. وقولها: " فقلت هَهْ هَهْ ": حكاية صوت المبْهُور لأجل الترجح على الخشبة، ألا تراها كيف قالت بعده: " حتى ذهب نفسى " بفتح الفاء. وقول النساء لها: " على الخير والبركة وأيمن طائر ": فيه حجة لما يقال للمتزوج. وفى الحديث الآخر عن النبى ﷺ من رواية معاذ نحوه، وأنه دعا لرجل من الأنصار شهد إملاكه. فقال: " على الألفة والخير والطائر الميمون والسعة فى الرزق بارك الله لكم ". وروى عنه كراهة قول العرب فى ذلك: بالرفاء والبنين. وقال ﵇ لابن

стр. 2496

٧١ - (...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهْىَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ، وَزُفَّت إِلَيْهِ وَهِىَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَلُعَبُهَا مَعَهَا، وَمَاتَ عَنْهَا وَهْىَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ. ٧٢ - (...) وحدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - قَالَ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْىَ بِنْتُ سِتٍّ، وَبَنَى بِهَا وَهْىَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهْىَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ. ــ عوف: " بارك الله عليك، أولم ولو بشاة " (١) وفى حديث آخر: أنه قال: " بارك الله لكم وعليكم ". ومعنى الطائر هنا: الحظ، أى أيمن حظ وأفضله. يقال للحظ من الخير والشر: طائر، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِه﴾ (٢)، وقيل فى قوله تعالى: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُم﴾ (٣) أى المقدور لكم من البخت والحظ. وقال الداودى: معناه: على خير ما يأتى ويُرجى؛ لأنهم كانوا ربما سرّهم استقبال الطائر إياهم واستبشروا به. قال القاضى: وأصله مستعار مما كانت العرب تتعيّفُ به وتتفال من الطير السائح والبارح، وليس كل ما استقبلهم كانوا يسرون به، وسيأتى الكلام عليه فى موضعه من الكتاب. وقولها: " فغسلن رأسى، وأصلحننى ": فيه جواز تزيين المرأة لزوجها، وجواز اجتماع النساء لذلك، ولما فيه من شهرة النكاح والدخول وهو مما يجب إشهاره وحضور النساء له، فقد يحتاج إليهن فى نوازل الأحكام. وقولها: " فلم يرعنى إلا رسول الله ﷺ ضحى فأسلمننى إليه ": أى لم يفزعنى. والروع: الفزع، ويستعمل فى كل أمر يطرأ على الإنسان فجأة، من خير أو شر، فيرتاع لفجأته. وفيه جواز الابتناء بالأهل بالنهار، وعليه ترجم البخارى فى باب: الابتناء بالنهار بغير مركب ولا نيران (٤). قال بعضهم: كلما اشتهر النكاح بمركب أو نيران كان أولى، ويكفى فى ذلك الإعلان. ومعنى النيران - والله أعلم - الولائم، كما قال فى الحديث الآخر: " أو يرى دخان أو كثرة السرج عند الزفاف بالليل "، والله أعلم. وقولها: " ومعها لعبها ": أى البنات التى يلعب بها الجوارى، يُريد: لِصغر سنها. فيه جواز اتخاذهن وإباحة لعب الجوارى بهن، وقد جاء فى الحديث الآخر رؤية النبى ﷺ

стр. 2497

(١١) باب استحباب التزوج والتزويج فى شوال واستحباب الدخول فيه ٧٣ - (١٤٢٣) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: تَزَوَّجَنِى رَسُولُ الله ﷺ فِى شَوَّالٍ، وَبَنَى بِى فِى شَوَّالٍ فَأَىُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّى قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِى شَوَّالٍ. (...) وحدّثناه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِعْلَ عَائِشَةَ. ــ لذلك، وإقراره عليه. قالوا: لما فى ذلك من تدريبهن لتربية الأولاد وإصلاح شأنهن وبيوتهن. وقولها: " تزوجنى رسول الله ﷺ فى شوال، وبنى بى فى شوال، فأى نسائه كان أحظى عنده منى "، " وكانت تستحب أن يدخل نساؤها فى شوال ": كانت الجاهلية تكره هذا وتطير من ذلك؛ لما فى اسم شوال من قولهم: شالت نعامتهم، وشالت النوق بأذنابها: إذا رفعتها. وفيه إجبار الرجل ابنته على النكاح وتزويج الصغار.

стр. 2498

(١٢) باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها ٧٤ - (١٤٢٤) حدثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثنَا سُفْيانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْد النَّبِىِّ ﷺ ، فَأَتاهُ رَجُلٌ فَأَخْبرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصارِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: " فَاذْهَبْ فانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِى أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا ". ٧٥ - (...) وحدثنى يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا مَرْوانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْن كَيْسَانَ عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّى تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِى عُيُونِ ــ وقوله: للمتزوج: " اذهب فانظر إليها، فإن فى أعين الأنصار شيئاً "، قال الإمام: محمل هذا عندنا على أنه إنما ينظر عند التزويج إلى ما ليس بعورة منها كالوجه والكفين (١)؛ لأن ذلك ليس بمحرم على غيره، إلا إذا كانت شابةً فيمنع الغير من ذلك خوف الفتنة، لا لأجل العورة. وكره له مالك أن يستغفلها، ومعناه: أن ينظر إليها على غفلة وغرة من حيث لا تشعر، مخافة أن يطلع على عورتها. قال القاضى: هذا كله من [باب] (٢) جواز النظر إليها قول مالك والشافعى وأحمد والكوفيين وجمهور العلماء. وقال الأوزاعى: ينظر إليها ويجتهد، وينظر مواضع اللحم منها. قال الشافعى وأحمد: وسواء بإذنها أو بغير إذنها إذا كانت مُسترة، وحكى بعض شيوخنا تاويلاً على قول مالك: أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها، لأنه حق لها وليس ببينٍ. ولا يجوز عندهم أن ينظر إلى عورتها، ولا وهى حاسرةٌ. وكره آخرون ذلك كله. والسنة تقضى عليهم مع الإجماع على جواز النظر للحاجة كالشهادة وغيرها. وأجاز داود أن ينظر إلى سائر جسدها تمسكاً بظاهر اللفظ، وأصول السنة أيضاً ترد عليهم. وقوله: " فإن فى أعين الأنصار شيئاً ": دليل على أن مثل هذا وقوله على الجملة دون تعيين ليس بغيبة، مع أيضاً أن قوله للنصيحة والتعريف خارج عن باب الغيبة، وأدخل

стр. 2499

الأَنْصَارِ شَيْئًا " قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا. قَالَ: " عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتهَا؟ ". قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِى بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ ". قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِى عَبْسٍ. بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ. ــ فى باب ما أمر به المسلمون من النصيحة لهم. وقوله: " كأنما تنحتون الفضة من عُرض هذا الجبل " بضم العين: أى تقشرون وتقطعون. والنّحات: النجار؛ لأنه يقشر الخشب بعضه عن بعض. قال الإمام: وعُرض الجبل والحائط وغيرهما: ما واجهك منه، وعُرض الشىء: ناحيته. قال القاضى: قال الحربى وغيره: العُرض: صفح الجبل وناحيته، وعرض المال والبحر والنهر: وسطه، وعرض الشىء: نفسه ويكون وسطه، وقعدت فى عرض الناس، أى وسطهم.

стр. 2500

(١٣) باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير. واستحباب كونه خمسمائة درهم لمن لا يجحف به ٧٦ - (١٤٢٥) حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهلِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبى حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِى. فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأطَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ. فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا، جَلَسَتْ. فَقَامَ رجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ: " فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ؟ ". فَقَالَ: لا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: ــ حديث التى جاءت تهب نفسها للنبى ﷺ ، معناه: على وجه النكاح. واختص النبى ﷺ بالهبة فى النكاح لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِين﴾ (١). وقوله: " فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعّد النظر وصوبه ثم طأطأ رأسه ": دليل على جواز النظر للمتزوج وتكراره وتأمل المحاسن على ما تقدم وأما النظرة الأولى فمباحة للجميع. وقوله: " فقال رجل: إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها " على ما تقدم، ولم يقل: فهبنيها؛ إذ ذلك خالص له ﵇. قال الإمام: قال بعض الأئمة: فيه دليل على أن الهبة لا تدخل فى ملك الموهوب إلا بالقبول؛ لأن الموهوبة كانت جائزة للنبى ﷺ ، وقد وهبتْ هذه نفسها فلم تصر زوجة بذلك، قاله الشافعى. قال القاضى: اختلف قول مالك فى الواهبة نفسها باسم النكاح على غير صداق إذا فات بالدخول، هل يفسخ أَو لا؟ ولا يختلف أنه يفسخ، قبلُ على المعروف دون الشاذ: أنه كنكاح التفويض، وقال ابن حبيب: إن عنى بالهبة غير النكاح ولم يعنِ به هبة

стр. 2501

" اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ ". فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ. فَقَالَ: لا، وَاللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمُ مِنْ حَدِيدٍ ". فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ. ــ الصداق فسخ قبلُ، وثبت بعد الدخول ولها صداق المثل، وإن أراد به نكاحها بغير صداق لم يجز، فإن أصدقها ربع دينار فأكثر لزم، وأوهمَه بعضُ شيوخنا فيما قال، وذلك أن الواهبة نفسها بغير معنى النكاح سفاح يثبت فيه الحد، وإنما الخلاف فيما أريد به النكاح. وفى قول الرجل هذا دليل على جواز الخطبة على الخطبة ما لم يتراكنا، لاسيما مع ما رأى من زهد النبى ﷺ فيها. قال الباجى: فيه جواز ذلك إذا كان باستئذان الناكح إذ هو حقه. قال القاضى: وعندى أن الاستدلال بهذا كله هنا ضعيف؛ لأنه لم يكن هنا خطبة إلا من المرأة للنبى ﷺ فى نفسها، والرجل إنما طلب المرأة وخطبها للنبى ﷺ ، ولم يخطبها غيره قبله، حتى يقال: هى خطبة على خطبة. وقول النبى ﷺ : " هل معك شىء؟ " وقال فى الموطأ (١) وغيره (٢): " تُصدقها ": دليلٌ أنه لا نكاح إلا بصداق. وقوله: " لا أجد ": دليل على أنه لابد أن يكون الصداق مال بال، ويسمى مالاً دون ما ينطلق عليه اسم شىء، إذ النواةُ والخزفةُ المسعرة وشبه ذلك يقع عليه اسم شىء وهو مما لا يتعذر وجوده، وهم مجمعون على أنه لا يكون مثله صداقاً، ولا يصح به النكاح. وقوله: " التمس ولو خاتماً من حديد "، قال الإمام: تعلق به من أجاز النكاح بأقل من ربع دينار، لأنه خرج مخرج التقليل، ومالك منعه بأقل من ربع دينار، قياساً على القطع فى السرقة. قال القاضى: هذا مما تفرد به مالك التفاتاً؛ لقوله تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكم﴾ (٣)، ولقوله: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ (٤)، فدل أن المراد مالهُ بالٌ من المال، وأقله ما استبيح به العضو فى السرقة وهو ربع دينار. وكافة العلماء من الحجازيين والمصريين والكوفيين والشاميين وغيرهم على جوازه بما تراضى عليه الزوجان أو من العقد إليه مما فيه منفعة كالسوط والنعل ونحوه، وإن كانت

стр. 2502

فَقَالَ: لا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلا خَاتِمٌ منْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هذَا إِزَارِى - قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاء - فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَىْءُ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَىْء "، فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَليًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِىَ. فَلَمَّا جَاءَ قَال: " مَاذَا مَعَكَ مِنَ ــ قيمته أقل من درهم، وهو قول الشافعى وربيعة وأبى الزناد وابن أبى ذئب ويحيى بن سعيد، والليث بن سعد ومسلم بن خالد الزنجي، وسفيان الثورى والأوزاعى وابن أبى ليلى وداود، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من أصحابنا، مع استحباب بعضهم أن يكون مالهُ بالٌ. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله عشرة دراهم. وقال ابن شبرمة: أقله خسمة دراهم، اعتباراً - أيضاً - بالقطع فى السرقة عندهما. وكره النخعى أن يتزوج بأقل من أربعين، وقال مرةً: عشرة. قال بعض المالكية: وقوله: " ولو خاتماً من حديد " على طريق المبالغة لا التحديد؛ لقوله أولاً: " لا أجد شيئًا " وإنما المراد بقوله: التمس شيئًا أكثر قيمة من خاتم الحديد؛ إذ نفى الرجل أن يجد شيئًا، ولا ما هو أقل من خاتم الحديد، وقال بعضهم: لعله إنما طلب منه ما يقدمه لا أن يكون جميع مهره خاتم الحديد، وهذا يضعفه أن مذهب مالك استحباب تقديم ربع دينار لا أقل. قالوا: وفيه دليل على جواز اتخاذ خواتم الحديد. وقد اختلف السلف والعلماء فى ذلك، فأجازه بعضهم إذ لم يثبت النهى فيه. ومنعه آخرون وقالوا: كان هذا قبل النهى، وقول النبى ﷺ فيه: " حلية أهل النار ". قالوا: ومطالبته له بذلك فى الحين، يدل أن من حكمه تعجيله أو تعجيل ما يصح أن يكون مهراً، ولو ساغ تأخير جميعه لسأله: هل ترجو أن تكسب فى المستقبل شيئاً أو تجده؟ ويزوجه على ذمته. وقوله: لا أجد إلا إزارى وقول النبى ﷺ : " ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شىء "، وفى الرواية الأخرى: " جلست لا إزار لك ": دليل على أن إصداق المال تخرجه من يد مالكه، وأن من أصدق جاريةً حرمت عليه. وفيه أن الأثمان المبيعات لا تصح إلا بصحة تسليمها أو إمكانه، فمتى لم يمكن ذلك وامتنع لم ينعقد فيه بيع ولا به، سواء كان امتناع ذلك حساً كالطير فى الهواء، والحوت فى الماء، والآبق والشارد، أو شرعاً كالمرهون، ومثل هذا الذى لو أزال إزاره انكشف.

стр. 2503

القُرْآنِ؟ ". قَالَ: مَعِى سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا - عَدَّدَهَا - فَقَالَ: " تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ". هَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِى حَازِمٍ. وَحَدِيثُ يَعْقُوبَ يُقَارُبهُ فِى اللَّفْظِ. ٧٧ - (...) وحدّثناه خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ زَائِدَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بَهذَا الْحَدِيثِ. يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ زَائِدَةَ قَالَ: " انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ ". ٧٨ - (١٤٢٦) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَإهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ الْمَكِّىُّ - وَاللَّفْظ ــ وقوله: " اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن "، قال الإمام: هذه بالتعويض، كما يقال: بعتك ثوبى بدينار، ولم يرد أنه ملكه إياها لحفظه القرآن؛ إكراماً للقرآن؛ لأنها تصير بمعنى الموهوبة، وذلك لا يجوز إلا للنبى ﷺ . قال القاضى: قال غيره: قوله يحتمل وجهين؛ أظهرهما أن يعلمها ما معه من القرآن أو مقدارًا مَا منه، ويكون ذلك صداقها، أى تعليمها إياه، وقد ورد هذا التفسير عن مالك، ويحتج به من يرى أن منافع الأعيان تكون صداقاً، وقد ذكره مسلم مفسراً: " اذهب فعلمها [من] (١) القرآن "، وفى رواية عطاء: " فعلمها عشرين آية ". وذهب الطحاوى والأبهرى وغيرهما أن هذا خاصٌ للنبى ﷺ دون غيره من الناس، ونحوه قال الليث ومكحول. قال الطحاوى: ولما كانت الموهوبة للنبى ﷺ جائزة له فى النكاح جاز له هو - أيضاً - أن يَهبها فى النكاح. قال: ويصحح ذلك أن النبى ﵇ قد ملكها له ولم يشاورها. قال القاضى: وهذا يحتاج إلى دليل. وتكون الباء هنا - على هذا - بمعنى اللام، أى لما حفظته من القرآن، وصِرت لها كفئاً فى الدين. وقد يكون مع هذا التقدير - أيضاً - أن ينكحها إياه لما معه من القرآن؛ إذ رضيه لها، ويبقى ذكر المهر مسكوتاً عنه إما لأنه أصدق عنه كما كفَّر عن الواطئ فى رمضان؛ إذ لم يكن عنده، وَوَدَىَ المقتول بخيبر؛ إذ

стр. 2504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يخلف أهله. كل ذلك رفقاً بأمته ورحمةً لهم، أو يكون أبقى الصداق فى ذمته وأنكحهُ نكاح تفويض حتى يتقوله صداق، أو حتى تكتسب بما معه من القرآن صداقاً، وليحرض بقوله هذا على تعليم القرآن وفضيلة أهله وشفاعتهم به. وأشار الداودى إلى أنه إنما أنكحها بلا مشورة ولا صداق لأنه كان ﵇ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كما قال تعالى (١)، وإذا احتمل هذا كله لم يكن فيه حجة على جواز النكاح بغير صداق أو بما لا قدر له. قال الإمام: فيه دليل على جواز النكاح بالإجارة، وعندنا فى ذلك قولان: الجواز والكراهة، ومنعه أبو حنيفة فى الحُر وأجازه فى العبد، إلا أن تكون الإجارة تعليم القرآن، وهذا الذى استثناه بالمنع هو الذى وقع فى هذا الحديث إجازته، ولكنه طرد أصله فى أن القرآن لا يؤخذ عليه أجر ولم يذكر هنا فى الحديث اشتراط معرفة الزوج لفهم المرأة، وسرعة قبولها لما تتعلمه، وهذا محمله على أن أفهام النساء متقاربة، ومبلغها معروف أو فى حكم المعروف. قال القاضى: يجوز أن كون المنافع صداقاً على الإطلاق. قال الشافعى وإسحاق والحسن بن حَىّ: وبكراهته قال أحمد. وروى عن مالك وعن أصحابه قولان: الجواز ابتداء ومطلقاً، ويفسخ ما لم يدخل، وروى مثله عن مالك أيضاً. قال الإمام: قال الرازى: فيه دلالة على أن من خطب إلى رجل فقال له الآخر: زوجتك، أن النكاح لازم، وإن لم يقل له الآخر: قبلت، بخلاف البيع. قال الإمام: لأن لفظ الحديث: " إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها "، وقال فى الآخر: " قد ملكتكها بما معك من القرآن "، ولم يقل: إنه قال: قبلت. قال القاضى: ترجم البخارى بمعنى هذا على هذا الحديث (٢)، قال المهلبُ: بساطُ الكلام أغنى عن ذلك، وكذلك فى كل راغب فى النكاح وإلا فيسأل الزوج: هل رضى بالصداق أم لا؟ وقول الرازى بخلاف البيع غير مسلم عندنا لو كان سمى ثمناً، فقال: بعنى هذا الثوب بدينارٍ، فقال: قد فعلت، أو بعتكه للزم، وإن لم يقل له الآخر: قد قبلت، ولا يحتاج فى النكاح لذكر العوض لجواز نكاح التفويض بخلاف البيع، فإن كان أراد الرازى هذا الافتراق فصحيحٌ، وإلا فهو ما قلناه. قال الإمام: وفى الحديث - أيضاً - دلالة على انعقاد النكاح بغير لفظ النكاح

стр. 2505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والتزويج، خلافًا للشافعى والمغيرة؛ لأنه ذكر هنا تمليكها. وفى البخارى: " قد ملكتها "، وفى بعض طرقه: " قد أمكنّاكها "، وعند أبى داود: " ما تحفظ من القرآن؟ ". قال: سورة البقرة والتى تليها، قال: " قم فعلمها عشرين آيةً وهى امرأتك " (١). قال القاضى: روايتنا فى مسلم: " مُلِكتها " بضم الميم وكسر اللام عن غير واحدٍ، وروينا الحرف عن الخشنى: " قد ملكتكها "، كما ذكر البخارى، وذكر في الرواية الأخرى: " زوجتكها "، وقد قال أبو الحسن الدارقطنى: إن رواية من رواه " ملكتها " وَهْم، ورواية من قال: " زوجتكها " الصواب، وهم أكثر وأحفظ. واختلف العلماء فى عقد النكاح بلفظ الهبة، مثل أن يقول الرجل: وهبت لك ابنتى على صداق كذا، فمنعه الشافعى وأبو ثور والمغيرة وابن دينار من أصحابنا، وأبو حنيفة ابتداء والثورى ومن تابعهم، وقالوا: لا يصح عقد النكاح إلا بلفظ النكاح أو التزويج. وكما لا ينعقد هبة ولا بيع بلفظ النكاح، كذلك لا ينعقد بهما النكاح، وبخصوص الهبة للنبى ﷺ ، وحكى ابن المواز نحوه عن مالكٍ وأصحابه، سمَّى صداقاً أم لا. وأنه لم يختلفوا فيه أنه يفسخ قبل، واختلفوا فى فسخه بعد الدخول. وبإمضائه بعد الدخول قال أبو حنيفة، وبفسخه أبداً قال الشافعى، وروى ابن القاسم عن مالك إجازته، وقال: هو كالبيع عنده بلفظ الهبة، وقال من قال بهذا القول: إنما خُص النبى ﷺ بالهبة دون صداق وهذا هو حقيقة مذهبنا عند البغداديين. قال ابن القصار: يصح النكاح بلفظ الهبة والصدقة والبيع إذا قصد به النكاح، ذكر الصداق أو أطلقوه، ولا يصح بلفظ الرهن ولا بلفظ الإجارة والعارية والوصية، ومن أصحابنا من أجازه بلفظ الإحلال والإباحة، وجوز هو منع ذلك؛ إذ ليسا بعقد والهبة عقد. وأصل مذهب الشافعى أنّه لا يجوز بغير لفظ النكاح والتزويج، وأبو حنيفة يجيزه بكل لفظ يقتضى التمليك على التأبيد، وقد ذكر عنه فى الهبة ما تقدم. وقيل فى هذا الحديث من الفقه غير ما تقدم: جواز خطبة المرأة نفسها للرجال، وجواز سكوت المسؤول عن علم أو حاجة عن السائل إذا لم يوافقه جواب سؤاله، وحسن أدب النبى ﷺ ؛ إذ سكت عن جوابها ولم يُخجلها بأن يقول: لا حاجة لى بك. وفيه من حسن أدبها هى؛ إذ سكت عنها أن لم تُلح عليه فى الجواب وتركته ونظرهُ. وفيه الكفاءة فى حق الدين والحرية لا فى المال، وجواز تزويج المعسر. قال الخطابى: وفيه دليل إجازة إنكاح المرأة دون أن تسأل: هل هى فى عدة أم لا؟ حملاً على ظاهر الحال، والحكام يبحثون عن ذلك احتياطاً.

стр. 2506

لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُه لأَزْوَاجِهِ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًا. قَالَتْ: أَتَدْرِى مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا. ــ وفيه دليل أن سكوت كل من عقد عليه عقد فى جماعة لازم إذا لم يمنعه من الإنكار خوف أو حياء أو آفة فى سمع أو فهم، وجواز استمتاع الرجل بشهوة زوجته، وما اشترى من صداقها لقوله: " ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شىء "، وفى قول هذا نظر؛ إذ ما قاله ﵇ من هذا حجة فى منع صداقها إياه وتعذر تسليمه على ما تقدم لا على إباحة لبسه له. قالوا: وفيه جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهو مذهب كافة العلماء. ومنعه أبو حنيفة إلا للضرورة. وعلى هذا اختلفوا فى أخذ الأجرة على الصلاة وعلى الأذان وسائر أفعال البر. فروى عن مالكًا كراهة جميع ذلك فى صلاة الفرض والنفل، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، إلا أن مالكًا أجازها على الأذان، وأجاز الإجارة على جميع ذلك ابن عبد الحكم، وهو قول الشافعى وأصحابه، قالوا: وأعمال البر أولى ما أخذ عليها الأجر، ومنع ذلك ابن حبيب فى كل شىء، وهو نحو قول الأوزاعى، وقال: لا صلاة له. وروى عن مالك إجازته فى النافلة، وروى عنه إجازته فى دون النافلة؛ إذ لابد له من عمل الفريضة فلا تؤثر فيها الأجرة. وفيه جواز الأجرة على تحفيظ القرآن؛ إذ لم يذكر مدة الإجارة وإنما شرط فى ظاهره التعليم. واستدل بعضهم بإنكاح النبى ﷺ إياها بأن الإمام أولى بإنكاح المرأة إذا ولته أمرها من الولى. وهذا لا حجة فيه؛ إذ النبى ﷺ بخلاف غيره، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وليس فى هذا الحديث - أيضاً - بيان أنها ذات ولى، ولا خلاف عندنا أن ولىّ القرابة أولى من السلطان. واختلف إذا كان بعيد القرابة كالرجل من البطن، فعبد الملك يقول: السلطان أولى، وظاهر المذهب: الولى أولى. وقوله: " كان صداق رسول الله ﷺ لنسائه ثنتى عشرة أوقية وَنَشّاً " وفسر النَشّ بنصف أوقية، قال: " فذلك خمسمائة درهم ": قال الخطابى: هذا اسم موضوع لهذا القدر ليس مشتقاً من شىء، وقال كراعٌ: النش نصف الشىء. ولا خلاف بين العلماء أنه لا حدَّ لأكثر المهر، وأما أقله فقد تقدم الكلام فيه، وقد

стр. 2507

قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لأَزْوَاجِهِ. ٧٩ - (١٤٢٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ. فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: " فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ". ــ نهى عمر عن التغالى فى صدقات النساء، وقال: " لو كانت مكرمة أو تقوى لكان الأولى بها النبى ﷺ ، وأنه ما أصدق امرأةً من نسائه ولا أصدق امرأة من بناته أكثر من ثنتى عشرة أوقية " (١)، ولم يذكر فيها النش، وهو قريب من الحديث الأول. ولا يُعترض عليه بحديث أم حبيبة وأن النجاشى أمهرها عنه أربعة آلاف درهم، فهذا شىء فعله النجاشى وتطوع به، ولم يبتدئه النبى ﵇ ولا أداه من ماله. وقوله: رأى على عبد الرحمن أثر صفرة، فقال: " ما هذا؟ ": فيه افتقاده لأموره فى الرجل الفاضل أمور أصحابه (*)، والسؤال عما يختلف عليه من أحوالهم، وليس هذا من كثرة السؤال المنهى عنه. وقوله: " أثر صفرة "، وفى حديث آخر: " وضر صفرة "، وهو مثل أثرها، وظاهره - والله أعلم - ما قيل: إنه [ما] (٢) تعلق به من طيب العروس وعبيرها، ولطخ بجلده أو ثوبه من ذلك. وهذا أولى ما قيل فيه. وقد جاء فى حديث آخر: " وبه ردعٌ من رعفران " وهو الأثر، فلا يكون [هذا] (٣) داخلاً فى النهى عن تزعفر الرجال؛ لأن ذلك ما قصدوه وتشبهوا فيه بالنساء. وقيل: فيه الرخصة فى ذلك للعروس، وقد جاء فى ذلك أثر، ذكره أبو عبيد: أنهم كانوا يرخصون فى ذلك للشباب أيام عرسه. وقيل: لعل النبى ﷺ لم ينكر عليه لأنه كان يسيراً. وقيل: كان من ينكح أول الإسلام [كان] (٤) يلبس ثوباً مصبوغاً بصفرةٍ، علامة

стр. 2508

٨٠ - (...) وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، عَلىَ وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ". ٨١ - (...) وحدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ لَهُ: " أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ". (...) وحدثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً. ٨٢ - (...) وحدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: رَآنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَلَىَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ. فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ: " كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟ " فَقُلْتُ: نَوَاةً. ــ للسرور. وهذا غير معروف، على أنّ بعضهم جعله أولى ما قيل فى هذا، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك فى ثيابه. ومذهب مالك وأصحابه جواز لباس الثياب المزعفرة للرجال، وحكاه مالك عن علماء المدينة، وهو مذهب ابن عمر وغيره من المسلمين، وحجتهم: قول ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يصبغ بالصفرة (١). وحكى ابن شعبان عن أصحابنا كراهة ذلك فى اللحية، وكره الشافعى وأبو حنيفة ذلك فى الثياب واللحية، وقد مر الكلام فى هذا فى أول [كتاب] (٢) الحج، ويأتى منه فى اللباس. وقوله فى الرواية الأخرى: " بشاشة العروس "، قال الإمام: البشاشة: السرور والفرح، يقال: تبشبش فلان بفلان: إذا أنَّسه. وأصله من البشاشة، والبشُّ: فرح

стр. 2509

وَفِى حَدِيثِ إِسْحَاقَ: مِنْ ذَهَبٍ. ٨٣ - (...) وحدثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى حَمْزَةَ - قَالَ شُعْبَةُ: وَاسْمُهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى عَبْدِ اللهِ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَن تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. ــ الصديق بالصديق. قال الليث: بششت بالرجل: إذا أقبلت عليه وتلطفت له فى المسألة. قال القاضى: قال الحربى: بشاشة العرس: أى أثره وحسنه. وقوله ﵇: " كم أصدقتها؟ ": دليل على أنه لابد فى النكاح من الصداق. وقد يشعر ظاهره أنه يحتاج إلى تقدير؛ لأنه جاء بلفظة " كم " الموضوعة للتقدير، فيحتج به المالكية والحنفية فى أن أصل النكاح مقدّر على ما تقدم. وقوله: " وزن نواةٍ من ذهب "، قال الإمام: النواة: خمسة دراهم، والأوقية: أربعون درهماً، والنش: عشرون. قال القاضى: قال الخطابى: النواة: اسم معروف لقدرٍ معروف، فسروها بخمسة دراهم من ذهب. قال القاضى بهذا فسرها ابن وهب وغيره من المالكية وأكثر العلماء. وقال أحمد بن حنبل: النواة: ثلاثة دراهم وثلث. وقيل: المراد بها هنا: نواة التمر، أى وزنها من ذهبٍ، والأول أظهر وأصح، وقال بعض أصحاب مالك: النواة بالمدينة ربع دينار. وظاهر كلام أبى عبيد: أنه دفع خمسة دراهم. قال: ولم يكن ثم ذهب، إنما هى خمسة دراهم تسمى نواة، كما تسمى الأربعون أوقية. وقد روى فى حديث عبد الرحمن: " وزن نواة من ذهبٍ ثلاثة دراهم وربع "، وأراد أن يحتج هذا بأنه أقل الصداق. وهذا لا يصح له؛ لأنه قال: " من ذهب " وذلك أكثر من دينارين، وهذا ما لم يقله أحد، وإنما هى غفلة من كاتبه، بل فيه حجة على من يقول: إنه لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقد وهّم الداودى رواية من روى: " وزن نواةٍ "، وأن الصحيح عنده: " نواةً " ولا وهم فيه على كل تفسير؛ لأنه إن كانت نواة تمر - كما قال - أو كان عندهم النواة مثقالاً معلوماً - كما تقدم - فكل يصلح أن يقال فيه: وزن كذا. وقوله: " بارك الله عليك ": حجة فيما يقال للمتزوج، وقد تقدم الكلام عليه. وقوله: " أولم ولو بشاةٍ ": قال صاحب العين: الوليمة: طعام النكاح، وقال الخطابى: هى طعام الإملاك. وقال غيره: الوليمة: طعام العرس والإملاك خاصةً.

стр. 2510

(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مِنْ ذَهَبٍ. ــ قال الإمام: الوليمة: عندنا مستحبة ليست بواجبة، خلافاً لداود، وأحد قولى الشافعى فى إيجابها أخذاً بهذا، وحمله على الوجوب. ولقوله: " ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله " (١)، ومحمل قوله: " أولم [بشاة] (٢) " على الندب عندنا، ولا حجة لهم فى قوله: " ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله "؛ لأنه إنما أطلق ذلك علة فى ترك الإجابة، وهى لو كانت واجبة ما دل ذلك على وجوب الوليمة، كما قيل: إن الابتداء بالسلام ليس بواجب والرد واجبٌ. فكذلك غير بعيد أن تكون الدعوة غير واجبة، والإجابة واجبة. وقد قال بعض البغداديين من أصحابنا: لا يمنع أن يطلق على من أخلّ بالمندوب تسميته عاصٍ؛ لأن المعصية مخالفة الأمر، والمندوب مأمور به. قال القاضى: استدل بعضهم من ظاهر القصة على جواز الوليمة بعد الدخول، وقال بعضهم: ليس فى الحديث ما يدل عليه، والأول أظهر. وظاهر قول مالكٍ فى كتاب محمدٍ استحبابها بعد الدخول، وهو قول غيره، ووجهه شهوة الدخول والابتناء لما يتعلق به من الحقوق، ولأنه فرق بين النكاح والسفاح، والرواية الأخرى عنه جوازها بعد الدخول، وحكى ابن حبيب استحبابها عند العقد وعند البناء، واستحبها بعض شيوخنا قبل البناء حتى يكون الدخول بها. وقوله: " ولو بشاة ": دليل على [أن] (٣) التوسعةَ فيها لأهل الواجد بالذبح وغيره، وأن الشاة لأهل الجدة والقدرة أقل ما يكون وليس على طريق التحديد، وأنه لا شىء أقل منها لمن لم يجدها، بل على طريق الحض والإرشاد. ولا خلاف أنه لا حد لها، ولا توقيت. وقد ذكر مسلم بعد هذا - فى وليمة صفية - الوليمة بغير اللحم، وفى وليمة زينب: " أشبعنا خبزاً ولحماً "، فكل جائز وبقدر حال الرجل وما يجد. واختلف السلف فى أثر تكرارها أكثر من يومين بإجازته وكراهيته. واستحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعاً. قال بعضهم: وذلك إذا دعى فى كل يوم من لم يُدع قبله ولم يكرر عليهم. وكرهوا فيها المباهاة والسمعة. وذكر بعد هذا قوله ﵇: " إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها "،

стр. 2511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله فى الرواية الأخرى: " عرساً كان أو غيره "، [وفى الأخرى: " آتوا الدعوة "] (١) وفى الأخرى: " إذا دعى أحدكم لكراع فليجب "، وفى الأخرى: " لطعام "، وفى الأخرى: " لعرسٍ "، وفى الأخرى: " ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله ": وإنما تقدم الكلام عليه هنا لاتصاله بالمسألة، فلم يختلف العلماء فى وجوب الإجابة فى وليمة العرس، واختلفوا فيما عداها، فمالك وجمهورهم: على أنه لا تجب، وذهب أهل الظاهر إلى وجوبه فى كل دعوة، عرساً كان أو غيره، بظاهر الألفاظ الأخر التى ذكرناها. وقال الشافعى: ذلك واجب فى الوليمة، ولا أرخص فى ترك غيرها من الدعوات التى لا يقع عليها اسم وليمة كالختان والإملاك والنفاس، وحادث سرورٍ، ولا يبين إلىّ أن تاركها عاصٍ كتارك الوليمة، ولمالك فى المدونة أن هذا فى طعام العرس، وليس فى الإملاك، وهذا على مالهُ فى كتاب محمد أنها بعد البناء، وهو الذى يسمى عنده وليمةً وعرساً. وفى مسلم عن عبيد الله - هو العمرى - نحوه قال: إنه كان ينزّلهُ على العرس؛ أى يتأوله فيه ويجعله مراد الحديث، فكذلك اختلف السلف فى إجابة ماعدا الوليمة، وحمل من خص ذلك بالعرس أن غيرها على الندب، والأوامر فى ذلك على التخصيص لا على الإيجاب، وخص الوليمة بالإيجاب نصه فيها على العصيان، وأن الوليمةَ اسم يختص لطعام العُرس والإملاك على ما تقدم. وكره مالك لأهل الفضل الإجابة للطعام يدعون إليه، وتأوله بعض أصحابنا على غير الوليمة، وتأوله بعضهم على غير طعام أسباب السرور المتقدمة مما يُصنع تفضلاً. واختلف فى وجوب الأكل للمفطر فيها، فلأهل الظاهر فيها قولان، وقد خرجهم الباجى على مذهبنا من قول مالك وأصحابه. وقال الشافعى: إذا كان مفطراً أكل، وإن كان صائماً صلى، أى دعى، على ما جاء فى الحديث. قال مالك: يجيب وإن لم يأكل وإن كان صائماً، وعن إصبغ تخفيف ذلك، فرأى أن الإجابة إنما تتعين، فظاهرُه وجوب الأكل عندهم. وكذلك اختلف قول أهل الظاهر فى وجوب الأكل فى كل دعوة بناء على وجوب الإجابة فيها على قولهم، واختلف السلف ومن بعدهم إذا كان فيها لعبٌ مباحٌ أو منكر، والاكثر فى المنكر ألا تحضر معه، وأبو حنيفة وبعضهم يجيزه، وعندنا فيه قولٌ شاذ والأكثر فى المباح الحضور إلا لأهل الفضل والهيئات، وفى مذهبنا فى هذا قولان.

стр. 2512

(١٤) باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها ٨٤ - (١٣٦٥) حدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، قَالَ: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِى طَلْحَةَ. فَأَجْرَى نَبِىُّ اللهِ ﷺ فِى زُقَاقِ خَيْبَرَ، وِإنَّ رُكْبَتِى لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ ، وَانْحَسَرَ الإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِىِّ اللهِ ﷺ ، فَإِنِّى لأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِىِّ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: " اللهُ أَكْبَرُ؛ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ " قَالَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ. فَقالُوا: مُحَمَّدٌ، وَاللهِ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مُحَمَّدٌ، وَالْخَمِيسُ. ــ قوله فى حديث أنس: " فأجرى النبى ﷺ فى زقاق خيبر ": فيه أن إجراهم الخيل والتصرف عليها لأهل الفضل والشجاعة مباح مستحب فى مواطنه، وحيث يحتاج إليه أو يمرن نفسه عليها، أو يروض فرسه به. وقوله: " وانحسر الإزار عن فخذِ نبى الله ﷺ ، وإنى لأرى بياض فخذه ": حجة لمن لا يرى الفخذ عورة، وقد ذكرنا الخلاف فيه فى كتاب الطهارة. وقوله: " محمدٌ والخميس " برفع السين، قال الإمام: قال الأزهرى: الخميّس: الجيش، سمى خميساً لأنه مقسوم على خمسة: المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب. وقال غيره: سمى [الجيش] (١) خميساً؛ لأنهم يُخمسون الغنائم فيه. قال القاضى: هذا بعيد؛ لأن الخميسَ فيه إنما جاء فى الشرع، وإنما كان قبل ذلك المرباع، يأخذ الرئيس الربع. وقوله: " الله أكبر خربت خيبر ": قيل: فقال النبى ﷺ لما رآهم خرجوا بآلة الخراب والهدم، لقوله: " خرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم "، وهذا من الفأل الحسن فى حقه ﵇ وحق المسلمين الذى كان يستحبه، وليس من الطيرة المذمومة. والمكاتل: القفف. والمرور: قيل: الحبال؛ لأنها تمرُ، أى تُفتل، كانوا يصعدون

стр. 2513

قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، وَجُمِعَ السَّبْىُ. فَجَاءَهُ دَحْيَةُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنى جَارِيَةً مِنَ السَّبْىِ. فَقَالَ: " اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً "، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ. فَجَاءَ إِلَى نَبِىِّ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللهِ، أَعْطَيْتَ دَحْيَةَ، صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ، سَيِّدِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ؟ مَا تَصْلُحُ إِلا لَكَ. قَالَ: " ادْعُوهُ بِهَا ". قَالَ: فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِىُّ ﷺ قَالَ: " خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبِىِ غَيْرَهَا ". قَالَ: وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. ــ بها للنخيل، واحدها مَرْ ومِرٌ، بالفتح والكسر. قيل المرور: المساحى، واحدها مَرٌ بالفتح، وقيل: يقال لها: الحراب من اسمها، لجمعه حروفه، وقد يحمل أنه خبر على وجه الدعاء بخرابها، وسيأتى الكلام على ما فى بقية الحديث فى الجهاد. قيل: وفيه سُنة التكبير عند الظهور، والفتوحات، ورؤية الهلال والإشراف على المدن؛ لأنه إعلام وثناء على الله، واعتراف بجلاله، وشكر له بجميل ذكره على ما أولاه من فضله. وقوله: " وأصبناها عنوةً ": سيأتى الكلام فى حكم خيبر، وما كان منها عنوة وصلحاً، وأن جميعها لم يكن عنوةً، وحصن الوطيح وحصن السَّلالم منها صلح، وسنذكرهما وغيرهما فى موضعه. وقوله لدحية حين سأله جارية من السبى: " اذهب فخذ [جارية] (١) فخذ صفية، وذكر استرجاع النبى ﷺ ، قال الإمام: يحتمل عند ما جرى له مع دحية وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك برضا دحية وطيب نفسه، فيكون معاوضة جارية بجارية. فإن قيل: الواهب منهى عن شراء هبته، فكيف عاوضه هنا عما وهبه؟ قلنا: لم يهبه من مال نفسه فينهى عن الارتجاع، وإنما أعطاه من الله على جهة النظر، كما يعطى الإمام النفل لأحد أهل الجيش نظراً، فيكون ذلك خارجاً عن ارتجاع الهبة وشرائها، والتأويل. الثانى: له أن يكون إنما قصد ﵇ إعطاء جارية من حشو السبى ووخشه، فلما أطلع أن هذه من جياده، وأن ليس من المصلحة إعطاء مثلها لمثله، وقد يؤدى ذلك إلى المفسدة، استرجعها لأنها خلاف ما أعطى. لكن فى بعض طرق هذا الحديث قال: " وقعت فى سهم دحية جارية جميلةٌ فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها، وهى صفية " ففى الرواية: أنه أخذها فى قسمة ولم يذكر الهبة، وفيها: أنه اشتراها منه. فعلى هذا يستغنى عن الاعتذار عن ارتجاع الهبة. قال القاضى: قال بعضهم: فيه أن الإمام إذا أعطى ونفَّل ما لم يعلم مقداره أن له استرجاعه والتعويض منه، وليس له أخذه بغير عوض. وفيه بيع العبيد والحيوان كبيراً

стр. 2514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقليل، يداً بيد، وواحداً بآخر، على اختلاف ألفاظ الحديث وإنما يراعى اختلاف العدد والجنس مع الأجل إلا فى النقد. وفيه أن قوله: " جارية من السبى " فى الحديث الواحد: دليل على أنه لم يقع على طريق المشاحة بل على المكارمة؛ إن لم تحضر حينئذٍ ولم يرها، فلم يكن بيعاً، وإنما كان استرجاعاً على تطييب نفسه بالعوض ويجمع بين هذا وبين قوله فى الرواية الأخرى: " فاشتراها بسبعة [أرؤس": أن دحية شح بحقه فيها وتمييزها فى حقه. ولم يرض فى أخذ العوض عنها بجارية حتى أرضاه النبى ﵇ بسبعة] (١)، فيجمع الأحاديث كما فعل فى سبى هوازن. وقوله لهم: " فمن شاء أن يكون على حقه، حتى نعطيه من أول ما يفىء الله علينا ": تطيباً لأنفسهم. فيه إعطاء النبى ﷺ صفية لدحية حين سأله جارية من السبى، ولم يأت فى الحديث أنه بعد القسم. [وصفية مما أصيبت من العنوة، ولم تكن فيها لأنها من حصن الغموص] (٢)، وهو مما أخذ عنوةً، وبها أخذت صفية على ما ذكر ابن إسحاق فيحتمل أنها مما كان خلص للخمس، فنفله النبى ﵇ إياها، أو قل القسم حتى يحسبها من الخمس. لكن جاء فى الحديث الآخر: أنها خرجت فيمن سهمه، فوجه الجمع بين الحديثين أن يجعل السهم هنا لغير القسم؛ لأن من ملك شيئاً وحصل عنده قد يقال له ذلك، ويستعار له اسم السهم الذى يكون فى القرعة. والأولى عندى أن تكون صفية فيئاً؛ لأنها كانت زوجة كنانة بن الربيع، وهو وآل بيته من بنى أبى الحُقيق قد صالحوا رسول الله ﷺ ، وشرط عليهم ألا يكتموا كنزاً، فإن كتموه فلا ذمة لهم، وأنه سألهم عن كنز حيى بن أخطب فكتموه، وقالوا: أذهبته النفقات، ثم عثر عليه عندهم فاستباحهم وسباهم، وذكر ذلك أبو عبيد وغيره. فصفية لاشك ممن سبى من نسائهم، وممن دخلت أولاً فى صلحهم، فقد صارت فيئاً لا تخمس، وللإمام وضعه حيث أراه الله، فهذا وجهه عندى. قال الإمام: وأما قوله: " جعل عتقها صداقها ": فإن الناس اختلفوا فى هذا، فمنهم من أجاز ذلك لظاهر [هذا] (٣) الحديث، ومالك وغيره من الفقهاء يمنع ذلك، وقال الشافعى: هى بالخيار إذا أعتقها، فإن امتنعت من تزويجه فله عليها قيمتها. فأما مالك وغيره - ممن وافقه - فيحمل هذا على أنه من خصائص النبى ﷺ ؛ لأنه خص بالموهوبة، وأجيز له النكاح بغير مهر فلا يقاس غيره عليه فيما خُص ﵇ به، والاعتبار عند بعض أصحابنا يمنع من ذلك أيضاً؛ لأنه إن قدر أنها عقدت على نفسها

стр. 2515

فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِىُّ ﷺ عَرُوسًا. فَقَالَ: " مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَىْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ ". قَالَ: وَبَسَطَ نِطَعًا. قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِىءُ بِالأَقِطِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِىءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِىءُ بِالسَّمْنِ. فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَاَنَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ٨٥ - (...) وحدّثنى أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ وَشُعَيْبِ بْنِ حَبْحَابٍ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدثنَاً قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، ــ النكاح قبل عتقها فذلك لا يصح؛ إذ لا ملك لها فى نفسها حينئذ، ولا يصح - أيضاً - عقد الانسان نكاحه من أمته. وإن قدر أنها عقدت بعد عتقها فلم يقع منها بعد ذلك رضاً تطالب به، وإن كان يقدر قبل عتقها بشرط أن تعتق فقد عقدت الشىء قبل وجوبه، والتزامها فى هذا وجوب الشىء عليها قبل أن يجب لها لا يلزمها على الطريقة المعروفة عندنا. وأما حجة الشافعى: فإنه يقول: إنها عتق بعوض، فإذا بطل العوض فى الشرع رجع فى سلعته أو فى قيمتها إن لم يمكن الرجوع فيها، وهذه لا يمكن الرجوع فيها. فإن تزوجته بالقيمة الواجبة له عليها صح ذلك عنده. قال القاضى: وأيضاً فإن قوله: " وجعل عتقها صداقها ": إنما هو من قول أنسٍ، لم يسنده، فلعله تأويل منه إن لم يُسم لها صداق - والله أعلم. وبقول مالك فى هذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر، وبإجازة ذلك قال الثورى وإسحاق وأحمد والأوزاعى وأبو يوسف، ويروى عن ابن المسيب والحسن والنخعى والزهرى. وقيل: معنى " جعل عتقها صداقها ": أى لم يجعل لها صداقاً كالموهوبة المخصوصة له. وقوله: " دفعها إلى أم سليم تصنعها له وتهيئها ": أى تزينها وتصلحها. فيه جواز مثل هذا ما لم يكن بالوجه المنهى عنه؛ من الوصل والوشم وشبهه. وقوله: " حتى إذا كان الطريق جهزتها له أم سليم، وأهدتها له من الليل ": فيه الابتناء بالليل فى السفر، وجواز إقامة الإمام فى حاجته بالجيش ما لم يضر لهم؛ لأنه قد روى أنه أقام عليه ثلاثاً، خرجهُ البخارى (١) وأن الثلاث فى حُكم السفر ليست بإقامة، وهذا يؤكد حق الزوج الثيب فى الثلاث.

стр. 2516

عَنْ قَتَادَةَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى عن شُعَيْبِ بْنِ الحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ شُعَيْبِ ابْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسٍ، كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقُهَا صَدَاقَهَا. وَفِى حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ: تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ وَأَصْدَقَهَا عِتْقَهَا. ٨٦ - (١٥٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى الَّذَى يُعْتِقُ جَارِيَتهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا: " لَهُ أَجْرَانِ ". ٨٧ - (١٣٦٥) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِى طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقَدَمِى تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ، وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمَ وَخَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ وَمُرُورِهِمْ. فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ، وَالْخَمِيسُ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ". قَالَ: وَهَزَمَهُمُ اللهُ وَوَقَعَتْ فِى سَهْمِ دَحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تُصَنِّعُهَا لَهُ وَتُهَيِّئُهَا - قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَتَعْتَدُّ فِى بَيْتِهَا، وَهِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ. قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلِيمَتَهَا التَّمْرَ وَالأَقِطَ وَالسَّمْنَ، فُحِصَتِ الأَرْضُ ــ وقوله: " وتعتد فى بيتها ": أى تستبرئ؛ لأنها كانت مسبية، أى فى بيت أم سليم ثم حينئذ تهيئها له، والواو لا ترتب. وقوله ﵇: " من كان عنده شىء فليجئ به ": فيه انبساط الرجل مع أصدقائه وحاشيته وآله، واستدعاء مثل هذا ممن يعرف سروره به وصحبته فيه. وقوله: " فجعل الرجل يجىء بالإقط، والرجل يجىء بالتمر، والرجل يجىء بالسمن، فحاسوا حيساً "، وفى الحديث الآخر: " فجعلوا من ذلك السواد سواداً حَيْسًا ": السواد: كل شخص ظاهرٍ، وسواد الشىء: شخصه، يعنى أنهم جعلوا من ذلك مواضعه، وشغل ذاته موضعه، ومنه سواد العراق للعامر من أرضه، والظاهر عمارته منها.

стр. 2517

أَفَاحِيصَ، وَجِىءَ بِالأَنْطَاعِ فَوُضِعَتْ فِيهَا، وَجِىءَ بِالأَقِطِ وَالسَّمْنِ فَشَبِعَ النَّاسُ. قَالَ: وَقَالَ النَّاسُ: لا نَدْرِى أَتَزَوَّجَهَا أَمِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ. قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِىَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَحُجبْهَا فَهِىَ أُمُّ وَلَدٍ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا فَقَعَدَتْ عَلَى عَجُزِ الْبَعِيرِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا. فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةَ دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدَفَعْنَا. قَالَ: فَعَثَرَتِ النَّاقَةُ الْعَضبَاءُ، وَنَدَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَدَرَتْ. فَقَامَ فَسَتَرَهَا، وَقَدْ أَشْرَفَتِ النِّسَاءُ. فَقُلْنَ: أَبعَدَ اللهُ الْيَهُودِيَّةَ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، أَوَقَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِى، وَاللهِ لَقَدْ وَقَعَ. ٨٧ م - (١٤٢٨) قَالَ أَنَس: وَشَهِدْتُ وَليمَةَ زَيْنَبَ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا. وَكَانَ يَبْعَثُنِى فَأَدْعُو النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ وَتَبعْتُهُ. فَتَخَلَّفَ رَجُلانِ اسْتأنَسَ بهِمَا الْحَدِيثُ، لَمْ يَخْرُجَا. فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: " سَلامُ عَلَيْكُمْ، كَيفَ أَنْتُم يَأَهْلَ الْبَيْتِ؟ ". فَيقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: " بِخيْرٍ "، فَلمَّا فَرَغَ رَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ إِذَا هُوَ بِالرجُلَيْنِ قَدِ اسْتَأنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ. فَلَمَّا رَأَيَاهُ قَدْ رَجَعَ قَامَا فَخَرَجَا. فَوَاللهِ، مَا أَدرِى أَنَا أَخْبَرْتُهُ أمْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ بِأَنَّهُمَا قَدْ خَرَجَا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ أَرْخَى الْحِجَابَ بَيْنِى وَبَينَه، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَة ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن ــ قال الإمام: والحيس: تمر وأقط وسمن، وقد تقدم ذكره، وقد بينه فى الحديث [بقوله: " إن الرجل كان يجىء بالأقط، ويجىء الرجل بالتمر، ويجىء الرجل بالسمن، فحاسوا حيساً "] (١). وقوله: " فحصت الأرض أفاحيص، وجىء بالأنطاع ": يقال: فحصت عن الشىء: إذا كشفت عنه، وفحصت التراب: قلبته، وفحص الطائر مفحص لبيضه سواء. والأفاحيص واحدها أفحوص. والأنطاع واحدها نِطعٌ، وفيه أربع لغات: نِطَعٌ، ونطْعٌ، وَنَطَعٌ، ونَطْعٌ. وقوله: " فعثرت [الناقة] (٢) العضباء ": هو اسم لها لا صفة. قال أبو عبيد: أما ناقة النبى ﷺ فإنها تسمى العضباء، وليس لشىء كان بأذنها.

стр. 2518

يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ (١). ٨٨ - (١٣٦٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنِى بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، قَالَ: صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدَحْيَةَ فِى مَقْسَمِهِ، وَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا عِنْدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ: وَيَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا فِى السَّبْىِ مِثْلَهَا. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى دَحْيَةَ فَأَعْطَاهُ بِهَا مَا أَرَادَ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّى فَقَالَ: " أَصْلِحِيهَا ". قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا جَعَلَهَا فِى ظَهْرِهِ نَزَلَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْقُبَّةَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيأتِنَا بِهِ ". قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِىءُ بفَضْلِ التَّمْرِ وَفَضْلِ السَّوِيقِ، حَتَّى جَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ سَوادًا حَيْسًا، فَجَعَلُوا يَأكُلُونَ مِنْ ذَلِكَ الْحَيْسِ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ حِيَاضٍ إِلَى جَنْبِهِمْ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ. قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى رَأَيْنَا جُدُرَ الْمَدِينَةِ ــ قال القاضى: قد مضى الكلام على هذا فى الحج، وأن الأولى خلاف ما قال أبو عبيد، وكونه صفة لها أو صفة واسماً معاً هو الصحيح إن شاء الله. قال ابن وضاح: الحيسُ: التمر ينزع نواه ويخلط بالسويق، والأول معروف (٢). وقوله: " حين بزغت الشمس ": أى حين ابتداء طلوعها وهو بزوغها. وقوله: " وندر رسول الله ﷺ وندرت " بالنون: أى سقط وسقطت: وأصله الشىء يسقط من الشىء ويخرج منه، ومنه نوادر الكلام. وقوله: " هششنا إليها ": كذا عند أبى سعيد السجزى، وعند غيره: " هشنا " إليها بتشديد الشين، وكلاهما صوابٌ، وهو بكسر الشين فى الماضى وفتحها فى المستقبل، كذا قيدته فى كتاب الهروى على أبى الحسين، ونحوه فى كتاب العذرى، ومعنى " هششنا ": نشطنا وخففنا وبادرنا. وقال " شمرٌ " فى قوله: " فهششت إلى امرأتى ": أى فرحتُ واستهيأت، وهو مما تقدم. ومن قال: " هَشّنا " فعلى الإدغام ولالتقاء المثلين، ولغة من قال من العرب: هُزت بسيفى، وهى لغة بكر بن وائلٍ. ورواه بعضهم بفتح الهاء على لغة من قال من العرب: ظلت أفعل كذا من ظللت.

стр. 2519

هَشِشْنَا إِلَيْهَا، فَرَفَعْنَا مَطِيَّنَا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَطِيَّتَهُ. قَالَ: وَصَفِيَّةُ خَلْفَهُ قَدْ أَرْدَفَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَعَثَرَتْ مَطِيَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصُرِعَ وَصُرِعَتْ. قَالَ: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلا إِلَيْهَا، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَتَرَهَا. قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ: " لَمْ نُضَرَّ ". قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَخَرَجَ جَوَارِى نِسَائهِ يَتَرَائَيْنَهَا وَيَشْمَتْنَ بِصَرْعَتِهَا. ــ وردت بمعنى: رددت، ممن لا يرى التضعيف ويسهل. ووقع عند القاضى الصدفى عن العذرى: " هِشْنَا " بكسر الهاء وسكون الشين، ووجهه من هاش يهيش. قال الهروى: هو بمعنى قولهم: هش. قال شمرٌ: يقال: هاش بمعنى طرب، قال: فكبر للرؤيا وهاش فؤاده، وكما قالوا: نمت من نام، وقد يكون " هِشنا " من هششنا، على لغة من قال: ظلت أفعل كذا، حكاها سيبويه فى الشاذ. وقوله: " فخرج جوارى نسائه ": أى الصغار الأسنان منهن، ومن لم تُسَمَّنْه السِنُ والحُنْكَة. قوله: " يَتَرَاءيْنها وَيَشْمَتنَ بصرْعتاها ": لما جبل الضرائر عليه من الغيرة، لا سيما بالطارئة عليهن. وفى حديث صفية جواز نكاح الرجل معتقته، وقد جاء فى الحديث فى ذلك: " له أجران ". وقوله: " فقالوا: إن حجبها فهى امرأته ": استدل به بعضهم أنها بغير صداق كالموهوبة، ولو كان إنما نكحها على أن عتقها صداقها كما زعم المخالف وظن، أليس لم يخف عليهم أنها زوجه؟ ويكون قوله فى الحديث الآخر: " أعتقها وتزوجها " إخبار عما استبان بعد ذلك من حالها لهم بعد الحجاب، واستدلالهم بالحجاب على أنه تزوجها. وفيه دليل عند بعضهم على إجازة النكاح بغير شهود إذا أعلن، وأنه ليس من شرط صحة عقده الشهود، وهو قول مالك والزهرى وأهل المدينة وأبى ثور وجماعة من العلماء والسلف والصحابة. وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز إلا بشاهدى عدل وهو قول جماعة من الصحابة والسلف والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد، وقال أبو حنيفة مثله إلا أنه لا يشترط العدالة، ولكن هو شرط عند الجميع فى الدخول. ولم يختلفوا أن كل نكاحٍ استسر وليس فيه شاهدان فهو نكاح سر لا يحل ويفسخ. واختلفوا فى استسراره مع الشاهدين، فمذهب جمهور الفقهاء وأئمة الأمصار ويحيى بن يحيى من أصحابنا على أنه ليس بنكاح سِر، وهو عند مالك نكاح سر يفسخ، دخل أو لم يدخل، ولا فرق عنده كان شاهدين أم لا.

стр. 2520

(١٥) باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب، وإثبات وليمة العرس ٨٩ - (١٤٢٨) حدّثنا مُحَمَدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ. ح وَحَدِثنِى مُحَمَّدُ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِت، عَنْ أَنَس. وَهَذَا حَديثُ بَهْزٍ قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْدٍ: " فَاذْكُرْهَا عَلَىَّ ". قَالَ: فَانْطَلَقَ زَيْدٌ حَتَّى أَتَاهَا وَهِىَ تُخَمَّرُ عَجِينَهَا. قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُها عَظَمَتْ فِى صَدْرِى، حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظرَ إِلَيْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِى وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِبِى. فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُكِ. قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّى. فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ. قَالَ: فَقَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَطْعَمَنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ، فَخَرَجَ النَّاسُ وَبَقِىَ رِجَالٌ يَتَحَدّثُونَ فِى الْبَيْتِ بَعْدَ الطَّعَامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُّ حُجَرَ نِسَائِهِ يُسَلَّمُ عَلَيْهِنَّ، وَيَقُلْنَ يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ قَالَ: فَمَا أَدْرِى أَنَا أَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أَوْ أَخْبَرَنِى. قَالَ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ مَعَهُ فَأَلْقَى السِّتْرَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ، وَنَزَلَ الْحِجَابُ. قَالَ: وَوُعِظَ الْقَوْمُ بِمَا وُعِظُوا بِهِ. ــ وقوله فى الحديث فى قصة زينب: " وأمر النبى ﵇ لزيد أن يذكرها عليه أن يخطبها ": ومعنى " اذكرها علىّ ": أى اخطبها لنفسها علىَّ، أى لى أو عنى. فـ " على " تأتى بمعنى الحرفين. فيه جواز مثل هذا لمن طلقها إذا علم طيب قلبه بذلك، وأنه لا يكرهه مثل حال زيد مع النبى ﷺ . وقوله: " ما أستطيع أن أنظر إليها؛ أن رسول الله ﷺ ذكرها ": بفتح الهمزة، أى من أجل أن رسول الله ﷺ ذكرها. وقوله: " فنكصت على عقبى ": أى رجعت وانصرفت. وقوله: " فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن ": لأنها زوجته، وأن الله أعلمه أنه زوجه إياها. وفى خروج النبى ﷺ ودورانه على نسائه حتى يقوم الجالسان عنه حسن الأدب مع

стр. 2521

زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِى حَدِيثِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاه﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (١). ٩٠ - (...) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - وَفِى رِوَايَةِ أَبِى كَامِلٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا - قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى امْرَأَةٍ - وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ: عَلَى شَىْءٍ - مِنْ نِسَائِهِ، مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، فَإِنَّهُ ذَبَحَ شَاةً. ٩١ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ - وَهُو ابْنُ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْد الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَكْثَرَ أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ. فَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ: بِمَا أَوْلَمَ؟ قَالَ: أَطْعَمَهُمْ خُبْزًا وَلَحْمًا حَتَّى تَرَكُوهُ. ٩٢ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، وَعَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِىُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، كُلُّهُمْ عَنْ مُعْتمِرٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ حَبِيبٍ - حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى. حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِىُّ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، دَعَا الْقَوْمَ فَطَعِمُوا. ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثونَ. قَالَ: فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ مِنَ الْقَوْمِ. زَادَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى فِى حَدِيثِهِمَا قَالَ: فَقَعَدَ ثَلاثَةٌ، وَإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَاءَ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَومُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَاَنْطَلَقُوا. قَالَ: فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلْقَىَ الْحِجَابَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ. قَالَ: ــ الصاحب واحتمال أذاه، وما كان عليه ﵇ من حسن الخلق والعشرة، وأنه ﵇ لما كره جلوسهما لم يأمرهما بالقيام، وتلطف أولاً بالتهيؤ للقيام ليقوما، فلما لم يقوما تلطف بخروجه ورجوعه ليفهما فيقوما كما كان. وفيه كراهة التطويل والجلوس عند العروس، ومن يعلم أن له شغلاً وتفرغاً لأمر من أمور نفسه أو أمور المسلمين.

стр. 2522

وَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاه﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (١). ٩٣ - (...) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ. لَقَدْ كَانَ أُبَى بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِى عَنْهُ. قَالَ أنَسٌ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَروسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. قَالَ: وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَام بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ الْقَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَمَشَى فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ فَرَجَعْتُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ حُجْرَةَ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ فَرَجَعْتُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ، وَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ. ٩٤ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - يَعْنِى ابْنِ سُلَيْمَانَ - عَنِ الْجَعْدِ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ. قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّى أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ فِى تَوْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ، اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْ بَعَثَت بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّى، وَهِىَ تُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّى تُقْرِئُكَ السَّلامَ وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَقَالَ: " ضَعْهُ " ثُمَّ قَالَ: " اذْهَبْ فَادْعُ لِى فُلانًا وَفُلانًا وفُلانًا، وَمَنْ لَقِيتَ " وَسَمَّى رِجَالاً. قَالَ: فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ. قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: عَدَدَ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءَ ثَلاِثِمِائَةٍ. ــ وقول أنس: " وكان يبعثنى فأدعوا الناس "، وفى الحديث الآخر: " اذهب فادع فلاناً وفلاناً ومن لقيت ": فيه الاستنابة فى دعوة الوليمة، وتخصيص الدعوة بالمعينين، وجواز ذلك فيمن يختص من الإخوان لقوله: " فلاناً وفلاناً ". وجواز تفويض ذلك للرسول؛ لقوله: "ومن لقيت "، وإذا لم يعين صاحب الوليمة من يدعوه رسوله لها وقال له مثل هذا، لم يلزم المدعوُ ولم يتأكد عليه الإجابة. وقوله: " ومن لقيت "، وفى رواية السمرقندى فى حديث قتيبة: " أو من لقيت " وهو وهم، والصواب الأول كما فى سائر الأحاديث.

стр. 2523

وَقَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا أَنَسُ، هَاتِ التَّوْرَ ". قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلأَتِ الصُفَّةُ وَالْحُجْرَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَلْيَأكُل كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَليه ". قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ حَتَّى أَكَلُوا كُلهُمْ. فَقَاَلَ لِى: " يَا أَنَسُ، ارْفَعْ ". قَالَ: فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِى حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ. قَالَ: وَجَلَسَ طَوَائِفُ مِنْهمْ يَتَحَدَّثُونَ فِى بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، جَالِسٌ، وَزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إِلَى الْحَائِطِ. فَثَقُلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهَ فَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ رَجَعَ. فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ رَجَعَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ثَقُلُوا عَلَيْهِ. قَالَ: فَاَبْتَدَرُوا الْبَابَ فَخَرجُوا كُلُّهُمْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَرْخَى السِّتْرَ وَدَخَلَ، وَأَنَا جَالِسٌ فِى الْحُجْرَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلا يَسِيرًا حَتَّى خَرَجَ عَلَىَّ، وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِي﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ الْجَعْدُ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَا أَحْدَثُ النَّاسِ عَهْدًا بِهَذِهِ الآيَاتِ، وَحُجِبْنَ نِسَاءُ النَّبِىِّ ﷺ . ٩٥ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِىُّ ﷺ زَيْنَبَ أَهْدَتْ لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا فِى تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ. فَقَالَ أَنَسٌ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اذْهَبْ فَادْعُ لِى مَنْ لَقِيتَ مِنَ المُسْلِمِينَ "؟ فَدَعَوْتُ لَهُ مَنْ لَقِيتُ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ فَيَأكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ. وَوَضَعَ النَّبِىُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى الطَّعَام فَدَعَا فِيهِ. وَقَالَ فِيهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ. وَلَمْ أَدَعْ أَحَدًا لَقِيتُهُ إِلا دَعَوْتُهُ، فَأَكَلُوا ــ وقول أنس: " فصَنَعْت أُمى أم سليم حيسًا فجعلته فى تورٍ "، وذكرت توجيهها إياه به إلى النبى ﷺ ، التور: آنية من حجارةٍ كالقدح مذكر، قيل: هو عَربى، وقيل: دخيل. فيه إهداء الطعام للعروس، وهو مما يستحب لشغلهم بالعرس، كما يستحب بالجنائز لشغلهم بالميت. وفيه دعاء العروس إخوانه لأداء ما يُهدى له من ذلك مما فيه فضل عن حاجته وحاجة أهله. وهذا الحيس قد كان فيه من البركة ما أكل منه زهاء ثلاثمائة، كما جاء فى الحديث. وفيه أن من آيات النبوة تكثير القليل. قال الإمام: " زهاء ثلاثمائة ": أى مقدارها. وزهاء، ونُهاء، ولهاء بمعنى واحد.

стр. 2524

حَتَّى شَبِعُوا، وَخَرَجُوا، وَبَقِىَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَطَالُوا عَلَيْه الْحَدِيثَ. فَجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَحْيى مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ شَيْئًا. فَخَرَجَ وَتَرَكَهُمْ فِى البَيْتِ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: غَيْرَ مُتَحيِّنِينَ طَعَامًا ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿ذَلِكمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِن﴾ (١). ــ قال القاضى: وهذه القصة هى فى عرس زينب بينها مسلم والبخارى (٢) فى بعض أحاديثهما، وهى وإن أشبه بقية الخبر فيها من جلوس من جلس، ونزول الحجاب وخبر وليمتها بالخبز واللحم فى بعض الروايات، فهما قضيتان - والله أعلم، أحدهما: وليمته التى قصد وأشبعهم فيها خبزاً ولحماً. والثانية: هذه التى دعاهم لما أهدته له أم سليم من الحيس فيها كانت الآيةُ والبركة، ولم يأت ذلك فى وليمته باللحم، وفيها كانت قصة الحجاب. ويحتمل أن ذكرها فى قصة وليمة اللحم وهم من الرواة. والأشبه أنها كانت فى وليمة الحيس، وهو ظاهر سياق الأحاديث، ولا يمكن تكرارها مرتين إذ نزول آية الحجاب فى الأولى منهما، ونهيهم عن فعلهم ذلك يكفى عن المخالفة بعد، وأراه وهماً من بعض الرواة، وتركيب قصةٍ على أخرى - والله أعلم - على أن ظاهر قصة زينب فى الوليمة باللحم أن فيها - أيضًا - آيةٌ، وذلك أنه ذكر فى الرواية الواحدة أنه ذبح شاة، وفى الأخرى: " أشبع الناس خبزاً ولحماً "، وقال: " حتى تركوه ". وهذا لا يكون من شاة واحدة للناس. وفى إرخاء الستر فى وجه أنسٍ جواز فعل مثل هذا مع خادم الرجل ومن لا يحتشمه، وأنه أولى من قوله: لا يدخل، ولما كان عليه ﵇ من حسن الخلق والعشرة. وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إنَاهُ﴾: فسره قتادة فى الأم غير متحينين طعاماً معنى " غير ناظرين ": غير منتظرين إدراكه ونضجه، والإناه: الحين والوقت، أى مترقبين حينه. والصفّة مثل الظلة والسقيفة. وقوله: " حين اشتد النهار " هى رواية ابن الحذاء، ولغيره: " امتد " وهما بمعنى اشتد النهار: ارتفع. وقوله: " ووعظ القوم بما وعظوا ": أى عوتبوا، ونحو منه الحديث الآخر: " يعظ أخاه فى الحياء " (٣).

стр. 2525

(١٦) باب الأمر بإجابة الداعى إلى دعوة ٩٦ - (١٤٢٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا دعِىَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأتِهَا ". ٩٧ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيُجِبْ ". قَالَ خَالِدٌ: فَإِذَا عُبَيْدُ اللهِ يُنَزِّلُهُ عَلَى الْعُرْسِ. ٩٨ - (...) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ ". ٩٩ - (...) حدّثنى أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ائْتوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ ". ١٠٠ - (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : " إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ ". ١٠١ - (...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنِى عِيسَى بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِىُّ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ دُعِىَ إِلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ ". ١٠٢ - (...) حدَّثنى حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةُ الْبَاهِلِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَّيَةَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ائتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ ". ١٠٣ - (...) وحدّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْن عُمَرَ يَقُول: قَالَ رَسُولُ اللهِ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →